Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ اركان الاستعاذة ذلك القليل بمدد العقل ، وعند الغضب يزول العقل ، فكل ما يفعله ويقوله لم يكن على القانون الجيد ، فإذا استحضر في عقله هذا صار هذا المعنى مانعاً له عن الاقدام على تلك الأفعال وتلك الأقوال ، وحاملا له على أن يرجع إلى الله تعالى في تحصيل الخيرات ودفع الآفات ، فلا جرم يقول أعوذ بالله . الثاني : أن الانسان غير عالم قطعاً بأن الحق من جانبه ولا من جانب خصمه ، فاذا علم ذلك يقول : أفرض هذه الواقعة الى الله تعالى ، فاذا كان الحق من جانبي فالله يستوفيه من خصمي ، وان كان الحق من جانب خصمي فالأولى أن لا أظلمه)) وعند هذا يفوض تلك الحكومة الى الله ويقول أعوذ بالله . الثالث : أن الانسان انما يغضب إذا أحس من نفسه بفرط قوة وشدة بواسطتها يقوى على قهر الخصم ، فاذا استحضر في عقله أن إله العالم أقوى وأقدر مني ثم إني عصيته مرات وكرات وأنه بفضله تجاوز عني فالأولى لي أن أتجاوز عن هذا المغضوب عليه ، فاذا أحضر في عقله هذا المعنى ترك الخصومة والمنازعة وقال أعوذ بالله ، وكل هذه المعاني مستنبطة من قوله تعالى ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) والمعنى أنه إذا تذكر هذه الأسرار والمعاني أبصر طريق الرشد فترك النزاع والدفاع ورضى بقضاء الله تعالى . والخبر الثاني: وروى معقل بن يسار رضي الله عنه عن النبي ﴿وَ﴾﴾ أنه قال ((من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر؛ وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسى ، فان مات في ذلك اليوم مات شهيداً ، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة . قلت : وتقريره من جانب العقل أن قوله ( أعوذ بالله ) مشاهدة لكمال عجز النفس وغاية قصورها ، والآيات الثلاث من آخر سورة الحشر مشاهدة لكمال الله وجلاله وعظمته ، وكمال الحال في مقام العبودية لا يحصل إلا بهذين المقامين. الخبر الثالث: روى أنس عن النبي ﴿وَ﴾﴾ أنه قال: ((من استعاذ في اليوم عشر مرات وكل الله تعالى به ملكاً يذود عنه الشيطان )) . قلت : والسبب فيه أنه لما قال ( أعوذ بالله ) وعرف معناه عرف منه نقصان قدرته ونقصان علمه ، وإذا عرف ذلك من نفسه لم يلتفت الى ما تأمره به النفس ، ولم يقدم على الأعمال التي تدعوه نفسه اليها ، والشيطان الأكبر هو النفس ، فثبت أن قراءة هذه الكلمة تزود الشيطان عن الإنسان . والخبر الرابع : عن خولة بنت حكيم عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال ((من نزل الفخر الرازي ج ١ م ٦ ٨٢ اركان الاستعاذة منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شرما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من ذلك المنزل)). قلت : والسبب فيه أنه ثبت في العلوم العقلية أن كثرة الأشخاص الروحانية فوق كثرة الأشخاص الجسمانية ، وأن السموات مملوءة من الأرواح الطاهرة ، كما قال عليه الصلاة والسلام (( أطت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو قاعد)) وكذلك الأثير والهواء مملوءة من الأرواح ، وبعضها طاهرة مشرقة خيرة ، وبعضها كدرة مؤذية شريرة ، فاذا قال الرجل ( أعوذ بكلمات الله التامات ) فقد استعاذ بتلك الأرواح الطاهرة من شرتلك الأرواح الخبيثة، وأيضاً كلمات الله هي قوله ((كن)) وهي عبارة عن القدرة النافذة ومن استعاذ بقدرة الله لم يضره شيء. والخبر الخامس: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﴿1﴾ قال ((إذا فزع أحدكم من النوم فليقل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشرعباده ومن شرهمزات الشياطين وأن يحضرون فانها لا تضر)) وكان عبد الله بن عمر يعلمها من بلغ من عبيده ، ومن لم يبلغ کتبها في صك ثم علقها في عنقه . والخبر السادس: عن ابن عباس عن النبي ﴿وَّ﴾: أنه كان يعوذ الحسن والحسين رضي الله عنهما، ويقول ((أعيذكما بكلمات الله التامة ، من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامة)) ويقول: ((كان أبي ابراهيم عليه السلام يعوذ بها اسمعيل واسحق عليهما السلام)). الخبر السابع : أنه عليه الصلاة والسلام كان يعظم أمر الاستعاذة حتى أنه لما تزوج امرأة ودخل بها فقالت أعوذ بالله منك فقال عليه الصلاة والسلام : عذت بمعاذ فالحقي بأهلك. واعلم أن الرجل المستبصر بنور الله لا التفات له إلى القائل ، وإنما التفاته الى القول ، ﴾ مشتغلاً بتلك الكلمة ، ولم فلما ذكرت تلك المرأة كلمة أعوذ بالله بقي قلب الرسول ، يلتفت إلى أنها قالت تلك الكلمة عن قصد أم لا . والخبر الثامن : روى الحسن قال : بينما رجل يضرب مملوكاً له فجعل المملوك يقول ( أعوذ بالله ) إذ جاء نبي الله فقال : أعوذ برسول الله ، فأمسك عنه فقال عليه السلام : عائذ الله أحق أن يمسك عنه ، فقال : فاني أشهدك يا رسول الله أنه حر لوجه الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : أما والذي نفسي بيده لو لم تقلها لدافع وجهك سفع النار. ٨٣ اركان الاستعاذة والخبر التاسع : قال سويا : سمعت أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يقول على المنبر: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقال سمعت رسول الله ﴿بَل﴾ يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، فلا أحب أن أترك ذلك ما بقيت . والخبر العاشر: قوله عليه الصلاة والسلام ((أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بعفوك من غضبك ، وأعوذ بك منك )) . الركن الرابع من أركان هذا الباب الكلام : في المستعاذ منه وهو الشيطان ، والمقصود من الاستعاذة دفع شرالشيطان ، واعلم أن شر الشيطان إما أن يكون بالوسوسة أو بغيرهما ، كما ذكره في قول الله تعالى ( كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) وفي هذا الباب مسائل غامضة دقيقة من العقليات ، ومن علوم المكاشفات. المسئلة الأولى : اختلف الناس في وجود الجن والشياطين فمن الناس من أنكر الجن والشياطين ، واعلم أنه لا بد أولا من البحث عن ماهية الجن والشياطين فنقول : أطبق الكل على أنه ليس الجن والشياطين عبارة عن أشخاص جسمانية كثيفة تجيء وتذهب مثل الناس والبهائم ، بل القول المحصل فيه قولان : الأول أنها أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة ، ولها عقول وأفهام وقدرة على أعمال صعبة شاقة . والقول الثاني : أن كثيراً من الناس أثبتوا أنها موجودات غير متحيزة ولا حالة في المتحيز ، وزعموا أنها موجودات مجردة عن الجسمية ، ثم هذه الموجودات قد تكون عالية مقدسة عن تدبير الأجسام بالكلية ، وهي الملائكة المقربون ، كما قال الله تعالى ( ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا یستحسرون ) ويليها مرتبة الأرواح المتعلقة