Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ لا يصح الاخبار عن الفعل او الحرف حرفاً ، فإن كان الأول كان هذا الخبر كذباً ، وليس كذلك ، وإن كان الثاني كان الفعل من حيث أنه فعل مخبراً عنه ، فإن قالوا : المخبر عنه بهذا الخبر هو هو هذه الصيغ ، وهي أسماء قلنا : هذا السؤال ركيك ، لأنه على هذا التقدير يكون المخبر عنه بأنه فعل اسما ، فرجع حاصل هذا السؤال إلى القسم الأول من القسمين المذكورين في أول هذا الأشكال ، وقد أبطلناه ، الثاني : إذا أخبرنا عن الفعل والحرف بأنه ليس باسم فالتقدير عين ما تقدم ، الثالث: أن قولنا (( الفعل لا يخبر عنه)) اخبار عنه بأنه لا يخبر عنه، وذلك متناقض ، فان قالوا : المخبر عنه بأنه لا يخبر عنه إن كان اسماً فهو باطل لأن كل اسم مخبر عنه ، وأقل درجاته أن يخبر عنه بأنه اسم ، وان كان فعلا فقد صار الفعل مخبراً عنه . الرابع : الفعل من حيث هو فعل والحرف من حيث هو حرف ماهية معلومة متميزة عما عداها ، وكل ما كان كذلك صح الاخبار عنه بكونه ممتازاً عن غيره ، فاذا أخبرنا عن الفعل من حيث هو فعل بأنه ماهية ممتازة عن الاسم فقد أخبرنا عنه بهذا الامتياز . الخامس : الفعل إما أن يكون عبارة عن الصيغة الدالة على المعنى المخصوص ، وإما أن يكون عبارة عن ذلك المعنى المخصوص الذي هو مدلول لهذه الصيغة ، فان كان الأول فقد أخبرنا عنه بكونه دليلاً على المعنى ، وإن كان الثاني فقد أخبرنا عنه بكونه مدلولاً لتلك الصيغة ، فهذه سؤالات صعبة في هذا المقام . المسئلة الثالثة: طعن قوم في قولهم (( الاسم ما يصح الاخبار عنه)) بأن قالوا : لفظة ((أين وكيف وإذا)) أسماء مع أنه لا يصح الاخبار عنها ، وأجاب عبد القاهر النحوي عنه بأنا إذا قلنا ((الاسم ما جاز الاخبار عنه)) أردنا به ما جاز الاخبار عن معناه ، ويصح الاخبار عن معنى إذاً لأنك إذا قلت آتيك إذا طلعت الشمس ، كان المعنى آتيك وقت طلوع الشمس ، والوقت يصح الأخبار عنه ، بدليل أنك تقول : طاب الوقت ، وأقول هذا العذر ضعيف، لأن ((إذا)) ليس معناه الوقت فقط، بل معناه الوقت حال ما تجعله ظرفاً لشيء آخر ، والوقت حال ما جعل ظرفاً لحادث آخر فانه لا يمكن الاخبار عنه البتة ، فان قالوا لما كان أحد أجزاء ماهيته اسماً وجب كونه اسماً ، فنقول : هذا باطل ، لأنه إن كفى هذا القدر في كونه اسما وجب أن يكون الفعل اسماً ، لأن الفعل أحد أجزاء ماهيته المصدر ، وهو اسم ، ولما كان هذا باطلاً فكذا ما قالوه . المسئلة الرابعة في تقرير النوع الثاني من تقسيم الكلمة أن تقول : الكلمة إما أن يكون معناها مستقلا بالمعلومية أو لا يكون ، والثاني هو الحرف، أما الأول : فاما أن يدل ذلك اللفظ على الزمان المعين لمعناه ، وهو الفعل ، أو لا يدل وهو الاسم ، وفي هذا القسم سؤالات ٠ ٤٢ تعریفات للاسم وما یرد عليها نذكرها في حد الاسم والفعل . المسئلة الخامسة في تعريف الاسم : الناس ذكروا فيه وجوهاً، التعريف الأول : أن الاسم هو الذي يصح الاخبار عن معناه ، واعلم أن صحة الاخبار عن ماهية الشيء حكم يحصل له بعد تمام ماهيته فيكون هذا التعريف من باب الرسوم لا من باب الحدود ، والأشكال عليه من وجهين الأول: أن الفعل والحرف يصح الاخبار عنهما، والثاني: أن ((إذا وكيف وأين)) لا يصح الاخبار عنها وقد سبق تقرير هذين السؤالين . التعريف الثاني : أن الاسم هو الذي يصح أن يأتي فاعلا أو مفعولا أو مضافاً ، واعلم أن حاصله يرجع إلى أن الاسم هو الذي يصح الاخبار عنه . والتعريف الثالث : أن الاسم كلمة تستحق الاعراب في أول الوضع ، وهذا أيضا رسم ، لأن صحة الاعراب حالة طارئة على الاسم بعد تمام الماهية ، وقولنا في أول الوضع احتراز عن شيئين : أحدهما المبنيات ، فانها لا تقبل الاعراب بسبب مناسبة بينها وبين الحروف ، ولولا هذه المناسبة لقبلت الاعراب ، والثاني : أن المضارع معرب لكن لا لذاته بل بسبب كونه مشابهاً للاسم ، وهذا التعريف أيضاً ضعيف. التعريف الرابع : قال الزمخشري في المفصل : الاسم ما دل على معنى في نفسه دلالة مجردة عن الإقتراب . واعلم أن هذا التعريف مختل من وجوه: الأول : أنه قال في تعريف الكلمة أنها اللفظ الدال على معنى مفرد بالوضع ، ثم ذكر فيما كتب من حواشي المفصل أنه إنما وجب ذكر اللفظ لأنا لو قلنا ((الكلمة هي الدالة على المعنى)) لانتقض بالعقد والخط والإشارة كذلك ، مع أنها ليست أسماء، والثاني: أن الضمير في قوله ((في نفسه)) إما أن يكون عائداً إلى الدال ، أو إلى المدلول ، أو إلى شىء ثالث ، فان عاد إلى الدال صار التقدير الاسم ما دل على معنى حصل في الاسم ، فيصير المعنى الاسم ما دل على معنى هو مدلوله ، وهذا عبث ، ثم مع ذلك فينتقض بالحرف والفعل ، فانه لفظ يدل على مدلوله، وان عاد إلى المدلول صار التقدير الاسم ما دل على معنى حاصل في نفس ذلك المعنى ، وذلك يقتضي كون الشيء حاصلاً في نفسه ، وهو محال ، فإن قالوا معنى كونه حاصلاً في نفسه أنه ليس حاصلاً في غيره ، فنقول : فعلى هذا التفسير ينتقض الحد بأسماء الصفات والنسب، فإن تلك المسميات حاصلة في غيرها . التعريف الخامس : أن يقال : الاسم كلمة دالة على معنى مستقل بالمعلومية من غير أن يدل على الزمان المعين الذي وقع فيه ذلك المعنى ، وإنما ذكرنا الكلمة ليخرج الخط والعقد والإِشارة فان قالوا : لم لم يقولوا لفظة دالة على كذا وكذا ؟ قلنا : لأنا جعلنا اللفظ جنساً ٤٣ تعريفات للاسم وما يرد عليها للكلمة ، والكلمة جنس للاسم ، والمذكور في الحد هو الجنس القريب لا البعيد ، وأما شرط الاستقلال بالمعلومية فقيل : إنه باطل طرداً وعكسا ، أما الطرد فمن وجوه . الأول : أن كل ما كان معلوماً فانه لا بد وأن يكون مستقلاً بالمعلومية لأن الشيء ما لم تتصور ماهيته امتنع أن يتصور مع غيره ، وإذا كان تصوره في نفسه متقدماً على تصوره مع غيره كان مستقلاً بالمعلومية ، الثاني : أن مفهوم الحرف يستقل بأن يعلم كونه غير مستقل بالمعلومية ، وذلك استقلال . الثالث : أن النحويين اتفقوا على أن الباء تفيد الالصاق ، ومن تفيد التبعيض ، فمعنى الالصاق إن كان مستقلاً بالمعلومية وجب أن يكون المفهوم من الباء مستقلاً بالمعلومية فيصير الحرف اسماً ، وإن كان غير مستقل بالمعلومية كان المفهوم من الالصاق غير مستقل بالمعلومية ، فيصير الاسم حرفاً، وأما العكس فهو أن قولنا ((كم وكيف ومتى وإذا )) وما الاستفهامية والشرطية كلها أسام مع