Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
قوله تعالى (( يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي)) سورة البَقَرة
وصار ذلك الحجر الذي صك ذلك الرجل من ذلك الصنم جبلا عالياً امتلأت به الأرض فهذا
رؤياك أيها الملك. وأما تفسيرها فأنت الرأس الذي رأيته من الذهب ويقوم بعدك مملكة أخرى
دونك والمملكة الثالثة التي تشبه النحاس تنبسط على الأرض كلها ، والمملكة الرابعة تكون
قوتها مثل الحديد ، وأما الرجل التي كان بعضها من خزف فإن بعض المملكة يكون عزيزاً
وبعضها يكون ذليلا وتكون كلمة الملك متفرقة ويقيم إله السماء في تلك الأيام مملكة أبدية لا
تتغير ولا تزول وإنها تزيل جميع الممالك وسلطانها يبطل جميع السلاطين وتقوم هي إلى الدهر
الداهر فهذا تفسير الحجر الذي رأيت أنه يقطع من جبل بلا قاطع حتى دق الحديد والنحاس
والخزف والله أعلم بما يكون في آخر الزمان. فهذه هي البشارات الواردة في الكتب المتقدمة
بمبعث رسولنا محمد الخ
أما قوله تعالى (أوف بعهدكم) فقالت المعتزلة: ذلك العهد هو ما دل العقل عليه من أن
الله تعالى يجب عليه إيصال الثواب إلى المطيع وصح وصف ذلك الوجوب بالعهد لأنه بحيث يجب
الوفاء به فكان ذلك أوكد من العهد بالإيجاب بالنذر واليمين: وقال أصحابنا: إنه لا يجب
للعبد على الله شيء ، وفي هذه الآية ما يدل على ذلك لأنه تعالى لما قدم ذكر النعم ، ثم رتب
عليه الأمر بالوفاء بالعهد دل على أن تلك النعم السالفة توجب عهد العبودية ، وإذا كان كذلك
كان أداء العبادات أداء لما وجب بسبب النعم السالفة وأداء الواجب لا يكون سبباً لواجب
آخر ، فثبت أن أداء التكاليف لا يوجب الثواب فبطل قول المعتزلة بل التفسير الحق من
وجهين: الأول: أنه تعالى لما وعد بالثواب وكل ما وعد به استحال أن لا يوجد ، لأنه لو لم
يوجد لانقلب خبره الصدق كذباً والكذب عليه محال ، والمفضى إلى المحال محال فكان ذلك
واجب الوقوع فكان ذلك أكد مما ثبت باليمين والنذر ، الثاني: أن يقال العهد هو الأمر والعبد
يجوز أن يكون مأموراً إلا أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مأموراً لكنه سبحانه وتعالى جری في
ذلك على موافقة اللفظ كقوله (يخادعون الله وهو خادعهم، ومكروا ومكر الله) وأما قوله
(وإياي فارهبون) فاعلم أن الرهبة هي الخوف قال المتكلمون: الخوف منه تعالى هو الخوف من
عقابه وقد يقال في المكلف إنه خائف على وجهين: أحدهما مع العلم والآخر مع الظن ، أما
العلم فإذا كان على يقين من أنه أتى بكل ما أمر به واحترز عن كل ما نهى عنه فإن خوفه إنما
يكون عن المستقبل ، وعلى هذا نصف الملائكة والأنبياء عليهم السلام بالخوف والرهبة قال تعالي
(يخافون ربهم من فوقهم) وأما الظن فإذا لم يقطع بأنه فعل المأمورات واحترز عن المنهيات
فحينئذ يخاف أن لا یکون من أهل الثواب ، واعلم أن کل من کان خوفه في الدنيا أشد كان
أمنه يوم القيامة أكثر وبالعكس. روى (أنه ينادي مناد يوم القيامة) وعزتي وجلالي إني لا أجمع

٤٢
قوله تعالى : وآمنوا بما أنزلت مصدقاً . سورة البقرة
وَاِنُوْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًالِمَا مَعَكُمْ وَلَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ، وَلَا تَشْتُواْ بِعَايَتِى ثَمَنًا
قَلِيلاً وَ إِيْنَىَ فَأَتَّقَوِنِ
٤١
علی عبدی)خوفين ولا أمنین من أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة ومن خافني في الدنيا أمنته يوم
القيامة)) وقال العارفون: الخوف خوفان خوف العقاب وخوف الجلال ، والأول نصيب أهل
الظاهر ، والثاني نصيب أهل القلب ، والأول يزول ، والثاني لا يزول. واعلم أن في الآية
دلالة على أن كثرة النعم تعظم المعصية ، ودلالة على أن تقدم العهد يعظم المخالفة ودلالة على
أن الرسول کما کان مبعوثاً إلی العرب کان مبعوثاً إلی بنی إسرائیل ،وقوله (وإیای فارهبون) یدل
على أن المرء يجب أن لا يخاف أحداً إلا الله تعالى ، وكما يجب ذلك في الخوف فكذا في الرجاء
والأمل وذلك يدل على أن الكل بقضاء الله وقدره إذ لو كان العبد مستقلاً بالفعل لوجب أن
يخاف منه كما يخاف من الله تعالی وحينئذ ببطل الحصر الذي دل عليه قوله تعالى (وإیای
فارهبون) بل كان يجب أن لا يرهب إلا نفسه ، لأن مفاتيح الثواب والعقاب بيده لا بيد الله
تعالى فوجب أن لا يخاف إلا نفسه وأن لا يخاف الله البتة ، وفيها دلالة على أنه يجب على المكلف
أن يأتي بالطاعات للخوف والرجاء وأن ذلك لا بد منه في صحتها والله أعلم.
قوله تعالى ﴿ وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي
ثمناً قليلا وإياي فاتقون ﴾
اعلم أن المخاطبين بقوله (وآمنوا) هم بنوا إسرائيل ويدل عليه وجهان. الأول: أنه
معطوف على قوله ( اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) كأنه قيل اذكروا نعمتي التي أنعمت
عليكم وأوفوا بعهدي وآمنوا بما أنزلت ، الثاني : أن قوله تعالى (مصدقاً لما معكم) يدل على
ذلك.
أما قوله (بما أنزلت) ففيه قولان الأقوى أنه القرآن وعليه دليلان. أحدهما: أنه وصفه
بکونه منزلا وذلك هو القرآن لأنه تعالى قال (نزل علیك الکتاب بالحق مصدقاً لما بین یدیه وأنزل
التوراة والإنجيل) والثاني: وصفه بكونه مصدقاً لما معهم من الكتب وذلك هو القرآن وقال
قتادة: المراد (آمنوا بما أنزلت) من كتاب ورسول تجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل.
أما قوله (مصدقاً لما معکم) ففیه تفسیران: أحدهما : أن في القرآن ان موسی وعیسی حق
وأن التوراة والإنجيل حق وأن التوراة أنزلت على موسى والإنجيل على عيسى عليهما السلام

