Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا .
أن الملك أفضل من البشر في الشدة والبطش لكنها لا تدل البتة على أنه أفضل من البشر في كثرة
الثواب أو يقال إنهم إنما ادعوا إلهيته لأنه حصل من غير أب فقيل لهم الملك ما حصل من أب
ولا من أم فكانوا أعجب من عيسى في ذلك مع أنهم لا يستنكفون عن العبودية . فان قيل في
الآية ما يدل على أن المراد وقوع التفاوت بين المسيح والملائكة في العبودية لا في القدرة والقوة
والبطش وذلك لأنه تعالى وصفهم بكونهم مقربين والقرب من الله تعالى لا يكون بالمكان والجهة
بل بالدرجة والمنزلة فلما وصفهم ههنا بكونهم مقربين علمنا أن المراد وقوع التفاوت بينهم وبين
المسيح في درجات الفضل لا في الشدة والبطش . قلنا إن كان مقصودك من هذا السؤال أنه
تعالى وصف الملائكة بكونهم مقربين فوجب أن لا يكون المسيح كذلك فهذا باطل لأن تخصيص
الشيء بالذكر لا يدل على نفسه عما عداه وإن كان مقصودك أنه تعالى لما وصفهم بكونهم
مقربين وجب أن يكون التفاوت واقعاً في ذلك فهذا باطل أيضاً لاحتمال أن يكون المسيح
والمقربون مع اشتراكهم في صفة القرب في الطاعة يتباينون بأمور أخر فيكون المراد بيان
التفاوت في تلك الأمور. سؤال آخر : وهو أنا نقول بموجب الآية فنسلم أن عيسى عليه
السلام دون مجموع الملائكة في الفضل فلم قلتم إنه دون كل واحد من الملائكة في الفضل .
سؤال آخر : لعله تعالى إنما ذكر هذا الخطاب مع أقوام اعتقدوا أن الملك أفضل من البشر فأورد
الكلام على حسب معتقدهم كما في قوله ( وهو أهون عليه ) . وثامنها : قوله تعالى حكاية عن
إبليس ( ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ) ولو لم
يكن متقرراً عند آدم وحواء عليهما السلام أن الملك أفضل من البشرلم يقدر إبليس على أن
يغرهما بذلك ولا كان آدم وحواء عليهما السلام يغتران بذلك . ولقائل أن يقول هذا قول
إبليس فلا يكون حجة ، ولا يقال إن آدم اعتقد صحة ذلك وإلا لما اغتر ، واعتقاد آدم حجة ،
لأنا نقول : لعل آدم عليه السلام أخطأ في ذلك إما لأن الزلة جائزة على الأنبياء أو لأنه ما كان
نبياً في ذلك الوقت ، وأيضاً هب أنه حجة لكن آدم عليه السلام لم يكن قبل الزلة نبياً فلم يلزم
من فضل الملك عليه في ذلك الوقت فضل الملك عليه حال ما صار نبياً ، وأيضاً هب أن الآية
تدل على أن الملك أفضل من البشر في بعض الأمور المرغوبة فلم قلت : إنها تدل على فضل
الملك على البشر في باب الثواب ؟ وذلك لأنه لا نزاع أن الملك أفضل من البشر في باب القدرة
والقوة ، وفي باب الحسن والجمال ، وفي باب الصفاء والنقاء عن الكدورات الحاصلة بسبب
التركيبات فان الملائكة خلقوا من الأنوار ، وآدم مخلوق من التراب فلعل آدم عليه السلام وإن
كان أفضل منهم في كثرة الثواب إلا أنه رغب في أن يكون مساوياً لهم في تلك الأمور التي
عددناها فكان التغرير حاصلاً من هذا الوجه ، وأيضاً فقوله ( إلا أن تكونا ملكين ) يحتمل أن
فخر الرازي ج ٢ م ١٦

٢٤٢
قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا .
يكون المراد إلا أن تنقلبا ملكين فحينئذ يصح استدلالكم ويحتمل أن يكون المراد أن النهي
مختص بالملائكة والخالدين دونكما ، هذا كما يقول أحدنا لغيره ما نهيت أنت عن كذا إلا أن
تكون فلانا ويكون المعنى أن المنهى هو فلان دونك ولم يرد إلا أن ينقلب فيصير فلانا ، ولما
كان غرض إبليس إيقاع الشبهة بهما فمن أوكد الشبهة إيهام أنهما لم ينهيا وإنما المنهى غيرهما ،
وأيضاً فهب أن الآية تدل على أن الملك أفضل من آدم فلم قلت إنها تدل على أن الملك أفضل
من محمد؟ وذلك لأن المسلمين أجمعوا على أن محمداً أفضل من آدم عليهما السلام ولا يلزم من
كون الملك أفضل من المفضول كونه أفضل من الأفضل. وتاسعها : قوله تعالى ( قل لا أقول
لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك). ولقائل أن يقول يحتمل أن
يكون المراد ولا أقول لكم إني ملك في كثرة العلوم وشدة القدرة والذي يدل على صحة هذا
الإحتمال وجوه . الأول : وهو أن الكفار طالبوه بالأمور العظيمة نحو صعود السماء ونقل
الجبال وإحضار الأموال العظيمة وهذه الأمور لا يمكن تحصيلها إلا بالعلوم الكثيرة والقدرة
الشديدة . الثاني : أن قوله ( قل لا أقول لكم عندی خزائن الله ) هذا يدل على اعترافه بأنه
غير قادر على کل المقدورات وقوله ( ولا أعلم الغيب ) يدل على اعترافه بأنه غير عالم بكل
المعلومات ثم قوله ( ولا أقول لكم إني ملك ) معناه والله أعلم وكما لا أدعي القدرة على كل
المقدورات والعلم بكل المعلومات فكذلك لا أدعى قدرة مثل قدرة الملك ولا علما مثل علومهم
الثالث : قوله ( ولا أقول لكم إني ملك ) لم يرد به نفي الصورة لأنه لا يفيد الغرض وإنما نفى
أن یکون له مثل ما لهم من الصفات وهذا یکفي في صدقه أن لا یکون له مثل ما لهم ولا تكون
صفاته مساوية لصفاتهم من كل الوجوه ولا دلالة فيه على وقوع التفاوت في كل الصفات فان
عدم الاستواء في الكل غير ، وحصول الاختلاف في الكل غير . وعاشرها : قوله تعالى ( ما هذا
بشراً إن هذا إلا ملك كريم ) . فان قيل لم لا يجوز أن يكون المراد وقوع التشبيه في الصورة
والجمال . قلنا : الأولى أن يكون التشبيه واقعاً في السيرة لا في الصورة لأنه قال (إن هذا إلا
ملك كريم) فشبهه بالملك الكريم والملك إنما يكون كريماً بسيرته المرضية لا بمجرد صورته
فثبت أن المراد تشبيهه بالملك في نفي دواعي البشرمن الشهوة والحرص على طلب المشتهى
وإثبات ضد ذلك وهي حالة الملك وهي غض البصر وقمع النفس عن الميل إلى المحرمات ،
فدلت هذه الآية على إجماع العقلاء من الرجال والنساء ، والمؤمن والكافر ، على اختصاص
الملائكة بدرجة فائقة على درجات البشر. ولقائل أن يقول : إن قول المرأة ( فذلكن الذى
لمتنني فیہ ) کالصريح في أن مراد النساء بقوهن ( إن هذا إلا ملك کریم) تعظیم حال یوسف في
الحسن والجمال لا في السيرة ، لأن ظهور عذرها في شدة عشقها ، إنما يحصل بسبب فرط يوسف

