Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
سورة النصر، الآيات: ١-٣
وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدّثنا على بن حرب قال:
حدّثنا أبو عامر العقدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي عبدة عن عبد الله قال: لما نزلت
﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنَّه كان تواباً﴾ كان النبي ◌ّ يكثر أن يقول ((سبحانك اللهم
وبحمدك(١) أغفر لي إنك أنت التواب)) [٢٩٢](٢).
وأخبرنا عبد الله قال: أخبرني مكي قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدثنا أبو معاوية
عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله وَلّه يكثر
أن يقول قبل أن يموت: ((سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك)» فقلت: يا رسول الله
ما هؤلاء الكلمات التي أراك قد أحدثتها بقولها؟ قال: ((جعلتها علامة في أمتي (٣) أذا رأيتها قلتها
إذا جاء نصر الله والفتح)) [٢٩٣](٤) إلى آخر السورة.
وبه عن ابن هاشم قال: حدّثنا عبد الله بن نمير قال: أخبرنا الأعمش عن مسلم وهو ابن
صبيح عن مسروق عن عائشة رضى الله عنها وعن أبيها قالت: لما نزلت ﴿إذا جاء نصر الله
والفتح﴾ الى آخرها ما رأيت النبي وله صلّى صلاة ألا قال: ((سبحانك اللهم وبحمدك اللّهم
أغفر لي)) [٢٩٤](٥).
· وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدثنا
علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن الشعبي عن أم
سلمة قالت: كان النبي ◌َّه بآخره لا يقوم ولا يقعد ولا يجيء ولا يذهب إلا قال: ((سبحان الله
وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه)) فقلنا: يارسول الله لا تقوم ولا تقعد ولا تجيء ولا تذهب إلا
قلت: سبحان الله أستغفر الله وأتوب إليه قال: ((فإني أُمرت بها)) [٢٩٥](٦) ثم قرأ ﴿إذا جاء
نصر الله والفتح﴾ حتى ختمها .
وقال: مقاتل: لما نزلت هذه الآية قرأها رسول الله وسلم على أصحابه وفيهم أبو بكر وعمر
وسعيد بن أبي العاص ففرحوا واستبشروا، وسمعها العباس فبكى فقال له النبي تلف: ((وما يبكيك
ياعم)) قال: نعيت إليك نفسك قال: ((إنه لكما تقول)) [٢٩٦](٧) فعاش بعدها سنتين ما رُئي فيهما
ضاحكاً مستبشراً، وهذه السورة تسمّى سورة التوديع.
(١) في المصدر: اللّهم اغفر.
(٢) مسند أحمد: ١ / ٤٣٤.
(٣) في المصدر: جعلت لي علامة لأمّتي.
(٤)
كنز العمّال: ٢ / ٥٦١، ح ٤٧٣١.
(٥) مسند أحمد: ٦ / ٢٣٠.
جامع البيان للطبري: ٣٠ / ٤٣٥.
(٦)
(٧) تفسير القرطبي: ٢٠ / ٢٣٢.

٣٢٢
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا محمد بن عمران قال:
حدّثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب قال: حدّثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان قال: حدّثني
أبي عن عكرمة عن ابن عباس قال: أقبل رسول الله وَّطر من غزوة حنين فنزل عليه ﴿إذا جاء نصر
الله والفتح﴾ السورة، فقال رسول الله مثلفي: ((يا علي ويا فاطمة بنت محمد قد جاء نصر الله
والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً سبحان ربي وبحمده وأستغفره أنه كان توباً ويا
علي بن أبي طالب إنه يكون من بعدي في المؤمنين الجهاد»، فقال علي: ما نجاهد المؤمنين
الذين يقولون آمنا؟ قال: ((على الإحداث في الدين إذا عملوا بالرأي، ولا رأي في الدين إنَّما
الدين من الرب أمره ونهيه)).
فقال علي: يا رسول الله وَ لو أرأيت إن عرض لنا أمر لم يبيّن الله فيه قرآناً ولم ينصّ فيه
سنّة منك؟ قال: ((تجعلونه شورى بين العابدين(١) ولا تقضون برأي خاصة ولو كنت مستخلفاً
أحداً لم يكن أحد أحق منك لقدمك في الإسلام وقرابتك من رسول الله وصهرك وعندك فاطمة
سيدة نساء المؤمنين، وقبل ذلك ما كان من بلاء أبي طالب إياي حين نزل القرآن فأنا حريص
على أن أرعى ذلك في ولده)) [٢٩٧](٢).
وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكّي قال: حدّثنا أحمد بن منصور المروزي أبو
صالح قال: حدّثني أحمد بن المصعب المروزي قال: حدّثنا عمر بن إبراهيم قال: حدّثنا عيسى
ابن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده قال: لما نزلت ﴿إذا جاء نصر والفتح﴾ جاء
العباس الى علي ◌ُّه فقال: أدخل على رسول الله وَّر فإن كان هذا الأمر من بعده لنا لم تشاحنا
عليه قريش، وإن كان للغير سألته الوصاة بنا، قال: سأفعل، قال: فدخل العباس على رسول
الله ◌َّله مسّراً فذكر ذلك له فقال له النبي وَّر: ((يا عباس يا عم رسول الله إن الله جعل أبا بكر
خليفتي على دين الله سبحانه ووحيه فأسمعوا له تفلحوا وأطيعوه تُرشدوا)) [٢٩٨](٣).
قال ابن عباس: فقعدوا والله فرشدوا .
(١) في المصدر: من المؤمنين.
(٢) مجمع الزوائد: ١ / ١٨٠، المعجم الكبير: ١١ / ٢٩٥. بتفاوت بسيط.
(٣) كنز العمّال: ١١ / ٥٥٠، ح ٣٢٥٨٦.

٣٢٣
سورة تبت (المسد)، الآيات: ١ - ٣
سورة تبت (المسد )
مكية، وهي سبعة وسبعون حرفاً، وعشرون كلمة، وخمس آيات
أخبرنا الحراثي قال: حدّثنا أبو الشيخ الحافط قال: حدّثنا إبراهيم بن شريك قال: حدّثنا
أحمد بن يونس قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه
عن أبي أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله وَّه: ((من قرأ سورة تبّت رجوت أن لا
يجمع الله سبحانه بينه وبين أبي لهب في دار واحدة)) [٢٩٩](١).
:
بسم الله الرحمن الرحيم
سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ
تَبَّتْ يَدَآ أَبِ لَهَبِ وَتَبَّ ﴿١َ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُ وَمَا كَسَبَ (٣)
﴿تبت يدا أبي لهب﴾.
أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي قال: حدثنا عبد الله بن هاشم قال: حدثنا عبد
الله بن نمير قال: حدّثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما
أنزل الله سبحانه: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾(٢) أتى رسول الله لل الصفا فصعد عليه ثم
نادى: يا صباحاه، فأجتمع إليه الناس بين رجل يجيء وبين رجل يبعث رسوله فقال رسول
الله ◌َليل: ((يا بني عبد المطلب يا بني فهر يا بني عدي أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذ
الجبل يريد أن تغير عليكم صّدقتموني؟)) قالوا: نعم، قال: ((فإني نذير لكم بين يدي عذاب
شديد)) [٣٠٠](٣) فقال أبو لهب: تباً لكم سائر هذا اليوم، وما دعوتموني إلا لهذا؟ فأنزل
﴿تبّت﴾ أي خابت وخسرت، ﴿يدا أبي لهب﴾ أي تب هو أخبر عن يديه والمراد به نفسه على
عادة العرب في التعبير ببعض الشيء عن كلّه كقوله سبحانه: ﴿فبما كسبت أيديكم﴾(٤) و﴿قدمت
(١) تفسير مجمع البيان: ١٠ / ٤٧٤.
(٢) سورة الشعراء: ٢١٤.
(٣) تفسير جامع البيان للطبري ١٩ / ١٤٧ وصحيح البخاري: ٣ / ١٩٠.
(٤) سورة الشورى: ٣٠.

