Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ قوله تعالى : بلى من كسب سيئة . سورة البَقَرة ورابعها: عن أنس قال رسول الله ﴿رَ﴾ («المؤمن من أمنه الناس والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هاجر السوء والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبد لا يأمن جاره بوائقه)) وهذا الخبر يدل على وعيد الفاسق الظالم ويدل على أنه غير مؤمن ولا مسلم على ما يقوله المعتزلة من المنزلة بين المنزلتين. وخامسها: عن ثوبان عن رسول الله يخ ئلة ((من جاء يوم القيامة بريئاً من ثلاثة دخل الجنة الكبر والغلول والدين)) وهذا يدل على أن صاحب هذه الثلاثة لا يدخل الجنة وإلا لم يكن لهذا الكلام معنى ، والمراد من الدين من مات عاصياً مانعاً ولم يرد التوبة ولم يتب عنه، وسادسها: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﴿رَ﴾ («من سلك طريقاً يطلب به علماً سهل الله له طريقاً من طرق الجنة ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)) وهذا نص في أن الثواب لا يكون إلا بالطاعة ، والخلاص من النار لا يكون إلا بالعمل الصالح ، وسابعها : عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله وَل* ((كل مسكر خمر وكل خمر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة )) وهو صريح في وعيد الفاسق وأنه من أهل الخلود لأنه إذا لم يشربها لم يدخل الجنة لأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. وثامنها: عن أم سلمة قالت قال عليه السلام: ((إنما أنا بشرمثلكم ولعلکم تختصمون إلی ولعل بعضكم الحن بحجته من بعض فمن قضیت له بحق أخيه فإنما قطعت له قطعة من النار)) وتاسعها : عن ثابت بن الضحاك قال قال عليه السلام « من حلف ملة سوی الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال ومن قتل نفسه بشيء يعذب به فی نار جهنم)) وعاشرها: عن عبد الله بن عمر قال قال عليه الصلاة والسلام في الصلاة ((من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة ولا ثواباً وكان يوم القيامة مع قارون وهامان وفرعون وأبي بن خلف)) وهذا نص في أن ترك الصلاة يحبط العمل ويوجب وعيد الأبد ، الحادي عشر: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال عليه السلام ((من لقي الله مدمن خمر لقيه كعابد وثن)) ولما ثبت أنه لا يكفر علمنا أن المراد منه إحباط العمل، الثاني عشر: عن أبي هريرة قال قال عليه السلام (( من قتل نفسه بحديدة فحديدته فى يده يجأ بها بطنه يهوى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل متعمداً فقتل نفسه فهو مترد في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا))، الثالث عشر: عن أبي ذرقال عليه السلام ((ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، قلت يارسول الله من هم خابوا وخسروا؟ قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف كاذباً، يعني بالمسبل المتكبر الذي يسبل إزاره، ومعلوم أن من لم يكلمه الله ولم يرحمه وله عذاب أليم فهو من أهل النار، ووروده في الفاسق نص في الباب ، الرابع عشر: عن أبي هريرة قال قال عليه الصلاة والسلام ((من تعلم علماً مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ، ومن لم يجد عرف الجنة فلا شك أنه في النار لأن المكلف لا بد وأن يكون في الجنة أو ج٣ ١١٥ ١٦٢ قوله تعالى : بلى من كسب سيئة . سورة البقرة في النار . الخامس عشرعن أبي هريرة قال قال عليه السلام ((من كتم علماً ألجم بلجام من نار يوم القيامة))، السادس عشر: عن ابن مسعود قال قال عليه السلام ((من حلف على يمين كاذباً ليقطع بها مال أخيه لقي الله وهو عليه غضبان )) وذلك لأن الله تعالى يقول ( إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمناً قليلاً) إلى آخر الآية ، وهذا نص في الوعيد ونص في أن الآية واردة في الفساق كورودها في الكفار ، السابع عشر: عن أبي أمامة قال قال عليه السلام ((من حلف على يمين فاجرة ليقطع بها مال امرىء مسلم بغير حقه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار ، قيل يا رسول الله وإن كان شيئاً يسيراً، قال وإن كان قضيباً من أراك)) الثامن عشر: عن سعيد بن جبير قال كنت عند ابن عباس فأتاه رجل وقال إني رجل معيشتي من هذه التصاوير ، فقال ابن عباس سمعت رسول الله لا يقول ((من صور فإن الله يعذبه حتى ينفخ فيه الروح وليس بنافخ ، ومن استمع إلى حدیث قوم یفرون منه صب في أذنيه الآنك ومن یری عینیه في المنام ما لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين )» التاسع عشر: عن معقل بن يسار قال سمعت رسول الله ** يقول ((ما من عبد يسترعيه الله رغية يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة )) العشرون : عن ابن عمر في مناظرته مع عثمان حين أراد أن يوليه القضاء قال سمعت رسول الله ﴿1﴾ يقول ((من كان قاضياً يقضي بالجهل كان من أهل النار ومن كان قاضياً يقضي بالجور كان من أهل النار)) الحادي والعشرون: قال عليه السلام ((من ادعى أباً في الإسلام وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام)) . الثاني والعشرون: عن الحسن عن أبي بكر قال عليه السلام (( من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة)) وإذا كان في قتل الكفار هكذا فما ظنك بقتل أولاد رسول الله ﴿عَلَ﴾، الثالث والعشرون: عن أبي سعيد الخدري قال قال عليه السلام ((من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)) وإذا لم يلبسه في الآخرة وجب أن لا يكون من أهل الجنة لقوله تعالى ( وفيها ما تشتهيه الأنفس ) . النوع الثاني: من العمومات الإخبارية الواردة لابصيغة (( من)) وهي كثيرة جداً، الأول : عن نافع مولى رسول الله وسلم قال قال عليه السلام (( لا يدخل الجنة مسكين متكبر ولا شيخ زان ولا منان على الله بعمله ، ومن لم يدخل الجنة من المكلفين فهو من أهل النار بالاجماع ، الثاني : عن أبي هريرة رضى الله عنه قال قال عليه السلام (( ثلاثة يدخلون الجنة : الشهيد ، وعبد نصح سيده وأحسن عبادة ربه ، وعفيف متعفف، وثلاثة يدخلون النار : أمير مسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله، وفقير فخور)) الثالث : عن أبي هريرة قال قال عليه السلام (( إن الله خلق الرحم فلما فرغ من خلقه قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ من القطيعة، قال نعم ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت بلى قال فهو ذاك ١٦٣ قوله تعالى : بلى من كسب سيئة . سورة البقرة قال رسول الله وَالو فاقرؤا إن شئتم)) (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ) وهذا نص في وعيد قاطع الرحم وتفسير الآية ، وفي حديث عبد الرحمن بن عوف قال الله تعالى ((أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته )» و وفي حديث أبي بكرة أنه عليه السلام قال (( ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنیا مع ما يدخره في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم)» الرابع : عن معاذ بن جبل قال قال عليه السلام لبعض الحاضرين ((ماحق الله على العباد ؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً قال فما حقهم على الله إذا فعلوا ذلك ؟ قال أن يغفر لهم ولا يعذبهم )) ومعلوم أن المعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط فيلزم أن لا يغفر لهم إذا لم يعبدوه . الخامس : عن أبي بكرة قال قال رسول الله ﴿رَ﴾ ((إذا اقتتل المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار ، فقال يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)) رواه مسلم. السادس: عن أم سلمة قالت قال عليه السلام ((الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)) السابع : عن أبي سعيد الخدري قال قال عليه السلام ((والذي نفسي بيده لا يبغض أهل البيت رجل إلا أدخله الله النار)) وإذا استحقوا النار · ببعضهم فلأن يستحقوها بقتلهم أولى ، الثامن : في حديث أبي هريرة : أنا خرجنا مع رسول الله ◌َل في عام خيبر إلى أن كنا بوادي القرى فبينما يحفظ رجل رسول الله تطير إذ جاءه سهم وقتله فقال الناس هنيئاً له الجنة ، قال رسول الله ◌َل# (( كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم حنين من الغنائم لم يصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً)) فلما سمع الناس بذلك جاء رجل بشراك أو بشراكين إلى رسول الله فقال عليه السلام شراك من نار أو شراكين من النار . التاسع : عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله وَليّة ((ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق السحر)) العاشر: عن أبي هريرة قال عليه السلام (( ما من عبد له مال لا يؤدي زكاته إلا جمع الله له يوم القيامة عليه صفائح من نار جهنم يكوي بها جبهته وظهره حتى يقضى الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون)) هذا مجموع استدلال المعتزلة بعمومات القرآن والأخبار . أجاب أصحابنا عنها من وجوه أولها: أنا لا نسلم أن صيغة ((من)) في معرض الشرط للعموم ، ولا نسلم أن صيغة الجمع إذا كانت معرفة باللام للعموم والذي يدل عليه أمور . الأول : أنه يصح إدخال لفظتي الكل والبعض على هاتين اللفظتين كل من دخل داري أكرمته وبعض من دخل داري أكرمته ، ويقال أيضاً كل الناس كذا، وبعض الناس كذا ولو كانت لفظة ((من)) للشرط تفيد الاستغراق لكان إدخال لفظ الكل عليه تكريراً وإدخال لفظ البعض عليه نقضاً، وكذلك في لفظ الجمع ١٦٤ قوله تعالى : بلى من كسب سيئة . سورة البقرة المعزف، فثبت أن هذه الصيغ لا تفيد العموم. الثاني: وهو أن هذه الصيغ جاءت في كتاب الله، والمراد منها تارة الاستغراق وأخرى البعض، فإن أكثر عمومات القرآن مخصوصة والمجاز والاشتراك خلاف الأصل ولا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك بين العموم والخصوص وذلك هو أن يحمل على إفادة الأكثر من غير بيان أنه يفيد الاستغراق أو لا يفيد . الثالث . وهو أن هذه الصيغ لو أفادت العموم إفادة قطعية لاستحال إدخال لفظ التأكيد عليها لأن تحصيل الحاصل محال فحيث حسن إدخال هذه الألفاظ عليها علمنا أنها لا تفيد معنى العموم لا محالة ، سلمنا أنها تفيد معنى ولكن إفادة قطعية أو ظنية ؟ الأول ممنوع وباطل قطعاً لأن من المعلوم بالضرورة أن الناس كثيراً ما يعبرون عن الأكثر بلفظ الكل والجميع على سبيل المبالغة كقوله تعالى ( وأوتيت من كل شيء) فإذا كانت هذه الألفاظ تفيد معنى العموم إفادة ظنية ، وهذه المسألة ليست من المسائل الظنية لم يجز التمسك فيها بهذه العمومات ، سلمنا أنها تفيد معنى العموم إفادة قطعية ولكن لا بد من اشتراط أن لا يوجد شيء من المخصصات ، فإنه لا نزاع في جواز تطرق التخصيص إلى العام فلم قلتم إنه لم يوجد شيء من المخصصات ؟ أقصى ما في الباب أن يقال بحثنا فلم نجد شيئاً من المخصصات لكنك تعلم أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود . وإذا كانت إفادة هذه الألفاظ لمعنى الاستغراق متوقفة على نفي المخصصات ، وهذا الشرط غير معلوم كانت الدلالة موقوفة على شرط غير معلوم فوجب أن لا تحصل الدلالة ، ومما يؤكد هذا المقام قوله تعالى ( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) حکم علی کل الذين كفروا أنهم لا يؤمنون ، ثم إنا شاهدنا قوماً منهم قد آمنوا فعلمنا أنه لا بد من أحد الأمرين إما لأن هذه الصيغة ليست موضوعة للشمول أو لأنها وإن كانوا يعلمون کانت موضوعة لهذا المعنى إلا أنه قد وجدت قرينة في زمان الرسول لأجلها أن مراد الله تعالى من هذا العموم هو الخصوص . وأما ما كان هناك فلم يجوز مثله ههنا ؟ سلمنا أنه لا بد من بيان المخصص لكن آيات العفو مخصصة لها والرجحان معنا لأن آيات العفو بالنسبة إلى آيات الوعيد خاصة بالنسبة إلى العام والخاص مقدم على العام لا محالة ، سلمنا أنه لم يوجد المخصص ولكن عمومات الوعيد معارضة بعمومات الوعد ولا بد من الترجيح وهو معنا من وجوه ، الأول : أن الوفاء بالوعد أدخل في الكرم من الوفاء بالوعيد ، والثاني : أنه قد اشتهر في الأخبار أن رحمة الله سابقة على غضبه وغالبة عليه فكان ترجيح عمومات الوعد أولى، الثالث وهو أن الوعيد حق الله تعالى والوعد حق العبد وحق العبد أولى بالتحصيل من حق الله تعالى ، سلمنا أنه لم يوجد المعارض ولكن هذه العمومات نزلت في حق الكفار فلا تكون قاطعة في العمومات فإن قيل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، قلنا هب أنه كذلك ، ولكن لما رأينا كثيراً من الألفاظ العامة وردت في الأسباب ١٦٥ قوله تعالى : بلى من كسب سيئة . سورة البَقَرة الخاصة ، والمراد تلك الأسباب الخاصة فقط علمنا أن إفادتها للعموم لا يكون قوياً والله أعلم . أما الذين قطعوا بنفي العقاب عن أهل الكبائر فقد احتجوا بوجوه (الأول) قوله تعالى ( إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ) وقوله تعالى ( إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى ) دلت هذه الآية على أن ماهية الخزي والسوء والعذاب مختصة بالكافر فوجب أن لا يحصل فرد من أفراد هذه الماهية لأحد سوی الکافرین ( الثاني ) قوله تعالى ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً) حكم تعالى بأنه يغفر كل الذنوب ولم يعتبر التوبة ولا غيرها ، وهذا يفيد القطع بغفران كل الذنوب ( الثالث ) قوله تعالى (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) وكلمة ((على)) تفيد الحال كقولك : رأيت الملك على أكله أي رأيته حال اشتغاله بالأكل فكذا ههنا وجب أن يغفر لهم الله حال اشتغالهم بالظلم وحال الاشتغال بالظلم يستحيل حصول التوبة منهم فعلمنا أنه يحصل الغفران ومقتضى هذه الآية أن يغفر للكافر لقوله تعالى ( إن الشرك لظلم عظيم ) إلا أنه ترك العمل به هناك فبقى معمولاً به في الباقي والفرق أن الكفر أعظم حالاً من المعصية ( الرابع ) قوله تعالى ( فأنذرتكم ناراً تلظى لا يصلاها إلا الأشقی الذي كذب وتولى ) وکل نار فإنها متلظية لا محالة فكأنه تعالى قال إن النار لا يصلاها إلا الأشقى الذي هو المكذب المتولي ( الخامس ) قوله تعالى ( کلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها الم یأتکم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير ، فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شىء إن أنتم إلا في ضلال كبير ) دلت الآية على أن جميع أهل النار مكذب لا يقال هذه الآية خاصة في الكفار ألا ترى أنه يقول قبله ( وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير ، إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقاً وهي تفور ، تكاد تميز من الغيظ) وهذا يدل على أنها مخصوصة في بعض الكفار