Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
قوله تعالى : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة . سورة البقرة
سلمنا أن لعنهم ليس قولاً حسناً ولكن لا نسلم أن وجوبه ينافي وجوب القول الحسن ، بيانه
أنه لا منافاة بين كون الشخص مستحقاً للتعظيم بسبب إحسانه إلينا ومستحقاً للتحقير بسبب}
كفره ، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يكون وجوب القول الحسن معهم ، وأما الذي تمسكوا
به ثانياً وهو قوله تعالى ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) فالجواب لم لا يجوز
أن يكون المراد منه كشف حال الظالم ليحترز الناس عنه؟ وهو المراد بقوله ﴿3﴾ («اذكروا
الفاسق بما فيه كي يحذره الناس )).
المسألة الخامسة﴾ قال أهل التحقيق كلام الناس مع الناس إما أن يكون في الأمور
الدينية أو في الأمو الدنيوية ، فإن كان في الأمور الدينية فإما أن يكون في الدعوة إلى الإيمان وهو
مع الكفار أو في الدعوة إلى الطاعة وهو مع الفاسق ، أما الدعوة إلى الإيمان فلا بد وأن تكون
بالقول الحسن كما قال تعالى لموسى وهرون ( فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى ) أمرهما
الله تعالى بالرفق مع فرعون مع جلالتهما ونهاية كفر فرعون وتمرده وعتوه على الله تعالى وقال
لمحمد ﴿رَ﴾﴾ (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) الآية ، وأما دعوة الفساق
فالقول الحسن فيه معتبر ، قال تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) وقال
( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) وأما في الأمور الدنيوية
فمن المعلوم بالضرورة أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض بالتلطف من القول لم يحسن سواه ،
فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخلة تحت قوله تعالى ( وقولوا للناس حسناً ) .
المسألة السادسة ﴾ ظاهر الآية يدل على أن الإحسان إلى ذي القربى واليتامى
والمساكين كان واجباً عليهم في دينهم ، وكذا القول الحسن للناس كان واجباً عليهم لأن أخذ
الميثاق يدل على الوجوب ، وذلك لأن ظاهر الأمر للوجوب ولأنه تعالى ذمهم على التولي عنه
وذلك يفيد الوجوب والأمر في شرعنا أيضاً كذلك من بعض الوجوه وروى عن ابن عباس أنه
قال : إن الزكاة نسخت كل حق ، وهذا ضعيف لأنه لا خلاف أن من اشتدت به الحاجة
وشاهدناه بهذه الصفة فأنه يلزمنا التصدق عليه وإن لم يجب علينا الزكاة حتى أنه إن لم تندفع
حاجتهم بالزكاة كان التصدق واجباً ولا شك في وجوب مكالمة الناس بطريق لا يتضررون به .
التكليف السابع والثامن : قوله تعالى ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) وقد تقدم
تفسيرهما .
وأعلم أنه تعالى لما شرح أنه أخذ الميثاق عليهم في هذه التكاليف الثمانية بين أنه مع
إنعامه عليهم بأخذ الميثاق عليهم بكل ذلك ليقبلوا فتحصل لهم المنزلة العظمى عند ربهم تولوا
:
٠

١٨٢
قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون . سورة البقرة
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآَ كُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَدُمْ
وَأُمْ تَشْهَدُونَ (
٨٤
,٠
وأساءوا إلى أنفسهم ولم يتلقوا نعم ربهم بالقبول مع توكيد الدلائل والمواثيق عليهم وذلك
يزيد في قبح ما هم عليه من الإعراض والتولي لأن الإقدام على مخالفة الله تعالى بعد أن بلغ
الغاية في البيان والتوثق يكون أعظم من المخالفة مع الجهالة ، واختلفوا فيمن المراد بقوله ( ثم
توليتم ) على ثلاثة أوجه : أحدها : أنه من تقدم من بني إسرائيل ، وثانيها : أنه خطاب لمن
کان في عصر النبي ټ من اليهود ، يعني أعرضتم بعد ظهور المعجزات کإعراض أسلافكم ،
وثالثها : المراد بقوله ( ثم توليتم ) من تقدم بقوله ( وأنتم معرضون ) ومن تأخر . أما وجه
القول الأول أنه إذا كان الكلام الأول في المتقدمين منهم فظاهر الخطاب يقتضى أن آخره فيهم
أيضاً إلا بدليل يوجب الانصراف عن هذا الظاهر ، يبين ذلك أنه تعالى ساق الكلام الأول
سياقة إظهار النعم بإقامة الحجج عليهم ، ثم بين من بعد أنهم تولوا إلا قليلاً منهم فإنهم بقوا
على ما دخلوا فيه . أما وجه القول الثاني أن قوله ( ثم توليتم ) خطاب مشافهة وهو
بالحاضرين أليق وما تقدم حكاية ، وهو بسلفهم الغائبين أليق فكأنه تعالى بين أن تلك العهود
والمواثیق کما لزمهم التمسك بها فذلك هو لازم لکم لأنکم تعلمون ما في التوراة من حال محمد
(3﴾ وصحة نبوته ، فيلزمكم من الحجة مثل الذي لزمهم وأنتم مع ذلك قد توليتم
وأعرضتم عن ذلك إلا قليلاً منكم وهم الذين آمنوا وأسلموا ، فهذا محتمل ، وأما وجه القول
الثالث فهو أنه تعالى لما بين أنه أنعم عليهم بتلك النعم ، ثم إنهم تولوا عنها كان ذلك دالاً على
نهایة قبح أفعالهم ویکون قوله ( وأنتم معرضون ) مختصاً من في زمان محمدټ آی أنکم بمنزلة
المتقدمين الذين تولوا بعد أخذ هذه المواثيق فانكم بعد اطلاعکم علی دلائل صدق محمد
٣) أعرضتم عنه وكفرتم به، فكنتم في هذا الإعراض بمثابة أولئك المتقدمين في ذلك
التولي والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ وإذ أخذنا میثاقکم لا تسفکون دماءکم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم
أقررتم وأنتم تشهدون ﴾
اعلم أن هذه الآية على نوع آخر من نعم الله عليهم وهو أنه تعالى كلفهم هذا التكليف
وأنهم أقروا بصحته ثم خالفوا العهد فيه .
وأما قوله ( وإذ أخذنا ميثاقكم ) ففيه وجوه : أحدها . أنه خطاب لعلماء اليهود فى

