Indexed OCR Text
Pages 1-20
تَفْسِيْرَ الفَخْرِ الزَّزى الشَّهُ بالتّغِيرِالكبيرِ ومَفَاتِ الغَيب للإمَام محمَّ الَّزى فخر الدين ابن العلامة ضياء الدين عمر الشّهر بخطِ الرَّ فَفَعَ اللّه بالمنيمين هـ ٥٤٤ - ٢٠٤ حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م الجُزْءُ الثَّاني دار الفكر للطبَاعَة وَالنشْر وَالتوزيع ٢ تفسير الم (٢) شُوَرَة التَّعَرَةِ مَّدَنِيَّةُ وآفاتها تنت بوزنانوتَ وَمَانِتَانِ مدنية إلا آية ٢٨١ فنزلت بمنى في حجة الوداع وآياتها مائتان وست وثمانون بشبـ : الم ﴾ فيه مسئلتان : المسألة الأولى : - . صصحى اعلم أن الألفاظ التي يتهجى بها أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة ، لأن الضاد مثلاً لفظة مفردة دالة بالتواطؤ على معنى مستقل بنفسه من غير دلالة على الزمان المعين لذلك المعنى ، وذلك المعنى هو الحرف الأول من ((ضرب)) فثبت أنها أسماء ولأنها يتصرف فيها بالإمالة والتفخيم والتعريف والتنكير والجمع والتصغير والوصف والإسناد والإضافة ، فكانت لا محالة أسماء . فإن قيل قد روى أبو عيسى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله} ﴿1﴾ («من قرأ حرفاً من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف، لكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) الحديث، والاستدلال به يناقض ما} } ذكرتم قلنا : سماه حرفاً مجازاً لكونه اسماً للحرف، وإطلاق اسم أحد المتلازمين على الآخر !. مجاز مشهور . ( فروع ) : الأول : أنهم راعوا هذه التسمية لمعان لطيفة ، وهي أن المسميات لما كانت ألفاظاً كأساميها وهي حروف مفردة والأسامي ترتقي عدد حروفها إلى الثلاثة اتجه لهم طريق إلى أن يدلوا في الإسم على المسمى ، فجعلوا المسمى صدر كل إسم منها إلا الألف فإنهم استعلروا الهمزة مكان مسماها لأنه لا يكون إلا ساكناً . ٣ تفسير ألم ( الثاني ) : حكمها ما لم تلها العوامل أن تكون ساكنة الأعجاز كأسماء الأعداد فيقال ألف لام ميم ، كما تقول واحد إثنان ثلاثة فإذا وليتها العوامل أدركها الإعراب كقولك هذه ألف وكتبت ألفاً ونظرت إلى ألف، وهكذا كل اسم عمدت إلى تأدية مسماه فحسب ، لأن جوهر اللفظ موضوع لجوهر المعنى ، وحركات اللفظ دالة على أحوال المعنى ، فإذا أريد إفادة جوهر المعنى وجب إخلاء اللفظ عن الحركات . ( الثالث ) : هذه الأسماء معربة وإنما سكنت سكون سائر الأسماء حيث لا يمسها إعراب لفقد موجبه ، والدليل على أن سكونها وقف لا بناء أنها لو بنيت لحذي بها حذو كيف وأين وهؤلاء ولم يقل صاد قاف نون مجموع فيها بين الساكنين . ( المسألة الثانية ) للناس في قوله ( تعالى ﴿ الم﴾ وما يجري مجراه من الفواتح قولان: أحدهما : أن هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله تبارك وتعالى به . وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : لله في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور ، وقال علي رضي الله عنه : إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي . وقال بعض العارفين : العلم بمنزلة البحر فأجري منه واد ثم أجري من الوادي نهر . ثم أجري من النهر جدول ، ثم أجري من الجدول ساقية ، فلو أجرى إلى الجدول ذلك الوادي لغرقه وأفسده ، ولو سال البحر إلى الوادي لأفسده ، وهو المراد من قوله تعالى ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ) فبحور العلم عند الله تعالى ، فأعطى الرسل منها أودية ، ثم أعطت الرسل من أوديتهم أنهاراً إلى العلماء ، ثم أعطت العلماء إلى العامة جداول صغاراً على قدر طاقتهم ، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم . وعلى هذا ما روي في الخبر ((للعلماء سر، وللخلفاء سر. وللأنبياء سر، وللملائكة سر، ولله من بعد ذلك كله سر، فلو اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم ، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم ، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم ، ولو اطلع الأنبياء على سر الملائكة لا تهموهم ، ولو اطلع الملائكة على سر الله تعالى لطاحوا حائرين ، وبادوا بائرين . والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية ، كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش ، فلما زيدت الأنبياء في عقولهم قدرو على احتمال أسرار النبوة ، ولما زيدت العلماء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار ما عجزت العامة عنه ، وكذلك علماء الباطن ، وهم الحكماء زيد في عقولهم فقدروا على احتمال ما عجزت عنه علماء الظاهر . وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال : سر الله فلا تطلبوه ، وروى أبن ظبيان عن ابن عباس قال : عجزت العلماء عن إدراكها ، وقال الحسين بن الفضل : هو من المتشابه . ٤ قول المتكلمين في الم وأمثالها واعلم أن المتكلمين أنكروا هذا القول ، وقالوا لا يجوز أن يرد في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهوماً للخلق ، واحتجوا عليه بالآيات والأخبار والمعقول . أما الآيات فأربعة عشر ( أحدها ) قوله تعالى ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) أمرهم بالتدبر في القرآن ، ولو كان غير مفهوم فكيف يأمرهم بالتدبر فيه ( وثانيها ) قوله ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) فکیف یأمرهم بالتدبر فيه لمعرفة نفي التناقض والاختلاف مع أنه غير مفهوم للخلق ؟ ( وثالثها ) قوله : (وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرین بلسان عربي مبين ) فاتو لم يكن مفهوماً بطل كون الرسول ﴿وَل﴾﴾ منذراً به، وأيضاً قوله ( بلسان عربي مبين) يدلى على أنه نازل بلغة العرب ، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون مفهوماً (ورابعها) قوله ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) والاستنباط منه لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه ( وخامسها) قوله ( تبياناً لكل شيء) وقوله ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) ( وسادسها ) قوله ( هدى للناس ، هدى للمتقين ) وغير المعلوم لا يكون هدى ( وسابعها) قوله ( حكمة بالغة ) وقوله ( وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ) وكل هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم ( وثامنها ) قوله ( قد جاءکم من الله نور وکتاب مبین ) و( تاسعها ) قوله ( أولم یکفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ، إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون ) وكيف يكون الكتاب كافياً وكيف يكون ذكرى مع أنه غير مفهوم؟ (وعاشرها) قوله تعالى (هذا بلاغ للناس ولينذروا به ) فكيف يكون بلاغاً، وكيف يقع الإنذار به مع أنه غير معلوم ؟ وقال في آخر الآية ( وليذكر أولوا الألباب ) وإنما يكون كذلك لو كان معلوماً ( الحادي عشر) قوله : (قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً) فكيف يكون برهان ونوراً مبيناً مع أنه غير معلوم؟ ( الثاني عشرٍ) قوله ( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً) فكيف يمكن أتباعه والإعراض عنه غير معلوم؟ ( الثالث عشر) ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) فكيف يكون هادياً مع أنه غير معلوم ؟ ( الرابع عشر) قوله تعالى ( آمن الرسول - إلى قوله سمعنا وأطعنا) والطاعة لا تمكن إلا بعد الفهم فوجب كون القرآن مفهوماً . وأما الأخبار: فقوله عليه السلام ((إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي)) فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم؟ وعن علي رضي الله عنه أنه عليه السلام قال : عليكم بكتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس : القول بأن المراد من فواتح السور معلوم. بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن اتبع الهدى في غيره أضله الله ، وهو حبل الله المتين ، والذكر الحكيم والصراط المستقيم ، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تشبع منه العلماء ، ولا يخلق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه ، من قالهبه صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن خاصم به فلج ، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم . أما المعقول فمن وجوه ( أحدها ): أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العلم به لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة الزنجية ، ولما لم يجز ذاك فكذا هذا ( وثانيها ) أن المقصود من الكلام الإفهام ، فلولم يكن مفهوماً لكانت المخاطبة به عبئاً وسفهاً ، وإنه لا يليق بالحكيم ( وثالثها ) أن التحدي وقع بالقرآن وما لا يكون معلوماً لا يجوز وقوع التحدي به ، فهذا مجموع كلام المتكلمين ، واحتج مخالفوهم بالآية ، والخبر ، والمعقول . أما الآية فهو أن المتشابه من القرآن وإنه غير معلوم ، لقوله تعالى ( وما يعلم تأويله إلا الله) والوقف ههنا واجب لوجوه (أحدها) أن قوله تعالى ( والراسخون في العلم ) لو كان معطوفاً على قوله ( إلا الله ) لبقي ( يقولون آمنا به ) منقطعاً عنه وإنه غير جائز لأنه وحده لا يفيد ، لا يقال أنه حال ، لأنا نقول حينئذ يرجع إلى كل ما تقدم ، فيلزم أن يكون الله تعالى قائلاً آمنا به كل من عند ربنا وهذا كفر ( وثانيها ) أن الراسخين في العلم لو كانوا عالمين بتأويله لما كان لتخصيصهم بالإيمان به وجه ، فإنهم لما عرفوه بالدلالة لم يكن الإيمان به إلا کالإیمان بالحكم ، فلا يكون في الإيمان به مزيد مدح ( وثالثها ) : أن تأويلها لو كان مما يجب أن يعلم لما کان طلب ذلك التأويل ذماً ، لكن قد جعله الله تعالی دماً حیث قال ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) وأما الخبر فقد روينا في أول هذه المسئلة خبراً يدل على قولنا ، وروي أنه عليه السلام قال ((إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا أنطقوا به أنكره أهل الغرة بالله)) ولأن القول بأن هذه الفواتح غير معلومة مروي عن أكابر الصحابة فوجب أن يكون حقاً ، لقوله عليه السلام)) أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)). وأما المعقول فهو أن الأفعال التي كلفنا بها قسمان . منها ما نعرف وجه الحكمة فيها على الجملة بعقولنا : كالصلاة والزكاة والصوم ؛ فإن الصلاة تواضع محض وتضرع للخالق ، والزكاة سعي في دفع حاجة الفقير ، والصوم سعي في كسر الشهوة . ومنها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه . كأفعال الحج فإننا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمي الجمرات والسعي بين الصفا والمروة ، والرمل ، والاضطباع ، ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الله تعالى أن ٦٠ القول بأن المراد من الفواتح معلوم يأمر عباده بالنوع الأول فكذا يحسن الأمر منه بالنوع الثاني ، لأن الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وجه المصلحة فيه ، أما الطاعة في النوع الثاني فإنه يدل على كمال الانقياد ونهاية التسليم ، لأنه لما لم يعرف فيه وجه مصلحة البتة لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم ، فإذا كان الأمر كذلك في الأفعال فلم لا يجوز أيضاً أن يكون الأمر كذلك في الأقوال ؟ وهو أن يأمرنا الله تعالى تارة أن نتكلم بما نقف على معناه ، وتارة بما لا نقف على معناه ، ويكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور للآمر ، بل فيه فائدة أخرى ، وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه عن القلب ، وإذا لم يقف على المقصود مع قطعه بأن المتكلم بذلك أحكم الحاكمين فإنه يبقي قلبه ملتفتاً إليه أبداً، ومتفكراً فيه أبداً. ولباب التكليف إشغال السر بذكر الله تعالى والتفكر في كلامه ، فلا يبعد أن يعلم الله تعالى أن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبداً مصلحة عظيمة له ، فيتعبده بذلك تحصيلاً لهذه المصلحة ، فهذا ملخص كلام الفریقین في هذا الباب . ( القبول الثاني ) قول من زعم أن المراد من هذه الفواتح معلوم ، ثم اختلفوا فيه وذكر وا وجوهاً (الأول) أنها أسماء السور، وهو قول أكثر المتكلمين واختيار الخليل وسيبوية قال القفال : وقد سمت العرب بهذه الحروف أشياء ، فسموا بلام والد حارثة بن لام الطائي ، وكقولهم للنحاس : صاد ، وللنقد عين ، وللسحاب غين ، وقالوا : جبل قافٍ، وسموا الحوت نوناً ، ( الثاني) أنها أسماء لله تعالى ، روى عن على علیه السلام أنه کان یقول (( يا كهيعص ، يا حم عسق)) ( الثالث) أنها أبعاض أسماء الله تعالى ، قال سعيد بن جبير: قوله ( الر، حم ، ن ) مجموعها هو اسم الرحمن ، ولكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في البواقي ، ( الرابع) أنها أسماء القرآن ، وهو قول الكلبي والسدي وقتادة ( الخامس) أن كل واحد منها دال على إسم من أسماء الله تعالى