وهم الذين قالوا ( بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء ) وليس هذا من قول جميع الكفار لأنا نقول دلالة على ما قبل هذه الآية على الكفار لا تمنع من عموم ما بعدها . أما قوله إن هذا ليس من قول الكفار قلنا لا نسلم ، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون ما نزل الله من شيء على محمد ، وإذا كان كذلك فقد صدق عليهم أنهم كانوا يقولون ما نزل الله من شيء ( السادس) قوله تعالى ( وهل يجازي إلا الكفور ) وهذا بناء المبالغة فوجب أن يختص بالكافر الأصلي . ( السابع ) أنه تعالى بعدما أخبر أن الناس صنفان : بيض الوجوه وسودهم قال ( فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب ) فذكر أنهم الكفار . و( الثامن ) أنه تعالى بعدما جعل الناس ثلاثة أصناف ، السابقون وأصحاب ١٦٦ قوله تعالى : بلى من كسب سيئة . سورة البقرة الميمنة ، وأصحاب المشأمة . بين أن السابقين وأصحاب الميمنة في الجنة وأصحاب المشأمة في النار ثم بين أنهم كفار بقوله (وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أثنا لمبعوثون) ( التاسع ) أن صاحب الكبيرة لا يخزي وكل من أدخل النار فإنه يخزي فإذن صاحب الكبيرة لا يدخل النار وإنما قلنا إن صاحب الكبيرة لا يخزي لأن صاحب الكبيرة مؤمن والمؤمن لا يخزي وإنما قلنا إنه مؤمن لما سبق بيانه في تفسير قوله ( الذين يؤمنون بالغيب ) من أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإنما قلنا إن المؤمن لا يخزي لوجوه . أحدها : قوله تعالى ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه) وثانيها : قوله (إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ) وثالثها : قوله تعالى ( الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم) إلى أن حكي عنهم أنهم قالوا ( ولا تخزنا يوم القيامة ) ، ثم إنه تعالى قال ( فاستجاب لهم ربهم ) ومعلوم أن الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً. وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض يدخل فيه العاصي والزاني وشارب الخمر ، فلما حكى الله عنهم أنهم قالوا ( ولا تخزنا يوم القيامة ) ثم بين أنه تعالى استجاب لهم في ذلك ثبت أنه تعالى لا يخزيهم ، فثبت بما ذكرنا أنه تعالى لا يخزى عصاة أهل القبلة ، وإنما قلنا إن كل من أدخل النار فقد أخزى لقوله تعالى (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) فثبت بمجموع هاتين المقدمتين أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار . العاشر: العمومات الكثيرة الواردة في الوعد نحوقوله ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ، أولئك على هدی ربهم وأولئك هم المفلحون) فحکم بالفلاح علی کل من آمن ، وقال إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) فقوله ( وعمل صالحاً ) نكرة في الإثبات فیکفي فيه الإثبات بعمل واحد وقال ( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ) وإنها كثيرة جداً ولنا فيه رسالة مفردة من أرادها فليطالع تلك الرسالة . والجواب عن هذه الوجوه أنها معارضة بعمومات الوعيد ، والكلام في تفسير كل واحد من هذه الآيات مجيء فی موضعه إن شاء الله تعالى ، أما أصحابنا الذين قطعوا بالعفو في حق البعض وتوقفوا في البعض فقد احتجوا من القرآن بآيات . الحجة الأولى : الآيات الدالة على كون الله تعالى عفواً غفوراً كقوله تعالى (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون ) وقوله تعالى(وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن .. کثیر ) وقوله ( ومن آياته الجوارفي البحر کالأعلام ) إلى قوله ( أو یوبقهن ما کسبوا ویعف عن كثير) وأيضاً أجمعت الأمة على أن الله يعفوا عن عباده وأجمعوا على أن من جملة أسمائه العفو ؛ فنقول: العفو إما أن يكون عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه أو عمن لا يحسن ؛ عقابه ، وهذا القسم الثاني باطل ، لأن عقاب من لا يحسن عقابه قبيح ، ومن ترك مثل هذا . ١٦٧ قوله تعالى : بلى من كسب سيئة . سورة البقرة الفعل لا يقال إنه عفا ، ألا ترى أن الإنسان إذا لم يظلم أحداً لا يقال أنه عفا عنه ، إنما يقال له عفا إذا کان له أن یعذبه فتركه وهذا قال ( وأن تعفو أقرب للتقوى ) ولأنه تعالی قال ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ) فلو كان العفو عبارة عن إسقاط العقاب عن التائب لكان ذلك تكريراً من غير فائدة ، فعلمنا أن العفو عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه وذلك هو مذهبنا. الحجة الثانية: الآيات الدالة على كونه تعالى غافراً وغفوراً وغفاراً ، قال تعالى ( غافر الذنب وقابل التوب ) وقال ( وربك الغفور ذو الرحمة ) وقال ( وإني لغفار لمن تاب ) وقال ( غفرانك ربنا وإليك المصير ) والمغفرة ليست عبارة عن إسقاط العقاب عمن لا يحسن عقابه فوجب أن يكون ذلك عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه، وإنما قلنا أن الوجه الأول باطل لأنه تعالى يذكر صفة المغفرة في معرض الامتنان على العباد ولو حملناه على الأول لم يبق هذا المعنى لأن ترك القبيح لا يكون منة على العبد بل كأنه أحسن إلى نفسه فإنه لو فعله لاستحق الذم واللوم والخروج عن حد الإلهية،فهو بترك القبائح لا يستحق الثناء من العبد ولما بطل ذلك تعين حمله على الوجه الثاني وهو المطلوب . فإن قيل لم لا يجوز حمل العفو والمغفرة على تأخير العقاب من الدنيا إلى الآخرة والدليل على أن العفو مستعمل في تأخير العذاب عن الدنيا قوله تعالى في قصة اليهود ( ثم عفونا عنكم من بعد ذلك ) والمراد ليس إسقاط العقاب بل تأخيره إلى الآخرة وكذلك قوله تعالى ( وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ) أي ما يعجل الله تعالى من مصائب عقابه إما على جهة المحنة أو على جهة العقوبة المعجلة فبذنوبكم ولا يعجل المحنة والعقاب على كثير منها ، وكذا قوله تعالى (ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام) إلى قوله: (ويوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير) أي لوشاء اهلاكهن لأهلكهن. ولا يهلك على كثير من الذنوب . والجواب : العفو أصله من عفا أثره أي أزاله ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المسمى من العفو الإزالة لهذا قال تعالى ( فمن عفى له عن أخيه شيء ) وليس المراد منه التأخير بل الإزالة وكذا قوله ( وأن تعفو أقرب للتقوى ) وليس المراد منه التأخير إلى وقت معلوم بل الإسقاط المطلق ، ومما يدل على أن العفو لا يتناول التأخير أن الغريم إذا أخر المطالبة لا يقال إنه عفا عنه ولو أسقطه إنه عفا عنه فثبت أ أن العفو لا يمكن تفسيره بالتأخير . الحجة الثالثة : الآيات الدالة على وكونه تعالى رحماناً رحيماً والاستدلال بها أن رحمته سبحانه إما أن تظهر بالنسبة إلى المطيعين الذين يستحقون الثواب أو إلى العصاة الذين يستحقون العقاب والأول باطل لأن رحمته في حقهم إما أن تحصل لأنه تعالى أعطاهم الثواب الذي هو حقهم أو لأنه تفضل عليهم بما هو أزيد من حقهم والأول باطل لأن أداء الواجب لا یسمی رحمة ألا ترى أن من كان له على إنسان مائة دينار فأخذها منه قهراً وتكليفاً لا يقال في المعطى إنه أعطى الآخذ ذلك القدر رحمة ، والثاني باطل لأن ٠ ١٦٨ قوله تعالى : بلى من كسب سيئة . سورة البقرة المكلف صار بما أخذ من الثواب الذي هو حقه" كالمستغني عن ذلك التفضل، فتلك الزيادة تسمى زيادة في الإنعام ولا تسمى البتة رحمة ، ألا ترى أن السلطان المعظم إذاکان في خدمته أمير له ثروة عظيمة ومملكة كاملة ، ثم إن السلطان ضم إلى ماله من الملك مملكة أخرى فإنه لا يقال إن السلطان رحمه بل يقال في الإنعام عليه فكذا ههنا . أما القسم الثاني: وهو أن رحمته. إنما تظهر بالنسبة إلى من يستحق العقاب فإما أن تكون رحمته لأنه تعالى ترك العذاب الزائد على .. العذاب المستحق ، وهذا باطل لأن ترك ذلك واجب والواجب لا يسمى رجمة ولأنه يلزم أن ، يكون كل كافر وظالم رحيماً علينا لأجل أنه ما ظلمنا، فبقي أنه إنما يكون رحيماً لأنه ترك ، العقاب المستحق وذلك لا يتحقق في حق صاحب الصغيرة ولا في حق صاحب الكبيرة بعد التوبة لأن ترك عقابهم واجب ؛ فدل على أن رحمته إنما حصلت لأنه ترك عقاب صاحب الكبيرة .. قبل التوبة ، فإن قيل : لم لا يجوز أن تكون رحمته لأجل أن الخلق والتكلیف والرزق كلها تفضل ، ولأنه تعالى يخفف عن عقاب صاحب الكبيرة ؟ قلنا : أما الأول فإنه يفيد كونه رحيماً في الدنيا فأين وحمته في الآخرة مع أن الأمة مجتمعة على أن رحمته في الآخرة أعظم من : رحمته في الدنيا : وأما الثاني فلأن عندكم التخفيف عن العذاب غير جائز هكذا قول المعتزلة . الوعيدية ، إذا ثبت حصول التخفيف بمقتضى هذه الآية ثبت جواز العفو لأن كل من قال ؛ بأحدهما قال بالآخر . ١٠ ! الحجة الرابعة : قوله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) . فنقول ((لمن يشاء)) لا يجوز أن يتناول صاحب الصغيرة ولا صاحب الكبيرة بعد التوبة فوجب أن يكون المراد منه صاحب الكبيرة قبل التوبة ، وإنما قلنا إنه لا يجوز حمله على الصغيرة ولا على الكبيرة بعد التوبة لوجوه : أحدها : أن قوله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ) معناه أنه لا يغفره تفضلاً لا أنه لا يغفره استحقاقاً دل عليه العقل والسمع وإذا كان . كذلك لزم أن يكون معنى قوله ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) أي ويتفضل بغفران ما دون : ذلك الشرك حتی یکون النفي والإثبات متوجهین إلى شيء واحد ، ألا ترى أنه لو قال فلان لا | يتفضل بمائة دينار ويعطي ما دونها لمن استحق لم يكن كلاماً منتظماً ، ولما كان غفران صاحب .. ! الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة مستحقاً امتنع كونهما مرادين بالآية ، وثانيها : أنه لو كان ، قوله ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) أنه يغفر المستحقين كالتائبين وأصحاب الصغائر لم يبق لتمييز الشرك مما دون الشرك معنى لأنه تعالى كما يغفر ما دون الشرك عند الاستحقاق ولا يغفره ! عند عدم الاستحقاق فكذلك يغفر الشرك عند الاستحقاق ولا يغفره عند عدم الاستحقاق فلا » يبقى للفصل والتمييز فائدة ، وثالثها : أن غفران التائبين وأصحاب الصغائر واجب والواجب غير معلق على المشيئة لأن المعلق على المشيئة هو الذي إن شاء فاعله فعله يفعله وإن شاء تركه. أ ١٠٠ ١٦٩ قوله تعالى : بلى من كسب سيئة . سورة البقرة يتركه فالواجب هو الذي لا بد من فعله شاء أو أبى ، والمغفرة المذكورة في الآية معلقة على المشيئة فلا يجوز أن تكون المغفرة المذكورة في الآية مغفرة التائبين وأصحاب الصغائر ، واعلم أن هذه الوجوه بأسرها مبينة على قول المعتزلة من أنه يجب غفران صاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة ، وأما نحن فلا نقول ذلك ، ورابعها : أن قوله ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) يفيد القطع بأنه يغفر كل ما سوى الشرك وذلك يندرج فيه الصغيرة والكبيرة بعد التوبة وقبل التوبة إلا أن غفران كل هذه الثلاثة يحتمل قسمين لأنه يحتمل أن يغفر كلها لكل أحد وأن يغفر كلها للبعض دون البعض فقوله ( ويغفر ما دون ذلك ) يدل على أنه تعالى يغفر كل هذه الثلاثة ، ثم قوله ( لمن يشاء) يدل على أنه تعالى يغفر كل تلك الأشياء لا للكل بل للبعض ، وهذا الوجه هو اللائق بأصولنا ، فإن قيل لا نسلم أن المغفرة تدل على أنه لا يعذب العصاة في الآخرة بيانه أن المغفرة إسقاط العقاب وإسقاط العقاب أعم من إسقاط العقاب دائماً. أو لا دائماً واللفظ الموضوع بإزاء القدر المشترك لا إشعار له بكل واحد من ذينك القيدين فاذن لفظ المغفرة لا دلالة فيه على الإسقاط الدائم . إذا ثبت هذا فنقول لم لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى لا يؤخر عقوبة الشرك عن الدنيا ويؤخر عقوبة ما دون الشرك عن الدنيا لمن يشاء ، لا يقال كيف يصح هذا ونحن لا نرى مزبداً للكفار في عقاب الدنيا على المؤمنين لأنا نقول تقدير الآية أن الله لا يؤخر عقاب الشرك في الدنيا لمن يشاء ويؤخر عقاب ما دون الشرك في الدنيا لمن يشاء فحصل بذلك تخويف كلا الفريقين بتعجيل العقاب للكفار والفساق لتجويز كل واحد من هؤلاء أن يعجل عقابه وإن كان لا يفعل ذلك بكثير منهم . سلمنا أن الغفران عبارة عن الإسقاط على سبيل الدوام فلم قلتم إنه لا يمكن حمله على مغفرة التائب ومغفرة صاحب الصغيرة ؟ أما الوجوه الثلاثة الأول : فهي مبنية على أصول لا يقولون بها وهي وجوب مغفرة صاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة ، وأما الوجه الرابع : فلا نسلم أن قوله ( ما دون ذلك) يفيد العموم والدليل عليه أنه يصح إدخال لفظ ((كل)) و((بعض)) على البدل عليه مثل أن يقال ويغفر كل ما دون ذلك ويغفر ما دون ذلك ولو كان قوله ( ما دون ذلك ) يفيد العموم لما صح ذلك ، سلمنا أنه للعموم ولكنا نخصصه بصاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة وذلك لأن تلك الآيات الواردة في الوعيد كل واحد منها مختص بنوع واحد من الكبائر مثل القتل والزنا وهذه الآية متناولة لجميع المعاصي والخاص مقدم على العام فآيات الوعيد يجب أن تكون مقدمة على هذه الآية ، والجواب عن الأول : أنا إذا حملنا المغفرة على تأخير العقاب وجب بحكم الآية أن يكون عقاب المشركين في الدنيا أكثر من عقاب المؤمنين وإلا لم يكن فى هذا التفصيل فائدة ، ومعلوم أنه ليس كذلك بدليل قوله تعالى ( ولو لا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ) الآية . قوله لم قلتم إن قوله( ما دون ١٧٠ قوله تعالى : بلى من كسب سيئة . سورة البقرة ذلك) يفيد العموم؟ قلنا لأن ((ما)) تفيد الإشارة إلى الماهية الموصوفة بأنهادون الشرك، وهذه الماهية ماهية واحدة وقد حكم قطعاً بأنه يغفرها ففي كل صورة تتحقق فيها هذه الماهية وجب تحقق الغفران ، فثبت أنه للعموم ولأنه يصح استثناء أي معصية كانت منها وعند الوعيدية صحة الاستثناء تدل على العموم ، أما قوله آيات الوعيد أخص من هذه الآية ، قلنا لكن هذه الآية أخص منها لأنها تفيد العفو عن البعض دون البعض وما ذكرتموه يفيد الوعيد. للكل ، ولأن ترجيح آيات العفو أولى لكثرة ما جاء في القرآن والأخبار من الترغيب في العفو . الحجة الخامسة : أن نتمسك بعمومات الوعد وهي كثيرة في القرآن ثم نقول لما وقع التعارض فلا بد من الترجيح أو من التوفيق ، والترجيح معناه من وجوه : (أحدها) أن عمومات الوعد أكثر والترجيح بكثرة الأدلة أمر معتبر في الشرع وقد دللنا على صحته في أصول الفقه ، و(ثانيها) أن قوله تعالى (إن الحسنات يذهبن السيئات ) يدل على أن الحسنة إنما كانت مذهبة للسيئة لكونها حسنة على ما ثبت في أصول الفقه فوجب بحكم هذا الإيماء أن تكون كل حسنة مذهبة لكل سيئة ترك العمل به في حق الحسنات الصادرة من الكفار فإنها لا تذهب سيئاتهم فيبقى معمولاً به في الباقي . ( وثالثها) قوله تعالى (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ) ثم إنه تعالى زاد على العشرة فقال ( کمثل حبة أُنبتت سبع سنابل فی کل سنبلة مائة حبة ) ثم زاد علیه فقال ( والله يضاعف لمن يشاء ) وأما في جانب السيئة فقال ( ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ) وهذا في غاية الدلالة على أن جانب الحسنة راجع عند الله تعالى على جانب السيئة . و( رابعها ) أنه تعالى قال في آية الوعد في سورة النساء ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً وعد الله حقاً ومن أصدق من الله قيلا ) فقوله (وعد الله حقاً) إنما ذكره للتأكيد ولم يقل في شيء من المواضع وعيد الله حقاً . أما قوله تعالى ( ما يبدل القول لدي ) الآية ، يتناول الوعد والوعيد ، و( خامسها ) قوله تعالى ( ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ، ومن يكسب. إثماً فإنما يكسبه على نفسه وكان الله علياً حكيماً) والاستغفار طلب المغفرة وهو غير التوبة فصرح ههنا بأنه سواء تاب أو لم يتب فإذا استغفر غفر الله له ولم يقل ومن يكسب إثماً فإنه يجد الله : معذباً معاقباً بل قال ( فإنما يكسبه على نفسه ) فدل هذا على أن جانب الحسنة راجح ونظيره قوله . تعالى ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) ولم يقل وإن أسأتم أسأتم لها فكأنه: تعالى أظهر إحسانه بأن أعاده مرتین وستر عليه إساءته بأن لم يذكرها إلا مرة واحدة وكل ذلك يدل على أن جانبالحسنة راجحو (سادسها) أنا قد دللناعلی أن قوله تعالى ( ويغفر ما دون ذلك ١٧١ قوله تعالى : بلى من كسب سيئة . سورة البقرة لمن يشاء) لا يتناول إلا العفو عن صاحب الكبيرة ثم إنه تعالى أعاد هذه الآية في السورة الواحدة مرتين والإعادة لا تحسن إلا للتأكيد ولم يذكر شيئاً من آيات الوعيد على وجه الإعادة بلفظ واحد لا في سورة واحدة ولا في سورتين فدل على أن عناية الله بجانب الوعد على الحسنات والعفو عن السيئات أتم . و(سابعها) أن عمومات الوعد والوعيد لما تعارضت فلا بد من صرف التأويل إلى أحد الجانبين وصرف التأويل إلى الوعيد أحسن من صرفه إلى الوعد لأن العفو عن الوعيد مستحسن في العرف وإهمال الوعد مستقبح في العرففکان صرف التأويل إلى الوعيد أولى من صرفه إلى الوعد . و( ثامنها)؛ أن القرآن مملوء من كونه تعالى غافراً غفوراً غفاراً وأن له الغفران والمغفرة ، وأنه تعالى رحيم كريم ، وأن له العفو والإحسان والفضل والإفضال ، والأخبار الدالة على هذه الأشياء قد بلغت مبلغ التواتر وكل ذلك مما يؤكد جانب الوعد وليس في القرآن ما يدل على أنه تعالى بعيد عن الرحمة والكرم والعفو ، وكل ذلك يوجب رجحان جانب الوعد على جانب الوعيد ، وتاسعها أن هذا الإنسان أتى بما هو أفضل الخيرات وهو الإيمان ولم يأت بما هو أقبح القبائح وهو الكفر بل أتى الشر الذي هو في طبقة القبائح ليس في الغاية والسيد الذي له عبد ثم أتى عبده بأعظم الطاعات وأتى بمعصية متوسطة فلو رجع المولى تلك المعصية المتوسطة على الطاعة العظيمة لعد ذلك السيد لئياً فكذا ههنا ، فلما لم يجز ذلك على الله ثبت أن الرجحان لجانب الوعد وعاشرها: قال يحيى بن معاذ الرازي : إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعة ! إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضرمعه شيء من المعاصي وإلا فالكفر أعظم من الإيمان ! فإن يكن كذلك فلا أقل من رجاء العفو . وهو كلام حسن ، الحادي عشر: أنا قد بينا بالدليل أن قوله ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) لا يمكن حمله على الصغيرة ولا على الكبيرة بعد التوبة فلولم تحمله على الكبيرة قبل التوبة لزم تعطيل الآية ، أما لو خصصنا عمومات الوعيد بمن يستحلها لم يلزم منه إلا تخصيص العموم ومعلوم أن التخصيص أهون من التعطيل ، قالت المعتزلة ترجيح جانب الوعيد أولى من وجوه ، أولها : هو أن الأمة اتفقت على أن الفاسق يلعن ويحد على سبيل التنكيل والعذاب وأنه أهل الخزي وذلك يدل على أنه مستحق للعقاب وإذا كان مستحقاً للعقاب استحال أن يبقى في تلك الحالة مستحقاً للثواب ، وإذا ثبت هذا كان جانب الوعيد راجحاً على جانب الوعد . أما بيان أنه يلعن فالقرآن والإجماع ، أما القرآن فقوله تعالى في قاتل المؤمن ( وغضب الله عليه ولعنه ) وكذا قوله ( ألا لعنة الله على الظالمين ) وأما الإجماع فظاهر، وأما أنه يحسد على سبيل التنكيل فلقوله تعالى ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله ) وأما أنه يحد على سبيل العذاب فلقوله تعالى في الزاني ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) وأما أنهم ١٧٢ قوله تعالى ((بلى من كسب سيئة)) سورة البقرة ٠٠٠٠ أهل الخزي فلقوله تعالى في قطاع الطريق ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) إلى قوله. تعالى ( ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) وإذا ثبتٍ كون الفاسق موصوفاً بهذه الصفات ثبت أنه مستحق للعذاب والذم ومن كان مستحقاً لهما دائماً ومتى استحقهما دائماً. امتنع أن يبقى مستحقاً للثواب لأن الثواب والعقاب متنافيان فالجمع بين استحقاقها محال وإذا لم يبق مستحقاً للثواب ثبت أن جانب الوعيد راجح على جانب الوعد ، وثانيها : أن آيات الوعد عامة وآيات الوعيد خاصة والخاص مقدم على العام، وثالثها : أن الناس جبلوا على الفساد والظلم فكانت الحاجة إلى الزجو أشد ، فكان جانب الوعيد أولى ، قلنا الجواب عن الأول من وجوه : الأول كما وجدت آيات دالة على أنهم يلعنون ويعذبون في الدنيا بسبب معاصیھم کذلك أیضاً وجدت آیات دالة على أنهم یعظمون ویکرمون في الدنيا بسبب إيمانهم قال الله تعالى ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ) فليس ترجيح آيات الوعيد في الآخرة بالآيات الدالة على أنهم يذمون ويعذبون في الدنيا بأولى من ترجيح آيات الوعد في الآخرة بالآيات الدالة على أنهم يعظمون بسبب إيمانهم في الدنيا . الثاني: فكما أن آيات الوعد معارضة لآيات الوعيد في الآخرة فهي معارضة لآيات الوعید والنکال فی الدنیا فلم کان ترجیح آیات وعید الدنیا علی آيات وعید الآخرة أولی من العكس ، الثالث: أنا أجمعنا على أن السارق وإن تاب إلا أنه تقطع يده لا نكالا ولكن. امتحاناً، فثبت أن قوله ( جزاء بما كسبا نكالا ) مشروط بعدم التوبة فلم لا يجوز أيضاً أن يكون. مشروطاً بعدم العفو . والرابع : أن الجزاء ما يجزي ويكفي وإذا كان كافياً وجب أن لا يجوز. العقاب في الآخرة وإلا قدح ذلك في كونه مجزياً وكافياً فثبت أن هذا ينافي العذاب في الآخرة ، وإذا ثبت فساد قولهم في ترجيح جانب الوعيد فنقول : الآيتان الدالتان على الوعد والوعيد عبد على موجودتان فلا بد من التوفيق بينهما فأما أن يقال العبد يصل إليه الثواب ثم ينقل إلى دار العقاب. وهو قول باطل بإجماع الأمة ، أو يقال : العبد يصل إليه العقاب ثم ينقل إلى دار الثواب ويبقى هناك أبد الآباد وهو المطلوب . أما الترجيح الثاني فهو ضعيف لأن قوله ( ويغفر ما دون ذلك) لا يتناول الكفر وقوله ( ومن يعص الله ورسوله) يتناول الكل فكان قولنا هو الخاص والله أعلم : ﴾ في إسقاط العقاب الحجة السادسة : أنا قد دللنا على أن تأثير شفاعة محمد وذلك يدل على مذهبنا في هذه المسألة : الحجة السابعة: قوله تعالى (إن الله يغفر الذنوب جميعاً) وهو نص في المسألة . فإن قيل: هذه الآية إن دلت فإنما تدل على القطع بالمغفرة لكل العصاة وأنتم لا تقولون بهذا المذهب ، فما 1 تدل الآیة علیه لا تقولون به وما تقولون به لا تدل الآية عليه ؟ سلمنا ذلك لكن المراد بها أنه ١٧٣ قوله تعالى : والذين آمنوا وعملوا الصالحات . سورة البقرة وَالَّذِينَءَ امَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ أَوْلَيْكَ أَعَْبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ (g﴾ تعالى يغفر جميع الذنوب مع التوبة وحمل الآية على هذا المحمل أولى لوجهين : أحدهما : أنا إذا حملناها على هذا الوجه فقد حملناها على جميع الذنوب من غير تخصيص ، الثاني : أنه تعالى ذكر عقيب هذه الآية قوله تعالى ( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ) والإنابة هي التوبة فدل على أن التوبة شرط فيه ، والجواب عن الأول . أن قوله ( يغفر الذنوب جميعاً) وعد منه بأنه تعالى سيسقطها في المستقبل ونحن نقطع بأنه سيفعل في المستقبل ذلك فإنا نقطع بأنه تعالى سيخرج المؤمنين من النار لا محالة فيكون هذا قطعاً بالغفران لا محالة ، وبهذا ثبت أنه لا حاجة في إجراء الآية على ظاهرها على قيد التوبة ، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة وبالله التوفيق . ولنرجع إلى تفسير الآية فنقول : إن المعتزلة فسروا كون الخطيئة محبطة بكونها كبيرة محبطة لثواب فاعلها ، والاعتراض عليه من وجوه ، الأول : أنه كما أن من شرط كون السيئة محيطة بالإنسان كونها كبيرة فكذلك شرط هذه الإحاطة عدم العفو لأنه لو تحقق العفو لما تحققت إحاطة السيئة بالإنسان ، فإذن لا يثبت كون السيئة محيطة بالإنسان إلا إذا ثبت عدم العفو ، وهذا أول المسألة ويتوقف الاستدلال بهذه الآية على ثبوت المطلوب وهو باطل . الثاني : أنا لا نفسر إحاطة الخطيئة بكونها كبيرة بل نفسرها بأن يكون ظاهره وباطنه موصوفاً بالمعصية وذلك إنما يتحقق في حق الكافر الذي يكون عاصياً لله بقلبه ولسانه وجوارحه ، فأما المسلم الذی یکون مطیعاً لله بقلبه ولسانه ويكون عاصياً لله تعالى ببعض أعضائه دون البعض فههنا لا تتحقق إحاطة الخطيئة بالعبد ، ولا شك أن تفسير الإحاطة بما ذكرناه أولى لأن الجسم إذا مس بعض أجزاء جسم آخر دون بعض لا يقال إنه محيط به ، وعند هذا يظهر أنه لا تتحقق إحاطة الخطيئة بالعبد إلا إذا كان كافراً . إذا ثبت هذا فنقول : قوله ( فأولئك أصحاب النار ) يقتضى أن أصحاب النار ليسوا إلا هم وذلك يقتضى أن لا يكون صاحب الكبيرة من أهل النار ، الثالث : أن قوله تعالى ( فأولئك أصحاب النار ) يقتضى كونهم في النار في الحال ، وذلك باطل ، فوجب حمله على أنهم يستحقون النار. ونحن نقول بموجبه لكن لا نزاع في أنه تعالى هل يعفو عن هذا الحق وهذا أول المسألة، ولنختم الكلام في هذه الآية بقاعدة فقهية: وهي أن الشرط ههنا أمران ؛ أحدهما : اكتساب السيئة ، والثاني : إحاطة تلك السيئة بالعبد والجزاء المعلق على وجود الشرطين لا يوجد عند حصول أحدهما وهذا يدل على أن من عقد اليمين على شرطين في طلاق أو إعتاق أنه لا يحنث بوجود أحدهما والله أعلم . قوله تعالى ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ . ١٧٤ قوله تعالى (( والذين آمنوا وعملوا الصالحات)) سورة البقرة اعلم أنه سبحانه وتعالى ما ذكر في القرآن آية في الوعيد إلا وذكر بجنبها آية في الوعد وذلك لفوائد : أحدها : ليظهر بذلك عدله سبحانه لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصرين على الكفر وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على المصرين على الإيمان ، وثانيها : أن المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه على ما قاله عليه الصلاة والسلام ((لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا )) وذلك الاعتدال لا يحصل إلا بهذا الطريق، وثالثها أنه يظهر بوعده كمال رحمته وبوعیده کمال حکمته فیصیر ذلك سبباً للعرفان ، وههنا مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان لأنه تعالى قال ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فلودل الإيمان على العمل الصالح لكان ذكر العمل الصالح بعد الإيمان تكراراً أجاب القاضي بأن الإيمان وإن كان يدخل فيه جميع الأعمال الصالحة إلا أن قوله آمن لا يفيد إلا أنه فعل فعلاً واحداً من أفعال الإيمان ، فلهذا حسن أن يقول ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات ) والجواب : أن فعل الماضي يدل على حصول المصدر في زمان مضى والإيمان هو المصدر فلو دل ذلك علی جمیع الأعمال الصالحة لکان قوله آمن دليلاً على صدور كل تلك الأعمال منه والله أعلم . المسألة الثانية﴾ هذه الآية تدل على أن صاحب الكبيرة قد يدخل الجنة لأنا نتكلم فيمن أتى بالإيمان وبالأعمال الصالحة ثم أتى بعد ذلك بالكبيرة ولم يتب عنها فهذا الشخص قبل إتيانه بالکبیرة کان قد صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في ذلك الوقت ومن صدق عليه ذلك صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات وإذا صدق عليه ذلك وجب اندراجه تحت قوله ( أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) فإن قيل قوله تعالى ( وعملوا الصالحات) لا يصدق عليه إلا إذا أتى بجميع الصالحات ومن جملة الصالحات التوبة فإذا لم يأت بها لم يكن آتیاً بالصالحات فلا يندرج تحت الآية قلنا: قد بينا أنه قبل الإتيان بالكبیرة صدق علیه أنه آمن وعمل الصالحات في ذلك الوقت وإذا صدق عليه ذلك فقد صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات لأنه متى صدق المركب يجب صدق المفرد بل إنه إذا أتى بالكبيرة لم يصدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في كل الأوقات ، لكن قولنا آمن وعمل الصالحات أعم من قولنا إِنه كذلك في كل الأوقات أو في بعض الأوقات والمعتبر في الآية هو القدر المشترك فثبت أنه مندرج تحت حكم الوعد . بقي قولهم : إن الفاسق أحبط عقاب معصيته ثواب طاعته فيكون الترجيح لجانب الوعيد إلا أن الكلام عليه قد تقدم . ١٠ ﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج الجبائي بهذه الآية على أن من يدخل الجنة لا يدخلها تفضلاً لأن قوله ( أولئك أصحاب الجنة ) للحصر فدل على أنه ليس للجنة أصحاب إلا هؤلاء الذين ١٧٥ قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل . سورة البقرة وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِيّ إِسْرَِّ يلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ وَ بِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْنَى وَالْيَتَى وَالْمَسْكِينِ وَقُولُوْلِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الَّكَوَ ثُمَ تَوَيُمْ إِلَّ قَلِلًا ء ٠٤١٤٠ مِنْكُمْ وَأَتَمَ مُعْرِضَونَ قلنا لم لا يجوز الصالحات وعملوا آمنوا أن يكون المراد أنهم هم الذين يستحقونها فمن أعطى الجنة تفضلاً لم يدخل تحت هذا الحكم والله أعلم . قوله تعالى ﴿وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسناً وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلاً منکم وأنتم معرضون . اعلم أن هذا نوع آخر من أنواع النعم التي خصهم الله