بتدبير الأجسام ، وأشرفها حملة العرش ، كما قال تعالى ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) والمرتبة الثانية الحافون حول العرش ، كما قال تعالى ( وترى الملائكة حافين من حول العرش) والمرتبة الثالثة ملائكة الكرسي ، والمرتبة الرابعة ملائكة السموات طبقة طبقة ، والمرتبة الخامسة ملائكة كرة الأثير ، والمرتبة السادسة ملائكة كرة الهواء الذي هو في طبع النسيم ، والمرتبة السابعة ملائكة كرة الزمهرير ، والمرتبة الثامنة مرتبة الأرواح المتعلقة بالبحار ، والمرتبة التاسعة مرتبة الأرواح المتعلقة بالجبال ، والمرتبة العاشرة مرتبة الأرواح السفلية المتصرفة في هذه الأجسام النباتية والحيوانية الموجودة في هذا العالم . واعلم أنه على كلا القولين فهذه الأرواح قد تكون مشرقة الهية خيرة سعيدة ، وهي المسماة بالصالحين من الجن ، وقد تكون كدرة سفلية شريرة شقية ، وهي المسماة بالشياطين . واحتج المنكرون لوجود الجن والشياطين بوجوه : الحجة الأولى : ان الشيطان لو كان ٨٤ اركان الاستعاذة موجوداً لكان إما أن يكون جسماً كثيفاً أو لطيفاً، والقسمان باطلان فيبطل القول بوجوده وإنما قلنا أنه يمتنع أن يكون جسماً كثيفاً لأنه لو كان كذلك لوجب أن يراه كل من كان سليم الحس ، إذ لو جاز أن يكون بحضرتنا أجسام كثيفة ونحن لا نراها لجاز أن يكون بحضرتنا جبال عالية وشموس مضيئة ورعود وبروق مع أنا لا نشاهد شيئاً منها ، ومن جوز ذلك كان خارجاً عن العقل ، وإنما قلنا إنه لا يجوز كونها أجساماً لطيفة وذلك لأنه لو كان كذلك لوجب أن تتمزق أو تتفرق عند هبوب الرياح العاصفة القوية ، وأيضاً يلزم أن لا يكون لها قوة وقدرة على الأعمال الشاقة ، ومثبتوالجن ينسبون إليها الأعمال الشاقة ، ولما بطل القسمان ثبت فساد القول بالجن. الحجة الثانية : أن هذه الأشخاص المسماة بالجن إذا كانوا حاضرين في هذا العالم مخالطين للبشر فالظاهر الغالب أن يحصل لهم بسبب طول المخالطة والمصاحبة أما صداقة وأما عداوة ، فان حصلت الصداقة وجب ظهور المنافع بسبب تلك الصداقة ، وان حصلت العداوة وجب ظهور المضار بسبب تلك العداوة ، إلا أنا لا نرى أثراً لا من تلك الصداقة ولا من تلك العداوة وهؤلاء الذين يمارسون صنعة التعزيم إذا تابوا من الأكاذيب يعترفون بأنهم قط ما شاهدوا أثراً من هذا الجن ، وذلك مما يغلب على الظن عدم هذه الأشياء وسمعت واحداً ممن تاب عن تلك الصنعة قال إني واظبت على العزيمة الفلانية كذا من الأيام وما تركت دقيقة من الدقائق إلا أتيت بهاثم إني ما شاهدت من تلك الأحوال المذكورة أثراً ولا خبراً . الحجة الثالثة : أن الطريق الى معرفة الأشياء إما الحس ، وإما الخبر ، وإما الدليل : أما الحس فلم يدل على وجود هذه الأشياء ؛ لأن وجودها إما بالصورة أو الصوت فاذا كنا لا نرى صورة ولا سمعنا صوتاً فكيف يمكننا أن ندعي الاحساس بها ، والذين يقولون انا أبصرناها أو سمعنا أصواتها فهم طائفتان : المجانين الذين يتخيلون أشياء بسبب خلل أمزجتهم فيظنون أنهم رأوها ، والكذابون المخرفون ، وأما إثبات هذه الأشياء بواسطة أخبار الأنبياء والرسل فباطل لأن هذه الأشياء لو ثبتت لبطلت نبوة الأنبياء فان على تقدير ثبوتها يجوز أن يقال إن كل ما تأتي به الأنبياء من المعجزات إنما حصل باعانة الجن والشياطين ، وكل فرع أدى إلى ابطال الأصل كان باطلا ، مثاله إذا جوزنا نفوذ الجن في بواطن الانسان فلم لا يجوز أن يقال : إن حنين الجذع إنما كان لأجل أن الشيطان نفذ في ذلك الجذع ثم أظهر الحنين ولم لا يجوز أن يقال إن الناقة إنما تكلمت مع الرسول عليه السلام لأن الشيطان دخل في بطنها وتكلم ، ولم لا يجوز أن يقال إن الشجرة إنما انقلعت من أصلها لأن الشيطان اقتلعها ، فثبت أن القول باثبات الجن والشياطين يوجب القول ببطلان نبوة الأنبياء عليهم السلام ، وأما إثبات هذه الأشياء بواسطة الدليل والنظر فهو متعذر ، لأنا لا نعرف دليلاً عقلياً يدل على وجود الجن ٨٥ اركان الاستعاذة والشياطين ، فثبت أنه لا سبيل لنا إلى العلم بوجود هذه الأشياء ، فوجب أن يكون القول بوجود هذه الأشياء باطلا ، فهذه جملة شبه منكري الجن والشياطين. والجواب عن الأولى : بأنا نقول : إن الشبهة التي ذكرتم تدل على أنه يمتنع كون الجن جسماً ، فلم لا يجوز أن يقال أنه جوهر مجرد عن الجسمية . واعلم أن القائلين بهذا القول فرق : الأولى الذين قالوا : النفوس الناطقة البشرية المفارقة للأبدان قد تكون خيرة ، وقد تكون شريرة ، فان كانت خيرة فهي الملائكة الأرضية ، وان كانت شريرة فهي الشياطين الأرضية ، ثم إذا حدث بدن شديد المشابهة ببدن تلك النفوس المفارقة وتعلق بذلك البدن نفس شديدة المشابهة لتلك النفس المفارقة فحينئذ يحدث لتلك النفس المفارقة ضرب تعلق بهذا البدن الحادث ، وتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن على الأعمال اللائقة بها ، فان كانت النفسان من النفوس الطاهرة المشرفة الخيرة كانت تلك المعاونة والمعاضدة إلهاماً ، وإن كانتا من النفوس الخبيثة الشريرة كانت تلك المعاونة والمناصرة وسوسة ، فهذا هو الكلام في الالهام والوسوسة على قول هؤلاء. الفريق الثاني الذين قالوا : الجن والشياطين جواهر مجردة عن الجسمية وعلائقها ، وجنسها مخالف لجنس النفوس الناطقة البشرية ، ثم إن ذلك الجنس يندرج فيه أنواع أيضاً ، فان كانت طاهرة نورانية فهي الملائكة الأرضية ، وهم المسمون بصالحي الجن ، وإن كانت خبيثة شريرة فهي الشياطين المؤذية ، إذا عرفت هذا فنقول : الجنسية علة الضم ، فالنفوس البشرية الطاهرة النورانية تنضم إليها تلك الأرواح الطاهرة النورانية وتعينها على أعمالها التي هي من أبواب الخير والبر والتقوى ، والنفوس البشرية الخبيثة الكدرة تنضم إليها تلك الأرواح الخبيثة الشريرة وتعينها على أعمالها التي هي من باب الشر والاثم والعدوان. الفريق الثالث ، وهم الذين ينكرون وجود الأرواح السفلية ، ولكنهم أثبتوا وجود الأرواح المجردة الفلكية ، وزعموا أن تلك الأرواح أرواح عالية قاهرة قوية ، وهي مختلفة بجواهرها وماهياتها ، فكما أن لكل روح من الأرواح البشرية بدنا معيناً فكذلك لكل روح من الأرواح الفلكية بدن معين ، وهو ذلك الفلك المعين ، وكما أن الروح البشرية تتعلق أولا بالقلب ثم بواسطته يتعدى أثر ذلك الروح الى كل البدن ، فكذلك الروح الفلكي يتعلق أولا بالكواكب ثم بواسطة ذلك التعلق يتعدى أثر ذلك الروح إلى كلية ذلك الفلك والى كلية ٨٦ اركان الاستعاذة العالم ، وكما أنه يتولد في القلب والدماغ أرواح لطيفة وتلك الأرواح تتأدى في الشرايين والأعصاب الى أجزاء البدن ويصل بهذا الطريق قوة الحياة والحس والحركة الى كل جزء من أجزاء الأعضاء ، فكذلك ينبعث من جرم الكواكب خطوط شعاعية تتصل بجوانب