Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
قوله تعالى : مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً .
وجوها . أحدها : قال السدى : ان ناساً دخلوا في الإسلام عند وصوله عليه السلام إلى المدينة
ثم إنهم نافقوا ، والتشبيه ههنا في نهاية الصحة لأنهم بايمانهم أولا اكتسبوا نوراً ثم بنفاقهم ثانياً
أبطلوا ذلك النور ووقعوا في حيرة عظيمة فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين لأن المتحير في
طريقه لأجل الظلمة لا يخسر إلا القليل من الدنيا ، وأما المتحير في الدين فإنه يخسر نفسه فى
الآخرة أبد الآبدين . وثانيها : إن لم يصح ما قاله السدى بل كانوا منافقين أبداً من أول
أمرهم فههنا تأويل آخر ذكره الحسن رحمه الله ، وهو أنهم لما أظهروا الاسلام فقد ظفروا بحقن
دمائهم وسلامة أموالهم عن الغنيمة وأولادهم عن السبى وظفروا بغنائم الجهاد وسائر أحكامٍ
المسلمين ، وعد ذلك نوراً من أنوار الإيمان ، ولما كان ذلك بالإضافة إلى العذاب الدائم قليلاً
قدرت شبههم بمستوقد النار الذي انتفع بضوئها قليلاً ثم سلب ذلك فدامت حيرته وحسرته
للظلمة التي جاءته في أعقاب النور ، فكان يسير انتفاعهم في الدنيا يشبه النور وعظيم ضررهم
في الآخرة يشبه الظلمة . وثالثها : أن نقول ليس وجه التشبيه أن للمنافق نوراً، بل وجه
التشبيه بهذا المستوقد أنه لما زال النور عنه تحیر ، والتحیر فیمن کان في نور ثم زال عنه أشد من
تحير سالك الطريق في ظلمة مستمرة، لكنه تعالى ذكر النور في مستوقد النار لكي يصح أن
يوصف بهذه الظلمة الشديدة ، لا أن وجه التشبيه مجمع النور والظلمة . ورابعها : أن الذي
أظهروه يوهم أنه من باب النور الذي ينتفع به ، وذهاب النور هو ما يظهره لأصحابه من الكفر
والنفاق ، ومن قال بهذا قال إن المثل إنما عطف على قوله ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا
خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم) فالنار مثل لقولهم ((آمنا)) وذهابه مثل لقولهم للكفار (( إنا
معكم )) فإن قيل وكيف صار ما يظهره المنافق من كلمة الإيمان مثلا بالنور وهو حين تكلم بها
أضمر خلافها؟ قلنا إنه لو ضم إلى القول اعتقاداً له وعملا به لأتم النور لنفسه ، ولكنه لما لم
يفعل لم يتم نوره ، وإنما سمى مجرد ذلك القول نوراً لأنه قول حق في نفسه . وخامسها : يجوز
أن يكون استيقاد النار عبارة عن إظهار المنافق كلمة الإيمان وإنما سماه نوراً لأنه يتزين به ظاهره
فيهم ويصير ممدوحاً بسببه فيما بينهم ، ثم إن الله تعالى يذهب ذلك النور بهتك ستر المنافق
بتعريف نبيه وللمؤمن حقيقة أمره فيظهر له اسم النفاق بدل ما يظهر منه من اسم الإيمان فبقي
في ظلمات لا يبصر، إذ النور الذي كان له قبل قد كشف الله أمره فزال وسادسها : أنهم لما
وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار
المضيئة ما حول المستوقد ، والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب الله بنورهم
وتركه إياهم في الظلمات . وسابعها : يجوز أن يكون المستوقد ههنا مستوقد نار لا يرضاها الله
تعالى ، والغرض تشبيه الفتنة التي حاول المنافقون إثارتها بهذه النار ، فإن الفتنة التي كانوا
يثيرونها كانت قليلة البقاء ، ألا ترى إلى قوله تعالى ( كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله )
فخر الرازي ج ٢ م ٦

٨٢
قوله تعالى : مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً.
وثامنها : قال سعيد بن جبير : نزلت في اليهود وانتظارهم لخروج الرسول الله
واستفتاحهم به على مشركي العرب ، فلما خرج كفروا به فكان انتظارهم لمحمد ﴿يَا﴾ كإيقاد
النار ، وکفرهم به بعد ظهوره کزوال ذلك النور.
المسألة الثالثة﴾ فأما تشبيه الإيمان بالنور والكفر بالظلمة فهو في كتاب الله تعالى
كثير، والوجه فيه أن النور قد بلغ النهاية في كونه هادياً إلى المحجة وإلى طريق المنفعة وإزالة
الحيرة وهذا حال الإيمان في باب الدين ، فشبه ما هو النهاية في إزالة الحيرة ووجدان المنفعة فى
باب الدين بما هو الغاية في باب الدنيا ، وكذلك القول في تشبيه الكفر بالظلمة ، لأن الضال
عن الطريق المحتاج إلى سلوكه لا يرد عليه من أسباب الحرمان والتحير أعظم من الظلمة ، ولا
شيء كذلك في باب الدين أعظم من الكفر ، فشبه تعالى أحدهما بالآخر ، فهذا هو الكلام فيما
هو المقصود الكلي من هذه الآية ، بقيت ههنا أسئلة وأجوبة تتعلق بالتعلق بالتفاصيل :
السؤال الأول : قوله تعالى ( مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً) يقتضى تشبيه مثلهم بمثل
المستوقد ، فما مثل المنافقين ومثل المستوقد حتى شبه أحدهما بالآخر؟ والجواب : استعير المثل
للقصة أو للصفة إذا كان لها شأن وفيها غرابة ، كأنه قيل قصتهم العجيبة كقصة الذي استوقد
ناراً، وكذا قوله ( مثل الجنة التي وعد المتقون ) أي فيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة
العجيبة ( ولله المثل الأعلى ) أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة ( ومثلهم في
التوراة ) أي وصفهم وشأنهم المتعجب منه ولما في المثل من معنى الغرابة قالوا : فلان مثله في
الخير والشر، فاشتقوا منه صفة للعجيب الشأن . السؤال الثاني : كيف مثلت الجماعة
بالواحد؟ والجواب من وجوه أحدها : أنه يجوز في اللغة وضع الذي موضع الذين كقوله
(وخضتم كالذي خاضوا) وإنما جاز ذلك لأن ((الذي)) لكونه وصلة إلى وصف كل معرفة
مجملة وكثرة وقوعه في كلامهم ، ولكونه مستطالا بصلته فهو حقيق بالتخفيف ، ولذلك أعلوه
بالحذف فجذفوا ياءه ثم كسرته ثم اقتصروا فيه على اللام وحدها في أسماء الفاعلين والمفعولين .
وثانيها : أن يكون المراد جنس المستوقدين أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد ناراً .
وثالثها ، وهو الأقوى : أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه
الجماعة بالواحد وإنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد . ومثله قوله تعالى ( مثل الذين حملوا
التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار ) وقوله ( ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت )
ورابعها : المعنى ومثل كل واحد منهم كقوله ( يخرجكم طفلا ) أي يخرج كل واحد منكم .
السؤال الثالث : ما الوقود ؟ وما النار؟ وما الاضاءة ؟ وما النور؟ ما الظلمة؟ الجواب : أما
وقود النار فهو سطوعها وارتفاع لهبها ، وأما النار فهو جوهر لطيف مضىء حار محرق ،
واشتقاقها من ((نارينور)) إذا نفر؛ لأن فيها حركة واضطراباً، والنور مشتق منها وهو

٨٣
قوله تعالى (( مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً .
ضوؤها ، والمنار العلامة ، والمنارة هي الشيء الذي يؤذن عليه . ويقال أيضاً للشىء الذى
يوضع السراج عليه ، ومنه النورة لأنها تظهر البدن والاضاءة فرط الانارة ، ومصداق ذلك قوله
تعالى (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً) و((أضاء)) يرد لازماً ومتعدياً. تقول:
أضاء القمر الظلمة ، وأضاء القمر بمعنى استضاء قال الشاعر : -
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم
دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
وأما ما حول الشيء فهو الذي يتصل به ، تقول دار حوله وحواليه ، والحول السنة لأنها
تحول ، وحال عن العهد أي تغير، وحال لونه أي تغير لونه ، والحوالة انقلاب الحق من
شخص إلى شخص ، والمحاولة طلب الفعل بعد أن لم يكن طالباً له ، والحول انقلاب
العين، والحول الانقلاب، قال الله تعالى ( لا يبغون عنها حولا) والظلمة عدم النور، ممامنموقع
شأنه أن يستنير ، والظلمة في أصل اللغة عبارة عن النقصان قال الله تعالى ( آتت أكلها ولم
تظلم منه شيئاً) أي لم تنقص وفي المثل : من أشبه أباه فما ظلم ، أي فما نقص حق الشبه ،
والظلم الثلج لأنه ينتقص سريعاً والظلم ماء السن وطراوته وبياضه تشبيهاً له بالثلج . السؤال
الرابع : أضاءت متعدية أم لا ؟ الجواب : كلاهما جائز، يقال : أضاءت النار بنفسها
وأضاءت غيرها وكذلك أظلم الشيء بنفسه وأظلم غيره أي صيره مظلماً ، وههنا الأقرب أنها
متعدية ، ويحتمل أن تكون غير متعدية مستندة إلى ما حوله والتأنيث للحمل على المعنى لأن ما
حول المستوقد أماكن وأشياء، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة ((ضاء)) السؤال الخامس ؛ هلا
قيل ذهب الله بضوئهم لقوله ( فلما أضاءت ) الجواب : ذكر النور أبلغ لأن الضوء فيه دلالة على
الزيادة ، فلو قيل ذهب الله بضوئهم لأوهم ذهاب الكمال وبقاء ما يسمى نوراً والغرض إزالة
النور عنهم بالكلية . ألا ترى كيف ذكر عقيبه ( وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) والظلمة عبارة
عن عدم النور ، وكيف جمعها ، وكيف نكرها وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة خالصة وهو
قوله ( لا يبصرون ) السؤال السادس : لم قال ( ذهب الله بنورهم) ولم يقل أذهب الله
نورهم والجواب : الفرق بين أذهب وذهب به أن معنى أذهبه أزاله وجعله ذاهباً ، ويقال
ذهب به إذا استصحبه ، ومعنى به معه ، وذهب السلطان بماله أخذه قال تعالى ( فلما ذهبوا به)
( إذا لذهب كل إله بما خلق ) والمعنى أخذ الله نورهم وأمسكه ( وما يمسك فلا مرسل له ) هو
أبلغ من الاذهاب وقرأ اليمانى ( أذهب الله نورهم) . السؤال السابع : ما معنى
( وتركهم ) ؟ والجواب : ترك إذا علق بواحد فهو بمعنى طرح وإذا علق بشيئين كان
بمعنى صير، فيجري مجرى أفعال القلوب ومنه قوله ( وتركهم في ظلمات ) أصله هم في ظلمات
ثم دخل ترك فنصبت الجزءين. السؤال الثامن : لم حذف أحد المفعولين من لا يبصرون؟

٨٤
قوله تعالى : صم بكم عمي فهم لا يرجعون أو كصيب من السماء، سورة البَقَرة
صُمّ بُكُرُّ ◌ُمِىٌّ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿٨) أَوْ كَّصَيِبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِهِ ظُلُمَتُ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ
يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِيْ ءَاذَانِهِم مِّنَ الصَّوَعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَالَهُ مُِطٌ بِالْكَفِرِينَ
ا يَكَادُ الْبَّقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كَمَا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَ إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ
قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ چ
الجواب : أنه من قبيل المتروك الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال ، لا من قبيل المقدر المنوي ،
كان الفعلُ الخَيْرُ مَّتعد الأَصَّلاً.
قوله تعالى ﴿ صم بكم عمى فهم لا يرجعون ﴾.
اعلم أنه لما كان المعلوم من حالهم أنهم كانوا يسمعون وينطقون ويبصرون امتنع حمل.
ذلك على الحقيقة فلم يبق إلا تشبيه حالهم لشدة تمسكهم بالعناد واعراضهم عما يطرق سمعهم
من القرآن وما يظهره الرسول من الأدلة والآيات بمن هو أصم في الحقيقة فلا يسمع ، وإذا لم
يسمع لم يتمكن من الجواب ، فلذلك جعله بمنزلة الأبكم ، وإذا لم ينتفع بالأدلة ولم يبصر
طريق الرشد فهو بمنزلة الأعمى ، أما قوله ( فهم لا يرجعون ) ففيه وجوه . أحدها : أنهم لا
يرجعون عما تقدم ذكره وهو التمسك بالنفاق الذي لأجل تمسكهم به وصفهم الله تعالى بهذه
الصفات فصار ذلك دلالة على أنهم يستمرون على نفاقهم أبداً . وثانيها : أنهم لا يعودون إلى
الهدى بعد أن باعوه ، وعن الضلالة بعد أن اشتروها . وثالثها : أراد أنهم بمنزلة المتحيرين
الذين بقوا خامدين في مكانهم لا يبرحون ، ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون وكيف يرجعون
إلی حیث ابتدأ وا منه.
قوله تعالى ﴿ أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من
الصواعق حذر الموت .
والله محيط بالكافرين . يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا
أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء
قدير ﴾
إعلم أن هذا هو المثل الثاني للمنافقين وكيفية المشابهة من وجوه . أحدها : أنه إذا

٨٥
قوله تعالى : أو كصيب من السماء
حصل السحاب الذي فيه الظلمات والرعد والبرق واجتمع مع ظلمة السحاب ظلمة الليل
وظلمة المطر عند ورود الصواعق عليهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت
وأن البرق يكاد يخطف أبصارهم ، فإذا أضاء لهم مشوا فيه ، وإذا ذهب بقوا في ظلمة عظيمة
فوقفوا متحيرين لأن من أصابه البرق في هذه الظلمات الثلاث ثم ذهب عنه تشتد حيرته .
وتعظم الظلمة في عينه ، وتكون له مزية على من لم يزل في الظلمة ، فشبه المنافقين في حيرتهم
وجهلهم بالدين بهؤلاء الذين وصفهم ، إذ كانوا لا يرون طريقاً ولا يهتدون ، وثانيها ، أن
المطر وإن كان نافعاً إلا أنه لما وجد في هذه الصورة مع هذه الأحوال الضارة صار النفع به
زائلاً ، فكذا إظهار الإيمان نافع للمنافق لو وافقه الباطن : فإذا فقد منه الاخلاص وحصل معه
النفاق صار ضررا في الدين . وثالثها : أن من نزل به هذه الأمور مع الصواعق ظن المخلص
منها أن يجعل أصابعه في أذنيه وذلك لا ينجيه مما يريده تعالى به من هلاك وموت ، فلما تقرر
ذلك في العادات شبه تعالى حال المنافقين في ظنهم أن إظهارهم للمؤمنين ما أظهروه ينفعهم ،
مع أن الأمر في الحقيقة ليس كذلك بما ذكر ورابعها : أن عادة المنافقين كانت هي التأخر عن
الجهاد فرارا من الموت والقتل ، فشبه الله حالهم في ذلك بحال من نزلت هذه الأمور به وأراد
دفعها يجعل اصبعيه في أذنيه . وخامسها : أن هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم وإن
تخلصوا عن الموت في تلك الساعة فإن الموت والهلاك من ورائهم لا مخلص لهم منه فكذلك حال
المنافقين في أن الذين يخوضون فيه لا يخلصهم من عذاب النار . وسادسها : أن من هذا حاله
فقد بلغ النهاية في الحيرة لاجتماع أنواع الظلمات وحصول أنواع المخافة ، وحصل في المنافقين
نهاية الحيرة في باب الدين ونهاية الخوف في الدنيا لأن المنافق يتصور في كل وقت أنه لو حصل
الوقوف على باطنه لقتل ، فلا يكاد الوجل والخوف يزول عن قلبه مع النفاق . وسابعها : المراد
من الصيب هو الإيمان والقرآن ، والظلمات والرعد والبرق هو الأشياء الشاقة على المنافقين ،
وهي التكاليف الشاقة من الصلاة والصوم وترك الرياسات والجهاد مع الآباء والأمهات ، وترك
الأديان القديمة ، والانقياد لمحمد ◌ّ مع شدة استنكافهم عن الانقياد له فكما أن الانسان يبالغ
في الاحتراز عن المطر الصيب الذي هو أشد الأشياء نفعاً بسبب هذه الأمور المقارنة ، فكذا
المنافقون يحترزون عن الإيمان والقرآن بسبب هذه الأمور المقارنة ، والمراد من قوله ( كلما أضاء
لهم مشوا فيه) أنه متى حصل لهم شيء من المنافع ، وهي عصمة اموالهم ودمائهم وحصول
الغنائم لهم فانهم يرغبون في الدين ( وإذا أظلم عليهم قاموا ) أي متى لم يجدوا شيئاً من تلك
المنافع فحينئذ يكرهون الإيمان ولا يرغبون فيه ، فهذه الوجوه ظاهرة في التشبيه . وبقي على
الآية الأسئلة والأجوبة . السؤال الأول : أي التمثيلين أبلغ ؟ والجواب : التمثيل الثاني .
لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأغاليظ، ولذلك تراهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى

٨٦
قوله تعالى : أو كصيب من السماء
الأغلظ . السؤال الثاني : لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك ؟ الجواب من
وجوه. أحدها: لأن ((أو)) في أصلها تساوي شيئين فصاعداً في الشك ، ثم اتسع فيها
فاستعيرت التساوي في غير الشك . كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين تريد أنهما سيان في
استصواب أن تجالس أيهما شئت ، ومنه قوله تعالى ( ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً) أي أن
الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما ، فكذا قوله ( أو كصيب ) معناه أن لا كيفية
المنافقين شبيهة بكيفيتي هاتين القصتين ، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب ، وإن مثلتها بهما جميعاً.
فكذلك . وثانيها : إنما ذكر تعالى ذلك لأن المنافقين قسمان بعضهم يشبهون أصحاب النار،
وبعضهم يشبهون أصحاب المطر ، ونظيره قوله تعالى ( وقالوا كونوا هوداً أو نصارى ) وقوله
( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنابياتا أوهم قائد الآية ثالثها أو بمعنى بل قال تعالى
( وأرسلناه إلى مائة ألف أو یزیدون ) ورابعها : أو بمعنى الواو کأنه قال وکصيب من السماء
نظيره قوله تعالى ( أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم ) وقال الشاعر:
لنفسي تقاها أو عليها فجورها
وقد زعمت ليلى بأني فاجر
وهذه الوجوه مطردة في قوله ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد
قسوة) السؤال الثاني : المشبه بالصيب والظلمات والرعد والبرق والصواعق ما هو؟
الجواب : لعلماء البيان ههنا قولان . أحدهما : أن هذا تشبيه مفرق ومعناه أن يكون المثل
مركباً من أمور والممثل يكون أيضاً مركباً من أمور ويكون كل واحد من المثل شبيهاً بكل واحدا
من الممثل ، فههنا شبه دين الإسلام بالصيب ، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر ، وما
يتعلق به من شبهات الكفار بالظلمات ، وما فيه من الوعد والوعيد بالبرق والرعد ؛ وما يصيب
الكفرة من الفتن ومن جهة أهل الاسلام بالصواعق ، والمعنى أو كمثل ذوي ضيب ، والمراد
كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة : والقول الثاني : أنه تشبيه مركب ، وهو الذي
يشبه فيه احدى الجملتين بالأخرى في أمر من الأمور وإن لم تكن أحاد إحدى الجملتين شبيهة
بآحاد الأخرى وههنا المقصود تشبيه حيرة المنافقین فی الدنیا والدین بحيرة من انطفت ناره بعد
إيقادها ، وبحيرة من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق ، فإن قيل الذي كنت
تقدره في التشبيه المفرق من حذف المضاف وهو قولك : أو کمثل ذوی صیب هل يقدر مثله أي
المرکب ، قلنا لولا طلب الراجع في قوله ( يجعلون أصابعھم فی آذانهم ) ما یرجع إليه لما کان بنا
حاجة إلى تقديره : السؤال الرابع ما الصيب ؟ الجواب : انه المطر الذي يصوب ، أي ينزل
من صاب يصوب إذا نزل ومنه صوب رأسه إذا خفضه وقيل إنه من صاب يصوب إذا قصد ،
ولا يقال صيب إلا للمطر الجود. كان عليه الصلاة والسلام يقول ((اللهم أجعله صيباً هنيئاً))
أي مطراً جوداً وأيضاً يقال للسحاب صيب قال الشماخ :

٨٧
قوله تعالى : أو كصيب من السماء
* وأسحم دان صادق الوعد صيب *
وتنكير صيب لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل ، كما تنكرت النار في التمثيل الأول ،
وقرىء أو كصائب وصيب أبلغ : والسماء هذه المظلة . السؤال الخامس : قوله من السماء .
ما الفائدة فيه والصيب لا يكون إلا من السماء؟ والجواب من وجهين . الأول: لوقال . أو
كصيب فيه ظلمات . احتمل أن يكون ذلك الصيب نازلاً من بعض جوانب السماء دون
بعض ، أما لما قال من السماء دل على أنه عام مطبق آخذ بآفاق السماء فكما حصل في لفظ
الصيب مبالغات من جهة والتركيب والتنكير أيد ذلك بأن جعله مطبقاً ، الثاني : من الناس
من قال : المطر إنما يحصل من ارتفاع أبخرة رطبة من الأرض إلى الهواء فتنعقد هناك من شدة
برد الهواء ثم تنزل مرة أخرى ، فذاك هو المطر ثم إن الله سبحانه وتعالى أبطل ذلك المذهب
ههنا بأن بين أن ذلك الصيب نزل من السماء ، وكذا قوله ( وأنزلنا من السماء ماء طهوراً)
وقوله ( وينزل من السماء من جبال فيها من برد ) السؤال السادس ما الرعد والبرق ؟ الجواب
الرعد الصوت الذي يسمع من السحاب كان أجرام السحاب تضطرب وتنتقض وترتعد إذا
أخذاتها الريح فصوت عند ذلك من الارتعاد والبرق الذي يلمع من السحاب من برق الشيء
بريقاً إذا لمع . السؤال السابع : الصيب هو المطر والسحاب فأيهما أريد فما ظلماته ؟
الجواب : أما ظلمات السحاب فإذا كان أسحم مطبقاً فظلمته سحمته وتطبيقه مضمومة اليهما
ظلمة الليل ، وأما ظلمة المطر فظلمته تكاثفه وانسجامه بتتابع القطر وظلمته اظلال الغمامة
مع ظلمة الليل . السؤال الثامن : كيف يكون المطر مكاناً للرعد والبرق وإنما مكانهما
السحاب . الجواب : لما كان التعليق بين السحاب والمطر شديداً جاز إجراء أحدهما مجرى
الآخر في الأحكام . السؤال التاسع : هلا قبل رعود وبروق كما قيل ظلمات ؟ الجواب :
الفرق أنه حصلت أنواع مختلفة من الظلمات على الاجتماع فاحتيج إلى صيغة الجمع ، أما
الرعد فإنه نوع واحد ، وكذا البرق ولا يمكن اجتماع أنواع الرعد والبرق في السحاب الواحد
فلا جرم لم يذكر فيه لفظ الجمع . السؤال العاشر: لم جاءت هذه الأشياء منكرات .
الجواب : لأن المراد أنواع منها ، كأنه قيل فيه ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف .
السؤال الحادي عشر: إلى ماذا يرجع الضمير في يجعلون . الجواب : إلى أصحاب الصيب وهو
وإن كان محذوفاً في اللفظ لكنه باق في المعنى ولا محل لقوله يجعلون لكونه مستأنفاً لأنه لما ذكر
الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول فكأن قائلاً قال فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد فقيل
يجعلون أصابعهم فى آذانهم ثم قال فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق فقال ( يكاد البرق يخطف
أبصارهم ) السؤال الثاني عشر: رءوس الأصابع هي التي تجعل في الآذان فهلا قيل أناملهم ؟
الجواب : المذكور وإن كان هو الأصبع لكن المراد بعضه كما في قوله ( فاقطعوا أيديهما ) المراد

٨٨
قوله تعالى : يكاد البرق يخطف أبصارهم
بعضهما . السؤال الثالث عشر: ما الصاعقة ؟ الجواب : إنها قصف رعد ينقض منها شعلة من
نار وهي نار لطيفة قوية لا تمر بشيء إلا أتت عليه إلا أنها مع قوتها سريعة الخمود . السؤال
الرابع عشر: ما إحاطة الله بالكافرين . الجواب : إنه مجاز والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا
يفوت المحاط به المحيط به حقيقة ثم فيه ثلاثة أقوال . أحدها أنه عالم بهم قال تعالى وأن الله
قد أحاط بكل شيء علماً) وثانيها : قدرته مستولية عليهم ( والله من وراءهم محيط) وثالثها :
يهلكهم من قوله تعالى ( إلا أن يحاط بكم ) السؤال الخامس عشر: ما الخطف . الجواب : أنه
الأخذ بسرعة ، وقرأ مجاهد يخطف بكسر الطاء والفتح أفصح وعن ابن مسعود يختطف وعن
الحسن يخطف بفتح الياء والخاء وأصله يختطف، وعنه يخطف بكسرهما على اتباع الياء الخاء ،
وعن زيد بن علي : يخطف من خطف وعن أبي يتخطف من قوله ( ويتخطف الناس من
حولهم ) أما قوله تعالى ( کلما أضاء لهم مشوا فيه ) فهو استئناف ثالث کأنه جواب لمن يقول
كيف يصنعون في حالة ، ظهور البرق وخفائه والمقصود تمثيل شدة الأمر على المنافقين بشدتهٍ
على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون إذا صادفوا من
البرق خفقة مع خوف أن يخطف أبصارهم انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة ،أ
فإذا خفي وفتر لمعانه بقوا واقفين متقيدين عن الحركة ، ولو شاء الله لزاد في قصف الرعد
فأصمهم ، وفي ضوء البرق فأعماهم . وأضاء إما متعد بمعنى كلما نور لهم مسلكاً أخذوه ،!
فالمفعول محذوف، وإما غير متعد بمعنى كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره ، ويعضده قراءة ابن
أبي عبلة ((كلما ضاء)) فان قبل كيف قال مع الاضاءة كلما ، ومع الاظلام إذا : قلنا لأنهم
حراص على إمكان المشي ، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها وليس كذلك التوقف، والأقرب
في أظلم أن يكون غير متعد وهو الظاهر ، ومعنى قاموا وقفوا وثبتوا في مكانهم ، ومنه قامت
السوق ، وقام الماء جمد ، ومفعول شاء محذوف لأن الجواب يدل عليه والمعنى ولو شاء الله أن
يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بهما وههنا مسألة، وهي أن المشهور أن ((لو)) تفيد انتفاء
الشيء لانتفاء غيره ، ومنهم من أنكر ذلك وزعم أنها لا تفيد إلا الربط واحتج عليه بالآية.
والخبر، أما الآية فقوله تعالى ( ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم
معرضون ) فلو أفادت كلمة لو انتفاء الشيء لا انتفاء غيره للزم التناقض لأن قوله ( ولو علم الله
فيهم خيراً لأسمعهم) يقتضي أنه ما علم فيهم خيراً وما أسمعهم وقوله ( ولو أسمعهم لتولوا
وهم معرضون ) يفيد أنه تعالى ما أسمعهم وأنهم ما تولوا ولكن عدم التولی خیر فلزم أن يكون
قد علم فيهم خيراً، وما علم فيهم خيراً وأما الخبر فقوله عليه السلام ((نعم الرجل صهيب لو
لم يخف الله لم يعصه )) فعلى مقتضى قولهم يلزم أنه خاف وعصاه وذلك متناقض ، فقد علمنا
أن كلمة ((لو)) لا تفيد إلا الربط والله أعلم .