١٨٣
قوله تعالى : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم . سورة البقرة
عصر النبي ﴿رَّ﴾﴾ وثانيها: أنه خطاب مع أسلافهم، وتقديره وإذ أخذنا ميثاق آبائكم.
وثالثها: أنه خطاب للأسلاف وتقريع للأخلاف ومعنى ((أخذنا ميثاقكم)) أمرناكم وأكدنا
الأمر وقبلتم وأقررتم بلزومه ووجوبه .
أما قوله تعالى ( لا تسفكون دماءكم ) ففيه إشكال وهو أن الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل
نفسه ، وإذا كان كذلك فلا فائدة في النهي عنه . والجواب عنه من أوجه ، أحدها : أن هذا
الإلجاء قد يتغير كما ثبت في أهل الهند أنهم يقدرون في قتل النفس التخلص من عالم الفساد
واللحوق بعالم النور والصلاح أو كثير ممن صعب عليه الزمان وثقل عليه أمر من الأمور فيقتل
نفسه فإذا انتفى كون الإنسان ملجأ إلى ترك قتله نفسه صح كونه مكلفاً به ، وثانيها : المراد لا
يقتل بعضكم بعضاً وجعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به نسباً وديناً وهو كقوله تعالى ( فاقتلوا
أنفسكم ) ، وثالثها : أنه إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه ، ورابعها : لا
تتعرضوا لمقاتلة من يقتلكم فتكونوا قد قتلتم أنفسكم ، وخامسها : لا تسفکون دماءكم من
قوامكم في مصالح الدنيا بهم فتكنون مهلكين لأنفسكم .
أما قوله تعالى ( ولا تخرجون أنفسكم ) ففيه وجهان ، الأول : لا تفعلوا ما تستحقون
بسببه أن تخرجوا من دياركم ، الثاني : المراد النهي عن إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم لأن
ذلك مما يعظم فيه المحنة والشدة حتى يقرب من الهلاك .
أما قوله تعالى ( ثم أقررتم وأنتم تشهدون ) ففيه وجوه ، أحدها : وهو الأقوى ، أي
ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه ، وأنتم تشهدون عليها كقولك فلان مقر
على نفسه بكذا أي شاهد عليها ، وثانيها : اعترفتم بقبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك
لأنه كان شائعاً فيما بينهم مشهوراً . وثالثها : وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار
أسلافكم بهذا الميثاق ، ورابعها : الإقرار الذي هو الرضاء بالأمر والصبر عليه كأن يقال فلان
لا يقر على الضيم فيكون المعنى أنه تعالى يأمركم بذلك ورضيتم به فأقمتم عليه وشهدتم
بوجوبه وصحته ، فإن قيل : لم قال ( أقررتم وأنتم تشهدون ) والمعنى واحد ، قلنا فيه ثلاثة
أقوال : الأول أقررتم يعني أسلافكم وأنتم تشهدون الآن يعني على إقرارهم ، الثاني :
أقررتم في وقت الميثاق الذي مضى وأنتم بعد ذلك تشهدون ، الثالث : أنه للتأكيد .
قوله تعالى ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون
:
:

١٨٤
قوله تعالى (( ثم انتم هؤلاء تقتلون انفسكم)) سورة البقرة
ثُمَّ أَنْتُمْ هَنُّلَاءٍ تَقْتُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُحْرِجُونَ فَرِيِّقًا مِنْكُم مِّنْ دِيَرِهِمْ تَظَهُرُونَ عَيْهِمْ بِلْأَخْم
وَالْعُدُوَنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَرَىْ تُفَدُوهُمْ وَهُوَ مُرَّمُ عَلَيْكُمْ إِنْرَاجُهُمْ أَقْتُؤْمِنُونَ
بِبَعْضِ الْكِتَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ لََّا بَآءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّ نِزْيٌ فِى الْحَيَوَةِ
الْعَذَّابِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلِ عَمَا تَعْمَلُونَ (
٨٥
اُلُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ
: :
عليهم بالإِثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض
الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون
إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون
٤٫٠
أما قوله تعالى ( ثم أنتم هؤلاء) ففيه إشكال لأن قوله ((أنتم)) للحاضرين و((هؤلاء))
للغائبين فكيف يكون الحاضر نفس الغائب ، وجوابه من وجوه، أحدها : تقديره ثم أنتم يا هؤلاء، .
وثانيها : تقديره ثم أنتم أعنى هؤلاء الحاضرين، وثالثها: أنه بمعنى الذين وصلته ((تقتلون))
وموضع تقتلون رفع إذا كان خبراً ولا موضع له إذا كان صلة . قال الزجاج ، ومثله في الصلة قوله
تعالى ( وما تلك بيمينك يا موسى ) يعني وما تلك التي بيمينك ، ورابعها : هؤلاء تأكيد لأنتم ،
والخبر ((تقتلون))، وأما قوله تعالى (تقتلون أنفسكم) فقد ذكرنا فيه الوجوه، وأصحها أن المراد:
يقتل بعضكم بعضاً، وقتل البعض للبعض قد يقال فيه إنه قتل للنفس إذا كان الكل بمنزلة النفس
الواحدة وبينا المراد بالإِخراج من الديار ما هو .
أما قوله تعالى ( تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي ((تظاهرون)) بتخفيف الظلء،".
والباقون بالتشديد فوجه التخفيف الحذف لاحدی التاءین کقوله ( ولا تعاونوا ) ووجه التشديد ،
إدغام التاء في الظاء ، كقوله تعالى ((أثاقلتم)) والحذف أخف والادغام أدل على الأصل.
المسألة الثانية﴾ اعلم أن التظاهر هو التعاون، ولما كان الإخراج من الديار وقتل"
البعض بعضاً مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة بين الله تعالى أنهم فعلوه على وجه . .
الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان .

١٨٥
قوله تعالى : ثم أنتم هؤلاء . سورة البقرة
﴿ المسألة الثالثة) الآية تدل على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه
محرمة ، فإن قيل : أليس أن الله تعالى لما أقدر الظالم على الظلم وأزال العوائق والموانع وسلط
عليه الشهوة الداعية إلى الظلم كان قد أعانه على الظلم ، فلو كانت إعانة الظالم على ظلمه
قبيحة لوجب أن لا يوجد ذلك من الله تعالى ، والجواب : أنه تعالى وإن مكن الظالم من ذلك
فقد زجره عن الظلم بالتهديد والزجر ، بخلاف المعين للظالم على ظلمه فإنه يرغبه فيه ويحسنه
في عينة ويدعوه إليه فظهر الفرق .
﴿ المسألة الرابعة﴾ الآية لا تدل على أن قدر ذنب المعين مثل قدر ذنب المباشر، بل
الدليل دل على أنه دونه لأن الإعانة لو حصلت بدون المباشرة لما أثرت في حصول الظلم ولو
حصلت المباشرة بدون الإعانة لحصل الضرر والظلم ، فعلمنا ان المباشرة أدخل في الحرمة من
الإعانة .
أما قوله تعالى ( وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ) ففيه مسائل .
المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وعاصم والكسائي ( أسارى تفادوهم) بالألف فيهما وقرأ
حمزة وحده بغير ألف فيهما والباقون ((أسارى)) بالألف و((وتفدوهم)) بغير ألف و((الأسرى))
جمع أسير كجريح وجرحى ، وفي أسارى قولان : أحدهما أنه جمع أسرى كسكرى
وسكارى ، والثاني : جمع أسير، وفرق أبو عمرو بين الأسرى والأسارى ، وقال الأسارى
الذين في وثاق ، والأسرى الذين في اليد ، كأنه يذهب إلى أن أسارى أشد مبالغة ، وأنكر
ثعلب ذلك ، وقال علي بن عيسى : الاختیار أسارى بالألف لأن عليه أكثر الأئمة ولأنه دل على
معنى الجمع إذ كان يقال بكثرة فيه وهو قليل في الواحد نحو شكاعى ولأنها لغة أهل الحجاز .
﴿ المسألة الثانية﴾ تفدوهم وتفادوهم لغتان مشهورتان تفدوهم من الفداء وهو العوض
من الشيء صيانة له ، يقال فداه فدية وتفادوهم من المفاداة .
المسألة الثالثة ﴾ جمهور المفسرين قالوا المراد من قوله ( تفادوهم) وصف لهم بما هو
طاعة وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره ليعودوا إلى كفرهم ، وذكر أبو مسلم أنه ضد
ذلك والمراد أنكم مع القتل والإِخراج إذا وقع أسير في أیدیکم لم ترضوا منه إلا بأخذ مال وإن
كان ذلك محرماً عليكم ثم عنده تخرجونه من الأسر، قال أبومسلم والمفسرون إنما أتوا من جهة
قوله تعالى ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) وهذا ضعيف لأن هذا القول راجع
إلى ما تقدم من ذكر النبي م# وما أنزل عليهم ، والمراد أنه إذا كان في الكتاب الذي معكم نبأ
محمد فجحد تموه فقد آمنتم ببعض الكتاب وكفرتم ببعض ، وكلا القولين يحتمل لفظ المفادة لأن

