Indexed OCR Text

Pages 1-20

تَفْسِيْرَ الفَخْرِ الزَّزى
الشَّهُ بالتّغِيرِالكبيرِ ومَفَاتِ الغَيب
للإمَام محمَّ الَّزى فخر الدين ابن العلامة ضياء الدين عمر
الشّهر بخطِ الرَّ فَفَعَ اللّه بالمنيمين
هـ
٥٤٤ - ٢٠٤
الجزءُ الأوّل
تمتاز هذه الطبعة بفهرس لآيات الأحكام
دار الفكر
للطبَاعَة وَالنشْر وَالتوزيع

حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م
القصير
دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع :
لبنان - بيروت - حارة حريك شارع عبد النور
هاتف ٢٧٣٦٥٠ - ٢٧٣٤٨٧ ص.ب ٧٠٦١ برقياً فيكسي
:

٣
3
( المؤلف والكتاب )
اسمه ولقبه: ((٣٠ هو محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التيمي البكري الطبري
الأصل، الرازي المولد . الفقيه الشافعي .
كنيته: ((أبو عبد الله)) كما في وفيات الأعيان، وشذرات الذهب ، وعيون الأنباء ..
و((أبو المعالي)) كما في النجوم الزاهرة، وعرف بهما معاً (أبو عبد الله، أبو المعالي ) كما
في عقد الجمان.
وهو ( أبو الفضل) على ما جاء في أخبار العلماء .. للقفطي. وهو ( ابن خطيب
الري ) أو ابن الخطيب كما في تاريخ ابن خلدون .
لقبه: كما تعدد في كتب التاريخ اسمه كذلك لقبه .. فهو ((الامام)) و(( فخر الدين))
و((الرازي)) و(( شيخ الاسلام)).
مولده: ولد الإمام فخر الدين في مدينة ((الري )) سنة أربع وأربعين وخمسمائة ( ٥٤٤
هـ) وهي كورة من مشاهير بلاد الديلم، قريبة من خراسان، والنسبة اليها ((رازي)) كما في
الأنساب للسمعاني مخطوط ورقة ((٢٤٢)).
وصفه : كان رَبْع القامة ، عَبْل الجسم ، كبير اللحية ، جهوري الصوت ، صاحب
وقار وحشمة ، كما في العبر. ١٨، وشذرات الذهب ٥/ ٢١ .
نشأته وبينته العلمية : كان والده ضياء الدين عمر ، من كبار علماء الري ، وكان مبدأ
اشتغال فخر الدين على والده إلى أن مات.
شيوخه : اشتغل - أول أمره - على والده الشيخ ضياء الدين عمر، وكان من تلامذة
محبي السنة أبي محمد البغوي ، وقرأ علم الكلام والحكمة على المجد الجيلي - أحد تلامذة
الامام الغزالي - مدة طويلة بمراغة ، وكان يحفظ [ الشامل ] لامام الحرمين في علم الكلام .

٤
مقدمة
أورد صاحب ( مرآة الجنان ) مقالة فخر الدين في كتابه الموسوم ( بتحصيل الحق ) ما
نصه :
. . انه اشتغل في علم الأصول : على والده ضياء الدين عمر . ووالده على أبي القاسم
سليمان بن ناصر الأنصاري . وهو: على إمام الحرمين أبي المعالي . وهو: على شيخ السنة أبي
الحسن علي بن أبي إسماعيل الأشعري.
أما اشتغاله في فروع المذهب ( الفقه) فانه اشتغل على والده المذكور . ووالده على أبي
محمد الحسين ابن مسعود الفراء البغوي . وهو: على القاضي حسين المروزي . وهو على
القفال المروزي . وهو على أبي زيد المروزي . وهو على أبي إسحق المروزي . وهو على أبي
العباس بن سريج ( أحمد بن عمر ) . وهو علي أبي القاسم الانماطي . وهو على ابراهيم
المزني . وهو على الإمام الشافعي المطلبي رضى الله عنه .
وفيات الأعيان ٣ - ١٣٨٤ هـ مرآة الجنان جـ ٤ - ص ١١
كما حفظ ((المستصفى)) للغزالي في علم الأصول، وكتاب ((المعتمد)) لأبي الحسين
البصري المعتزلي وتفقه على الكمال السمناني ولزمه مدة .
عصره : عاش الفخر الرازي في النصف الثاني من القرن السادس الهجري ، وكانت
هذه الفترة حرجة في حياة المسلمين السياسية والاجتماعية والعلمية والعقيدية ، فالوهن قد بلغ
مداه بالدولة العباسية ، وكانت أخبار الحروب الصليبية في الشام ، وأخبار التتر في المشرق
تقض مضاجع المسلمين ، وتحرك وجدانهم ، وتثير مشاعرهم.
- وكانت الخلافات المذهبية والعقائدية شديدة وفي الري وحده كان ثلاث طوائف :
الشافعية ، والأحناف، والشيعة.
وكثرت الفرق الكلامية وطال الجدل بينها وأشهرها : الشيعة ، والمعتزلة ، والمرجئة ،
والباطنية ، والكرّاصية.
أما العلوم فقال فيها ابن خلدون ( ويبلغنا عن أهل المشرق أن بضائع هذه العلوم
[ العلم الطبيعي، والعلم الإلهي، والهندسة، والموسيقى .. ] لم تزل عندهم موفورة
وخصوصاً في عراق العجم وما بعده فيما وراء النهر ، وانهم على ثبج (١) من هذه العلوم العقلية
٠٫٠