٨٩
قوله تعالى : يكاد البرق يخطف أبصارهم .
وأما قوله ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ منهم من استدل به على أن المعدوم شيء قال لأنه تعالى أثبت القدرة
على الشيء ، والموجود لا قدرة عليه لاستحالة إيجاد الموجود ، فالذي عليه القدرة معدوم وهو
شىءٍ فالمعدوم شىء . والجواب : لو صح هذا الكلام لزم أن ما لا يقدر الله عليه لا يكون
شيئاً ، فالموجود لما لم يقدر الله عليه وجب أن لا يكون شيئاً .
المسألة الثانية ﴾ احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء ، قال لأنها تدل على
أن كل شيء مقدور لله والله تعالى ليس بمقدور له ، فوجب أن لا يكون شيئاً ، واحتج أيضاً
على ذلك بقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) قال لو كان هو تعالى شيئاً لكان تعالى مثل نفسه فكان
يكذب قوله ( ليس كمثله شىء ) فوجب أن لا يكون شيئاً حتى لا تتناقض هذه الآية ، واعلم
أن هذا الخلاف في الاسم ، لأنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم، واحتج أصحابنا بوجهين .
الأول : قوله تعالى ( قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ) والثاني قوله تعالى ( كل شيء هالك إلا
وجهه ) والمستثنى داخل في المستثنى منه فيجب أن يكون شيئاً .
﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن مقدور العبد مقدور لله تعالى
خلافاً لأبي علي وأبي هاشم ، وجه الاستدلال أن مقدور العبد شيء ، وكل شيء مقدور لله
تعالى بهذه الآية فيلزم أن يكون مقدور العبد مقدوراً لله تعالى .
المسألة الرابعة ﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المحدث حال حدوثه مقدور لله
خلافاً للمعتزلة ، فإنهم يقولون : الاستطاعة قبل الفعل محال ، فالشيء أنما يكون مقدوراً قبل
حدوثه ، وبيان استدلال الأصحاب أن المحدث حال وجوده شيء ، وكل شيء مقدور ، وهذا
الدليل يقتضى كون الباقي مقدوراً ترك العمل به فبقي معمولاً به في محل النزاع ، لأنه حال
البقاء مقدوره ، على معنى أنه تعالى قادر على إعدامه ، أما حال الحدوث ، فيستحيل أن يقدر
الله على إعدامه لاستحالة أن يصير معدوماً في أول زمان وجوده ، فلم يبق إلا أن يكون قادراً
على إيجاده .
﴿ المسألة الخامسة﴾ تخصيص العام جائز في الجملة، وأيضاً تخصيص العام جائز بدليل
العقل ، لأن قوله ( والله على كل شيء قدير ) يقتضى أن يكون قادراً على نفسه ثم خص بدليل
العقل ، فإن قیل إذا کان اللفظ موضوعاً للکل ثم تبين أنه غير صادق فی الکل کان هذا كذباً ،
وذلك يوجب الطعن في القرآن . قلنا : لفظ الكل كما أنه يستعمل في المجموع ، فقد يستعمل
مجازاً في الأكثر ، وإذا كان ذلك مجازاً مشهوراً في اللغة لم يكن استعمال اللفظ فيه كذباً والله
أعلم .

٩٠
قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم سورة البَفَرة
يَّهَا النَّاسُ أَعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ نَتَّقُونَ (َ الَّذِى
جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاثًا وَاَلَّمَاءَ بِنَآءُ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأْرَجَ بِهِهِ مِنَ
الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَ تَجْعَلُواْ بِِّ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلُونَ (
القول فى إقامة الدلالة على التوحيد والنبوة والمعاد
أما التوحيد فقوله تعالى ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم
لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من
الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ﴾ .
اعلم أن في هذه الآيات مسائل : -
﴿ المسألة الأولى﴾ أن الله تعالى لما قدم أحكام الفرق الثلاثة، أعني المؤمنين والكفار
والمنافقين . أقبل عليهم بالخطاب ، وهو من باب الالتفات المذكور في قوله تعالى ( إياك نعبد
وإياك نستعين ) وفيه فوائد أحدها : أن فيه مزيد هز وتحريك من السامع كما أنك إذا قلت
لصاحبك حاكياً عن ثالث : إن فلاناً من قصته كيت وكيت ، ثم تخاطب ذلك الثالث فقلت :
يا فلان من حقك أن تسلك الطريقة الحميدة في مجاري أمورك ، فهذا الانتقال من الغيبة إلى
الحضور يوجب مزيد تحريك لذلك الثالث . وثانيها : كأنه سبحانه وتعالى يقول : جعلت
الرسول واسطة بيني وبينك أولا ، ثم الآن أزيد في إكرامك وتقريبك ، فأخاطبك من غير
واسطة ، ليحصل لك مع التنبيه على الأدلة ، شرف المخاطبة والمكالمة . وثالثها : أنه مشعر بأن
العبد إذا كان مشتغلاً بالعبودية فإنه يكون أبداً في الترقي ، بدليل أنه في هذه الآية ؛ انتقل من
الغيبة إلى الحضور . ورابعها : أن الآيات المتقدمة كانت في حكاية أحوالهم ، وأما هذه
الآيات فإنها أمر وتكليف، ففيه كلفة ومشقة فلا بد من راحة تقابل هذه الكلفة ، وتلك
الراحة هي أن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين ويخاطبهم بذاته ، كما أن العبد إذا ألزم
تكليفاً شاقاً فلوشافهه المولى وقال أريد منك أن تفعل كذا فإنه يصير ذلك الشاق لذيذاً لأجل
ذلك الخطاب :
المسألة الثانية﴾ حكي عن علقمة والحسن أنه قال: كل شيء في القرآن ( يا أيها
الناس ) فإنه مكي ، وما كان ( يا أيها الذين آمنوا ) فبالمدينة ، قال القاضي : هذا الذي ذكروه