١٨٦
قوله تعالى: ثم أنتم هؤلاء . سورة البقرة
الباذل عن الأسير يوصف بأنه فاداه والأخذ منه للتخليص يوصف أيضاً بذلك إلا أن الذي
أجمع المفسرون عليه أقرب لأن عود قوله ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) إلى ما
تقدم ذكره في هذه الآية أولى من عودة إلى أمور تقدم ذكرها بعد آيات .
المسألة الرابعة ﴾ قال بعضهم : الذين أخرجوا والذین فودوا فريق واحد ، وذلك أن
قريظة والنضير كانا أخوين كالأوس والخزرج فافترقوا فكانت النضير مع الخزرج وقريظة مع
الأوس . فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم وإذا أسر
رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه ، فعيرتهم العرب وقالوا كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم
فيقولون أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ولكنا نستحي أن نذل حلفاءنا ، وقال آخرون
ليس الذين أخرجوهم فودوا ولكنهم قوم آخرون فعابهم الله عليه .
أما قوله تعالى ( وهو محرم عليكم إخراجكم ) ففي قوله ( وهو ) وجهان الأول : أنه
ضمير القصة والشأن كأنه قيل والقصة محرم عليكم إخراجهم ، الثاني أنه كناية عن الإخراج
أعيد ذكره توكيداً لأنه فصل بينهما بكلام فموضعه على هذا رفع كأنه قيل وإخراجهم محرم
علیکم ، ثم أعيد ذکر إخراجهم مبيناً للأول .
أما قوله ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) فقد اختلف العلماء فیه علی
وجهین ، أحدهما : إخراجهم كفر ، وفداؤهم إيمان وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة
وابن جريج ، ولم يذمهم على الفداء وإنما ذمهم على المناقضة إذا أتوا ببعض الواجب وتركوا
البعض ، وقد تكون المناقضة أدخل في الذم لا يقال هب أن ذلك الإخراج معصية فلم سماها
كفراً مع، أنه ثبت أن العاصي لا يكفر، لأنا نقول لعلهم صرحوا أن ذلك الإخراج غير واجب
مع أن صريح التوراة كان دالاً على وجوبه . وثالثهما : المراد منه التنبيه على أنهم في تمسكهم
بنبوة موسى عليه السلام مع التكذيب بمحمد ◌ّل مع أن الحجة في أمرهما على سواء يجري مجرى
طريقة السلف منهم في أن يؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض والكل في الميثاق سواء ...
أما قوله تعالى ( إلا خزي في الحياة الدنيا) فأصل الخزي الذل والمقت يقال : أخزاه
الله إذا مقته وأبعده ، وقيل أصله الاستحياء ، فإذا قيل أخزاه الله كأنه قيل أوقعه موقعاً
يستحيا منه ، وبالجملة بالمراد منه الذم العظيم ، واختلفوا في هذا الخزي على وجوه .
أحدها : قال الحسن المراد الجزية والصغار ، وهو ضعيف لأنه لا دلالة على أن الجزية كانت
ثابتة في شريعتهم بل إن حملنا الآية على الذين كانوا في زمان محمد آل صح هذا الوجه لأن من
جملة الخزي الواقع بأهل الذمة أخذ الجزية منهم ، وثانيها : إخراج بني النضير من ديارهم ،
وقتل بني قريظة وسبي ذراريهم ، وهذا إنما يصح لو حملنا الآية على الحاضرين في زمان محمد
:

١٨٧
قوله تعالى : أولئك الذين اشتروا الحياة . سورة البقرة
أَوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْهَ وَأ ◌ْخَةَ الْنْيَا بِآَخِرَةِ فَلَ يُحَفَُّ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَ هُمْ يُنْصَرُونَ
:
٨٦
مَّ، وثالثها وهو الأولى أن المراد منه الذم العظيم والتحقير البالغ من غير تخصيص ذلك ببعض
الوجوه دون بعض والتنكير في قوله ((خزي)) يدل على أن الذم واقع في النهاية العظمى .
أما قوله ( ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ) ففيه سؤال وهو أن عذاب الدهرية
الذين ينكرون الصانع يجب أن يكون أشد من عذاب اليهود ، فكيف قال في حق اليهود
( يردون إلى أشد العذاب ) والجواب ؛ المراد منه أنه أشد من الخزي الحاصل في الدنيا، فلفظ
((الأشد )) وإن كان مطلقاً إلا أن المراد أشد من هذه الجهة .
أما قوله ( وما الله بغافل عما تعملون ) ففيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير ونافع وعاصم بتاء الخطاب والباقون بياء الغيبة، وجه
الأول البناء على أول الكلام أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ، ووجه الثاني البناء
على أنه آخر الكلام واختيار الخطاب لأن عليه الأكثر ولأنه أدل على المعنى لتغليب الخطاب على
الغيبة إذا اجتمعا .
﴿ المسألة الثانية ) قوله تعالى ( وما الله بغافل عما تعملون ) تهديد شديد وزجر عظيم
عن المعصية وبشارة عظيمة على الطاعة لأن الغفلة إذا كانت ممتنعة عليه سبحانه مع أنه أقدر
القادرين وصلت الحقوق لا محالة إلى مستحقيها .
قوله تعالى ﴿ أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم
ينصرون ﴾ .
اعلم أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة ممتنع غير ممكن والله سبحانه
مكن المكلف من تحصيل أيهما شاء وأراد ، فإذا اشتغل بتحصيل أحدهما فقد فوت الآخر على
نفسه فجعل الله ما أعرض اليهود عنه من الإيمان بما في كتبهم وما حصل في أيديهم من الكفر
ولذات الدنيا كالبيع والشراء ، وذلك من الله تعالى في نهاية الذم لهم لأن المغبون في البيع والشراء
في الدنيا مذموم حتى يوصف بأنه تغير في عقله فبأن يذم مشترى متاع الدنيا بالآخرة أولى .

١٨٨
قوله تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب . سورة البقرة
مِنْ بَعْدِهِ، بِالرَّسُلِ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ عَرِيمَ الْبِتَتِ
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَقَفَّيْنَا
وَأَيَدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّا جَاءَ كُرْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَ أَنْفُسُ أَسْتَكْتُمْفَقَرِيقًا:
كَبُمْ وَفَرِ يقًاتَقْتُونَ
١
أما قوله تعالى ( فلا يخفف عنهم العذاب ) ففيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ في دخول الفاء في قوله ( فلا يخفف) قولان ، أحدهما : العطف على ا
( اشتروا) والقول الآخر بمعنى جواب الأمر كقولك أولئك الضلال انتبه فلا خير فيهم والأولى؛
أوجه لأنه لا حاجة فيه إلى الإضمار .
المسألة الثانية ﴾ بعضهم حمل التخفيف على أنه لا ينقطع بل يدوم لأنه لو انقطع لكان
قد خف ، وحمله آخرون على شدته لا على دوامه والأولى أن يقال إن العذاب قد يخف بالانقطاع
وقد يخف بالقلة في كل وقت أو في بعض الأوقات فإذا وصف تعالى عذابهم بأنه لا يخفف اقتضى
ذلك نفي جميع ما ذكرناه .
أما قوله تعالى ( ولا هم ينصرون ) ففيه وجهان : الأكثرون حملوه على نفي النصرة في .
الآخرة يعني أن أحداً لا يدفع هذا العذاب عنهم ولا هم ينصرون على من يريد عذابهم ومنهم
من حمله على نفي النصرة في الدنيا والأول أولى لأنه تعالى جعل ذلك جزاء على صنيعهم ،
ولذلك قال ( فلا يخفف عنهم العذاب ) وهذه الصفة لا تليق إلا بالآخرة لأن عذاب الدنيا وإن
حصل فيصير كالحدود التي تقام على المقصر ولأن الكفار قد يصيرون غالبين للمؤمنين في بعض
الأوقات .
ـود
قوله تعالى ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم
البينات وأيدناه بروح القدس أفكلها جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم
وفريقاً تقتلون ﴾
أعلم أن هذا نوع آخر من النعم التي أفاضها الله عليهم ثم إنهم قابلوه بالكفر والأفعال .
القبيحة وذلك لأنه تعالى لما وصف حال اليهود من قبل بأنهم يخالفون أمر الله تعالى في قتل .
أنفسهم وإخراج بعضهم بعضاً من ديارهم وبين أنهم بهذا الصنيع اشتروا الدنيا بالآخرة زاد في }
تبكيتهم بما ذكره في هذه الآية . أما الكتاب فهو التوراة آتاه الله إياها جملة واحدة ، روی عن