٣٢٤
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
أيديهم﴾(١) ونحوها، وقيل: اليد صلة يقول العرب: يد الدّهر ويد الرزايا والمنايا، قال الشاعر:
عليه نادى ألا مجيـ (٢)
لما أكبّت يد الرزايا
وقيل: المراد به ماله وملكه يقال: فلان قليل ذات اليد، يعنون به المال.
والتباب الخسار والهلاك، سمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت محمد بن مسعود
السوري قال: سمعت نفطويه قال: سمعت المنقري عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال:
لما قتل عثمان رُه سمعوا صوت هاتف من الجن يبكي.
فما عطفوا (٣) ولا رجعوا
لقد خلّوك وأنصرفوا
فتبّاً للذي(٤) صنعوا (٥)
ولم يوفوا بنذرهم
وأبو لهب هو ابن عبد المطلب واسمه عبد العزي فلذلك لم يسمّه، وقیل اسمه كتيبة،
قال: مقاتل كتّ أبا لهب لحسنه وأشراق وجهه، وكانت وجنتاه كأنهما تلتهبان.
﴿وتب﴾ أبو لهب الواو فيه واو العطف، وقرأ عبد الله وأُبي (وقد تب) فالأول دعاء
والثاني كما يقال غفر الله لك، وقد فعل وأهلكه الله وقد فعل، والواو فيه واو الحال.
وقراءة العامة ﴿أبي لهب) بفتح الهاء، وقرأ أهل مكة بجزمها، ولم يختلفوا في قوله:
﴿ذات لهب﴾ أنه مفتوح الهاء؛ لأنهم راعو فيه روس الأي.
أخبرنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا السني قال: حدّثنا حامد بن محمد بن شعيب البلخي
قال: حدّثنا شريح بن يونس قال: حدّثنا هشيم قال: أخبرنا منصور عن الحكم عن أبي ظبيان عن
ابن عباس قال: لما خلق الله القلم قال: أكتب ما هو كائن فكتب فمما كتب: ﴿تبت يدا أبي
لهب﴾ .
وأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن قال: أخبرنا أبو الطيب محمد بن عبد الله
ابن المبارك الثعيري قال: حدّثنا محمد بن أشرس السلمي قال: حدّثنا عبد الصمد بن حسان
المروِّ الروذيّ عن سفيان عن منصور قال: سئل الحسن عن قوله: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ هل كان
في أم الكتاب وهل كان يستطيع أبو لهب أن لا يصلى النار؟ فقال الحسن: والله ما كان يستطيع
أن لا يصليها وإنها لفي كتاب الله قبل أن يخلق أبو لهب وأبواه (٦).
(١) سورة البقرة: ٩٥.
(٢) تفسير القرطبي: ٢٠ / ٢٣٦، وفتح القدير: ٥ / ٥١١.
(٣) في المصدر: آبوا .
(٤) في المصدر: فيا تبّاً لما.
(٥) تفسير القرطبي: ٢٠ / ٢٣٥.
(٦) تفسير القرطبي: ٢٠ / ٢٣٧.

٣٢٥
سورة تبت (المسد)، الآيات: ١ - ٣
ويؤيد هذا ما أخبرنا أبو طاهر بن خزيمة في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة قال:
أخبرنا جدّي أمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة قال حدّثنا محمد بن يحيى قال:
حدثنا معاوية بن عمرو قال: حدثنا زائدة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن
النبي وَ لّر. قال: ((احتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت الذي خلقك الله سبحانه بيده ونفخ
فيك من روحه أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة، فقال آدم: وأنت موسى الذي أصطفاك الله
بكلامه تلومني على عمل أعمله كتبه الله عليّ قبل أن يخلق السموات والأرض، قال: فحج آدم
موسى)) [٣٠١](١).
وأخبرنا محمد بن الفضل قال: أخبرنا جدي قال: حضر مجلس إسحاق بن إبراهيم وأنا
على نمير الركاب فقرأ علينا قال: أخبرنا النظر بن شميل قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن عمار
ابن أبي عمار مولى بني هاشم عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((لقي موسى آدم فقال: أنت آدم
الذي خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وأسكنك جنته فأخرجت ولدك من الجنة، قال له: يا
موسى أنت الذي أصطفاك برسالته وكلّمك، فأنا أقدّم أم الذكر؟ قال: الذكر، فحجّ آدم موسى
فحج آدم موسى)) [٣٠٢](٢).
وأخبرنا محمد بن الفضل قال: أخبرنا جدّي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد الزهري قال:
حدّثنا سفيان قال: حدّثنا أبو الزياد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ◌ِّر قال: ((أحتج آدم
وموسى فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيّبتنا وأخرجتنا من الجنة قال: آدم: ياموسى أصطفاك
الله بكلامه وخط لك بيده أتلومني على أمر قدّره الله تعالى قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحج
آدم موسى فحج آدم موسى)) [٣٠٣](٣).
﴿ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾ قال: ابن مسعود: لما دعا رسول الله وَلل أقرباءه الى الله
سبحانه قال أبو لهب لأصحابه: إن كان ما يقول ابن أخي حقاً فأني أفتدي نفسي وملكي
وولدي، فأنزل الله سبحانه ﴿ما أغنى﴾ أي ما يغني، وقيل: أي شيء أغنى عنه ماله من عذاب
الله.
قال: أبو العالية: يعني أغنامه، وكان صاحب سائمة ومواش، وماكسب: يعني ولده.
قرأ الأعمش (وما أكتسب)، ورواه عن ابن مسعود.
أخبرنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن حنبل قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا
(١) مسند أحمد: ٢ / ٣٩٨.
(٢) مسند ابن راهويه: ١ / ١٧٢، مسند ابن الجعد: ١٦٤، بتفاوت.
(٣) صحيح البخاري: ٧ / ٢١٤.

