Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ ـورة الإنسان، الآيات: ٧ - ١٣ ـاطم يابنة النبي أحمد هذا أسير للنبي المهتد يشكو إلينا الجوع قد تمدد عند العلي الواحد الموحّد فأنشأت فاطمة تقول : بنت نبي سيــد مـسـوّد مكبّلٌ في غلّه مقيّد من يطعم اليوم يجده من غد ما يزرع الزارع سوف يحصد قد ذهبت كفي مع الذراع ــم يبق مما جاء غير صاع يارب لا تتركهــمـا ضياع يصطنع المعروف بابتداع وما على رأسي من قناع بناي والله من الجياع بوهما للخير ذو اصطناع قبل الذراعين طويل الباع إلاّ قناعاً نسجه انساع(١) قال: فاعظوه الطعام ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئاً إلاّ الماء القراح فلما أن كان في اليوم الرابع وقد قضوا نذرهم أخذ علي ظُه بيده اليمنى الحسن وبيده اليسرى الحسين وأقبل نحو رسول الله وَّر وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع فلمّا نضر به النبي (عليه السلام) قال: يا أبا الحسن ما أشدّ ما يسؤني ما أرى بكم، أنطلق إلى ابنتي فاطمة فانطلقوا إليها وهي في محرابها وقد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها، فلما رأها النبي (عليه السلام) قال: ((واغوثاه بالله، أهل بيت محمد يموتون جوعاً)) فهبط جبرائيل (عليه السلام) فقال: ـا محمد خذها، هنّأك الله في أهل بيتك قال: ((وما أخذنا يا جبرائيل)) [٨٠](٢) فاقرأه ﴿هل أتى على الإنسان﴾ إلى قوله ﴿ولا شكوراً﴾ إلى آخر السورة. قتادة بن مهران الباهلي في هذا الحديث: فوثب النبي (عليه السلام) حتى دخل على فاطمة ـلما رأى مابهم انكب عليهم يبكي، ثم قال: أنتم من منذ ثلاث فيما أرى وأنا غافل عنكم، ـهبط جبرائيل (عليه السلام) بهذه الآيات ﴿إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عيناً شرب بها عباد الله يفجّرونها تفجيراً﴾ قال: هي عين في دار النبي (عليه السلام) تفجر إلى دور الأنبياء (عليهم السلام) والمؤمنين . ﴿يوفون بالنذر﴾ يعني علياً وفاطمة والحسن والحسين وجاريتهم فضة ﴿ويخافون يوماً كان شرّه مستطيراً * ويطعمون الطعام على حبّه﴾ يقول على شهوتهم للطعام، وإيثارهم مسكيناً من ـساكين المسلمين ويتيماً من يتامى المسلمين، وأسيراً من أسارى المشركين، ويقولون إذا ١) النسخ: سير يضفر على هيئة أعنة النعال تشدّ به الرحال. ٢) تفسير القرطبي: ١٣٤/١٩. ومناقب الخوارزمي: ٢٧٠ . ١٠٢ الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي أطعموهم ﴿إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً * إنا نخاف من ربّنا يومـ عبوساً قمطريراً﴾ قال: والله ما قالوا لهم هذا بألسنتهم، ولكنهم أضمروه في نفوسهم، فأخبر الله سبحانه بإضمارهم يقولون: لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً، فيتمنون علينا به ولكنا أعطيناكـ لوجه الله وطلب ثوابه قال الله سبحانه: ﴿فوقهم الله شرّ ذلك اليوم ولقاهم نضرة﴾ في الوجو ﴿وسروراً﴾ في القلوب ﴿وجزاهم﴾ بما صبروا ﴿جنة﴾ يسكنونها ﴿وحريراً﴾ يلبسونه ويفترشونا ﴿متكئين فيها على الأرائك * لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً﴾. قال ابن عباس: وبينا أهل الجنة في الجنة إذا رأوا ضوءاً كضوء الشمس وقد أشرقت الجنان لها فيقول أهل الجنة: يا رضوان قال: ربّنا عزّ وجل ﴿لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً﴾ فيقول: لهم رضوان: ليست هذه بشمس ولا قمر ولكن هذه فاطمة وعلي ضحكا ضحكاً أشرقت الجنان من نور ضحكهما، وفيهما أنزل الله سبحانه: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ إلى قوله: ﴿وكان سعيكم مشكوراً﴾. وأنشدت فيه: أنا مولى لفتى أنزل فيه هل أتى (١) وعلى هذا القول تكون السورة مدنية، وقد اختلف العلماء في نزول هذه السورة فقالـ مجاهد وقتادة: هي كلّها مدنية، وقال الحسن وعكرمة: منها آية مكيّة وهي قوله سبحانه: ﴿ولا قطع منهم آئماً أو كفوراً﴾ والباقي مدني، قال الآخرون: هي كلّه مكيّة والله أعلم. قَوَارِيرًا وَيُطَافُ عَلَّهِمْ بِقَِّبَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكَوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيَ (2) وَدَانِيَّةٌ عَلَيْهِمْ ظِلَلْهَا وَدُلِلَتْ قُطُوفُهَا نَدْلِلًا (وَ) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْمًا كَانَ مِنَاحُهَا رَتَجِيلًا (٨) عَيْنَا فِيَهَا تَسَمَّى سَلَسَيْلًا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا نَقْدِيرًا ◌َلِمْ وِلْدَادٌ مُخَلَُّونَ إِذَا رَأَتْ حَيْنَهْ لُوْلُؤَّا مَّتُورًا (٨) وَإِذَا رَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ بَعِينَ وَمَلَكًا كَبِيًا (٢َ عَلَهُمْ نَبُ سُنَدُسِ شُعْرٌ وَإِسْتَقُّ وَحُواْ أَاوِرٌ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَلَهُمْ رَبُهُمْ شَرَابًا لَهُورًا (٦) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءُ وَكَانَ سَعِيْكُ ◌َ فَأَصْبِرْ لِحُكْمِ رَبَّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمُّ ءَائِمَا أَوْ كَفُورًا مُشْكُورًا ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ تَنْزِيلًا وَيَطُوفُ ﴿ودانية عليهم ظلالها﴾ أي قريبة منهم ظلال أشجارها، وفي