أن مفهوماتها غير مستقلة ، وكذلك الموصولات . الثالث : أن قولنا ((من غير دلالة على زمان ذلك المعنى)) يشكل بلفظ الزمان وبالغد وباليوم وبالاصطباح وبالاغتباق ، والجواب عن السؤال الأول : أنا ندرك تفرقة بين قولنا الالصاق وبين حرف الباء في قولنا (( كتبت بالقلم )) فنريد بالاستقلال هذا القدر . فأما لفظ الزمان واليوم والغد فجوابه أن مسمى هذه الألفاظ نفس الزمان ، ولا دلالة منها على زمان آخر لمسماه . وأما الإصطباح والإغتباق فجزؤه الزمان ، والفعل هو الذي يدل على زمان خارج عن المسمى ، والذي يدل على ما تقدم قولهم : اغتبق يغتبق ، فادخلوا الماضي والمستقبل على الاصطباح والاغتباق . المسئلة السادسة : علامات الاسم إما أن تكون لفظية أو معنوية ، فاللفظية اما أن تحصل في أول الاسم ، وهو حرف تعريف، أو حرف جر ، أو في حشوه كياء التصغير ، وحرف التكسير، أو في آخره كحر في التثنية والجمع . وأما المعنوية فهي كونه موصوفاً ، وصفة ، وفاعلاً ، ومفعولاً ، ومضافاً إليه ، ومخبراً عنه ، ومستحقاً للاعراب بأصل الوضع . المسئلة السابعة : ذكروا للفعل تعريفات : التعريف الأول : قال سيبويه انها أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء ، وينتقض بلفظ الفاعل والمفعول. التعريف الثاني : أنه الذي أسند إلى شيء ولا يستند إليه شيء وينتقض بإذا وكيف ، فان هذه الأسماء يجب إسنادها إلى شيء آخر ، ويمتنع استناد شيء آخر إليها . التعريف الثالث : قال الزمخشري : افعل ما دل على اقتران حدث بزمان ، وهو ضعيف لوجهين: الأول: أنه يجب أن يقال ((كلمة دالة على اقتران حدث بزمان)) وإنما يجب ذكر ٤٤ تعريفات للفعل مع ما يرد عليها الكلمة لوجوه : أحدها : أنا لولم نقل بذلك لانتقض بقولنا اقتران حدث بزمان فان مجموع هذه الألفاظ دال على اقتران حدث بزمان مع أن هذا المجموع ليس بفعل ، أما إذا قيدناه بالكلمة اندفع هذا السؤال ، لأن مجموع هذه الألفاظ ليس كلمة واحدة ، وثانيها أنا لولم نذكر ذلك لانتقض بالخط والعقد والإشارة ، وثالثها أن الكلمة لما كانت كمالجنس القريب لهذه الثلاثة فالجنس القريب واجب الذكر في الحد . الوجه الثاني ما نذكره بعد ذلك. ١.٥٠ التعريف الرابع: الفعل كلمة دالة على ثبوت المصدر لشيء غير معين في زمان معين ، وإنما قلنا كلمة لأنها هي الجنس القريب ، وإنما قلنا دالة على ثبوت المصدر ولم نقل دالة على ثبوت شيء لأن المصدر قد يكون أمراً ثابتاً كقولنا ضرب وقتل وقد يكون عدمياً مثل فني وعدم فان مصدرهما الفناء والعدم ، وإنما قلنا بشيء غير معين لانا سنقيم الدليل على أن هذا المقدار. معتبر ، وإنما قلنا في زمان معين احترازاً عن الأسماء . واعلم أن هذه القيود مباحثات القيد الأول: هو قولنا ((يدل على ثبوت المصدر لشيء)) فيه إشكالات: الأول: أنا إذا قلنا خلق الله العالم فقولنا خلق إما أن يدل على ثبوت الخلق لله سبحانه وتعالى أو لا يدل ، فان لم يدل بطل ذلك القيد ، وإن دل فذلك الخلق يجب أن يكون مغايراً للمخلوق ، وهو إن كان محدثاً افتقر الى خلق آخر ولزم التسلسل ، وإن كان قديماً لزم قدم المخلوق . والثاني: انا إذا قلنا وجد الشيء فهل دل ذلك على حصول الوجود لشيء أولم يدل ؟ فان لم يدل بطل هذا القيد، وإن دل لزم أن يكون الوجود حاصلاً لشيء غيره ، وذلك الغیر يجب أن يكون حاصلا في نفسه لأن ما لا حصول له في نفسه امتنع حصول غيره له . فيلزم أن يكون حصول الوجود له مسبوقاً بحصول آخر إلى غير النهاية ، وهو محال . والثالث : إذا قلنا عدم الشيء وفني فهذا يقتضي حصول العدم وحصول الفناء لتلك الماهية ، وذلك محال ، لأن العدم والفناء نفي محض فكيف يعقل حصولهما لغيرهما . والرابع : إن على تقدير أن يكون الوجود زائداً على الماهية فانه يصدق قولنا ((أنه حصل الوجود لهذه الماهية)) فيلزم حصول وجود آخر لذلك الوجود إلى غير نهاية، وهو محال ، وأما على تقدير أن يكون الوجود نفس الماهية فان قولنا حدث الشيء وحصل فانه لا يقتضي حصول وجود لذلك الشيء ، والا لزم أن يكون الوجود زائداً على الماهية ، ونحن الآن إنما نتكلم على تقدير أن الوجود نفس الماهية . وأما القيد الثاني: وهو قولنا ((في زمان معين)) ففيه سؤالات: أحدها: أنا إذا قلنا ((وجد الزمان)) أو قلنا ((فني الزمان)) فهذا يقتضي حصول الزمان في زمان آخر ، ولزم التسلسل ، فان قالوا : يكفي في صحة هذا الحد كون الزمان واقعاً في زمان آخر بحسب الوهم الكاذب ، قلنا : الناس أجمعوا على أن قولنا حدث الزمان وحصل بعد أن كان معدوماً كلام ٤٥ تعريفات للفعل مع مايرد عليها حق ليس فيه باطل ولا كذب ، ولو كان الأمر كما قلتم لزم كونه باطلاً وكذباً ، وثانيها : انا إذا قلنا : كان العالم معدوماً في الأزل ، فقولنا : كان فعل فلو أشعر ذلك بحصول الزمان لزم حصول الزمان في الأزل ، وهو محال ، فان قالوا : ذلك الزمان مقدر محقق ، قلنا التقدير الذهني إن طابق الخارج عاد السؤال ، وإن لم يطابق كان كذباً ، ولزم فساد الحد ، وثالثها : إنا إذا قلنا : كان الله موجوداً في الأزل ، فهذا يقتضى كون الله زمانياً ، وهو محال ، ورابعها أنه ينتقض بالأفعال الناقصة ، فان کان الناقصة إما أن تدل على وقوع حدث في زمان أو لا تدل : فان دلت كان تاماً لا ناقصاً ، لأنه متى دل اللفظ على حصول حدث في زمان معين كان هذا كلاماً تاماً لا ناقصاً، وإن لم يدل وجب أن لا يكون فعلاً، وخامسها : أنه يبطل بأسماء الأفعال ، فإنها تدل على الفاظ دالة على الزمان المعين ، والدال على الدال على الشيء دال على ذلك الشيء فهذه الأسماء دالة على الزمان المعين ، وسادسها : أن اسم الفاعل يتناول إما الحال واما الاستقبال ولا يتناول الماضي البتة ، فهو دال على الزمان المعين ، والجواب أما السؤالات الأربعة المذكورة على قولنا (( الفعل يدل على ثبوت المصدر لشيء )) والثلاثة المذكورة على قولنا ((الفعل يدل الزمان)) فجوابها أن اللغوي يكفي في علمه تصور المفهوم ، سواء كان حقاً أو باطلاً، وأما قوله ((يشكل هذا الحد بالأفعال الناقصة)) قلنا : الذي أقول به وأذهب اليه أن لفظة كان تامة مطلقاً ، إلا أن الاسم الذي يسند اليه لفظ كان قد يكون ماهية مفردة مستقلة بنفسها مثل قولنا : كان الشيء ، بمعنى حدث وحصل ، وقد تكون تلك الماهية عبارة عن موصوفية شيء لشيء آخر مثل قولنا : كان زيد منطلقاً ، فان معناه حدوث موصوفية زيد بالانطلاق فلفظ كان ههنا معناه أيضاً الحدوث