٣٢٦
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبى
معمر عن ابن خيثم عن أبي الطفيل قال: كنت عند ابن عباس يوماً فجاء بنو أبي لهب يختصمور
في شيء بينهم فاقتتلوا عنده في البيت فقام يحجز بينهم فدفعه بعضهم فوقع على الفراش فغضبـ
ابن عباس فقال: أخرجوا عني الكسب الخبيث، يعني ولده أنهم كسبة (١).
.] (٢)
دليل هذا التأويل ما أخبرني ابن فنجويه [.
أبو حمزة قال: حدّثني عمارة بن عمير التميمي عن عمته سودة قال: قالت لعائشة آكل مر
مال ولدي فقالت: سمعت رسول الله وَلل يقول: ((إن أطيب ما أكل أحدكم(٣) من كسبه وأن ولد
من كسبه)) [٣٠٤](٤).
وسيصلى﴾ هو سين سوف وقيل سين الوعد.
وقراءة العامة بفتح الياء الاولى وقرأ أبو رجاء بضم الياء، وقرأ شهب العقيلي بضم الياء
وتشديد اللام .
﴿ناراً ذات لهب﴾ .
وَأَمْرَأَتُمُ حَمَّالَةَ الْخَطَبِ
) فِ جِيدِهَا خَيْلٌ مِّن مَّسَدٍ
٤
﴿وامرأته﴾ أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان، وكانت عوراء. ﴿حمال
الحطب﴾ يقال: الحديث والكذب قال: ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: كانت تمشي
بالنميمة، يقول العرب: فلان يحطب على فلان إذا ورشى(٥) وأغزى، قال: شاعرهم:
من البيض لم يصطد(٦) على ظهر لامة ولم تمش بين الحي بالحطب الرطب(٧
يعني لم يمش بالنمائم، وقال آخر:
فلسنا كمن يرجى المقالة شطره
يفرق العصاه الرطب والغيل اليبس (٨)
وروى معمر عن قتادة قال: كانت تعيّر رسول الله صل بالفقر وكانت تحتطب فعيّرت
(١) مستدرك الصحيحين: ٢ / ٥٣٩، وتفسير عبد الرزاق: ٣ / ٤٠٦.
(٢) بياض في مصورّة المخطوط .
(٣) في المصدر الرجل بدل أحدكم.
(٤) كنز العمال: ٤ / ٩، ح ٩٢٣٣.
(٥)
التوريش: التحريش .
في المصدر: تصطه.
(٦)
(٧) لسان العرب: ١ / ٣٢٢، تاج العروس: ١ / ٢١٧.
(٨) كذا في المخطوط .

٣٢٧
سورة تبت (المسد)، الآيات: ٤ - ٥
بذلك، وهذا قول غير قوي، لأن الله سبحانه وصفهم بالمال والولد وحمل الحطب ليس بعيب،
وقال: الضحاك وابن زيد: كانت تأتي بالشوك والعصاة فتطرحها بالليل في طريق رسول الله وَل
ليعقرهم، وهي رواية عطية عن ابن عباس، قال الربيع بن أنس: كانت تنشر السعدان على طريق
رسول الله وَلقر فيطأه كما يطأ الحرير والفرند.
مرة الهمداني: كانت أم جميل تأتي كل يوم بأبالة من الحسك فتطرحه على طريق
المسلمين فبينما هي ذات يوم حاملة حزمة أعيت فقعدت على حجر تستريح فأتاها ملك فحدّثها
من خلفها فأهلكها .
وقال سعيد بن جبير: حمالة الخطايا. دليله قوله سبحانه: ﴿وهم يحملون أوزارهم على
ظهورهم﴾(١)، وقول العرب: فلان يحطب على ظهره إذا أساء، فلان حاطب قريته إذا كان
الجاني فيهم، وفلان محطوب عليه إذا كان مجنياً عليه.
وقراءة العامة بالرفع فيهما وأختاره أبو عبيد وأبو حاتم ولها وجهان: أحدهما: سيصلى
ناراً هو وامرأته حمالة الحطب، والثاني: وامرأته حمالة الحطب في النار أيضاً .
وحجّة الرافعين ما أخبرنا محمد بن نعيم قال: أخبرنا الحسين بن أيوب قال: أخبرنا علي
ابن عبد العزيز قال: أخبرنا أبو عبيد قال: حدّثنا حجاج بن هارون قال: في قراءة عبد الله
وامرأته حمالة للحطب، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن محتضر والأعرج وعاصم ﴿حمالة﴾
بالنصب ولها وجهان: أحدهما الحال والقطع لأن أصله وامرأته الحمالة الحطب فلما القيت
الألف واللام نصب الكلام، والثاني على الذم والشتم كقوله سبحانه: ﴿ملعونين﴾(٢).
وروى ابن أبي الزياد عن أبيه قال: كان عامة العرب يقرؤون حمالة الحطب وقرأ أبو قلابة
وامرأته حمالة الحطب على فاعله، والحطب جمع واحدتها حطبة.
وقال: بعض أهل اللغة: الحطب ها هنا جمع الحاطب وهو الجانب المذنب يعني أنَّها
كانت تحملهم بالنميمة على معاداته، ونظيره من الكلام راصد ورصد وحارس وحرس وطالب
وطلب وغائب وغيب، والعلة في تشبيههم النميمة بالحطب هي أن الحطب يوقد ويضرم كذلك
النميمة، قال: أكثم بن صيفي لبنيه: أياكم والنميمة فأنَّها نار محرقة وأن النمام ليعمل في ساعة
مالا يعمل الساحر في شهر، فاخذه الشاعر فقال:
أن النميمة نار ويك محرقة
فعد (٣) عنها وحارب (٤) من تعاطاها(٥)
(١) سورة الأنعام: ٣١.
(٣) في المصدر: ففر.
(٤) في المصدر: وجانب.
(٥) تفسير القرطبي: ٢٠ / ٢٣٩.
(٢) سورة الأحزاب: ٦١ .