٢٤٣
قوله تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا .
في الجمال لا بسبب فرط زهده وورعه . فان ذلك لا يناسب شدة عشقها له . سلمنا أن المراد
تشبيه يوسف عليه السلام بالملك في الإعراض عن المشتهيات ، فلم قلت يجب أن يكون يوسف
عليه السلام أقل ثواباً من الملائكة ؟ وذلك لأنه لا نزاع في أن عدم التفات البشر إلى المطاعم
والمناكح أقل من عدم التفات الملائكة إلى هذه الأشياء ، لكن لم قلتم إن ذلك يوجب بالمزيد في
الفضل بمعنى كثرة الثواب ؟ فان تمسكوا بأن كل من كان أقل معصية وجب أن يكون أفضل ،
فقد سبق الكلام عليه . الحجة الحادية عشرة : قوله تعالى (وفضلناهم على كثير ممن خلقنا
تفضيلاً) ومخلوقات الله تعالى إما المكلفون أو من عداهم ولا شك أن المكلفين أفضل من
غيرهم ، أما المكلفون فهم أربعة أنواع الملائكة والإنس والجن والشياطين . ولا شك أن
الإِنس أفضل من الجن والشياطين ، فلو كان أفضل من الملك أيضاً لزم حينئذ أن يكون البشر
أفضل من كل المخلوقات ، وحينئذ لا يبقى لقوله تعالى ( وفضلناهم على كثير ممن خلقنا
تفضيلاً) فائدة : بل كان ينبغي أن يقال وفضلناهم على جميع من خلقنا تفضيلاً ، ولما لم يقل
ذلك علمنا أن الملك أفضل من البشر، ولقائل أن يقول حاصل هذا الكلام تمسك بدليل
الخطاب ، لأن التصريح بأنه أفضل من كثير من المخلوقات لا يدل على أنه ليس أفضل من
الباقي إلا بواسطة دليل الخطاب ، وأيضاً فهب أن جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم
ولكن لا يلزم من كون أحد المجموعين أفضل من المجموع الثاني أن يكون كل واحد من أفراد
المجموع الأول أفضل من المجموع الثاني ، فانا إذا قدرنا عشرة من العبيد كل واحد منهم
يساوي مائة دينار ، وعشرة أخرى حصل فيهم عبد يساوي مائتي دينار والتسعة الباقية يساوي
كل واحد منهم ديناراً . فالمجموع الأول أفضل من المجموع الثاني ، إلا أنه حصل في
المجموع الثاني واحد هو أفضل من كل واحد من آحاد المجموع الأول ، فكذا ههنا وأيضاً
فقوله ( وفضلناهم ) يجوز أن يكون المراد وفضلناهم في الكرامة التي ذكرناها في أول الآية وهي
قوله ( ولقد كرمنا بني آدم) ويكون المراد من الكرامة حسن الصورة ومزيد الذكاء والقدرة على
الأعمال العجيبة والمبالغة في النظافة والطهارة ، وإذا كان كذلك فنحن نسلم أن الملك أزيد
من البشر في هذه الأمور ولكن لم قلتم أن الملك أكثر ثواباً من البشر، وأيضاً فقوله ( خلق
السموات بغير عمد ترونها ) لا يقتضى أن يكون هناك عمد غير مرئي وكذلك قوله تعالى ( ومن
يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به) يقتضى أن يكون هناك إله آخر له برهان فكذلك ههنا ،
الحجة الثانية عشرة : الأنبياء عليهم السلام ما استغفروا لأحد إلا بدأوا بالاستغفار لأنفسهم ثم
بعد ذلك لغيرهم من المؤمنین ، قال آدم ( ربنا ظلمنا أنفسنا ) وقال نوح عليه السلام ( رب
اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً) وقال إبراهيم عليه السلام (رب اغفر لي ولوالدي)

٢٤٤
قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا .
وقال ( رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين ) وقال موسى ( رب اغفر لي ولأخي ) وقال الله
تعالى لمحمد ﴿رَ﴾ ( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) وقال ليغفر لك الله ما تقدم من
ذنبك وما تأخر ) أما الملائكة فانهم لم يستغفروا لأنفسهم ولكنهم طلبوا المغفرة للمؤمنين من
البشر يدل عليه تعالى حكاية عنهم ( فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم )
وقال ( ويستغفرون للذين آمنوا ) لو كانوا محتاجين إلى الاستغفار لبدأوا في ذلك بأنفسهم
لأن دفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير، وقال عليه الصلاة والسلام ((ابدأ
بنفسك ثم بمن تعول)) وهذا يدل على أن الملك أفضل من البشر. ولقائل أن يقول : هذا
الوجه لا يدل على أن الملائكة لم يصدر عنهم الزلة البتة وأن البشرقد صدرت الزلات عنهم ،
لكنا بينا فيما تقدم أن التفاوت في ذلك لا يوجب التفاوت في الفضيلة ، ومن الناس من قال إن
استغفارهم للبشر كالعذر عمن طعنوا فيهم بقولهم ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) الحجة الثالثة
عشرة : قوله تعالى ( وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين) وهذا عام في حق جميع المكلفين من بني
آدم فدخل فيه الأنبياء وغيرهم وهذا يقتضى كونهم أفضل من البشرلوجهين ، الأول : أنه تعالى
جعلهم حفظة لبني آدم والحافظ للمكلف من المعصية لا بد وأن يكون أبعد عن الخطأ والزلل
من المحفوظ، وذلك يقتضى كونهم أبعد عن المعاصي وأقرب إلى الطاعات من البشر وذلك
يقتضي مزيد الفضل ، والثاني : أنه سبحانه وتعالى جعل كتابتهم حجة للبشر في الطاعات
وعليهم في المعاصي ، وذلك يقتضى أن يكون قولهم أولى بالقبول من قول البشر ولو كان البشر
أعظم حالاً منهم لكان الأمر بالعكس . ولقائل أن يقول أما قوله الحافظ يجب أن يكون أكرم
من المحفوظ فهذا بعيد فان الملك قد يوكل بعض عبيده على ولده ولا يلزم أن يكون الحافظ
أشرف من المحفوظ هناك ، أما قوله : جعل شهادتهم نافذة على البشر فضعيف ، لأن الشاهد
قد يكون أدون حالا من المشهود عليه . الحجة الرابعة عشرة : قوله تعالى ( يوم يقوم الروح
والملائكة ضفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً) والمقصود من ذكر أحوالهم
المبالغة في شرح عظمة الله تعالى وجلاله ولو كان في الخلق طائفة أخرى قيامهم وتضرعهم أقوى
في الأنباء عن عظمة الله وكبريائه من قيامهم لكان ذكرهم أولى في هذا المقام ، ثم كما أنه
سبحانه بين عظمة ذاته في الآخرة بذكر الملائكة فكذا بين عظمته في الدنيا بذكر الملائكة وهو
قوله ( وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ) ولقائل أن يقول: كل
ذلك يدل على أنهم أزيد حالاً من البشر في بعض الأمور فلم لا يجوز أن تلك الحالة هي قوتهم
وشدتهم وبطشهم ، وهذا كما يقال إن السلطان لما جلس وقف حول سريره ملوك أطراف
العالم خاضعين خاشعين فان عظمة السلطان إنما تشرح بذلك ثم إن هذا لا يدل على أنهم أكرم

٢٤٥
قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم .
عند السلطان من ولده فكذا ههنا . الحجة الخامسة عشرة : قوله تعالى ( والمؤمنون كل آمن بالله
وملائكته وكتبه ورسله ) فبين تعالى أنه لا بد في صحة الإيمان من الإيمان بهذه الأشياء ثم بدأ
بنفسه وثنى بالملائكة وثلث بالكتب وريع بالرسل وكذا في قوله (شهد الله أنه لا إله إلا هو
والملائكة وأولوا العلم ) وقال ( إن الله وملائكته يصلون على النبي) والتقدیم في الذکر یدل
على التقديم في الدرجة ويدل عليه أن تقديم الأدون على الأشرف في الذكر قبيح عرفاً ، فوجب
أن يكون قبيحاً شرعاً ، أما أنه قبيح عرفاً فلأن الشاعر قال : -
كفى الشيب والاسلام للمرء ناهياً
عميرة ودع إن تجهزت غادياً
قال عمر بن الخطاب : لو قدمت السلام لأجزتك ، ولأنهم لما كتبوا كتاب الصلح بين
رسول الله ﴿1﴾ وبين المشركين وقع التنازع في تقديم الاسم وكذا في كتاب الصلح بين علي
ومعاوية ، وهذا يدل على أن التقديم في الذكر يدل على مزيد الشرف وإذا ثبت أنه في العرف
كذلك وجب أن يكون في الشرع كذلك ، لقوله عليه السلام (( ما رآه المسلمون حسناً فهو عند
الله حسن)) فثبت أن تقديم الملائكة على الرسل في الذكر يدل على تقديمهم في الفضل ولقائل
أن يقول : هذه الحجة ضعيفة لأن الاعتماد إن كان على الواو، فالواو لا تفيد الترتيب ، وإن
كان على التقديم في الذكر ينتقض بتقديم سورة تبت على سورة قل هو الله أحد . الحجة
السادسة عشرة : قوله تعالى ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ) فجعل صلوات الملائكة
كالتشريف للنبي ﴿1﴾ وذلك يدل على كون الملائكة أشرف من النبي ﴿وَل﴾. ولقائل أن
يقول هذا ينتقض بقوله ( يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ) فأمر المؤمنين بالصلاة على النبي ولم
يلزم كون المؤمنين أفضل من النبي عليه السلام فكذا في الملائكة . الحجة السابعة عشرة : أن
، فنقول : إن جبريل عليه السلام أفضل من محمد والدليل عليه
نتكلم فی جبريل ومحمد
قوله تعالى ( إنه لقول رسول کریم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم
بمجنون) وصف الله تعالى جبريل عليه السلام بست من صفات الكمال ، أحدهه: كونه
رسولا لله . وثانيها : كونه كريماً على الله تعالى . وثالثها . كونه ذا قوة عند الله ، وقوته عند الله
لا تكون إلا قوته على الطاعات بحيث لا يقوى عليها غيره . ورابعها : كونه مكيناً عند الله .
وخامسها : كونه مطاعاً في عالم السموات . وسادسها : كونه أميناً في كل الطاعات مبرءاً عن
أنواع الخيانات . ثم إنه سبحانه وتعالى بعد أن وصف جبريل عليه السلام بهذه الصفات
العالية وصف محمداً ﴿بَل﴾﴾ بقوله (وما صاحبكم بمجنون) ولو كان محمد مساوياً لجبريل عليه
السلام في صفات الفضل أو مقارناً له لكان وصف محمد بهذه الصفة بعد وصف جبريل بتلك