٤٣
قوله تعالى: وآمنوا بما أنزلت مصدقاً . سورة البَقَرة
فكان الإيمان بالقرآن مؤكداً للايمان بالتوراة والإنجيل فكأنه قيل لهم إن كنتم تريدون المبالغة في
الإيمان بالتوراة والإنجيل فآمنوا بالقرآن فإن الإيمان به يؤكد الإيمان بالتوراة والإنجيل ،
والثاني : أنه حصلت البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن تصديقاً التوراة والإنجيل
فكأن الإيمان بمحمد وبالقرآن تصديقاً التوراة والإنجيل , وتكذيب محمد والقرآن تكذيباً
التوراة والإنجيل ، وهذا التفسير أولى لأن على التفسير الأول لا يلزم الإيمان بمحمد عليه
السلام لأنه بمجرد كونه مخبراً عن كون التوراة والإنجيل حقاً لا يجب الإيمان بنبوته: أما على
التفسير الثاني يلزم الإيمان به لأن التوراة والإنجيل إذا اشتملا على كون محمد ◌ٍ صادقاً فالإيمان
بالتوراة والإنجيل يوجب الإيمان بكون محمد صادقاً لا محالة ، ومعلوم أن الله تعالى إنما ذكر هذا
الكلام ليكون حجة عليهم في وجوب الإيمان بمحمد ، فثبت أن هذا التفسير أولى. واعلم
أن هذا التفسير الثاني يدل على نبوة محمد ◌َله من وجهين: الأول: أن شهادة كتب الأنبياء
عليهم السلام لا تكون إلا حقاً ، والثاني: أنه عليه السلام أخبر عن كتبهم ولم يكن له معرفة
بذلك إلا من قبل الوحي ، أما قوله (ولا تكونوا أول کافر به ،) فمعناه أول من کفر به أو أول
فریق أو فوج کافر به أو ولا یکن کل واحد منکم أول کافر به ، ثم فيه سؤالان: الأول كيف
جعلوا أول من كفر به وقد سبقهم إلى الكفر به مشركو العرب؟ والجواب من وجوه: أحدها:
أن هذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته ولأنهم كانوا هم
المبشرون بزمان محمد ◌َّ والمستفتحون على الذين كفروا به فلما بعث كان أمرهم على العكس
لقوله تعالى( (فلما جاءهم ما عرفوا کفروا به) وثانیھا: يجوز أن یراد ولا تكونوا مثل أول کافر
به يعني من أشرك من أهل مكة ، أي ولا تكونوا وأنتم تعرفونه مذكوراً في التوراة والإنجيل
مثل من لم يعرفه وهو مشرك لا كتاب له. وثالثها: ولا تكونوا أول كافر به من أهل الكتاب لأن
هؤلاء كانوا أول من كفر بالقرآن من بني إسرائيل وإن كانت قريش كفروا به قبل ذلك ،
ورابعها ولا تكونوا أول کافر به ، یعني بکتابکم یقول ذلك لعلما ٹھم أی ولا تكونوا أول أحد
من أمتكم كذب كتابكم لأن تكذيبكم بمحمد ◌َّه يوجب تكذيبكم بكتابكم وخامسها: أن
المراد منه بيان تغليظ كفرهم وذلك لأنهم لما شاهدوا المعجزات الدالة على صدقه عرفوا البشارات
الواردة في التوراة والإنجيل بمقدمه فكان كفرهم أشد من كفر من لم يعرف إلا نوعاً واحداً من
الدليل والسابق إلى الكفر يكون أعظم ذنباً ممن بعده لقوله عليه السلام ((من سن سنة سيئة
فعليه وزرها ووزر من عمل بها فلما كان كفرهم عظيما وكفر من كان سابقاً
في الكفر عظيما فقد اشتركا من هذا الوجه فصح إطلاق اسم أحدهما على الآخر على سبيل
الاستعارة ، وسادسها: المعنى ولا تكونوا أول من جحد مع المعرفة لأن كفر قريش كان مع
الجهل لا مع المعرفة ، وسابعها: أول كافر به من اليهود لأن النبي ◌ّ﴾ قدم المدينة وبها قريظة

٤٤
قوله تعالى (( وآمنوا بما انزلت مصدقا سورة البقرة
والنضیر فکفروا به ثم تتابعت سائر اليهود على ذلك الکفر فكأنه قیل أول من کفر به من أهل
الكتاب وهو كقوله (وأني فضلتكم على العالمين) أي على عالمي زمانهم ، وثامنها: ولا تكونوا
أول كافر به عند سماعكم بذكره بل تثبتوا فيه وراجعوا عقولكم فيه ، وتاسعها: أن لفظ ((أول))
صلة والمعنى ولا تكونوا كافرين به ، وهذا ضعيف ، السؤال الثاني: أنه كان يجوز لهم الكفر إذ
لم يكونوا أولاً، والجواب من وجوه: أحدها: أنه ليس فى ذكر تلك الشيء دلالة على أن ما
عداه بخلافه ، وثانيها أن في قوله (وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم) دلالة على أن كفرهم أولاً
واخراً محظور ، وثالثها: أن قوله (رفع السموات بغير عمد ترونها) لا يدل على وجود عمد لا
يرونها ، وقوله (وقتلهم الأنبياء بغير حق ) لا يدل على وقوع قتل الأنبياء بحق. وقوله عقيب
هذه الآية (ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلا) لا يدل على إباحة ذلك بالثمن الكثير، فكذا ههنا ،
بل المقصود من هذه السياقة استعظام وقوع الجحد والإنكار ممن قرأ في الكتب نعت رسول الله
وَ ل* صفته، ورابعها: قال المبرد: هذا الكلام خطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم فقيل لهم لا
تكفروا بمحمد فإنه سيكون بعدكم الكفار فلا تكونوا أنتم أول الكفار لأن هذه الأولية موجبة
لمزید الإثم وذلك لأنهم إذا سبقوا إلى الكفر فإما أن يقتدي بهم غيرهم في ذلك الكفر أو لا يكون
کذلك؛ فإن اقتدى بهم غيرهم في ذلك الكفر کان لهم وزر ذلك الكفر ووزر کل من کفر إلى
يوم القيامة وإن لم يقتد بهم غيرهم اجتمع عليهم أمران ، أحدهما: السبق إلى الكفر ،
والثاني: التفرد به ، ولا شك في أنه منقصة عظيمة فقوله (ولا تكونوا أول كافر به) إشارة إلى
هذا المعنى.
أما قوله (ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلا) فقد بينا في قوله (أولئك الذين اشتروا الضلالة
بالهدى) أن الاشتراء يوضع موضع الاستبدال فكذا الثمن يوضع موضع البدل عن الشيء
والعوض عنه فإذا اختير على ثواب الله شيء من الدنيا فقد جعل ذلك الشيء ثمناً عند فاعله.
قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن رؤساء اليهود مثل كعب بن الأشرف وحي بن أخطب
وأمثالهما كانوا يأخذون من فقراء اليهود الهدايا وعلموا أنهم لو اتبعوا محمداً لانقطعت عنهم
تلك الهدايا فأصروا على الكفر لئلا ينقطع عنهم ذلك القدر المحقر ، وذلك لأن الدنيا كلها
بالنسبة إلى الدين قليلة جداً فنسبتها إليه نسبة المتناهي إلى غير المتناهي ، ثم تلك الهدایا کانت في
نهاية القلة بالنسبة إلى الدنيا ، فالقليل جداً من القليل جداً أي نسبة له إلى الكثير الذي لا
يتناهى؟ واعلم أن هذا النهي صحيح سواء كان فيهم من فعل ذلك أولم يكن ، بل لو ثبت أن
علماءهم كانوا يأخذون الرشا على كتمان أمر الرسول وق لقه وتحريف ما يدل على ذلك من التوراة
کان الكلام أبین ، وأما قوله (وإیای فاتقون) فیقرب معناه مما تقدم من قوله (وإياي فارهبون)

٠
٤٥
قوله تعالى : ولا تلبسوا الحق بالباطل . سورة البَفَرة
٤٢
وَلَا تَلْسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
والفرق أن الرهبة عبارة عن الخوف، وأما الاتقاء فانما يحتاج إليه عند الجزم بحصول ما يتقى
منه فكأنه تعالى أمرهم بالرهبة لأجل أن جواز العقاب قائم ، ثم أمرهم بالتقوي لأن تعين
العقاب قائم.
قوله تعالى ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ﴾
اعلم أن قوله سبحانه ( وآمنوا بما أنزلت ) أمر بترك الكفر والضلال وقوله ( ولا تلبسوا
الحق بالباطل ) أمر بترك الاغواء والاضلال ، واعلم أن إضلال الغير لا يحصل إلا بطريقين ،
وذلك لأن ذلك الغیر إن کان قد سمع دلائل الحق فإضلاله لا يمكن إلا بتشویش تلك الدلائل
عليه وإن كان ما سمعها فإضلاله إنما يمكن باخفاء تلك الدلائل عنه ومنعه من الوصول إليها
فقوله ( ولا تلبسوا الحق بالباطل ) إشارة إلى القسم الأول وهو تشويش الدلائل عليه وقوله
( وتكتموا الحق ) إشارة إلى القسم الثاني وهو منعه من الوصول إلى الدلائل ، واعلم أن
الأظهر في الباء التي في قوله ( بالباطل ) أنها باء الاستعانة كالتي في قولك : كتبت بالقلم
والمعنى ولا تلبسوا الحق بسبب الشبهات التي توردونها على السمعين ، وذلك لأن النصوص
الواردة في التوراة والانجيل في أمر محمد عليكم كانت نصوصاً خفية يحتاج في معرفتها إلى
الاستدلال ، ثم إنهم كانوا يجادلون فيها ويشوشون وجه الدلالة على المتأملين فيها بسبب إلقاء
الشبهات ، فهذا هو المراد بقوله ( ولا تلبسوا الحق بالباطل ) فهو المذكور في قوله ( وجادلوا
بالباطل ليدحضوا به الحق ) أما قوله ( وأنتم تعلمون أي تعلمون ما في إضلال الخلق من
الضرر العظيم العائد عليكم يوم القيامة ، وذلك لأن ذلك التلبيس صار صارفاً للخلق عن
قبول الحق إلى يوم القيامة وداعياً لهم إلى الإستمرار على الباطل إلى يوم القيامة ولا شك في أن
موقعه عظيم ، وهذا الخطاب وإن ورد فيهم ، فهو تنبيه لسائر الخلق وتحذير من مثله فصار
الخطاب وإن كان خاصاً في الصورة لكنه عام في المعنى ، ثم ههنا بحثان :
البحث الأول﴾ قوله ( وتكتموا الحق ) جزم داخل تحت حكم النهي بمعنى ولا
تکتموا أو منصوب بإضمار أن :
البحث الثاني ﴾ أن النهي عن اللبس والكتمان وإن تقيد بالعلم فلا يدل على جوازهما