العالم وتتأدى قوة تلك الكواكب بواسطة تلك الخطوط الشعاعية الى أجزاء هذا العالم وكما أن بواسطة الأرواح الفائضة من القلب والدماغ الى أجزاء البدن يحصل في كل جزء من أجزاء ذلك البدن قوى مختلفة وهي الغاذية والنامية والمولدة والحساسة - فتكون هذه القوى كالنتائج والأولاد لجوهر النفس المدبرة لكلية البدن ، فكذلك بواسطة الخطوط الشعاعية المنبثة من الكواكب الواصلة إلى أجزاء هذا العالم تحدث في تلك الأجزاء نفوس مخصوصة مثل نفس زید ونفس عمرو ، وهذا النفوس كالأولاد لتلك النفوس الفلكية ، ولما كانت النفوس الفلكية مختلفة في جواهرها وماهياتها ، فكذلك النفوس المتولدة من نفس فلك زحل مثلا طائفة ، والنفوس المتولدة من نفس فلك المشتري طائفة أخرى ، فتكون النفوس المنتسبة إلى روح زحل متجانسة متشاركة ، ويحصل بينها محبة ومودة ، وتكون النفوس المنتسبة إلى روح زحل مخالفة بالطبع والماهية للنفوس المنتسبة إلى روح المشتري ، وإذا عرفت هذا فنقول : قالوا : إن العلة تكون أقوى من المعلول ، فكل طائفة من النفوس البشرية طبيعة خاصة ، وهي تكون معلولة لروح من تلك الأرواح الفلكية وتلك الطبيعة تكون في الروح الفلكي أقوى وأعلى بكثير منها في هذه الأرواح البشرية ، وتلك الأرواح الفلكية بالنسبة إلى تلك الطائفة من الأرواح البشرية كالأب المشفق والسلطان الرحيم ، فلهذا السبب تلك الأرواح الفلكية تعين أولادها على مصالحها وتهديها تارة في النوم على سبيل الرؤيا ، وأخرى في اليقظة في سبيل الإلهام ، ثم إذا اتفق لبعض هذه النفوس البشرية قوة قوية من جنس تلك الخاصية وقوى اتصاله بالروح الفلكي الذي هو أصله ومعدنه ظهرت عليه أفعال عجيبة وأعمال خارقة للعادات ، فهذا تفصيل مذاهب من يثبت الجن والشياطين ، ويزعم أنها موجودات ليست أجساماً ولا جسمانية. واعلم أن قوماً من الفلاسفة طعنوا في هذا المذهب ، وزعموا أن المجرد يمتنع عليه إدراك الجزئيات ، والمجردات يمتنع كونها فاعلة للأفعال الجزئية. واعلم أن هذا باطل لوجهين : الأول : أنه يمكننا أن نحكم على هذا الشخص المعين بأنه إنسان وليس بفرس ، والقاضي على الشيئين لا بد وأن يحضره المقضي عليهما ، فههنا شيء واحد هو مدرك للكلي ، وهو النفس ، فيلزم أن يكون المدرك للجزئي هو النفس . الثاني : هب أن النفس المجردة لا تقوى على إدراك الجزئيات ابتداء ، لكن لا نزاع أنه يمكنها أن تدرك الجزئيات بواسطة الآلات الجسمانية ، فلم لا يجوز أن يقال : إن تلك الجواهر المجردة المسماة ٨٧ اركان الأستعاذة بالجن والشياطين لها آلات جسمانية من كرة الأثير أو من كرة الزمهرير ، ثم إنها بواسطة تلك الآلات الجسمانية تقوى على إدراك الجزئيات وعلى التصرف في هذه الأبدان ، فهذا تمام الكلام في شرح هذا المذاهب . وأما الذين زعموا أن الجن أجسام هوائية أونارية فقالوا : الأجسام متساوية في الحجمية والمقدار ، وهذان المعنيان أعراض ، فالأجسام متساوية في قبول هذه الأعراض ، والأشياء المختلفة بالماهية لا يمتنع اشتراكها في بعض اللوازم ، فلم لا يجوز أن يقال : الأجسام مختلفة بحسب ذواتها المخصوصة وماهياتها المعينة ، وإن كانت مشتركة فى قبول الحجمية والمقدار ؟ وإذا ثبت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يقال : أحد أنواع الأجسام أجسام لطيفة نفاذة حية لذواتها عاقلة لذواتها ، قادرة على الأعمال الشاقة لذواتها ، وهي غير قابلة للتفرق والتمزق ؟ وإذا كان الأمر كذلك فتلك الأجسام تكون قادرة على تشكيل أنفسها بأشكال مختلفة ، ثم إن الرياح العاصفة لا تمزقها ، والأجسام الكثيفة لا تفرقها ، أليس أن الفلاسفة قالوا : إن النار التي تنفصل عن الصواعق تنفذ في اللحظة اللطيفة في بواطن الأحجار والحديد ، وتخرج من الجانب الآخر؟ فلم لا يعقل مثله في هذه الصورة ، وعلى هذا التقدير فإن الجن تكون قادرة على النفوذ في بواطن الناس وعلى التصرف فيها ، وانها تبقى حية فعالة مصونة عن الفساد إلى الأجل المعين والوقت المعلوم ، فكل هذه الأحوال احتمالات ظاهرة ، والدليل لم يقم على ابطالها ، فلم يجز المصير إلى القول بابطالها. وأما الجواب عن الشبهة الثانية : أنه لا يجب حصول تلك الصداقة والعداوة مع كل واحد وكل واحد لا يعرف إلا حال نفسه ، أما حال غيره فانه لا يعلمها ، فبقي هذا الأمر في حيز الاحتمال . وأما الجواب عن الشبهة الثالثة فهو انا نقول : لا نسلم أن القول بوجود الجن والملائكة يوجب الطعن في نبوة الأنبياء عليهم السلام ، وسيظهر الجواب عن الأجوبة التي ذكرتموها فيما بعد ذلك ، فهذا آخر الكلام في الجواب عن الشبهات. المسئلة الثانية : اعلم أن القرآن والأخبار يدلان على وجود الجن والشياطين : أما القرآن فآيات : الآية الأولى قوله تعالى ( وإذ صرفنا اليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا انا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ) وهذا نص على وجودهم وعلى أنهم سمعوا القرآن ، وعلى أنهم أنذروا قومهم ، والآية الثانية قوله تعالى ( واتبعوا ما تتلوا ٨٨ اركان الاستعاذة يعجلون الشياطين على ملك سليمان )، والآية الثالثة قوله تعالى في قصة سليمان عليه السلام ( يَعلسون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا ) وقال تعالى ( والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد ) وقال تعالى ( ولسليمان الريح - إلى قوله تعالى ( ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه) والآية الرابعة قوله تعالى ( يا معشر الجن والانس ان استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض ) والآية الخامسة قوله تعالى ( انا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظاً من كل شيطان مارد) وأما الأخبار فكثيرة : - الخبر الأول : روى مالك في الموطأ ، عن صيفي بن أفلح ، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري ، قال : فوجدته يصلي ، فجلست أنتظره حتى يقضى صلاته ، قال: فسمعت تحريكاً تحت سريره في بيته ، فإذا هي حية ، فقمت لأقتلها ، فأشار أبو سعيد أن أجلس ، فلما انصرف من صلاته أشار إلى بيت في الدار فقال : ترى هذا البيت ؟ فقلت نعم ، فقال إنه كان فيه فتى حديث عهد بعرس ، وساق الحديث إلى أن قال : فرأى امرأته واقفة بين الناس ، فأدركته غيرة فأهوى اليها بالرمح ليطعنها بسبب الغيرة فقالت : لا تعجل حتى تدخل وتنظر ما في بيتك ، فدخل فاذا هو بحية مطوقة على فراشه فركز فيها رمحه فاضطربت الحية في رأس الرمح وخر الفتى ميتاً ، فما ندري أيهما كان أسرع موتاً: الفتى أم الحية، فذكرت ذلك لرسول الله ﴿وَ﴾﴾ فقال: إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فمن بدا لكم منهم فآذنوه ثلاثة أيام فان بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان . الخبر الثاني: روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد قال لما أسرى برسول الله ﴿وَل﴾﴾ رأى عفريتاً من الجن يطلبه بشعلة من نار كلما التفت رآه، فقال جبريل عليه السلام: ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن طفئت شعلته وخر لفيه ، قل : أعوذ بوجه الله الكريم ، وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر ، من شرما ينزل من السماء ، ومن شرما يعرج فيها ، ومن شرما نزل إلى الأرض ، وشرما يخرج منها ، ومن شرفتن الليل والنهار ، ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن . والخبر الثالث : روى مالك أيضاً في الموطأ أن كعب الأخبار كان يقول : أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شيء أعظم منه ، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر ، وبأسمائه كلها ما قد علمت منها وما لم أعلم ، من شرما خلق وذرأ وبرأ . والخبر الرابع : روى أيضاً مالك أن خالد بن الوليد قال: يا رسول الله ، إني أروع في منامي ، فقال له رسول الله ﴿وَ﴾ قل: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر . ٨٩ اركان الاستعاذة عباده ، ومن همزات الشياطين ، وأن يحضرون . والخبر الخامس : ما اشتهر وبلغ مبلغ التواتر من خروج النبي ﴿وَ﴾﴾ ليلة الجن وقراءته عليهم ، ودعوته إياهم إلى الإِسلام . والخبر السادس : روى القاضي أبو بكر في الهداية أن عيسى بن مريم عليهما السلام دعا ربه أن يريه موضع الشيطان من بني آدم ، فأراه ذلك فإذا رأسه مثل رأس الحية واضع رأسه على قلبه ، فإذا ذكر الله تعالى خنس ، وإذا لم يذكره وضع رأسه على حبة قلبه . والخبر السابع : قوله عليه السلام ((ان الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم)) وقال ((ما منكم أحد إلا وله شيطان)) قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال ((ولا أنا، إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم )) والأحاديث في ذلك كثيرة ، والقدر الذي ذكرناه كاف .. المسئلة الثالثة : في بيان أن الجن مخلوق من النار : والدليل عليه قوله تعالى ( والجان خلقناه من قبل من نار السموم) وقال تعالى حاكياً عن إبليس لعنه الله أنه قال ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) واعلم أن حصول الحياة في النار غير مستبعد ، ألا ترى أن الأطباء قالوا المتعلق الأول للنفس هو القلب والروح ، وهما في غاية السخونة ، وقال جالينوس : إني بقرت مرة بطن قرد فادخلت يدي في بطنه ، وأدخلت أصبعي في قلبه فوجدته في غاية السخونة بل تزيد ، ونقول : أطبق الأطباء على أن الحياة لا تحصل إلا بسبب الحرارة الغريزية ، وقال بعضهم : الأغلب على الظن أن كرة النار تكون مملوءة من الروحانيات . المسئلة الرابعة : ذكروا قولين في أنهم لم سموا بالجن ، الأول : أن لفظ الجن مأخوذ من الاستتار ، ومنه الجنة لاستتار أرضها بالأشجار ، ومنه الجنة لكونها ساترة للانسان ، ومنه الجن لاستتارهم عن العيون ، ومنه المجنون لاستتار عقله ، ومنه الجنين لاستتاره في البطن ومنه قوله تعالى ( اتخذوا أيمانهم جنة ) أي وقاية وستراً، واعلم أن على هذا القول يلزم أن تكون الملائكة من الجن لاستتارهم عن العيون ، إلا أن يقال : إن هذا من باب تقييد المطلق بسبب العرف. والقول الثاني : أنهم سموا بهذا الاسم لأنهم كانوا في أول أمرهم خزان الجنة والقول الأول أقوى. المسئلة الخامسة : اعلم أن طوائف المكلفين أربعة : الملائكة ، والأنس ، والجن ، والشياطين ، واختلفوا في الجن والشياطين فقيل : الشياطين جنس والجن جنس آخر ، كما أن الانسان جنس والفرس جنس آخر ، وقيل : الجن منهم أخيار ومنهم أشرار والشياطين اسم لاشرار الجن . ٩٠ اركان الاستعاذة المسئلة السادسة : المشهور أن الجن لهم قدرة على النفوذ في بواطن البشر، وأنكر أكثر المعتزلة ذلك ، أما المثبتون فقد احتجوا بوجوه : الأول : أنه إن كان الجن عبارة عن موجود ليس بجسم ولا جسماني فحينئذ يكون معنى كونه قادراً على النفوذ في باطنه انه يقدر على التصرف في باطنه ، وذلك غير مستبعد ، وان كان عبارة عن حيوان هوائي لطيف نفاذ كما وصفناه كان نفاذه في باطن بني آدم أيضاً غير ممتنع قياساً على النفس وغيره . الثاني : قوله تعالى ( لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس). الثالث: قوله عليه السلام ((ان الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم . أما المنكرون فقد احتجوا بأمور : الأول : قوله تعالى حكاية عن إبليس ( لعنة الله وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ) صرح بأنه ما كان له على البشر سلطان إلا من الوجه الواحد ، وهو إلقاء الوسوسة والدعوة الى الباطل . الثاني : لا شك أن الأنبياء والعلماء المحققين يدعون الناس إلى لعن الشيطان والبراءة منه ، فوجب أن تكون العداوة بين الشياطين وبينهم أعظم أنواع العداوة ، فلو كانوا قادرين على النفوذ في بواطن البشر وعلى إيصال البلاء والشراليهم لوجب أن يكون تضرر الأنبياء والعلماء منهم أشد من تضرر كل أحد ، ولما لم یکن کذلك علمنا انه باطل. المسئلة السابعة : اتفقوا على أن الملائكة لا یأکلون ولا يشربون ولا ینکحون ، يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، وأما الجن والشياطين فانهم يأكلون ويشربون ، قال عليه السلام في الروث والعظم ((انه زاد إخوانكم من الجن)) وأيضاً فانهم يتوالدون قال تعالى (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني . المسئلة الثامنة في كيفية الوسوسة بناء على ما ورد في الآثار : ذكروا أنه يغوص في باطن الانسان ، ويضع رأسه على حبة قلبه ، ويلقي اليه الوسوسة واحتجوا عليه بما روى أن النبي ، قال ((إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم ، ألا فضيقوا مجاريه بالجوع)) وقال عليه السلام (( لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا الى ملكوت السموات . ومن الناس من قال : هذه الأخبار لا بد من تأويلها ، لأنه يمتنع حملها على ظواهرها، واحتج عليه بوجوه : الأول : أن نفوذ الشياطين في بواطن الناس محال ؛ لأنه يلزم إما اتساع تلك المجاري أو تداخل تلك الأجسام . الثاني : ما ذكرنا أن العداوة الشديدة حاصلة بينه وبني أهل الدين ، فلوقدر على هذا النفوذ فلم لا يخصهم بمزيد الضرر ؟ الثالث : أن الشيطان مخلوق من النار ، فلو دخل في داخل البدن لصار كأنه نفذ النار في داخل البدن ، ومعلوم أنه لا ٩١ اركان الاستعاذة يحس بذلك . الرابع : أن الشياطين يحبون المعاصي وأنواع الكفر والفسق ، ثم إنا نتضرع بأعظم الوجوه اليهم ليظهروا أنواع الفسق فلا نجد منه أثراً ولا فائدة ، وبالجملة فلا نرى لا من عداوتهم ضرراً ولا من صداقتهم نفعاً. وأجاب مثبتو الشياطين عن السؤال الأول بأن على القول بأنها نفوس مجردة فالسؤال زائل ، وعلى القول بأنها أجسام لطيفة كالضوء والهواء فالسؤال أيضاً زائل ، وعن الثاني لا يبعد أن يقال: إن الله وملائكته يمنعونهم عن إيذاء علماء البشر، وعن الثالث أنه لما جاز أن يقول الله تعالى لنار إبراهيم ( يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ) فلم لا يجوز مثله ههنا ، وعن الرابع أن الشياطين مختارون، ولعلهم يفعلون بعض القبائح دون بعض . المسئلة التاسعة ، في تحقيق الكلام في الوسوسة على الوجه الذي قرره الشيخ الغزالي في كتاب الأحياء ، قال : القلب مثل قبة لها أبواب تنصب اليها الأحوال من كل باب ، أو مثل هدف ترمي اليه السهام من كل جانب ، أو مثل مرآة منصوبة تجتاز عليها الأشخاص ، فتتراءى فيها صورة بعد صورة ، أو مثل حوض تنصب اليه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة واعلم أن مداخل هذه الآثار المتجددة في القلب ساعة فساعة إما من الظاهر كالحواس الخمس ، وإما من البواطن كالخيال والشهوة والغضب والأخلاق المركبة في مزاج الانسان ، فانه إذا أدرك بالحواس شيئاً حصل منه أثر في القلب ، وكذا إذا هاجت الشهوة أو الغضب حصل من تلك الأحوال آثار في القلب ، وأما إذا منع الانسان عن الإدراكات الظاهرة فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى ، وينتقل الخيال من شيء إلى شيء ، وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال ، فالقلب دائماً في التغير والتأثر من هذه الأسباب ، وأخص الآثار الحاصلة في القلب هي الخواطر ، وأعني بالخواطر ما يعرض فيه من الأفكار والأذكار ، وأعني بها إدراكات وعلوماً إما على سبيل التجدد وإما على سبيل التذكر ، وإنما تسمى خواطر من حيث أنها تخطر بالخيال بعد أن كان القلب غافلاً عنها ، فالخواطر هي المحركات للارادات ، والإرادات محركة للأعضاء ، ثم هذه الخواطر المحركة لهذه الإرادات تنقسم إلى ما يدعو إلى الشرأعني إلى ما يضر في العاقبة - وإلى ما ينفع - أعني ما ينفع في العاقبة - فهما خاطران مختلفان، فافتقرا إلى اسمين مختلفين ، فالخاطر المحمود يسمى إلهاماً ، والمذموم يسمى وسواساً ، ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر أحوال حادثة فلا بد لها من سبب ، والتسلسل محال ، فلا بد من إنتهاء الكل إلى واجب الوجود ، وهذا ملخص كلام الشيخ الغزالي بعد حذف التطويلات منه . المسئلة العاشرة : في تحقيق الكلام فيما ذكره الغزالي : اعلم أن هذا الرجل دار حول المقصود إلا أنه لا يحصل الغرض إلا من بعد مزيد التنقيح ، فنقول : لا بد قبل الخوض في ٩٢ اركان الاستعاذة المقصود من تقديم مقدمات . المقدمة الأولى : لا شك أن ههنا مطلوباً ومهروباً . وكل مطلوب فاما أن يكون مطلوباً لذاته أو لغيره ، ولا يجوز أن يكون كل مطلوب مطلوباً لغيره . وأن يكون كل مهروب مهروباً عنه لغيره : وإلا لزم إما الدور واما التسلسل ، وهما محالان ، فثبت أنه لا بد من الاعتراف بوجود شيء يكون مطلوباً لذاته ، وبوجود شيء يكون مهروباً عنه لذاته. المقدمة الثانية ، إن الاستقراء دل على أن المطلوب بالذات هو اللذة والسرور ، والمطلوب بالتبع ما يكون وسيلة إليهما ، والمهروب عنه بالذات هو الألم والحزن ، والمهروب عنه بالتبع ما یکون وسیلة إليهما . المقدمة الثالثة : إن اللذيذ عند كل قوة من القوى النفسانية شيء آخر ، فاللذيذ عند القوة الباصرة شيء ، واللذيذ عند القوة السامعة شيء آخر ، واللذيذ عند القوة الشهوانية شيء ثالث ، واللذيذ عند القوة الغضبية شيء رابع ، واللذيذ عند القوة العاقلة شيء خامس. المقدمة الرابعة : إن القوة الباصرة إذا أدركت موجوداً في الخارج لزم من حصول ذلك الادراك البصري وقوف الذهن على ماهية ذلك المرئي ، وعند الوقوف عليه يحصل العلم بكونه لذيذاً أو مؤلماً أو خالياً عنهما ، فان حصل العلم بكونه لذيذاً ترتب على حصول هذا العلم أو الاعتقاد حصول الميل إلى تحصيله ، وإن حصل العلم بكونه مؤلماً ترتب على هذا العلم أو الاعتقاد حصول الميل إلى البعد عنه والفرار منه ، فان لم يحصل العلم بكونه مؤلماً ولا بكونه لذيذاً لم يحصل في القلب لا رغبة إلى الفرار عنه ولا رغبة إلى تحصيله. المقدمة الخامسة : إن العلم بكونه لذيذاً إنما يوجب حصول الميل والرغبة في تحصيله إذا حصل ذلك العلم خالياً عن المعارض والمعاوق ، فاما إذا حصل هذا المعارض لم يحصل ذلك الاقتضاء ، مثاله إذا رأينا طعاماً لذيذاً فعلمنا بكونه لذيذاً ، إنما يؤثر في الاقدام على تناوله إذا لم نعتقد أنه حصل فيه ضرر زائد ، أما إذا اعتقدنا أنه حصل فيه ضرر زائد فعند هذا يعتبر العقل كيفية المعارضة والترجيح ، فأيهما غلب على ظنه أنه أرجح عمل بمقتضى ذلك الرجحان ، ومثال آخر لهذا المعنى : إن الإِنسان قد يقتل نفسه وقد يلقي نفسه من السطح العالى ، إلا أنه إنما يقدم على هذا العمل إذا اعتقد أنه بسبب تحمل ذلك العمل المؤلم يتخلص عن مؤلم آخر أعظم منه ، أو يتوصل به إلى تحصيل منفعة أعلى حالا منها ، فثبت بما ذكرنا أن اعتقاد كونه لذيذاً أو مؤلماً إنما يوجب الرغبة والنفرة إذا خلا ذلك الاعتقاد عن المعارض. : ٩٣ أركان الاستعاذة المقدمة السادسة : في بيان أن التقرير الذي بيناه يدل على أن الأفعال الحيوانية لها مراتب مرتبة ترتيباً ذاتياً لزومياً عقلياً ، وذلك لأن هذه الأفعال مصدرها القريب هو القوى الموجودة في العضلات ، إلا أن هذه القوى صالحة للفعل وللترك ، فامتنع صيرورتها مصدراً للفعل بدلا عن الترك ، وللترك بدلا عن الفعل ، إلا بضميمة تنضم إليها ، وهي الإرادات ثم إن تلك الإِرادات إنما توجد وتحدث لأجل العلم بكونها لذيذة أو مؤلمة ثم إن تلك العلوم ان حصلت بفعل الإنسان عاد البحث الأول فيه ، ولزم إما الدور وإما التسلسل وهما محالان ، وإما الانتهاء إلى علوم وإدراكات وتصورات تحصل في جوهر النفس من الأسباب الخارجة ، وهي اما الاتصالات الفلكية على مذهب قوم أو السبب الحقيقي وهو أن الله تعالى يخلق تلك الاعتقادات أو العلوم في القلب ، فهذا تلخيص الكلام في أن الفعل كيف يصدر عن الحيوان. إذا عرفت هذا فاعلم أن نفاة الشيطان ونفاة الوسوسة قالوا : ثبت أن المصدر القريب للأفعال الحيوانية هو هذه القوى المذكورة في العضلات والأوتار ، فثبت أن تلك القوى لا تصير مصادر للفعل والترك إلا عند انضمام الميل والإِرادة إليها ، وثبت أن تلك الإرادة من لوازم حصول الشعور بكون ذلك الشيء لذيذاً أو مؤلماً ، وثبت أن حصول ذلك الشعور لا بد وأن يكون يخلق الله تعالى ابتداء أو بواسطة مراتب شأن كل واحد منها في استلزام ما بعده على الوجه الذي قررناه ، وثبت أن ترتب كل واحد من هذه المراتب على ما قبله أمر لازم لزوماً ذاتياً واجباً ، فانه إذا أحس بالشيء وعرف كونه ملائماً مال طبعه إليه ، وإذا مال طبعه اليه تحركت القوة إلى الطلب ، فاذا حصلت هذه المراتب حصل الفعل لا محالة ، فلو قدرنا شيطاناً من الخارج وفرضنا أنه حصلت له وسوسة كانت تلك الوسوسة عديمة الأثر ؛ لأنه إذا حصلت تلك المراتب المذكورة حصل الفعل سواء حصل هذا الشيطان أو لم يحصل ، وإن لم يحصل مجموع تلك المراتب امتنع حصول الفعل سواء حصل هذا الشيطان أو لم يحصل ، فعلمنا أن القول بوجود الشيطان وبوجود الوسوسة قول باطل ، بل الحق أن نقول : إن اتفق حصول هذه المراتب في الطرف النافع سميناها بالالهام ، وان اتفق حصولها في الطرف الضار سميناها بالوسوسة ، هذا تمام الكلام في تقرير الأشكال. والجواب : أن كل ما ذكرتموه حق وصدق ، إلا أنه لا يبعد أن يكون الإنسان غافلاً عن الشيء فإذا ذكره الشيطان ذلك الشيء تذكره ، ثم عند التذكر يترتب الميل عليه ، ويترتب الفعل على حصول ذلك الميل ، فالذي أتى به الشيطان الخارجي ليس إلا ذلك التذكر ، واليه الإِشارة بقوله تعالى حاكياً عن إبليس أنه قال ( وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ) إلا أنه بقي لقائل أن يقول : فالإنسان إنما قدم على المعصية بتذكير الشيطان ، ٩٤ أركان الاستعاذة فالشيطان إن كان إقدامه على المعصية بتذكير شيطان آخر لزم تسلسل الشياطين ، وإن كان عمل ذلك الشيطان ليس لأجل شيطان آخر ثبت أن ذلك الشيطان الأول إنما أقدم على ما أقدم عليه لحصول ذلك الاعتقاد في قلبه ، ولا بد لذلك الإعتقاد الحادث من سبب ، وما ذاك إلا الله سبحانه وتعالى ، وعند هذا يظهر أن الكل من الله تعالى ، فهذا غاية الكلام في هذا البحث الدقيق العميق ، وصار حاصل الكلام ما قاله سيد الرسل عليه الصلاة والسلام وهو قوله ((أعوذ بك منك)) والله أعلم. المسئلة الحادية عشرة : اعلم أن الإنسان إذا جلس في الخلوة وتواترت الخواطر في قلبه فربما صار بحيث كأنه يسمع في دخل قلبه ودماغه أصواتاً خفية وحروفاً خفية ، فكأن متكلماً يتكلم معه ، ومخاطباً يخاطبه ، فهذا أمر وجداني يجده كل أحد من نفسه ، ثم اختلف الناس في تلك الخواطر. فقالت الفلاسفة إن تلك الأشياء ليست حروفاً ولا أصواتاً ، وإنما هي تخيلات الحروف والأصوات ، وتخيل الشيء عبارة عن حضور رسمه ومثاله في الخيال ، وهذا كما أنا إذا تخيلنا صور الجبال والبحار والأشخاص ، فأعيان تلك الأشياء غير موجودة في العقل والقلب ، بل الموجود في العقل والقلب صورها وأمثلتها ورسومها ، وهي على سبيل التمثيل جارية مجرى الصورة المرتسمة في المرآة . فانا إذا أحسسنا في المرآة صورة الفلك والشمس والقمر فليس ذلك لأجل أنه حضرت ذوات هذه الأشياء في المرآة فان ذلك محال ، وإنما الحاصل في المرآة رسوم هذه الأشياء وأمثلتها وصورها ، وإذا عرفت هذا في تخيل المبصرات فاعلم أن الحال في تخيل الحروف والكلمات المسموعة كذلك ، فهذا قول جمهور الفلاسفة ، ولقائل أن يقول : هذا الذي سميته بتخيل الحروف والكلمات هل هو مساو للحرف والكلمة في الماهية أو لا ؟ فان حصلت المساواة فقد عاد الكلام إلى أن الحاصل في الخيال حقائق الحروف والأصوات ، وإلى أن الحاصل في الخيال عند تخيل البحر والسماء حقيقة البحر والسماء ، وإن كان الحق هو الثاني - وهو أن الحاصل في الخيال شىء آخر مخالف للمبصرات والمسموعات - فحينئذ يعود السؤال وهو : أنا کیفنجد من أنفسنا صور هذه المرئيات،وکیفنجد من أنفسنا هذه الكلمة والعبارات وجدنا لا نشك أنها حروف متوالية على العقل وألفاظ متعاقبة على الذهن ، فهذا منتهى الكلام في كلام الفلاسفة ، أما الجمهور الأعظم من أهل العلم فانهم سلموا أن هذه الخواطر المتوالية المتعاقبة حروف وأصوات حقيقة. وأعلم أن القائلين بهذا القول قالوا : فاعل هذه الحروف والأصوات إما ذلك الإنسان أو إنسان آخر ، وإما شيء آخر روحاني مباين يمكنه إلقاء هذه الحروف والأصوات إلى هذا الإِنسان ، سواء قيل إن ذلك المتكلم هو الجن والشياطين أو الملك ، وإما أن يقال : خالق ٩٥ أركان الاستعاذة تلك الحروف والأصوات هو الله تعالى : أما القسم الأول - وهو أن فاعل هذه الحروف والأصوات هو ذلك الإنسان - فهذا قول باطل ، لأن الذي يحصل باختيار الإِنسان يكون قادراً على تركه ، فلو كان حصول هذه الخواطر بفعل الإنسان لكان الإنسان إذا أراد دفعها أوتركها لقدر عليه ، ومعلوم أنه لا يقدر على دفعها ، فانه سواء حاول فعلها أو حاول تركها فتلك الخواطر تتوارد على طبعه وتتعاقب على ذهنه بغير اختياره ، وأما القسم الثاني - وهو أنها حصلت بفعل إنسان آخر - فهو ظاهر الفساد ، ولما بطل هذان القسمان بقي الثالث - وهي أنها من فعل الجن أو الملك أو من فعل الله تعالى . أما الذين قالوا إن الله تعالى لا يجوز أن يفعل القبائح فاللائق بمذهبهم أن يقولوا أن هذه الخواطر الخبيثة ليست من فعل الله تعالى ، فبقي أنها من أحاديث الجن والشياطين ، وأما الذين قالوا أنه لا يقبح من الله شيء فليس في مذهبهم مانع يمنعهم من إسناد هذه الخواطر إلى الله تعالى . واعلم أن الثنوية يقولون : للعالم إلهان أحدهما خير وعسكره الملائكة ، والثاني شرير وعسكره الشياطين ، وهما يتنازعان أبداً كل شيء في هذا العالم ، فلكل واحد منهما تعلق به ، والخواطر الداعية إلى أعمال الخير إنما حصلت من عساكر الله ، والخواطر الداعية إلى أعمال الشر إنما حصلت من عساكر الشيطان ، واعلم أن القول بإثبات الآلهين قول باطل فاسد ، على ما ثبت فساده بالدلائل ، فهذا منتهى القول في هذا الباب. المسئلة الثانية عشرة : من الناس من أثبت لهذه الشياطين قدرة على الأحياء ، وعلى الأمانة وعلى خلق الأجسام ، وعلى تغيير الأشخاص عن صورتها الأصلية وخلقتها الأولية ، ومنهم من أنكر هذه الأحوال ، وقال : أنه لا قدرة لها على شيء من هذه الأحوال . أما أصحابنا فقد أقاموا الدلالة على أن القدرة على الايجاد والتكوين والاحداث ليست إلا لله ، فبطلت هذه المذاهب بالكلية . وأما المعتزلة فقد سلموا أن الإنسان قادر على إيجاد بعض الحوادث ، فلا جرم صاروا محتاجين إلى بيان أن هذه الشياطين لا قدرة لها على خلق الأجسام والحياة ، ودليلهم أن قالوا الشيطان جسم ، وكل جسم فانه قادر بالقدرة ، والقدرة لا تصلح لا يجاد الأجسام ، فهذه مقدمات ثلاث : المقدمة الأولى أن الشيطان جسم ، وقد بنوا هذه المقدمة على أن ما سوى الله تعالى إما متحيز وإما حال في المتحيز ، وليس لهم في إثبات هذه المقدمة شبهة فضلا عن حجة وأما المقدمة الثانية - وهي قولهم الجسم إنما يكون قادراً بالقدرة - فقد بنوا هذا على أن الأجسام ٩٦ أركان الاستعاذة مما تستلزم مماثلة ، فلو كان شيء منها قادراً لذاته لكان الكل قادراً لذاته ، وبناء هذه المقدمة على تماثل الأجسام ، وأما المقدمة الثالثة - وهي قولهم هذه القدرة التي لنا لا تصلح لخلق الأجسام فوجب أن لا تصلح القدرة الحادثة لخلق الأجسام - وهذا أيضاً ضعيف، لأنه يقال لهم لم لا يجوز حصول قدرة مخالفة لهذه القدرة الحاصلة لنا وتكون تلك القدرة صالحة لخلق الأجسام فانه لا يلزم من عدم وجود الشيء في حال امتناع وجوده ، فهذا إتمام الكلام في هذه المسئلة . المسئلة الثالثة عشرة : اختلفوا في أن الجن هل يعلمون الغيب ؟ وقد بين الله تعالى في كتابه أنهم بقوا في قيد سليمان عليه السلام وفي حبسه بعد موته مدة وهم ما كانوا يعلمون موته ، وذلك يدل على أنهم لا يعلمون الغيب ، ومن الناس من يقول أنهم يعلمون الغيب ، ثم اختلفوا فقال بعضهم أن فيهم من يصعد إلى السموات أو يقرب منها ويخبر ببعض الغيوب على ألسنة الملائكة ، ومنهم من قال : لهم طرق أخرى في معرفة الغيوب لا يعلمها إلا الله ، واعلم أن فتح الباب في أمثال هذه المباحث لا يفيد إلا الظنون والحسبانات والعالم بحقائقها هو الله تعالى. الركن الخامس من أركان مباحث الاستعاذة المطالب التي لأجلها يستعاذ. إعلم أنا قد بينا أن حاجات العبد غير متناهية ، فلا خير من الخيرات إلا وهو محتاج إلى تحصيله ، ولا شرمن الشرور إلا وهو محتاج إلى دفعه وأبطاله ، فقوله ( أعوذ بالله ) يتناول دفع جميع الشرور الروحانية والجسمانية ، وكلها أمور غير متناهية ، ونحن ننبه على معاقدها فنقول : الشرور إما أن تكون من باب الاعتقادات الحاصلة في القلوب ، وإما أن تكون من باب الأعمال الموجودة في الأبدن ، أما القسم الأول فيدخل فيه جميع العقائد الباطلة . واعلم أن أقسام المعلومات غير متناهية كل واحد منها يمكن أن يعتقد اعتقاداً صواباً صحيحاً ويمكن أن يعتقد اعتقاداً فاسداً خطأ ، ويدخل في هذه الجملة مذاهب فرق الضلال في العالم ، وهي اثنتان وسبعون فرقة من هذه الأمة ، وسبعمائه وأكثر خارج عن هذه الأمة . فقوله ( أعوذ بالله ) يتناول الاستعاذة من كل واحد منها . وأما ما يتعلق بالاعمال البدنية فهي على قسمين : منها ما يفيد المضار الدينية ، ومنها ما يفيد المضار الدنيوية ، فأما المضار الدينية فكل ما نهى الله عنه في جميع أقسام التكاليف، وضبطها كالمعتذر ، وقوله ( أعوذ بالله ) يتناول كلها ، وأما ما يتعلق بالمضار الدنيوية فهو جميع الآلام والاسقام والحرق والغرق والفقر والزمانة والعمي ، وأنواعها تقرب أن تكون غير متناهية ، فقوله ( أعوذ بالله ) يتناول الاستعاذة من كل واحد منها. ٩٧ اللطائف المستنبطة من الاستعاذة والحاصل أن قوله ( أعوذ بالله ) يتناول ثلاثة أقسام ، وكل واحد منهما يجري مجرى مالا نهاية له أولها الجهل ، ولما كانت أقسام المعلومات غير متناهية كانت أنواع الجهالات غير متناهية ، فالعبد يستعذ بالله منها ، ويدخل في هذه الجملة مذاهب أهل الكفر وأهل البدعة على كثرتها ، وثانيها الفسق ، ولما كانت أنواع التكاليف كثيرة جداً وكتب الأحلام محتوية عليها كان قوله : ( أعوذ بالله) متناولاً لكلها ، وثالثها المكروهات والآفات والمخافات ، ولما كانت أقسامها وأنواعها غير متناهية كان قوله ( أعوذ بالله ) متناولاً لكلها ، ومن أراد أن يحيط بها فليطالع كتب الطب حتى يعرف في ذلك لكل واحد من الأعضاء أنواعاً من الآلام والأسقام ، ويجب على العاقل أنه إذا أراد أن يقول ( أعوذ بالله ) فانه يستحضر في ذهنه هذه الأجناس الثلاثة وتقسيم كل واحد من هذه الأجناس الى أنواعها وأنواع أنواعها ، ويبالغ في ذلك التقسيم والتفصيل ، ثم إذا استحضرتلك الأنواع التي لا حد لها ولا عد لها في خياله ثم عرف أن قدرة جمیع الخلائق لا تفي بدفع هذه الأقسام علی کثرتها فحينئذ يحمله طبعه وعقله على أن يلتجىء إلى القادر على دفع ما لا نهاية له من المقدورات فيقول عند ذلك ( أعوذ بالله القادر على كل المقدورات من جميع أقسام الآفات والمخافات ) ولنقتصر على هذا القدر من المباحث في هذا الباب والله الهادي. الباب الثالث في اللطائف المستنبطة من قولنا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم النكتة الأولى: في قوله ( أعوذ بالله) عروج من الخلق إلى الخالق ، ومن الممكن إلى الواجب : وهذا هو الطريق المتعين في أول الأمر ، لأن في أول الأمر لا طريق إلى معرفته إلا بأن يستدل باحتياج الخلق على وجود الحق الغني القادر ، فقوله ( أعوذ ) إشارة إلى الحاجة التامة ، فإنه لولا الاحتياج لما كان في الاستعاذة فائدة ، وقوله ( بالله ) إشارة إلى الغني التام للحق ، فقول العبد ( أعوذ ) إقرار على نفسه بالفقر والحاجة ، وقوله ( بالله ) إقرار بأمرين أحدهما بأن الحق قادر على تحصيل كل الخيرات ودفع كل الآفات ، والثاني أن غيره غير موصوف بهذه الصفة فلا دافع للحاجات إلا هو ، ولا معطى للخيرات إلا هو، فعند مشاهدة هذه الحالة يفر العبد من نفسه ومن كل شيء سوى الحق فيشاهد في هذا الفرار سرقوله ( ففروا إلى الله) وهذه الحالة تحصل عند قوله ( أعوذ) ثم إذا وصل إلى غيبة الحق وصار غريقاً في نور جلال الحق شاهد قوله ( قل الله ثم ذرهم ) فعند ذلك يقول ( أعوذ بالله ) . الفخر الرازي ج ١ م ٧ ٩٨ اللطائف المستنبطة من الاستعاذة النكتة الثانية : أن قوله ( أعوذ بالله ) اعتراف بعجز النفس وبقدرة الرب ، وهذا يدل على أنه لا وسيلة إلى القرب من حضرة الله إلا بالعجز والانكسار ، ثم من الكلمات النبوية قوله عليه الصلاة والسلام ((من عرف نفسه فقد عرف ربه)) والمعنى من عرف نفسه بالضعف والقصور عرف ربه بأنه هو القادر على كل مقدور ، ومن عرف نفسه بالجهل عرف ربه بالفضل والعدل ، ومن عرف نفسه باختلال الحال عرف ربه بالكمال والجلال . النكتة الثالثة : أن الاقدام على الطاعات لا يتيسر إلا بعد الفرار من الشيطان ، وذلك هو الاستعاذة بالله ، إلا أن هذه الاستعاذة نوع من أنواع الطاعة ، فان كان الاقدام على الطاعة يوجب تقديم الاستعاذة عليها افتقرت الاستعاذة الى تقديم استعاذة أخرى ولزم التسلسل ، وان كان الاقدام على الطاعة لا يحوج الى تقديم الاستعاذة عليها لم يكن في الاستعاذة فائدة فكأنه قيل له : الاقدام على الطاعة لا يتم إلا بتقديم الاستعاذة عليها ، وذلك يوجب الإتيان بما لا نهاية له ، وذلك ليس في وسعك ، إلا أنك إذا عرفت هذه الحالة فقد شاهدت عجزك واعترفت بقصورك فأنا أعينك على الطاعة وأعلمك كيفية الخوض فيها فقل ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) . النكتة الرابعة : أن سر الاستعاذة هو الالتجاء إلى قادر يدفع الآفات عنك، ثم أن أجل الأمور التي يلقي الشيطان وسوسته فيها قراءة القرآن ، لأن من قرأ القرآن ونوى به عبادة الرحمن وتفكر في وعده ووعيده وآياته وبيناته ازدادت رغبته في الطاعات ورهبته عن المحرمات ؛ فلهذا السبب صارت قراءة القرآن من أعظم الطاعات ، فلا جرم كان سعى