والوقوع ، إلا أن هذه الماهية لما كانت من باب النسب ، والنسبة يمتنع ذكرها إلا بعد ذكر المنتسبين ، لا جرم وجب ذكرهما ههنا ، فكما أن قولنا : كان زيد ، معناه أنه حصل ووجد ، فكذا قولنا : كان زيد منطلقاً ، معناه أنه حصلت موصوفية زيد بالانطلاق ؛ وهذا بحث عميق عجيب دقيق غفل الأولون عنه ، وقوله (( خامساً يبطل ما ذكرتم بأسماء الأفعال)) قلنا المعتبر في كون اللفظ فعلاً دلالته على الزمان ابتداء لا بواسطة ، وقوله ((سادساً اسم الفاعل مختص بالحال والإستقبال )) قلنا : لا نسلم ، بدليل أنهم قالوا : إذا كان بمعنى الماضي لم يعمل عمل الفعل ، وإذا كان بمعنى الحال فانه يعمل عمل الفعل . المسئلة الثامنة : الكلمة إما أن يكون معناها مستقلاً بالمعلومية ، أو لا يكون ، وهذا الأخير هو الحرف، فامتياز الحرف عن الاسم والفعل بقيد عدمي ، ثم نقول : والمستقل بالمعلومية إما أن يدل على الزمان المعين لذلك المسمى ، أولا يدل ، والذي لا يدل هو الاسم ، ٤٦ نفس الفعل يدل على فاعل مبهم فامتاز الاسم عن الفعل بقيد عدمي ، وأما الفعل فان ماهيته متركبة من القيود الوجودية . المسئلة التاسعة : إذا قلنا : ضرب ، فهو يدل على صدور الضرب عن شيء ما إلا أن ذلك الشيء غير مذكور على التعيين ، بحسب هذا اللفظ ، فان قالوا : هذا محال ، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه لو كان كذلك لكانت صيغة الفعل وحدها محتملة للتصديق والتكذيب ، الثاني : أنها لو دلت على استناد الضرب إلى شيء مبهم في نفس الأمر وجب أن يمتنع اسناده الى شيء معين ، وألا لزم التناقض ، ولو دلت على استناد الضرب الى شيء معين فهو باطل ، لأنا نعلم بالضرورة أن مجرد قولناضرب ما وضع لاستناد الضرب الی زید بعينه أو عمرو بعينه ، والجواب عن هذين السؤالين بجواب واحد ، وهو أن ضرب صيغة غير موضوعة لاسناد الضرب إلى شيء مبهم في نفس الأمر ، بل وضعت لاسناده إلى شيء معين يذكره ذلك القائل فقبل أن يذكره القائل لا يكون الكلام تاماً ولا محتملاً للتصديق والتكذيب ، وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل. المسئلة العاشرة : قالوا الحرف ما جاء لمعنى في غيره ، وهذا لفظ مبهم ، لأنهم ان أرادوا معنى الحرف أن الحرف ما دل على معنى يكون المعنى حاصلاً في غيره وحالا في غيره لزمهم أن تكون أسماء الأعراض والصفات كلها حروفاً ، وإن أرادوا به أنه الذي دل على معنى يكون مدلول ذلك اللفظ غير ذلك المعنى فهذا ظاهر الفساد ، وإن أرادوا به معنى ثالثاً فلا بد من بيانه . المسئلة الحادية عشرة : التركيبات الممكنة من هذه الثلاثة ستة : الاسم مع الاسم ، وهو الجملة الحاصلة من المبتدأ والخبر ، والاسم مع الفعل ، وهو الجملة الحاصلة من الفعل والفاعل وهاتان الجملتان مفيدتان بالاتفاق ، وأما الثالث - وهو الاسم مع الحرف - فقيل : إنه یفید في صورتین . الصورة الأولى: قولك (( يا زيد )) فقيل: ذلك إنما أفاد لأن قولنا يا زيد في تقدير أنادي واحتجوا على صحة قولهم بوجهين : الأول : أن لفظ يا تدخله الامالة ودخول الامالة لا يكون إلا في الاسم أو الفعل، والثاني: أن لام الجر تتعلق بها فيقال ((يا لزيد)) فإن هذه اللام لام الاستغاثة وهي حرف جر ، ولو لم يكن قولنا يا قائمة مقام الفعل وإلا لما جاز أن يتعلق بها حرف الجر ، لأن الحرف لا يدخل على الحرف ، ومنهم من أنكر أن يكون يا بمعنى أنادي واحتج عليه بوجوه : الأول : إن قوله أنادي إخبار عن النداء ، والاخبار عن الشيء مغاير للمخبر عنه ، فوجب أن يكون قولنا أنادي زيداً مغايراً لقولنا يا زيد ، الثاني : أن قولنا أنادي زيداً كلام : ٤٧ انواع الجمل وما يتألف منه محتمل للتصديق والتكذيب وقولنا يا زيد لا يحتملهما ، الثالث : أن قولنا يا زيد ليس خطابا إلا مع المنادي ، وقولنا أنادي زيداً غير مختص بالمنادي . الرابع : أن قولنا يا زيد يدل على حصول النداء في الحال ، وقولنا أنادي زيداً لا يدل على اختصاصه بالحال . الخامس : أنه يصح أن يقال أنادي زيداً قائماً ، ولا يصح أن يقال يا زيد قائماً، فدلت هذه الوجوه الخمسة على حصول التفرقة بين هذين اللفظين. الصورة الثانية: قولنا ((زيد في الدار)) فقولنا زيد مبتدأ والخبر هو ما دل عليه قولنا في إلا أن المفهوم من معنى الظرفية قد يكون في الدار أو في المسجد ، فأضيفت هذه الظرفية الى الدار لتتميز هذه الظرفية عن سائر أنواعها ، فان قالوا : هذا الكلام إنما أفاد لأن التقدير زيد استقر في الدار وزيد مستقر في الدار ، فنقول : هذا باطل ، لأن قولنا استقر معناه حصل في الإستقرار فكان قولنا فيه يفيد حصولاً آخر ؛ وهو أنه حصل فيه حصول ذلك الإستقرار وذلك يفضي إلى التسلسل وهو محال ، فثبت أن قولنا زيد في الدار كلام تام ولا يمكن تعليقه بفعل مقدر مضمر . المسئلة الثانية عشرة : الجملة المركبة إما أن تكون مركبة تركيباً أولياً أو ثانوياً ، أما المركبة تركيباً أولياً فهي الجملة الاسمية أو الفعلية ، والأشبه أن الجملة الاسمية أقدم في الرتبة من الجملة الفعلية لأن الاسم بسيط والفعل مركب ، والبسيط مقدم على المركب ، فالجملة الاسمية يجب أن تكون أقدم من الجملة الفعلية ، ويمكن أن يقال : بل الفعلية أقدم ؛ لأن الاسم غير أصيل في أن يسند إلى غيره ، فكانت الجملة الفعلية أقدم من الجملة الاسمية ، وأما المركبة تركيباً ثانوياً فهي الجملة الشرطية كقولك ((ان كانت الشمس طالعة فالنهار موجود)) لأن قولك ((الشمس طالعة)) جملة وقولك ((النهار موجود)) جملة أخرى ، ثم أدخلت حرف الشرط في إحدى الجملتين ، وحرف الجزاء في الجملة الأخرى ، فحصل من مجموعهما جملة واحدة ، والله سبحانه وتعالى أعلم . الباب الرابع في تقسیمات الاسم الى أنواعه ، وهي من وجوه التقسيم الأول : أما أن يكون نفس تصور معناه مانعاً من الشركة ، أو لا يكون ، فان ٤٨ اقسام الاسم كان الأول ، فإما أن يكون مظهراً، وهو العلم . وأما أن يكون مضمراً، وهو معلوم ، وأما إذا لم يكن مانعاً من الشركة فالمفهوم منه : إما أن يكون ماهية معينة ، وهو أسماء الأجناس ، وإما أن يكون مفهومه أنه شيء ما موصوف بالصفة الفلانية، وهو المشتق ، كقولنا أسود ، فإن مفهومه أنه شيء ماله سواد . فثبت بما ذكرناه أن الاسم جنس تحته أنواع ثلاثة : أسماء الأعلام ، وأسماء الأجناس ، والأسماء المشتقة ، فلنذكر أحكام هذه الأقسام. النوع الأول : أحكام الأعلام ، وهي كثيرة : الحكم الأول : قال المتكلمون : اسم العلم لا يفيد فائدة أصلاً ، وأقول : حق أن العلم لا يفيد صفة في المسمى . وأما ليس بحق أنه لا يفيد شيئاً ، وكيف وهو يفيد تعريف تلك الذات المخصوصة ؟ الحكم الثاني : اتفقوا على أن الأجناس لها أعلام، فقولنا (أسد)) اسم جنس لهذه الحقيقة؛ وقولنا ((أسامة)) اسم علم لهذه الحقيقة، وكذلك قولنا ((ثعلب)) اسم جنس لهذه الحقيقة، وقولناً: ((ثعالة)) اسم علم لها وأقول : الفرق بين اسم الجنس وبين علم الجنس من وجهين : الأول : ان اسم العلم هو الذي يفيد الشخص المعين من حيث إنه ذلك المعين ، فاذا سمينا أشخاصاً كثيرين باسم زيد فليس ذلك لأجل أن قولنا((زيد)) موضوع الإفادة القدر المشترك بين تلك الأشخاص ، بل لأجل أن لفظ زيد وضع لتعريف هذه الذات من حيث أنها هذه ، ولتعريف تلك من حيث إنها تلك على سبيل الإشتراك ، إذا عرفت هذا فنقول : إذا قال المواضع : وضعت لفظ أسامة لافادة ذات كل واحد من أشخاص الأسد بعينها من حيث هي هي على سبيل الاشتراك اللفظي ، كان ذلك علم الجنس ، وإذا قال : وضعت لفظ الأسد لإفادة الماهية التي هي القدر المشترك بين هذه الأشخاص فقط من غير أن يكون فيها دلالة على الشخص المعين ، كان هذا اسم الجنس ، فقد ظهر الفرق بين اسم الجنس وبين علم الجنس . الثاني : أنهم وجدوا أسامة اسما غير منصرف وقد تقرر عندهم أنه ما لم يحصل في الاسم شيآن لم يخرج عن الصرف، ثم وجدوا في هذا اللفظ التأنيث ، ولم يجدوا شيئاً آخر سوى العلمية ، فاعتقدوا كونه علماً لهذا المعنى. الحكم الثالث : اعلم أن الحكمة الداعية إلى وضع الأعلام أنه ربما اختص نوع بحكم واحتج إلى الأخبار عنه بذلك الحكم الخاص ، ومعلوم أن ذلك الأخبار على سبيل التخصيص غير ممكن إلا بعد ذكر المخبر عنه على سبيل الخصوص ، فاحتج الى وضع الأعلام لهذه الحكمة . الحكم الرابع : أنه لما كانت الحاجات المختلفة تثبت لأشخاص الناس فوق ثبوتها لسائر الحيوانات ، لا جرم كان وضع الأعلام للأشخاص الانسانية أكثر من وضعها لسائر الذوات. ٤٩ تقسيمات الأعلام الحكم الخامس : في تقسيمات الأعلام ، وهي من وجوه : الأول : العلم إما أن يكون اسما كابراهيم وموسى وعيسى ، أولقبا كاسرائيل ، أو كنية كأبي لهب . واعلم أن هذا التقسيم يتفرع عليه أحكام : الحكم الأول : الشيء إما أن يكون له الاسم فقط، أو اللقب فقط ، أو الكنية فقط، أو الاسم مع اللقب ، أو الاسم مع الكنية ، أو اللقب مع الكنية ، واعلم أن سيبويه أفرد أمثلة الأقسام المذكورة من تركيب الكنية والاسم ، وهي ثلاثة : أحدها : الذي له الاسم والكنية كالضبع ، فان اسمها حضاجر ، وكنيتها أم عامر ، وكذلك يقال للأسد أسامة وأبو الحارث ، وللثعلب ثعالة وأبو الحصين ، وللعقرب شبوة وأم عريط . وثانيها أن يحصل له الاسم دون الكنية كقولنا قثم لذكر الضبع ، ولا كنية له . وثالثها الذي حصلت له الكنية ولا اسم له ، كقولنا للحيوان المعين أبو براقش . الحكم الثالث : الكنية قد تكون بالإضافات الى الآباء ، وإلى الأمهات ، وإلى البنين ، وإلى البنات ، فالكنى بالآباء كما يقال للذئب أبو جعدة للأبيض ، وأبو الجون ، وأما الأمهات فكما يقال للداهية أم حبوكرى ، وللخمر أم ليلى ، وأما البنون فكما يقال للغراب أبن دأية ، وللرجل الذي يكون حاله منكشفاً ابن جلا ، وأما البنات فكما يقال للصدى ابنة الجبل ، وللحصاة بنت الأرض . الحكم الرابع : الإضافة في الكنية قد تكون مجهولة النسب نحو ابن عرس وحمار قبان وقد تكون معلومة النسب نحو ابن لبون وبنت لبون وابن مخاض وبنت مخاض ، لأن الناقة إذا ولدت ولداً ثم حمل عليها بعد ولادتها فانها لا تصير مخاضاً إلا بعد سنة ، والمخاض الحامل المقرب ، فولدها إن كان ذكراً فهو ابن مخاض ، وإن كان أنثى فهي بنت مخاض ، ثم إذا ولدت وصار لها لبن صارت لبونا فأضيف الولد اليها باضافة معلومة . الحكم الخامس : إذا اجتمع الاسم واللقب : فالاسم إما أن يكون مضافاً أولا ، فان لم يكن مضافاً أضيف الاسم الى اللقب يقال هذا سعيد كرز وقيس بطة ، لأنه يصير المجموع بمنزلة الاسم الواحد ، وأما إن كان الاسم مضافاً فهم يفردون اللقب فيقولون هذا عبد الله بطة . الحكم السادس : المقتضى لحصول الكنية أمور : أحدها الأخبار عن نفس الأمر كقولنا أبو طالب ، فانه كنى بابنه طالب ، وثانيها : التفاؤل والرجا كقولهم أبو عمرو لمن يرجو ولداً يطول عمره ، وأبو الفضل لمن يرجو ولداً جامعاً للفضائل ، وثالثها : الإيماء الى الضد كأبي يحيى للموت ، ورابعها أن يكون الرجل إنساناً مشهوراً وله أب مشهور فيتقارضان الكنية فان يوسف كنيته أبو يعقوب ويعقوب كنيته أبو يوسف ، وخامسها : اشتهار الرجل بخصلة فيكنى بها إما بسبب اتصافه بها أو انتسابه اليها بوجه قریب أو بعید. التقسيم الثاني للأعلام : العلم اما أن يكون مفرداً كزيد ، أو مركباً من كلمتين لا الفخر الرازي ج ١ م ٤ ٥٠ تقسيمات الاعلام علاقة بينهما كبعلبك ، أو بينهما علاقة وهي : إما علاقة الإضافة كعبد الله وأبي زيد ، أو علاقة الاسناد وهي أما جملة اسمية أو فعلية ، ومن فروع هذا الباب أنك إذا جعلت جملة اسم علم لم تغيرها البتة ، بل تتركها بحالها مثل تأبط شراً وبرق نحره. التقسيم الثالث : اعلم إما أن يكون منقولا أو مرتجلا ، أما المنقول فأما أن يكون منقولاً عن لفظ مفيد أو غير مفيد ، والمنقول من المفيد إما أن يكون منقولاً عن الاسم ، أو الفعل أو الحرف ، أو ما يتركب منها ، أما المنقول عن الاسم فأما أن يكون عن اسم عين : كأسد وثور ، أو عن اسم معنى : كفضل ونصر، أو صفة حقيقية : كالحسن ، أو عن صفة إضافية كالمذكور والمردود ، والمنقول عن الفعل إما أن يكون منقولاً عن صيغة الماضي كشمر ، أو عن صيغة المضارع كيحيى ، أو عن الأمر كاطرقاً ، والمنقول عن الحرف كرجل سميته بصيغة من صيغ الحروف، وأما المنقول عن المركب من هذه الثلاثة فان كان المركب مفيداً فهو المذكور في التقسيم الثاني ، وإن كان غير مفيد فهو يفيد ، وأما المنقول عن صوت فهو مثل تسمية بعض العلوية بطباطبا ، وأما المرتجل فقد يكون قياساً مثل عمران وحمدان فانهما من أسماء الأجناس مثل سرحان وندمان ، وقد يكون شاذاً قلما يوجد له نظير مثل محبب وموهب . التقسيم الرابع : الأعلام إما أن تكون للذوات أو المعاني ، وعلى التقديرين فاما أن يكون العلم علم الشخص ، أو علم الجنس ، فههنا أقسام أربعة ، وقبل الخوض في شرح هذه الأقسام فيجب أن تعلم أن وضع الأعلام