٥
مقدمة
لتوفر عمرانهم واستحكام الحضارة فيهم ) المقدمة ٣٨١ .
واستفحل شرّ الباطنية وعمدوا الى الاغتيالات الفردية ذهب ضحيتها نظام الملك وقاضي
قضاة اصبهان وقال صاحب شذرات الذهب ( وعظم الخطب بهؤلاء الملاعين وخافهم كل أمير
وعالم لهجومهم على الناس ) جـ٤ - ٤. وهم كما وصفهم الامام الغزالي (ظاهر مذهبهم
الرفض وباطنه الكفر فضائح الباطنية ص ٣٧ .
كما انتشر التصوف وألف في نقد مسلكهم كتاب ( تلبيس ابليس ) لابن الجوزي .
وفي هذه الإضطرابات السياسية والعقلية والدينية نشأ الفخر الرازي وعاش وأخذ نصيبه
في كل ذلك، يوضحه مقالة السبكي في ترجمة الرازي قال : وعبر الى خوارزم بعدما مهر في
العلوم فجرى بينه وبين المعتزلة مناظرات أدت الى خروجه منها،
ثم قصد ما وراء النهر فجرى له أشياء نحو ما جرى بخوارزم . اهـ الطبقات الشافعية
الکبری جـ ٨ - ٨٦.
وقال الداوودي في طبقات المفسرين : ( وجدت بينه وبين الكرامية مخاصمات وفتن ،
وأوذي بسببهم وآذاهم ، وكان ينال منهم في مجلسه ، وينالون منه ) اهـ جـ ١ - ٢١٤.
الرازي فقيهاً : تفقه الرازي على والده والكمال السمناني الذي لزمه مدة ويظهر مقدرته
الفقهية من خلال مناقشته آراء الأحناف بمناسبة تفسيره آيات الأحكام لأنه والأحناف يعتمدون
على الحجج العقلية في فهم الآيات والأحاديث ويبدو أنه كان مغرماً بهذه المناقشات العقلية حتى
أنه وضع تفسيراً خالصاً لسورة البقرة على الوجه العقلي لا النقلي.
ومن كتبه في الفقه كتاب ( الطريقة العلائية) في أربع مجلدات، وكتاب ((شرح
الوجيز ، للغزالي)) .
الرازي أصولياً : يبدو أن الرازي باستظهاره المستصفى في أصول الفقه للغزالي ، وكذا
المعتمد لأبي الحسين البصري يعتبر أنه قرأ على نفسه وصار إماماً في هذا الفن لذلك ترجم له
صاحب مرآة الجنان)) بقوله : فاق أهل زمانه في الأصلين ( أصول الفقه وأصول الدين )
وأسهم في هذا الفن بحظ وافر يقول ابن خلدون في مقدمته : ... وعني الناس بطريقة
المتكلمين فيه ( أصول الفقه ) وكان من أحسن ما كتب فيه المتكلمون كتاب ( البرهان ) لإمام
الحرمين ، و(المستصفى ) للغزالي وهما من الأشعرية . وكتاب ( العهد لعبد الجبار ) وشرحه
المعتمد لأبي الحسين البصري وهما من المعتزلة .. وكانت الأربعة قواعد هذا الفن وأركانه ، ثم
٠

٦
مقدمة
لخص هذه الكتب الأربعة فحلان من المتكلمين المتأخرين هما : الامام فخر الدين ابن الخطيب
( الرازي) في كتاب ((المحصول)) ... وسيف الدين الأسدي في كتاب
الأحكام .. اهـ ٣٣٨, وبالتالي تعهد العلماء كتاب المحصول بالاختصار التي آلت إلى متون
معتمدة في المذهب .
الرازي متكلماً : كان الفخر الرازي سنياً أشعرياً، وشهرته بعلم الكلام أوضح من
شهرته بعلمي الأصول والفقه .. وله كما سبق في هذا الفن مشايخ حيث قرأ على (المجد
الجيلي ) الكلام والحكمة ، كما استظهر كتاب الشامل لإمام الحرمين ، ولئن كان للرازي
مصنفات في هذا الفن منها ( تأسيس التقديس ) المطبوع ، و( أسرار التنزيل وأنوار التأويل )
المخطوط، كما ذكر الدكتور علي العمادي ، فانه أفرغ جهداً كبيراً في هذا المجال في تفسيره
أيضاً .
الرازي فيلسوفاً: الإمام الرازي أشعري المعتقد ويحكي تجربته في هذا المجال بقوله
( وكنا نحن في ابتداء اشتغالنا بتحصيل علم الكلام تشوفنا الى معرفة كتبهم ( فرض المسلمين
والمشركين ) لنرد عليهم ، فصرفنا شطراً صالحاً من العمر في ذلك .. حتى وفقنا الله تعالى في
تصنيف كتب تتضمن الرد عليهم - الفلاسفة - ومن كتبه المشهورة في هذا العلم كتاب ( شرح
الاشارات ، ولباب الاشارات ، والملخص في الفلسفة ) وغيرها كثير.
الرازي طبيباً : ترجم للرازي أيضاً في كتاب ( عيون الأنباء في طبقات الأطباء ) للقفطي
جـ٢ - ٢٣، وقال فيه (جيد الفطرة، حاد الذهن، حسن العبارة ، كثير البراعة، قوي النظر
فى صناعة الطب ، ومباحثها ) .
١
وقال فيه تلميذه قاضي مرند : .. ( ثم اشتغل الرازي بعد ذلك لنفسه بالعلوم الحكمية
وتميز حتى لم يوجد في زمانه أحد يضاهيه ) . وله كتاب ( مسائل الطب) وآخر يسمى ( الجامع
الكبير في الطب ) وثالثاً : التشريح من الرأس إلى الخلية ، وكتاب في ( النبض ) .
الرازي مفسراً : باستعراض أقوال جملة من المؤرخين للرازي نرى اجماعهم على تصنيفه
من جملة المفسرين ولكن تباينت آراؤهم في أي العلوم كان أكثر شهرة . .
قال ابن خلكان : ( ٦٨١ هـ) في ترجمته للرازي ما نصه:
!
أبو عبد الله محمد بن عمر ... الفقيه الشافعي ، فريد عصره ، ونسيج وحده ، فاق
أهل زمانه في علم الكلام، والمعقولات ، له التصانيف المفيدة في فنون عديدة منها تفسير القرآن