٢٤٦
قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم.
الصفات نقصاً من منصب محمد ﴿وَ﴾﴾ ويحقيراً لشأنه وإبطالاً لحقه وذلك غير جائز على الله ،
فدلت هذه الآية على أنه ليس لمحمد ﴿وَ﴾﴾ عند الله من المنزلة إلا مقدار أن يقال إنه ليس
بمجنون ، وذلك يدل على أنه لا نسبة بين جبريل وبين محمد عليهما السلام في الفضل
والدرجة . فان قيل لم لا يجوز أن يكون قوله ( إنه لقول رسول كريم ) صفة لمحمد لا لجبريل
عليهما السلام . قلنا لأن قوله ( ولقد رآه بالأفق المبين ) يبطل ذلك . ولقائل أن يقول إنا
توافقنا جميعاً على أنه قد كان لمحمد ﴿وَل﴾﴾ فضائل أخرى سوى كونه ليس بمجنون وأن الله
تعالى ما ذكر شيئاً من تلك الفضائل في هذا الموضع فاذن عدم ذكر الله تعالى تلك الفضائل ههنا
لا يدل على عدمها بالاجماع ، أو إذا ثبت أن لمحمد عليه السلام فضائل سوى الأمور المذكورة
ههنا فلم لا يجوز أن يقال إن محمداً عليه السلام بسبب تلك الفضائل التي هي غير مذكورة ههنا
يكون أفضل من جبريل عليه السلام فإنه سبحانه كما وصف جبريل عليه السلام ههنا بهذه
الصفات الست وصف محمداً ﴿يَ﴾﴾ أيضاً بصفات ست(١) وهي قوله ( يا أيها النبي إننا
أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً مثيراً) فالوصف الأول كونه نبياً
والثاني كونه رسولاً والثالث كونه شاهداً والرابع كونه مبشراً والخامس كونه نذيراً والسادس كونه
داعياً إلى الله تعالى بإذنه والسابع كونه سراجاً والثامن كونه منيراً وبالجملة فإفراد أحد الشخصين
بالوصف لا يدل البتة على انتفاء تلك الأوصاف عن الثاني . الحجة الثامنة عشرة : الملك أعلم
من البشر والأعلم أفضل فالملك أفضل إنما قلنا إن الملك أعلم من البشر لأن جبريل عليه
السلام كان معلماً لمحمد عليه السلام بدليل قوله (علمه شديد القوى) والمعلم لا بد وأن
يكون أعلم من المتعلم ، وأيضاً فالعلوم قسمان : أحدهما العلوم التي يتوصل اليها بالعقول
كالعلم بذات الله تعالى وصفاته ؛ فلا يجوز وقوع التقصير فيها لجبريل عليه السلام ولا لمحمد
﴿َ﴾﴾، لأن التقصير في ذلك جهل وهو قادح في معرفة الله تعالى. وأما العلم بكيفية مخلوقات
الله تعالى وما فيها من العجائب والعلم بأحوال العرش والكرسى واللوح والقلم والجنة والنار
وطباق السموات وأصناف الملائكة وأنواع الحيوانات في المغاور والجبال والبحار فلا شك أن
جبريل عليه السلام أعلم بها ، لأنه عليه السلام أطول عمراً وأكثر مشاهدة لها فكان علمه بها
أكثر وأتم. وثانيها: العلوم التي لا يتوصل إليها إلا بالوحي لا لمحمد ﴿﴾﴾ ولا لسائر
الأنبياء عليهم السلام إلا من جهة جبريل عليه السلام فيستحيل أن يكون لمحمد عليه الصلاة
والسلام فضيلة فيها على جبريل عليه السلام ، وأما جبريل عليه السلام فهو كان الواسطة بين
(١) المناسب أن يقول بصفات ثمان أو (ست بل زاد عليها) لأن الصفات التي وصف بها الرسول عليه السلام ليست ستأً وإها
هي ثمان

٢٤٧
قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم.
الله تعالى وبين جميع الأنبياء فكان عالماً بكل الشرائع الماضية والحاضرة ، وهو أيضاً عالم بشرائع
الملائكة وتكاليفهم ومحمد عليه الصلاة والسلام ما كان عالماً بذلك ، فثبت أن جبريل عليه
السلام كان أكثر علماً من محمد عليه الصلاة والسلام ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون أفضل
منه لقوله تعالى ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) . ولقائل أن يقول لا
نسلم أنهم أعلم من البشر، والدليل عليه أنهم اعترفوا بأن آدم عليه السلام أكثر علماً منهم
بدليل قوله تعالى ( يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) ثم إن سلمنا مزيد علمهم ولكن ذلك لا يقتضى
كثرة الثواب ، فانا نرى الرجل المبتدع محيطاً بكثير من دقائق العلم ولا يستحق شيئاً من الثواب
فضلا عن أن يكون ثوابه أكثر وسببه ما نبهنا مراراً عليه أن كثرة الثواب إنما تحصل بحسب
الإخلاص في الأفعال ولم نعلم أن إخلاص الملائكة أكثر . الحجة التاسعة عشرة : قوله تعالى
( ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ) فهذه الآية دالة على أنهم بلغوا في الترفع
وعلو الدرجة إلى أنهم لو خالفوا أمر الله تعالى لما خالفوه إلا بادعاء الإلهية لا بشيء آخر من
متابعة الشهوات وذلك يدل على نهاية جلالهم . ولقائل أن يقول لا نزاع في نهاية جلالهم ، أما
قوله إنهم بلغوا في الترفع وعلو الدرجة إلى حيث لو خالفوا أمر الله تعالى لما خالفوه إلا في ادعاء
الإلهية فهذا مسلم وذلك لأن علومهم كثيرة وقواهم شديدة وهم مبرؤون عن شهوة البطن
والفرج ومن كان كذلك فلو خالف أمر الله لم يخالف إلا في هذا المعنى الذي ذكرته لكن لم قلتم
إن ذلك يدل على أنهم أكثر ثواباً من البشرفان محل الخلاف ليس إلا ذاك. الحجة العشرون :
قوله عليه الصلاة والسلام رواية عن الله تعالى (( وإذا ذكرني عبدي في ملأ ذكرته في ملأ خير من
ملائه)) وهذا يدل على أن الملأ الأعلى أشرف. ولقائل أن يقول هذا خير واحد وأيضاً فهذا يدل
على أن ملأ الملائكة أفضل من ملأ البشر وملأ البشر عبارة عن العوام لا عن الأنبياء فلا يلزم من
كون الملك أفضل من عامة البشركونهم أفضل من الأنبياء ، هذا آخر الكلام في الدلائل
النقلية ، واعلم أن الفلاسفة اتفقوا على أن الأرواح السماوية المسماة بالملائكة أفضل من الأرواح
الناطقة البشرية واعتمدوا في هذا الباب على وجوه عقلية نحن نذكرها إن شاء الله تعالى. الحجة
الأولى : قالوا الملائكة ذواتها بسيطة مبرأة عن الكثرة والبشر مركب من النفس والبدن والنفس
مركبة من القوى الكثيرة والبدن مركب من الأجزاء الكثيرة والبسيط خير من المركب لأن أسباب
العدم للمركب أكثر منها للبسيط ولذلك فان فردانية الله تعالى من صفات جلاله ونعوت
كبريائه. الاعتراض عليه : لا نسلم أن البسيط أشرف من المركب وذلك لأن جانب الروحاني
أمر واحد وجانب الجسماني أمران روحه وجسمه فهو من حيث الروح من عالم الروحانيات
والأنوار ومن حيث الجسد من عالم الأجساد فهو لكونه مستجمعاً للروحاني والجسماني يجب