٤٦
. قوله تعالى: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة. سورة البقرة
وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُوْ الزَّكَوَةَ وَأَرْكُوْ مَعَ الَّكِعِينَ
حال عدم العلم ، وذلك لأنه إذا لم يعلم حال الشيء لم يعلم أن ذلك اللبس والكتمان حق أو
باطل ، وما لا يعرف كونه حقاً أو باطلاً لا يجوز الإقدام عليه بالنفي ولا بالإثبات ، بل يجب
التوقف فيه ، وسبب ذلك التقييد أن الإقدام على الفعل الضار مع العلم بكونه ضاراً أفحش
من الإقدام عليه عند الجهل بكونه ضاراً فلما كانوا عالمين بما في التلبيس من المفاسد كان إقدامهم
عليه أقبح ، والآية دالة على أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين ﴾
اعلم أن الله سبحانه وتعالى لما أمرهم بالإيمان أولا ثم نهاهم عن لبس الحق بالباطل
وكتمان دلائل النبوة ثانياً ، ذكر بعد ذلك بيان ما لزمهم من الشرائع وذكر من جملة الشرائع ما كان
كالمقدم والأصل فيها وهو الصلاة التي هي أعظم العبادات البدنية والزكاة التي هي أعظم
العبادات المالية وههنا مسائل :
المسألة الأولى ﴾ القائلون بأنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب قالوا إنما
جاء الخطاب في قوله ( وأقيموا الصلاة (بعد أن كان النبي ﴿وَلَ﴾ وصف لهم أركان الصلاة
وشرائطها فكأنه تعالى قال وأقيموا الصلاة التي عرفتموها والقائلون بجواز التأخير قالوا يجوز ان
يراد الأمر بالصلاة وإن كانوا لا يعرفون أن الصلاة ما هي ويكون المقصود أن يوطن السامع
نفسه على الامتثال وإن كان لا يعلم أن المأمور به ما هو كما أنه لا نزاع في أن يحسن من السيد
أن يقول لعبده إني آمرك غداً بشيء فلا بد وأن تفعله ويكون غرضه منه بأن يعزم العبد في الحال
على أدائه في الوقت الثاني :
﴿ المسألة الثانية ) قالت المعتزلة : الصلاة من الأسماء الشرعية قالوا لأنها أمر حدث فى
الشرع فاستحال أن يكون الاسم الموضوع قد كان حاصلا قبل الشرع ، ثم اختلفوا في وجه
التشبيه فقال بعضهم : أصلها في اللغة الدعاء قال الأعشى :
عينا فان لجنب المرء مضطجعاً
عليك مثل الذي صليت فاعتصمي
وقال آخر :
وصلى على دنها وارتسم
وقابلها الريح في دنها

٤٧
قوله تعالى : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة . سورة البقرة
وقال بعضهم : الأصل فيها اللزوم قال الشاعر :
لم أكن من جناتها علم الله
وإني بحرها اليوم صالي
أي ملازم ، وقال آخرون بل هي مأخوذة من المصلى وهو الفرس الذي يتبع غيره .
والأقرب أنها مأخوذة من الدعاء إذ لا صلاة إلا ويقع فيها الدعاء أو ما يجري مجراه وقد تكون
صلاة ولا يحصل فيها متابعة الغير وإذا حصل في وجه التشبيه ما عم كل الصور كان أولى أن
يجعل وجه التشبيه شيئاً يختص ببعض الصور . وقال أصحابنا من المجازات المشهورة في اللغة
إطلاق اسم الجزء على الكل ولما كانت الصلاة الشرعية مشتملة على الدعاء لا جرم أطلق اسم
الدعاء عليها على سبيل المجاز ، فان كان مراد المعتزلة من كونها اسماً شرعياً هذا . فذلك حق
وإن كان المراد أن الشرع ارتجل هذه اللفظة ابتداء لهذا المسمى فهو باطل وإلا لما كانت هذه
اللفظة عربية ، وذلك ينافي قوله تعالى ( إنا أنزلناه قرآناً عربياً) أما الزكاة فهي في اللغة عبارة
عن الماء يقال زكا الزرع إذانما ، وعن التطهير قال الله تعالى ( أقتلت نفساً زكية ) أي طاهرة
وقال ( قد أفلح من تزكى ) أي تطهر وقال ( ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من
أحد أبداً) وقال ( ومن تزكى فانما يتزكى لنفسه ) أي تطهر بطاعة الله ، ولعل اخراج نصف
دينار من عشرين ديناراً سمى بالزكاة تشبيهاً بهذين الوجهين ، لأن في إخراج ذلك القدر تنمية
للبقية من حيث البركة فإن الله يرفع البلاء عن ذلك المال بسبب تزكية تلك العطية فصار ذلك
الإعطاء نماء في المعنى وإن كان نقصاناً في الصورة، ولهذا قال ﴿وَ﴾ ((عليكم بالصدقة فإِن
فيها ست خصال ثلاثة في الدنيا وثلاثة في الآخرة ، فأما التي في الدنيا فتزيد في الرزق وتكثر
المال وتعمر الديار ، وأما التي في الآخرة فتستر العورة وتصير ظلاً فوق الرأس وتكون ستراً من
النار)) ويجوز أن تسمى الزكاة بالوجه الثاني من حيث إنها تطهر مخرج الزكاة عن كل الذنوب ،
ولهذا قال تعالى لنبيه ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها )
المسألة الثالثة ) قوله تعالى ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) خطاب مع اليهود وذلك
يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع . أما قوله تعالى ( واركعوا مع الراكعين ) ففيه.
وجوه أحدها : أن اليهود لا ركوع في صلاتهم فخص الله الركوع بالذكر تحريضاً لهم على
الإتيان بصلاة المسلمين ، وثانيها : أن المراد صلوا مع المصلين ، وعلى هذا يزول التكرار لأن
في الأول أمر تعالى بإقامتها وأمر في الثاني بفعلها في الجماعة ، وثالثها : أن يكون المراد من
الأمر بالركوع هو الأمر بالخضوع لأن الركوع والخضوع في اللغة سواء فيكون نهياً عن
الاستكبار المذموم وأمراً بالتذلل كما قال للمؤمنين ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على
المؤمنين أعزة على الكافرين ) وكقوله تأديباً لرسوله عليه السلام ( واخفض جناحك لمن اتبعك