نصب الدانية أوجه: أحدها العطف بها على قوله متكئين، والثاني على موضع قوله: ﴿لا يرون فيها شمساً﴾ ويرون دانية، والثالثة على المدح، وأتت دانية لأن الظلال جمع وفي قراءة عبدالله ودانياً عليهم ليقدم الفعل، وفي حرف أبيّ ودان رفع على الإستئناف. ﴿وذلّلت﴾ سخّرت وقرّبت ﴿قطوفها﴾ ثمارها ﴿تذليلا﴾ يأكلون من ثمارها قياماً وقعوداً ومضطجعين ينالونها ويتناولونها كيف شاءوا على أي حال كانوا . (١) تفسير القرطبي: ١٣٨/١٩. ١٠٣ سورة الإنسان، الآيات: ١٤ - ٢٤ أخبرنا عبدالله بن حامد قال: أخبرنا حامد بن محمد قال: حدّثنا موسى بن إسحاق قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: أرض الجنة من ورق وترابها مسك وأصول شجرها ذهب وفضّة وأفنانها لؤلؤ وزبرجد وياقوت، والورق والثمر تحت ذلك فمن أكل قائماً لم يؤذه [ومن أكل جالساً لم يؤذه] ومن أكل مضطجعاً لم يؤذه فذلك قوله سبحانه: ﴿وذللت قطوفها تذليلا﴾. ﴿ويُطاف عليهم بأنية من فضة وأكواب كانت قواريراً * قوارير من فضة﴾ قال المفسرون: أراد بياض الفضة في صفاء القوارير فصفاؤها صفاء الزجاج وهي من فضة (١). أخبرنا محمد بن عبدالله بن حمدون قال: أخبرنا مكّي قال: حدّثنا عبدالرحمن بن بشر قال: حدّثنا سفيان وأخبرنا عبدالله بن حامد قال: حدّثنا محمد بن حمدويه قال: حدّثنا محمود ابن آدم قال: حدّثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس في قوله سبحانه: ﴿قوارير من فضة﴾ قال: لو أخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم تر الماء من ورائها، ولكن قوارير الجنة في بياض الفضة في صفاء القارورة. وقال الكلبي والثمالي: إن الله سبحانه جعل قوارير كلّ قوم من تراب أرضهم وإن تراب الجنة من فضة فجعل من تلك الفضة قوارير يشربون فيها. ﴿قدَّروها تقديراً﴾ على قدر رتبهم لا يزيد ولا ينقص، وقال الربيع والقرطبي: على قدر الكفّ، وقراءة العامّة بفتح القاف والدال قدرها لهم السقاة الذين يطوفون بها عليهم. وأخبرني بن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا أبو حامد المستملي قال: أخبرنا محمد بن حاتم الرقي قال: أخبرنا هشام قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم عن الشعبي قال: سمعته قرأها قدروها بضم القاف وكسر الدال أي قدرت عليهم فلا زيادة فيها ولا نقصان. قال: وسمعت غيره قدّروها في أنفسهم فأتتهم على ما قدروا لا يزيد ولا ينقص. ﴿ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلا﴾ سوق ومطرب من غير لدع، والعرب تستحب الزنجبيل قال شاعرهم: فاها وأريا مشورا (٢) كأن جنيا من الزنجبيل خالط وقيل: هو عين في الجنّة توجد منها طعم الزنجبيل. قال قتادة: شربها المقرّبون صرفاً ويمزج لسائر أهل الجنة. ﴿عيناً فيها تسمى سلسبيلا﴾ قال قتادة: سلسة منقادة لهم يصرفونها حيث شاءوا، وقال (١) المصنّف لابن أبي شيبة: ٨ / ٦٧، وتفسير القرطبي: ١٣٩/١٩ مورد الآية. (٢) كتاب العين للفراهيدي: ٦ / ٢٨٠ والبيت للأعشى. ١٠٤ الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي مجاهد: حديدة الجرية(١). يمان: طيبة الطعم والمذاق، تقول العرب: هذا شراب سلس وسلسل وسلسبيل، أبو العالية ومقاتل بن حيان: سميت سلسبيلا؛ لأنها يتسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم تنبع من أصل العرش من جنة عدن الى أهل الجنان على برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك، ومعنى ﴿تسمى﴾ توصف؛ لأن أكثر العلماء على أن سلسبيل صفة الإسم. ﴿ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثوراً * وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً﴾ وهو أن أدناهم - يعني أهل الجنة - منزلة ينظر من ملكه في مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه، وقيل: هو استئذان الملائكة عليهم، وقيل: ﴿وملكاً﴾ لا زوال له. قال أبو بكر الورّاق: ملكاً لا يتعقبه هلك، وقال محمد بن علي الترمذي: يعني ملك التكوين إذا أراد شيئاً كان. ﴿عاليهم ثياب سُندس﴾ قرأ قتادة ومجاهد وابن سيرين وعون العقيلي وابن محيص وأبو جعفر ونافع والأعمش وحمزة وأيوب ﴿عاليهم﴾ بتسكين الياء على أنه اسم موصوف بالفعل يقول علاهم فهو عاليهم، واختاره أبو عبيد إعتباراً بقراءة ابن مسعود وابن وثاب وغيرهما (عاليتهم)، وتفسير ابن عباس: أما رأيت الرجل عليه ثياب يعلوها أفضل منها، وقرأ الباقون بنصب الياء على الصفة أي فوقهم وهو نصب على الظرف، وقيل: هو كقوله: ﴿لاهية قلوبهم﴾(٢) وقد مضى، ذكرنا تقديم الصفة على الموصوف، وقيل: معناه عالياً لهم ثيابها كقوله: ﴿هدياً بالغ الكعبة﴾(٣) ونحوها . ﴿خضر وإستبرق﴾ اختلف القراء فيهما فقرأ ابن كثير وابو بكر والمفضل خضر بالخفض على نعت السندس والاستبرق بالرفع على نعت الثياب، وقرأ أبو جعفر وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب بضده واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، وقرأ نافع وأيوب وحفص كليهما بالرفع، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف كليهما بالجر. ﴿وحلّوا أساور من فضة وسقاهم ربّهم شراباً طهوراً﴾ طاهر من الأقذار لم تدنسه الأيدي ولم تدنسه الأرجل كخمر الدنيا قال أبو قلابة وإبراهيم: يعني أنه لا يصير نجساً ولكنه