٢٤٨
قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم .
أن يكون أفضل من الروحاني الصرف والجسماني الصرف وهذا هو السر في أن جعل البشر
الأول مسجوداً للملائكة ومن وجه آخر وهو أن الأرواح الملكية مجردات مفارقة عن العلائق
الجسمانية فكأن استغراقها في مقاماتها النورانية عاقها عن تدبير هذا العالم الجسداني أما
النفوس البشرية النبوية فانها قويت على الجمع بين العالمين فلا دوام ترقيها في معارج المعارف
وعوالم القدس يعوقها عن تدبير العالم السفلي ولا التفاتها إلى مناظم عالم الأجسام يمنعها عن
الاستكمال في عالم الأرواح فكانت قوتها وافية بتدبير العالمين محيطة بضبط الجنسين فوجب أن
تكون أشرف وأعظم . الحجة الثانية : الجواهر الروحانية مبرأة عن الشهوة التي هي منشأ
سفك الدماء والأرواح البشرية مقرونة بها والخالي عن منبع البشر أشرف من المبتلى به .
الاعتراض : لا شك أن المواظبة على الخدمة مع كثرة الموانع والعوائق أدل على الإخلاص من
المواظبة عليها من غير شيء من العوائق والموانع ، وذلك يدل على أن مقام البشر في المحبة أعلى
وأكمل وأيضاً فالروحانيات لما أطاعت خالقها لم تكن طاعتها موجبة قهر الشياطين الذين هم
أعداء الله ، أما الأرواح البشرية لما أطاعت خالقها لزم من تلك الطاعة قهر القوى الشهوانية
والغضبية وهي شياطين الأنس فكانت طاعاتهم أكمل وأيضاً فمن الظاهر أن درجات
الروحانيات حين قالت ( لا علم لنا إلا ما علمتنا ) أكمل من درجاتهم حين قالت ( أتجعل فيها
من يفسد فيها ) وما ذاك إلا بسبب الانكسار الحاصل من الزلة وهذا في البشر أكمل ولهذا قال
عليه الصلاة والسلام حكاية عن ربه تعالى ( لأنين المذنبين أحب إلى من زجل المسبحين )
الحجة الثالثة : الروحانيات مبرأة عن طبيعة القوة فان كل ما كان ممكناً لها بحسب أنواعها التي
في أشخاصها فقد خرج إلى الفعل والأنبياء ليسوا كذلك ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام
« إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة وما أدري ما يفعل بي ولا بکم)) ( ما كنت تدري ما
الكتاب ولا الإيمان ) ولا شك أن ما بالفعل التام أشرف مما بالقوة. الاعتراض : لا نسلم أنها
بالفعل التام فلعلها بالقوة في بعض الأمور ، ولهذا قيل إن تحريكاتها للأفلاك لأجل استخراج
التعقلات من القوة إلى الفعل وهذه التحريكات بالنسبة إليها كالتحريكات العارضة للأرواح
الحاملة لقوى الفكر والتخيل عند محاولة استخراج التعقلات التي هي بالقوة إلى الفعل .
الحجة الرابعة الروحانيات أبدية الوجود مبرأة عن طبيعة التغير والقوة والنفوس الناطقة البشرية
ليست كذلك . الاعتراض: المقدمتان ممنوعتان أليس أن الروحانيات ممكنة الوجود لذواتها *
واجبة الوجود بمادتها فهي محدثة سلمنا ذلك ، فلا نسلم أن الأرواح البشرية حادثه ، بل هي
عند بعضهم أزلية وهؤلاء قالوا هذه الأرواح كانت سرمدية موجودة كالأظلال تحت العرش
يسبحون بحمد ربهم إلا أن المبدىء الأول أمرها حتى نزلت إلى عالم الأجسام وسكنات

٢٤٩
قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم.
المواد ، فلما تعلقت بهذه الأجسام عشقتها . واستحكم إلفها بها فبعث من تلك الأظلال
أكملها وأشرفها إلى هذا العالم ليحتال في تخليص تلك الأرواح عن تلك السكنات وهذا هو
المراد من باب الحمامة المطوقة المذكورة في كتاب كليلة ودمنة . الحجة الخامسة : الروحانيات
نورانية علوية لطيفة ، والجسمانيات ظلمانية سفلية كثيفة وبدائية العقول تشهد بأن النور أشرف
من الظلمة ، والعلوى خير من السفلى ، واللطيف أكمل من الكثيف. الاعتراض : هذا كله
إشارة إلى المادة وعندنا سبب الشرف الانقياد لأمر رب العالمين على ما قال ( قل الروح من أمر
ربي ) وادعاء الشرف بسبب شرف المادة هو حجة اللعين الأول وقد قيل له ما قيل ، الحجة
السادسة : الروحانيات السماوية فضلت الجسمانيات بقوى العلم والعمل. وأما العلم
فلاتفاق الحكماء على إحاطة الروحانيات السماوية بالمغيبات واطلاعها على مستقبل الأمور ،
وأيضاً فعلومهم فعلية فطرية كلية دائمة . وعلوم البشر على الضد في كل ذلك ، وأما العمل
فلأنهم مواظبون على الخدمة دائماً يسبحون الليل والنهار لا يفترون لا يلحقهم نوم العيون ولا
سهو العقول ولا غفلة الأبدان طعامهم التسبيح وشرابهم التقديس والتحميد والتهليل وتنفسهم
بذكر الله وفرحتهم بخدمة الله متجردون من العلائق البدنية غير محجوبين بشيء من القوى
الشهوانية والغضبية فأين أحد القسمين من الآخر : الاعتراض : لا نزاع في كل ما ذكر تموه إلا
أن ههنا دقيقة وهي أن المواظب على تناول الأغذية اللطيفة لا يلتذ بها كما يلتذ المبتلى بالجوع
أياماً كثيرة فالملائكة بسبب مواظبتهم على تلك الدرجات العالية لا يجدون من اللذة مثل ما يجد
البشر الذين يكونون في أكثر الأوقات محجوبين بالعلائق الجسمانية والحجب الظلمانية فهذه المزية
من اللذة مما يختص بها البشر ولعل هذا هو المراد من قوله تعالى ( إنا عرضنا الأمانة على السموات
والأرض والجبال فأبين أن يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان ) فان إدراك الملايم بعد الابتلاء
بالمنافي ألذ من إدراك الملايم على سبيل الدوام ولذلك قالت الأطباء : إن الحرارة في حمى الدق
أشد منها في حمى الغب لكن حرارة الحمى في الدق إذا دامت واستقرت بطل الشعور بها فهذه
الحالة لم تحصل للملائكة لأن كمالاتها دائمة ولم تحصل لسائر الأجسام لأنها كانت خالية عن
القوة المستعدة لإدراك المجردات فلم يبق شىء ممن يقوى على تحمل هذه الأمانة إلا البشر.
الحجة السابعة : الروحانيات لهم قوة على تصريف الأجسام وتقليب الأجرام والقوة التي هي لهم
ليست من جنس القوى المزاجية حتى يعرض لها كلال ولغوب ، ثم إنك ترى الخامة اللطيفة
من الزرع في بدء نموها تفتق الحجر وتشق الصخر وما ذاك إلا لقوة نباتية فاضت عليها من
جواهر القوى السماوية فما ظنك بتلك القوى السماوية والروحانيات هي التي تتصرف في
الأجسام السفلية تقليباً وتصريفاً لا يستثقلون حمل الأثقال ولا يستصعبون تحريك الجبال فالرياح

٢٥٠
قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم .
تهب بتحريكاتها والسحاب تعرض وتزول بتصريفها وكذا الزلازل تقع في الجبال بسبب من
جهتها والشرائع ناطقة بذلك على ما قال تعالى ( فالمقسمات أمراً) والعقول أيضاً دالة عليه
والأرواح السفلية ليست كذلك فأين أحد القسمين من الآخر . والذي يقال أن الشياطين التي
هي الأرواح الخبيثة تقدر على ذلك ممنوع وبتقدير التسليم فلا نزاع في أن قدرة الملائكة على
ذلك أشد وأكمل ولأن الأرواح الطيبة الملكية تصرف قواها إلى مناظم هذا العالم السفلى
ومصالحها والأرواح الخبيثة تصرف قواها إلى الشرور فأين أحدهما من الآخر . الاعتراض : لا
يبعد أن يتفق في النفوس الناطقة البشرية نفس قوية كاملة مستعلية على الأجرام العنصرية
بالتقليب والتصريف فما الدليل على امتناع مثل هذه النفس . الحجة الثامنة : الروحانيات لها
اختيارات فائضة من أنوار جلال الله عز وجل متوجهة إلى الخيرات مقصورة على نظام هذا
العالم لا يشوبها البتة شائبة الشر والفساد بخلاف اختيارات البشرفانها مترددة بين جهتي العلو
والسفالة وطرفي الخير وميلهم إلى الخيرات إنما يحصل بإعانة الملائكة على ما ورد في الأخبار من
أن لكل إنسان ملكاً يسدده ويهديه . الاعتراض : هذا يدل على أن الملائكة كالمجبورين على
طاعاتهم والأنبياء مترددون بين الطرفين والمختار أفضل من المجبور وهذا ضغیفلأن التردد ما
دام يبقى استحال صدور الفعل وإذا حصل الترجيح التحق بالموجب فكان للأنبياء خيرات
بالقوة وبواسطة الملائكة تصير خيرات بالفعل ، أما الملائكة فهم خيرات بالفعل فأين هذا من
ذاك الحجة التاسعة : الروحانيات مختصة بالهياكل وهي السيارات السبعة وسائر الثوابت
والأفلاك كالأبدان والكواكب كالقلوب والملائكة كالأرواح فنسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة
الأبدان إلى الأبدان ثم إنا نعلم أن اختلافات أحوال الأفلاك مبادىء لحصول الاختلافات فى
أحوال هذا العالم فانه يحصل من حركات الكواكب اتصالات مختلفة من التسديس والتثليث
والتربيع والمقابلة والمقاربة وكذا مناطق الأفلاك تارة تصير منطبقة بعضها على البعض وذلك هو
الرتق فحينئذ يبطل عمارة العالم وأخرى ينفصل بعضها عن البعض فتنتقل العمارة من جانب
من هذا العالم العلوي مستولية على هياكل العالم السفلى فكذا أرواح العالم السفلى لا سيما وقد
دلت المباحث الحكمية والعلوم الفلسفية على أن أرواح هذا العالم معلولات لأرواح العالم
العلوي وكمالات هذه الأرواح معلولات لكمالات تلك الأرواح ونسبة هذه الأرواح إلى تلك
الأرواح كالشعلة الصغيرة بالنسبة إلى قرص الشمس وكالقطرة الصغيرة بالنسبة إلى البحر
الأعظم فهذه هي الآثار وهناك المبدأ والمعاد فكيف يليق القول بادعاء المساواة فضلا عن
الزيادة . الاعتراض : كل ما ذکرتموه منازع فيه لكن بتقدیر تسلیمه فالبحث باق بعد لأنا بينا
أن الوصول إلى اللذيذ بعد الحرمان ألذ من الوصول إليه على سبيل الدوام فهذه الحالة غير