٤٨
قوله تعالى : أتأمرون الناس بالبر . سورة البقرة
أَتَأْمُرُ ونَ النَّاسَ بِلْبِ وَتَسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَبَ أَقَلَا تَعْقِلُونَ (
من المؤمنين ) وكمدحه له بقوله ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا
من حولك ) وهكذا في قوله تعالى (إنماوليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة
ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) فكأنه تعالى لما أمرهم بالصلاة والزكاة أمرهم بعد ذلك بالانقياد
والخضوع وترك التمرد . وحكى الأصم عن بعضهم أنه إنما أمر الله تعالى بني إسرائيل بالزكاة
لأنهم كانوا لا يؤتون الزكاة وهو المراد بقوله تعالى ( وأکلهم السحت) وبقوله ( وأکلهم الربا
وأكلهم أموال الناس بالباطل ) فأظهر الله تعالى في هذا الموضع ما كان مكتوماً ليحذروا أن
يفضحهم في سائر أسرارهم ومعاصیھم فیصیر هذا کالإخبار عن الغيب الذي هو أحد دلائل
نبوة محمد
قوله تعالى ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ﴾
اعلم أن الهمزة في أتأمرون الناس بالبر للتقرير مع التقريع والتعجب من حالهم ، وأما
البر فهو اسم جامع لأعمال الخير ، ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما ، ومنه عمل مبرور ، أي قد
رضيه الله تعالى وقد يكون بمعنى الصدق كما يقال بر في يمينه أي صدق ولم يحنث ، ويقال
صدقت وبررت ، وقال تعالى ( ولكن البر من اتقى ) فأخبر أن البرجامع للتقوى ، واعلم أنه
سبحانه وتعالى لما أمر بالإيمان والشرائع بناء على ما خصهم به من النعم ورغبهم في ذلك بناء
على مأخذ آخر ، وهو أن التغافل عن أعمال البرمع حث الناس عليها مستقبح في العقول ، إذ
المقصود من أمر الناس بذلك إما النصيحة أو الشفقة ، وليس من العقل أن يشفق الإنسان على
غيره أو أن ينصح غيره ويهمل نفسه فحذرهم الله تعالى من ذلك بأن قرعهم بهذا الكلام.
واختلفوا في المراد بالبر في هذا الموضع على وجوه ، أحدها : وهو قول السدى أنهم كانوا
يأمرون الناس بطاعة الله وينهونهم عن معصية الله ، وهم كانوا يتركون الطاعة ويقدمون على
المعصية ، وثانيها : قول ابن جريج أنهم كانوا يأمرون الناس بالصلاة والزكاة وهم كانوا
،قالوا هو صادق فيما
يتركونهما وثالثها : أنه إذا جاءهم أحد في الخفية لاستعلام أمر محمد ﴿
يقول وأمره حق فاتبعوه ، وهم كانوا لا يتبعونه لطمعهم في الهدايا والصلاة التي كانت تصلنٌ
إليهم من أتباعهم، ورابعها: أن جماعة من اليهود كانوا قبل مبعث الرسول ﴿وَ﴾﴾ يخبرون
مشركي العرب أن رسولا سيظهر منكم ويدعو إلى الحق وكانوا يرغبونهم فى اتباعه فلما بعث الله
محمداً حسدوه وكفروا به ، فبكتهم الله تعالی بسبب أنهم کانوا یأمر ون باتباعه قبل ظهوره فلما

٤٩
قوله تعالى : أتأمرون الناس بالبر . سورة البَقَرة
ظهر تركوه وأعرضوا عن دينه ، وهذا اختيار أبي مسلم ، وخامسها : وهو قول الزجاج أنهم
كانوا يأمرون الناس ببذل الصدقة ، وكانوا يشحون بها لأن الله تعالى وصفهم بقساوة القلوب
وأكل الربا والسحت ، وسادسها : لعل المنافقين من اليهود كانوا يأمرون باتباع محمد ﴿رصيد﴾
في الظاهر ، ثم إنهم كانوا في قلوبهم منكرين له فوبخهم الله تعالى عليه ، وسابعاً : أن اليهود
كانوا يأمرون غيرهم باتباع التوراة ثم إنهم خالفوه لأنهم وجدوا فيها ما يدل على صدق محمد
وَّة ، ثم إنهم ما آمنوا به أما قوله ( وتنسون أنفسكم) فالنسيان عبارة عن السهو الحادث بعد
حصول العمل والناسي غير مكلف ومن لا يكون مكلفاً لا يجوز أن يذمه الله تعالى على ما صدر
منه فالمراد بقوله ( وتنسون أنفسكم أنكم تغفلون عن حق أنفسكم وتعدلون عما لها فيه من
النفع ، أما قوله ( وأنتم تتلون الكتاب ) فمعناه تقرأون التوراة وتدرسونها وتعلمون بما فيها
من الحث على أفعال البر والإعراض عن أفعال الإثم . وأما قوله ( أفلا تعقلون ) فهو تعجب
للعقلاء من أفعالهم ونظيره قوله تعالى ( أفلکم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ) وسبب
التعجب وجوه ، الأول : أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير إلى
تحصيل المصلحة وتحذيره عما يوقعه في المفسدة ، والإِحسان إلى النفس أولى من الإحسان إلى
الغير وذلك معلوم بشواهد العقل والنقل فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل متناقض لا يقبله
العقل فلهذا قال ( أفلا تعقلون ) الثاني : أن من وعظ الناس وأظهر علمه للخلق ثم لم يتعظ
صار ذلك الوعظ سبباً لرغبة الناس في المعصية لأن الناس يقولون إنه مع هذا العلم لولا أنه
مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات وإلا لما أقدم على المعصية فيصير هذا داعياً لهم إلى
التهاون بالدين والجراءة على المعصية فاذا كان غرض الواعظ الزجر عن المعصية ثم أتى بفعل
يوجب الجراءة على المعصية فكأنه جمع بين المتناقضين ، وذلك لا يليق بأفعال العقلاء ، فلهذا
قال ( أفلا تعقلون ) ( الثالث ) أن من وعظ فلا بد وأن يجتهد في أن يصير وعظه نافذاً في
القلوب . والاقدام على المعصية مما ينفر القلوب عن القبول ، فمن وعظ كان غرضه أن يصير
وعظه مؤثراً في القلوب ، ومن عصى كان غرضه أن لا يصير وعظه مؤثراً في القلوب فالجمع
بينهما متناقض غير لائق بالعقلاء ، ولهذا قال علي رضي الله عنه : قصم ظهري رجلان عالم
متهتك وجاهل متنسك . وبقي ههنا مسائل :
المسألة الأولى﴾ قال بعضهم: ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر
واحتجوا بالآية والمعقول ، أما الآية فقوله ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ) ولا شك
أنه تعالى ذكر ذلك في معرض الذم ، وقال أيضاً ( لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن
ج٣ م٤

٥٠
قوله تعالى : أتأمرون الناس بالبر . سورة البقرة
تقولوا ما لا تفعلون ) وأما المعقول فهو أنه لو جاز ذلك لجاز لمن يزنى بامرأة أن ينكر عليها في.
أثناء الزنا على كشفها عن وجهها ، ومعلوم أن ذلك مستنكر . والجواب: أن المكلف مأمور
بشيئين ، أحدهما : ترك المعصية والثاني . منع الغير عن فعل المعصية والإخلال بأحد
التكليفين لا يقتضى الاخلال بالآخر أما قوله ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ) فهو؛
نهى عن الجمع بينهما والنهي عن الجمع بين الشيئين يصح حمله على وجهين ( أحدهما ) أن
يكون المراد هو النهي عن نسيان النفس مطلقاً ( والآخر ) أن يكون المراد هو النهي عن ترغيب :
الناس في البر حال كونه ناسياً للنفس وعندنا المراد من الآية هو الأول لا الثاني ، وعلى هذا
التقدير يسقط قول هذا الخصم ، وأما المعقول الذي ذكروه فيلزمهم.
﴿ المسألة الثانية﴾ احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن فعل العبد غير مخلوق لله عز وجل
فقالوا قوله تعالى ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) إنما يصح ويحسن لو كان ذلك
الفعل منهم ، فأما إذا كان مخلوقاً فيهم على سبيل الاضطرار فان ذلك لا يحسن إذ لا يجوز أن
يقال للأسود : لم لا تبيض ؟ لما كان السواد مخلوقاً فيه . والجواب : أن قدرته لما صلحت
للضدين فإن حصل أحد الضدين دون الآخر لا لمرجع كان ذلك محض الاتفاق ، والأمر
الاتفاقي لا يمكن التوبيخ عليه . وإن حصل المرجح فان کان ذلك المرجح منه عاد البحث فيه ،
وإن أحصل من الله تعالى فعند حصوله يصير ذلك الطرف راجحاً والآخر مرجوحاً والمرجوح
ممتنع الوقوع لأنه حال الاستواء لما كان ممتنع الوقوع فحال المرجوحية أولى بأن يكون ممتنع
الوقوع وإذا امتنع أحد النقيضين وجب الآخر وحينئذ يعود عليكم كل ما أوردتموه عليناً ، ثم
الجواب الحقيقي عن الكل: أنه ((لا يسأل عما يفعل)).
المسألة الثالثة ﴾ (أ) عن أنس رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام ((مررت ليلة
أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار فقلت يا أخي يا جبريل من هؤلاء ؟ فقال :
هؤلاء خطباء من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم » ( ب ) وقال عليه .
الصلاة والسلام (( إن في النار رجلا يتأذى أهل النار بريحه فقيل من هو يا رسول الله ؟ قال
عالم لا ينتفع بعلمه)) (ج) وقال عليه الصلاة والسلام ((مثل الذي يعلم الناس الخير ولا .
يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه)) ( د) وعن الشعبي : يطلع قوم من أهل الجنة
إلى قوم من النار فيقولون لم دخلتم النار ونحن إنما دخلنا الجنة بفضل تعليمكم ؟ فقالوا إنا كنا
نأمر بالخير ولا نفعله . كما قيل : من وعظ بقوله ضاع كلامه ، ومن وعظ بفعله نفذت
سهامه . وقال الشعر :