٧
- مقدمة
الكريم جمع فيه كل غريب وغريبة .. ؟! وهو كبير جداً لكنه لم يكمله؟؟
قدم ذكر الفقه وعلم الكلام والفلسفة على شهرته بالتفسير حيث اعتبر تفسيره من جملة
مصنفاته اهـ الوفيات ، ج٣ - ٣٨١.
وقال الذهبي في العبر ( ٧٤٨ هـ ) :
وفخر الدين الرازي العلاّمة ... الشافعي المفسر المتكلّم صاحب التصانيف المشهورة ،
ج ٥ - ١٨
ويلحظ من هذه الترجمة تقديمه ذكر الفقه على التفسير . .
وقال اليافعي (٧٦٨ هـ) الامام الكبير العلاّمة النحرير الأصولي المتكلم المناظر
المفسر ... فاق أهل زمانه في الأصلين والمعقولات وعلم الأوائل .. صنف التصانيف المفيدة في
فنون عديدة منها ( تفسير القرآن الكريم ) جمع فيه من الغرائب والعجائب ما يطرب كل طالب
وهو كبير جداً لكنه لم يكمله؟؟ ..
ومن عبارة النص يفهم انه أصولي متكلم مناظر ثم مفسر ... وان كان تفسيره من أشهر
مصنفاته .
وقال السبكي ( ٧٧١ هـ) في طبقاته .. مؤرخاً له : إمام المتكلمين ، ذو الباع الواسع
في تعليق العلوم والاجتماع بالشاسع من حقائق المنطوق والمفهوم ...
إلى أن قال : أما الكلام فكلٌّ ساكتٌ خلفه ...
وقال : واما علوم الحكماء ، فلقد تدرّع بجلبابها ، وتلفع بأثوابها ...
وعقب بقوله : وأما الشرعيات : تفسيراً وفقهاً وأصولاً وغيرها فكان بحراً لا يجاري نرى
أن التفسير في المرتبة الثالثة بعد علم الكلام والفلسفة وان كان في مقدمة العلوم الشرعية ،
طبقات الشافعية الكبرى ٨ - ٨١.
وقال الداوودي في طبقات المفسرين : الإمام العلامة سلطان المتكلمين في زمانه ....
المفسر المتكلم إمام وقته في العلوم العقلية ، وأحد الأئمة في العلوم الشرعية ... وأحد المبعوثين
على رأس المائة السادسة لتجديد الدين .. إلى أن قال:
ومن تصانيفه ((التفسير الكبير)) لكنه لم يكمل؟ كذا في مختصر (( تاريخ الذهبي)) سماه

٨
مقدمة
( مفاتيح الغيب ) اهـ .. ٢ - ٢١٦ .
ويظهر لنا من هذه الترجمة المتخصصة .. ان شهرته في الكلام فوق شهرته بالتفسير ..
وهو مجدد في الدین.
وجملة القول ان الترجمات على اختلاف اختصاص أصحابها لم تخل من ذكر شهرته
بالتفسير كما انها ذكرت تفسيره في أول عداد مصنفاته المشهورة . .
( التفسير الكبير )
أول ما يطالعنا في التفسير الكبير عبارة المؤلف اثر الخطبة وابان سورة الفاتحة ، ما نصه :
[ اعلم أنه مرَّ على لساني في بعض الأوقات أن هذه السورة الكريمة يمكن أن يستنبط من
فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسألة؟؟ .. و یجیب علی استهجان قد يهجم على النفس من هذه
الدعوى فيقول : فاستبعد هذا بعض الحساد !!! وقوم من أهل الجهل والغي والعناد ، ...
فلما شرعت في تصنيف هذا الكتاب ( التفسير الكبير ) قدمت هذه المقدمة لتصير كالتنبيه على أن
ما ذكرناه أمر ممكن الحصول ، قريب الوصول ، فنقول وبالله التوفيق .... وفسر سورة
الفاتحة بمجلد يحتوي الثلاثمائة صفحة .. وبذلك قدم الدليل على صحة دعواه ....
خصائص التفسير: يمكن إجمالها ( بالمُميِّزات التالية ) :
أولا : الاستطراد، وتصريف الأقوال ، والابعاد في الجدل والنقاش .. لذلك قال
الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات [ أتى ( الرازي ) في كتبه بما لم يسبق اليه ، لأنه يذكر المسألة
ويفتح باب تقسيمها ، وقسمة فروع ذلك التقسيم ، ويستدل بأدلة السبر والتقسيم ، فلا يشذ
فيه عن تلك المسألة فرع له بها علاقة ، فانضبطت له القواعد ، وانحصرت المسائل اهـ ج٤ -
ص ٢٤٨ .
ان الامام فخر الدين الرازي ملأ كتابه بأقوال الحكماء والفلاسفة ، وخرج من شيء الى
شيء حتى يقضى الناظر العجب.
ولكن شخصية الرازي تظهر بجلاء حين يعرض لمذاهب الفلاسفة فينكشف عن علم
واسع وعن عقل حصيف اهـ، الإمام فخر الدين الرازي للدكتور علي محمد حسن العماري )
ط ١٣٨٨ هـ.
١
٠

٩
مقدمة
ثانياً : القراءات ، عرض الرازي للقراءات المختلفة وقد يخرج المعاني على كل قراءة ،
وربما أعرب الآيات بحسب تلك القراءات ، وقد يحتج للقراءة بما قاله النحويون.
ثالثاً : الأحاديث ، الرازي قليل الاعتماد على الحديث في تفسير حتى في الجدل الفقهي الذي
تصدى به لأقوال الفقهاء ..
رابعاً : الشعر، كثيراً ما يستشهد بالشعر للاستدلالات اللغوية أو التمويه أو البلاغية أو
في مناسبة أدبية أو خلقية أو دينية ، وهذا ما يدل على ثقافته الواسعة في آداب اللغة العربية
وتذوّقه علومها.
خامساً : أسباب النزول ، التفسير غني بأسباب النزول مسندة كانت أو غير مسندة وفي
الغالب ما يسندها الى صحابي أو تابعي ..
( مصادر التفسير الكبير )
حوى تفسير الرازي آراء أئمة المفسرين ، كابن عباس رضي الله عنه )، وابن الكلبي ،
ومجاهد ، وقتادة ، والسدي ، وسعيد بن جبير.
وفي اللغة ينقل عن كبار الرواة كالأصمعي ، وأبي عبيدة ، وعن العلماء كالفراء ،
والزجاج ، والمبرد.
ومن المفسرين الذين نقل عنهم : مقاتل بن سليمان المروزي ، وأبو إسحاق الثعلبي ،
وأبو الحسن علي بن أحمد الواحدي ، وابن قتيبة ، ومحمد بن جرير الطبري ، وأبو بكر
الباقلاني ، وابن فورك وسماه الرازي بالأستاذ ، والقفال الشاشي الكبير ، وابن عرفه.
ونقل عن المعتزلة : منهم أبو مسلم الاصفهاني ، والقاضي عبد الجبار ، والزمخشري
صاحب التفسير المشهور بالكشاف وذلك لما في تفسيره من معلومات دقيقة في التأويل والتفسير ،
وما حواه من دقائق اللغة والبلاغة أفاد منها كثير من المفسرين بعده ... وأما آراء المعتزلة التي
نقلها الرازي عن الزمخشري انما أوردها ليرد عليها ويبطل حججها.
هل أتم الرازي تفسيره الكبير : توصل أحد الباحثين الأجلاء ( الدكتور علي محمد حسن
العماريز ) في كتابه عن الإمام الرازي .. وبعد استقراء السور والآيات .. توصل إلى القول :