٩١
قوله تعالى : يا أيها الناس عبدوا ربكم .
إن كان الرجوع فيه إلى النقل فمسلم ، وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة
دون مكة فهذا ضعيف ، لأنه يجوز أن يخاطب المؤمنين مرة بصفتهم ، ومرة باسم جنفيهم ،
وقد يؤمر من ليس بمؤمن بالعبادة ، كما يؤمر المؤمن بالاستمرار على العبادة والازدياد منها ،
فالخطاب في الجميع ممكن .
﴿ المسألة الثالثة﴾ إعلم أن الألفاظ في الأغلب عبارات دالة على أمور هى: إما
الألفاظ أو غيرها ، أما الألفاظ فهي: كالاسم والفعل والحرف، فإن هذه الألفاظ الثلاثة يدل
كل واحد منها على شيء ، هو في نفسه لفظ مخصوص ، وغير الألفاظ: فكالحجر والسماء
والأرض ، ولفظ النداء لم يجعل دليلا على شيء آخر ، بل هو لفظ يجري مجرى عمل بعمله
عامل لأجل التنبيه . فأما الذين فسروا قولنا (( يا زيد)) بأنادي زيد أخاطب زيداً فهو خطأ من
وجوه . أحدها : أن قولنا . أنادي زيداً ، خبر يحتمل التصديق والتكذيب ، وقولنا يا زيد ،
لا يحتملها . وثانيها : أن قولنا يا زيد ، يقتضى صيرورة زيد منادى في الحال ، وقولنا أنادي
زيداً، لا يقتضى ذلك ، وثالثها : أن قولنا يا زيد يقتضى صيرورة زيد مخاطباً بهذا الخطاب
وقولنا أنادي زيداً لا يقتضي ذلك لأنه لا يمتنع أن يخبر إنساناً آخر بأني أنادي زيداً.
ورابعها : أن قولنا أنادي زيداً ، إخبار عن النداء ، والاخبار عن النداء غير النداء ، والنداء
هو قولنا يا زيد ، فاذن قولنا أنادي زيداً، غير قولنا يا زيد ، فثبت بهذه الوجوه فساد هذا.
القول . ثم ههنا نكتة نذكرها وهي : أن أقوى المراتب الاسم ، وأضعفها الحرف، فظن قوم
أنه لا يأتلف الاسم بالحرف، وكذا أعظم الموجودات هو الحق سبحانه وتعالى، وأضعفها
البشر (وخلق الانسان ضعيفاً) فقال الملائكة : أي مناسبة بينهما ( أتجعل فيها من يفسد فيها (
فقيل قد يأتلف الاسم مع الحرف في حال النداء ، فكذا البشر يصلح لخدمة الرب حال النداء
والتضرع ( ربنا ظلمنا أنفسنا ، وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) .
المسألة الرابعة﴾ ((ياء)) حرف وضع في أصله لنداء البعيد وإن كان لنداء القريب
لكن لسبب أمر مهم جداً ، وأما نداء القريب فله : أي والهمزة ، ثم استعمل في نداء من سها
وغفل وإن قرب تنزيلاً له منزلة البعيد . فإن قيل فلم يقول الداعي يا رب يا الذ (وهو أقرب إليه
من حبل الوريد) قلنا هو استبعاد لنفسه من مظان الزلفى وما يقربه إلى منازل المقربين هضماً
لنفسه وإقراراً عليها بالتنقيص حتى يتحقق الأجابة بمقتضى قوله ((أنا عند المنكسرة قلوبهم من
أجلي)) أو لأجل أن إجابة الدعاء من أهم المهمات للداعي.
المسألة الخامسة﴾ ((أي)) وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام كما أن ((ذو))
و ((الذي)) وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل ، وهو اسم مبهم

٩٢
قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم .
يفتقر إلى ما يزيل إبهامه ، فلا بد وأن يردفه اسم جنس ، أو ما يجري مجراه يتصف به حتى
يحصل المقصود بالنداء فالذي يعمل فيه حرف النداء هو أي والاسم التابع له صفة كقولك يا
زيد الظريف إلا أن الآ يستقل بنفسه استقلال زيد فلم ينفك عن الصفة وموصوفها وأما
كلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها ففيها فائدتان . الأولى : معاضدة حرف النداء
بتأكيد معناه . والثانية : وقوعها عوضاً مما يستحقه أى من الاضافة وإنما كثر في كتاب الله
تعالى النداء على هذه الطريقة لاستقلاله بهذه التأکیدات والمبالغات فإن كل ما نادى الله به عباده
من الأوامر والنواهي ، والوعد والوعيد ، واقتصاص أخبار المتقدمين بأمور عظام ، وأشياء
يجب على المستمعين أن يتيقظوا لها مع أنهم غافلون عنها ، فلهذا وجب أن ينادوا بالأبلغ
الآكد .
المسألة السادسة ﴾ اعلم أن قوله ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) يقتضى أن الله تعالى
أمر كل الناس بالعبادة فلو خرج البعض عن هذا الخطاب لكان ذلك تخصيصاً للعموم . وههنا
أبحاث . البحث الأول : أن لفظ الجمع المعرف بلام التعريف يفيد العموم ، والخلاف فيه مع
الأشعري والقاضي أبي بكر وأبي هاشم ، لنا أنه يصح تأكيده بما يفيد العموم كقوله ( فسجد
الملائكة كلهم أجمعون ) ولو لم يكن اللفظ في أصله للعموم لما كان قوله ( كلهم ) تأكيداً بل
بياناً ولأنه يصح استثناء كل واحد من الناس عنه والاستثناء يخرج ما لولاه لدخل فوجب أن
يفيد العموم وتمام تقريره في أصول الفقه . البحث الثاني : لما ثبت أن قوله تعالى ( يا أيها
الناس ) یتناول جمیع الناس الذين كانوا موجودين في ذلك العصر فهل يتناول الذین سیوجدون
بعد ذلك أم لا ؟ والأقرب أنه لا يتناولهم ؛ لأن قوله ( يا أيها الناس ) خطاب مشافهه وخطاب
المشافهة مع المعدوم لا يجوز ، وأيضاً فالذین سیوجدون بعد ذلك ما كانوا موجودين في تلك
الحالة ، وما لا یکون موجوداً لا یکون إنساناً وما لا یکون إنساناً لا يدخل تحت قوله ( يا أيها
الناس ) فإن قيل : فوجب أن لا يتناول شيء من هذه الخطابات الذين وجدوا بعد ذلك
الزمان وأنه باطل قطعاً . لو لم يوجد دليل منفصل لكان الأمر كذلك إلا أنا عرفنا بالتواتر من
دين محمد ر أن تلك الخطابات ثابتة في حق من سيوجد بعد ذلك إلى قيام الساعة فلهذه
الدلالة المنفصلة حكمنا بالعموم . البحث الثالث : قوله ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) أمر
للكل بالعباد فهل يفيد أمر الكل بكل عبادة ؟ الحق لا ، لأن قوله اعبدوا معناه ادخلوا هذه
الماهية في الوجود ، فإذا أتوا بفرد من أفراد الماهية في الوجود فقد أدخلوا الماهية الوجود لأن
الفرد من أفراد الماهية مشتمل على الماهية لأن هذه العبادة عبارة عن العبادة مع قيد كونها هذه
ومتى وجد المركب فقد وجد قيداه ، فالآتي بفرد من أفراد العبادة آت، والآتي بالعبادة آت
بتمام ما اقتضاه قوله ( اعبدوا) وإذا كان كذلك وجب خروجه عن العهدة فإن أردنا أن نجعله

٩٣
قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم .
دالاً على العموم نقول: الأمر بالعبادة لا بد وأن يكون لأجل كونها عبادة لأن ترتيب الحكم على
الوصف معشر بعلية الوصف، لا سيما إذا كان الوصف مناسباً للحكم، وههنا كون العبادة
عبادة يناسب الأمر بها ، لما ان العبادة عبارة عن تعظيم الله تعالى وإظهار الخضوع له وكل ذلك
مناسب في العقول ، وإذا ثبت أن كونه عبادة علة للأمر بها وجب في كل عبادة أن يكون
مأموراً بها ، لأنه أينما حصلت العلة وجب حصول الحكم لا محالة . البحث الربع : لقائل أن
يقول : قوله ( يا أيها الناس اعبدوا ) لا يتناول الكفار البتة لأن الكفار لا يمكن أن يكونوا
مأمورين بالإيمان ، وإذا امتنع ذلك امتنع أن يكونوا مأمورين بالعبادة ، أما أنه لا يمكن أن
یکونوا مأمورین بالإيمان فلأن الأمر بمعرفة الله تعالی إما أن يتناوله حال کونه غیر عارف بالله
تعالى أو حال كونه عارفاً بالله تعالى ، أما إن تناوله حال كونه غير عارف بالله فيستحيل أن يكون
عارفاً بأمر الله تعالى لأن العلم بالصفة مع الجهل بالذات محال فلو تناوله الأمر في هذه الحالة
لكان قد تناوله الأمر في حال يستحيل منه أن يعرف كونه مأموراً بذلك الأمر ، وذلك تكليفما
لا يطاق ، وإن تناوله الأمر بالمعرفة حال كونه عارفاً بالله فذلك محال ، لأنه أمر بتحصيل
الحاصل ، وذلك غير ممكن . فثبت أن الكافر يستحيل أن يكون مأموراً بتحصيل المعرفة ،
وإذا استحال ذلك استحال أن يكون مأموراً بالعبادة لأنه إما أن يؤمر بالعبادة قبل المعرفة وهو
محال لأن عبادة من لا يعرف ممتنعة أو يؤمر بالعبادة بعد المعرفة إلا أن على هذا التقدير يكون
الأمر بالعبادة موقوفاً على الأمر بالمعرفة فلما كان الأمر بالمعرفة ممتنعاً كان الأمر بالعبادة أيضاً
ممتنعاً ، وأيضاً يستحيل أن يكون هذا الخطاب مع المؤمنين ، لأنهم يعبدون الله فأمرهم
. بالعبادة يكون أمراً بتحصيل الحاصل وهو محال . والجواب : من الناس من قال : الأمر
بالعبادة مشروط بحصول المعرفة ، كما أن الأمر بالزكاة مشروط بحصول ملك النصاب ،
وهؤلاء هم القائلون بأن المعارف ضرورية ، وأما من لم يقل بذلك استدل بهذه الآية على أن
المعارف ليست ضرورية فقال : الأمر بالعبادة حاصل ، والعبادة لا تمكن إلا بالمعرفة ، والأمر
بالشيء أمر بما هو من ضرورياته ، كما أن الطهارة إذا لم تصح إلا بإحضار الماء كان إحضار
الماء واجباً ، والدهري لا يصح منه تصديق الرسول إلا بتقديم معرفة الله تعالى . فوجبت ،
والمحدث لا تصح منه الصلاة إلا بتقديم الطهارة فوجبت ، والمودع لا يمكنه رد الوديعة إلا
بالسعي إليها ، فكان السعي واجباً ، فكذا ههنا يصح أن يكون الكافر مخاطباً بالعبادة وشرط
· الاتيان بها الاتيان بالإيمان أولا ثم الاتيان بالعبادة بعد ذلك . بقي لهم ، الأمر بتحصيل المعرفة
محال ، قلنا هذه المسألة مستقصاة في الأصول والذي نقول ههنا أن هذا الكلام وإن تم فی کل
ما يتوقف العلم يكون الله آمراً على العلم به ، فإنه لا يجري فيما عدا ذلك من الصفات . فلم لا
يجوز ورود الأمر بذلك ؟ سلمنا ذلك فلم لا يجوز أن يقال هذا الأمر يتناول المؤمنين ؟ قوله