٥١
قوله تعالى : واستعينوا بالصبر . سورة البقرة
وَاْتَعِنُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوْةِ وَلَّهَا لَكِرَةُ إِلََّ عَلَى الْخَشِنَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُونَ أَنَّهُم
مُلَقُواْ رَبِمْ وَأَنَهُمْ إِلَيْهِ رَبِعُونَ
هلا لنفسك كان ذا التعليم
يا أيها الرجل المعلم غيره
كما يصح به وأنت سقيم
تصفالدواءلذي السقاموذي الضنا
فاذا انتهت عنه فأنت حكيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها
بالرأي منك وينفع التعليم
فهناك يقبل إن وعظت ويقتدي
قيل : عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل ، وأما من وعظ واتعظ
فمحله عند الله عظيم .
روى أن يزيد بن هارون مات وكان واعظاً زاهداً فرؤى في المنام فقيل له ما فعل الله
بك ؟ فقال غفر لى وأول ما سألني منكر ونكير فقالا من ربك ؟ فقلت أما تستحيان من شيخ
دعا الناس إلى الله تعالى كذا وكذا سنة فتقولان له من ربك ؟ وقيل للشبلي عند النزع قل لا إله
إلا الله فقال :
غير محتاج إلى السرج
إن بيتاً أنت ساكنه
قوله سبحانه وتعالى ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ، الذين
يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ﴾ في الآية مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ اختلفوا في المخاطبين بقوله سبحانه وتعالى (واستعينوا بالصبر
والصلاة ) فقال قوم : هم المؤمنون بالرسول قال لأن من ينكر الصلاة أصلاً والصبر على دين
محمد ◌َّ لا يكاد يقال له استعن بالصبر والصلاة ، فلا جرم وجب صرفه إلى من صدق بمحمد
وَ* ولا يمتنع أن يكون الخطاب أولا في بني إسرائيل ثم يقع بعد ذلك خطاباً للمؤمنين بمحمد
﴿وَ﴾، والأقرب أن المخاطبين هم بنو إسرائيل لأن صرف الخطاب إلى غيرهم يوجب تفكيك
النظم . فان قيل كيف يؤمرون بالصبر والصلاة مع كونهم منكرين لهما ؟ قلنا لا نسلم كونهم
منكرين لهما . وذلك لأن كل أحد يعلم أن الصبر على ما يجب الصبر عليه حسن وأن الصلاة
التي هي تواضع للخالق والاشتغال بذكر الله تعالى يسلى عن محن الدنيا وآفاتها ، إنما الاختلاف
في الكيفية فان صلاة اليهود واقعة على كيفية وصلاة المسلمين على كيفية أخرى . وإذا كان
متعلق الأمر هو الماهية التي هي القدر المشترك زال الاشكال المذكور وعلى هذا نقول : إنه تعالى

٥٢
قوله تعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة. سورة البقرة
لما أمرهم بالايمان وبترك الإضلال وبالتزام الشرائع وهي الصلاة والزكاة ؛ وكان ذلك شاقاً
عليهم لما فيه من ترك الرياسات والإعراض عن المال والجاه لا جرم عالج الله تعالى هذا المرض
فقال ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) ,
المسألة الثانية ﴾ ذكروا في الصبر والصلاة وجوهاً، أحدها : كأنه قيل واستعينوا على
ترك ما تحبون من الدنيا والدخول فيما تستثقله طباعكم من قبول دين محمد ﴿1﴾ بالصبر أى
بحبس النفس عن اللذات فإِنكم إذا كلفتم أنفسكم ذلك مرنت عليه وخف عليها ثم إذا
ضممتم الصلاة إلى ذلك تم الأمر ، لأن المشتغل بالصلاة لا بد وأن يكون مشتغلاً بذكر الله عز
وجل وذکر جلاله وقهره وذکر رحمته وفضله ، فاذا تذکر رحمته صار مائلاً إلی طاعته وإذا تذكر
عقابه ترك معصيته فيسهل عند ذلك اشتغاله بالطاعة وتركه للمعصية ، وثانيها : المراد من
الصبر ههنا هو الصوم لأن الصائم صابر عن الطعام والشراب ، ومن حبس نفسه عن قضاء
شهوة البطن والفرج زالت عنه كدورات حب الدنيا ، فإِذا انضاف اليه الصلاة استنار القلب
بأنوار معرفة الله تعالى وإنما قدم الصوم على الصلاة لأن تأثير الصوم في إزالة ما لا ينبغي وتأثير
الصلاة في حصول ما ينبغي والنفي مقدم على الإثبات ، ولأنه عليه الصلاة والسلام قال
((الصوم جنة من النار)) وقال الله تعالى (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) لأن الصلاة
تمنع عن الإشتغال بالدنيا وتخشع القلب ويحصل بسببها تلاوة الكتاب والوقوف على ما فيه من
الوعد والوعيد والمواعظ والآداب الجميلة وذكر مصير الخلق إلى دار الثواب أو دار العقاب رغبة
في الآخرة ونفرة عن الدنيا فيهون على الإنسان حينئذ ترك الرياسة ، ومقطعة عن المخلوقين إلى
قبلة خدمة الخالق ونظير هذه الآية قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن
الله مع الصابرين ) أما قوله تعالى ( وإنها ) ففي هذا الضمير وجوه أحدها : الضمير عائد إلى
الصلاة أي صلاة ثقيلة إلا على الخاشعين ، وثانيها : الضمير عائد إلى الإستعانة التي يدل
عليها قوله (واستعينوا) وثالثها : أنه عائد إلى جميع الأمور التي أمر بها بنوا إسرائيل ونهوا عنها: من
قوله ( اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) إلى قوله ( واستعينوا ) والعرب قد تضمر الشيء
اختصاراً أو تقتصرفيه على الأيماء إذا وثقت بعلم المخاطب فيقول القائل : ما عليها أفضل من
فلان يعني الأرض ، ويقولون : ما بين لا بتيها أكرم من فلان يعنون المدينة وقال تعالى ( ولو
يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ) ولا ذكر للأرض ، أما قوله ( لكبيرة ) أي
لشاقة ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين فيجب أن يكون ثوابهم أكثر وثواب الخاشع أقل
وذلك منكر من القول ، قلنا ليس المراد أن الذي يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع
وکیف یکون ذلك والخاشع یستعمل عند الصلاة جوارحه وقلبه وسمعه وبصره ولا يغفل عن

:
٥٣
قوله تعالى : واستعينوا بالصبر . سورة البَقَرة
تدبر ما يأتي به من الذكر والتذلل والخشوع ، وإذ تذكر الوعيد لم يخل من حسرة وغم ، وإذا
ذكر الوعد فكمثل ذلك ، وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه بفعل الصلاة أعظم ، وإنما
المراد بقوله : وإنها ثقيلة على من لم يخشع أنه من حيث لا يعتقد في فعلها ثواباً ولا في تركها
عقاباً فيصعب عليه فعلها. فالحاصل أن الملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة ثقل عليه فعلها لأن
الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطبع أما الموحد فلما اعتقد في فعلها أعظم المنافع وفي تركها
أعظم المضار لم يثقل ذلك عليه لما يعتقد في فعله من الثواب والفوز العظيم بالنعيم المقيم
والخلاص من العذاب الأليم ، ألا ترى إلى قوله ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ) أي
أ يتوقعون نيل ثوابه والخلاص من عقابه . مثاله إذا قيل للمريض كل هذا الشيء المر فإن اعتقد
أن له فيه شفاء سهل ذلك عليه، وإن لم يعتقد ذلك فيه صعب الأمر عليه ، وعليه يحمل قوله
عليه الصلاة والسلام ((وجعلت قرة عيني في الصلاة )) وصف الصلاة بذلك الوجوه التي
ذكرناها لا لأنها كانت لا تثقل عليه ، وكيف وكان عليه الصلاة والسلام يصلى حتى تورمت
قدماه ، وأما الخشوع فهو التذلل والخضوع . أما قوله ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم )
فللمفسرين فيه قولان ، الأول : أن الظن بمعنى العلم قالوا لأن الظن وهو الاعتقاد الذي
· يقارنه تجويز النقيض يقتضى أن يكون صاحبه غير جازم بيوم القيامة وذلك كفر والله تعالى مدح
على هذا الظن والمدح على الكفر غير جائز فوجب أن يكون المراد من الظن ههنا العلم ، وسبب
هذا المجاز أن العلم والظن يشتركان في كون كل واحد منهما اعتقاداً راجحاً إلا أن العلم راجح
مانع من النقيض والظن راجح غير مانع من النقيض فلما اشتبها من هذا الوجه صح إطلاق
اسم أحدهما على الآخر ، قال أوس بن حجر :
:
فأرسلته مستيقن الظن أنه
مخالط ما بين الشراسيف خائف
وقال تعالى ( إني ظننت أني ملاق حسابيه ) وقال ( ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ) ذكر
الله تعالى ذلك إنكاراً عليهم وبعثاً على الظن ولا يجوز أن يبعثهم على الإعتقاد المجوز للنقيض
فثبت أن المراد بالظن ههنا العلم .
القول الثاني ﴾ أن يحمل اللفظ على ظاهره وهو الظن الحقيقي، ثم ههنا وجوه
( الأول ) أن تجعل ملاقاة الرب مجازاً عن الموت ، وذلك لأن ملاقاة الرب مسبب عن الموت
فأطلق المسبب والمراد منه السبب ، وهذا مجاز مشهور فإنه يقال لمن مات إنه لقي ربه . وإذا
ثبت هذا فنقول : وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون الموت في كل لحظة ، وذلك لأن
كل من كان متوقعاً للموت في كل لحظة فإنه لا يفارق قلبه الخشوع فهم يبادرون إلى التوبة ،
لأن خوف الموت مما يقوي دواعي التوبة ولأنه مع خشوعه لا بد في كل حال من أن لا يأمن