للذوات أكثر من وضعها للمعاني ، لأن أشخاص الذوات هي التي يتعلق الغرض بالأخبار عن أحوالها على سبيل التعيين ، أما أشخاص الصفات فليست كذلك في الأغلب . ولنرجع إلى أحكام الأقسام الأربعة ، فالقسم الأول العلم للذوات والشرط فيه أن يكون المسمى مألوفاً للواضع ، والأصل في المألوفات الإنسان ، لأن مستعمل أسماء الأعلام هو الإنسان ، وإلف الشيء بنوعه أتم من إلفه بغير نوعه ، وبعد الإنسان الأشياء التي يكثر احتياج الإنسان إليها وتكثر مشاهدته لها ، ولهذا السبب وضعوا أعوج ولاحقاً علمين لفرسين ، وشذقما وعليا لفحلين ، وضمران لكلب ، وكساب لكلبة ، وأما الأشياء التي لا يألفها الإنسان فقلما يضعون الاعلام لاشخاصها ، أما القسم الثاني فهو علم الجنس للذوات ، وهو مثل أسامة للأسد ، وثعالة للثعلب ، وأما القسم الثالث فهو وضع الأعلام للأفراد المعينة من الصفات ؛ وهو مفقود لعدم الفائدة ، وأما القسم الرابع فهو علم الجنس للمعاني ، والضابط فيه انا إذا رأينا حصول سبب واحد من الأسباب التسعة المانعة من الصرف ثم منعوه الصرف علمنا أنهم جعلوه علما لما ثبت أن المنع من ٥١ احكام اسم الجنس الصرف لا يحصل إلا عند اجتماع سببين ، وذكر ابن جنى أمثلة لهذا الباب ، وهي تسميتهم التسبيح بسبحان ، والغدو بكيسان ، لأنهما غير منصرفين ، فالسبب الواحد - وهو الألف والنون - حاصل . ولا بد من حصول العلمية ليتم السببان . التقسيم الخامس للأعلام : اعلم أن اسم الجنس قد ينقلب اسم علم . كما إذا كان المفهوم من اللفظ أمراً كلياً صالحاً لأن يشترك فيه كثيرون . ثم إنه في العرف يختص بشخص بعينه، مثل ((النجم)) فانه في الأصل اسم لكل نجم . ثم اختص في العرف بالثريا ، وكذلك ((السماك)) و اسم مشتق من الارتفاع ثم اختص بكوكب معين . الباب الخامس في أحكام أسماء الأجناس والأسماء المشتقة ، وهي كثيرة أما أحكام أسماء الأجناس فهي أمور : الحكم الأول : الماهية قد تكون مركبة ، وقد تكون بسيطة ، وقد ثبت في العقليات أن المركب قبل البسيط في الجنس ، وأن البسيط قبل المركب في الفصل ، وثبت بحسب الاستقراء أن قوة الجنس سابقة على قوة الفصل في الشدة والقوة ، فوجب أن تكون أسماء الماهيات المركبة سابقة على أسماء الماهيات البسيطة . الحكم الثاني : أسماء الأجناس سابقة بالرتبة على الأسماء المشتقة ، لأن الإسم المشتق متفرع على الاسم المشتق منه ، فلو كان اسمه أيضاً مشتقاً لزم إما التسلسل أو الدور ، وهما. محالان ، فيجب الانتهاء في الاشتقاقات الى أسماء موضوعة جامدة ، فالموضوع غنى عن المشتق والمشتق محتاج إلى الموضوع ، فوجب كون الموضوع سابقاً بالرتبة على المشتق ، ويظهر بهذا أن هذا الذي يعتاده اللغويون والنحويون من السعي البليغ في أن يجعلوا كل لفظ مشتقاً من شيء آخر سعي باطل وعمل ضائع . والحكم الثالث : الموجود إما واجب وإما ممكن ، والمكن إما متحيز أو حال في المتحيز ؛ أو لا متحيز ولا حال في المتحيز أما هذا القسم الثالث فالشعور به قليل ، وإنما يحصل الشعور بالقسمين الأولين . ثم إنه ثبت بالدليل أن المتحيزات متساوية في تمام ذواتها ، وأن الاختلاف بينها إنما يقع بسبب الصفات القائمة بها ، فالأسماء الواقعة على كل واحد من أنواع الأجسام يكون المسمى بها مجموع الذات مع الصفات المخصوصة القائمة بها ، هذا هو الحكم في الأكثر ٥٢ تقسيم الاسم إلى معرب ومبنى الأغلب . وأما أحكام الأسماء المشتقة فهي أربعة : الحكم الأول : ليس من شرط الاسم المشتق أن تكون الذات موصوفة بالمشتق منه ، بدليل أن المعلوم مشتق من العلم ، مع أن العلم غير قائم بالمعلوم . وكذا القول في المذكور والمرئي والمسموع ، وكذا القول في اللائق والرامي . الحكم الثاني : شرط صدق المشتق حصول المشتق منه في الحال ، بدليل أن من كان كافراً ثم أسلم فانه يصدق عليه أنه ليس بكافر . وذلك يدل على أن بقاء المشتق منه شرط في صدق الاسم المشتق . الحكم الثالث : المشتق منه إن كان ماهية مركبة لا يمكن حصول أجزائها على الإجتماع ، مثل الكلام والقول والصلاة ، فان الاسم المشتق إثما يصدق على سبيل الحقيقة عند حصول الجزء الأخير من تلك الأجزاء . الحكم الرابع : المفهوم من الضارب أنه شىء ماله ضرب ، فأما أن ذلك الشيء جسم أو غيره فذلك خارج عن المفهوم لا يعرف إلا بدلالة الالتزام . الباب السادس في تقسيم الاسم الى المعرب والمبنى ، وذكر الأحكام المفرعة على هذين القسمين ، وفيه مسائل : في لفظ الاعراب وجهان: أحدهما أن يكون مأخوذاً من قولهم ((أعرب عن نفسه)) إذا بين ما في ضميره، فان الاعراب إيضاح المعنى، والثاني: أن يكون أعرب منقولاً من قولهم ((عربت معدة الرجل)) إذا فسدت ، فكان المراد من الاعراب إزالة الفساد ورفع الابهام ، مثل أعجمت الكتاب بمعنى أزلت عجمته . المسئلة الثانية : إذا وضع لفظ الماهية وكانت تلك الماهية مورداً لاحوال مختلفة وجب أن يكون اللفظ مورداً لاحوال مختلفة لتكون الأحوال المختلفة اللفظية دالة على الأحوال المختلفة المعنوية ، كما أن جوهر اللفظ لما كان دالا على أصل الماهية كان اختلاف أحواله دالا على اختلاف الأحوال المعنوية ، فتلك الأحوال المختلفة اللفظية الدالة على الأحوال المختلفة المعنوية هي الاعراب . المسئلة الثالثة : الأفعال والحروف أحوال عارضة للماهيات ، والعوارض لا تعرض لها . عوارض أخرى ، هذا هو الحكم الأكثري ، وإنما الذي يعرض لها الأحوال المختلفة هي الذوات ، والألفاظ الدالة عليها هي الأسماء ، فالمستحق للأعراب بالوضع الأول هو الأسماء. : ٥٣ تقسيم الاسم إلى معرب ومبني المسئلة الرابعة : إنما اختص الاعراب بالحرف الأخير من الكلمة لوجهين : الأول : أن الأحوال العارضة للذات لا توجد إلا بعد وجود الذات ، واللفظ لا يوجد إلا بعد وجود الحرف الأخير منه ، فوجب أن تكون العلامات الدالة على الأحوال المختلفة المعنوية لا تحصل إلا بعد تمام الكلمة . الثاني . أن اختلاف حال الحرف الأول والثاني من الكلمة للدلالة على اختلاف أوزان الكلمة ، فلم يبق لقبول الأحوال الاعرابية إلا الحرف الأخير من الكلمة . المسئلة الخامسة : الاعراب ليس عبارة عن الحركات والسكنات الموجودة في أواخر الكلمات بدليل أنها موجودة في المبينات والاعراب غير موجود فيها بل الاعراب عبارة عن استحقاقها لهذه الحركات بسبب العوامل المحسوسة ، وذلك الاستحقاق معقول لا محسوس ، والاعراب حاجة معقولة لا محسوسة. المسئلة السادسة : إذا قلنا في الحرف : انه متحرك أو ساكن ، فهو مجاز ، لأن الحركة والسكون من صفات الاجسام ، والحرف ليس بجسم ، بل المراد من حركة الحرف صوت مخصوص يوجد عقيب التلفظ بالحرف ، والسكون عبارة عن أن يوجد الحرف من غير أن يعقبه ذلك الصوت المخصوص المسمى بالحركة . المسئلة السابعة : الحركات إما صريحة أو مختلسة ، والصريحة إما مفردة أو غير مفردة فالمفردة ثلاثة وهي : الفتحة ، والكسرة ، والضمة ، وغير المفردة ما كان بين بين ، وهي ستة لكل واحدة قسمان ، فللفتحة ما بينها وبين الكسرة أو ما بينها وبين الضمة ، وللكسرة ما بينها وبين الضمة أوما بينها وبين الفتحة ، والضمة على هذا القياس ، فالمجموع تسعة ، وهي أما مشبعة أو غير مشبعة. فهي ثمانية عشر، والتاسعة عشرة المختلسة ، وهي ما تكون حركة وإن لم يتميز في الحس لها مبدأ ، وتسمى الحركة المجهولة ، وبها قرأ أبو عمرو ( فتوبوا) إلى بارئكم ) مختلسة الحركة من بارئكم وغير ظاهرة بها. المسئلة الثامنة : لما كان المرجع بالحركة والسكون في هذا الباب إلى أصوات مخصوصة لم يجب القطع بانحصار الحركات في العدد المذكور ، قال ابن جنى اسم المفتاح بالفارسية - وهو كليد - لا يعرف أن أوله متحرك أوساكن ، قال : وحدثني أبو علي قال : دخلت بلدة فسمعت أهلها ينطقون بفتحة غريبة لم أسمعها قبل ، فتعجبت منها وأقمت هناك أياماً فتكلمت أيضاً بها ، فلما فارقت تلك البلدة نسيتها . المسئلة التاسعة : الحركة الإعرابية متأخرة عن الحرف تأخراً بالزمان ، ويدل عليه وجهان : الأول أن الحروف الصلبة كالباء والتاء والدال وأمثالها إنما تحدث في آخر زمان حبس ٥٤ تقسيم الاسم إلى معرب ومبني النفس وأول إرساله ، وذلك آن فاصل ما بين الزمانين غير منقسم ، والحركة صوت يحدث عند إرسال النفس ، ومعلوم أن ذلك الآن متقدم على ذلك الزمان فالحرف متقدم على الحركة . الثاني : أن الحروف الصلبة لا تقبل التمديد ، والحركة قابلة للتمديد ، فالحرف والحركة لا يوجدان معاً ، لكن الحركة لا تتقدم على الحرف ، فبقى أن يكون الحرف متقدماً على الحركة . المسئلة العاشرة : الحركات أبعاض من حروف المد واللين ، ويدل عليه وجوه ، الأول : أن حروف المد واللين قابلة للزيادة والنقصان ، وكل ما كان كذلك فله طرفان ، ولا طرف لها في النقصان إلا هذه الحركات ، الثاني : أن هذه الحركات إذا مددناها ظهرت حروف المد واللين فعلمنا أنهذه الحركات ليست إلا أوائل تلك الحروف، الثالث: لولم تكن الحركات أبعاضاً لهذه الحروف لما جاز الاكتفاء بها لأنها إذا كانت مخالفة لها لم تسد مسدها فلم يصح الاكتفاء بها منها ، بدليل استقراء القرآن والنثر والنظم ، وبالجملة فهب أن إبدال الشيء من مخالفة القريب منه جائز إلا أن إبدال الشيء من بعضه أولى ، فوجب حمل الكلام عليه . المسئلة الحادية عشرة : الابتداء بالحرف الساكن محال عند قوم ، وجائز عند آخرين ، لأن الحركة عبارة عن الصوت الذي يحصل التلفظ به بعد التلفظ بالحرف ، وتوقيف الشيء على ما يحصل بعده محال . المسئلة الثانية عشرة : أثقل الحركات الضمة ، لأنها لا تتم إلا بضم الشفتين ، ولا يتم ذلك إلا بعمل العضلتين الصلبتين الواصلتين إلى طرفي الشفة ، وأما الكسرة فانه يكفي في تحصيلها العضلة الواحدة الجارية ، ثم الفتحة يكفي فيها عمل ضعيف لتلك العضلة ، وكما دلت هذه المعالم التشريحية على ما ذكرناه فالتجربة تظهره أيضاً ، واعلم أن الحال فيما ذكرناه يختلف بحسب أمزجة البلدان ، فان أهل أذربيجان يغلب على جميع ألفاظهم إشمام الضمة ، وكثير من البلاد يغلب على لغاتهم إشمام الكسرة والله أعلم . المسئلة الثالثة عشرة : الحركات الثلاثة مع السكون إن كانت إعرابية سميت بالرفع والنصب والجر أو الخفض والجزم ، وان كانت بنائية سميت بالفتح والضم والكسر والوقف. المسئلة الرابعة عشرة : ذهب قطرب الى أن الحركات البنائية مثل الاعرابية ، والباقون خالفوه ، وهذا الخلاف لفظي ، فان المراد من التماثل ان كان هو التماثل في الماهية فالحس يشهد بأن الأمر كذلك وان كان المراد حصول التماثل في كونها مستحقة بحسب العوامل المختلفة فالعقل یشهد أنه ليس كذلك. تقسيم الاسم إلى معرب ومبني المسئلة الخامسة عشرة : من أراد أن يتلفظ بالضمة فانه لا بد له من ضم شفتيه أولا ثم رفعهما ثانياً ، ومن أراد التلفظ بالفتحة فانه لا بد له من فتح الفم بحيث تنتصب الشفة العليا عند ذلك الفتح ، ومن أراد التلفظ بالكسرة فإنه لا بد له من فتح الفم فتحاً قوياً والفتح القوي لا يحصل الا بانجرار اللحى الأسفل وانخفاضه ، فلا جرم يسمى ذلك جراً وخفضاً وكسراً لأن انجرار القوي يوجب الكسر، وأما الجزم فهو القطع . وأما أنه لم سمي وقفاً وسكوناً فعلته ظاهرة . المسئلة السادسة عشرة : منهم من زعم أن الفتح والضم والكسر والوقف أسماء للأحوال البنائية ، كما أن الأربعة الثانية أسماء للأحوال الإعرابية ، ومنهم من جعل الأربعة الأول : أسماء لتلك الأحوال سواء كانت بنائية أو اعرابية ، وجعل الأربعة الثانية أسماء للأحوال الاعرابية ، فتكون الأربعة الأولى بالنسبة الى الأربعة الثانية كالجنس بالنسبة الى النوع . المسئلة السابعة عشر: أن سيبويه يسميها بالمجاري ، ويقول : هي ثمانية وفيه سؤالان : الأول : لم سمى الحركات بالمجاري فان الحركة نفسها الجري ، والمجرى موضع الجري ، فالحركة لا تكون مجرى ؟ وجوابه انا بينا أن الذي يسمى ههنا بالحركة فهو في نفسه ليس بحركة إنما هو صوت يتلفظ به بعد التلفظ بالحرف الأول ، فالمتكلم لما انتقل من الحرف الصامت إلى هذا الحرف فهذا الحرف المصوت إنما حدث لجريان نفسه وامتداده ، فلهذا السبب صحت تسميته بالمجرى . السؤال الثاني : قال المازني : غلط سيبويه في تسميته الحركات البنائية بالمجاري لأن الجري إنما يكون لما يوجد تارة ويعدم تارة . والمبني لا يزول عن حاله ، فلم يجز تسميته بالمجاري ، بل كان الواجب أن يقال : المجاري أربعة وهي الأحوال الإعرابية . والجواب أن المبنيات قد تحرك عند الدرج ، ولا تحرك عند الوقف، فلم تكن تلك الأحوال لازمة لها مطلقاً . المسئلة الثامنة عشرة : الاعراب اختلاف آخر الكلمة باختلاف العوامل : بحركة أو حرف تحقيقاً أو تقديراً ، أما الإختلاف فهو عبارة عن موصوفية آخر تلك الكلمة بحركة أو سكون بعد أن كان موصوفاً بغيرها ، ولا شك أن تلك الموصوفية حالة معقولة لا محسوسة فلهذا المعنى قال عبد القاهر النحوي : الاعراب حالة معقولة