٩٤
قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم .
لأنه يصير ذلك أمراً بتحصيل الحاصل وهو محال ، قلنا لما تعذر ذلك فنحمله إما على الأمر؛
بالاستمرار على العبادة أو على الأمر بالازدياد منها ، ومعلوم أن الزيادة على العبادة عبادة ،!
فصح تفسير قوله ( اعبدوا)) بالزيادة في العبادة . البحث الخامس : قال منكزو التكليف : لا
يجوز ورود الأمر من الله تعالى بالتكليف لوجوه . أحدها : أن التكليف إما أن يتوجه على
العبد حال استواء دواعيه إلى الفعل أو الترك أو حال رجحان أحدهما على الآخر ، فإن كان
الأول فهو محال ، لأن في حال الاستواء يمتنع حصول الترجيح لأن الاستواء يناقض الترجيح.
فالجمع بينهما محال والتكلیف بالفعل حال استواء الداعیین تكلیفبما لا يطاق ، وإن كان الثاني
فالراجح واجب الوقوع ، لأن المرجوح حال ما كان مساوياً للراجح كان ممتنع الوقوع ، وإلا!
فقد وقع الممكن لا عن مرجح ، وإذا كان حال الاستواء ممتنع الوقوع فبأن يصير حالة
المرجوحية ممتنع الوقوع أولى وإذا كان المرجوح ممتنع الوقوع كان الراجح واجب الوقوع
ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين إذا ثبت هذا فالتكليف إن وقع بالراجح كان التكليف
تکلیفاً بإيجاد ما يجب وقوعه ، وإن وقع بالمرجوح کان التكليفتكلیفاً بما يمتنع وقوعه ، وكلاهما
تكليف ما لا يطاق . وثانيها : أن الذي ورد به التكليف إما أن يكون قد علم الله في الأزل
وقوعه ، أو علم أنه لا يقع أو لم يعلم لا هذا ولا ذاك ، فإن كان الأول كان واجب الوقوع
ممتنع العدم فلا فائدة في ورود الأمر به ، وإن علم وقوعه كان ممتنع الوقوع واجب العدم ،
فکان الأمر بایقاعه أمرا بإيقاع الممتنع وإن لم یعلم لا هذا ولا ذاك کان ذلك قولاً بالجهل على
الله تعالى وهو محال ، ولأن بتقدير أن يكون الأمر كذلك فإنه لا يتميز المطيع عن العاصي ،
وحينئذ لا يكون في الطاعة فائدة . وثالثها : أن ورود الأمر بالتكاليف إما أن يكون لفائدة أو
لا لفائدة ، فإن كان لفائدة فهي إما عائدة إلى المعبود أو إلى العابد أما إلى المعبود فمحال لأنه.
كامل لذاته . والكامل لذاته لا يكون كاملاً بغيره ، ولأنا نعلم بالضرورة أن الإله العالي على
الدهر والزمان يستحيل أن ينتفع بركوع العبد وسجوده ، وأما إلى العابد فمحال ؛ لأن جميع
الفوائد محصورة في حصول اللذة ودفع الألم ، وهو سبحانه وتعالى قادر على تحصيل كل ذلك .
للعبد ابتداء من غير توسط هذه المشاق فيكون توسطها عبثاً ، والعبث غير جائز على الحكيم .
ورابعها أن العبد غير موجود لأفعاله لأنه غير عالم بتفاصيلها ومن لا يعلم تفاصيل الشيء لا
يكون موجداً له وإذا لم يكن العبد موجداً لأفعال نفسه فإن أمره بذلك الفعل حال ما خلقه فيه
فقد أمره بتحصيل الحاصل ، وإن أمره به حال ما لم يخلقه فيه فقد أمره بالمحال وكل ذلك
باطل . وخامسها : أن المقصود من التكليف إنما هو تطهير القلب على ما دلت عليه ظواهر
القرآن فلو قدرنا إنساناً مشتغل القلب دائماً بالله تعالى وبحيث لو اشتغل بهذه الأفعال الظاهرة
لصار ذلك عائقاً له عن الاستغراق في معرفة الله تعالى وجب أن يسقط عنه هذه التكاليف

٩٥
قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم .
الظاهرة ، فإن الفقهاء والقياسيين قالوا إذا لاح المقصود والحكمة في التكاليف وجب اتباع
الأحكام المعقولة لا اتباع الظواهر . والجواب : عن الشبه الثلاثة الأول من وجهين . الأول :
أن أصحاب هذه الشبه أوجبوا بما ذكر وه اعتقاد عدم التكاليف فهذا تكليف ينفي التكليف وأنه
متناقض . الثاني أن عندنا يحسن من الله تعالى كل شيء سواء كان ذلك تكليف ما لا يطاق أو
غيره لأنه تعالى خالق مالك ، والمالك لا اعتراض عليه في فعله . البحث السادس : قالوا :
الأمر بالعبادة وإن كان عاماً لكل الناس لكنه مخصوص في حق من لا يفهم كالصبي والمجنون
والغافل والناسي ، وفي حق من لا يقدر لقوله تعالى ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) .
ومنهم من قال إنه مخصوص في حق العبيد ، لأن الله تعالى أوجب عليهم طاعة
مواليهم ، واشتغالهم بطاعة الموالى يمنعهم عن الاشتغال بالعبادة ، والأمر الدال على وجوب
طاعة المولى أخص من الأمر الدال على وجوب العبادة والخاص يقدم على العام والكلام في هذا
المعنى مذكور في أصول الفقه .
﴿ المسألة السابعة ﴾ قال القاضي: الآية تدل على أن سبب وجود العبادة ما بينه من
خلقه لنا والانعام علينا , واعلم أن أصحابنا يحتجون بهذه الآية على أن العبد لا يستحق بفعله
الصواب لأنه لما كان خلقه إيانا وإنعامه علينا سبباً لوجوب العبادة فحينئذ يكون اشتغالنا
بالعبادة أداء الواجب ، والانسان لا يستحق بأداء الواجب شيئاً فوجب أن لا يستحق العبد
على العبادة ثواباً على الله تعالى أما قوله ( ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون )
ففيه مسائل .
المسألة الأولى ) اعلم أنه سبحانه لما أمر بعبادة الرب أردفه بما يدل على وجود
الصانع وهو خلق المكلفين وخلق من قبلهم ، وهذا يدل على أنه لا طريق إلى معرفة الله تعالى
إلا بالنظر والاستدلال وطعن قوم من الحشوية في هذه الطريقة وقالوا الاشتغال بهذا العلم بدعة
ولنا في إثبات مذهبنا وجوه نقلية وعقلية وههنا ثلاث مقامات . المقام الأول : في بيان فضل هذا
العلم وهو من وجوه ، أحدها : أن شرف العلم بشرف المعلوم فمهما كان المعلوم أشرف كان
العلم الحاصل به أشرف فلما كان أشرف المعلومات ذات الله تعالى وصفاته وجب أن يكون
العلم المتعلق به أشرف العلوم . وثانيها : أن العلم إما أن يكون دينياً أو غير ديني، ولا شك أن
العلم الديني أشرف من غير الديني ، وأما العلم الديني فإما أن يكون هو علم الأصول ، أو
ما عداه ، أما ما عداه فانه تتوقف صحته على علم الأصول ، لأن المفسر إنما يبحث عن معاني
كلام الله تعالى ، وذلك فرع على وجود الصانع المختار المتكلم ، وأما المحدث فإنما يبحث عن
كلام رسول الله ◌َّ وذلك فرع على ثبوت نبوته وَله، والفقيه إنما يبحث عن أحكام الله، وذلك
فرع على التوحيد والنبوة ، فثبت أن هذه العلوم مفتقرة إلى علم الأصول، والظاهر أن علم