١٠
لقد ترجح عندي بعد هذا التردد الطويل بين أخبرا أصحاب التراجم والتفسير الكبير للرازي :
أن هذا الإِمام الجليل أتم تفسير القرآن كله اهـ ١٨٣ .
-
هذا : والتفسير مائل بين أيدي القراء تحكي سطوره جهد عالمنا الجليل في تبيان آيات
القرآن الكريم ، وعلمه الغزير وثقافته الواسعة وأسلوبه المتميز حيث فتح آفاقاً واسعة
للباحثين بعده وإلى عصرنا هذا ..
ودار الفكر في بيروت : إذ يعمد أصحابها لنشر هذا السفر الكبير اسهاماً منهم في توفير
الكتاب الإسلامي وخاصة (( تفسير كتاب الله تعالى)) بين أيدي الباحثين والقراء مهما كانت
التكاليف والأعباء المادية ، إيماناً منهم بالرسالة التي نذروا أنفسهم لها وهي الفكر وأصفى
ينبوعه هو كتاب الله تعالى .. وعلومه .. فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين والباحثين
والمثقفين ما يستحقونه من عظيم الثواب ..
بقلم
الشيخ خليل الميس
مدير أزهر لبنان
بيروت في ١٤ جماد الثاني ١٣٩٧ هـ
١ حزيران ١٩٧٧ م

١١
تفسير الاستعاذة
اعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بِسْطِاللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي وفقنا لأداء أفضل الطاعات ، ووفقنا على كيفية اكتساب أكمل
السعادات ، وهدانا إلى قولنا : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من كل المعاصي والمنكرات
: بسم الله الرحمن الرحيم﴾ نشرع في أداء كل الخيرات والمأمورات ﴿الحمد لله ﴾ الذي له ما في
السموات ﴿رب العالمين﴾ بحسب كل الذوات والصفات ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ على أصحاب
الحاجات وأرباب الضرورات ﴿ مالك يوم الدين ﴾ في إيصال الأبرار الى الدرجات ، وإدخال
الفجار في الدركات ﴿إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ في القيام بأداء جملة التكليفات ، ﴿ اهدنا
الصراط المستقيم ﴾ بحسب كل أنواع الهدايات ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ في كل
الحالات والمقامات ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ من أهل الجهالات والضلالات.
والصلاة على محمد المؤيد بأفضل المعجزات والآيات ، وعلى آله وصحبه بحسب تعاقب
الآيات ، وسلم تسليماً.
أما بعد : فهذا كتاب مشتمل على شرح بعض ما رزقنا الله تعالى من علوم سورة
الفاتحة ، ونسأل الله العظيم أن يوفقنا لاتمامه ، وأن يجعلنا في الدارين أهلا لاكرامه وإنعامه ،
إنه خير موفق ومعين ، وبأسعاف الطالبين قمين ، وهذا الكتاب مرتب على مقدمة ، وكتبٍ ،
أما المقدمة ففيها فصول : -
الفصل الأول
في التنبيه على علوم هذه السورة على سبيل الإجمال
أعلم أنه مر على لساني في بعض الأوقات أن هذه السورة الكريمة يمكن أن يستنبط من
فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسئلة ، فاستبعد هذا بعض الحساد ، وقوم من أهل الجهل والغي
والعناد ، وحملوا ذلك على ما ألفوه من أنفسهم من التعلقات الفارغة عن المعاني ، والكلمات
الخالية عن تحقيق المعاقد والمباني ، فلما شرعت في تصنيف هذا الكتاب ، قدمت هذه المقدمة
لتصير كالتنبيه على أن ما ذكرناه أمر ممكن الحصول ، قريب الوصول ، فنقول وبالله التوفيق :

١٢
تفسير الاستعاذة
إن قولنا ﴿ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ لا شك أن المراد منه الاستعاذة بالله من جميع
المنهيات والمحظورات ، ولا شك أن المنهيات إما أن تكون من باب الإعتقادات ، أو من باب
(﴾ (( ستفترق أمتي على
أعمال الجوارح ؛ أما الاعتقادات فقد جاء في الخبر المشهور قوله
ثلاث وسبعين فرقة: كلهم في النار إلا فرقة واحدة)) وهذا يدل على أن الإثنتين والسبعين
موصوفون بالعقائد الفاسدة ، والمذاهب الباطلة ؛ ثم إن ضلال كل واحدة من أولئك الفرق
غير مختص بمسئلة واحدة ، بل هو حاصل في مسائل كثيرة من المباحث المتعلقة بذات الله
تعالى ، وبصفاته ، وبأحكامه ، وبأفعاله ، وبأسمائه ، وبمسائل الجبر ، والقدر ، والتعديل ،
والتجويز ، والثواب ، والمعاد ، والوعد ، والوعيد ، والأسماء ، والأحكام ، والإمامة ، فاذا
وزعنا عدد الفرق الضالة - وهو الاثنتان والسبعون - على هذه المسائل الكثيرة بلغ العدد الحاصل
مبلغاً عظيماً ، وكل ذلك أنواع الضلالات الحاصلة في فرق الأمة ، وأيضاً فمن المشهور أن فرق
الضلالات من الخارجين عن هذه الأمة يقربون من سبعمائة ، فاذا ضمت أنواع ضلالاتهم الى
أنواع الضلالات الموجودة في فرق الأمة في جميع المسائل العقلية المتعلقة بالإلهيات ، والمتعلقة
بأحكام الذوات والصفات ؛ بلغ المجموع مبلغاً عظيماً في العدد ، ولا شك أن قولنا (أعوذ
بالله﴾ يتناول الإستعاذة من جميع تلك الأنواع، والإستعاذة من الشيء لا تمكن إلا بعد معرفة
المستعاذ منه ، وإلا بعد معرفة كون ذلك الشيء باطلاً وقبيحاً ، فظهر بهذا الطريق أن قولنا
أعوذ بالله ﴾ مشتمل على الألوف من المسائل الحقيقية اليقينية، وأما الأعمال الباطلة فهي
عبارة عن كل ما ورد النهي عنه : إما في القرآن ، أو في الأخبار المتواترة ، أو في أخبار
الآحاد ، أو في إجماع الأمة ، أو في القياسات الصحيحة ، ولا شك أن تلك المنهيات تزيد
على الألوف، وقولنا ﴿ أعوذ بالله ﴾ متناول لجميعها وجملتها، فثبت بهذا الطريق أن قولنا
﴿ أعوذ بالله﴾ مشتمل على عشرة آلاف مسئلة، أو أزيد، أو أقل من المسائل المهمة
المعتبرة .
:
:
:

١٣
تفسير البسملة
(١) شُورَةُ الْفَائِحَةْ
مَكتبَة وَأَنَالَهَا نَسْع
بِشْـ
١
◌ِاللَّهِالرَّحْمِالرَّحِيمِ
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
الْخَقَدُ لِِّرَبِّ الْعَلَمِينَ يِّ الرَّحْمَنِ الَّحِيمِ يـ
إِيَّكَ نَعْبُدُ وَإِيَّةٌ نَسْتَعِينُ (٤) أَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (8) صِرَاطَ
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ .
وأما قوله جل جلاله ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ففيه نوعان من البحث : النوع
الأول : قد اشتهر عند العلماء أن لله تعالى ألفاً وواحداً من الأسماء المقدسة المطهرة ، وهي
موجودة في الكتاب والسنة ، ولا شك أن البحث عن كل واحد من تلك الأسماء مسئلة شريفة
عالية ، وأيضاً فالعلم بالاسم لا يحصل إلا إذا كان مسبوقاً بالعلم بالمسمى ، وفي البحث عن
ثبوت تلك المسميات ، وعن الدلائل الدالة على ثبوتها ، وعن أجوبة الشبهات التي تذكر في
نفيها مسائل كثيرة ، ومجموعها يزيد على الألوف، النوع الثاني من مباحث هذه الآية : أن
الباء في قوله ﴿ بسم الله﴾ باء الالصاق، وهي متعلقة بفعل، والتقدير: باسم الله أشرع في
أداء الطاعات ، وهذا المعنى لا يصير ملخصاً معلوماً إلا بعد الوقوف على أقسام الطاعات ،
وهي العقائد الحقة والأعمال الصافية مع الدلائل والبَينات ، ومع الأجوبة عن الشبهات ، وهذا
المجموع ربما زاد على عشرة آلاف مسئلة .
ومن اللطائف أن قوله ﴿ أعوذ بالله ﴾ إشارة إلى نفي ما لا ينبغي من العقائد والأعمال،
وقوله ﴿ بسم الله﴾ إشارة الى ما ينبغي من الإعتقادات والعمليات، فقوله ﴿ بسم الله ﴾ لا
يصير معلوماً إلا بعد الوقوف على جميع العقائد الحقة ، والأعمال الصافية ، وهذا هو الترتيب
الذي يشهد بصحته العقل الصحيح ، والحق الصريح .

١٤
نعم الله تعالى التي لا تحصى))
أما قوله جل جلاله ﴿ الحمد لله﴾ فاعلم أن الحمد إنما يكون حمداً على النعمة، والحمد
على النعمة لا يمكن إلا بعد معرفة تلك النعمة ، لكن أقسام نعم الله خارجة عن التحديد
والاحصاء ، كما قال تعالى ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) ولنتكلم في مثال واحد ، وهو أن
العاقل يجب أن يعتبر ذاته ، وذلك لأنه مؤلف من نفس وبدن ؛ ولا شك أن أدون الجزءین
وأقلهما فضيلة ومنفعة هو البدن ؛ ثم إن أصحاب التشريح وجدوا قريباً من خمسة آلاف نوع
من المنافع والمصالح التي دبرها الله عز وجل بحكمته في تخليق بدن الإنسان ، ثم إن من وقف
على هذه الأصناف المذكورة في كتب التشريح عرف أن نسبة هذا القدر المعلوم المذكور الى ما لم
يعلم وما لم يذكر كالقطرة في البحر المحيط، وعند هذا يظهر أن معرفة أقسام حكمة الرحمن في
خلق الإنسان تشتمل على عشرة آلاف مسئلة أو أكثر ، ثم إذا ضمت إلى هذه الجملة آثار حكم
الله تعالى في تخليق العرش والكرسي وأطباق السموات ، وأجرام النيرات من الثوابت
والسيارات ، وتخصيص كل واحد منها بقدر مخصوص ولون مخصوص وغير مخصوص ، ثم
يضم إليها آثار حكم الله تعالى في تخليق الأمهات والمولدات من الجمادات والنباتات والحيوانات
وأصناف أقسامها وأحوالها - علم أن هذا المجموع مشتمل على ألف ألف مسئلة أو أكثر أو
أقل ، ثم إنه تعالى نبه على أن أكثرها مخلوق لمنفعة الإنسان ، كما قال تعالى ( وسخر لكم ما في
السموات وما في الأرض) وحينئذ يظهر أن قوله جل جلاله ﴿ الحمد لله ﴾ مشتمل على ألف
ألف مسئلة ، أو أكثر أو أقل .
وأما قوله جل جلاله ﴿رب العالمين﴾ فاعلم أن قوله ﴿رب ) مضاف وقوله
العالمين﴾ مضاف إليه، وإضافة الشيء إلى الشيء تمتنع معرفتها إلا بعد حصول العلم
بالمتضايفين ، فمن المحال حصول العلم بكونه تعالى رباً للعالمين إلا بعد معرفة رب والعالمين،
ثم أن العالمين عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى ، وهي على ثلاثة أقسام : المتحيزات ،
والمفارقات ، والصفات ، أما المتحيزات فهي إما بسائط أو مركبات ، أما البسائط فهي الأفلاك
والكواكب والأمهات ، وأما المركبات فهي المواليد الثلاثة ، واعلم أنه لم يقم دليل على أنه لا
جسم إلا هذه الأقسام الثلاثة ، وذلك لأنه ثبت بالدليل أنه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية
له ، وثبت بالدليل أنه تعالى قادر على جميع الممكنات ، فهو تعالى قادر على أن يخلق ألف ألف
عالم خارج العالم ، بحيث يكون كل واحد من تلك العوالم أعظم وأجسم من هذا العالم ،
ويحصل في كل واحد منها مثل ما حصل في هذا العالم من العرش والكرسي والسموات
والأرضين والشمس والقمر ، ودلائل الفلاسفة في إثبات أن العالم واحد دلائل ضعيفة ركيكة
مبنية على مقدمات واهية ؛ قال أبو العلاء المعرى : -