٢٥١
قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم.
حاصلة إلا للبشر. الحجة العاشرة : قالوا الروحانيات الفلكية مبادىء لروحانيات هذا العالم
ومعادلها والمبدأ أشرف من ذي المبدأ لأن كل كمال( يحصل لذي المبدأ فهو مستفاد من المبدأ
والمستفيد أقل حالاً من الواجب وكذلك المعاد يجب، أن يكون أشرف ، فعالم الروحانيات عالم
الكمال فالمبدأ منها والمعاد إليها والمصدر عنها والمرجع إليها وأيضاً فان الأرواح إنما نزلت من
عالمها حتى اتصلت بالأبدان فتوسخت بأوضار الأجسام ثم تطهرت عنها بالأخلاق الزكية
والأعمال المرضية حتى انفصلت عنها إلى عالمها الأول فالنزول هو النشأة الأولى والصعود هو
النشأة الأخرى فعرف أن الروحانيات أشرف من الأشخاص البشرية. الاعتراض : هذه
الكلمات بنيتموها على نفي المعاد ونفي حشر الأجساد ودونهما خرط القتاد . الحجة الحادية
عشرة : أليس أن الأنبياء صلوات الله عليهم اتفقت كلمتهم على أنهم لا ينطقون بشيء من
المعارف والعلوم إلا بعد الوحي فهذا اعتراف بأن علومهم مستفادة منهم أليس أنهم اتفقوا على
أن الملائكة هم الذین یعینونهم على أعدائهم کما فی قلع مدائن قوم لوط وفي يوم بدر وهم الذین
يهدونهم إلى مصالحهم كما في قصة نوح في نجر السفينة فاذا اتفقوا على ذلك فمن أين وقع لكم
أن فضلتموهم على الملائكة مع تصريحهم بافتقارهم إليهم في كل الأمور . الحجة الثانية عشرة :
التقسيم العقلي قد دل على أن الأحياء إما أن تكون خيرة محضة أو شريرة محضة أو تكون خيرة
من وجه شريرة من وجه فالخير المحض هو النوع الملكي والشرير المحض هو النوع الشيطاني
والمتوسط بين الأمرين هو النوع البشري وأيضاً فإن الانسان هو الناطق المائت وعلى جانبيه
قسمان آخران . أحدهما : الناطق الذي لا يكون مائتا وهو الملك : والآخر المائت الذي لا
يكون ناطقاً وهم البهائم فقسمة العقل على هذا الوجه قد دلت على كون البشر في الدرجة
المتوسطة من الكمال والملك يكون في الطرف الأقصى من الكمال فالقول بأن البشر أفضل قلب
للقسمة العقلية ومنازعة فى ترتيب الوجود الاعتراض : ان المراد من الفضل هو كثرة الثواب فلم
قلتم إن الملك أكثر ثواباً فهذا محصل ما قيل في هذا الباب من الوجوه العقلية وبالله التوفيق .
واحتج من. قال بفضل الأنبياء على الملائكة بأمور . أحدهما : أن الله تعالى أمر الملائكة
بالسجود لآدم وثبت أن آدم لم يكن كالقبلة بل كانت السجدة في الحقيقة له ، وإذا ثبت ذلك
وجب أن يكون آدم أفضل منهم لأن السجود نهاية التواضع وتكليف الأشرف بنهاية التواضع
للأدون مستقبح في العقول فانه یقبح أن يؤمر أبو حنيفة بأن يخدم أقل الناس بضاعة في الفقه
فدل هذا على أن آدم عليه السلام كان أفضل من الملائكة . وثانيها : أن الله تعالى جعل آدم
عليه السلام خليفة له والمراد منه خلافة الولاية لقوله تعالى ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض
فاحكم بين الناس بالحق ) ومعلوم أن أعلى الناس منصباً عند الملك من كان قائماً مقامه في
٠

٣,٠
٢٥٢
قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم
الولاية والتصرف ، وكان خليفة له فهذا يدل على أن آدم عليه السلام كان أشرف الخلائق وهذا
متأكد بقوله ( وسخر لكم ما في البر والبحر ) ثم أكد هذا التعميم بقوله ( خلق لكم ما في
الأرض جميعاً) فبلغ آدم في منصب الخلافة إلى أعلى الدرجات فالدنيا خلقت متعة لبقائه والآخرة
مملكة لجزائه وصارت الشياطين ملعونين بسبب التكبر عليه والجن رعيته والملائكة في طاعته
وسجوده والتواضع له ثم صار بعضهم حافظین له ولذريته وبعضهم منزلین لرزقه وبعضهم
مستغفرين لزلاته ثم إنه سبحانه وتعالى يقول مع هذه المناصب العالية ( ولدينا مزيد ) فاذن لا
غاية لهذا الكمال والجلال . وثالثها : أن آدم عليه السلام كان أعلم والأعلم أفضل ، أما إنه
أعلم فلأنه تعالى لما طلب منهم علم الأسماء ( قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت
العلیم الحکیم ) فعند ذلك قال الله تعالى ( یا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم
أقل لكم ) وذلك يدل على أنه عليه السلام كان عالماً مما لم يكونوا عالمين به وأما أن الأعلم
أفضل فلقوله تعالى ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) ورابعها : قوله تعالى
( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين ) والعالم عبارة عن كل ما
سوى الله تعالى وذلك لأن اشتقاق العالم على ما تقدم من العلم فكل ما كان علماً على الله ودالا
علیہ فھو عالم ولا شك أن کل محدث فهو دليل على الله تعالی فکل محدث فهو عالم فقوله ( إن
الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) معناه أن الله تعالى اصطفاهم على
كل المخلوقات ولا شك أن الملائكة من المخلوقات فهذه الآية تقتضى أن الله تعالى اصطفى
هؤلاء الأنبياء على الملائكة . فان قيل : يشكل هذا بقوله تعالى ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي
التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ) فانه لا يلزم أن يكونوا أفضل من الملائكة
ومن محمد ﴿وَ﴾ فكذا ههنا قال الله تعالى في حق مريم عليها السلام (إن الله اصطفاك وظهرك
واصطفاك على نساء العالمين ) ولم يلزم كونها أفضل من فاطمة عليها السلام فكذا ههنا قلنا ؛
الإشكال مدفوع لأن قوله تعالى ( وأني فضلتكم على العالمين ) خطاب مع الأنبياء الذين كانوا
أسلاف اليهود وحین ما کانوا موجودین لم یکن محمد موجوداً في ذلك الزمان وما لم یکن
موجوداً لم يكن من العالمين لأن المعدوم لا يكون من العالمين وإذا كان كذلك لم يلزم من
اصطفاء الله تعالى إياهم على العالمين في ذلك الوقت أن يكونوا أفضل من محمد ﴿بَلَ﴾ وأما
جبريل عليه السلام فإِنه كان موجوداً حين قال الله تعالى: ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل
إبراهيم وآل عمران على العالمين ) فلزم أن يكون قد اصطفى الله تعالى هؤلاء على جبريل عليه
السلام وأيضاً فهب أن تلك الآية قد دخلها التخصيص لقيام الدلالة وههنا فلا دليل يوجب
ترك الظاهر فوجب إجراؤه على ظاهره في العموم. وخامسها قوله تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمة

٢٥٣
قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا .
للعالمين ) والملائكة من جملة العالمين فكان محمد عليه السلام رحمة لهم فوجب أن يكون محمد
أفضل منهم . وسادسها: أن عبادة البشر أشق فوجب أن يكونوا أفضل وإنما قلنا إنها أشق
لوجوه . الأول : أن الآدمي له شهوة داعية إلى المعصية والملك ليست له هذه الشهوة والفعل
مع المعارض القوي أشد منه بدون المعارض فإن قيل الملائكة لهم شهوة تدعوهم الى المعصية
وهي شهوة الرياسة قلنا هب أن الأمر كذلك لكن البشرلهم أنواع كثيرة من الشهوات مثل شهوة
البطن والفرج والرياسة والملك ليس له من تلك الشهوات إلا شهوة واحدة وهي شهوة الرياسة
والمبتلي بأنواع كثيرة من الشهوات تكون الطاعة عليه أشق من المبتلى بشهوة واحدة . الثاني :
أن الملائكة لا يعملون إلا بالنص لقوله تعالى (لا علم لنا إلا ما علمتنا) وقال ( لا يسبقونه
بالقول وهم بأمره يعملون ) والبشرلهم قوة الاستنباط والقياس قال تعالى ( فاعتبروا يا أولى
﴾ في ذلك . ومعلوم أن العمل
الأبصار ) وقال معاذ اجتهدت برأيي فصوبه رسول الله ـ
بالاستنباط أشق من العمل بالنص الثالث : أن الشبهات للبشرأكثر مما للملائكة لأن من جملة
الشبهات القوية كون الأفلاك والأنجم السيارة أسباباً لحوادث هذا العالم فالبشر احتاجوا إلى
دفع هذه الشبهة والملائكة لا يحتاجون لأنهم ساكنون في عالم السماوات فيشاهدون كيفية
افتقارها إلى المدبر الصانع ، الرابع : أن الشيطان لا سبيل له إلى وسوسة الملائكة وهو مسلط
على البشر في الوسوسة وذلك تفاوت عظيم إذا ثبت أن طاعتهم أشق فوجب أن يكونوا أكثر
ثواباً بالنص فقوله عليه الصلاة والسلام ((أفضل العبادات أحمزها)) أي أشقها وأما القياس
فلأنا نعلم أن الشيخ الذي لم يبق له ميل إلى النساء إذا امتنع عن الزنا فليست فضيلته كفضيلة
من يمتنع عنهن مع الميل الشديد والشوق العظيم فكذا ههنا وسابعها : أن الله تعالى خلق
الملائكة عقولا بلا شهوة وخلق البهائم شهوات بلا عقل وخلق الآدمي وجمع فيه بين الأمرين
فصار الآدمي بسبب العقل فوق البهيمة بدرجات لا حد لها فوجب أن يصير بسبب الشهوة
دون الملائكة ثم وجدنا الآدمي إذا غلب هواه عقله حتى صار يعمل بهواه دون عقله فانه يصير
دون البهيمة على ما قال تعالى ( أولئك كالأنعام بل هم أضل ) ولذلك صار مصيرهم إلى النار
دون البهائم فيجب أن يقال إذا غلب عقله هواه حتى صار لا يعمل بهوى نفسه شيئاً بل يعمل
بهوى عقله أن يكون فوق الملائكة اعتباراً لأحد الطرفين بالآخر . وثامنها : أن الملائكة حفظه
وبنو آدم محفوظون والمحفوظ أعز وأشرف من الحافظ فيجب أن يكون بنو آدم أكرم وأشرف على
الله تعالى من الملائكة . وتاسعها : ما روى أن جبريل عليه السلام أخذ بركاب محمد
حتى أركبه على البراق ليلة المعراج وهذا يدل على أن محمداً ﴿وَ﴾﴾ أفضل منه ولما وصل محمد
عليه الصلاة والسلام إلى بعض المقامات تخلف عنه جبريل عليه السلام وقال « لودنوت أنملة

٢٥٤
قوله تعالى ((وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم))
لاحترقت)) وعاشرها: قوله عليه الصلاة والسلام ((إن لي وزيرين في السماء ووزيرين في
الأرض ، أما اللذان في السماء فجبريل وميكائيل، وأما اللذان في الأرض فأبو بكر وعمر »
فدل هذا الخبر على أن محمداً ﴿ێ﴾ کان کالملك وجبریل ومیکائیل کانا کالوزیرین له والملك
أفضل من الوزير فلزم أن يكون محمد أفضل من الملك . هذا تمام القول في دلائل من فضل
البشر على الملك . أجاب القائلون بتفضيل الملك عن الحجة الأولى فقالوا . قد سبق بيان أن
من الناس من قال : المراد من السجود هو التواضع لا وضع الجبهة على الأرض ومنهم من سلم
أنه عبارة عن وضع الجبهة على الأرض لكنه قال السجود لله وآدم قبلة السجود وعلى هذين
القولين لا إشكال أما إذا سلمنا أن السجود کان لآدم عليه السلام فلم قلتم إن ذلك، لايجوز من
الأشرف في حق الشريف وذلك لأن الحكمة قد تقتضى ذلك كثيراً من حب الأشرف وإظهار
النهاية في الانقياد والطاعة فان للسلطان أن يجلس أقل عبيده في الصدر وأن يأمر الأكابر
بخدمته ویکون غرضه من ذلك إظهار کونهم مطيعين له في كل الأمور منقادين له في جميع
الأحوال فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك وأيضاً أليس من مذهبنا أنه ( يفعل الله ما
يشاء ويحكم ما يريد ) وأن أفعاله غير معللة ولذلك قلنا إنه لا اعتراض عليه في خلق الكفر في
الانسان ثم في تعذيبه علیه أبد الآباد وإذا کان کذلك فکیف یعترض عليه في أن يأمر الأعلى
بالسجود للأدنى وأما الحجة الثانية : فجوابها أن آدم عليه السلام إنما جعل خليفة في الأرض.
وهذا يقتضى أن یکون آدم عليه السلام كان أشرف من كل من في الأرض ولا يدل على كونه.
أشرف من ملائكة السماء فان قيل فلم لم يجعل واحداً من ملائكة السماء خلیفة له في الأرض
قلنا لوجوه منها أن البشرلا يطيقون رؤية الملائكة ومنها أن الجنس إلى الجنس أميل ومنها أن
الملائكة في نهاية الطهارة والعصمة وهذا هو المراد بقوله تعالى ( ولو جعلناه ملكاً لجعلناهرجلاً).
وأما الحجّة الثالثة : فلا نسلم أن آدم عليه السلام کان أعلم منهم أكثر ما في الباب أن آدم عليه
السلام كان عالماً بتلك اللغات وهم ما علموها لكن لعلهم كانوا عالمين بسائر الأشياء مع أن آدم
عليه السلام ما كان عالماً بها والذي يحقق هذا أنا توافقنا على أن محمداً ﴿وَ﴾ أفضل من آدم
عليه السلام مع أن محمداً ﴿وَ﴾﴾ ما كان عالماً بهذه اللغات بأسرها وأيضاً فان إبليس كان عالماً
بأن قرب الشجرة مما يوجب خروج آدم عن الجنة وآدم عليه السلام لم يكن عالماً ذلك ولم يلزم
منه كون إبليس أفضل من آدم عليه السلام والهدهد قال لسليمان أحطت بما لم تحط به ولم يلزم
أن یکون الهدهد أفضل من سلیمان سلمنا أنه کان أعلم منهم ولکن لم لا يجوز أن يقال إن
طاعاتهم أكثر إخلاصاً من طاعة آدم فلا جرم كان ثوابهم أكثر . أما الحجة الرابعة: فهي
أقوى الوجوه المذكورة. أما الحجة الخامسة : وهي قوله تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).