٩٦٠
قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم .
الأصول غني عنها فوجب أن يكون علم الأصول أشرف العلوم . وثالثها أن شرف الشيء قدر
يظهر بواسطة خساسة ضده ، فكلما كان ضده أخس كان هو أشرف وضد علم الأصول هو
الكفر والبدعة ، وهما من أخس الأشياء ، فوجب أن يكون علم الأصول أشرف الأشياء ..
ورابعها : أن شرف الشىء قد يكون بشرف موضوعه وقد يكون لأجل شدة الحاجة إليه ، وقد.
يكون لقوة براهينه، وعلم الأصول مشتمل على الكل وذلك لأن علم الهيئة أشرف من علم
الطب نظراً إلى أن موضوع علم الهيئة أشرف من موضوع علم الطب ، وإن كان الطب أشرف،
منه نظراً إلى أن الحاجة إلى الطب أكثر من الحاجة إلى الهيئة ، وحجم الحساب أشرف منهما نظراً
إلى أن براهين علم الحساب أقوى . أما علم الأصول فالمطلوب منه معرفة ذات الله تعالى
وصفاته وأفعاله ، ومعرفة أقسام المعلومات من المعدومات والموجودات ، ولا شك أن ذلك
أشرف الأمور ، وأما الحاجة إليه فشديدة لأن الحاجة إما في الدین أو في الدنيا ، أما في الدين
فشديدة لأن من عرف هذه الأشياء استوجب الثواب العظيم والتحق بالملائكة ، ومن جهلها
استوجب العقاب العظيم والتحق بالشياطين . واما في الدنيا فلأن مصالح العالم إنما تنتظم
عند الإيمان بالصانع والبعث والحشر، إذ لو لم يحصل هذا الإيمان لوقع الهرج والمرج في
العالم ، وأما قوة البراهين فبراهين هذا العلم يجب أن تكون مركبة من مقدمات يقينية تركيباً
يقينياً وهذا هو النهاية في القوة فثبت أن هذا العلم مشتمل على جميع جهات الشرف والفضل
فوجب أن يكون أشرف العلوم . وخامسها : أن هذا العلم لا يتطرق إليه النسخ ولا التغيير ،
ولا يختلف باختلاف الأمم والنواحي بخلاف سائر العلوم ، فوجب أن يكون أشرف العلوم .
وسادسها : أن الآيات المشتملة على مطالب هذا العلم وبراهينها أشرف من الآيات المشتملة
على المطالب الفقهية بدليل أنه جاء في فضيلة ( قل هو الله أحد ) و( آمن الرسول ) وآية
الكرسي ما لم يجيء مثله في فضيلة قوله ( ويسئلونك عن المحيض ) وقوله ( يا أيها الذين آمنوا
إذا تداينتم بدين ) وذلك يدل على أن هذا العلم أفضل . وسابعها : أن الآيات الواردة في
الاحكام الشرعية أقل من ستمائة آية ، وأما البواقي ففي بيان التوحيد والنبوة والرد على عبدة
الأوثان وأصناف المشركين ، وأما الآيات الواردة في القصص فالمقصود منها معرفة حكمة الله
تعالى وقدرته على ما قال ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ( فدل ذلك على أن هذا
العلم أفضل ، ونشير إلى معاقد الدلائل : أما الذي يدل على وجود الصانع فالقرآن مملوء
منه . أولها . ما ذكرههنا من الدلائل الخمسة وهي خلق المكلفين وخلق من قبلهم ، وخلق
السماء وخلق الأرض، وخلق الثمرات من الماء النازل من السماء إلى الأرض، وكل ما ورد في
القرآن من عجائب السماوات والأرض، فالمقصود منه ذلك، وأما الذي يدل على الصفات. أما

٩٧
قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم .
العلم فقوله ( إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء) ثم أردفه بقوله ( هو الذي
يصوركم في الأرحام كيف يشاء ) وهذا هو عين دليل المتكلمين فانهم يستدلون بأحكام الافعال
واتقانها على علم الصانع ، وههنا استدل الصانع سبحانه بتصوير الصور في الأرحام على كونه
عالماً بالأشياء ، وقال ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) وهو عين تلك الدلالة وقال
( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) وذلك تنبيه على كونه تعالى عالماً بكل المعلومات ، لأنه
تعالى مخبر عن المغييبات فتقع تلك الأشياء على وفق ذلك الخبر ، فلولا كونه عالماً بالمغيبات وإلا
لما وقع كذلك، وأما صفة القدرة فكل ما ذكر سبحانه من حدوث الثمار المختلفة والحيوانات
المختلفة مع استواء الكل في الطبائع الأربع فذاك يدل على كونه سبحانه قادراً مختاراً لا موجباً
بالذات ، وأما التنزيه فالذي يدل على أنه ليس بجسم ، ولا في مكان قوله ( قل هو الله أحد )
فان المركب مفتقر إلى أجزائه والمحتاج محدث ، وإذا كان أحداً وجب أن لا يكون جسماً وإذا
لم يكن جسماً لم يكن في المكان ؛ وأما التوحيد فالذي يدل عليه قوله ( لو كان فيهما آلهة إلا الله
لفسدتا) وقوله ( إذاً لابتغو إلى ذي العرش سبيلاً) وقوله ( ولعلا بعضهم على بعض ) وأما
النبوة فالذي يدل عليها قوله ههنا ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فائتوا بسورة من مثله )
وأما المعاد فقوله ( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ) وأنت لو فتشت علم الكلام لم تجد فيه إلا
تقرير هذه الدلائل والذب عنها ودفع المطاعن والشبهات القادحة فيها ، أفترى أن علم الكلام
يذم لاشتماله على هذه الأدلة التي ذكرها الله أو لاشتماله على دفع المطاعن والقوادح عن هذه
الأدلة ما أرى أن عاقلاً مسلماً يقول ذلك ويرضى به . وثانيها: أن الله تعالى حكى الاستدلال
بهذه الدلائل عن الملائكة وأكثر الأنبياء أما الملائكة فلأنهم لما قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها
كان المراد أن خلق مثل هذا الشيء قبيح ، والحكيم لا يفعل القبيح ، فأجابهم الله تعالى بقوله
( إني أعلم ما لا تعلمون ) والمراد إني لما كنت عالماً بكل المعلومات كنت قد علمت في خلقهم
وتكوينهم حكمة لا تعلمونها أنتم ، ولا شك أن هذا هو المناظرة ، وأما مناظرة الله تعالى مع
إبليس فهي أيضاً ظاهرة وأما الأنبياء عليهم السلام فأولهم آدم عليه السلام وقد أظهر الله تعالى
حجته على فضله بأن أظهر علمه على الملائكة وذلك محض الاستدلال ، وأما نوح عليه السلام
فقد حكى الله تعالى عن الكفار قولهم ( يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ) ومعلوم أن تلك
المجادلة ما كانت في تفاصيل الأحكام الشرعية بل كانت في التوحيد والنبوة ، فالمجادلة في نصرة
الحق في هذا العلم هي حرفة الأنبياء ، وأما إبراهيم عليه السلام فاستقصاء في شرح أحواله فی
هذا الباب يطول وله مقامات . أحدها : مع نفسه وهو قوله ( فلما جن عليه الليل رآى كوكباً
قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ) وهذا هو طريقة المتكلمين في الاستدلال بتغيرها
فخر الرازي ج ٢ م ٧