لا محسوسة ، وأما قوله ((باختلاف العوامل » فاعلم أن اللفظ الذي تلزمه حالة واحدة أبداً هو المبني ، وأما الذي يختلف آخره فقسمان أحدهما : أن لا يكون معناه قابلاً للأحوال المختلفة كقولك ((أخذت المال من زيد)) فتكون ((من)) ساكنة، ثم تقول ((أخذت المال من الرجل)) فتفتح النون ، ثم ٥٦ اقسام الاعراب تقول « أخذت المال من ابنك)) فتكون مکسورة فههنا اختلف آخر هذه الكلمة إلا أنه لیس باعراب، لأن المفهوم من كلمة ((من)) لا يقبل الأحوال المختلفة في المعنى ، وأما القسم الثاني وهو الذي يختلف آخر الكلمة عند اختلاف أحوال معناها - فذلك هو الاعراب. المسئلة التاسعة عشرة : أقسام الاعراب ثلاثة : الأول : الاعراب بالحركة ، وهي في أمور ثلاثة : أحدها : الاسم الذي لا يكون آخره حرفاً من حروف العلة ، سواء كان أوله أو وسطه معتلا أو لم يكن ، نحو رجل ، ووعد ، وثوب ، وثانيها أن يكون آخر الكلمة واواً أو ياء ويكون ما قبله ساكناً ، فهذا كالصحيح في تعاقب الحركات عليه ، تقول : هذا ظبي وغزو ومن هذا الباب المدغم فيهما كقولك : كرسي وعدو لأن المدغم يكون ساكناً فسكون الياء من كرسي والواو من عدو كسكون الباء من ظبي والزاي من غزو ، وثالثها : أن تكون الحركة المتقدمة على الحرف الأخير من الكلمة كسرة وحينئذ يكون الحرف الأخير ياء ، وإذا كان آخر الكلمة ياء قبلها كسرة كان في الرفع والجر على صورة واحدة وهي السكون ، وأما في النصب فان الياء تحرك بالفتحة قال الله تعالى ( أجيبوا داعي الله ) القسم الثاني من الإعراب : ما يكون بالحرف، وهو في أمور ثلاثة : أحدها في الأسماء الستة مضافة ، وذلك جاءني أبوه وأخوه وحموه وهنوه وفوه وذو مال ، ورأيت أباه ومررت بأبيه، وكذا في البواقي، وثانيها ((كلا)) مضافاً إلى مضمر ، تقول : جاءني كلاهما ومررت بكليهما ورأيت كليهما ، وثالثها التثنية والجمع ، تقول : جاءني مسلمان ومسلمون ورأيت مسلمين ومسلمين ومررت بمسلمين ومسلمين . والقسم الثالث : الإعراب التقديري ، وهو في الكلمة التي يكون آخرها ألفاً وتكون الحركة التي قبلها فتحة ، فاعراب هذه الكلمة في الأحوال الثلاثة على صورة واحدة تقول : هذه رحا ورأيت رحا ومررت برحا . المسئلة العشرون : أصل الإعراب أن يكون بالحركة ، لأنا ذكرنا أن الأصل في الإعراب أن يجعل الأحوال العارضة للفظ دلائل على الأحوال العارضة للمعنى ، والعارض للحرف هو الحركة لا الحرف الثاني ، وأما الصور التي جاء إعرابها بالحروف فذلك للتنبيه على :أن هذه الحروف من جنس تلك الحركات. المسئلة الحادية والعشرون: الاتتم المعربت،، ويقال له المتمكن نوعان: أحدهما فما يستوفي حركات الإعراب والتنوين، وهو المنصرف والامتكن، والثاني ما لا يكون كذلك بل يحذف عنه الجر والتنوين ويحرك بالفتح في موضع الجر إلا إذا أضيف أو دخله لام التعريف، ويسمى غير المتصرف، والأسباب المانعة من الصرف متسعة فمتى حصل في: الاسم اثنان منها أو : ٥٧ اسباب منع الصرف تكرر سبب واحد فيه امتنع من الصرف، وهي : العلمية ، والتأنيث اللازم لفظاً ومعنى ، ووزن الفعل الخاص به أو الغالب عليه ، والوصفية ، والعدل ، والجمع الذي ليس على زنة واحدة ، والتركيب ، والعجمة في الإعلام خاصة ، والألف والنون المضارعتان لالفي التأنيث . المسئلة الثانية والعشرون : إنما صار اجتماع اثنين من هذه التسعة مانعاً من الصرف ، لأن كل واحد منها فرع ، والفعل فرع عن الاسم ، فاذا حصل في الاسم سببان من هذه التسعة صار ذلك الاسم شبيهاً بالفعل في الفرعية ، وتلك المشابهة تقتضي منع الصرف، فهذه مقدمات أربع : - المقدمة الأولى في بيان أن كل واحد من هذه التسعة فرع ، أما بيان أن العلمية فرع فلأن وضع الاسم للشيء لا يمكن إلا بعد صيرورته معلوماً ، والشيء في الأصل لا يكون معلوماً ثم يصير معلوماً ، وأما أن التأنيث فرع فبيانه تارة بحسب اللفظ وأخرى بحسب المعنى : أما بحسب اللفظ فلأن كل لفظة وضعت لماهيه فانها تقع على الذكر من تلك الماهية بلا زيادة وعلى الأنثى بزيادة علامة التأنيث ، وأما بحسب المعنى فلأن الذكر أكمل من الأنثى ، والكامل مقصود بالذات ، والناقص مقصود بالعرض ، وأما أن الوزن الخاص بالفعل أو الغالب عليه فرع فلأن وزن الفعل فرع للفعل ، والفعل فرع للاسم ، وفرع الفرع فرع وأما أن الوصف فرع فلأن الوصف فرع عن الموصوف، وأما أن العدل فرع فلأن العدول عن الشيء الى غيره مسبوق بوجود ذلك الأصل وفرع عليه ، وأما أن الجمع الذي ليس على زنته واحد فرع فلان ذلك الوزن فرع على وجود الجمع ، لأنه لا يوجد إلا فيه ، والجمع فرع على الواحد لأن الكثرة فرع على الوحدة ، وفرع الفرع فرع ، وبهذا الطريق يظهر أن التركيب فرع ، وأما أن المعجمة فرع فلأن تكلم كل طائفة بلغة أنفسهم أصل وبلغة غيرهم فرع ، وأما أن الألف والنون في سكران وأمثاله يفيدان الفرعية فلأن الألف والنون زائدان على جوهر الكلمة ، والزائد فرع ، فثبت بما ذكرنا أن هذه الأسباب التسعة توجب الفرعية. المقدمة الثانية : في بيان أن الفعل فرع ، والدليل عليه أن الفعل عبارة عن اللفظ الدال على وقوع المصدر في زمان معين ، فوجب كونه فرعاً على المصدر. المقدمة الثالثة : أنه لما ثبت ما ذكرناه ثبت أن الاسم الموصوف بأمرين من تلك الأمور التسعة يكون مشابهاً للفعل في الفرعية ومخالفاً له في كونه اسماً في ذاته ، والأصل في الفعل عدم الإعراب كما ذكرنا . فوجب أن يحصل في مثل هذا الاسم أثران بحسب كل واحد من: ٥٨ اسباب منع الصرف الاعتبارين المذكورين ، وطريقه أن يبقى إعرابها من أكثر الوجوه ، ويمنع من إعرابها من بعض الوجوه ، لیتوفر علی کل واحد من الاعتبارین ما یلیق به. المسئلة الثالثة والعشرون : إنما ظهر هذا الأثر في منع التنوين والجر لأجل أن التنوين يدل على كمال حال الاسم ، فاذا ضعف الاسم بحسب حصول هذه الفرعية أزيل عنه ما دل على كمال حاله ، وأما الجر فلأن الفعل يحصل فيه الرفع والنصب ، وأما الجر فغير حاصل فيه فلما صارت الأسماء مشابهة للفعل لا جرم سلب عنها الجر الذي هو من خواص الأسماء. المسئلة الرابعة والعشرون : هذه الأسماء بعد أن سلب عنها الجر إما أن تترك ساكنة في حال الجر أو تحرك ، والتحريك أولى ، تنبيهاً على أن المانع من هذه الحركة عرضي لا ذاتي ، . ثم النصب أول الحركات لأنا رأينا أن النصب حمل على الجر في التثنية والجمع السالم ، فلزم هنا حمل الجر على النصب تحقيقاً للمعارضة. المسئلة