١٥
رحمة الله تعالى لا تنحصر انواعها
يا أيها الناس كم لله من فلك
هین علی الله ماضينا وغابرنا
تجري النجوم به والشمس والقمر
فما لنا في نواحي غيره خطر
ومعلوم أن البحث عن هذه الأقسام التي ذكرناها للمتحيزات مشتمل على ألوف ألوف
من المسائل ، بل الإنسان لو ترك الكل وأراد أن يحيط علمه بعجائب المعادن المتولدة في أرحام
الجبال من الفلزات والأحجار الصافية وأنواع الكباريت والزرانيخ والأملاح ، وأن يعرف
عجائب أحوال النبات مع ما فيها من الأزهار والأنوار والثمار ، وعجائب أقسام الحيوانات من
البهائم والوحوش والطيور والحشرات - لنفد عمره في أقل القليل من هذه المطالب ، ولا ينتهي
إلى غورها كما قال تعالى ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة
أبحر ما نفدت كلمات الله ) وهي بأسرها وأجمعها داخلة تحت قوله ﴿رب العالمين﴾.
وأما قوله تعالى ﴿ الرحمن الرحيم﴾ فاعلم أن الرحمة عبارة عن التخليص من أنواع
الآفات ، وعن إيصال الخيرات إلى أصحاب الحاجات ، أما التخليص عن أقسام الآفات فلا
يمكن معرفته إلا بعد معرفة أقسام الآفات ، وهي كثيرة لا يعلمها إلا الله تعالى ، ومن شاء أن
يقف على قليل منها فليطالع كتب الطب حتى يقف عقله على أقسام الأسقام التي يمكن تولدها في
كل واحد من الأعضاء والأجزاء ، ثم يتأمل في أنه تعالى كيف هدى عقول الخلق إلى معرفة
أقسام الأغذية والأدوية من المعادن والنبات والحيوان ، فانه إذا خاض في هذا الباب وجده بحراً
لا ساحل له .
وقد حكى جالينوس أنه لما صنف كتابه في منافع أعضاء العين قال : بخلت على الناس بذكر
حكمة الله تعالى في تخليق العصبين المجوفين ملتقيين على موضع واحد ، فرأيت في النوم كأن
ملكاً نزل من السماء وقال يا جالينوس ، إن إلهك يقول : لم بخلت على عبادي بذكر
حكمتي ؟ قال : فانتبهت فصنفت فيه كتاباً ، وقال أيضاً : إن طحالى قد غلظ فعاجته بكل ما
عرفت فلم ينفع ، فرأيت في الهيكل كأن ملكاً نزل من السماء وأمرني بفصد العرق الذي بين
الخنصر والبنصر؛ وأكثر علامات الطب في أوائلها تنتهي الى أمثال هذه التنبيهات والإلهامات ،
فاذا وقف الإنسان على أمثال هذه المباحث عرف أن أقسام رحمة الله تعالى على عباده خارجة عن
الضبط والاحصاء .
وأما قوله تعالى ﴿ مالك يوم الدين ﴾ فاعلم أن الانسان كالمسافر في هذه الدنيا ، وسنوه
كالفراسخ ، وشهوره كالأميال ، وأنفاسه كالخطوات ، ومقصده الوصول الى عالم أخراه ؛
لأن هناك يحصل الفوز بالباقيات الصالحات ، فاذا شاهد في الطريق أنواع هذه العجائب في

١٦
أحوال الأخرة وتقسيمها
ملكوت الأرض والسموات فلينظر أنه كيف يكون عجائب حال عالم الآخرة في الغبطة والبهجة
والسعادة ، إذا عرفت هذا فنقول : قوله ﴿ مالك يوم الدين ﴾ إشارة إلى مسائل المعاد والحشر
والنشر، وهي قسمان : بعضها عقلية محضة ، وبعضها سمعية : أما العقلية المحضة فكقولنا:
هذا العالم يمكن تخريبه وإعدامه ، ثم يمكن إعادته مرة أخرى ، وإن هذا الانسان بعد موته
تمكن إعادته ، وهذا الباب لا يتم إلا بالبحث عن حقيقة جوهر النفس ، وكيفية أحوالها
وصفاتها ، وكيفية بقائها بعد البدن ، وكيفية سعادتها وشقاوتها ، وبيان قدرة الله عز وجل على
إعادتها ، وهذه المباحث لا تتم إلا بما يقرب من خمسمائة مسئلة من المباحث الدقيقة العقلية .
وأما السمعيات فهي على ثلاثة أقسام : أحدها الأحوال التي توجد عند قيام القيامة ،
وتلك العلامات منها صغيرة ، ومنها كبيرة وهي العلامات العشرة التي سنذكرها ونذكر
أحوالها . وثانيها الأحوال التي توجد عند قيام القيامة ، وهي كيفية النفخ في الصور ، وموت
الخلائق ، وتخريب السموات والكواكب ، وموت الروحانيين والجسمانيين . وثالثها الأحوال
التي توجد بعد قيام القيامة وشرح أحوال أهل الموقف، وهي كثيرة يدخل فيها كيفية وقوف
الخلق ، وكيفية الأحوال التي يشاهدونها ، وكيفية حضور الملائكة والأنبياء عليهم السلام ،
وكيفية الحساب ، وكيفية وزن الأعمال ، وذهاب فريق إلى الجنة وفريق إلى النار ، وكيفية صفة
أهل الجنة وصفه أهل النار ، ومن هذا الباب شرح أحوال أهل الجنة وأهل النار بعد وصولهم
اليها ، وشرح الكلمات التي يذكرونها والأعمال التي يباشرونها ، ولعل مجموع هذه المسائل
العقلية والنقلية يبلغ لألوف من المسائل ، وهي باسرها داخلة تحت قوله ﴿ مالك يوم الدين
وأما قوله تعالى ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ فاعلم أن العبادة عبارة عن الاتيان بالفعل
المأمور به على سبيل التعظيم للآمر فما لم يثبت بالدليل أن لهذا العالم إلهاً واحداً . قادراً على
مقدورات لا نهاية لها ، عالماً بمعلومات لا نهاية لها ، غنياً عن كل الحاجات ، فانه أمر عباده
ببعض الأشياء ، ونهاهم عن بعضها ، وأنه يجب على الخلائق طاعته والإنقياد لتكاليفه - فانه لا
يمكن القيام بلوازم قوله تعالى ﴿ إياك نعبد ﴾ ثم إن بعد الفراغ من المقام المذكور لا بد من
تفصيل أقسام تلك التكاليف، وبيان أنواع تلك الأوامر والنواهي ، وجميع ما صنف في الدين
من كتب الفقه يدخل فيه تكاليف الله ، ثم كما يدخل فيه تكاليف الله تعالى بحسب هذه الشريعة
فكذلك يدخل فيه تكاليف الله تعالى بحسب الشرائع التي قد كان أنزلها الله تعالى على الأنبياء
المتقدمين ، وأيضاً يدخل فيه الشرائع التي كلف الله بها ملائكته في السموات منذ خلق الملائكة
وأمرهم بالاشتغال بالعبادات والطاعات ، وأيضاً فكتب الفقه مشتملة على شرح التكاليف
المتوجهة في أعمال الجوارح ، أما أقسام التكاليف الموجودة في أعمال القلوب فهي أكبر وأعظم
:

١٧
معنى العبادة وانواع التكالف
وأجل ، وهي التي تشتمل عليها كتب الأخلاق ، وكتب السياسات ، بحسب الملل المختلفة
والأمم المتباينة ، وإذا اعتبر الانسان مجموع هذه المباحث وعلم أنها بأسرها داخلة تحت قوله
تعالى ﴿ إياك نعبد﴾ علم حينئذ أن المسائل التي اشتملت هذه الآية عليها كالبحر المحيط الذي
لا تصل العقول والأفكار إلا الى القليل منها .
أما قوله جل جلاله ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ فاعلم أنه عبارة عن طلب الهداية ،
ولتحصيل الهداية طريقان : أحدهما طلب المعرفة بالدليل والحجة ، والثاني : بتصفية الباطن
والرياضة ، أما طرق الإستدلال فانها غير متناهية لأنه لا ذرة من ذرات العالم الأعلى والأسفل
إلا وتلك الذرة شاهدة بكمال إلهيته ، وبعزة عزته ، وبجلال صمديته ، كما قيل : -
وفي كل شيء له آية
تدل على أنه واحد
وتقريره : أن أجسام العالم متساوية في ماهية الجسمية ، ومختلفة في الصفات ، وهي
الألوان والأمكنة والأحوال ، ويستحيل أن يكون اختصاص كل جسم بصفته المعينة لأجل
الجسمية أو لوازم الجسمية ، وإلا لزم حصول الاستواء ، فوجب أن يكون ذلك لتخصيص
مخصص وتدبير مدبر ، وذلك المخصص إن كان جسماً عاد الكلام فيه ، وإن لم يكن جسماً فهو
المطلوب ، ثم ذلك الموجود إن لم يكن حياً عالماً قادراً ، بل كان تأثيره بالفيض والطبع عاد
الالزام في وجوب الاستواء ، وإن كان حياً عالماً قادراً فهو المطلوب ، إذا عرفت هذا فقد ظهر
أن كل واحد من ذرات السموات والأرض شاهد صادق ، ومخبر ناطق ، بوجود الإله القادر
الحكيم العليم ، وكان الشيخ الإمام الوالدضياءالدين عمر رحمه الله يقول : أن لله تعالى في کل
جوهر فرد أنواعاً غير متناهية من الدلائل الدالة على القدرة والحكمة والرحمة ، وذلك لأن كل
جوهر فرد فانه يمكن وقوعه في أحياز غير متناهية على البدل ، ويمكن أيضاً اتصافه بصفات
غير على البدل ، وكل واحد من تلك الأحوال المقدرة فإنه بتقدير الوقوع يدل على
الإفتقار الى وجود الصانع الحكيم الرحيم ، فثبت بما ذكرنا أن هذا النوع من المباحث غير
متناه . وأما تحصيل الهداية بطريق الرياضة والتصفية فذلك بحر لا ساحل له ، ولكل واحد
من السائرين الى الله تعالى منهج خاص، ومشرب معين، كما قال ((ولكل وجهة هو موليها))
ولا وقوف للعقول على تلك الأسرار ، ولا خبر عند الافهام من مبادى ميادين تلك الأنوار ،
والعارفون المحققون لحظوا فيها مباحث عميقة ، وأسراراً دقيقة ، قلما ترقى اليها أفهام
الأكثرين .
وأما قوله جل جلاله ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾
الفخر الرازي ج ١ م ٢

١٨
استنباط المسائل الكثيرة في الألفاظ القليلة
فما أجل هذه المقامات ، وأعظم مراتب هذه الدرجات ! ومن وقف على ما ذكرناه من البيانات
أمكنه أن يطلع على مبادى هذه الحالات ، فقد ظهر بالبيان الذي سبق أن هذه السورة مشتملة
على مباحث لا نهاية لها ، وأسرار لا غاية لها ، وأن قول من يقول هذه السورة مشتملة على عشرة
آلاف مسئلة ، كلام خرج على ما يليق بأفهام السامعين .
الفصل الثاني
في تقرير مشرع آخر يدل على أنه يمكن استنباط المسائل الكثيرة من الألفاظ القليلة
ولنتكلم في قولنا ﴿ أعوذ بالله ﴾ فنقول: أعوذ نوع من أنواع الفعل المضارع، والفعل
المضارع نوع من أنواع الفعل ، وأما الباء في قوله بالله فهي باء الالصاق ، وهي نوع من أنواع
حروف الجر ، وحروف الجر نوع من أنواع الحروف. وأما قولنا الله فهو اسم معين : أما من
أسماء الاعلام، أو من الاسماء المشتقة ، على اختلاف القولين فيه ، والاسم العلم والاسم
المشتق كل واحد منهما نوع من أنواع مطلق الاسم ، وقد ثبت في العلوم العقلية ، أن معرفة
النوع ممتنع حصولها إلا بعد معرفة الجنس ، لأن الجنس جزء من ماهية النوع ، والعلم بالبسيط
مقدم على العلم بالمركب لا محالة ، فقولنا ﴿ أعوذ بالله ﴾ لا يمكن تحصيل به العلم كما ينبغي
الا بعد معرفة الاسم والفعل والحرف أولا ، وهذه المعرفة لا تحصل إلا بعد ذكر حدودها
وخواصها ، ثم بعد الفراغ منه لا بد من تقسيم الاسم الى الاسم العلم ، والى الاسم المشتق ،
والى اسم الجنس ، وتعريف كل واحد من هذه الأقسام بحده ورسمه وخواصه ، ثم بعد الفراغ
منه يجب الكلام في أن لفظة ﴿ الله﴾ اسم علم ، أو اسم مشتق ، وبتقدير أن يكون مشتقاً
فهو مشتق من ماذا ، ويذكر فيه الوجوه الكثيرة التي قيل بكل واحد منها ، وأيضاً يجب البحث
عن حقيقة الفعل المطلق ، ثم يذكر بعده أقسام الفعل ، ومن جملتها الفعل المضارع ، ويذكر
حده وخواصه وأقسامه ، ثم يذكر بعده المباحث المتعلقة بقولنا أعوذ على التخصيص ، وأيضاً
يجب البحث عن حقيقةالحرف المطلق ، ثم یذکر بعده حرف الجر وحده وخواصه وأحكامه ثم
يذكر بعده باء الالصاق وحده وخواصه ، وعند الوقوف على تمام هذه المباحث يحصل الوقوف
على تمام المباحث اللفظية المتعلقة بقوله ﴿ أعوذ بالله ﴾ ومن المعلوم أن المباحث التي أشرنا الى
معاقدها كثيرة جداً .