٣٢٨
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
ولذلك قيل: نار الحقد لا تخبوا.
والعلة الثانية: أن الحطب يصير ناراً والنار سبب التفريق فكذلك النميمة، وأنشدني وأبو
القاسم [الحبيبي] قال: أنشدني أبو محمد الهاراني الجويني قال:
إنّ بني الأدرم حمالوا الحطب
عليهم اللعنة تترى والحَرَبَ(٢).
هم الوشاة في الرضا وفي الغضب(١)
﴿في جيدها﴾ عنقها، قال ذو الرمة:
وجيدك الا أنها غير عاطل(٣)
فعينك عينها ولونك لونها
وجمعها أجياد، قال: الأعمش :
وبيداء تحسب آرامها رجال إياد بأجيادها (٤)
﴿حبل من مسد﴾ أختلفوا فيه فقال ابن عباس وعروة بن الزبير: سلسلة من حديد ذرعها
سبعون ذراعاً يدخل من فيها فيخرج من دبرها ويلوى سائرها في عنقها، وقال السدي: خلق
الحديد وهي السلسلة تختلف في جهنم كما يختلف الحبل والدلو في البئر، وروى الأعمش عن
مجاهد: من حديد، منصور عنه: المسد: الحديدة التي تكون في البكرة، ويقال له المحور،
وإليه ذهب عطاء وعكرمة، الشعبي ومقاتل: من ليف، ضحاك وغيره: في الدنيا من ليف وهو
الحبل الذي كانت تحطب به فخنقها الله تعالى به فأهلكها، وفي الآخرة من نار، قتادة: قلادة
من ردع، الحسن: إنما كانت خرزات في عنقها، سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة في عنقها
فاخرة فقالت لأنفقها في عداوة محمد، ابن زيد: حبال من شجر ينبت في اليمن يقال لها:
المسد وكانت تفتل، المروج من شهر الحرم والسلم والمسد في كلام العرب كل حبل غيروا أمر
ليفاً كان أو غيره، وأصله من المسد وهو الفتل، ودابة ممسودة الخلق إذا كانت شديدة الأسر،
قال: الشاعر:
مسد أمر من أيانق
وجمعها أمساد قال: الأعشى:
غلقاً صريف محالة الأمساد (٦)
تمسي فيصرف بابها من دوننا
(١) فتح القدير: ٥ / ٥١٢، وفيه: الرضا والغضب.
(٢)
تفسير القرطبي: ٢٠ / ٢٣٩.
(٣)
جامع البيان للطبري: ٣٠ / ٤٤٣، وفيه: فعيناك عيناها.
(٤) لسان العرب: ٣ / ١٣٨.
(٦) تفسير الطبري: ٣٠ / ٤٤٥.
ليس بأنياب ولا حقائق(٥)
(٥) لسان العرب: ٣ / ٤٠٢.

٣٢٩
سورة تبت (المسد)، الآيات: ٤ - ٥
وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد النيسابوري يقول: سمعت أبا نصر أحمد بن محمد
ابن ملجان البصري يقول: سمعت بشر بن موسى الأسدي يقول: سمعت الأصمعي يقول: صلّى
أربعة من الشعراء خلف أمام اسمه يحيى فقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ فيتعتع فيها فقال أحدهم:
في ﴿قل هو الله أحد﴾
أكثر يحيى غلطياً
فقال الثاني :
حتى إذا أعيا سجد
قام طويلا ساك
فقال الثالث :
زجير حبلى لولد
يزجر في محرابه
فقال الرابع :
ـمنـ
لسانه شد بحبل من منسد
كأنّمـ
وفي هذه السورة دلالة واضحة على نبوة نبينا محمد سليم وذلك أن الله سبحانه أخبر عن
مصير أبي لهب وامرأته إلى النار وكانا من أحرص الناس على تكذيب النبي ◌َّ فلم يحملهما
ذلك على إظهار الإيمان حتى يكذبا رسول الله سير بل داما على كفرهما حتى علم أن وعيد الله
سبحانه إياهما وإخباره عن مصيرهما إلى النار حق وصدق.

٣٣٠
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
سورة الإخلاص
مكية، وهي سبعة وأربعون حرفاً، وخمس عشر كلمة، وأربع آيات
أخبرنا الإمام أبو بكر محمد بن الحسن الأصبهاني بقرائتي عليه قال: أخبرنا أبو محمد عبد
الله بن جعفر بن أحمد بن فارس قال: حدثنا يونس بن حبيب قال: حدّثنا أبو داود الطيالسي
قال: حدّثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت سالم بن أبي الجعد يحدث عن معد ابن أبي طلحة عن
أبي الدرداء أن النبي وّلّ قال: ((أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة)) قلت: يارسول الله
ومن يطيق ذاك؟ قال: ((إقرؤوا ﴿قل هو الله أحد﴾)) [٣٠٥](١).
وأخبرني أبو عبد الله الحسين محمد بن الفرج قال: حدّثنا محمد بن الزيرقان قال: حدّثنا
مروان بن سالم عن أبي عمر مولى جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله وَله: ((من قرأ حين
يدخل منزله نفت الفقر عن أهل ذلك المنزل والجيران» [٣٠٦] (٢)
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن صقلاب قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب قال: حدّثني
أبي قال: حدّثنا سعيد بن المغيرة قال: حدّثنا محمد بن مروان عن أبان عن أنس قال: قال
رسول الله وَل: ((من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ مرة بورك عليه، ومن قرأها مرّتين بورك عليه وعلى
أهله، فإن قرأها ثلاث مرات بورك عليه وعلى أهله وعلى جميع جيرانه، فإن قرأها أثنتي عشر
مرة بني له أثنتي عشر قصراً في الجنة ويقول الحفظة: أنطلقوا بنا ننظر الى قصر أخينا، فإن قرأها
مائة كفّر عنه ذنوب خمس وعشرون سنة ما خلا الدماء والأموال، فإن قرأها أربع مائة مرة كفّرت
عنه ذنوب أربعمائة سنة ما خلاء الدماء والأموال، فإن قرأها ألف مرة لم يمت حتى يرى مكانه
في الجنة أو يرى له)) [٣٠٧](٣).
وأخبرنا أبو عمر وأحمد بن أبي الفراتي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب قال:
حدّثنا عبد الله بن جامع الحلواني قال: حدّثنا محمد بن العباس قال: حدّثنا عمر بن سعد
العطار الفلزمي قال: حدّثنا ابن أبي ذئب قال: حدّثنا محمد بن غيلان عن أبي حازم عن سهل
(١) مسند أحمد: ٦ / ٤٤٢.
(٢) مجمع الزوائد: ١٠ / ١٢٨.
(٣) بتمامه في تفسير مجمع البيان: ١٠ / ٤٧٩ .