الخامسة والعشرون : اتفقوا على أنه إذا دخل على ما لا ينصرف الألف واللام أو أضيف انصرف كقوله : مررت بالأحمر ، والمساجد ، وعمركم ، ثم قيل : السبب فيه أن الفعل لا تدخل عليه الألف واللام والاضافة فعند دخولهما على الاسم خرج الاسم عن مشابهة الفعل ، قال عبد القاهر : هذا ضعيف ؛ لأن هذه الأسماء إنما شابهت الأفعال لما حصل فيها من الوصفية ووزن الفعل ، وهذه المعاني باقية عند دخول الألف واللام والاضافة فيها فبطل قولهم : إنه زالت المشابهة وأيضاً فحروف الجر والفاعلية والمفعولية من خواص الأسماء ثم إنها تدخل على الأسماء مع أنها تبقى غير منصرفة ، والجواب عن الأول : أن الاضافة ولام التعريف من خواص الاسماء فاذا حصلتا في هذه الأسماء فهي وان ضعفت في الاسمية بسبب کونها مشابهة للفعل إلا أنها قويت بسبب حصول خواص الأسماء فيها ، إذا عرفت هذا فنقول : أصل الاسمية يقتضي قبول الاعراب من كل الوجوه ، إلا أن المشابهة للفعل صارت معارضة للمقتضى ، فاذا صار هذا المعارض معارضاً بشيء آخر ضعف المعارض ، فعاد المقتضى عاملا عمله ، وأما السؤال الثاني فجوابه : أن لام التعريف والإضافة أقوى من الفاعلية والمفعولية لأن لام التعريف والاضافة يضادان التنوين ، والضدان متساويان في القوة فلما كان التنوين دليلاً على كمال القوة فكذلك الاضافة وحرف التعريف . المسئلة السادسة والعشرون : لو سميت رجلا بأحمر لم تصرفه ، بالأتفاق ، لأجتماع العلمية ووزن الفعل ، أما إذا انكرته فقال سيبويه : لا أصرفه وقال الأخفش : أصرفه واعلم أن الجمهور يقولون في تقرير مذهب سيبويه على ما يحكى أن المازني قال : قلت للأخفش : ٥٩ أسباب منع الصرف كيف قلت مررت بنسوة أربع فصرفت مع وجود الصفة ووزن الفعل ؟ قال : لأن أصله الأسمية فقلت : فكذا لا تصرف أحمر اسم رجل إذا نكرته لأن أصله الوصفية ، قال المازني : فلم يأت الأخفش بمقنع ، وأقول : كلام المازني ضعيف، لأن الصرف ثبت على وفق الأصل في قوله : ((مررت بنسوة أربع)) لأنه يكفي عود الشيء إلى حكم الأصل أدنى سبب ، بخلاف المنع من الصرف؛ فانه على خلاف الأصل فلا يكفي فيه إلا السبب القوي ، وأقول : الدليل على صحة مذهب سيبويه أنه حصل فيه وزن الفعل والوصفية الأصلية فوجب كونه غير منصرف ، أما المقدمة الأولى فهي إنما تتم بتقرير ثلاثة أشياء : الأول : ثبوت وزن الفعل وهو ظاهر ، والثاني : الوصفية ، والدليل عليه أن العلم إذا نكر صار معناه الشيء الذي يسمى بذلك الأسم. فاذا قيل (( رب زيد رأيته)) كان معناه رب شخص مسمى بأسم زيد رأيته ، ومعلوم أن كون الشخص مسمى بذلك الأسم صفة لا ذات ، والثالث : أن الوصفية أصلية ، والدليل عليه أن لفظ الأحمر حين كان وصفاً معناه الأتصاف بالحمرة ، فاذا جعل علماً ثم نكر كان معناه كونه مسمى بهذا الأسم ، وكونه كذلك صفة إضافية عارضة له ، فالمفهومان اشتركا في كون كل واحد منهما صفة إلا أن الأول يفيد صفة حقيقية والثاني يفيد صفة إضافية ، والقدر المشترك بينهما كونه صفة ، فثبت بما ذكرنا أنه حصل فيه وزن الفعل والوصفية الأصلية فوجب کونه غیر منصف لما ذكرناه . فإن قيل : يشكل ما ذكرتم بالعلم الذي ما كان وصفاً فإنه عند التنكير ينصرف مع أنه عند التنكير يفيد الوصفية بالبيان الذي ذكرتم. قلنا إنه وان صار عند التنكير وصفاً إلا أن وصفيته ليست أصلية لأنها ما كانت صفة قبل ذلك بخلاف الأحمر فانه كان صفة قبل ذلك ، والشيء الذي يكون في الحال صفة مع أنه كان قبل ذلك صفة كان أقوى في الوصفية مما لا يكون كذلك ، فظهر الفرق. واحتج الأخفش بأن المقتضى للصرف قائم وهو الاسمية ، والعارض الموجود لا يصح معارضاً ، لأنه علم منكر والعلم المنكر موصوف بوصف كونه منكراً ، والموصوف باق عند وجود الصفة ، فالعلمية قائمة في هذه الحالة ، والعلمية تنافي الوصفية ، فقد زالت الوصفية فلم يبق سوى وزن الفعل والسبب الواحد لا يمنع من الصرف : والجواب : أنا بينا الدليل العقلي أن العلم إذا جعل منكراً صار وصفاً في الحقيقة فسقط هذا الكلام. المسئلة السابعة والعشرون : قال سيبويه : السبب الواحد لا يمنع الصرف، خلافاً للكوفيين ، حجة سيبويه أن المقتضى للصرف قائم ، وهو الاسمية ، والسببان أقوى من الواحد ٦٠ إعراب الاسماء فعند حصول السبب الواحد وجب البقاء على الأصل . وحجة الكوفيين قولهم المقدم ، وقد قيل أيضاً : - ۔۔ یفوقان مرداس في مجمع وما کان حصن ولا حابس وجوابه أن الرواية الصحيحة في هذا البيت : يفوقان شيخي في مجمع . المسئلة الثامنة والعشرون : قال سيبويه : ما لا ينصرف يكون في موضع الجر مفتوحاً واعترضوا عليه بأن الفتح من باب البناء ، وما لا ينصرف غير مبني ، وجوابه أن الفتح اسم لذات الحركة من غير بيان أنها إعرابية أو بنائية . المسئلة التاسعة والعشرون : إعراب الأسماء ثلاثة : الرفع ، والنصب ، والجر ، وكل واحد منها علامة على معنى ، فالرفع علم الفاعلية ، والنصب علم المفعولية ، والجر علم الإضافة وأما التوابع فانها في حركاتها مساوية للمتبوعات . المسئلة الثلاثون : السبب في كون الفاعل مرفوعاً والمفعول منصوباً والمضاف إليه مجروراً وجوه : - ( الأول ) : أن الفاعل واحد ، والمفعول أشياء كثيرة ، لأن الفعل قد يتعدى الى مفعول واحد ، والى مفعولين ، والى ثلاثة ، ثم يتعدى أيضاً الى المفعول له ، والى الظرفين ، والى المصدر والحال ، فلما كثرت المفاعيل اختير لها أخف الحركات وهو النصب ، ولما قل الفاعل اختير له أثقل الحركات وهو الرفع ، حتى تقع الزيادة في العدد مقابلة للزيادة في المقدار فيحصل الاعتدال. ( الثاني ) : أن مراتب الموجودات ثلاثة : مؤثر لا يتأثر وهو الأقوى ، وهو درجة الفاعل ومتأثر لا يؤثر وهو الأضعف، وهو درجة المفعول ، وثالث يؤثر باعتبار ويتأثر باعتبار وهو المتوسط ، وهو درجة المضاف اليه ، والحركات أيضاً ثلاثة : أقواها الضمة وأضعفها الفتحة وأوسطها الكسرة ، فألحقوا كل نوع بشبيهه ، فجعلوا الرفع الذي هو أقوى الحركات للفاعل الذي هو أقوى الأقسام ، والفتح الذي هو أضعف الحركات للمفعول الذي هو أضعف الأقسام والجر الذي هو المتوسط للمضاف اليه الذي هو المتوسط من الأقسام. عليهملعا ( الثالث ) :) الفاعل مقدم على المفعول ؛ لأن الفعل لا يستغني عن الفاعل، وقد يستغني عن المفعول، فالتلفظ بالفاعل يوجد والنفس قوية،فلاجزم أعطوه أنقل الحركات عند قوة النفس ، وجعلوا أخف الحركات لما يتلفظ به بعد ذلك إن أجر :