١٩
البحث في تكوين الصوت
ثم نقول : والمرتبة الرابعة من المراتب أن نقول : الاسم والفعل والحرف أنواع ثلاثة
داخلة تحت جنس الكلمة ، فيجب البحث أيضاً عن ماهية الكلمة وحدها وخواصها ، وأيضاً
فههنا ألفاظ أخرى شبيهة بالكلمة ، وهي : الكلام ، والقول ، واللفظ ، واللغة ، والعبارة ،
فيجب البحث عن كل واحد منها ، ثم يجب البحث عن كونها من الألفاظ المترادفة ، أو من
الألفاظ المتباينة ، وبتقدير أن تكون ألفاظاً متباينة فانه يجب ذكر تلك الفروق على التفصيل
والتحصيل .
ثم نقول : والمرتبة الخامسة من البحث أن نقول : لا شك أن هذه الكلمات انما تحصل
من الأصوات والحروف ، فعند ذلك يجب البحث عن حقيقة الصوت ، وعن أسباب وجوده
ولا شك أن حدوث الصوت في الحيوان إنما كان بسبب خروج النفس من الصدر ، فعندها
يجب البحث عن حقيقة النفس ، وأنه ما الحكمة في كون الانسان متنفساً على سبيل الضرورة
وأن هذا الصوت يحصل بسبب استدخال النفس أو بسبب إخراجه ، وعند هذا تحتاج هذه
المباحث الى معرفة أحوال القلب والرئة ، ومعرفة الحجاب الذي هو المبدأ الأول لحركة الصوت
ومعرفة سائر العضلات المحركة للبطن والحنجرة واللسان والشفتين ، وأما الحرف فيجب
البحث أنه هل هو نفس الصوت ، أو هيئة موجودة في الصوت مغايرة له؟ وأيضاً لا شك أن
هذه الحروف إنما تتولد عندتقطيع الصوت ، وهي مخارج مخصوصة في الحلق واللسان والأسنان
والشفتين ، فيجب البحث عن أحوال تلك المحابس ، ويجب أيضاً البحث عن أحوال
العضلات التي باعتبارها تتمكن الحيوانات من إدخال الأنواع الكثيرة من الجنس في الوجود
وهذه المباحث لا تتم دلالتها إلا عند الوقوف على علم التشريح .
ثم نقول : والمرتبة السادسة من البحث هي أن الحرف والصوت كيفيات محسوسة بحاسة
السمع ، وأما الألوان والأضواء فهي كيفيات محسوسة بحاسة البصر، والطعوم كيفيات
محسوسة بحاسة الذوق ، وكذا القول في سائر الكيفيات المحسوسة ، فهل يصح أن يقال :
هذه الكيفيات أنواع داخلة تحت جنس واحد وهي متباينة بتمام الماهية ، وأنه لا مشاركة بينها
إلا باللوازم الخارجية أم لا ؟
ثم نقول : والمرتبة السابعة من البحث أن الكيفيات المحسوسة نوع واحد من أنواع
جنس الكيف في المشهور ، فيجب البحث عن تعريف مقولة الكيف ، ثم يجب البحث أن
وقوعه على ما تحته هل هو قول الجنس على الأنواع أم لا ؟
ثم نقول : والمرتبة الثامنة أن مقولة الكيف ، ومقولة الكم ، ومقولة النسبة عرض ،

٢٠
دليل آخر على استنباط المسائل الكثيرة في الفاتحة
فيجب البحث عن مقولة العرض وأقسامه ، وعن أحكامه ولوازمه وتوابعه .
ثم نقول : والمرتبة التاسعة أن العرض والجوهر يشتركان في الدخول تحت الممكن
والممكن والواجب مشتركان في الدخول تحت الموجود ، فيجب البحث عن لواحق الوجود
والعدم ، وهي كيفية وقوع الموجود على الواجب والممكن أنه هل هو قول الجنس على أنواعه أو
هو قول اللوازم على موصوفاتها وسائر المباحث المتعلقة بهذا الباب .
ثم نقول : والمرتبة العاشرة أن نقول : لا شك أن المعلوم والمذكور والمخبر عنه يدخل
فيها الموجود والمعدوم ، فكيف يعقل حصول أمر أعم من الموجود ، ومن الناس من يقول
المظنون أعم من المعلوم ، وأيضاً فهب أن أعم الاعتبارات هو المحلوم ، ولا شك أن المعلوم
مقابله غير المعلوم ، لكن الشيء ما لم تعلم حقيقته امتنع الحكم عليه بكونه مقابلاً لغيره ، فلما
حكمنا على غير المعلوم بكونه مقابلاً للمعلوم ، وجب أن يكون غير المعلوم معلوماً ، فحينئذ
يكون المقابل للمعلوم معلوماً ، وذلك محال ،
واعلم أن من اعتبر هذه المراتب العشرة في كل جزء من جزئيات الموجودات فقد انفتحت
عليه أبواب مباحث لا نهاية لها ، ولا يحيط عقله بأقل القليل منها ، فظهر بهذا كيفية الاستنباط
للعلوم الكثيرة من الألفاظ القليلة .
الفصل الثالث
في تقرير مشرع آخر لتصحيح ما ذكرناه من استنباط المسائل الكثيرة من هذه السورة
اعلم أنا اذا ذكرنا مسئلة واحدة في هذا الكتاب ودللنا على صحتها بوجوه عشرة فكل
واحد من تلك الوجوه والدلائل مسئلة بنفسها ، ثم إذا حكينا فيها مثلا شبهات خمسة فكل
واحد منها أيضاً مسئلة مستقلة بنفسها ، ثم إذا أجبنا عن كل واحد منها بجوابين أو ثلاثة فتلك
الأجوبة الثلاثة أيضاً مسائل ثلاثة ، وإذا قلنا مثلا : الألفاظ الواردة في كلام العرب جاءت على
ستين وجها ، وفصلنا تلك الوجوه ، فهذا الكلام في الحقيقة ستون مسئلة ، وذلك لأن المسئلة
لا معنى لها إلا موضع السؤال والتقرير ، فلما کان کل واحد من هذه الوجوه کذلك کان کل