٣٣١
سورة الإخلاص
ابن سعد قال: جاء رجل إلى النبي لر فشكا إليه الفقر وضيق المعاش فقال له: رسول الله وعليه :
((إذا دخلت بيتك فسلم إن كان فيه أحد وان لم يكن فيه أحد فسلّم (عليّ)(١) وأقرأ ﴿قل هو الله
أحد﴾ مرة واحدة)) [٣٠٨](٢) ففعل الرجل فأدرّ الله عليه رزقاً حتى أفاض على جيرانه.
وأخبرنا أبو الحسين عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم بن يحيى قال: حدّثنا أبو سعيد
أحمد بن محمد بن زياد بن بشر قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني قال: حدّثنا
يزيد بن هارون قال: حدّثنا العلاء أبو محمد الثقفي قال: سمعت أنس بن مالك قال: كنا مع
رسول الله ليه بتبوك فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور لم أرها طلعت فيما مضى فأتى جبريل
رسول الله ﴾ فقال: يا جبريل مالي أرى الشمس اليوم طلعت بضياء ونور وشعاع لم أرها
طلعت فيما مضى فقال: ذاك أن معاوية بن معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم فبعث الله سبحانه
إليه سبعين ألف ملك يصلّون عليه قال: وفيم ذاك؟ قال: كان يكثر قراءة ﴿قل هو الله أحد﴾
بالليل والنهار وفي ممشاه وقيامه وقعوده، فهل لك يارسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي
عليه قال: ((نعم)) [٣٠٩](٣) فصلى عليه ثم رجع.
وأخبرنا أحمد بن أبي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب قال: حدّثنا محمد بن
عيسى بن يزيد قال: حدّثنا سليمان بن داود المنقري قال: حدّثنا عبد العزيز بن محمد عن عبد
الله بن عمر عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رجلا كان يصلي على عهد النبي وسط﴿ فكان لا
يقرأ في الصلاة إلا قرأ في أثرها ﴿قل هو الله أحد﴾ فذكر ذلك لرسول الله و الله فقال له رسول
الله وَليقول: ((ما حملك على لزومها))؟ فقال: يارسول الله، إني أحبها.
فقال له رسول الله وَله: ((حبك إياها يدخلك الجنة)) [٣١٠](٤).
وأخبرنا ناقل بن راقم بن أحمد البابي قال: حدّثنا علي بن الحسن بن بختيار قال: حدّثنا
أبو إبراهيم القطان قال: حدّثنا عثمان بن عبد الله القرشي قال: حدّثنا سلمة بن سنان عن محمد
ابن المنكدر أن رسول اللـه ◌َ﴾ قال: ((نزل ملك من السماء السابعة وخرج من الأرض السابعة
ملك فالتقيا على هذه الأرض فقال الذي نزل من السماء: قد رفعت اليوم عملا لم أرفع مثله،
قال: الذي خرج من تحت الأرض: ما ذاك؟ قال: قرأ رجل ﴿قل هو الله أحد﴾ مائة مرة قال:
ما صُنع به؟ قال: غفر الله له)) [٣١١].
وأخبرني محمد بن القاسم قال: حدّثنا محمد بن يزيد قال: حدّثنا أبو يحيى البزاز قال:
(١) غير موجودة في المصدر.
(٢). تفسير نور الثقلين: ٥ / ٧٠٥.
(٣) مجمع الزوائد: ٩ / ٣٧٧.
(٤) سنن الترمذي: ٤ / ٢٤٣، بتفاوت بسيط.

٣٣٢
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
حدّثنا محمد بن الأزهر قال: حدّثنا أبو عامر العقدي عن مالك بن أنس عن عبد الله بن عبد
الرحمن عن ابن جبير عن أبي هريرة أن النبي ◌َ ﴾ سمع رجلا يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ فقال:
((وجبت)) قيل: يارسول الله وما وجبت؟ قال: ((وجبت له الجنة)) [٣١٢](١).
وأخبرني محمد بن القاسم قال: حدّثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن الدشت قال:
حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسن بن قريش قال: حدّثنا معاذ بن يوسف التاجر قال: حدّثنا مُسدد
ابن مُسرهد قال: حدّثنا حمدان بن رزام قال: حدّثنا محمد بن عبد الله عن مالك بن دينار عن
أنس بن مالك قال: قال: رسول اللـه وَّجه «من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ مرة واحدة أعطاه الله من
الثواب ما يحمل ثوابه سبعين قنطاراً من ياقوت فيفوح منه الروح يحملون كتبه كتباً واحداً أشد
تقرطاً من شعر الزنجي وأرق من الشعر)) [٣١٣].
وأخبرني محمد بن القاسم قال: حدّثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن جعفر قال: أخبرنا
أبو حسان العثماني قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال: حدثنا عمي عبد الله بن وهب قال:
حدثنا ابن لهيعة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن مكحول عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي
ابن كعب قال: سئل النبي (عليه السلام) عن ثواب ﴿قل هو الله أحد﴾ فقال: ((من قرأ (قل هو
الله أحد) تناثر الخير على مفرق رأسه من عنان السماء، ونزلت عليه السكينة وتغشّاه الرحمن
وازدوي حول العرش، ونظر الله سبحانه إلى قارئها فلا يسأله شيء إلا أعطاه إياه ويجعله فى
كلائه وحرزه)) [٣١٤].
بسم الله الرحمن الرحيم
ثُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴿١َ اللَّهُ الصَّمَدُ (٣َ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنُ لَُّ كُفُوا
أَحَدّ (@)
﴿قل هو الله أحد﴾ أخبرنا الشيخ أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق المزكى
قال: أخبرنا الإمام أبو بدر محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: حدثنا أحمد بن منيع ومحمود بن
خداش قالا: حدثنا أبو سعد الصغاني قال: حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي
العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله (عليه السلام): انسب لنا ربك، فأنزل
الله سبحانه ﴿قل هو الله أحد﴾ الى آخر السورة.
وروى أبو ضبيان وأبو صالح عن ابن عباس أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أتيا
النبي وَل فقال عامر: الى ماتدعونا يا محمد؟ قال: ((إلى الله سبحانه)) فقالا: صفه لنا، أذهب
(١) مسند أحمد: ٢ /٣٠٢.