١٨٩
قوله تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب . سورة البقرة
ابن عباس أن التوراة لما نزلت أمر الله تعالى موسى بحملها فلم يطق ذلك ، فبعث الله لكل
حرف منها ملكاً فلم يطيقوا حملها فخففها الله على موسى فحملها .
وأما قوله تعالى ( وقفينا من بعده الرسل ) ففيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قفينا أتبعنا مأخوذ من الشيء يأتي في قفاهالشيء أي بعد نحو ذنبه من
الذنب ، ونظيره قوله ( ثم أرسلنا رسلنا تترى) .
المسألة الثانية ﴾ روى أن بعد موسى عليه السلام إلى أيام عيسى عليه السلام كانت
الرسل تتواتر ويظهر بعضهم في أثر بعض والشريعة واحدة إلى أيام عيسى عليه السلام فإنه
صلوات الله عليه جاء بشريعة مجددة ، واستدلوا على صحة ذلك بقوله تعالى ( وقفينا من بعده
بالرسل ) فإنه يقتضى أنهم على حد واحد في الشريعة يتبع بعضهم بعضاً فيها ، قال القاضي إن
الرسول الثاني لا يجوز أن يكون على شريعة الأول حتى لا يؤدي إلا تلك الشريعة بعينها من غير
زيادة ولا نقصان مع أن تلك الشريعة محفوظة يمكن معرفتها بالتواتر عن الأول لأن الرسول إذا
كان هذا حاله لم يمكن أن يعلم من جهة إلا ما كان قد علم من قبل أو يمكن أن يعلم من قبل
فكما لا يجوز أن يبعث الله تعالى رسولاً لا شريعة معه أصلاً، تبين العقليات لهذه العلة ، فكذا
القول في مسألتنا فثبت أنه لا بد في الرسل الذين جاؤوا من بعد موسى عليه السلام أن يكونوا
قد أتوا بشريعة جديدة إن كانت الأولى محفوظة أو محيية لبعض ما اندرس من الشريعة الأولى .
والجواب : لم لا يجوز أن يكون المقصود من بعثة هؤلاء الرسل تنفيذ تلك الشريعة السالفة على
الأمة أو نوع آخر من الألطاف لا يعلمها إلا الله ، وبالجملة فالقاضي ما أتى في هذه الدلالة إلا
بإعادة الدعوى ، فلم قال إنه لا يجوز بعث هؤلاء الرسل إلا لشريعة جديدة أو لإِحياء شريعة
اندرست وهل النزاع وقع إلا في هذا؟ .
﴿ المسألة الثالثة﴾ هؤلاء الرسل هم: يوشع، وشمويل(١)، وشمعون، وداود،
وسليمان ، وشعياء ، وأرمياء ، وعزير ، وحزقيل ، وإلياس ، واليسع ، ويونس ، وزكريا ،
ويحيى ، وغيرهم . أما قوله تعالى ( وآتينا عيسى ابن مريم البينات ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ السبب في أن الله تعالى أجمل ذكر الرسول ثم فصل ذكر عيسى لأن
من قبله من الرسل جاءوا بشريعة موسى فكانوا متبعين له ، وليس كذلك عيسى لأن شرعه نسخ
أكثر شرع موسى عليه السلام .
(١) في الأصل المطبوع: ((وأشمويل))

١٩٠
قوله تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب . سورة البقرة
المسألة الثانية ﴾ قيل عيسى بالسريانية أيشوع ، ومريم بمعنى الخادم وقيل مريم
بالعبرانية من النساء كزير من الرجال ، وبه فسرقول رؤية :
(( قلت لزير لم تصله مريمة ))
المسألة الثالثة ﴾ في البينات وجوه . أحدها : المعجزات من إحياء الموتى ونحوها عن
ابن عباس ، وثانيها : أنها الإنجيل . وثالثها : وهو الأقوى أن الكل يدخل فيه ، لأن المعجز
يبين صحة نبوته كما أن الإنجيل يبين كيفية شريعته فلا يكون للتخصيص معنى .
أما قوله تعالى ( وأيدناه بروح القدس ) ففيه مسائل .
﴿ المسألة الأولى) قرىء وأيدناه قرأ ابن كثير ((القدس)) بالتخفيف والباقون بالتثقيل
وهما لغتان مثل رعب ورعب .
﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا في الروح على وجوه. أحدها: أنه جبريل عليه السلام
وإنما سمي بذلك لوجوه ، الأول : أن المراد من روح القدس الروح المقدسة كما يقال حائم
الجود ورجل صدق فوصف جبريل بذلك تشريفاً له وبياناً لعلو مرتبته عند الله تعالى . الثاني :
سمي جبريل عليه السلام بذلك لأنه يحيا به الدين كما يحيا البدن بالروح فإنه هو المتولي لإنزال
الوحي إلى الأنبياء والمكلفون في ذلك يحيون في دينهم . الثالث : أن الغالب عليه الروحانية
وكذلك سائر الملائكة غير أن روحانيته أتم وأكمل . الرابع : سمي جبريل عليه السلام روجاً
لأنه ما ضمته أصلاب الفحول وأرحام الأمهات ، وثانيها : المراد بروح القدس الإنجيل كما
قال في القرآن ( روحاً من أمرنا) وسمي به لأن الدين تحيا به ومصالح الدنيا تنتظم لأجله .
وثالثها : أنه الإسم الذي كان يحبي به عليه السلام الموتى ، عن ابن عباس وسعيد بن جبير ،
ورابعها : أنه الروح الذي نفخ فيه والقدس هو الله تعالى فنسب روح عيسى عليه السلام إلى
نفسه تعظيماً له وتشريفاً ، كما يقال : بيت الله وناقة الله ، عن الربيع ، وعلى هذاب المراد به
الروح الذي يحيا به الإنسان .
واعلم أن إطلاق إسم الروح على جبريل وعلى الإنجيل وعلى الإسم الأعظم مجاز؛ لأن
الروح هو الريح المتردد في مخارق الإنسان ومنافذه ومعلوم أن هذه الثلاثة ما كانت كذلك إلا
أنه سمي کل واحد من هذه الثلاثة بالروح علی سبیل التشبيه من حیث أن الروح کما أنه سبب