٥٤
قوله تعالى : واستعينوا بالصبر ، سورة البقرة
تقصيراً جرى منه فيلزمه التلافي ، فاذا كان حاله ما ذكرنا كان ذلك داعياً له إلى المبادرة إلى
التوبة ، الثاني : أن تفسر ملاقاة الرب بملاقاة ثواب الرب وذلك مظنون لا معلوم فان الزاهد
العابد لا يقطع بكونه ملاقياً لثواب الله بل يظن إلا أن ذلك الظن مما يحمله على كمال الخشوع .
الثالث : المعنى الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم بذنوبهم فإن الإنسان الخاشع قد يسيء ظنه
بنفسه وبأعماله فيغلب على ظنه أنه يلقى الله تعالى بذنوبه فعند ذلك يسارع إلى التوبة وذلك من
صفات المدح . بقي هنا مسألتان :
المسألة الأولى﴾ استدل بعض الأصحاب بقوله ( ملاقوا ربهم) على جواز رؤية الله
تعالى وقالت المعتزلة : لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية والدليل عليه الآية والخبر والعرف. أما الآية
فقوله تعالى ( فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه ) والمنافق لا يرى ربه ، وقال ( ومن يفعل
ذلك يلق أثاماً ) وقال تعالى في معرض التهديد ( واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ) فهذا يتناول
الكافر والمؤمن ، والرؤية لا تثبت للكافر فعلمنا أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية . وأما الخبر
فقوله عليه السلام ((من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان ))
وليس المراد رأى الله تعالى لأن ذلك وصف أهل النار، وأما العرف فهو قول المسلمون فيمن
مات : لقي الله ، ولا يعنون أنه رأى الله عز وجل ، وأيضاً فاللقاء يراد به القرب ممن يلقاه
على وجه يزول الحجاب بينهما ، ولذلك يقول الرجل إذا حجب عن الأمير : ما لقيته بعد وإن
کان قد رآه ، وإذا أذن له في الدخول عليه يقول لقيته ، وإن كان ضريراً ، ويقال لقي فلان
جهداً شديداً ولقيت من فلان الداهية ، ولاقی فلان حمامه ، وكل ذلك يدل على أن اللقاء لیس
عبارة عن الرؤية ويدل عليه أيضاً قوله تعالى ( فالتقى الماء على أمر قد قدر ) وهذا إنما يصح في
حق الجسم ولا يصح على الله تعالى. قال الأصحاب : اللقاء في أصل اللغة عبارة عن وصول
أحد الجسمين إلى الآخر بحيث بماسه بمسطحة يقال : لقي هذا ذاك إذا ماسه واتصل به ، ولما
كانت الملاقاة بين الجنسين المدركين سبباً لحصول الإدراك فحيث يمتنع إجراء اللفظ على الماسة
وجب حمله على الإدراك لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز ، فثبت أنه
يجب حمله لفظ اللقاء على الإدراك أكثر ما في الباب أنه ترك هذا المعنى في بعض الصور لدليل
يخصه فوجب إجراؤه على الإدراك في البواقي ، وعلى هذا التقرير زالت السؤالات. أما قوله :
( فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه ) والمنافق لا يرى ربه ؛ قلنا : فلأجل هذه الضرورة
المراد إلى يوم يلقون حسابه وحكمه إلا أن هذا الإضمار على خلاف الدليل وإنما يصار إليه عند
الضرورة ففي هذا الموضع لما اضطررنا إليه اعتبرناه ، وأما في قوله تعالى (أنهم ملاقوا ربهم )
لا ضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره ولا في إضمار هذه الزيادة فلا جرم وجب تعليق اللقاء بالله

قوله تعالى : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي . سورة البقرة
يَنِيّ إِسْرَِّيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ أَّىَ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُرْ عَلَى الْعَلَمِينَ (١)
تعالى لا بحكم الله ، فان اشتغلوا بذكر الدلائل العقلية التي تمنع من جواز الرؤية بينا ضعفها
وحينئذ يستقيم المتمسك بالظاهر من هذا الوجه .
﴿ المسألة الثانية﴾ المراد من الرجوع إلى الله تعالى الرجوع إلى حيث لا يكون لهم مالك
سواه وأن لا يملك لهم أحد نفعاً ولا ضراً غيره كما كانوا كذلك في أول الخلق فجعل مصيرهم
إلى مثل ما كانوا عليه أولا رجوعاً إلى الله من حيث كانوا في سائر أيام حياتهم قد يملك غيره
الحكم عليهم ويملك أن يضرهم وينفعهم وإن كان الله تعالى مالكاً لهم في جميع أحوالهم ، وقد
احتج بهذه الآية فريقان من المبطلين . الأول : المجسمة فإنهم قالوا الرجوع إلى غير الجسم
محال فلما ثبت الرجوع إلى الله وجب كون الله جسماً ، الثاني : التناسخية فانهم قالوا الرجوع
إلى الشيء مسبوق بالكون عنده ، فدلت هذه الآية على كون الأرواح قديمة وأنها كانت موجودة
في عالم الروحانيات والجواب عنها قد حصل بناء على ما تقدم .
قوله تبارك وتعالى ﴿ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتگم
على العالمين
﴾ .
اعلم أنه تعالى إنما أعاد هذا الكلام مرة أخرى توكيداً للحجة عليهم وتحذيراً من ترك
اتباع محمد ثم قرنه بالوعيد ، وهو قوله ( واتقوا يوماً) كأنه قال إن لم تطيعوني لأجل سوالف
نعمتي عليكم فأطيعوني للخوف من عقابي في المستقبل . أما قوله ( وأني فضلتكم على
العالمين ) ففيه سؤال وهو أنه يلزم أن يكونوا أفضل من محمد عليه السلام وذلك باطل بالاتفاق
والجواب عنه من وجوه أحدها : قال قوم : العالم عبارة عن الجمع الكثير من الناس كقولك
رأيت عالماً من الناس، والمراد منه الكثير لا الكل ، وهذا ضعيف لأن لفظ العالم مشتق من
العلم وهو الدليل فكل ما كان دليلاً على الله تعالى كان عالماً فكان من العالم ، وهذا تحقيق قول
المتكلمين : العالم كل موجود سوى الله ، وعلى هذا لا يمكن تخصيص لفظ العالم ببعض
المحدثات ، وثانيها : المراد فضلتكم على عالمي زمانكم وذلك لأن الشخص الذي سیوجد بعد
ذلك وهو الآن ليس بموجود لم يكن ذلك الشخص من جملة العالمين حال عدمه لأن شرط العالم
أن يكون موجوداً والشىء حال عدمه لا یکون موجوداً فالشىء حال عدمه لا یکون من
٠
٠٠