يصير رشحاً في أيديهم كريح المسك، وأن الرجل من أهل الجنة يقسم له شهوة مائة رجل من أهل الدنيا وأكلهم ونهمتهم، فإذا أكل ما شاء سُقي شراباً طهوراً فيطهر بطنه ويصير ما أكل رشحاً يخرج من جلده أطيب ريحاً من المسك الأذفر ويضمر بطنه وتعود شهوته، وقيل: يطهرهم من الذنوب والأدناس والأنجاس ويرشحهم للجنّة . (١) تفسير الطبري: ٢٩ / ٢٧١، وتفسير القرطبي: (١٤٢/١٩) وفيه: حديدة الجرية تسيل في حلوقهم انسلالا . (٢) سورة الأنبياء: ٣. (٣) سورة المائدة: ٩٥. ١٠٥ سورة الإنسان، الآيات: ١٤ - ٢٤ وقال جعفر: يطهّرهم به عن كلّ شيء سواه، إذ لا طاهر من تدنّس شيء من الأكوان. وقال أبو سليمان الداراني سقاهم ربّهم على حاشية بساط الود، فأرواهم من صحبة الخلق وأراهم رؤية الحقّ، ثمّ أقعدهم على منابر القدس وحيّاهم بتحيّة المزمّل وأمطر التأييد، فسالت عليهم أودية الشوق فكفاهم هموم الفرقة وحيّاهم بسرور القربة. وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا عبدالله محمّد بن علي الشاشي يقول: سمعت الحسن بن علوية الدامغاني يقول سئل أبو يزيد البسطامي عن قوله سبحانه ﴿وسقاهم ربّهم شراباً طهوراً﴾ قال: طهّرهم به عن محبّة غيره ثم قال: إنّ لله شراباً ادّخره لأفاضل عباده يتولى سقيهم فإذا شربوا طاشوا وإذا طاشوا طاروا وإذا طاروا وصلوا وإذا وصلوا اتّصلوا فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وسمعت أبا عبدالرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت طيّب الحمّال يقول: صلّيت خلف سهل بن عبدالله العتمة فقرأ قوله: ﴿وسقاهم ربّهم شراباً طهورا﴾ فجعل يحرّك فمه كأنّه يمصّ شيئاً، فلمّا فرغ من صلاته قيل له: إتشرب أم تقرأ؟ قال: والله لو لم أجد لذّته عند قراءته كلذّتي عند شربه ما قرأته. وأخبرني الحسين قال: حدّثنا هارون قال: حدّثا حازم بن يحيى الحلواني قال حدّثنا محمّد ابن عبدالله بن عمار الموصلي قال: حدّثنا عفيف بن سالم عن أيّوب بن عتبة عن عطاء عن ابن عمر قال: جاء رجل من الحبشة إلى النبي (عليه السلام) عليه السلام يسأله فقال له رسول الله وقال: ((سل واستفهم)). فقال: يا رسول الله فضلتم علينا بالصوَر والألوان والنبوّة أفرأيت إن آمنت بمثل ما آمنت به وعملت بمثل ما عملت به أأني لكائن معك في الجنّة؟ قال: ((نعم)) ثمّ قال النبي (عليه السلام): ((والذي نفسي بيده ليرى بياض الأسود في الجنّة مسيرة ألف عام))، ثمّ قال رسول الله ◌َّو ((من قال لا إله إلاّ الله كان له بها عهد عند الله ومن قال سبحان الله وبحمده كتب له مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة)). قال رجل: کیف نهلك بعدها يا رسول الله؟ قال: ((إنّ الرجل ليأتي يوم القيامة لو وضع على جبل لأثقله، قال: فتقوم النعمة من نعم الله سبحانه فيكاد أن تستنفد ذلك كلّه إلّ أن يتطوّل(١) الله تعالى برحمته)) قال: ثمّ نزلت ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ إلى قوله ﴿وملكاً كبيراً﴾ الآيات. قال الحبشي: وإن عيني لتريان ما ترى عيناك في الجنّة. (١) عند ابن كثير: يتغمده، وعند القرطبي: يلطف. ١٠٦ الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي قال النبي (عليه السلام): ((نعم)) فاشتكى الحبشي حتى فاضت نفسه. فقال ابن عمر: لقد رأيت رسول الله وَل* يدليّه في حفرته بيده [٨١](١). ﴿إنّ هذا كان لكم جزاءاً وكان سعيكم مشكوراً * إنّا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا﴾ قال ابن عبّاس: متفرّقاً آية بعد آية ولم ينزله جملة فلذلك قال (نزلنا). ﴿فاصبر لحكم ربّك ولا تطع منهم آئماً أو كفوراً﴾ يعني وكفوراً. الألف صلة، وقال الفرّاء: أو معنى [ .... ](٢) كقول الشاعر: وجد عجول أضلها ربعُ و (٣) لا وجد ثكلى كما وجدت ولا يوم توافى الحجيج فاندفعوا أو وجد شيخ أضّل ناقته أراد: ولا وجد شيخ. قال قتادة: الآثم: الكفور، نهى الله سبحانه وتعالى نبيّه عن طاعة أبو جهل لما فُرضت على نبيّ الله ◌َّو الصلاة، وهو يومئذ بمكّة نهاه أبو جهل عنها وقال: لئن رأيتُ محمداً يصلي لوطأت على عنقه. فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وقال مقاتل: ﴿ولا تطع منهم﴾ يعني من مشركي مكّة أنها تعني عتبة بن ربيعة قال للنبي وَّيقول: إن كنت صنعت ما صنعت من أجل النساء فقد علمت قريش أن بناتي من أجملها بنات فأنا أزوّجك بنتي وأسوقها إليك بغير مهر وأرجع عن هذا الأمر (٤). ﴿أو كفوراً﴾ يعني الوليد بن المغيرة قال للنبي وَّر: يا محمد إن كنت صنعت من أجل المال فقد علمت قريش أني من أكثرهم مالا فأنا أعطيك من المال حتى ترضى فارجع عن هذا الأمر، فأنزل الله سبحانه ﴿ولا تطع منهم﴾ أنها تعني عتبة ﴿أو كفوراً﴾ تعني ولا كفوراً وهو الوليد بن المغيرة. وَأَذْكُرُ أَسْتَمَ رَبِّكَ بُكْرَهُ وَأَصِيلًا (٣٥) وَمِنَ الَّلِ فَأَسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحُهُ لَيْلَا طَوِيلًا (٣٦) إِنَّ هَوَلاً، يُحْيُونَ الْعَلِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَ هُمْ يَوْمَا تَقِيلًا (٣) نَحْنُ خَلَقْنَهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمٌّ وَإِذَا يَشْنَا بَدَّلْنَّاً أَمْتَّلَهُمْ تَبْدِيلًا (٣٨) إِنَّ هَذِهِ، تَذْكِرَةُ فَمَنْ شَآءَ أَّخَذَّ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٠) وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اَللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ ٣١ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿٣ يُدْخِلُ مَن يَشَهُ فِ رَحْمَيِهِ، وَالظِّينَ أَعَذَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِمَّاً. (١) تفسير ابن كثير: ١ / ٥٣٦، وتفسير القرطبي: ١٩ / ١٤٨. (٢) غير مقروءة في المخطوط . (٣) العجول من النساء التي فقد ولدها . (٤) تفسير القرطبي: ١٩ / ١٤٩ وله تكملة. ١٠٧ سورة الإنسان، الآيات: ٢٥ - ٣١ ﴿واذكر اسم ربّك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له﴾ تعني صلاتي العشاء ﴿وسبّحه ليلا طويلا﴾ يعني التطوّع ﴿إن هؤلاء لا يحبّون العاجلة ويذرون ورائهم﴾ أمامهم وقدّامهم كقوله: ﴿وكان وراءهم ملك﴾(١) وقوله سبحانه: ﴿ومن ورائهم برزخ﴾(٢). ﴿يوماً ثقيلا﴾ وهو يوم القيامة، ﴿نحن خلفناهم وشددنا﴾. قوّينا وحكمنا. ﴿أسرهم﴾ قال مجاهد وقتادة ومقاتل: خلقهم، وهي رواية عطية عن ابن عباس يقال: رجل حسن الاسّر أي الخلق، وفرس شديد الأسّر، وقال أبو هريرة والربيع: مفاصلهم، وقال الحسن: أوّصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب وروى عبدالوهاب بن مجاهد عن أبيه ﴿وشددنا أسرهم﴾ قال: الشرج وأصل الأسر الشكّ يقال: ما أحسن ما أسَر قتبه أي شدّه، ومنه قولهم: خُذه بأسره إذا أرادوا أن يقولوا: هو لك كلّه كأنهم أرادوا بعكة وشدة لم تفتح ولم تنقص منه. قال لبيد: ساهم الوجه شديد اسّره مغبط الحارك محبوك الكفل(٣) وقال الأخطل : سلس القياد تخاله مختالا (٤) من كلّ مجتنب شديد أسره ﴿وإذا شئنا بدّلنا أمثالهم تبديلا إنّ هذه﴾ السورة ﴿تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربّه سبيلا﴾ أي وسيلة بالطاعة. ﴿وما تشاءُون﴾. بالياء ابن كثير وأبو عمرو ومثله روى هشام عن أهل الشام، غيرهم بالتاء. ﴿إلاّ أن يشاء الله﴾ لأن الأمر إليه لا إليكم وفي أمره عند الله إلاّ ما شاء الله، ﴿إن الله كان عليماً حكيماً يدخل من يشاء في رحمته والظالمين﴾، وقرأ أبان بن عثمان والظالمون. ﴿أعدّ لهم عذاباً أليماً﴾. (١) سورة الكهف: ٧٩ . (٢) سورة المؤمنون: ١٠٠ . تاج العروس: ١٩١/٥. (٣) (٤) مجنتب: من الجنيبة وهي الفرس تقاد ولا تركب، تفسير القرطبي: ١٥١/١٩. ١٠٨ الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي سورة المرسلات مكّية، وهي ثمان مائة وستة عشر حرفاً، ومائة واحدى وثمانون كلمة، وخمسون آية أخبرني محمد بن القاسم الفقيه قال: حدّثنا محمد بن زيد العدل قال: حدّثنا أبو يحيى البزاز قال: حدّثنا منصور قال: حدّثنا محمد بن عمران قال: حدّثنا أبي عن مخالد عن علي بن زيد عن زر بن حبيش عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله وَله: ((من قرأ سورة والمرسلات كتب أنه ليس من المشركين)) [٨٢](١). وروى الأسود بن يزيد عن عبدالله بن مسعود: قرأت ﴿والمرسلات عرفاً﴾ على رسول الله ◌َلو ليلة الجن ونحن نسير(٢). بسم الله الرحمن الرحيم فَلْمَصِفَتِ عَصْفًا () فَلْقَرِقَتِ قَا ا ٣ وَالنَّشْرَاتِ نَشْرَ وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفَ () فَالْمُلْفِيَّتِ ذِكْرًا لَّ عُذْرًا أَوْ نُذْرًّا ﴿َ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَفِعُ (َ فَإِذَا النُّجُومُ ظُمِسَتْ لِهَ وَإِذَا السَّمَةُ فُرِجَتْ (١) وَإِذَا الْجَالُ يُفَتْ وَبِلٌ بََّيْدٍ وَمَا أَدْرَئِكَ مَا يَوْمُ أَلْفَضْلِ (١٣ وَإِذَا اُلُّسُلُ أُقَتْ ﴿٦َ لِأَيْ يَوْمِ لُلَتْ ﴿ لَوْمِ الْفَصْلِ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُحْرِمِينَ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) أَمَ نُهْلِكِ اَلْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ وَيْلٌ يُؤْمِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ (٢٣) أَّ تَخْلُفَكُمْ مِنِ مَآءٍ شَهِينِ (٣٤) فَجَعَلْنَهُ فِ قَرَّرٍ مَّكِ ﴿٣َ) إِلَ قَدْرٍ مَعْلُومِ أَرْ فَعَلِ اَلْأَرْضَ كِفَانًّا (١٥) أَخْيَاءَ وَأَمْوَنَّا (١٩) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَسَِ ٢٤ وَيِلٌ يَمِذٍ لِلْمُكَّذِّبِينَ اَلْقَدِرُونَ شَهِخَلْقٍ وَأَسْقَيْنَكُم مََّ قُرَنَا (٢٧) وَيٌَّ يَوْمَيِذٍ لِلْمَكَّذِينَ (٢٨) أَطَلِقُواْ إِلَى مَا كُتُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ (َ) إِنَّ تَرْمِى بِشَرَدِ كَلَقَّصْرِ إِلَى ظِلَّ ذِى ثَلَثِ شُعَبِ ﴿٣) لَّ ◌َلِلٍ وَلَا يُغِ مِنَ اللَّهَبِ (٣٢) أَنْطَلِقُواْ ﴿والمرسلات عرفاً﴾ يعني الرياح بعضها بعضاً كعرف الفرس، وقيل كثيراً. يقول العرب: الناس إلى فلان عرف واحد إذا توجهوا إليه فأكثروا، وهذا معنى قول مجاهد وقتادة، ورواية أبي العبيد عن ابن مسعود، والعوفي عن ابن عباس، وقال أبو صالح ومقاتل: يعني الملائكة التي أرسلت بالمعروف اسم واحد من أمر الله ونهيه، وهي رواية مسروق عن ابن مسعود. (١) تفسير مجمع البيان: ٢٢٧/١٠. (٢) تفسير القرطبي: ١٥٣/١٩. ١٠٩ سورة المرسلات، الآيات: ١ - ٣٢ ﴿فالعاصفات عصفا﴾ يعني الرياح الشديدات