٣٣٣
سورة الإخلاص، الآيات: ١ - ٤
هو أم فضة أم حديد أم من خشب؟ فنزلت هذه السورة، فأرسل الله سبحانه الصاعقة إلى أربد
فأحرقته وطعن عامر في خنصره فمات، وقد ذكرت قصتهما في سورة الرعد.
وقال الضحاك وقتادة ومقاتل: جاء ناس من أحبار اليهود إلى النبي صل# فقالوا: يا محمد
صف لنا ربّك لعلنا نؤمن بك فإن الله أنزل نعته في التوراة فأخبرنا به من أي شيء هو من أي
جنس أمن ذهب هو أو نحاس أم صفر أم حديد أم فضة؟ وهل يأكل ويشرب؟ وممّن ورث
الدنيا؟ ومن يورثها؟ فأنزل الله سبحانه هذه السورة وهي نسبة الله خاصة.
وأخبرني عقيل أن أبا فرج البغدادي أخبرهم عن أبي جعفر الطرفي قال: حدّثنا ابن حميد
قال: حدّثنا سلمة قال: حدّثني ابن إسحاق عن محمد بن سعيد قال: أتى رهط من اليهود
للنبي وَ﴿ قالوا: يا محمد هذا الله خلق الخلق فمن خلقه؟ فغضب النبي حتى أمتقع لونه ثم
ساورهم غضباً لربه، فجاءه جبرائيل فسكّنه وقال: أخفض عليك جناحك يا محمد، وجاءه من
الله سبحانه بجواب ما سألوه ﴿قل هو الله أحد﴾ السورة، فلما تلا عليهم النبي وليّ قالوا له:
صف لنا ربك كيف خلق وكيف عضده وذراعه؟ فغضب النبي و ﴿ أشد من غضبه الأوّل
وساورهم، فأتاه جبرائيل فقال: له مثل مقالته وأتاه بجواب ما سألوه ﴿ما قدروا الله حق قدره
والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة﴾(١) .
وقال الضحاك عن ابن عباس: إنَّ وفد نجران قدموا على رسول الله وَّو سبعة أساقفة من
بني الحرث بن كعب فيهم السيد والعاقب، فقالوا للنبي وَله: صف لنا ربك من أي شيء هو؟
فقال النبيِ وَلّ: ((إنَّ ربي ليس من شيء وهو بائن من(٢) الأشياء)) [٣١٥] فأنزل الله سبحانه ﴿قل
هو الله أحد﴾ أي واحد.
ولا فرق بين الواحد والأحد عند أكثر أصحابنا يدل عليه قراءة عبد الله ﴿قل هو الله﴾
[ ....... ] (٣) .
وفرق قوم بينهما فقال بعضهم: الواحد للفصل والأحد للغاية، وقيل: واحد بصفاته أحد
بذاته، وقيل: إنَّ الواحد يدلّ على أزليته وأوّليته، لأنَّ الواحد في الأعداد ركنها وأصلها
وميدانها، والأحد يدل على بينونته من خلقه في جميع الصفات، ونفي أبواب الشرك عنه،
فالأحد بني لنفي ما يذكر معه من العدد، والواحد أسم لمفتتح العدد، فأحد صلح في الكلام في
موضع الجحود، والواحد في موضع الإثبات تقول: لم يأتني منهم أحد وجاءني منهم واحد،
(١) سورة الزمر: ٦٧ .
(٢) في سبل الهدى للشامي (٣ / ٣٩٦): وهو بائن خالق الأشياء.
(٣) بياض في مصورّة المخطوط.

٣٣٤
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
فالمعنى أنه لم يأتني أثنان، وقال ابن الأنباري: أجد في الأصل واحد كما قالوا للمرأة أناة
والأصل ونأة من الوني وهو الفتور قال الشاعر:
نؤوم الضحى في مأتم أي مأتم (١)
رمته أناة من ربيعة عامر
وقال النابغة في الواحد:
بذي الجليل على مستأنس وحد (٢)
كأن رحلي وقد زال النهار بنا
سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا
القاسم البزاز يقول: سمعت ابن عطاء يقول في قوله سبحانه ﴿قل هو الله أحد﴾: هو المنفرد
بإيجاد المفقودات والمتحّد بأظهار الخفيّات.
وقراءة العامة ﴿أحد﴾ بالتنوين، وقرأ الحسن ونصر بن عاصم وابن إسحاق وأبان بن
عثمان وهارون بن عيسى ﴿أحد الله﴾ بلا تنوين طلباً للخفة وفراراً من التقاء الساكنين كقراءة من
قرأ ﴿عزير ابن الله﴾(٣) بغير تنوين.
وأما قوله: ﴿الله الصمد﴾ فأختلفوا فيه فقال ابن عباس ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير:
الذي لا جوف له، وأما سعيد بن المسيب: الذي لا حشو له، الشعبي: الذي لا يأكل ولا
يشرب، وإليه ذهب الفرضي، وقيل: يفتره ما بعده.
أخبرنا محمد بن الفضل قال: أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: حدثنا أحمد بن
منبع ومحمود بن خراش قال: حدّثنا أبو سعد الصعالي قال: حدّثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع
عن أبي العالية عن أبيّ بن كعب قال: الصمد الذي لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء يولد إلا
سيموت وليس يرث إلا سيورث وأن الله لا يموت ولا يورث.
وقال أبو وائل شفيق بن سلمة: وهو السيّد الذي قد أنتهى سؤدده، وهي رواية علي بن أبي
طلحة عن ابن عباس قال: هو السيد الذي قد كمل في جميع أنواع الشرف والسؤدد.
غيره: هو السيد المقصود في الحوائج، يقول العرب: صمّدت فلاناً أصمده وأصمُده
صمْداً بسكون الميم إذا قصدته، والمصمود صمد كالقبض والنفض، ويقال: بيت مصمود
ومصمّد إذا قصده الناس في حوائجهم قال طرفة:
إلى ذروة البيت الرفيع المصمد (٤)
وأن يلتقي الحي الجميع تلاقني
(١) الصحاح: ٥ / ١٨٥٧.
(٢) تاج العروس: ٧ / ٢٦١.
سورة التوبة: ٣٠.
(٣)
(٤) تفسير مجمع البيان: ١٠ / ٤٨٣.

٣٣٥
سورة الإخلاص، الآيات: ١ - ٤
وأنشد الأئمة في الصمد:
بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد (١)
ألا بكر الناعي بخيري بني أسد
وقال قتادة: الصمد: الباقي بعد خلقه، عاصم ومعمر: هو الدائم، علي بن موسى الرضا:
هو الذي أيست العقول عن الإطلاع على كيفيته، محمد بن علي الترمذي: هو الأزلي بلا عدد،
والباقي بلا أمد، والقائم بلا عمد، الحسين بن الفضل: هو الأزلي بلا أبتداء، وقيل: هو الذي
جلّ عن شبه المصورين وقيل: هو بمعنى نفي التجزؤ والتأليف عن ذاته، ميسرة: المصمت، ابن
مسعود: الذي ليست له أحشاء، أبو إسحاق الكوفي عن عكرمة: الصمد الذي ليس فوقه أحد،
وهو قول علي
السدي: هو المقصود إليه في الرغائب المستغاث به عند المصائب، يمان: الذي لاینام،
كعب الأحبار: الذي لا يكافئه من خلقه أحد. ابن كيسان: الذي لا يوصف بصفته أحد، مقاتل
ابن حيان: الذي لا عيب فيه، ربيع: الذي لا تعتريه الآفات، سعيد بن جبير أيضاً: الكامل في
جميع صفاته وأفعاله، الصادق: وهو الغالب الذي لا يغلب، أبو هريرة: المستغني عن كل أحد
والمحتاج إليه كل أحد، مرّة الهمداني: الذي لا يبلى ولا يغنى، الحسين بن الفضل أيضاً: هو
الذي يحكم ما يريد ويفعل ما يشاء لا معقّب لحكمه ولا راد لقضائه.
محمد بن علي: الصمد: الذي لا تدركه الأبصار ولا تحويه الأفكار ولا تبلغه الأقطار
وكل شي عنده بمقدار.
ابن عطاء: الصمد: الذي لم يتبّين عليه أثر فيما أظهر، جعفر: الذي لم يعط لخلقه من
معرفته الا الاسم والصفة، جنيد: الذي لم يجعل لأعدائه سبيلا إلى معرفته، وقيل: هو الذي لا
يدرك حقيقة نعوته وصفاته فلا يتسع له اللسان ولا يشير إليه البيان، ابن عطاء: هو المتعالي عن
الكون والفساد، وقال الواسطي: الذي لا يسحر ولا يستغرق ولا تعترض عليه القواطع والغلل.
وقال جعفر أيضاً: الصمد خمس حروف: فالألف دليل على أحديّته، واللام دليل على
الهيته وهما مدغمان لا يظهران على اللسان ويظهران في الكتابة، فدلّ على أحديته والهيّته خفية
لا يدرك بالحواس، وأنّه لا يقاس بالناس فخفاءه في اللفظ دليل على أن العقول لا تدركه ولا
تحيط به علماً، وأظهاره في الكتابة دليل على أنه يظهر على قلوب العارفين، ويبدو لأعين
المحبين في دار السلام، والصاد دليل على صدقه، فوعده صدق وقوله صدق وفعله صدق ودعا
عباده إلى الصدق، والميم دليل على ملكه فهو الملك على الحقيقة، والدال علامة دوامه في
أبديته وأزلیته.
(١) لسان العرب: ٣ / ٢٥٨.