٢٥٥
قوله تعالى (( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم
فلا يلزم من كون محمد ﴿1﴾ رحمة لهم أن يكون أفضل منهم كما في قوله (فانظر الى آثار رحمة
الله كيف يحيي الأرض بعد موتها) ولا يمتنع أن يكون هو عليه الصلاة والسلام رحمة لهم من
وجه وهم يكونون رحمة له من وجه آخر . وأما الحجة السادسة : وهي أن عبادة البشر أشق
فهذا ينتقض بما أنا نرى الواحد من الصوفيه يتحمل في طريق المجاهدة من المشاق والمتاعب ما
يقطع بأنه عليه السلام لم يتحمل مثلها مع أنا نعلم أن محمداً ﴿1﴾ أفضل من الكل وما ذاك
إلا أن كثرة الثواب مبنية على الإخلاص في النية ويجوز أن يكون الفعل أسهل إلا أن إخلاص
الآتي به أكثر فكان الثواب عليه أكثر. أما الحجة السابعة : فهي جمع بين الطرفين من غير
جامع. وأما الحجة الثامنة : وهي أن المحفوظ أشرف من الحافظ فهذا ممنوع على الاطلاق بل قد
يكون الحافظ أشرف من المحفوظ كالأمير الكبير الموكل على المتهمين من الجند . وأما الوجهان
الآخران : فهما من باب الآحاد وهما معارضان بما رويناه من شدة تواضع الرسول ﴿الَّةَ﴾
فهذا
آخر المسألة وبالله التوفيق.
المسألة الخامسة ﴾ اعلم أن الله تعالى لما استثنى إبليس من الساجدين فكان يجوز أن
يظن أنه كان معذوراً في ترك السجود فبين تعالى أنه لم يسجد مع القدرة وزوال العذر بقوله
أبى لأن الاباء هو الامتناع مع الاختيار ، أما من لم يكن قادراً على الفعل لا يقال له إنه أبى ثم
قد كان يجوز أن يكون كذلك ولا ينضم اليه الكبر فبين تعالى أن ذلك الإٍاء كان على وجه
الاستكبار بقوله واستكبر ثم كان يجوز أن يوجد الإباء والاستكبار مع عدم الكفر فبين تعالى أنه
كفر بقوله ( وكان من الكافرين ) قال القاضي هذه الآية تدل على بطلان قول أهل الجبر من
وجوه . أحدها : أنهم يزعمون أنه لما لم يسجد لم يقدر على السجود لأن عندهم القدرة على
الفعل منتفية ومن لا يقدر على الشيء يقال إنه أباه ، وثانيها : أن من لا يقدر على الفعل لا يقال
استكبر بأن لم يفعل لأنه إذا لم يقدر على الفعل لا يقال استكبر عن الفعل وإنما يوصف
بالاستكبار إذا لم يفعل مع كونه لو أراد الفعل لأمكنه . وثالثها : قال تعالى ( وكان من
الكافرين) ولا يجوز أن يكون كافراً بأن لا يفعل ما لا يقدر عليه . ورابعها : أن استكباره
وامتناعه خلق من الله فيه فهو بأن يكون معذوراً أولى من أن يكون مذموماً قال ومن اعتقد
مذهباً يقيم العذر لإبليس فهو خاسر الصفقة ، والجواب عنه أن هذا القاضي لا يزال يطنب في
تكثير هذه الوجوه وحاصلها يرجع إلى الأمر والنهي والثواب والعقاب فنقول له نحن أيضاً :
صدور ذلك الفعل عن إبليس عن قصد وداع أولا عن قصد وداع ؟ فان كان عن قصد وداع
فمن أين ذلك القصد؟ أوقع لا عن فاعل أو عن فاعل هو العبد أو عن فاعل هو الله ؟ فان وقع
لا عن فاعل كيف يثبت الصانع وإن وقع عن العبد فوقوع ذلك القصد عنه إن كان عن قصد

٢٥٦
قوله تعالى (( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم
آخر فیلزم التسلسل وإن کان لا عن قصد فقد وقع الفعل لا عن قصد وسنبطله وإن وقع عن
فاعل هو الله فحينئذ يلزمك كل ما أوردته علينا ، أما إن قلت وقع ذلك الفعل عنه لا عن قصد
وداع فقد ترجح الممکن من غير مرجح وهو یسد باب إثبات الصانع وأیضاً فان کان کذلك كان
وقوع ذلك الفعل اتفاقیاً والاتفاقي لا یکون في وسعه واختياره فکیف یؤمر به وینھی عنه فيا أيها
القاضي ما الفائدة في التمسك بالأمر والنهي ، وتكثير الوجوه التي يرجع حاصلها إلى حرف
واحد مع أن مثل هذا البرهان القاطع يقلع خلفك ، ويستأصل عروق كلامك ولو أجمع
الأولون والآخرون على هذا البرهان لما تخلصوا عنه إلا بالتزام وقوع الممكن لا عن مرجح
وحينئذ ينسد باب إثبات الصانع أو بالتزام أنه يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد وهو جوابنا .
المسألة السادسة ﴾ للعقلاء في قوله تعالى (وكان من الكافرين ) قولان: أحدهما :
أن إبليس حين اشتغاله بالعبادة كان منافقاً كافراً وفي تقرير هذا القول وجهان ، أحدهما :
حكى محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في أول كتابه المسمى بالملل والنحل عن ماري شارح
الأناجيل الأربعة وهي مذكورة في التوراة متفرقة على شكل مناظرة بينه وبين الملائكة بعد الأمر
بالسجود قال إبليس للملائكة إني أسلم أن لي إلهاً هو خالقي ، وموجدي، وهو خالق ..
الخلق ، لكن لى على حكمة الله تعالى أسئلة سبعة ، الأولى : ما الحكمة في الخلق لا سيما إن.
كان عالماً بأن الكافر لا يستوجب عند خلقه الآلام ؟ الثاني: ثم ما الفائدة في التكليف مع أنه لا.
يعود منه ضر ولا نفع وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة ..
التكليف؟ الثالث : هب أنه كلفني بمعرفته وطاعته فلماذا كلفني السجود لآدم؟ الرابع ثم لما.
عصيته في ترك السجود لآدم فلم لعنني وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له ولا لغيره فیه ، ولی فیه
أعظم الضرر؟ الخامس : ثم لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ووسوست لآدم
عليه السلام ؟ السادس ؛ ثم لما فعلت ذلك فلم سلطني على أولاده ومكنني من إغوائهم.
وإضلالهم ؟ السابع : ثم لما استمهلته المدة الطويلة في ذلك ، فلم أمهلني . ومعلوم أن العالم
لو كان خالياً عن الشرلكان ذلك خيراً؟ قال شارح الأناجيل : فأوحى الله تعالی إلیه من
سرادقات الجلال والكبرياء : يا إبليس إنك ما عرفتني ، ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض:
على في شيء من أفعالي فاني أنا الله لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل. واعلم أنه لو اجتمع
الأولون والآخرون من الخلائق وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا عن هذه الشبهات
مخلصاً وكان الكل لازماً ، أما إذا أجبنا بذلك الجواب الذي ذكره الله تعالى زالت الشبهات
واندفعت الاعتراضات وكيف لا وكما أنه سبحانه واجب الوجود في ذاته واجب الوجود في
صفاته فهو مستغن في فاعليته عن المؤثرات والمرجحات إذ لو افتقر لكان فقيراً لا غنياً فهو سبحانه

٢٥٧
قوله تعالى (( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم .
مقطع الحاجات ومنتهى الرغبات ومن عنده نيل الطلبات وإذا كان كذلك لم تتطرق اللمية إلى
أفعاله ولم يتوجه الاعتراض على خالقيته وما أحسن ما قال بعضهم : جل جناب الجلال عن
أن يوزن بميزان الاعتزال فهذا القائل أجرى قوله تعالى (وكان من الكافرين ) على ظاهره وقال
إنه كان كافراً منافقاً منذ كان . الوجه الثاني : في تقرير أنه كان كافراً أبداً قول أصحاب
الموافاة وذلك لأن الإيمان يوجب استحقاق العقاب الدائم والجمع بين الثواب الدائم والعقاب
الدائم محال فاذا صدر الإيمان من المكلف في وقت ثم صدر عنه والعياذ بالله بعد ذلك كفر فأما
أن يبقى الاستحقاقان معاً وهو محال على ما بيناه أو يكون الطارىء مزيلا للسابق وهو أيضاً
محال لأن القول بالإحباط باطل فلم يبق إلا أن يقال إن هذا الفرض محال وشرط حصول الإيمان
أن لا يصدر الكفر عنه فی وقت قط فاذا كانت الخاتمة علی الکفر علمنا أن الذی صدر عنه أولا ما
كان إيماناً إذا ثبت هذا فنقول : لما كان ختم أبليس على الكفر علمنا أنه ما كان مؤمناً قط ،
القول الثاني : أن إبليس كان مؤمناً ثم كفر بعد ذلك وهؤلاء اختلفوا في تفسير قوله تعالى
( وكان من الكافرين ) فمنهم من قال معناه وكان من الكافرين في علم الله تعالى أي كان عالماً
فى الأزل بأنه سيكفر فصيغة كان متعلقة بالعلم لا بالمعلوم ، والوجه الثاني : أنه لما كفر في وقت
معين بعد أن كان مؤمناً قبل ذلك فبعد مضي كفره صدق عليه في ذلك الوقت أنه كان في ذلك
الوقت من الكافرين ومتى صدق عليه ذلك وجب أن يصدق عليه أنه كان من الكافرين جزء
من مفهوم قولنا كان من الكافرين في ذلك الوقت ، ومتى صدق المركب صدق المفرد لا محالة .
الوجه الثالث : المراد من كان صار ، أي وصار من الكافرين . وههنا أبحاث ، البحث
الأول : اختلفوا في أن قوله تعالى ( وكان من الكافرين ) هل يدل على أنه وجد قبله جمع من
الكافرين حتى يصدق القول بأنه من الكافرين ، قال قوم إنه يدل عليه لأن كلمة من
للتبعيض ، فالحكم عليه بأنه بعض الكافرين يقتضي وجود قوم آخرين من الكافرين حتى
يكون هو بعضاً لهم والذي يؤكد ذلك ما روى عن أبي هريرة أنه قال ((إن الله تعالى خلق خلقاً
من الملائكة ثم قال لهم إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له
ساجدين فقالوا لا نفعل ذلك فبعث الله عليهم ناراً فأحرقتهم وكان إبليس من أولئك الذين
أبوا)) وقال آخرون هذه الآية لا تدل على ذلك ثم لهم في تفسير الآية وجهان ، أحدهما : معنى
الآية أنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك وهو قول الأصم وذکر في مثاله قوله تعالى
(والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ) فأضاف بعضهم إلى بعض بسبب الموافقة فی الدین
فكذا ههنا لما كان الكفر ظاهراً من أهل العالم عند نزول هذه الآية صح قوله وكان من
الكافرين . وثانيها : أن هذا إضافة لفرد من أفراد الماهية إلى تلك الماهية وصحة هذه الاضافة
فخر الرازي ج ٢ م ١٧