بها ، وذلك لأن التكليف بهذه الأشياء موصل إلى أعظم النعم وهو الجنة والموصل إلى النعمة نعمة ، فهذا التكليف لا محالة من النعم ثم إنه تعالى بين ههنا أنه كلفهم بأشياء : التكليف الأول : قوله تعالى ( لا تعبدون إلا الله ) وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ((يعبدون)) بالياء والباقون بالتاء ووجه الياء أنهم غيب أخبر عنهم ، ووجه التاء أنهم كانوا مخاطبين والاختيار التاء ، قال أبو عمرو ألا ترى أنه جل ذكره قال ( وقولوا للناس حسناً) فدلت المخاطبة على التاء . المسألة الثانية﴾ اختلفوا في موضع ((يعبدون)) من الاعراب على خمسة أقوال : القول : قال الكسائي رفعه على أن لا يعبدوا كأنه قيل أخذنا ميثاقهم بأن لا يعبدوا إلا أنه لما أسقطت ((أن)) رفع الفعل كما قال طرفة : وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي ألا أبهذا اللاثمي أحضر الوغى أراد أن أحضر ولذلك عطف عليه ((أن)) وأجاز هذا الوجه الأخفش والفراء والزجاج وقطرب وعلي بن عيسى وأبو مسلم . القول الثاني : موضعه رفع على أنه جواب القسم كأنه قيل : وإذا أقسمنا عليهم لا : ١٧٦ قوله تعالى: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل. سورة البقرة يعبدون ، وأجاز هذا الوجه المبرد والكسائي والفراء والزجاج وهو أحد قولي الأخفش. القول الثالث : قول قطرب : أنه يكون في موضع الحال فيكون موضعه نصباً كأنه قال : أخذنا ميثاقكم غير عابدين إلا الله . القول الرابع: قول الفراء أن موضع ((لا تعبدون)) على النهي إلا أنه جاء على لفظ الخبر كقوله تعالى ( لا تضار والدة بولدها ) بالرفع والمعنى على النهي ، والذي يؤكد كونه نهياً أمور أحدها : قوله ( أقيموا) وثانيها أنه ينصره قراءة عبدالله وأبي ( لا تعبدوا ) وثالثها : أن الإخبار في معنى الأمر والنهي أكد وأبلغ من صريح الأمر والنهي لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه : القول الخامس: التقدير أن لا تعبدوا تكون ((أن)) مع الفعل بدلاً عن الميثاق ، كأنه قيل أخذنا ميثاق بني إسرائيل بتوحيدهم . المسألة الثالثة﴾ هذا الميثاق يدل على تمام ما لا بد منه في الدين لأنه تعالى لما أمر بعبادة الله تعالى ونهى عن عبادة غيره ، ولا شك أن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق بالعلم بذاته سبحانه وجميع ما يجب ويجوز ويستحيل عليه بالعلم بوحدانيته وبراءته عن الأضداد والأنداد والبراءة عن الصاحبة والأولاد ، ومسبوق أيضاً بالعلم بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي والرسالة ، فقوله ( لا تعبدون إلا الله ) يتضمن كل ما اشتمل عليه علم الكلام وعلم الفقه والأحكام لأن العبادة لا تتأتی إلا معها التكليف الثاني : قوله تعالى ( وبالوالدين إحساناً) وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ يقال بم يتصل الباء في قوله تعالى (وبالوالدين إحساناً) وعلام انتصب ؟ قلنا فيه ثلاثة أقوال : الأول : قال الزجاج : انتصب على معنى أختنوا بالوالدين إحساناً والثاني : قيل على معنى وصيناهم بالوالدين إحساناً لأن اتصال الباء به أحسن على هذا الوجه ولو كان على الأول لكان . وإلى الوالدين كأنه قيل وأحسنوا إلى الوالدين . الثالث : قيل بل هو على الخبر المعطوف على المعنى الأول يعني أن تعبدوا وتحسنوا . ﴿ المسألة الثانية﴾ إنما أردف عبادة الله بالإحسان إلى الوالدين لوجوه: أحدها أن نعمة الله تعالى على العبد أعظم النعم فلا بد من تقديم شكره على شكر غيره ثم بعد نعمة الله فنعمة الوالدين أعم النعم وذلك لأن الوالدین هما الأصل والسبب فی کون الولد ووجوده كما أنهلما منعمان عليه بالتربية ، وأما غير الوالدين فلا يصدر عنه الإنعام بأصل الوجود بل بالتربية فقط ٠ . ١٧٧ قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل . سورة البقرة فثبت أن إنعامهما أعظم وجوه الإنعام بعد إنعام الله تعالى ، وثانيها : أن الله سبحانه هو المؤثر في وجود الانسان في الحقيقة والوالدان هما المؤثران في وجوده بحسب العرف الظاهر فلما ذكر المؤثر الحقيقي أردفه بالمؤثر بحسب العرف الظاهر ، وثالثها : أن الله تعالى لا يطلب بإنعامه على العبد عوضاً البتة بل المقصود إنما هو محض الإنعام والوالدان كذلك فإنهما لا يطلبان على الإنعام على الولد عوضاً مالياً ولا ثواباً فإن من ينكر الميعاد يحسن إلى ولده ويربيه ، فمن هذا الوجه أشبه إنعامهما إنعام الله تعالى الرابع : أن الله تعالى لا يمل من الإنعام على العبد ولو أتى العبد بأعظم الجرائم فإنه لا يقطع عنه مواد نعمه وروادف کرمه وكذا الوالدان لا يملان الولد ولا يقطعان عنه مواد منحهما وكرمهما وإن كان الولد مسيئاً إلى الوالدين الخامس : كما أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح وطلب الزيادة ويصونه عن البخس والنقصان فكذا الحق سبحانه وتعالى متصرف في طاعة العبد فيصونها عن الضياع ثم إنه سبحانه يجعل أعماله التي لا تبقى كالشيء الباقي أبد الآباد كما قال ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ) السادس : أن نعمة الله وإن كانت أعظم من نعمة الوالدين ولكن نعمة الله معلومة بالاستدلال ونعمة الوالدين معلومة بالضرورة إلا أنها قليلة بالنسبة إلى نعم الله فاعتدلا من هذه الجهة والرجحان لنعم الله فلا جرم جعلنا نعم الوالدين كالتالية لنعم الله تعالى . المسألة الثالثة) اتفق أكثر العلماء على أنه يجب تعظيم الوالدين وإن كانا كافرين ويدل عليه وجوه . أحدها : أن قوله في هذه الآية ( وبالوالدين إحساناً) غير مقيد بكونهما مؤمنين أم لا ولأنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف مشعر بعلية الوصف فدلت هذه الآية على أن الأمر بتعظيم الوالدين لمحض كونهما والدين وذلك يقتضي العموم وهكذا الاستدلال بقوله تعالى ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً) وثانيها : قوله تعالى ( فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ) الآية وهذا نهاية المبالغة في المنع من إيذائهما ، ثم إنه تعالى قال في آخر الآية ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً) فصرح ببيان السبب في وجوب هذا التعظيم . وثالثها : أن الله تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه كيف تلطف في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله ( يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ) ثم إن أباه كان يؤذيه ويذكر الجواب الغليظ وهو عليه السلام كان يتحمل ذلك ، وإذا ثبت ذلك في حق إبراهيم عليه السلام ثبت مثله في حق هذه الأمة لقوله تعالى ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً ) . المسألة الرابعة ﴾ اعلم أن الإحسان إليهما هو ألا يؤذيهما البتة ويوصل إليهما من ج٣ م١٢ ١٧٨ قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل . سورة البقرة المنافع قدر ما يحتاجان إليه فيدخل فيه دعوتهما إلى الإيمان إن كانا كافرين وأمرهما بالمعروف على سبيل الرفق إن كانا فاسقين . التكليف الثالث : قوله تعالى ( وذي القربى ) وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قال الشافعي رضي الله عنه: لو أوصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث المحرم وغير المحرم ولا يدخل الأب والابن لأنهما لا يعرفان بالقريب ويدخل الأحفاد والأجداد وقيل لا يدخل الأصول