الشيطان في الصد عنه أبلغ ، وكان احتياج العبد إلى من يصونه عن شر الشيطان أشد ، فلهذه الحكمة اختصت قراءة القرآن بالاستعاذة . النكتة الخامسة : الشيطان عدو الإنسان كما قال تعالى ( ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً) والرحمن مولى الإنسان وخالقه ومصلح مهماته ثم إن الإنسان عند شروعه في الطاعات والعبادات خاف العدو فاجتهد في أن يتحرى مرضاة مالكه ليخلصه من زحمة ذلك العدو ، فلما وصل الحضرة وشاهد أنواع البهجة والكرامة نسي العدو وأقبل بالكلية على خدمة الحبيب ، فالمقام الأول هو الفرار وهو قوله ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) والمقام الثاني وهو الاستقرار في حضرة الملك الجبار فهو قوله ( بسم الله الرحمن الرحيم ) . النكتة السادسة : قال تعالى ( لا يمسه إلا المطهرون ) فالقلب لما تعلق بغير الله واللسان لما جرى بذكر غير الله حصل فيه نوع من اللوث ، فلا بد من استعمال الطهور ، فلما قال ٩٩ اللطائف المستنبطة من الاستعاذة ( أعوذ بالله ) حصل الطهور ، فعند ذلك يستعد للصلاة الحقيقية وهي ذكر الله تعالى فقال ( بسم الله ). النكتة السابعة : قال أرباب الاشارات : لك عدوان أحدهما ظاهر والآخر باطن ، وأنت مأمور بمحاربتهما قال تعالى في العدو الظاهر ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ) وقال في العدو الباطن ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً) فكأنه تعالى قال : إذا حاربت عدوك الظاهر كان مددك الملك ، كما قال تعالى : ( يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) وإذا حاربت عدوك الباطن كان مددك الملك كما قال تعالى : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) وأيضاً فمحاربة العدو الباطن أولى من محاربة العدو الظاهر ؛ لأن العدو الظاهر إن وجد فرصة ففي متاع الدنيا ، والعدو الباطن إن وجد فرصة ففي الدين واليقين، وأيضاً فالعدو الظاهر إن غلبنا كنا مأجورين ، والعدو الباطن إن غلبنا كنا مفتونين ، وأيضاً فمن قتله العدو الظاهر كان شهيداً ، ومن قتله العدو الباطن كان طريداً ، فكان الاحتراز عن شر العدو الباطن أولى ، وذلك لا يكون إلا بأن يقول الرجل بقلبه ولسانه ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) . النكتة الثامنة : إن قلب المؤمن أشرف البقاع ، فلا تجد دياراً طيبة ولا بساتين عامرة ولا رياضاً ناضرة إلا وقلب المؤمن أشرف منها ، بل قلب المؤمن كالمرآة في الصفاء ، بل فوق المرآة ، لأن المرآة إن عرض عليها حجاب لم يرفيها شيء وقلب المؤمن لا يحجبه السموات السبع والكرسي والعرش كما قال تعالى ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) بل القلب مع جميع هذه الحجب يطالع جلال الربوبية ويحط علماً بالصفات الصمدية ، ومما يدل على أن القلب أشرف البقاع وجوه: الأول: أنه عليه الصلاة والسلام قال (( القبر روضة من رياض الجنة)) وما ذاك إلا أنه صار مكان عبد صالح ميت ، فإذا كان القلب سريراً لمعرفة الله وعرشا لآلهيته وجب أن يكون القلب أشرف البقاع ، الثاني : كأن الله تعالى يقول : يا عبدي قلبك بستاني وجنتي بستانك فلما لم تبخل على ببستانك بل أنزلت معرفتي فيه فكيف أبخل ببستاني عليك وكيف أمنعك منه ؟ الثالث : أنه تعالى حكى كيفية نزول العبد في بستان الجنة فقال : ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) ولم يقل عند المليك فقط، كأنه قال : أنا في ذلك اليوم أكون مليكاً مقتدراً وعبيدي يكونون ملوكاً ، إلا أنهم يكونون تحت قدرتي ، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : كأنه تعالى يقول : يا عبدي ، اني جعلت جنتي لك ، وأنت جعلت جنتك لي ، لكنك ما أنصفتني ، فهل رأيت جنتي الآن وهل دخلتها ؟ فيقول العبد : لا يا رب ، فيقول تعالى : وهل دخلت جنتك ؟ فلا بد وأن يقول العبد : نعم يا رب ، فيقول تعالى : انك بعد ما دخلت جنتي ، ولكن لما قرب دخولك أخرجت الشيطان من جنتي لأجل نزولك ، ١٠٠ اللطائف المستنبطة من الاستعاذة وقلت له أخرج منها منؤما مدحورا ، فأخرجت عدوك قبل نزولك ، وأما أنت فبعد نزولي في بستانك سبعين سنة كيف يليق بك أن لا تخرج عدوي ولا تطرده ، فعند ذلك يجيب العبد ويقول : إلهي أنت قادر على إخراجه من جنتك وأما أنا فعاجز ضعيف ولا أقدر على إخراجه ، فيقول الله تعالى : العاجز إذا دخل في حماية الملك القاهر صار قوياً فادخل في حمایتي حتى تقدر على اخراج العدو من جنة قلبك ، فقل ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) . فان قيل : فاذا كان القلب بستان الله فلماذا لا يخرج الشيطان منه ؟ ( قلنا ) قال أهل الاشارة : كأنه تعالى يقول للعبد أنت الذي أنزلت سلطان المعرفة في حجرة قلبك ، ومن أراد أن ينزل سلطاناً في حجرة نفسه وجب عليه أن يكنس تلك الحجرة وأن ينظفها ، ولا يجب على السلطان تلك الأعمال ، فنظف أنت حجرة قلبك من لوث الوسوسة فقل ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) . النكتة التاسعة : كأنه تعالى يقول يا عبدي ، ما أنصفتني أتدري لأي شيء تكدر مابيني وبين الشيطان ؛ إنه كان يعبدني مثل عبادة الملائكة ، وكان في الظاهر مقرا بالهيتي وإنما تكدر ما بيني وبينه لأني أمرته بالسجود لأبيك آدم فامتنع ، فلما تكبر نفيته عن خدمتي ، وهو في الحقيقة ما عادى أباك ، إنما امتنع من خدمتي ، ثم إنه يعاديك منذ سبعين سنة وأنت تحبه ، وهو يخالفك في كل الخيرات وأنت توافقه في كل المرادات ، فاترك هذه الطريقة المذمومة وأظهر عداوته فقل : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) . النكتة العاشرة : أما ان نظرت إلى قصة أبيك فانه أقسم بأنه له من الناصحين ، ثم كان عاقبة ذلك الأمر أنه سعى في اخراجه من الجنة ، وأما في حقك فانه أقسم بأنه يضلك ويغويك فقال ( فبعزتك لا غوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ) فاذا كانت هذه معاملته مع من أقسم أنه ناصحه فکیفتکون معاملته مع من أقسم أنه يضله ويغويه. النكتة الحادية عشرة: إنما قال ( أعوذ بالله) ولم يذكر اسماً آخر ، بل ذكر قوله ( الله) لأن هذا الاسم أبلغ في كونه زاجراً عن المعاصي من سائر الأسماء والصفات لأن الإله هو المستحق للعبادة ، ولا يكون كذلك إلا إذا كان قادراً عليماً حكيماً فقوله ( أعوذ بالله ) جار مجرى أن يقول أعوذ بالقادر العليم الحكيم ، وهذه الصفات هي النهاية في الزجر ، وذلك لأن السارق يعلم قدرة السلطان وقد يسرق ماله ، لأن السارق عالم بأن ذلك السلطان وان كان قادراً إلا أنه غير عالم ، فالقدرة وحدها غير كافية في الزجر ، بل لا بد معها من العلم ، وأيضاً . فالقدرة والعلم لا يكفيان في حصول الزجر ، لأن الملك إذا رأى منكراً إلا أنه لا ينهى عن المنكر