١٩١
قوله تعالى : وقالوا قلوبنا غلف . سورة البقرة
وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلّفٌ بَل لََّنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ
لحياة الرجل فكذلك جبريل عليه السلام سبب لحياة القلوب بالعلوم ، والإِنجيل سبب لظهور
الشرائع وحياتها والإِسم الأعظم سبب لأن يتوسل به إلى تحصيل الأغراض إلا أن المشابهة بين
مسمى الروح وبين جبريل أتم لوجوه أحدها : لأن جبريل عليه السلام مخلوق من هواء
نوراً، لطيف فكانت المشابهة أتم فكان إطلاق إسم الروح على جبريل أولى ، وثانيها : أن
هذه التسمية فيه أظهر منها فيما عداه ، وثالثها أن قوله تعالى ( وأيدناه بروح القدس ) يعني
قويناه والمراد من هذه التقوية الإعانة وإسناد الإعانة إلى جبريل عليه السلام حقيقة وإسنادها
إلى الإنجيل والإِسلام الأعظم مجاز فكان ذلك أولى ، ورابعها : وهو أن اختصاص عيسى
بجبريل عليهما السلام من أكد وجوه الاختصاص بحيث لم يكن لأحد من الأنبياء عليهم
السلام مثل ذلك لأنه هو الذي بشرمريم بولادتها وإنما ولد عيسى عليه السلام من نفخة جبريل
عليه السلام وهو الذي رباه في جميع الأحوال وكان يسير معه حيث سار وكان معه حين صعد إلى
السماء .
أما قوله تعالى ( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ) فهو نهاية الذم
لهم لأن اليهود من بني إسرائيل كانوا إذا أتاهم الرسول بخلاف ما يهوون كذبوه وإن تهيأ لهم
قتله قتلوه . وإنما كانوا كذلك لإِرادتهم الرفعة في الدنيا وطلبهم لذاتهم والترؤس على عامتهم
وأخذ أموالهم بغير حق وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك فيكذبونهم لأجل ذلك ويوهمون
عوامهم كونهم كاذبين ويحتجون في ذلك بالتحريف وسوء التأويل ، ومنهم من كان يستكبر على
الأنبياء استكبار إبليس على آدم .
أما قوله تعالى ( ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون ) فلقائل أن يقول : هلا قيل وفريقاً
قتلتم ؟ وجوابه من وجهين : أحدهما أن يراد الحال الماضية لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في
النفوس وتصويره في القلوب(١) الثاني: أن يراد فريقاً تقتلونهم بعد لأنكم حاولتم قتل محمد
ولو لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة . وقال عليه السلام عند موته
((ما زالت أكلة خيبر تعاودني. فهذا أو أن انقطاع أبهري)) والله أعلم.
قوله تعالى ﴿ وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون ﴾
أما الغلف ففيه ثلاثة أوجه . أحدها : أنه جمع أغلف والأغلف هو ما في غلاف أي
(١) هذا الجواب جواب عن سؤال آخر هو ((هلا قيل ففريقا تكذبون))

١٩٢
قوله تعالى ((وقالوا قلوبنا غلف)) سورة البقرة
قلوبنا مغشاة بأغطية مانعة من وصول أثر دعوتك إليها ، وثانيها : روى الأصم عن بعضهم
أن قلوبهم غلف بالعلم ومملوءة بالحكمة فلا حاجة معها بهم إلى شرع محمد عليه السلام ،
وثالثها : غلف أي كالغلاف الخالى لا شيء فيه مما يدل على صحة قولك . أما المعتزلة فإنهم
اختاروا الوجه الأول ، ثم قالوا هذه الآية تدل على أنه ليس في قلوب الكفار ما لا يمكنهم معه
الإيمان ، لاغلاف ولا كن ولا سد على ما يقوله المجبرة لأنه لو كان كذلك لكان هؤلاء اليهود
صادقين في هذا القول فكان لا يكذبهم الله بقوله ( بل لعنهم الله بكفرهم ) لأنه تعالى إنما يذم
الكاذب المبطل لا الصادق المحق المعذور ، قالوا وهذا يدل على أن معنى قوله ( إنا جعلنا على
قلوبهم أكنة أن یفقهوه وفی آذانهم وقراً ) وقوله ( إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ) وقوله ( وجعلنا
من بين أيديهم سداً) ليس المراد كونهم ممنوعين من الإيمان بل المراد إما منع الألطاف أو تشبيه
حالهم في إصرارهم على الكفر بمنزلة المجبور على الكفر . قالوا ونظير ذم الله تعالى اليهود على
هذه المقالة ذمة تعالى الكافرين على مثل هذه المقالة وهو قوله تعالى ( وقالوا قلوبنا في أكنة مما
تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ) ولو كان الأمر على ما يقوله المجبرة لكان
هؤلاء القوم صادقين في ذلك ولو كانوا صادقين لما ذمهم بل كان الذي حكاه عنهم إظهاراً
لعذرهم ومسقطاً للومهم .
واعلم أنا بينا في تفسير الغلف وجوهاً ثلاثة فلا يجب الجزم بواحد منها من غير دليل .
سلمنا أن المراد منه ذلك الوجه لكن لم قلت إن الآية تدل على أن ذلك القول مذموم ؟
أما قوله تعالى ( بل لعنهم الله بكفرهم ) ففيه أجوبة ( أحدها ) هذا يدل على أنه تعالى
لعنهم بسبب كفرهم أما لم قلتم بأنه إنما لعنهم بسبب هذه المقالة فلعله تعالى حكى عنهم قولاً
ثم بين أن من حالهم أنهم ملعونون بسبب كفرهم ( وثانيها ) المراد من قوله ( وقالوا قلوبنا
غلف) أنهم ذكروا ذلك على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار يعني ليست قلوبنا في أغلاف ولا
في أغطية بل قوية وخواطرنا منيرة ثم إنا بهذه الخواطر والأفهام تأملنا في دلائلك يا محمد فلم نجد
منها شيئاً قوياً . فلما ذكروا هذا التصلف الكاذب لا جرم لعنهم الله على كفرهم الحاصل بسبب
هذا القول ، ( وثالثها) لعل قلوبهم ما كانت في الأغطية بل كانوا عالمين بصحة نبوة محمد
﴿يََّ﴾ وعلى آله وسلم كما قال تعالى ( يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ) إلا أنهم أنكروا تلك
المعرفة وادعوا أن قلوبهم غلف وغير واقفة على ذلك فكان كفرهم كفر العناد فلا جرم لعنهم الله
على ذلك الكفر .
أما قوله تعالى ( فقليلاً ما يؤمنون ) ففيه مسألتان .
المسألة الأولى﴾ في تفسيره ثلاثة أوجه ( أحدها ) أن القليل صفة المؤمن أي لا يؤمن

١٩٣
قوله تعالى : ولما جاءهم رسول من عند الله . سورة البقرة
وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَبٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ
٨٩
عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَّا جَاءَهُم مَّا عَ فُواْ كَفَرُواْ بِهِ، فَلَعْنَهُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِرِ ينَ
منهم إلا القليل عن قتادة والأصم وأبي مسلم ( وثانيها ) أنه صفة الإيمان أن لا يؤمنون إلا
بقليل مما كلفوا به لأنهم كانوا يؤمنون بالله إلا أنهم كانوا يكفرون بالرسل (وثالثها) معناه لا
يؤمنون أصلاً لا قليلاً ولا كثيراً كما يقال : قليلاً ما يفعل بمعنى لا يفعل البتة . قال الكسائي :
تقول العرب مررنا بأرض قليلاً ما تنبت يريدون لا تنبت شيئاً والوجه الأول أولى لأنه نظير قوله
( بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً) ولأن الجملة الأولى إذا كان المصرح فيها ذكر
القوم فيجب أن يتناول الاستثناء بعض هؤلاء القوم .
المسألة الثانية﴾ في انتصاب ((قليلاً)) وجوه. أحدها: فإيماناً قليلاً ما يؤمنون
((وما)) مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب ، وثانيها : انتصب بنزع الخافض أي بقليل
يؤمنون ، وثالثها : فصاروا قليلاً ما يؤمنون .
ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا
فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ﴾
اعلم أن هذا نوع من قبائح اليهود . أما قوله تعالى ( كتاب ) فقد اتفقوا على أن هذا
الكتاب هو القرآن لأن قوله تعالى ( مصدق لما معهم) يدل على أن هذا الكتاب غير ما معهم
وما ذاك إلا القرآن . أما قوله تعالى ( مصدق لما معهم ) ففيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ لا شبهة في أن القرآن مصدق لما معهم في أمر يتعلق بتكليفهم
بتصديق محمد رَّة في النبوة واللائق بذلك هو كونه موافقاً لما معهم في دلالة نبوته إذ قد عرفوا أنه
ليس بموافق لما معهم في سائر الشرائع وعرفنا أنه لم يرد الموافقة في باب أدلة القرآن لأن جميع
كتب الله كذلك ولما بطل الكل ثبت أن المراد موافقته لكتبهم فيما يختص بالنبوة وما يدل عليها من
العلامات والنعوت والصفات .
المسألة الثانية) قرىء (مصدقاً) على الحال ، فإن قيل كيف جاز نصبها عن
-٣ ١٣٫