٥٦
قوله تعالى (( يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي)) سورة البقرة
العالمين ، وأن محمداً عليه السلام ما كان موجوداً في ذلك الوقت ، فما كان ذلك الوقت من
العالمین فلا يلزم من کون بني إسرائيل أفضل العالمين في ذلك الوقت کونهم أفضل من محمد چ
في ذلك الوقت ، وهذا هو الجواب أيضاً عن قوله تعالى ( إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً
وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين) وقال (ولقد اخترناهم على علم على العالمين ) وأراد به
عالمي ذلك الزمان ، وإنما كانوا أفضل من غيرهم بما أعطوا من الملك والرسالة والكتب
الإلهية ، وثالثها : أن قوله ( وأني فضلتكم على العالمين ) عام في العالمين لكنه مطلق في الفضل
والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة فالآية تدل على أن بني إسرائيل فضلوا على العالمين في أمر
ما وهذا لا يقتضى أن يكونوا أفضل من كل العالمين في كل الأمور بل لعلهم وإن كانوا أفضل
من غيرهم في أمر واحد فغيرهم يكون أفضل منهم فيما عدا ذلك الأمر وعند ذلك يظهر أنه لا
يصح الاستدلال بقوله تعالى ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين )
على أن الأنبياء أفضل من الملائكة . بقي ههنا أبحاث :
البحث الأول : قال ابن زيد : أراد به المؤمنين منهم لأن عصاتهم مسخوا قردة وخنازير
على ما قال تعالى ( وجعل منهم القردة والخنازير ) وقال ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل) ..
البحث الثاني﴾ أن جميع ما خاطب الله تعالى به بني إسرائيل تنبيه للعرب لأن الفضيلة
بالنبي قد لحقتهم ، وجميع أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد قال الله تعالى ( الذين يستمعون
القول فيتبعون أحسنه) وقال ( واتبعوا أحسن ما أنزل إلیکم من ربكم ) وقال ( لقد كان في
قصصهم عبرة لأولى الألباب ) ولذلك روی قتادة قال : ذکر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول
قد مضى والله بنوا إسرائيل وما يغنى ما تسمعون عن غيركم .
البحث الثالث﴾ قال القفال ((النعمة بكسر النون المنة وما ينعم به الرجل على صاحبه
قال تعالى ( وتلك نعمة تمنها علي ) وأما النعمة بفتح النون فهو ما یتنعم به في العیش ، قال
تعالى ( ونعمة كانوا فيها فاكهين ).
البحث الرابع﴾ قوله تعالى (وأني فضلتكم على العالمين) يدل على أن رعاية الأصلح
لا تجب على الله تعالى لا في الدنيا ولا في الدين لأن قوله (وأني فضلتكم على العالمين ) يتناول
جميع نعم الدنيا والدين ، فذلك التفضيل إما أن يكون واجباً أو لا يكون واجباً فان كان واجباً
لم يجز جعله منة عليهم لأن من أدى واجباً فلا منة له على أحد وإن كان غير واجب مع أنه تعالى
خصص البعض بذلك دون البعض فهذا يدل على أن رعاية الأصلح غیر واجبة لا في الدنیا ولا
في الدين. فإن قيل لما خصهم بالنعم العظيمة في الدنيا فهذا يناسب أن يخصهم أيضاً بالنعم
:

٥٧
قوله تعالى : واتقوا يوماً لا تجزى نفس . سورة البقرة
وَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبِلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَ عَدْلٌ
٠,٠٠٠
وَلَ هُمْ يُنْصَرُونَ
٤٨
العظيمة في الآخرة كما قيل : إتمام المعروف خير من ابتدائه ، فلم أردف ذلك التخويف الشديد
في قوله ( واتقوا يوماً) والجواب : لأن المعصية مع عظم النعمة تكون أقبح وأفحش فلهذا
حذرهم عنها .
﴿ البحث الخامس﴾ في بيان أن أي فرق العالم أفضل يعني أن أيهم أكثر استجماعاً
لخصال الخير؟ اعلم أن هذا مما وقع فيه النزاع الشديد بين سكان النواحي فكل طائفة تدعي
أنها أفضل وأكثر استجماعاً لصفات الكمال ونحن نشير إلى معاقد الكلام في هذا الباب بتوفيق
الله تعالی وعونه (٧) .
قوله تعالى ﴿واتقوا يوماً لا تجزى نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها
عدل ولا هم ينظرون ﴾ .
اعلم أن اتقاء اليوم اتقاء لما يحصل في ذلك الیوم من العقاب والشدائد لأن نفس اليوم لا
يتقي ولا بد من أن يرده أهل الجنة والنار جميعاً فالمراد ما ذكرناه ثم إنه تعالى وصف اليوم بأشد
الصفات وأعظمها تهويلاً، وذلك لأن العرب إذا دفع أحدهم إلى كريهة وحاولت أعوانه دفاع
ذلك عنه بذلت ما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية فذبت عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية
قوته فإن رأى من لا طاقة له بمانعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف الشفاعة فحاول بالملاينة ما قصر
عنه بالمخاشنة فإن لم تغن عنه الحالتان من الخشونة والليان لم يبق بعده إلا فداء الشيء بمثله .
إما مال أو غيره وإن لم تغن عنه هذه الثلاثة تعلل بما يرجوه من نصر الأخلاء والأخوان فأخبر الله
سبحانه أنه لا يغني شيء من هذه الأمور عن المجرمين في الأخوة . بقي على هذا الترتيب
سؤالان :
السؤال الأول ﴾ الفائدة من قوله ( لا تجزى نفس عن نفس شيئاً) هي الفائدة من قوله
( ولا هم ينصرون) فما المقصود من هذا التكرار ؟ والجواب: المراد من قوله (لا تجزى نفس عن
نفس شيئاً) أنه لا يتحمل عنه غيره ما يلزمه من الجزاء ، وأما النصرة فهي أن يحاول تخليصه
عن حكم المعاقب وسنذكر فرقاً آخر إن شاء الله تعالى .
(١) لم يذكر في الأصول التي بأيدينا في هذا الموضع شيء مما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى

٥٨
قوله تعالى : واتقوا يوماً لا تجزى نفس. سورة البقرة
السؤال الثاني ﴾ أن الله تعالى قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الفدية وذكر
هذه الآية في هذه السورة بعد العشرين والمائة وقدم قبول الفدية على ذكر الشفاعة فما الحكمة
فيه ؟ الجواب أن من كان ميله إلى حب المال أشد من ميله إلى علو النفس فإنه يقدم التمسك
بالشافعين على إعطاء الفدية ومن كان بالعكس يقدم الفدية على الشفاعة ففائدة تغییر الترتيب
الإشارة إلى هذين الصنفين : ولنذكر الآن تفسير الألفاظ : أما قوله تعالى ( لا تجزى نفس عن
نفس شيئاً ) فقال القفال : الأصل في جزی هذا عند أهل اللغة قضی ومنه الحدیث أن رسول
الله ◌َّ قال لأبي بردة بن يسار ((تجزيك ولا تجزي أحداً بعدك)» هكذا يرويه أهل العربية
((تجزيك)) بفتح التاء غير مهموز أي تقضى عن أضحيتك وتنوب ، ومعنى الآية أن يوم القيامة
لا تنوب نفس عن نفس شيئاً ولا تحمل عنها شيئاً مما أصابها بل يفر المرء فيه من أخيه وأمه وأبيه
ومعنى هذه النيابة أن طاعة المطيع لا تقضى على العاصى ما كان واجباً عليه وقد تقع هذه النيابة
في الدنيا كالرجل يقضى عن قريبه وصديقه دينه ويتحمل عنه ، فأما يوم القيامة فإن قضاء
الحقوق إنما يقع فيه من الحسنات . روى أبو هريرة قال قال عليه السلام (( رحم الله عبداً كان
عنده لأخيه مظلمة في عرض أو مال أو جاه فاستحله قبل أن يؤخذ منه وليس ثم دينار ولا درهم
فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته وإن لم یکن له حسنات حمل من سيئاته » قال صاحب
الکشاف و( شيئاً) مفعول به و يجوز أن يكون في موضع مصدر أی قليلاً من الجزاء كقوله تعالى
( ولا یظلمون شیئاً) ومن قرأ (( لا يجزی )) من أجزأ عنه إذا أغنى عنه فلا یکون في قراءته إلا
بمعنى شيئاً من الإجزاء تقديره تجزي فيه ومعنى التنكير أن نفساً من الأنفس لا تجزي عن نفس
غيرها شيئاً من الأشياء وهو الإقناط الكلي القطاع للمطامع ، أما قوله تعالى ( ولا يقبل منها
شفاعة ) فالشفاعة أن يستوهب أحد لأحد شيئاً ويطلب له حاجة وأصلها من الشفع الذي هو
ضد الوتر ، كأن صاحب الحاجة كان فرداً فصار الشفيع له شفعاً أى صارا زوجاً . واعلم أن
الضمير في قوله ( ولا يقبل منها ) راجع إلى النفس الثانية العاصية وهي التي لا يؤخذ منها
عدل ، ومعنى لا يقبل منها شفاعة إنها إن جاءت بشفاعة شفيع لا يقبل منها ، ويجوز أن يرجع
إلى النفس الأولى ، على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها كما لا تجزي عنها شيئاً . أما قوله
تعالى ( ولا يؤخذ منها عدل ) أي فدية ، وأصل الكلمة من معادلة الشىء تقول : ما أعدل
بفلان أحداً ، أي لا أرى له نظيراً قال تعالى ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) ونظيره هذه
الآية قوله تعالى ( إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه لیفتدوا به من عذاب
يوم القيامة ما تقبل منهم ) وقال تعالى ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم
ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به ) وقال ( وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ) .