الهبوب. ﴿والناشرات نشرا﴾ يعني الرياح اللينة وقال أبو صالح هي المطرق. قال الحسن: هي الرياح يرسلها الله نشراً بين يدي رحمته اقسم الله بالرياح ثلاث مرات، مقاتل: هم الملائكة ينشرون الكتب. ﴿فالفارقات فرقا﴾ قال ابن عباس وأبو صالح ومجاهد والضحاك: يعني الملائكة التي تفرّق بين الحقّ والباطل، وقال قتادة والحسن وابن كيسان: يعني آي القرآن فرّقت بين الحلال والحرام، وقيل: يعني السحابات الماطرة تشبيهاً بالناقة الفارق، وهي الحامل التي تجزع حين تضع، ونوق فراق. ﴿فالملقيات ذكرا﴾ يعني الملائكة التي تنزل بالوحي نظيره قوله سبحانه: ﴿تنزل الملائكة والروح﴾(١). ﴿عُذراً أو نذراً﴾ يعني الأعذار والإنذار واختلف القرّاء فيهما فخففهما الأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائي واختاره أبو عبيد قال: لأنهما في موضع مصدرين أنما هو الأعذار والإنذار وليس بجمع فيثقّلا، وثقلهما الحسن، وهي رواية الأعشى والجعفي عن أبي بكر عن عاصم، والوليد عن أهل الشام، وروح عن يعقوب الياقوت بتثقيل النذر وتخفيف العذر وهما لغتان، وقرأ إبراهيم التيمي وقتادة ﴿عذراً ونذراً﴾ بالواو العاطفة ولم يجعلا ألف بينهما. ﴿إنّما توعدون لواقع * فإذا النجوم ◌ُمست﴾ محي نورها، ﴿وإذا السماء فرجت﴾ شقت ﴿وإذا الجبال نسفت﴾ قلعت من أماكنها، ﴿وإذا الرُّسُل أُقّتت﴾ جمعت لميقات يوم معلوم، واختلف القراء فيه فقرأ ابو عمرو ﴿وُقّتت﴾ بالواو وتشديد القاف وعلى الأصل، وقرأ أبو جعفر بالواو والتخفيف، وقرأ عيسى بن عمر الثقفي: اقتت بالألف وتخفيف القاف، وقرأ الآخرون بالألف والتشديد وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، والعرب تعاقب بين الواو والهمزة كقولهم وكّدت واكّرت وورّخت الكتاب وأرّخته وودّشت من القوم وأرّشت ووشاح وأشاح وأكاف ووكاف ووسادة وأسادة، وقال النخعي: رعدت. ﴿لأي يوم أجّلت﴾ أي وقتت من الأجل وقيل: أخّرت ﴿ليوم الفصل﴾ ﴿وما أدريك ما يوم الفصل﴾ ﴿ويّل يومئذ للمكذّبين﴾ ﴿ألم نهلك الأولين﴾ من الأمم المكذّبين في قديم الدهر ﴿ثم نُتبعُهُم الآخرين﴾ السالكين سبيلهم في الكفر والتكذيب، وقرأ الأعرج نتبعهم بالجزم وقرأ ابن مسعود سنتبعهم. ﴿كذلك نفعل بالمجرمين﴾ ﴿ويلٌ يومئذ للمكذّبين﴾ ﴿ألم نخلقكم من ماء مهين﴾ ﴿فجعلناه في قرار مكين﴾ ﴿إلى قدر معلوم﴾ وهو وقت الولادة ﴿فقدّرنا﴾ قرأ عليّ والحسن (١) سورة القدر: ٤. ١١٠ الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي والسلمي وطلحة وقتادة وأبو إسحاق وأهل المدينة وأيوب بالتشديد من التقدير وهي اختيار الكسائي، وقرأ الباقون بالتخفيف من القُدرة واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله ﴿فنعم القادرون﴾ ويجوز أن يكون التشديد والتخفيف بمعنى واحد كقوله سبحانه وتعالى ﴿نحن قدرنا بينكم﴾(١) فهي بالتخفيف والتشديد، ﴿ويلٌ يومئذ للمكذّبين﴾ ﴿ألم نجعل الأرض كفاتاً﴾ وعاء ﴿أحياء وأمواتاً﴾ تجمعهم أحياء على ظهرها فإذا ماتوا ضمتهم إليها في بطنها وقال [بنان الصفّار]: خرجنا في جبانة مع الشعبي فنظر إلى الجبانة فقال: هذه الأموات، ثم نظر إلى البيوت فقال: هذه كفات الأحياء. وأصل الكفت: الجمع والضمّ، وكانوا يسمّون بقيع الغرقد كفتة لأنه مقبرة تضمّ الموتى، ومثلّـ قول النبي (عليه السلام) ((خمروا آنيتكم وأوّكوا أسقيتكم وأجيفوا الأبواب واطفئوا المصابيح واكفتوا صبيانكم فإنَّ للشيطان انتشاراً وخطفة)) [٨٣](٢) يعني بالليل، ويقال للأرض: كافئة. ﴿وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم فُراتاً﴾ عذباً ﴿ويلٌ يومئذ للمكذّبين﴾ ثم أخبر أنه يقال لهم يوم القيامة: ﴿انطلقوا إلى ما كنتم به تكذّبون﴾ في الدنيا ﴿انطلقوا إلى ظلِّ ذي ثلاث شُعب﴾ يعني دخان جهنم إذا ارتفع أشعب، وقيل: أنها عنق يخرج من النار فينشعب ثلاث شعب فأمّا النور فيقف على رؤوس المؤمنين والدخان يقف على رؤس المنافقين واللهب الصافي يقف على رؤس الكافرين، وقال مقاتل: هو السرادق والظل من يحموم. ﴿لا ظليل﴾ لا كنين ﴿ولا يغني من اللهب﴾ إنّها يعني جهنم ﴿ترمي بشرر﴾، وهي ما تطاير من النار إذا التهبت واحدتها شررة ﴿كالقصر﴾ وقرأ عيسى بشرار وهي لغة تميم وأحدها شرارة . ﴿كالقصر﴾ وقرأه العامّة بسكون الصاد، وقال ابن مسعود: يعني الحصون والمدائن وهو واحد القصر وهي رواية الوالي عن ابن عباس قال: كالقصر العظيم، وقال القرظي: إنّ على جهنم سوراً فما خرج من وراء السور مما يرجع إليه في عظم القصر ولون النار. وروى سعيد عن عبدالرحمن بن عابس قال: سألت ابن عباس عن قوله سبحانه: ﴿إنها ترمي بشرر كالقصر﴾ قال هي الخشب العظام المقطعة وكنا نعمد إلى الخشب فنقطعها ثلاثة أذرع وفوق ذلك ودونه ندّخره للشتاء فكنّا نسمّيها القصر، وقال مجاهد: هي حزم الشجر، وقال سعيد ابن جبير والضحاك: هي أصول النخل والشجر العظام واحدتها قصرة مثل تمرة وتمر وجمر وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس: كالقصر بفتح الصاد أراد أعناق النخل، والقصرة العنق وجمعها قصر وقصرات، وقرأ سعيد بن جبير كالقصر بكسر القاف وفتح الصاد قال أبو حاتم: ولعله لغة ونظيرها في الكلام حاجة وحوج، كأنه ردّ الكناية إلى اللفظ. (١) سورة الواقعة: ٦٠. (٢) الفائق في غريب الحديث: ٣٤٢/١. ١١١ ـورة