وصفة من صفاته ، قال ابن عباس رضي الله عنهما في (الم ) : الألف إشارة إلى أنه تعالى أحد ، أول ، آخر ، أزلى ، أبدي، واللام إشارة إلى أنه لطيف، والميم إشارة إلى أنه ملك مجيد منان ، وقال في ( كهيعص ) إنه ثناء من الله تعالى على نفسه، والكاف يدل على كونه كافياً ، والهاء يدل على كونه هادياً ، والعين يدل على العالم ، والصاد يدل على الصادق وذكر ابن جرير عن ابن عباس أنه حمل الكاف على الكبير والكريم ، والياء على أنه يجير، والعين على العزيز والعدل. والفرق بين هذين الوجهين أنه في الأول خصص كل واحد من هذه الحروف باسم معين ، وفي الثاني ليس كذلك ، ( السادس ) بعضها يدل على أسماء الذات ، وبعضها على أسماء الصفات . قال ابن عباس في (الم) أنا الله ٧ القول بان المراد من الفواتح معلوم أعلم ، وفي ( المص) أنا الله أفصل، وفي ( الر) أنا الله أرى، وهذا رواية أبي صالح وسعيد بن جبير عنه . ( السابع ) كل واحد منها يدل على صفات الأفعال ، فالألف آلاؤه ، واللام لطفه ، والميم مجده . قاله محمد بن كعب القرظي . وقال الربيع بن أنس : ما منها حرف إلا في ذكر آلائه ونعمائه . ( الثامن ) : بعضها يدل على أسماء الله تعالى وبعضها يدل على أسماء غير الله ، فقال الضحاك : الألف من الله ، واللام من جبريل ، والميم من محمد ، أي أنزل الله الكتاب على لسان جبريل إلى محمد ﴿حَ﴾﴾، (التاسع ): كل واحد من هذه الحروف يدل على فعل من الأفعال ، فالألف معناه ألف الله محمداً فبعثه نبياً ، واللام أي لامه الجاحدون ، والميم أي ميم الكافرون غيظوا واكبتوا بظهور الحق . وقال بعض الصوفية : الألف معناه أنا ، واللام معناه لى ، والميم معناه مني ، ( العاشرة ) : ما قاله المبرد واختاره جمع عظيم من المحققين - إن الله تعالى إنما ذكرها احتجاجاً على الكفار ، وذلك أن الرسول. لما تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن ، أو بعشر سور ، أو بسورة واحدة فعجزوا عنه أنزلت هذه الحروف تنبيهاً على أن القرآن ليس إلا من هذه الحروف، وأنتم قادرون عليها ، وعارفون بقوانين الفصاحة ، فكان يجب أن تأتوا بمثل هذا القرآن ، فلما عجزتم عنه دل ذلك على أنه من عند الله لا من البشر، ( الحادي عشر) : قال عبد العزيز بن يحيى : إن الله تعالى إنما ذكرها لأن في التقدير كأنه تعالى قال : إسمعوها مقطعة حتى إذا وردت عليكم مؤلفة كنتم قد عرفتموها قبل ذلك ، كما أن الصبيان يتعلمون هذه الحروف أولاً مفردة ثم يتعلمون المركبات ، ( الثاني عشر) : قول ابن روق وقطرب: إن الكفار لما قالوا ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) وتواصوا بالإعراض عنه أراد الله تعالى لما أحب من صلاحهم ونفعهم أن يورد عليهم ما لا يعرفونه ليكون ذلك سبباً لإسكاتهم واستماعهم لما يرد عليهم من القرآن ؛ فأنزل الله تعالى عليهم هذه الحروف فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين : اسمعوا إلى ما يجيء به محمد عليه السلام ، فإذا أصغوا هجم عليهم القرآن فان ذلك سبباً لاستماعهم وطريقاً إلى انتفاعهم ، ( الثالث عشر) : قول أبي العالية إن كل حرف منها في مدة أقوام ، وآجال آخرين ، قال ابن عباس رضي الله عنه : مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله ﴿َ﴾، وهو يتلوسورة البقرة ( الم ذلك الكتاب ) ، ثم أتى أخوه حي بن أخطب وکعب بن الأشرف فسألوه عن ألم وقالوا ننشدك الله الذي لا إله إلا هو أحق أنها أتتك من السماء ؟ فقال النبي ﴿وَّ﴾: نعم كذلك نزلت ، فقال حي إن كنت صادقاً إني لأعلم أجل هذه الأمة من السنين ، ثم قال كيف ندخل في دين رجل دلت هذه الحروف بحساب الجمل على أن منتهى أجل أمته إحدى وسبعون سنة ، فضحك النبي ﴿يَ﴾﴾ فقال حي : فهل غير هذا؟ فقال نعم ٨ القول بأن المراد من الفواتح معلوم ( المص ) ، فقال حي : هذا أكثر من الأول هذا مائة وإحدى وستون سنة ، فهل غير هذا ، قال : نعم ( الر) ، فقال حي : هذا أكثر من الأولى والثانية ، فنحن نشهد إن كنت صادقاً ما ملكت أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين سنة ، فهل غير هذا؟ فقال: نعم (المر ) ، قال حي : فنحن نشهد أنا من الذین لا يؤمنون ولا ندري بأي أقوالك نأخذ . فقال أبو ياسر :. أما أنا فأشهد على أن أنبياءنا قد أخبر ونا عن ملك هذه الأمة ولم یبینوا أنها کم تكون ، فإن كان محمد صادقاً فيما يقول إني لأراه يستجمع له هذا كله فقام اليهود"، وقالوا اشتبه علينا أمرك کله ، فلا ندری أبالقليل نأخذ أم بالکثیر؟ فذلك قوله تعالى ( هو الذى أنزل عليك الکتاب ) . ( الرابع عشر) هذه الحروفتدل على انقطاع کلام واستئنافكلام آخر ، قال أحمد بن يحيى بن ثعلب : إن العرب إذا استأنفت كلاماً فمن شأنهم أن يأتوا بشيء غير الكلام الذي يريدون استئنافه ، فيجعلونه تنبيهاً للمخاطبين على قطع الكلام الأول واستئناف الكلام الجديد.( الخامس عشر): روى ابن الجوزي عن ابن عباس أن هذهالظروف ثناء أثنى اللهعز وجل به على نفسه، ( السادس عشر) قال الأخفش: إن الله تعالى أقسم بالحروف المعجمة لشرفها وفضلها ولأنها مباني كتبه المنزلة بالألسنة المختلفة، ومباني أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وأصوله كلام الأمم، بها يتعارفون ويذكرون الله ويوحدونه ثم إنه تعالى اقتصر على ذكر البحفن وان كان المراد هو الكل، كما تقول قرأت الحمد، وتريد السورة بالكلية، فكأنه تعالى قال ما أقسم بهذه الحروف إن هذا الكتاب هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ ( السابع عشر). أن التكلم بهذه الحروف، وإن كان معتاداً لكل أحد، إلا أن كونها مسماة بهذه الأسماء لا يعرفه إلا من اشتغل بالتعلم والاستفادة ، فلما أخبر الرسول عليه السلام عنها من غير سبق تعلم واستفادة کان ذلك إخباراً عن الغيب ؛ فلهذا السبب قدم الله تعالی ذکرها لیکون أول ما يسمع من هذه السورة معجزة دالة على صدقه ( الثامن عشر) قال أبو بكر التبريزي : إن الله تعالى علم أن طائفة من هذه الأمة تقول بقدم القرآن فذكر هذه الحروف تنبيها على أن كلامه، مؤلف من هذه الحروف، فيجب أن لا يكون قديماً ( التاسع عشر) : قال القاضي الماوردي : ! المراد من ((الم)) أنه ألم بكم ذلك الكتاب . أي نزل عليكم، والإلمام الزيارة ، وإنما قال: تعالى ذلك لأن جبريل عليه السلام نزل به نزول الزائر (العشرون) الألف إشارة إلى ما لا بد« منه من الاستقامة في أول الأمر ، وهو رعاية الشريعة ، قال تعالى ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم. استقاموا) واللام إشارة إلى الإنحناء الحاصل عند المجاهدات، وهو رعاية الطريقة، قال الله، تعالى ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) والميم إشارة إلى أن يصير العبد في مقام المحبة ، « كالدائرة التي يكون نهايتها عين بدايتها وبدايتها عين نهايتها ، وذلك إنما يكون بالفناء في الله ٩ اختيار المحققين أن الفواتح أسماء السور تعالى بالكلية ، وهو مقام الحقيقة ، قال تعالى ( قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ) ( الحادي والعشرون ) : الألف من أقصى الحلق ، وهو أول مخارج الحروف، واللام من طرف اللسان ، وهو وسط المخارج ، والميم من الشفة ، وهو آخر المخارج ، فهذه إشارة إلى أنه لا بد وأن يكون أول ذكر العبد ووسطه وآخره ليس إلاّ الله تعالى، على ما قال (ففروا إلى الله) والمختار عند أكثر المحققين من هذه الأقوال أنها أسماء السور ، والدليل عليه أن هذه الألفاظ إما أن لا تكون مفهومة ، أوتكون مفهومة ، والأول باطل ، أما أولاً فلأنه لو جاز ذلك لجاز التكلم مع العربي بلغة الزنج ، وأما ثانياً فلأنه تعالى وصف القرآن أجمع بأنه هدی وذلك ینافي كونه غير معلوم . وأما القسم الثاني فنقول : إما أن يكون مراد الله تعالى منها جعلها أسماء الألقاب ، أو أسماء المعاني ، والثاني باطل ، لأن هذه الألفاظ غير موضوعة في لغة العرب لهذه المعاني التي ذكرها المفسرون ، فيمتنع حملها عليها ؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب ، لا يجوز حملها على ما لا يكون حاصلاً في لغة العرب ؛ ولأن المفسرين ذكروا وجوهاً مختلفة ، وليست دلالة هذه الألفاظ على بعض ما ذكروه أولى من دلالتها على الباقي فإما أن يعمل على الكل ، وهو متعذر بالإجماع ؛ لأن كل واحد من المفسرين إنما حمل هذه الألفاظ على معنى واحد من هذه المعاني المذكورة ، وليس فيهم من حملها على الكل ، أو لا يحمل على شيء منها ، وهو الباقي ، ولما بطل هذا القسم وجب الحكم بأنها من أسماء الألقاب . فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: هذه الألفاظ غير معلومة، قوله (( لو جاز ذلك لجاز التكلم مع العربي بلغة الزنج )) قلنا : ولم لا يجوز ذلك ؟ وبيانه أن الله تعالى تكلم بالمشكاة وهو بلسان الحبشة، والسجيل والاستبرق فارسيان، قوله ((وصف القرآن أجمع بأنه هدى وبيان)) قلنا : لا نزاع في اشتمال القرآن على المجملات والمتشابهات ، فإذا لم يقدح ذلك في كونه هدى وبياناً فكذا ههنا ، سلمنا أنها مفهومة، لكن قولك (( إنها إما أن تكون من أسماء الألقاب أو من أسماء المعاني)) إنما يصح لو ثبت كونها موضوعة لإفادة أمر ما وذلك ممنوع ، ولعل الله تعالى تكلم بها لحكمة أخرى ، مثل ما قال قطرب من أنهم لما تواضعوا في الابتداء على أن لا يلتفتوا إلى القرآن أمر الله تعالى رسوله بأن يتكلم بهذه الأحرف في البداء حتى يتعجبوا عند سماعها فيسكتوا ، فحينئذ يهجم القرآن على أسماعهم ، سلمنا أنها موضوعة لأمر ما ، فلم لا يجوز أن يقال: إنها من أسماء المعاني؟ قوله ((إنها في اللغة غير موضعة لشيء البتة)) قلنا لا نزاع في أنها وحدها غير موضوعة لشيء، ولكن لم لا يجوز أن يقال : إنها مع القرينة المخصوصة تفيد معنى معيناً ؟ وبيانه من وجوه : ( أحدها : أنه عليه السلام كان يتحداهم بالقرآن مرة بعد أخرى فلما ذكر هذه الحروف دلت قرينة الحال على أن مراده تعالى من ذكرها أن يقول لهم : إن هذا القرآن إنما تركب من هذه الحروف التي أنتم قادرون عليها ، فلو كان ١٠ اختيار المحققين أن الفواتح أسماء السور هذا من فعل البشرلوجب أن تقدروا على الإتيان بمثله ، ( وثانيها ): أن حمل هذه الحروف على حساب الجمل عادة معلومة عند الناس ، ( وثالثها ) : أن هذه الحروف لما كانت أصول الكلام كانت شريفة عزيزة ، فالله تعالى أقسم بها كما أقسم بسائر الأشياء ، ( ورابعها ) : أن الاكتفاء من الإسم الواحد بحرف واحد من حروفه عادة معلومة عند العرب ، فذكر الله تعالى هذه الحروف تنبيها على أسمائه تعالى . 1 سلمنا دلیلکم لكنه معارض بوجوه : ( أحدها ) : أنا وجدنا السور الكثيرة اتفقت ف (الم) و(حم ) فالاشتباه حاصل فيها ، والمقصود من اسم العلم إزالة الاشتباه. فإن قيل : يشكل هذا بجماعة کثیرین یسمون بمحمد ؛ فإن الاشتراك فيه لا ينافي العلمية . قلنا : قولنا ( الم) لا يفيد معنى ألبتة ، فلو جعلناه علماً لم يكن فيه فائدة سوى التعيين وإزالة الاشتباه فإذا لم يحصل هذا الغرض امتنع جعله علماً ، بخلاف التسمية بمحمد ، فإن في التسمية به مقاصد أخرى سوى التعيين ، وهو التبرك به لكونه إسماً للرسول ، ولكونه دالاً على صفة من صفات الشرف، فجاز أن يقصد التسمية به لغرض آخر من هذه الأغراض سوى التعيين ، بخلاف قولنا ( الم ) فإنه لا فائدة فيه سوى التعيين ، فإذا لم يفد هذه الفائدة كانت التسمية به عبثاً محضاً، ( وثانيها ) : لو كانت هذه الألفاظ أسماء للسور لوجب أن يعلم ذلك بالتواتر ؛ لأن هذه الأسماء ليست على قوانين أسماء العرب ، والأمور العجيبة تتوفر الدواعي على نقلها لا سيما فيما لا يتعلق بإخفائه رغبة أو رهبة ، ولو توفرت الدواعي على نقلها لصار ذلك معلوماً بالتواتر وارتفع الخلاف فيه ، فلما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنها ليست من أسماء السور ، ( وثالثها ) : أن القرآن نزل بلسان العرب ، وهم ما تجاوزوا ما سموا به مجموع اسمين نحو معد يكرب وبعلبك ، ولم يسم أحد منهم بمجموع: ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة ، فالقول بأنها أسماء السور خروج عن لغة العرب ، وأنه غير جائز، ( ورابعها ) : أنها لو كانت أسماء هذه السور لوجب اشتهار هذه السور بها بسائر الأسماء ، لكنها إنما اشتهرت بسائر الأسماء ، كقولهم سورة البقرة وسورة آل عمران ، ( وخامسها ) : هذه الألفاظ داخلة في السورة وجزء منها ، وجزء الشيء مقدم على الشيء: بالرتبة، واسم الشيء متأخر عن الشيء بالرتبة ، فلو جعلناها إسماً للسورة لزم التقدم والتأخر معاً ، وهو محال ، فإن قيل : مجموع قولنا (( صاد)) اسم للحرفالأول منه ، فإذا جاز أن يكون المركب إسماً لبعض مفرداته فلم لا يجوز أن تكون بعض مفردات ذلك المركب إسماً لذلك المركب ؟ قلنا : الفرق ظاهر ؛ لأن المركب يتأخر عن المفرد ، والإِسم يتأخر عن المسمى ، فلوٍ جعلنا المركب إسماً للمفرد لم يلزم إلا تأخر ذلك المركب عن ذلك المفرد من وجهين ، وذلك غیر ١١ اختيار المحققين أن الفواتح أسماء السور مستحيل ، أما لو جعلنا المفرد إسماً للمركب لزم من حيث أنه مفرد كونه متقدماً ومن حيث أنه إسم كونه متأخراً . وذلك محال ، ( وسادسها ) : لو كان كذلك لوجب أن لا تخلو سورة من سور القرآن من اسم على هذا الوجه ، ومعلوم أنه غیر حاصل ب الجواب ((قوله المشكاة والسجيل ليستا من لغة العرب)) قلنا: عنه جوابان: أحدهما: أن كل ذلك عربي ، لكنه موافق لسائر اللغات ، وقد يتفق مثل ذلك في اللغتين: الثاني : أن المسمى بهذه الأسماء لم يوجد أولاً في بلاد العرب ، فلما عرفوه عرفوا منها أسماءها ، فتكلموا بتلك الأسماء ، فصارت تلك الألفاظ عربية أيضاً . قوله ((وجد أن المجمل في كتاب الله لا يقدح في كونه بياناً)) قلنا : كل مجمل وجد في كتاب الله تعالى قد وجد في العقل ، أو في الكتاب ، أو في السنة بيانه ، وحينئذ يخرج عن كونه غير مفيد ، إنما البيان فيما لا يمكن معرفة مراد الله منه . وقوله ((لم لا يجوز أن يكون المقصود من ذكر هذه الألفاظ إسكاتهم عن الشغب؟)) قلنا : لو جاز ذكر هذه الألفاظ لهذا الغرض فليجز ذكر سائر الهذيانات لمثل هذا الغرض ، وهو بالإجماع باطل . وأما سائر الوجوه التي ذكروها فقد بينا أن قولنا ((الم)) غير موضوع في لغة العرب لإفادة تلك المعاني ، فلا يجوز استعمالها فيه ، لأن القرآن إنما نزل بلغة العرب ، ولأنها متعارضة ، فليس حمل اللفظ على بعضها أولى من البعض ؛ ولأنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت أبواب تأويلات الباطنية وسائر الهذيانات ، وذلك مما لا سبيل إليه . أما الجواب عن المعارضة الأولى : فهو أن لا يبعد أن يكون في تسمية السور الكثيرة باسم واحد - ثم يميز كل واحد منها عن الآخر بعلامة أخرى - حكمة خفية . وعن الثاني : أن تسمية السورة بلفظة معينة ليست من الأمور العظام ، فجاز أن لا يبلغ في الشهرة إلى حد التواتر . وعن الثالث : أن التسمية بثلاثة أسماء خروج عن كلام العرب إذا جعلت إسماً واحداً على طريقة ((حضرموت)) فأما غير مركبة بل صورة نثر أسماء الأعداد فذاك جائز ؛ فإن سيبويه نص على جواز التسمية بالجملة ، والبيت من الشعر، والتسمية بطائفة من أسماء حروف المعجم . ١٢ اختيار المحققين أن الفواتح أسماء السور وعن الرابع : أنه لا يبعد أن يصير اللقب أكثر شهرة من الإِسم الأصلي فكذا ههنا وعن الخامس: أن الإسم لفظ دال على أمر مستقل بنفسه من غير دلالة على زمانه المعين، ولفظ الإسم كذلك ، فيكون الإسم إسماً لنفسه ، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكون جزء الشيء إسماً له . وعن السادس : أن وضع الإسم إنما يكون بحسب الحكمة ، ولا يبعد أن تقتضى الحكمة وضع الإسم لبعض السور دون البعض .. على أن القول الحق : أنه تعالى يفعل ما يشاء ، فهذا منتهى الكلام في نصرة هذه الطريقة . واعلم أن بعد هذا المذهب الذي نصرناه بالأقوال التي حكيناها قول قطرب : من أنّ المشركين قال بعضهم لبعض: ((لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه» فكان إذا تكلم رسول الله ﴿1﴾ في أول هذه السورة بهذه الألفاظ ما فهموا منها شيئاً، والإنسان حريص على ما منع؛ فكانوا يصغون إلى القرآن ويتفكرون ويتدبرون في مقاطعه ومطالعة ؛ رجاء أنه وبما جاء كلام يفسر ذلك المبهم ، ويوضح ذلك المشكل . فصار ذلك وسيلة إلى أن يصيروا مستمعين للقرآن ومتدبرين في مطالعه ومقاطعه . والذي يؤكد هذا المذهب أمران ( أحدهما ) أن هذه الحروف ما جاءت إلا في أوائل السور، وذلك يوهم أن الغرض ما ذكرنا ( والثاني ) أن العلماء قالوا: إن الحكمة في إنزال المتشابهات هي أن المعلل لما علم اشتمال القرآن على المتشابهات فإنه يتأمل القرآن ويجتهد في التفكر فيه على رجاء إنه ربما وجد شيئاً يقوي قوله وينصر مذهبه ، فيصير ذلك سبباً لوقوفه على المحكمات المخلصة له عن الضلالات ، فإذا جاز إنزال المتشابهات التي توهم الضلالات لمثل هذا الغرض فلأن يجوز إنزال هذه الحروف التي لا توهم شيئاً من الخطأ والضلال لمثل هذا الغرض كان أولى . أقصى ما في الباب أن يقال : لو جاز ذلك فليجز أوى يتكلم بالزنجية مع العربي ، وأن يتكلم بالهذيان هذا الغرض ، وأيضاً فهذا يقدح في كون القرآن هدى وبياناً ، لكنا نقول : لم لا يجوز أن يقال : إن الله تعالى إذا تكلم بالزنجية مع العربي - وكان ذلك متضمناً لمثل هذه المصلحة - فإن ذلك يكون جائزاً؟ وتحقيقه أن الكلام فعل من الأفعال ، والداعي إليه قد يكون هو الإفادة ، وقد يكون غيرها ، قوله (( أنه يكون هذياناً)) قلنا : إن عنيت بالهذيان الفعل الخالى عن المصلحة بالكلية فليس الأمر كذلك ، وإن عنيت به الألفاظ الخالية عن الإفادة فلم قلت أن ذلك يقدح في الحکمة إذا کان فيها وجوه أخر من المصلحة سوى هذا الوجه؟ وأما وصف القرآن بكونه هدى وبياناً فذلك لا ينافي ما قلناه ، لأنه إذا كان الغرض ما ذكرناه كان استماعها من أعظم وجوه البيان والهدى والله أعلم . ﴿ فروع على القول بأنها أسماء السور﴾: الأول: هذه الأسماء على ضربين: أحدهما: يتأتى فيه الإعراب، وهو إما أن يكون إسماً مفرداً ((كصاد، وقاف، ونون)) أو ١٣ تفسير ((ذلك الكتاب)) سورة البقرة ذَلِكَ الْكِتَبُ أسماء عدة مجموعها على زنة مفرد كحم ، وطس ويس ؛ فإنها موازنة لقابيل وهابيل ، وأما طسم فهو وإن كان مركباً من ثلاثة أسماء فهو كدر أبجرد ، وهو من باب ما لا ينصرف، لاجتماع سببين فيها وهما العلمية والتأنيث . والثاني : ما لا يتأتى فيه الإعراب ، نحو كهيعص ، والمر ، إذا عرفت هذا فنقول : أما المفردة ففيها قراءتان: إحداهما : قراءة من قرأ صاد وقاف ونون بالفتح ، وهذه الحركة يحتمل أن تكون هي النصب بفعل مضمر نحو : أذكر ، وإنما لم يصحبه التنوين لامتناع الصرف كما تقدم بيانه وأجاز سيبوية مثله في حم وطس ويس لو قرىء به، وحكى السيرافي أن بعضهم قرأ (( يسن)) بفتح النون ؛ وأن يكون الفتح جراً، وذلك بأن يقدرها مجرورة بإضمار الباء القسمية، فقد جاء عنهم: ((الله لأفعلن )) غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها غير مصروفة، ويتأكد هذا بما روينا عن بعضهم ((أن الله تعالى أقسم بهذه الحروف))، وثانيتهما : بعضهم صاد بالكسر. وسببه التحريك لالتقاء الساكنين. أما القسم الثاني - وهو ما لا يتأتى الإعراب فيه - فهو يجب أن يكون محكياً ، ومعناه أن يجاء بالقول بعد نقله على استبقاء صورته الأولى كقولك: ((دعني من تمرتان)). الثاني : أن الله تعالى أورد في هذه الفواتح نصف أسامي حروف المعجم : أربعة عشر سواء ، وهي : الألف، واللام ، والميم ، والصاد ، والراء ، والكاف، والهاء ، والياء ، والعين ، والطاء، والسين ، والحاء ، والقاف، والنون في تسع وعشرين سورة . الثالث: هذه الفواتح جاءت مختلفة الأعداد، فوردت (( ص ق ن)) على حرف ، و(( طه وطس ويسن وحم)) على حرفين، و((الم والروطسم)) على ثلاثة أحرف ،((والمص والمر)) على أربعة أحرف، و(( كهعيص وحم عسق)) على خمسة أحرف، والسبب فيه أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف فقط فكذا ههنا . الرابع : هل لهذه الفواتح محل من الإعراب أم لا ؟ فنقول : إن جعلناها أسماء للسور فنعم ، ثم يحتمل الأوجه الثلاثة ، أما الرفع فعلى الابتداء ، وأما النصب والجر فلما مر من صحة القسم بها ، ومن لم يجعلها أسماء للسور لم يتصور أن يكون لها محل على قوله ، كما لا محل للجمل المبتدأة وللمفردات المعدودة . قوله تعالى ﴿ ذلك الكتاب ﴾ وفيه مسائل ( المسألة الأولى) لقائل أن يقول: المشار إليه ههنا حاضر، و((ذلك)) أسم مبهم يشار ١٤ تفسير ((ذلك الكتاب)) به إلى البعيد ، والجواب عنه من وجهين : الأول : لا نسلم أن المشار إليه حاضر، وبيانه من وجوه أحدها : ما قاله الأصم : وهو أن الله تعالى أنزل الكتاب بعضه بعد بعض ، فنزل قبل سورة البقرة سور كثيرة ، وهي كل ما نزل بمكة مما فيه الدلالة على التوحيد وفساد الشرك وإثبات النبوة وإثبات المعاد، فقوله ﴿ ذلك﴾ إشارة إلى تلك السور التي نزلت قبل هذه السورة ، وقد يسمي بعض القرآن قرآناً ، قال الله تعالى ( وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له ) وقال حاکیاً عن الجن ( إنا سمعنا قرآناً عجباً) وقوله ( إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى) وهم ما سمعوا إلا البعض ، وهو الذي كان قد نزل إلى ذلك الوقت ، وثانيها : أنه تعالى وعد رسوله عند مبعثه أن ينزل عليه كتاباً لا يمحوه الماحي ، وهو عليه السلام أخبر أمته بذلك وروت الأمة ذلك عنه، ويؤيده قوله ﴿ إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾ وهذا في سورة المزمل ، وهي إنما نزلت في ابتداء المبعث ، وثالثها : أنه تعالى خاطب بني إسرائيل ، لأن سورة البقرة مدنية ، وأكثرها احتجاج على بني إسرائيل ، وقد كانت بنو إسرائيل،أخبرهم موسى وعيسى عليهما السلام أن الله يرسل محمداً ﴿پڼ﴾ وينزل علیه كتاباً فقال تعالى ﴿ ذلك الكتاب ﴾ أي الكتاب الذي أخبر الأنبياء المتقدمون بأن الله تعالى سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل ، ورابعها : أنه تعالى لما أخبر عن القرآن بأنه في اللوح المحفوظ بقوله ﴿وإنه في أم الكتاب لدينا ﴾ وقد كان عليه السلام أخبر أمته بذلك ، فغير ممتنع أن يقول تعالى ﴿ ذلك الكتاب﴾. ليعلم أن هذا المنزل هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ. وخامسها : أنه وقعت الإشارة بذلك إلى ((الم)) بعد ما سبق المتكلم به وانقضى، والمنقضي في حكم المتباعد ، وسادسها : أنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حد البعد ، کما تقول لصاحبك ۔ وقد أعطيته شيئاً - احتفظ بذلك . وسابعها : أن القرآن لما اشتمل على حكم عظيمة وعلوم كثيرة يتعسر اطلاع القوة البشرية عليها بأسرها - والقرآن وإن كان حاضراً نظراً إلى صورته لكنه . غائب نظراً إلى أسراره وحقائقه - فجازٍ أن يشار إليه كما يشار إلى البعيد الغائب ( المقام الثاني ): سلمنا أن المشار إليه حاضر، لكن لا نسلم أن لفظة. ((ذلك)) لا يشار بها إلا إلى البعيد، بيانه أن ذلك، وهذا حرفا إشارة، وأصلهما ((ذا)) ؛ لأنه حرف للإشارة ، قال تعالى ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً﴾ ومعنى ((ها)) تنبيه ، فإذا قرب الشيء أشير إليه فقيل: هذا، أي تنبه أيها المخاطب لما أشرت إليه فإنه حاضرلك بحيث تراه، وقد تدخل الكاف على ((ذا)) للمخاطبة واللام لتأكيد معنى الإشارة فقيل (( ذلك )) فكان المتكلم بالغ في التنبيه لتأخر المشار إليه عنه ، فهذا يدل على أن لفظة ذلك لا تفيد البعد في ١٥ تفسير ((ذلك الكتاب)) أصل الوضع ، بل اختص في العرف بالإشارة إلى البعيد للقرينة التي ذكرناها ، فصارت كالدابة ، فإنها مختصة في العرف بالفرس ، وإن كانت في أصل الوضع متناولة لكل ما يدب على الأرض ، وإذا ثبت هذا فنقول : إنا نحمله ههنا على مقتضى الوضع اللغوي ، لا على مقتضى الوضع العرفي ، وحينئذ لا يفيد البعد ؛ ولأجل هذه المقاربة يقام كل واحد من اللفظين مقام الآخر قال تعالى ﴿ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ـ إلى قوله - وكل من الأخيار﴾ ثم قال ﴿ هذا ذكر﴾ وقال ﴿ وعندهم قاصرات الطرف أتراب هذا ما توعدون ليوم الحساب ﴾ وقال ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ وقال فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى﴾ وقال ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ ثم قال ﴿ إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين﴾ وقال ﴿فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى﴾ أي هكذا يحيي الله الموتى، وقال ﴿ وما تلك بيمينك يا موسى﴾ أي ما هذه التي بيمينك والله أعلم . ( المسئلة الثانية ) : لقائل أن يقول: لم ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث ، وهو السورة ، الجواب : لا نسلم أن المشار إليه مؤنث ؛ لأن المؤنث إما المسمى أو الإسم ، والأول باطل ، لأن المسمى هو ذلك البعض من القرآن وهو ليس بمؤنث ، وأما الإسم فهو ( الم ) وهو ليس بمؤنث ، نعم ذلك المسمى له اسم آخر - وهو السورة - وهو مؤنث ، لكن المذكور السابق هو الإسم الذي ليس بمؤنث وهو ( الم ) ، لا الذي هو مؤنث وهو السورة . ( المسئلة الثالثة ) : اعلم أن أسماء القرآن كثيرة : أحدها : الكتاب وهو مصدر كالقيام والصيام وقيل : فعال بمعنى مفعول كاللباس بمعنى الملبوس ، واتفقوا على أن المراد من الكتاب القرآن قال ( كتاب أنزلناه إليك ) والكتاب جاء في القرآن على وجوه : أحدها : الفرض ( كتب عليكم القصاص ) ( كتب عليكم الصيام ) ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ) وثانيها : الحجة والبرهان ( فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ) أي برهانكم . وثالثها : الأجل ( وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ) أي أجل . ورابعها : بمعنى مكاتبة السيد عبده ( والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم ) وهذا المصدر فعال بمعنى المفاعلة كالجدال والخصام والقتال بمعنى المجادلة والمخاصمة والمقاتلة ، واشتقاق الكتاب من كتبت الشيء إذا جمعته ، وسميت الكتيبة لاجتماعها ، فسمي الكتاب كتاباً لأنه كالكتيبة على عساكر الشبهات، أو لأنه اجتمع فيه جميع العلوم ، أو لأن الله تعالى ألزم فيه التكاليف على الخلق . وثانيها : القرآن ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ﴾ (إنا ١٦ أسماء القرآن ۔ الکتاب جعلناه قرآناً عربياً) ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) . (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) وللمفسرين فيه قولان : أحدهما : قول ابن عباس أن القرآن والقراءة واحد ؟ کالخسران والخسارة واحد ، والدليل عليه قوله ( فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ) أي تلاوته ، أي إذا. تلوناه عليك فاتبع تلاوته : الثاني: وهو قول قتادة أنه مصدر من قول القائل: قرأت الماء في الحوض إذا جمعته ، وقال سفيان بن عيينة : سمي القرآن قرآناً لأن الحروف جمعت فصارت كلمات ، والكلمات جمعت فصارت آيات ، والآيات جمعت فصارت سوراً، والسور جمعت فصارت قرآناً ، ثم جمع فيه علوم الأولين والآخرين . فالحاصل أن اشتقاق لفظ القرآن إما من التلاوة أو من الجمعية . وثالثها: الفرقان ( تبارك الذي أنزل الفرقان على عبده). ( وبينات من الهدى والفرقان ) واختلفوا في تفسيره ، فقيل: سمي بذلك لأن نزوله كان متفرقاً أنزله فى نيف وعشرين سنة ، ودليله قوله تعالى ( وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً ) ونزلت سائر الكتب جملة واحدة ، ووجه الحكمة فيه ذكرناه في سورة الفرقان في قوله تعالى ( وقالوا لولا نزل علیه القرآن جملة کذلك لنثبت به فؤادك ) وقیل : سمي بذلك لأنه یفرق بین الحق والباطل ، والحلال والحرام، والمجمل والمبين، والمحكم والمؤول ، وقيل: الفرقان هو النجاة ، وهو قول عكرمة والسدي ، وذلك لأن الخلق في ظلمات الضلالات فبالقرآن وجدوا النجاة ، وعليه حمل المفسرون قوله ( وإذا آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون) . ، ورابعها : الذكر، والتذكرة ، والذكرى ، أما الذكر فقوله ( وهذا ذكر مبارك أنزلناه) ( إنا نحن نزلنا الذكر). (وإنه لذكر لك ولقومك) وفيه وجهان: أحدهما: أنه ذكر من الله تعالى ذكر به عباده فعرفهم تكاليفه وأوامره . والثاني : أنه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به ، وأنه شرف لمحمد ﴿1﴾، وأمته، وأما التذكرة فقوله (وإنه لتذكرة للمتقين) وأما الذكرى فقوله تعالى ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) . وخامسها : التنزيل ( وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين ) . وسادسها : الحديث ( الله نزل أحسن الحديث كتاباً ) سماء حديثاً ؛ لأن وصوله إليك حديث ، ولأنه تعالى شبهه بما يتحدث به ، فإن الله خاطب به المكلفين .. وسابعها : الموعظة ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم) وهو في الحقيقة ، فكيف لا تقع به موعظة لأن القائل هو الله تعالى ، والآخذ جبريل ، والمستملى محمد الموعظة . ١٧٠ أسماء القرآن وثامنها : الحكم ، والحكمة ، والحكيم ، والمحكم ، أما الحكم فقوله ( وكذلك أنزلناه حكماً عربياً) وأما الحكمة فقوله ( حكمة بالغة ) ( واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ) وأما الحكيم فقوله ( يس والقرآن الحكيم ) وأما المحكم فقوله ( كتاب أحكمت آياته) واختلفوا في معنى الحكمة ، فقال الخليل : هو مأخوذ من الأحكام والإلزام ، وقال المؤرج : هو مأخوذ من حكمة اللجام ؛ لأنها تضبط الدابة ، والحكمة تمنع من السفه . وتاسعها : الشفاء ( ونزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) وقوله ( وشفاء لما في الصدور ) وفيه وجهان : أحدهما : أنه شفاء من الأمراض . والثاني : أنه شفاء من مرض الكفر ، لأنه تعالی وصف الکفر والشك بالمرض ، فقال ( في قلوبهم مرض) وبالقرآن یزول كل شك عن القلب ، فصح وصفه بأنه شفاء . وعاشرها : الهدى ، والهادي : أما الهدى فلقوله ( هدى للمتقين) . ( هدى للناس ) . ( وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ) وأما الهادي ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) وقالت الجن ( إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد ) . الحادي عشر: الصراط المستقيم : قال ابن عباس في تفسيره : إنه القرآن ، وقال : ( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ) والثاني عشر: الحبل : (واعتصموه بحبل الله جميعاً) في التفسير: إنه القرآن ، وإنما سمي به لأن المعتصم به في أمور دينه يتخلص به من عقوبة الآخرة ونكال الدنيا ، كما أن ﴾ عصمة فقال ((إن هذا المتمسك بالحبل ينجو من الغرق والمهالك ، ومن ذلك سماه النبي ( القرآن عصمة لمن اعتصم به )) لأنه يعصم الناس من المعاصي . الثالث عشر: الرحمة (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) وأي رحمة فرق التخليص من الجهالات والضلالات . الرابع عشر: الروح ( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ) . ( ينزل الملائكة بالروح من أمره) وإنما سمي به لأنه سبب لحياة الأرواح ، وسمي جبريل بالروح ( فأرسلنا إليها روحنا) وعيسى بالروح ( ألقاها إلى مريم وروح منه) . الخامس عشر: القصص ( نحن نقص عليك أحسن القصص ) سمي به لأنه يجب اتباعه ( وقالت لأخته قصيه ) أي اتبعي أثره ؛ أو لأن القرآن يتتبع قصص المتقدمين ، ومنه قوله تعالى ( إن هذا لهو القصص الحق ) . فخر الرازي چ ٢ م ٢ ١٨ أسماء القرآن السادس عشر: البيان ، والتبيان ، والمبين : أما البیان فقوله ( هذا بیان للناس ) والتبيان فهو قوله ( ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ) وأما المبين فقوله ( تلك ايات الكتاب المبين ) السابع عشر: البصائر ( هذا بصائر من ربكم ) أي هي أدلة يبصر بها الحق تشبيهاً بالبصر الذي یری طريق الخلاص الثامن عشر: الفصل ( إنه لقول فصل وما هو بالهزل ) واختلفوا فيه ، فقيل معناه القضاء ، لأن الله تعالى يقضى به بين الناس بالحق قيل لأنه يفصل بين الناس يوم القيامة فيهدي قوماً إلى الجنة ويسوق آخرين إلى النار ، فمن جعله إمامه في الدنيا قاده إلى الجنة ، ومن جعله وراءه ساقه إلى النار . التاسع عشر: النجوم ( فلا أقسم بمواقع النجوم) ( والنجم إِذا هوى) لأنه نزل نجماً نجماً العشرون : المثاني : ( مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ) قيل لأنه ثنى فيه القصص والأخبار الحادي والعشرون : النعمة : ( وأما بنعمة ربك فحدث ) قال إبن عباس يعني به القرآن الثاني والعشرون : البرهان ( قد جاءكم برهان من ربکم ) وکیف لا يكون برهاناً وقد عجزت الفصحاء عن أن يأتوا بمثله . الثالث والعشرون : البشير والنذير ، وبهذا الإسم وقعت المشاركة بينه وبين الأنبياء قال · ( إنا أرسلناك شاهداً تعالى في صفة الرسل ( مبشرين ومنذرين ) وقال في صفة محمد ومبشراً ونذيراً) وقال في صفة القرآن في حم السجدة ( بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم ) يعني مبشراً بالجنة لمن أطاع وبالنار منذراً لمن عصى ، ومن ههنا نذكر الأسماء المشتركة بين الله تعالى وبين القرآن الرابع والعشرون : القيم (قيمأ لينذر بأساً شديداً) والدين أيضاً قيم ( ذلك الدين القیم ) والله سبحانه هو القیوم ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم) وإنما سمي قياً لأنه قائم بذاته في البيان والإفادة الخامس والعشرون : المهيمن ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه ) وهو مأخوذ من الأمين ، وإنما وصف به لأنه من تمسك بالقرآن أمن الضرر في الدنيا والآخرة ، والرب المهيمن أنزل الكتاب المهيمن على النبي الأمين لأجل قوم هم م ١٩ أسماء القرآن أمناء الله تعالى على خلقه كما قال ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ) السادس والعشرون : الهادي (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) وقال (يهدي إلى الرشد) والله تعالى هو الهادي لأنه جاء في الخبر ((النور الهادي)). السابع والعشرون : النور ( الله نور السموات والأرض ) وفي القرآن ( واتبعوا النور الذي أنزل معه ) يعني القرآن وسمي الرسول نوراً ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ) يعني محمد وسمي دينه نوراً ( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ) وسمي بيانه نوراً ( أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه) وسمي التوراة نوراً ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ) وسمي الإنجيل نوراً ( وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ) وسمي الإيمان نوراً ( يسعى نورهم بين أيديهم ) . الثامن والعشرون: الحق: ورد في الأسماء ((الباعث الشهيد الحق)) والقرآن حق ( وإنه لحق اليقين ) فسماه الله حقاً: لأنه ضد الباطل فيزيل الباطل كما قال ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) أي ذاهب زائل . التاسع والعشرون : العزيز (وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) وفي صفة القرآن ( وإنه لكتاب عزيز ) والنبي عزيز ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ) والأمة عزيزة ( ولله "العزة ولرسوله وللمؤمنين) فرب عزيز أنزل كتاباً عزيزاً على نبي عزيز لأمة عزيزة ، وللعزيز معنيان أحدهما : القاهر، والقرآن كذلك ؛ لأنه هو الذي قهر الأعداء وامتنع من أراد معارضته . والثاني : أن لا يوجد مثله . الثلاثون: الكريم (وإنه لقرآن كريم في كتاب مكنون ) واعلم أنه تعالى سمى سبعة أشياء بالكريم ( ما غرك بربك الكريم ) إذ لا جواد أجود منه ، والقرآن بالكريم ، لأنه لا يستفاد من كتاب من الحكم والعلوم ما يستفاد منه ، وسمي موسى كريماً ( وجاءهم رسول كريم) وسمى ثواب الأعمال كريماً (فبشره بمغفرة وأجر كريم) وسمي عرشه كريماً (الله لا إله إلا هو رب العرش الكريم ) لأنه منزل الرحمة ، وسمى جبريل كريماً ( إنه لقول رسول كريم ) ومعناه أنه عزیز ، وسمي کتاب سلیمان کریماً ( إني القي إلی کتاب کریم ) فھو کتاب کریم من رب کریم نزل به ملك كريم على نبي كريم لأجل أمة كريمة ، فإذا تمسكوا به نالوا ثوایاً كريماً : الحادي والثلاثون: العظيم : ( لقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم) واعلم أنه ٢٠ تفسير قوله تعالى ((لا ريب فيه)) سورة البقرة لَاربت فِیهِ تعالى سمى نفسه عظيماً فقال ( وهو العلي العظيم) وعرشه عظيماً) وهو رب العرش العظيم ) وكتابه عظيماً ( والقرآن العظيم) ويوم القيامة عظيماً ( ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين ) والزلزلة عظيمة ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) وخلق الرسول عظيماً ( وإنك لعلى خلق عظيم ) والعلم عظيماً (وكان فضل الله عليك عظيماً) وكيد النساء عظيماً (إن كيدكن عظيم) وسحر سحرة فرعون عظيماً (وجاؤا بسحر عظيم) وسمى نفس الثواب عظيماً ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً) وسمي عقاب المنافقين عظيماً (ولهم عذاب عظيم ) . الثاني والثلاثون: المبارك : ( وهذا فكر مبارك ) وسمي الله تعالى به أشياء، فسمى الموضع الذي كلم فيه موسى عليه السلام مباركاً ( في البقعة المباركة من الشجرة ) وسمى شجرة. الزيتون مباركة ( يوقد من شجرة مباركة زيتونة ) لكثرة منافعها ، وسمی عیسی ماركا ( وجعلني مباركا) وسمى المطر مباركا (وأنزلنا من السماء ماء مباركا) لما فيه من المنافع ، وسمى ليلة القدر مباركة ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة) فالقرآن ذكر مبارك انزله ملك مبارك في ليلة. مباركة على نبي مبارك لأمة مباركة - ﴿ المسألة الرابعة ﴾ : في بیان اتصال قوله ( الم ) بقوله ( ذلك الكتاب ) قال صاحب. الكشاف : إن جعلت ( الم ) اسماً للسورة ففي التأليف وجوه : الأول : أن يكون ( الم ) مبتدأ و( ذلك) مبتدأ ثانياً و( الكتاب ) خبره والجملة خبرا، المبتدأ الأول ، ومعناه أن ذلك هو الكتاب الكامل ، كأن ما عداه من الكتب في مقابلته، ، ناقص ، وإنه الذی یستأهل أن يكون كتاباً كما تقول : هو الرجل ، أي الكامل في الرجولية الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال ، وأن يكون الكتاب صفة ، ومعناه هو ذلك. الكتاب الموعود ، وأن يكون ( الم) خبر مبتدأ محذوف أي هذا ( الم) ویکون ( ذلك الكتاب ) خبراً ثانیاً أو بدلاً على أن الكتاب صفة ، ومعناه هو ذلك ، وأن تكون هذه( الم ) جملة و( ذلك الكتاب ) جملة أخرى وإن جعلت ( الم ) بمنزلة الصوت كان (ذلك ) مبتدأ. وخبره ( الكتاب ) أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل ، أو الكتاب صفة والخبر ما بعده أو قدر مبتدأ محذوف، أي هو يعني المؤلف من هذه الحروف ذلك الكتاب وقرأ عبدالله. ! ( ألم تنزيل الكتاب لا ريب فيه ) وتأليف هذا ظاهر . قوله تعالى ﴿ لا ريب فيه﴾ فيه مسألتان :