٥٩
قوله تعالى : واتقوا يوماً لا تجزى نفس . سورة البَقَرة
أما قوله تعالى ( ولا هم ينصرون ) فاعلم أن التناصر إنما يكون في الدنيا بالمخالطة
والقرابة وقد أخبر الله تعالى أنه ليس يومئذ خلة ولا شفاعة وأنه لا أنساب بينهم ، وإنما المرء
يفر من أخيه وأمه وأبيه وقرابته ، قال القفال: والنصر يراد به المعونة كقوله ((انصر أخاك ظالماً
أو مظلوماً)) ومنه معنى الإغاثة ، تقول العرب . أرض منصورة أي ممطورة ، والغيث ينصر
البلاد إذا أنبتها فكأنه أغاث أهلها وقيل في قوله تعالى ( من كان يظن أن لن ينصره الله ) أى أن
لن يرزقه كما يرزق الغيث البلاد ، ويسمى الانتقام نصرة وانتصاراً ، قال تعالى ( ونصرناه من
القوم الذين كذبوا بآياتنا) قالوا معناه فانتقمنا له ، فقوله تعالى ( ولا هم ينصرون ) يحتمل هذه
الوجوه فانهم يوم القيامة لا يغاثون ، ويحتمل أنهم إذا عذبوا لم يجدوا من ينتقم لهم من الله ،
وفي الجملة كأن النصر هو دفع الشدائد ، فأخبر الله تعالى أنه لا دافع هناك من عذابه ، بقي في
الآية مسألتان :
المسألة الأولى﴾ أن في الآية أعظم تحذير عن المعاصي وأقوى ترغيب في تلافي
الإِنسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة
ولا نصرة ولا فدية علم أنه لا خلاص له إلا بالطاعة ، فاذا كان لا يأمن كل ساعة من التقصير
في العبادة ، ومن فوت التوبة من حيث إنه لا يقين له في البقاء صار حذراً خائفاً في كل حال
والآية وإن كانت في بني إسرائيل فهي في المعنى مخاطبة للكل لأن الوصف الذي ذكر فيها وصف
لليوم وذلك يعم كل من يحضر في ذلك اليوم.
﴿ المسألة الثانية) أجمعت الأمة على أن لمحمد ﴿وَ﴾﴾ شفاعة في الآخرة وحمل على ذلك
قوله تعالى ( عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً) وقوله تعالى ( ولسوف يعطيك ربك فترضى )
ثم اختلفوا بعد هذا في أن شفاعته عليه السلام لمن تكون أتكون للمؤمنين المستحقين للثواب ،
أم تكون لأهل الكبائر المستحقين للعقاب ؟ فذهبت المعتزلة على أنها للمستحقين للثواب وتأثير
الشفاعة في أن تحصل زيادة من المنافع على قدر ما استحقوه ، وقال أصحابنا تأثيرها في إسقاط
العذاب عن المستحقين للعقاب ، إما بأن يشفع لهم في عرصة القيامة حتى لا يدخلوا النار وإن
دخلوا النار فيشفع لهم حتى يخرجوا منها ويدخلوا الجنة واتفقوا على أنها ليست للكفار ،
واستدلت المعتزلة على إنكار الشفاعة لأهل الكبائر بوجوه أحدها : هذه الآية قالوا إنها تدل على
نفي الشفاعة من ثلاثة أوجه .
الأول : قوله تعالى ( لا تجزي نفس على نفس شيئاً) ولو أثرت الشفاعة في إسقاط
العقاب لكان قد أجزت نفس عن نفس شيئاً ، الثاني : قوله تعالى ( ولا يقبل منها شفاعة )
وهذه نكرة في سياق النفي فتعم جميع أنواع الشفاعة ، والثالث: قوله تعالى (ولا هم ينصرون )

٦٠
قوله تعالى : واتقوا يوماً لا تجزى نفس. سورة البقرة
ولو كان محمد شفيعاً لأحد من العصاة لكان ناصراً له وذلك على خلاف الآية . لا يقال الكلام
على الآية من وجهين الأول : أن اليهود كانوا يزعمون أن آباءهم يشفعون لهم فأيسوا من ذلك
فالآية نزلت فيهم ، الثاني . أن ظاهر الآية يقتضى نفي الشفاعة مطلقاً إلا أنا أجمعنا على تطرق
التخصيص إليه في حق زيادة الثواب لأهل الطاعة ، فنحن أيضاً نخصه في حق المسلم صاحب
الكبيرة بالدلائل التي نذكرها ، لأنا نجيب عن الأول بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص
السبب ، وعن الثاني أنه لا يجوز أن يكون المراد من الآية نفي الشفاعة في زيادة المنافع لأنه
تعالى حذر من ذلك اليوم بأنه لا تنفع فيه شفاعة ، وليس يحصل التحذير إذا رجع نفي الشفاعة
إلى تحصيل زيادة النفع لأن عدم حصول زيادة النفع ليس فيه خطر ولا ضرر يبين ذلك أنه تعالى
لو قال : اتقوا يوماً لا أزيد فيه منافع المستحق للثواب بشفاعة أحد لم يحصل بذلك زجر عن
المعاصي ، ولو قال : اتقوا يوماً لا أزيد فيه منافع المستحق للثواب بشفاعة أحد لم يحصل
بذلك زجر عن المعاصي ، ولو قال : اتقوا يوماً لا أسقط فيه عقاب المستحق للعقاب بشفاعة
شفيع كان ذلك زجراً عن المعاصي ، فثبت أن المقصود من الآية نفي تأثير الشفاعة في إسقاط
العقاب لا نفي تأثيرها في زيادة المنافع ، وثانيها : قوله تعالى ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع
يطاع ) والظالم هو الآتي بالظلم وذلك يتناول الكافر وغيره لا يقال إنه تعالى نفى أن يكون
للظالمين شفيع يطاع ولم ينف شفيعاً يجاب ونحن نقول بموجبه فانه لا يكون في الآخرة شفيع
يطاع ، لأن المطاع يكون فوق المطيع ، وليس فوقه تعالى أحد يطيعه الله تعالى ، لأنا نقول لا
يجوز حمل الآية على ما قلتم من وجهين ، الأول : أن العلم بأنه ليس فوقه تعالى أحد يطيعه ،
متفق عليه بين العقلاء . أما من أثبته سبحانه فقد اعترف أنه لا يطيع أحداً ، وأما من نفاه
فمع القول بالنفي استحال أن يعتقد فيه كونه مطيعاً لغيره ، فإذا ثبت هذا کان حمل الآية على ما
ذكر تم حملا لها على معنى لا يفيد . الثاني : أنه تعالى نفى شفيعاً يطاع ، والشفيع لا يكون إلا
دون المشفوع إليه لأن من فوقه يكون آمراً له وحاكماً عليه ومثله لا يسمى شفيعاً فأفاد قوله
((شفيع)) كونه دون الله تعالى فلم يمكن حمل قوله ( يطاع ) على من فوقه فوجب حمله على أن
المراد به أنه لا یکون لهم شفیع یجاب ( وثالثها ) قوله تعالى ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا
خلة ولا شفاعة ) ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعات بأسرها (ورابعها) قوله تعالى ( وما للظالمين
من أنصار ) ولو كان الرسول يشفع للفاسق من أمته لوصفوا بأنهم منصورون لأنه إذا تخلص
بسبب شفاعة الرسول عن العذاب فقد بلغ الرسول النهاية في نصرته ( وخامسها ) قوله تعالى
( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) أخبر تعالى عن ملائكته أنهم لا يشفعون لأحد إلا أن يرتضيه
الله عز وجل والفاسق ليس بمرتضى عند الله تعالى وإذا لم تشفع الملائكة له فكذا الأنبياء عليهم
السلام لأنه لا قائل بالفرق ( وسادسها ) قوله تعالى ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) ولو أثرت