٢٥٨
قوله تعالى (( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم .
لا تقتضى وجود تلك الماهیة کما أن الحیوان الذي خلقه الله تعالی أو لا یصح أن يقال إنه فرد من
أفراد الحيوان لا بمعنى أنه واحد من الحيوانات الموجودة خارج الذهن بل بمعنى أنه فرد من
أفراد هذه الماهية وواحد من آحاد هذه الحقيقة ، واعلم أنه يتفرع على هذا البحث أن إبليس
هل كان أول من كفر بالله ، والذي عليه الأكثرون أنه أول من كفر بالله .
البحث الثاني : أن المعصية عند المعتزلة وعندنا ، لا توجب الكفر ، أما عندنا فلأن
صاحب الكبيرة مؤمن ، وأما عند المعتزلة فلأنه وإن خرج عن الايمان فلم يدخل في الكفر ،
وأما عند الخوارج فكل معصية كفر ، وهم تمسكوا بهذه الآية ، قالوا إن الله تعالى كفر إبليس
بتلك المعصية فدل على أن المعصية كفر ، الجواب إن قلنا إنه كافر من أول الأمر فهذا السؤال :
زائل ، وإن قلنا إنه كان مؤمناً ، فنقول إنه إنما كفر لاستكباره واعتقاده كونه محقاً في ذلك التمرد
واستدلاله على ذلك بقوله : ( أنا خير منه ) والله أعلم .
المسألة السابعة ﴾ قال الأكثرون إن جميع الملائكة مأمورون بالسجود لآدم واحتجوا
عليه بوجهين . الأول : أن لفظ الملائكة صيغة الجمع وهي تفید العموم لا سيما وقد وردت هذه
اللفظة مقرونة بأكمل وجوه التأكيد في قوله ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) . الثاني : هو أنه
تعالى استثنی إبليس منهم واستثناء الشخص الواحد منهم يدل على أن من عدا ذلك الشخص
کان داخلاً في ذلك الحكم ومن الناس من أنكر ذلك وقال المأمورون بهذا السجود هم ملائكة
الأرض واستعظموا أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك . وأما الحكماء فانهم يحملون
الملائكة على الجواهر الروحانية وقالوا يستحيل أن تكون الأرواح السماوية منقادة للنفوس
الناطقة إنما المراد من الملائكة المأمورين بالسجود القوى الجسمانية البشرية المطيعة للنفس
الناطقة والكلام في هذه المسألة مذكور في العقليات .
تم الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث ، وأوله قوله تعالى
((وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة))

٢٥٩
فهرست
الجزء الثاني من التفسير الكبير للامام الفخر
الرازي
صفحة
سورة البقرة
٢
المسألة الأولى في الألفاظ التي يتهجى بها
٢
المسألة ((الثانية تتضمن معنى فواتح
٣
السور وبيان المراد منها وحكمة الاتيان
بها
١٢ المسألة الأولى في معنى الاشارة في ((ذلك
الکتاب»
١٥ المسألة الثانية فى كون اسم الاشارة
مذکرا والمشار إلیه مؤ نثا
١٥ المسألة الثالثة تتضمن بيان أسماء القرآن
ومعنی کل اسم منها وحکمة تسمیته بها
٢٠ المسألة الرابعة في بيان اتصال قوله ((الم))
بقوله («ذلك الكتاب))
٢٠ المسألة الأولى في معنى قوله تعالى ((لا
ریب فیه)»
٢١ المسألة الثانية في الوقف على لفظ ((فيه))
٢٢ المسألة الأولى في حقيقة الهدى
٢٢ المسألة الثانية في معنى المتقى
٢٤ المسألة الثالثة في السؤالات في كون
الشيء هدی ودليلا
٢٥ المسألة الرابعة في بیان قوله ((هدى
المتقين )) من حيث الاعراب
٢٦ المسألة الأولى في مذاهب المختلفين في
مسمى الايمان
صفحة
٢٦ المسألة الثانية في قوله تعالى ((الذين
يؤمنون بالغيب»
٢٦ المسألة الثالثة فى اشتقاق الايمان
٣٠ المسألة الرابعة في بيان معنى ((الغيب))
٣١ المسألة الخامسة قول من قال : : المراد
بالغيب المهدى المنتظر
٣٢ المسألة السادسة في قوله تعالى ((ويقيمون
الصلاة»
٣٢ المسألة السابعة في معنى لفظ ((الصلاة))
٣٣ المسألة الثامنة في معنى الرزق
٣٤ المسألة التاسعة في معنى الانفاق
٣٥ المسألة العاشرة في قوله تعالى ((وما
رزقناهم ينفقون»
٣٥ المسألة الأولى في أن معنى الايمان
التصدیق
٣٦ المسألة الثانية في المراد من انزال الوحي
٣٦ المسألة الثالثة في قوله تعالى ((والذين
يؤمنون بما أنزل اليك »
٣٦ المسألة الأولى في تسمية الدنيا والآخرة
٣٦ المسألة الثانية في معنی الیقین
٣٧ المسألة الثالثة في مدح الموقنين
٣٧ قوله تعالى «أولئك علی هدی من ربهم))
٣٧ المسألة الأولى في كيفية تعلق هذه الآية
بما قبلها

٢٦٠
فهرست الجزء الثاني من التفسير الكبير للامام الفخر الرازي
صفحة
٣٧ المسألة الثانية معنى الاستعلاء في قوله
«علی ھدی))
٣٨ المسألة الثالثة في تكرير ((أولئك)
٣٨ المسألة الرابعة «هم» فصل وله فائدتان
٣٨ المسألة الخامسة معنى التعريف في
((المفلحون))
٣٨ المسألة السادسة في معنى المفلح
٣٨ المسألة السابعة في أقوال الوعيدية
والمرجئة
٣٩ قوله ((ان الذين كفروا سواء عليهم))
الآية
٣٥ المسألة الأولى في أن ((إن)) حرف أشبه
الفعل
٤٠ المسألة الثانية اختلاف البصريين
والکوفین فی حرف («إن»
٤١ المسألة الثالثة في اختلاف المعاني
لاختلاف الألفاظ
٤٢ المسألة الأولى في تحقیق حد الكفر
٤٣ المسألة الثانية قولهم ((إن الذين كفروا))
اخبار عن كفرهم بصيغة الماضي
٤٤ المسألة الثالثة قولهم ((إن الذين كفروا))
صيغة للجمع مع لام التعريف
٤٤ المسألة الرابعة في اختلاف أهل التفسير
في قوله تعالی «الذین کفروا)»
٤٥ في قوله تعالى ((سواء عليهم أأنذرتهم أم
لم تنذرهم الآية
٤٥ في قوله تعالى ((سواء عليهم
٤٥ المسألة الأولى في معنى ((سواء))
٤٥ المسألة الثانية في ارتفاع ((سواء)).
٤٦ المسألة الثالثة اتفاقهم على أن الفعل لا
صفحة
يخبر عنه
٤٦ المسألة الرابعة في الهمزة، وأم مجردتان
لمعنى الاستفهام
٤٦ المسألة الخامسة في قراءات
((أأنذرتهم))٤٧ المسألة السادسة في
معنى الأنذار
٤٧ المسألة الأولى في قوله تعالى ((لا يؤمنون)
٤٧١ المسألة الثانية في احتجاج أهل السنة في
تكلیف ما لا يطاق
٥٤ في قوله تعالى ((ختم الله على قلوبهم
الآية»
٤٩ المسألة الأولى: الختم والكتم اخوان
٥٤ المسألة الثانية اختلاف الناس في الختم
٥٧ المسألة الثالثة الألفاظ الواردة في القرآن
في معنى الختم
٥٨ المسألة الرابعة في كون الأسماع داخلة في
حكم الختم والتغشية
٥٩ المسألة السادسة في حكمة جمع القلوب
والأبصار وتوحيد السمع
٥٩ ٥٩ المسألة السابعة في التفضل بين
السمع والبصر
٥٩ المسألة الثامنة في بيان أن محل العلم هو
القلب
٥٩ المسألة التاسعة في كون البصر نور العين
٦٠ المسألة العاشرة في القراءات الواردة في
قوله تعالى «غشاوة»
٦٠ المسألة الحادية عشرة فى أن العذاب مثل
النکال
٦٠ المسألة الثانية عشر اتفاق المسلمين على
تعذّ يب الله الكفار