٣٣٦
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
﴿لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً﴾ أختلف القراء فيه، فقرأ حمزة ويعقوب ساكنة الفاء
مهموزة ومثله روى العباس عن أبي عمرو وإسماعيل عن نافع، وقرأ شيبة مشبعة غير مهموزة
ومثله روى حفص عن عاصم، وقرأ الآخرون مثقلاً مهموزاً وكلّها لغات صحيحة فصيحة ومعناه
المثل.
﴿أحد﴾ أي هو واحد، وقيل: على التقديم والتأخير مجازه: ﴿ولم يكن له أحد كفواً﴾ ..
وقال عبد خير: سأل رجل علي بن أبي طالب ظلّلا عن تفسير هذه السورة قال: قل هو الله
أحد بلا تأويل عدد، الله الصمد لا يتبعض بدد، لم يلد فيكون هالكاً، ولم يولد فيكون إلهاً
مُشارَكاً، ولم يكن له من خلقه كفؤاً أحد [٣١٦](١).
وأخبرنا أبو عبدالرحمن السلمي بقراءتي قال: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا
علي الروذباري يقول: وجدنا أنواع الشرك ثمانية: النقص والتقلّب والكثرة والعدد وكونه علّة أو
معلولاً، والأشكال والأضداد، فنفى الله تعالى عن صفته نوع الكثرة والعدد بقوله: ﴿قل هو الله
أحد﴾ ونفى التنقّص والتقلّب بقوله: ﴿الله الصمد﴾ ونفى العلل والمعلول بقوله: ﴿لم يلد ولم
يولد﴾ ونفى الأشكال والأضداد بقول: ﴿ولم يكن له كفواً أحد﴾ فحصلت الوحدانية البحت
لذلك سمّيت سورة الإخلاص.
:
(١) تفسير مجمع البيان: ١٠ / ٤٨٩.

٣٣٧
سورة الفلق
سورة الفلق والناس [المعوذتين]
مدنية، وهي أربع وسبعون حرفاً، وثلاث وعشرون كلمة، وخمس آيات
سورة الفلق
أخبرنا أبو عمرو الفراتي قال: أخبرنا أبو موسى قال: أخبرنا مكي بن عيدان قال: حدّثنا
سليمان بن داود قال: حدّثنا أحمد بن نصر قال: حدّثنا أبو معاذ عن أبي عصمة نوح بن أبي
مريم عن زيد العمي عن أبي نصرة عن ابن عباس عن أُبيّ بن كعب عن النبي ◌َّ قال: ((من قرأ
المعوذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلّها)) [٣١٧](١).
وأخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد العدل قال: حدّثنا أبو العباس محمد
ابن يعقوب قال: أخبرنا العباس بن الوليد بن مريد قال: أخبرني أبي قال: حدّثنا الأوزاعي قال:
حدّثني يحيى بن أبي كثير قال: حدّثني محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي عن عقبة بن عامر
الجهني أن رسول الله وَ الر، قال له: ((ألا أخبرك بأفضل ما تعودت))(٢) قلت: بلى، قال: ((قل
أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس» [٣١٨](٣) ..
وأخبرنا الحباري قال: حدّثنا ابن عدي قال: حدّثنا إبراهيم بن رحيم قال: حدّثنا أبي
قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثنا هشام بن الغانم عن يزيد بن يزيد بن جابر عن القاسم
أبي عبد الرحمن عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله وسلم: ((يا عقبة ألا أعلمك سورتين هما
أفضل القرآن أو من أفضل القرآن)» قلت: بلى يارسول الله، فعلّمني المعوذتين ثم قرأهما في
صلاة الغداة، وقال: لي ((إقرأهما كلما قمت ونمت)) [٣١٩](٤).
وأخبرنا أبو العباس أحمد بن عمرو العصفري قال: حدّثنا عمر بن عبد المجيد قال: حدّثنا
عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي غريب عن كثير بن مرّة عن عبد العزيز بن مروان قال:
سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول: سمعت النبي وسلم يقول: ((إنك لن تقرأ سورة أحب إلى الله
(١) تفسير مجمع البيان: ١٠ / ٤٩١ .
(٢) في المصدر: ما تعوّذ به المتعوّذون.
(٣) السنن الكبرى: ٤ / ٤٤٠.
(٤) المعجم الكبير: ١٧ / ٣٣٦،