المرسلات، الآيات: ٣٣ - ٥٠ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَعْنَذِرُونَ ٣٥ هَذَا يُؤْمُ لَا يَطِعُونَ. وَبَّلٌ يَؤْمِدٍ لِلْتُكَّذَِِّ ◌ََ) كَنَّهُ جمَلَتُ صُفَّرُ (٣٣ (٣٦ هَذَا يَمُ الْفَضْلِّ حَتَكُمْ وَاَلْأَوَّلِينَ (٣٦) فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (وَ وَبَلٌ وَبَلٌ يَمِدٍ لِلْمَكَذِّبِنَ ار يَمِذٍ لِلْكَذِّبِنَ ﴿ إِنَّ الْمُنَّهِبِنَ فِ ظِلَلِ وَعُونِ (٤٣َ وَفَوَكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴿٢َ كُلُواْ وَأَشْرُواْ هَنْيَا بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ (٨٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَخْرِىِ الْمُحْسِينَ ﴿َ وَبِلٌ يَمِذٍ لِلْمَكَّذِّبِينَ ﴿٤َ كُواْ وَتَعَنَّعُواْ فَبِلًا إِنَّكُمْ مُرِمُونَ (ج) فَأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَمُ وَبَّلٌّ يَؤْمِذٍ لِلْمَكَّذِّبِينَ (٤) وَإِذَا فِلَ لَهُ أَرَّكَّعُواْ لَا يَرَّكَعُونَ (٢) وَيْلُ يَوْمَيْدٍ لِلْتَكَّذِّبِينَ يُؤْمِنُونَ. ﴿كأنهُ جمالاتٌ﴾ قرأ ابن عباس جُمالات بضم الجيم كأنها جمع جماله وهي الشيء المجمّل، وقرأ حمزة والكسائي وخلف جمالة بكسر الجيم من غير ألف على جمع الجمل مثل حجر وحجارة، وقرأ يعقوب جُمالة بضم الجيم من غير ألف أراد الأشياء العظام المجموعة، وقرأ الباقون جمالات بالألف وكسر الجيم على جمع الجمال، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: هي جبال السُفن يجمع بعضها إلى بعض حتى تكون كأوساط الرجال، ﴿صفر﴾ جمع الأصفر يعني لون النار، وقال بعض أهل المعاني: أراد سوداً، لأنّ في الخبر أن شرر نار جهنم سود كالقير، والعرب يسمي السود من الأبل صفراً، وقال الشاعر: هن صفراً أولادها كالزبيب(١) ـلك خيلي منه وتلك ركابي أي سوداً . وإنّما سمّيت سود الإبل صفراً لأنه يشوب سوادها بشيء من صفرة، كما قيل لبيض الظباء: دمّ، لأن بيضها يعلوه كدرة. ﴿ويل يومئذ للمكذبين * هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ رفع عطف على قوله ﴿يؤذن﴾ . ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ قال أبو عثمان: أمسكتهم رؤية الهيبة وحياء الذنوب، وقال الحسن: وهي عذر لمن أعرض عن مُنعمه وجحده وكفر بنعمه. ﴿هذا يوم الفصل جمعناكم والأوّلين فإنّ كان لكم كيدٌ فكيدون * ويلٌ يومئذ للمكذبين * إنّ المتّقين في ظلال﴾ جمع الظل وقرأها الأعرج في ظُلل على جمع الظُلة ﴿وعيون وفواكه مما تشتهون﴾ ويقال لهم: ﴿كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون * إنّا كذلك نجزي المحسنين ويل يومئذ للمكذبين * كلوا وتمتعوا﴾ في الدنيا ﴿قليلا إنّكم مجرمون﴾ مشركون مستخفون للعذاب، ﴿ويل يومئذ للمكذبين * وإذا قيل لهم اركعوا﴾ صلّوا ﴿لا يركعون﴾ لا يصلّون، قال مقاتل: نزلت في ثقيف حين (١) لسان العرب: ٣٥٥/١. ١١٢ الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبى أمرهم رسول الله وّل بالصلاة فقالوا لا نحني فإنها مسبّة علينا فقال رسول الله وَلقول: ((لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود)) [٨٤](١)، وقال ابن عباس: إنما يقال لهم: هذا يوم القيامة حير يدعون إلى السجود فلا يستطيعون. ﴿ويل يومئذ للمكذّبين * فبأي حديث بعده﴾ أي بعد القرآن ﴿يؤمنون﴾ إذا لم يؤمنوا به. وقال أهل المعاني: ليس قوله: ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ تكراراً غير مفيد لأنه أراد بكلّ قول منـ غير ما أراد بالقول الاخر كأنه ذكر شيئاً ثم قال: ويل للمكذّبين بهذا والله أعلم. (١) تفسير القرطبي: ١٦٨/١٩. ١١٣ سورة النبأ، الآيات: ١ - ٣٠ سورة النبأ مكّية، وهي سبع مائة وسبعون حرفاً، ومائة وثلاث وسبعون كلمة، وأربعون آية أخبرني ابن المعزي قال: أخبرنا ابن مطرّز قال: حدثنا ابن شريك قال: حدّثنا ابن يونس قال: حدّثنا سلام قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبيّ أُمامة عن أُبي قال: قال رسول الله وَله: ((من قرأ عمّ يتساءلون سقاه الله سبحانه وتعالى برد الشراب يوم القيامة)) [٨٥](١). بسم الله الرحمن الرحيم الَّذِى هُ فِيهِ مُحْتَلِفُونَ ﴿٣َ كَلَّ سَيَعْلَمُونَ ﴿أَ فُوَّ كَلَّ سَيَعْلَمُونَ عَنِ النَّبَلِ الْعَظِيمِ عَّ يَتَسَآءَ لُونَ ﴿ وَجَعَلْنَا تَوْمِكُ سُبَانًا (٤َ وَجَعَلْنَا وَسَلَقْشَكُمْ أَزْوَجَا أَوْ تَجَعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا () وَاَلِمَالَ أَوْنَادًاَ لَـ أَلَيْلَ لَكَسَاء ◌ِذَا وَجَعَلْنَا اُلْتَّهَرَ مَعَانًا (١) وَبَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٣) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَامَا لِجَ وَأَزَّلْنَا مِنَّ الْمُعْصِرَّتِ مَاءَ تَخَّاَاَ (٤) لِّمُخْرِجَ بِهِ حَبََّ وَاتًا (﴿ وَحَتَّتِ أَلْغَافًا (١٦) إِنَّ يَوْمَ أَلْفَصْلِ كَانَ مِيقَتَّا ١٧ وَسُئِرَتِ الْجَالُ فَكَانَتْ سَرَاءًا يَوْمَ يُفَحُ فِ الْفُورِ ثَأْتُونَ أَفْوَاجًا (٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَبَ الَّـ لَِّنَ فِيهَاَ أَحْقَابًا ﴿٢َ لَّا يَدُوِفُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَابًا إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِنْ صَادًا (٢١) للطّغِينَ مَانًا وَكَذَّبُواْ بِحَايَتِنَا كِذَّابًا إِلَّا جَيمَا وَغَسَّانًا (٣٥) حَرَآءُ وِفَانًا (٢َ إِنَّهُمْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ حِسَابَا لَ فَذُوقُواْ فَلَنْ تَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا. وَكُلُّ شَيٍْ أَحْصَيْنَهُ كِتَبًا ! ٣٨ ﴿عمّ يتساءلون﴾ يعني عن أي شيء يتساءلون هؤلاء المشركين وذلك أنهم اختلفوا واختصموا في أمر محمد بّ وما جاءهم به، ﴿عن النبأ العظيم﴾ قال مجاهد هو القرآن. دليله قوله سبحانه ﴿قل هو نبأ عظيم﴾(٢) [الآية] وقال قتادة: هو البعث، ﴿الذي هم فيه مختلفون﴾ فمصدّق ومكذّب ﴿كلّ سيعلمون * ثم كلّ سيعلمون﴾ وهذا وعيد لهم، وقال الضحاك كلّ سيعلمون يعني الكافرين، ثم كلاّ سيعلمون يعني المؤمنين، وقراءة العامة بالياء فيهما، وقرأ الحسن ومالك بن دينار بالتاء فيهما . (١) تفسير مجمع البيان: ٢٣٧/١٠. (٢) سورة ص: ٦٧ . ١١٤ الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي ﴿ألم نجعل الأرض مهاداً * والجبال أوتاداً * وخلقناكم أزواجاً﴾ أصنافاً ذكوراً وإناثاً. ﴿وجعلنا نومكم سُباتاً﴾ راحة لأبدانكم، والنائم مسبوت لا يعلم ولا يعقل كأنّه ميّت، ﴿وجعلنا الليل لباساً﴾ غطاء وغشاء يلبس كل شيء بسواده ﴿وجعلنا النهار معاشا﴾ سبباً لمعاشكم والتصرّف في مصالحكم فسمّاه به كقول الشاعر: وأخو الهموم إذا الهموم تحضّرت [جنح] الظلام وساده لا يرقدُ(١) فجعل الوسادة هي التي لا ترقد والمعنى لصاحب الوسادة. ﴿وبنينا فوقكم سبعاً شداداً * وجعلنا سراجاً وهاجاً﴾ مضيئاً منيراً وقّاداً حارّاً وهي الشمس. ﴿وأنزلنا من المعصرات﴾ قال مجاهد ومقاتل وقتادة: يعني الرياح التي تعصر السحاب، وهي رواية العوفي عن ابن عباس ومجازه على هذا التأويل بالمعصرات ﴿من﴾ بمعنى الباء كقوله سبحانه: ﴿من كل أمر سلام﴾(٢) وكذلك كان عكرمة يقرأها ﴿وأنزلنا بالمعصرات﴾ وروى الأعمش عن المنهال عن ابن عمرو وعن قيس بن سكن قال: قال عبدالله في قوله: ﴿وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجاجاً﴾ قال: بعث الله سبحانه الريح فحمل الماء من الماء فتدرّ كما تدر اللقحة (٣) ثم يُبعث الماء كأمثال العزالي فتضرب به الرياح فينزل متفرّقاً(٤). قال المؤرّخ: المعصرات: ذوات الأعاصير، وقال أبو العالية والربيع والضحاك: هي السحاب التي تجلب المطر ولم تمطر كالمرأة المعصر، وهي التي دنا حيضها، قال أبو النجم: قد أعصرت أو قد دنا اعصارها. وهذه رواية الوالي عن ابن عباس. قال المبرّد: المعصرات الفاطرات، وقال ابن كيسان: المغيثات من قوله ﴿يعصرون﴾ وقال أبي بن كعب والحسن وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان: من المعصرات أي من السموات. ﴿ماءً ثجاجاً﴾ أي صباباً، وقال مجاهد: مدراراً، قتادة: متتابعاً يتلوا بعضه بعضاً، وقال ابن زيد: كثيراً . ﴿لنخرج به حباً ونباتاً وجنات ألفافاً﴾ مجتمعه ملتفة بعضه ببعض وواحدها ألفّ في قول [نحاة] البصّرة وليس بالقوى وفي قول الآخرين واحدها لِف ولفيف وقيل: هو جمع الجمع يقال: جنّة لفاً [وينت] لف وجنان لف بضم اللام ثم تجمع اللف ألفافاً. (١) تفسير الطبري: ٦/٣٠ مورد الآية. (٢) سورة القدر: ٤ - ٥. (٣) في نسخة المصدر: ناقة. (٤) السنن الكبرى للبيهقي: ٣٦٤/٣. ١١٥ سورة النبأ، الآيات: ١ - ٣٠ ﴿إنّ يوم الفصل كان ميقاتاً﴾ لما وعد الله سبحانه ﴿يوم ينفخ في الصُّور فتأتون أفواجاً﴾ [ .... ](١)، وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه، قال: حدّثنا عبدالله بن أحمد بن منصور الكسائي قال: حدّثنا محمد بن عبدالجبار قال: أخبرنا محمد بن زهير عن محمد بن المهتدي عن حنظلة الدّوري عن أبيه عن ]البزا] بن عازب قال: كان معاذ بن جبل جالساً قريباً من رسول الله ◌ُّل في منزل أبي أيوب الأنصاري فقال معاذ: يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى: ﴿يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً﴾ فقال: ((معاذ سألت عن عظيم من الأمر، ثم أرسل عينيه ثم قال: تحشرون عشرة أصناف من أمتي أشتاتاً قد ميزّهم الله تعالى من جماعة المسلمين وبدّل صورهم فبعضهم على صور القردة وبعضهم على صورة الخنازير وبعضهم منكّبين أرجلهم فوق ووجوههم أسفل يسحبون عليها، وبعضهم عُمي يتردّدون، وبعضهم صمّ بكمّ لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدّلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يقذّرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلّين على جذوع من نار، وبعضهم أشدّ نتناً من الجيف، وبعضهم يلبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم، فأما الذين على صورة القردة فالقّات من الناس - يعني النّمام - وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت، والمنكسين على وجوههم فأكلة الربا، والعمي من يجور في الحكم، والصمّ والبكمّ المعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم أعمالهم، والمقطعة أيديهم وأرجلهم الذين يؤذون الجيران، والمصلّبين على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، والذين هم أشد نتناً من