قوله تعالى : ولما جاءهم رسول من عند الله . سورة البَقَرة
النكرة؟ قلنا إذا وصفت النكرة تخصصت فصح انتصاب الحال عنها وقد وصف (كتاب)) بقوله
( من عند الله ) .
المسألة الثالثة﴾ في جواب ((لما)) ثلاثة أوجه ، أحدها : أنه محذوف كقوله تعالى
( ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ) فإن جوابه محذوف وهو. لكان هذا القرآن ، عن الأخفش
والزجاج ، وثانيها : أنه على التكرير لطول الكلام والجواب : كفروا به كقوله تعالى ( أيعدكم
أنكم ) إلى قوله تعالى ( أنكم مخرجون ) عن المبرد ، وثالثها : أن تكون الفاء جواباً للما الأولى
((وكفروا به)) جواباً للما الثانية وهو كقوله ( فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف
عليهم ) الآية عن الفراء :
أما قوله تعالى ( وكانوا من قبل يستفتحون على الدين كفروا ) ففي سبب النزول وجوه :
( أحدها ) أن اليهود من قبل مبعث محمد عليه السلام ونزول القرآن كانوا يستفتحون أي
يسألون الفتح والنصرة وكانوا يقولون : اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبي الأمي ( وثانيها ) كانوا
يقولون لمخالفيهم عند القتال : هذا نبي قد أظل زمانه ينصرنا عليكم عن ابن عباس ( وثالثها )
كانوا يسألون العرب عن مولده ويصفونه بأنه نبي من صفته كذا وكذا ويتفحصون عنه على
الذين كفروا أي على مشركي العرب ، عن أبي مسلم (ورابعها) نزلت في بني قريظة والنضير ،
كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله قبل المبعث . عن ابن عباس وقتادة والسدي
(وخامسها) نزلت في أحبار اليهود كانوا إذا قرؤوا وذكروا محمداً في التوراة وأنه مبعوث وأنه
من العرب سألوا مشركي العرب عن تلك الصفات ليعلموا أنه هل ولد فيهم من يوافق حاله
حال هذا المبعوث .
أما قوله تعالى ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) ففيه مسائل .
١
المسألة الأولى﴾ تدل الآية على أنهم كانوا عارفين بنبوته وفيه سؤال: وهو أن التوراة
نقلت نقلاً متواتراً، فأما أن يقال إنه حصل فيها نعت محمد # على سبيل التفصيل أعني بيان
أن الشخص الموصوف بالصورة الفلانية والسيرة الفلانية سيظهر في السنة الفلانية في المكان:
الفلاني أو لم يوجد هذا الوصف على هذا الوجه ، فإن كان الأول كان القوم مضطرين إلى:
معرفة شهادة التوراة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام فكيف يجوز على أهل التواترة
إطباقهم على الكذب وإن لم يكن الوصف على هذه الصفة لم يلزم من الأوصاف المذكورة في
التوراة كون محمد # رسولاً فكيف قال الله تعالى ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) ؟ والجواب
أن الوصف المذكور في التوراة كان وصفاً إجمالياً وأن محمداً لي لم يعرفوا نبوته بمجرد تلك

١٩٥
قوله تعالى : بئسما اشتروا به أنفسهم . سورة البَقَرة
بِئْسَمَا اشْتَوْاْ بِهِةَ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيَا أَنْ يُنَزِّلَ الله من فَضْلِهِ، عَلَى
مَنْ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَبَةُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكِفِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (ث
الأوصاف بل بظهور المعجزات صارت تلك الأوصاف كالمؤكدة ، فلهذا ذمهم الله تعالى على
الإنكار .
﴿ المسألة الثانية﴾ يحتمل أن يقال كفروا به لوجوه (أحدها) أنهم كانوا يظنون أن
المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة من جاء من الأنبياء من بني إسرائيل وكانوا يرغبون الناس
في دينه ويدعونهم إليه فلما بعث الله تعالى محمداً من العرب من نسل إسمعيل صلوات الله
عليه ، عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب وخالفوا طريقهم الأول ( وثانيها ) اعترافهم بنبوته
كان يوجب عليهم زوال رياساتهم وأموالهم فأبوا وأصروا على الإنكار ( وثالثها ) لعلهم ظنوا
أنه مبعوث إلى العرب خاصة فلا جرم كفروا به :
المسألة الثالثة﴾ أنه تعالى كفرهم بعد ما بين كونهم عالمين بنبوته ، وهذا يدل على أن
الكفر ليس هو الجهل بالله تعالى فقط .
أما قوله تعالى ( فلعنة الله على الكافرين ) فالمراد الابعاد من خيرات الآخرة . لأن المبعد
من خيرات الدنيا لا يكون ملعوناً . فإن قيل أليس أنه تعالى ذكر في الآية المتقدمة ( وقولوا
للناس حسناً) وقال ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم ) قلنا
العام قد يتطرق إليه التخصيص على أنا بينا فيما قبل أن لعن من يستحق اللعن من القول الحسن
والله أعلم .
قوله تعالى ﴿بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغياً أن ينزل الله من فضله على
من يشاء من عباده فباؤا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين
اعلم أن البحث عن حقيقة بئسما لا يحصل إلا في مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أصل نعم وبئس نعم وبئس بفتح الأول وكسر الثاني كقولنا ((علم))
إلا أن ما كان ثانيه حرف حلق وهو مكسور يجوز فيه أربع لغات ، الأول : على الأصل أعني