٠ ٩٨
قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم .
على حدوثها ، ثم إن الله تعالى مدحه على ذلك فقال ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه )
وثانيها : حاله مع أبيه وهو قوله ( يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً )
وثالثها : حاله مع قومه تارة بالقول وأخرى بالفعل ، أما بالقول فقوله ( ما هذه التماثيل التي
أنتم لها عاكفون) وأما الفعل فقوله ( فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون ) .
ورابعها : حاله مع ملك زمانه في قوله ( ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت ) إلى
آخره وكل من سلمت فطرته علم أن علم الكلام ليس إلا تقرير هذه الدلائل ودفع الأسئلة
والمعارضات عنها ، فهذا كله بحث إبراهيم عليه السلام في المبدأ ، وأما بحثه في المعاد فقال
( رب أرني كيف تحيي الموتى ) إلى آخره وأما موسى عليه السلام فانظر إلى مناظرته مع فرعون
في التوحيد والنبوة ، أما التوحيد فاعلم أن موسى عليه السلام إنما يعول في أكثر الأمر على دلائل
إبراهيم عليه السلام وذلك لأن الله تعالی حکی في سورة طه ( قال فمن ربکما یا موسی قال ربنا
الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) وهذا هو الدليل الذي ذكره إبراهيم عليه السلام في قوله
( الذي خلقني فهو یهدین ) وقال في سورة الشعراء ( ربکم ورب آبائكم الأولین ) وهذا هو
الذي قاله إبراهيم ( ربي الذي يحي ويميت) فلما لم يكتف فرعون بذلك وطالبه بشيء آخر قال
موسى ( رب المشرق والمغرب ) وهذا هو الذي قال إبراهيم عليه السلام ( فإن الله يأتي بالشمس
من المشرق فأت بها من المغرب ) فهذا ينبهك على أن التمسك بهذه الدلائل حرفة هؤلاءة
المعصومين وأنهم كما استفادوها من عقولهم فقد توارثوها من أسلافهم الطاهرين ، وأما
استدلال موسى على النبوة بالمعجزة ففي قوله ( أولو جئتك بشيء مبين ) وهذا هو الاستدلال
بالمعجزة على الصدق ، وأما محمد عليه الصلاة والسلام فاشتغاله بالدلائل على التوحيد والنبوة)
والمعاد أظهر من أن يحتاج فيه إلى التطويل ، فإن القرآن مملوء منه ولقد کان علیه السلام مبتلي
بجميع فرق الكفار فالأول : الدهرية الذين كانوا يقولون: ( وما يهلكنا إلا الدهر ) والله
تعالى أبطل قولهم بأنواع الدلائل . والثاني : الذين ينكرون القادر المختار ، والله تعالى أبطل.
قولهم بحدوث أنواع النبات وأصناف الحيوانات مع اشتراك الكل في الطبائع وتأثيرات
الأفلاك ، وذلك يدل على وجود القادر . والثالث : الذين أثبتوا شريكاً مع الله تعالى ، وذلك
الشريك إما أن يكون علوياً أو سفلياً ، أما الشريك العلوي فمثل من جعل الكواكب مؤثرة في
هذا العالم ، والله تعالى أبطله بدليل الخليل في قوله ( فلما جن عليه الليل ) وأما الشريك
السفلي فالنصارى قالوا بإلاهية المسيح وعبدة الأوثان قالوا بإلاهية الأوثان ، والله تعالى أكثر من
الدلائل على فساد قولهم . الرابع : الذين طعنوا في النبوة وهم فريقان. أحدهما : الذين
طعنوا في أصل النبوة وهم الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا : ( أبعث الله بشراً رسولاً ).

٩٩
قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم .
والثاني : الذين سلموا أصل النبوة وطعنوا في نبوة محمد ◌َّة، وهم اليهود والنصارى، والقرآن
مملوء من الرد عليهم ، ثم إن طعنهم من وجوه تارة بالطعن في القرآن فأجاب الله بقوله ( إن الله
لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضه) وتارة بالتماس سائر المعجزات كقوله ( وقالوا لن نؤمن لك
حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً) وتارة بأن هذا القرآن نزل نجماً نجماً وذلك يوجب تطرق
التهمة إليه فأجاب الله تعالى عنه بقوله ( كذلك لنثبت به فؤادك ) .
الخامس : الذين نازعوا في الحشر والنشر، والله تعالى أورد على صحة ذلك وعلى إبطال
قول المنكرين أنواعاً كثيرة من الدلائل . السادس : الذين طعنوا في التكليف تارة بأنه لا فائدة
فيه ، فأجاب الله عنه بقوله ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) وتارة بأن الحق
هو الجبر ، وأنه ينافي صحة التكليف، وأجاب الله تعالى عنه بأنه ( لا يسأل عما يفعل وهم
يسألون ) وإنما اكتفينا في هذا المقام بهذه الاشارات المختصرة لأن الاستقصاء فيها مذكور في
جملة هذا الكتاب وإذا ثبت أن هذه الحرفة هي حرفة كل الأنبياء والرسل علمنا أن الطاعن فيها
إما أن يكون كافراً أو جاهلاً . المقام الثاني : في بيان أن تحصيل هذا العلم من الواجبات ،
ويدل عليه المعقول والمنقول . أما المعقول : فهو أنه ليس تقليد البعض أولى من تقليد
الباقي ، فأما أن يجوز تقليد الكل فيلزمنا تقليد الكفار ، وإما أن يوجب تقليد البعض دون
البعض فيلزم أن يصير الرجل مكلفاً بتقليد البعض دون البعض من غير أن يكون له سبيل إلى
أنه لم قلد أحدهما دون الآخر، وإما أن لا يجوز التقليد أصلاً وهو المطلوب ، فإذا بطل
التقليد لم يبق إلا هذه الطريقة النظرية . وأما المنقول فيدل عليه الآيات والاخبار أما
الآيات . فأحدها: قوله ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي
أحسن ) ولا شك أن المراد بقوله بالحكمة أي بالبرهان والحجة ، فكانت الدعوة بالحجة
والبرهان إلى الله تعالى مأموراً بها ، وقوله ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) ليس المراد منه المجادلة
في فروع الشرع لأن من أنكر نبوته فلا فائدة في الخوض معه في تفاريع الشرع . ومن أثبت
نبوته فإنه لا يخالفه ، فعلمنا أن هذا الجدال كان في التوحيد والنبوة، فكان الجدال فيه مأموراً به
ثم إنا مأمورون باتباعه عليه السلام لقوله ( فاتبعوني يحببكم الله ) ولقوله ( لقد كان لكم في
رسول الله أسوة حسنة ) فوجب كوننا مأمورين بذلك الجدال ، وثانيها : قوله تعالى (ومن
الناس من يجادل في الله بغير علم ) ذم من يجادل في الله بغير علم وذلك يقتضى أن المجادل بالعلم
لا يكون مذموماً بل يكون ممدوحاً وأيضاً حكى الله تعالى ذلك عن نوح في قوله يكون ممدوحاً
وأيضاً حكى الله تعالى ذلك عن نوح في قوله ( يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا) وثالثها : أن
الله تعالى أمر بالنظر فقال ( أفلا يتدبرون القرآن ، أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت ،

١٠٠
قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم .
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ، أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ، قل
انظروا ماذا في السماوات والأرض ، أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض) ورابعها:
أن الله تعالى ذكر التفكر في معرض المدح فقال ( إن في ذلك لآيات لأولى الألباب ، إن فی ذلك
لعبرة لأولى الابصار ، إن في ذلك لآيات لأولى النهي ) وأيضاً ذم المعرضين فقال ( وكأين من
آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ، لهم قلوب لا يفقهون بها)
وخامسها : انه تعالى ذم التقليد ، فقال حكاية عن الكفار ( إنا وجدنا آباء ناعلى أمة وإنا على
آثارهم مقتدون) وقال ( بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا) وقال ( بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون)
وقال ( أن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها ) وقال عن والد إبراهيم عليه السلام ( لئن
لم تنته لارجمنك واهجرني مليا) وكل ذلك يدل على وجوب النظر والاستدلال والتفكر وهم
التقليد فمن دعا إلى النظر والاستدلال ، كان على وفق القرآن ودين الأنبياء ومن دعا إلى التقليد
كان على خلاف القرآن وعلى وفاق دين الكفار . وأما الاخبار ففيها كثرة ، ولنذکر منها
وجوهاً . أحدها : ما روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال ((جاء رجل من
بني فزارة إلى النبي ◌َّه، فقال إن امرأتي وضعت غلاماً أسود فقال له هل لك من إبل، فقال
نعم قال فما ألوانها قال حمر قال فهل فيها من أورق؟ قال نعم . قال فأنی ذلك . قال عسى أن
يكون قد نزعه عرق قال وهذا عسى أن يكون نزعه عرق )) واعلم أن هذا هو التمسك بالالزام
والقياس. وثانيها : عن أبي هريرة قال قال عليه الصلاة والسلام (( قال الله تعالى : كذبني ابن
آدم ولم یکن له أن يكذبني ، وشتمني ابن آدم ولم يكن له أن يشتمني . أما تكذيبه إيامي
فقوله : لن يعيدني كما بدأني ، وليس أول خلقه بأهون علي من إعادته ، وأما شتمه إيابى
فقوله : اتخذ الله ولداً وأنا الله الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لى كفواً أحد)) فانظر
كيف احتج الله تعالى في المقام الأول بالقدرة على الابتداء ، على القدرة على الاعادة . وفي المقام
الثاني احتج بالأحدية على نفي الجسمية والوالدية والمولودية ، وثالثها : روى عبادة بن
الصامت أنه عليه السلام قال ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره
لقاءه )) فقالت عائشة: يا رسول الله إنا نكره الموت فذاك كراهتنا لقاء الله ؟ فقال عليه
السلام : لا ولكن المؤمن أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه ، والكافر كره لقاء الله فكره الله
لقاءه . وكل ذلك يدل على أن النظر والفكر في الدلائل مأمور به . واعلم أن للخصم
مقامات . أحدها : ان النظر لا يفيد العلم . وثانيها : ان النظر المفيد للعلم غير مقدور !
وثالثها : أنه لا يجوز الاقدام عليه . ورابعها : أن الرسول ما أمر به . وخامسها : أنهه
بدعة .