والفروع وقيل بدخول الكل . وههنا دقيقة ، وهي أن العرب يحفظون الأجداد العالية فيتسع نسلهم وكلهم أقارب ، فلو ترقينا إلى الجد العالى وحسبنا أولاده كثروا ، فلهذا قال الشافعي رضي الله عنه : يرتقي إلى أقرب جد ينتسب هو إلیه ویعرف به وإن كان كافراً ، وذكر الأصحاب في مثاله أنه لو أوصى لأقارب الشافعي رضي الله عنه فإنا نصرفه إلى بني شافع دون بني المطلب وبني عبد مناف وإن كانوا أقارب لأن الشافعي ینتسب فی المشهور إلی شیافع دون عبد مناف. قال الشيخ الغزالی : وهذا في زمان الشافعي ، أما في زماننا فلا ينصرف إلا إلى أولاد الشافعي رضي الله عنه ولا يرتقي إلى بني شافع لأنه أقرب من يعرف به أقاربه في زماننا ، أما قرابة الأم فإنها تدخل في وصية العجم ولا تدخل في وصية العرب على الأظهر لأنهم لا يعدون ذلك قرابة ، أما لو قال الأرحام فلان دخل فيه قرابة الأب والأم . ﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أن حق ذي القربى كالتابع لحق الوالدين لأن الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين والاتصال بالوالدين مقدم على الاتصال بذي القربى ، فلهذا أخر الله ذكره عن الوالدين ، وعن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال ((إِن الرحم سجنة من الرحمن فإذا كان يوم القيامة يقول . أي رب إني ظلمت ، إني أسىء إلى ، إني قطعت . قال فيجيبها ربها : ألا ترضين أني أقطع من قطعك وأصل من وصلك ، ثم قرأ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم)) والسبب العقلي في تأكيد رعاية هذا الحق أن القرابة مظنة الاتحاد والإلفة والرعاية والنصرة فلولم يحصل شيء من ذلك لكان ذلك أشق على القلب وأبلغ في الإسلام والإيحاش والضرورة وكلما كان أقوى كان دفعه أوجب ، فلهذا وجبت رعاية حقوق الأقارب . التكليف الرابع : قوله تعالى ( واليتامى ) وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى ﴾ اليتيم الذي مات أبوه حتى يبلغ الحلم وجمعه أيتام ويتامى كقولهم نديم وندامى ولا يقال لمن ماتت أمه إنه يتيم . قال الزجاج : هذا في الإنسان ، أما في غير ١٧٩ قوله تعالى : وقولوا للناس حسناً . سورة البقرة الإنسان فيتمه من قبل أمه . المسألة الثانية ﴾ اليتيم كالتالي لرعاية حقوق الأقارب وذلك لأنه لصغره لا ينتفع به وليتمه وخلوة عمن يقوم به يحتاج إلى من ينفعه والإنسان قلما يرغب في صحبة مثل هذا وإذا کان هذا التكليفشاقاً على النفس لا جرم كانت درجته عظيمة في الدين . التكليف الخامس : قوله تعالى ( والمساكين ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ ((والمساکین)) واحدها مسکین أخذ من السكون كأن الفقر قد سكنه وهو أشد فقراً من الفقير عند أكثر أهل اللغة وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه واحتجوا بقوله تعالى ( أو مسكيناً ذا متربة ) وعند الشافعي رضي الله عنه الفقير أسوأ حالاً لأن الفقير اشتقاقه من فقار الظهر كأن فقاره انكسر لشدة حاجته وهو قول ابن الأنباري . واحتجوا عليه بقوله تعالى ( أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ) جعلهم مساكين مع أن السفينة كانت ملكاً لهم . ﴿ المسألة الثانية﴾ إنما تأخرت درجتهم عن اليتامى لأن المسکین قد یکون بحیث ینافع به في الاستخدام فكان الميل إلى مخالطته أكثر من الميل إلى مخالطة اليتامى ، ولأن المسكين أيضاً يمكنه الاشتغال بتعهد نفسه ومصالح معيشته ، واليتيم ليس كذلك فلا جرم قدم الله ذكر اليتيم على المسكين . ﴿ المسألة الثالثة﴾ الإحسان إلى ذي القربى واليتامى لا بد وأن يكون مغايراً للزكاة لأن العطف يقتضي التغاير . التكليف السادس : قوله تعالى ( وقولوا للناس حسناً) وفيه مسائل . ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائي (حسناً) بفتح الحاء والسين على معنى الوصف للقول كأنه قال قولوا للناس قولاً حسناً ، والباقون بضم الحاء وسكون السين ، واستشهدوا بقوله تعالى(ووصينا الإنسان بوالديه حسناً) وبقوله ( ثم بدل حسناً بعد سوء ) وفيه أوجه ، الأول : قال الأخفش : معناه قولا ذا حسن . الثاني : يجوز أن يكون حسناً في موضع حسناً كما تقول : رجل عدل ، الثالث : أن يكون معنى قوله ( وقولوا للناس حسناً ) أي ليحسن قولكم نصب على مصدر الفعل الذي دل عليه الكلام الأول ، الرابع : حسناً أي قول هو حسن في نفسه لإفراط حسنه : المسألة الثانية﴾ يقال لم خوطبوا بقولوا بعد الإخبار؟ والجواب من ثلاثة أوجه : ١٨٠ قوله تعالى : وقولوا للناس حسناً . سورة البقرة أحدها : أنه على طريقة الالتفات كقوله تعالى ( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ) وثانيها : فيه حذف أي قلنا لهم قولوا ، وثالثها : الميثاق لا يكون إلا كلاماً كأنه قيل قلت لا تعبدوا وقولوا . ﴿ المسألة الثالثة﴾ اختلفوا في أن المخاطب بقوله (وقولوا للناس حسناً) من هو؟ فيحتمل أن يقال إنه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلا الله وعلى أن يقولوا للناس حسناً ويحتمل أن يقال إنه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلا الله ثم قال لموسى وأمته قولوا للناس حسناً والكل ممكن بحسب اللفظ وإن كان الأول أقرب حتى تكون القصة واحدة مشتملة على محاسن العادات ومكارم الأخلاق من كل الوجوه . المسألة الرابعة﴾ منهم من قال إنما يجب القول الحسن مع المؤمنين ، أما مع الكفار والفساق فلا ، والدليل عليه وجهان ؛ الأول : أنه يجب لعنهم وذمهم والمحاربة معهم ، فكيف يمكن أن يكون القول معهم حسناً ، والثاني : قوله تعالى (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) فأباح الجهر بالسوء لمن ظلم ، ثم إن القائلين بهذا القول منهم من زعم أن هذا الأمر صار منسوخاً بآية القتال ، ومنهم من قال إنه دخله التخصيص ، وعلى هذا التقدير يحصل ههنا احتمالان أحدهما أن يكون التخصيص واقعاً بحسب المخاطب وهو أن يكون المراد وقولوا للمؤمنين حسناً والثاني أن يقع بحسب المخاطب وهو أن يكون المراد قولوا للناس حسناً في الدعاء إلى الله تعالى . وفي الأمر بالمعروف، فعلى الوجه الأول يتطرق التخصيص إلى المخاطب دون الخطاب وعلى الثاني يتطرق إلى الخطاب دون المخاطب ، وزعم أبو جعفر محمد بن علي الباقر أن هذا العموم باق على ظاهره وأنه لا حاجة إلى التخصيص وهذا هو الأقوى والدليل عليه أن موسى وهرون مع جلال منصبهما أمرا بالرفق واللين مع فرعون ، وكذلك محمد سلّ مأمور بالرفق وترك الغلظة وكذلك قوله تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) وقال تعالى ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم ) وقوله ( وإذا مروا باللغومروا كراماً ) وقوله ( وأعرض عن الجاهلين ) أما الذين تمسكوا به أولاً من أنه يجب لعنهم وذمهم فلا يمكنهم القول الحسن معهم ، قلنا أولا لا نسلم أنه يجب لعنهم وسبهم والدليل عليه قوله تعالى (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ) سلمنا أنه يجب لعنهم لكن لا نسلم أن اللعن ليس قولاً حسناً بيانه: أن القول الحسن ليس عبارة عن القول الذي يشتهونه ويحبونه ، بل القول الحسن هو الذي يحصل انتفاعهم به ونحن إذا لعناهم وذمناهم ليرتدعوا به عن الفعل القبيح كان ذلك المعنى نافعاً في حقهم فكان ذلك اللعن قولاً حسناً ونافعاً، كما أن تغليظ الوالد في القول قد يكون حسناً ونافعاً من حيث إنه يرتدع به عن الفعل القبيح ،