١٩٦
قوله تعالى : بئسما اشتروا به أنفسهم. سورة البقرة
بفتح الأول وكسر الثاني . والثاني : اتباع الأول للثاني وهو أن يكون بكسر النون والعين ،
وكذا يقال فخذ بكسر الفاء والخاء ، وهم وإن كانوا يفرون من الجمع بين الكسرتين إلا أنهم
جوزوه ههنا لكون الحرف الحلقي مستتبعاً لما يجاوره . الثالث : إسكان الحرف الحلقي المكسور
وترك ما قبله على ما كان فيقال نعم وبئس بفتح الأول وإسكان الثاني كما يقال فخذ بفتح الفاء
وإسكان الخاء ؛ الرابع : أن يسكن الحرف الحلقي وتنقل كسرته إلى ما قبله فيقال نعم بكسى
النون وإسكان العين كما يقال فخذ بكسر الفاء وإسكان الخاء .
واعلم أن هذا التغيير الأخير وإن كان في حد الجواز عند إطلاق هاتين الكلمتين إلا أنهم
جعلوه لازماً لهما لخروجهما عما وضعت له الأفعال الماضية من الإخبار عن وجود المصدر في
الزمان الماضي وصيرورتهما كلمتي مدح وذم ويراد بهما المبالغة في المدح والذم ليدل هذا التغيير
اللازم في اللفظ على التغيير عن الأصل في المعنى فيقولون نعم الرجل زید ولا یذکرونه على
الأصل إلا في ضرورة الشعر كما أنشد المبرد :
ما أصاب الناس من شر وضر
ففداء لبني قيس علی
نعم الساعون في الأمر المبر
ما أقلت قدماي إنهم
﴿ المسألة الثانية﴾ أنهما فعلان من نعم ينعم وبئس ويبأس الدليل عليه دخول التاء
التي هي علامة التأنيث فيهما ، فيقال نعمت وبئست ، والفراء يجعلهما بمنزلة الأسماء ويحتج
بقول حسان ابن ثابت رضي الله عنه .
ألسنا بنعم الجار يؤلف بيته
من الناس ذا مال كثير ومعدما
وبما روى أن أعرابياً بشر بمولودة فقيل له نعم المولود مولودتك، فقال والله ما هي بنعم
المولودة والبصريون يجيبون عنه بأن ذلك بطريق الحكاية .
﴿ المسألة الثالثة﴾ اعلم أن نعم وبئس أصلان للصلاح والرداءة ويكون فأعلهما
اسماً يستغرق الجنس إما مظهراً وإما مضمراً ، والمظهر على وجهين ، الأول : نحو قولك :
نعم الرجل زيد لا تريد رجلاً دون الرجل وإنما تقصد الرجل على الإطلاق ، والثاني : نحو
قولك نعم غلام الرجل زيد ، أما قوله :
وصاحب الركب عثمان بن عفانا
فنعم صاحب قوم لا سلام لهم
فنادر وقيل كان ذلك لأجل أن قوله ((وصاحب الركب )) قد يدل على المقصود إذ المراد
واحد فإذا أتى في الركب بالألف واللام فكأنه قد أتى به في القوم ، وأما المضمر فكقولك نعم

١٩٧
قوله تعالى : بئسما اشتروا به أنفسهم . سورة البقرة
رجلا زيد، الأصل نعم الرجل رجلا زيد ثم ترك ذكر الأول لأن النكرة المنصوبة تدل عليه
ورجلا نصب على التمييز ، مثله في قولك عشرون رجلاً والمميز لا يكون إلا نكرة ، ألا ترى أن
أحداً لا يقول عشرون الدرهم ولو أدخلوا الألف واللام على هذا فقالوا نعم الرجل بالنصب
لكان نقضاً للغرض إذ لو كانوا يريدون الإتيان بالألف واللام لرفعوا وقالوا نعم الرجل وكفوا
أنفسهم مؤنة الإضمار وإنما أضمروا الفاعل قصداً للاختصار، إذ كان ((نعم رجلاً)) يدل على
الجنس الذي فضل عليه .
المسألة الرابعة ﴾ إذا قلت نعم الرجل زيد فهو على وجهين ، أحدهما : أن يكون
مبتدأ مؤخراً كأنه قيل زيد نعم الرجل ، أخرت زيداً والنية به التقديم ، كما تقول مررت به
المسكين تريد المسكين مررت به ، فأما الراجع إلى المبتدأ فإن الرجل لما كان شائعاً ينتظم فيه
الجنس كان زيد داخلاً تحته فصار بمنزلة الذكر الذي يعود إليه ، والوجه الآخر : أن يكون زيد
في قولك : نعم الرجل زيد خبر مبتدأ محذوف كأنه لما قيل نعم الرجل ، قيل من هذا الذي أثنى
عليه ؟ فقيل زيد أى هو زيد .
﴿ المسألة الخامسة﴾ المخصوص بالمدح والذم لا يكون إلا من جنس المذكور بعد نعم
وبئس كزيد من الرجال وإذا كان كذلك كان المضاف إلى القوم في قوله تعالى ( ساء مثلاً القوم
الذين كذبوا بآياتنا ) محذوفاً وتقديره ساء مثلاً مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ، وإذ قد لخصنا هذه
المسائل فلنرجع إلى التفسير .
أما قوله تعالى ( بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا ) ففيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ ((ما)) نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس بمعنى بئس الشيء شيئاً
اشتروا به أنفسهم والمخصوص بالذم ((أن يكفروا)).
﴿ المسألة الثانية﴾ في الشراء ههنا قولان، أحدهما: أنه بمعنى البيع، وبيانه أنه تعالى
لما مكن المكلف من الإيمان الذي يفضي به إلى الجنة والكفر الذي يؤدي به إلى النار صار اختياره
لأحدهما على الآخر بمنزلة اختيار تملك سلعة على سلعة فإذا اختار الإيمان الذي فيه فوزه ونجاته
قيل نعم ما اشترى ، ولما كان الغرض بالبيع والشراء هو إبدال ملك بملك صلح أن يوصف كل
واحد منهما بأنه بائع ومشتر لوقوع هذا المعنی من کل واحد منهما فصح تأويل قوله تعالى ( بئسما
اشتروا به أنفسهم) بأن المراد باعوا أنفسهم بكفرهم لأن الذي حصلوه على منافع أنفسهم لما
كان هو الكفر صاروا بائعين أنفسهم بذلك ، الوجه الثاني: وهو الأصح عندي أن المكلف إذا
كان يخاف على نفسه من عقاب الله يأتي بأعمال يظن أنها تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى

١٩٨
قوله تعالى : بئسما اشتروا به أنفسهم . سورة البقرة
جيد
نفسه بتلك الأعمال ، فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنها تخلصهم من العقاب ، وتوصلهم
إلى الثواب فقد ظنوا أنهم قد اشتروا أنفسهم بها ، فذمهم الله تعالى ، وقال ( بئسما أشتروا به
أنفسهم ) وهذا الوجه أقرب إلى المعنى واللفظ من الأول ، ثم إنه تعالى بين تفسير ما اشتروا به
أنفسهم بقوله تعالى ( أن يكفروا بما أنزل الله ) ولا شبهة أن المراد بذلك كفرهم بالقرآن لأن
الخطاب في اليهود وكانوا مؤمنين بغيره ، ثم بين الوجه الذي لأجله اختاروا هذا الكفر بما أنزل
الله فقال ( بغياً) وأشار بذلك إلى غرضهم بالكفر كما يقال يعادي فلان فلاناً حسداً تنبيهاً
بذلك على غرضه ولولا هذا القول لجوزنا أن يكفروا جهلاً لا بغياً .
واعلم أن هذه الآية تدل على أن الحسد حرام . ولما كان البغي قد يكون لوجوه شتى بين
تعالى غرضهم من هذا البغي بقوله ( أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده ) والقصة لأ
تليق إلا بما حكيناه من أنهم ظنوا أن هذا الفضل العظيم بالنبوة المنتظرة يحصل في قومهم فلما
وجدوه في العرب حملهم ذلك على البغي والحسد .
أما قوله تعالى ( فباؤا بغضب على غضب ) ففيه مسائل :
٫٠ ٦٫٥٠٠٠
المسألة الأولى﴾ فى تفسير الغضبين وجوه، أحدها : أنه لا بد من إثبات سببين
للغضبين أحدهما : ما تقدم وهو تكذيبهم عيسى عليه السلام وما أنزل عليه والآخر تكذيبهم
محمد عليه الصلاة والسلام وما أنزل عليه فصار ذلك دخولاً في غضب بعد غضب وسخط بعد
سخط من قبله تعالى لأجل أنهم دخلوا في سبب بعد سبب ، وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة
وأبي العالية وقتادة ، الثاني : ليس المراد إثبات غضبين فقط بل المراد إثبات أنواع من الغضب
مترادفة لأجل أمور مترادفة صدرت عنهم نحو قولهم ( عزير ابن الله . يد الله مغلولة . إن الله
فقير ونحن أغنياء ) وغير ذلك من أنواع كفرهم ، وهو قول عطاء وعبيد بن عمير، الثالث :
أن المراد به تأكيد الغضب وتكثيره لأجل أن هذا الكفر وإن كان واحداً إلا أنه أعظم ، وهو
قول أبي مسلم الرابع : الأول بعبادتهم العجل والثاني بكتمانهم صفة محمد وجحدهم نبوته ٦
عن السدي .
المسألة الثانية ﴾ الغضب عبارة عن التغير الذي يعرض للإنسان في مزاجه عند غليان
دم قلبه بسبب مشاهدة أمر مكروه وذلك محال في حق الله تعالى ، فهو محمول على إرادته لمن
عصاء الاضرار من جهة اللعن والأمر بذلك .
المسألة الثالثة ﴾ أنه يصح وصفه تعالى بالغضب وأن غضبه يتزايد ويكثر ويصح فيه
ذلك كصحته في العذاب فلا يكون غضبه على من كفر بخصلة واحدة كغضبه على من كفر