٣٣٨
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
عزّ وجلّ ولا أقرب عنده(١) من قل أعوذ برب الفلق فأن أستطعت أن لا تدعها في صلاة فأفعل))
[٣٢٠](٢) .
وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب المزكى قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن
عبدوس الطرائفي قال: حدّثنا معاذ بن نجدة بن العريان قال: حدّثنا خلاد - يعني ابن يحيى -
قال: حدّثنا سفيان عن إسماعيل عن قيس بن أبي حازم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول
الله وَلي: ((أنزل على الله سورتان لم أسمع لمثلهن ولم أرى مثلهن: المعوذتين)) [٣٢١](٣).
القصة: قال ابن عباس وعائشة رضى الله عنهما - دخل حديث بعضهما في بعض: كان
غلام اليهود يخدم رسول الله ور فدبت إليه اليهود فلم يزلوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي وله
وعدّة أسنان من مشطه فاعطاها اليهود، فسحروه فيها، وكان الذي تولى ذلك رجل منهم يقال له
لبيد بن أعصم ثم دسّها في بئر لبني زريق يقال له ذروان، فمرض رسول الله وَله وأنتثر شعر
رأسه، ولبث ست أشهر يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، وجعل يذوب ولا يدري ما عراه، فبينما
هو نائم إذ أتاه ملكان فقعد أحدهم عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي
عند رأسه: ما بال الرجل؟ قال: ظُب قال: وما طُب؟ قال: سُحر، قال: ومن سحره؟ قال: لبيد
ابن أعصم اليهودي، قال: وبم طبّه؟ قال: بمشط ومشاطة قال: وأين هو؟ قال في [جفّ(٤) طلعة
ذكر] تحت راعوفة في بئر ذروان(٥) .
والجُف: قشر الطلع، والراعوفة: حجر في أسفل البئر ناتئ يقوم عليه الماتح، فانتبه
رسول الله ◌َّل مذعوراً وقال: ((يا عائشة أما شعرت أن الله سبحانه أخبرني بدائي)) [٣٢٢](٦) ثم
بعث رسول الله* علياً والزبير وعمار بن ياسر فنزحوا ماء تلك البئر كأنه نقاعة الحنّاء، ثم
رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من مشطة وإذا فيه وتر معقود فيه إثنا
عشر عقدة مغروزة بالإبر فأنزل الله سبحانه هاتين السورتين فجعل كلّما يقرأ آية أنحلت عقدة،
ووجد رسول الله وَ﴾ خفّة حين أنحلت العقدة الأخيرة فقام كأنما أنشط من عقال، وجعل
جبرائيل (عليه السلام) يقول: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من حاسد وعين والله
يشفيك، قال: فقالوا: يا رسول الله أفلا نأخذ الخبيث فنقلته، فقال ◌َله: ((أما أنا فقد شفاني الله
وأكره أن أُثير على الناس شراً)) [٣٢٣](٧).
(١) في المصدر: ولا أبلغ.
(٢) المعجم الأوسط: ٦ / ١٤٩.
(٣) المعجم الكبير: ١٧ / ٣٥٠، وفيه: آيات بدل: سورتان.
(٤) الجفّ: غشاء على الطلع للأنثى وللذكر.
(٥) في تفسير القرطبي : أوران.
(٦) زاد المسير: ٨ / ٣٣٢، تفسير القرطبي: ٢٠ / ٢٥٣.
(٧) بطوله في تفسير ابن كثير عن الثعلبي: ٤ / ٦١٥، وصحيح مسلم: ٧ / ١٣.

٣٣٩
سورة الفلق، الآيات: ١ - ٥
قالت عائشة: ما غضب رسول الله وَر غضباً ينتقم من أحد لنفسه قط إلاّ أن يكون شيئاً
هو لله سبحانه، فيغضب لله سبحانه وتعالى وينتقم.
التفسير :
وَمِنْ شَرِّ
وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ
مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (3
قُلُّ أَعُوذُ بِرَتِ الْفَلَقِ
النَّفَّشَتِ فِى الْمُقَدِ ﴿﴿ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَدَ
﴿قل أعوذ بربِّ الفلق﴾ قال ابن عباس: هو سجن في جهنم، وحدّثنا يعقوب عن هشيم
قال: أخبرنا العوام عن عبد الجبار الجولاني قال: قدم رجل من أصحاب النبي عليه السلام
الشام فنظر إلى دور أهل الذمة وما فيها من العيش والنضارة، وما وسع عليهم في دنياهم فقال:
لا أُبالي، أليس من ورائهم الفلق؟ قال: قيل: وما الفلق؟ قال: بيت إذا انفتح صاح جميع أهل
النار من شدّة حرَّه(١) .
وقال أبو عبد الرحمن الحبلي: الفلق هي جهنم، وقال جابر بن عبد الله والحسن وسعيد
ابن جبير ومجاهد وقتادة والقرظي وابن زيد: الفلق: الصبح، وإليه ذهب ابن عباس، ودليل هذا
التأويل قوله تعالى: ﴿فالق الإصباح﴾.
الضّاك والوالبي عن ابن عباس: معنى الفلق: الخلق. وهب: هو باب في جهنم (٢).
الكلبي: هو واد في جهنم، وقال عبد الله بن عمرو: شجرة في النار، وقيل: الفلق الجبال
والصخور تنفلق بالمياه أي تتشقق(٣)، وقيل: هو الرحم تنفلق عن الحيوان، وقيل: الحبَّ
والنوى تنفلق عن التراب، دليله قوله سبحانه وتعالى: ﴿فالق الحبِّ والنوى﴾ والأصل فيه الشق.
وقال محمد بن علي الترمذي في هذه: كشف الله تعالى على قلوب خواص عباده فقذف
النور فيها، فانفلق الحجاب وانكشف الغطاء.
﴿من شرِّ ما خلق ومن شرِّ غاسق إذا وقب﴾.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو برزة أو أحد بني شريك البزار قال: حدّثنا آدم بن أبي
أياس قال: حدّثنا ابن أبي ذئب عن الحرث بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: أخذ رسول الله
عليه السلام بيدي فأشار إلى القمر فقال: ((يا عائشة استعيذي بالله من شرِّ هذا؛ فإنّ هذا الغاسق
إذا وقب)) [٣٢٤](٤).
(١) تفسير الطبري: ٤٥٥/٣٠.
(٣) تفسير القرطبي: ٢٥٤/٢٠.
(٤) تفسير الطبري: ٣٠ / ٤٥٩.
(٢) المصدر السابق: ٤٥٧/٣٠.

٣٤٠
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا عبد الرحمن بن خرزاد البصري
بمكة قال: حدّثنا نصر بن علي قال: حدّثنا بكار بن عبد الله قال: حدّثنا ابن عمر بن عبد
الرحمن بن عوف عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي وَّر في قوله سبحانه وتعالى:
﴿ومن شرِّ غاسق إذا وقب﴾ قال: النجم إذا طلع.
وقال ابن عباس والحسن ومجاهد والقرظي والفرّاء وأبو عبيدة وابن قتيبة والزجّاج(١):
الليل.
قال ابن زيد: يعني والثريا إذ سقطت، قال: وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها
وترتفع عند طلوعها(٢)، وأصل الغسق الظلمة والوقوف [ .... ] (٣) إذا دخل وقال: أمان سكن
نظلامه(٤) .
وقيل: سُمّي الليل غاسقاً لأنه أبرد من النهار، والغاسق: البارد، والغسق: البرد(٥).
﴿ومن شرِّ النفاثات في العقد﴾ يعني الساحرات اللائي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين
عليها، والنفث: وشبه النفخ كما يعمل من يرقي. قال عنترة:
وإنَّ يفقد محقّ له العقود (٦)
فإن يبرأ فلم أنفث عليه
وقرأ عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن سابط: من شرِّ النافئات في وزن: فاعلات(٧) .
﴿من شرِّ حاسد إذا حسد﴾ قال الحسين بن الفضل: إنَّ الله جمع الشرور في هذه الآية
وختمها بالحسد ليعلم أنه أخسّ الطبائع.
(١) مستدرك عن زاد المسير لابن الجوزي: ٣٣٤/٨.
(٢)
زاد المسير: ٣٣٤/٨.
كلمة غير مقروءة.
(٣)
كذا في المخطوط.
(٤)
تفسير القرطبي: ٢٥٦/٢٠.
(٥)
(٦) تفسير القرطبي: ٢٥٧/٢٠.
(٧) تفسير القرطبي: ٢٥٩/٢٠.