.".٠
١٩٩
قوله تعالى : وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله. سورة البقرة
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامُواْ بِمََ أَنْزَلَ اللّهُ قَلُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ،
وَهُوَاْحَقُّ مُصَدِّقًالِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُونَ أَنِيَةَ اللَّهِمِن قَبْلُ إِن كُنْتُ مُؤْمِنِينَ (®
بخصال كثيرة .
أما قوله تعالى ( وللكافرين عذاب مهين ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قوله (وللكافرين عذاب مهين ) له مزية على قوله ولهم عذاب مهين
لأن العبارة الأولى يدخل فيها أولئك الكفار وغيرهم والعبارة الثانية لا يدخل فيها إلا هم ،
المسألة الثانية﴾ العذاب فى الحقيقة لا يكون مهيناً لأن معنى ذلك أنه أهان غيره
وذلك مما لا يتأتى إلا فيما يعقل ، فالله تعالى هو المهين للمعذبين بالعذاب الكثير إلا أن الإهانة لما
حصلت مع العذاب جاز أن يجعل ذلك من وصفه ، فإن قيل العذاب لا يكون إلا مع الإهانة
فما الفائدة في هذا الوصف؟ قلنا كون العذاب مقروناً بالإهانة أمر لا بد فيه من الدليل ، فالله
تعالی ذکر ذلك ليكون دليلاً عليه .
المسألة الثالثة﴾ قال قوم : قوله تعالى ( وللكافرين عذاب مهين ) يدل على أنه لا
عذاب إلا للكافرين ، ثم بعد تقرير هذه المقدمة احتج بهذه الآية فريقان ، أحدهما : الخوارج
قالوا ثبت بسائر الآيات أن الفاسق يعذب ، وثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر فيلزم أن
يقال الفاسق كافر . وثانيها : المرجئة قالوا ثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر وثبت أن
الفاسق ليس بكافر فوجب القطع بأنه لا يعذب وفساد هذين القولين لا يخفى(١).
قوله تعالى ﴿وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه
وهو الحق مصدقاً لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ﴾ .
اعلم أن هذا النوع أيضاً من قبائح أفعالهم ( وإذا قيل لهم ) يعني به اليهود ( آمنوا بما
أنزل الله) أي بكل ما أنزل الله، والقائلون بالعموم احتجوا بهذه الآية على أن لفظة ((ما))
(١) وعندنا أن وصف العذاب الواقع بالكافر بأنه مهين يدل على أن العذاب غير المهين ليس للكافرين . ولما كان الأصل في
المطيع أنه لا يعذب فحينئذ يكون العذاب غير المهين لصاحب المرتبة الوسطى وهو الفاسق لأن مرتبته دون المطيع وفوق
الكافر .

٢٠٠
قوله تعالى ((واذا قيل لهم آمنوا بما انزل الله)) سورة البقرة
بمعنى الذي تفيد العموم قالوا لأن الله تعالى أمرهم بأن يؤمنوا بما أنزل الله فلما آمنوا بالبعض
دون البعض ذمهم على ذلك ولولا أن لفظة ((ما)) تفيد العموم لما حسن هذا الذم ، ثم إنه تعالى
حكى عنهم أنهم لما أمروا بذلك ( قالوا نؤمن بما أنزل علينا) يعني بالتوراة وكتب سائر الأنبياء
الذين أتوا بتقرير شرع موسى عليه السلام ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم يكفرون بما وراءه وهو
الإنجيل والقرآن وأورده هذه الحكاية عنهم على سبيل الذم لهم وذلك أنه لا يجوز أن يقال لهم
آمنوا بما أنزل الله إلا ولهم طريق إلى أن يعرفوا كونه منزلاً من عند الله وإلا كان ذلك تكليفما
لا يطاق وإذا دل الدليل على كونه منزلاً من عند الله وجب الإيمان به ، فثبت أن الإيمان ببعض
ما أنزل الله دون البعض تناقض .
أما قوله تعالى ( وهو الحق مصدقاً لما معهم ) فهو كالإشارة إلى ما يدل على وجوب الإيمان.
بمحمد ◌ّة، وبيانه من وجهين ( الأول ما دل عليه قوله تعالى ( وهو الحق ) أنه لما ثبتت نبوة
محمد ◌َّ بالمعجزات التي ظهرت عليه، إنه عليه الصلاة والسلام أخبر أن هذا القرآن منزل من
عند الله تعالى تعالى وأنه أمر المكلفين بالإيمان به وكان الإيمان به واجباً لا محالة ، وعند هذا يظهر
أن الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع الكفر ببعض الأنبياء وبعض الكتب محال
( الثاني) ما دل عليه قوله (مصدقاً لما معهم) وتقريره من وجهين ، الأول : أن محمداً
صلوات الله وسلامه عليه لم يتعلم علماً ولا استفاد من أستاذ ، فلما أتى بالحكايات والقصص
موافقة لما في التوراة من غير تفاوت أصلاً علمنا أنه عليه الصلاة والسلام إنما استفادها من
الوحي والتنزيل . الثاني: أن القرآن يدل على نبوة محمد ﴿ فلما أخبر الله تعالى عنه أنه
مصدق للتوراة وجب اشتمال التوراة على الإخبار عن نبوته ، وإلا لم يكن القرآن مصدقاً للتوراة
بل مكذباً لها وإذا كانت التوراة مشتملة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وهم قد اعترفوا
بوجوب الإيمان بالتوراة لزمهم من هذه الجهة وجوب الإِيمان بالقرآن وبنبوة محمد عليه الصلاة
والسلام .
أما قوله تعالى ( فلم تقتلون أنبياء الله من قبل ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أنه سبحانه وتعالى بين من جهة أخرى أن دعواهم كونهم مؤمنين
بالتوراة متناقضة من وجوه أخر ، وذلك لأن التوراة دلت على أن المعجزة تدل على الصدق
ودلت على أن من كان صادقاً في ادعاء النبوة فإن قتله كفر ، وإذا كان الأمر كذلك كان السعي
في قتل يحيى وزكريا وعيسى عليهم السلام كفراً فلم سعيتم في ذلك إن صدقتم في ادعائكم
کونکم مؤمنين بالتوراة
المسألة الثانية ﴾ هذه الآية دالة على أن المجادلة في الدين من حرف الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام وإن إيراد المناقضة على الخصم جائز .