الجيف فالذين يتمتعون بالشهوات واللذات ومنعوا حق الله سبحانه من أموالهم، والذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء)) [٨٦](٢). ﴿وفتحت السماء﴾ قرأ أهل الكوفة بالتخفيف وغيرهم بالتشديد. ﴿فكانت أبواباً﴾ أي شقت لنزول الملائكة، وقيل: شقت حتى جعلت كالأبواب قطعاً، وقيل: تنحلّ وتتناثر حتى تصير فيها أبواب وطرق وقيل: إنّ لكل عبد بابين في السماء: باب لعمله وباب لرزقه، فإذا قامت القيامة انفتحت الأبواب. ﴿وسيّرت الجبال﴾ عن وجه الأرض ﴿فكانت سراباً﴾ كالسراب ﴿إن جهنم كانت مرصاداً﴾ طريقاً وممراً فلا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار، وقال مقاتل: محبساً ﴿للطاغين﴾ للكافرين ﴿مآباً لابثين﴾ قرأه العامة بالألف وقرأ علقمة وحمزة: لبثين بغير ألف وهما لغتان ﴿فيها أحقاباً﴾ جمع حقب والحقب جمع حقبة كقول متمم: من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا(٣) وكنا كندماني جذيمة حقبةً (١) كلمة غير مقروءة في المخطوط. (٢) الدر المنثور: ٣٠٧/٦. (٣) تاج العروس: ١١٩/٣. ٠ ١١٦ الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي واختلف العلماء في معنى الحقب فقال قوم: هو إسم للزمان والدّهر وليس له حدّ، وروى أبو الضحى عن ابن مسعود قال: لا يعلم عدد الأحقاب إلاّ الله عزّوجل، وقال آخرون: هو محدود. ثم اختلفوا في مبلغ مدّته فقال طارق بن عبدالرحمن: دعاني شيخ بين الصفا والمروة فإذا عنده كتاب عبدالله بن عمرو ﴿لابثين فيها أحقاباً﴾ ان الحقب أربعون سنة كلّ يوم منها ألف سنة، وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد وابن حسن قالا: حدّثنا محمد بن عمران قال: حدّثنا ابن المقري وأبو عبيدالله قالا: حدّثنا ]محمد بن يحيى] العرني عن سفيان عن عمّار الدهني قال: قال علي بن أبي طالب لهلال الهجري: ما يجدون في الحقب في كتاب الله المنزل قال: يجده في كتاب الله ثمانين سنة كل سنة اثنا عشر شهراً لكل شهر ثلاثون يوماً كل يوم ألف سنة . وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن عبدالله بن محمد بن الفتح قال: حدّثنا أبو حامد محمد بن هارون الحضرمي قال: حدّثنا زياد بن أبي يزيد قال: حدّثنا سليمان بن مسلم عن سليمان الحتمي عن نافع عن [ابن عمر]ً عن النبي وَّ قال: ((والله لا يخرج من النار من دخلها حتى يكونوا فيها أحقاباً، والحقب بضع وثمانين سنة، والسنة ثلثمائة وستون ويوماً، كل يوم ألف سنة مما تعدون، فلا يتكّلنّ أحد على أن يخرج من النار)) [٨٧](١). وقال أُبي بن كعب: بلغني أن الحقب ثلثمائة سنة كل سنة ثلثمائة وستون يوماً كلّ يوم ألف سنة، وقال الحسن: إنّ الله سبحانه لم يذكر شيئاً إلاّ وجعل له مدّة ينقطع إليها ولم يجعل لأهل النار مدّة بل قال: ﴿لابثين فيها أحقاباً﴾ فوالله ما هو إلاّ أنه إذا مضى حقب دخل آخر ثم آخر ثم آخر كذلك إلى أبد الآبدين فليس للأحقاب عدة إلاّ الخلود في النار ولكن قد ذكروا أن الحقب الواحد سبعون ألف سنة كل يوم منها ألف سنة ممّا نعده، وقال مقاتل بن حيان: الحقب الواحد سبع عشرة ألف سنة، وقال وهذه الآية منسوخة ﴿فلن نزيدكم إلّ عذاباً﴾(٢) يعني أن العدد قد ارتفع والخلود قد حصل، وقال بعض العلماء مجاز الآية ﴿لا بثين فيها أحقاباً﴾: لا يذوقون في تلك الأحقاب إلّ حميماً وغساقاً ثم يلبثون أحقاباً يذوقون حرّ الحميم، والغساق من أنواع العذاب، فهو توقيت لأنواع العذاب لا بمكثهم في النار. ﴿لا يذوقون فيها برداً﴾ يشفيهم من الحر إلّ الغسّاق وهو الزمهرير، وقيل صديد أهل السعير، وقال الثمالي: دموعهم، وقال شهر بن حوشب: الغسّاق واد في النار فيه ثلثمائة وثلاثون شعباً في كل شعب ثلثمائة وثلاثون بيتاً في كل بيت أربع زوايا في كلّ زاوية شجاع كأعظم ما خلقه الله سبحانه من خلقه في رأس كل شجاع سم. (١) الدر المنثور: ٣٠٨/٦. (٢) سورة: النبأ: ٣٠. ١١٧ سورة النبأ، الآيات: ١ - ٣٠ ﴿ولا شراباً﴾ يرويهم من العطش، ﴿إلاّ حميماً﴾ وأنبأني عبدالله بن حامد قال: أخبرنا حامد بن محمد قال: حدّثنا عبدالله بن أحمد بن حماد قال: حدّثنا محمد بن علي الحسن الشقيقي قال: سألت أبا معاذ النحوي الفضل بن خالد المروزي يقول في قوله سبحانه: ﴿لا يذوقون فيه برداً﴾ قال: البرد: النوم، ومثله قال الكسائي وأبو عبيده وانشدوا فيه: بردت مراشفها عليّ فصدّني عنها وعن قبلاتها البردُ(١) والعرب تقول: منع البُرد البرد، يعني أذهب البردُ النوم، قال الفراء: إنّ النوم ليبرّد صاحبه وإنّ العطشان لينام فيبرد غليله؛ فلذلك سمي النوم برداً، قال الشاعر: وان شئت لم أطعم نقاخاً(٢) ولا بردا(٣) وان شئت حرّمت النساء سواكم وقال الحسن وعطاء: لا يذوقون فيها برداً أي روّحاً وراحة. ﴿جزاء﴾ نصب على المصدر، مجازه: جازيناهم جزاء. ﴿وفاقا﴾ وافق أعمالهم وفاقاً كما نقول: قاتل قتالا عن الأخفش، وقال الفراء: هو جمع وفق والوفق واللفق واحد، قال الربيع: جزاء بحسب أعمالهم، الضحاك: على قدر أعمالهم، مقاتل: وافق العذاب الذنب فلا ذنب أعظم من الشرك ولا عذاب أعظم من النار، الحسن وعكرمة: كانت أعمالهم سيئة فأثابهم الله بما يسوءهم. ﴿إنّهم كانوا لا يرجون﴾ يخافون ﴿حسابا وكذبوا بآياتنا كذابً﴾ تكذيباً قال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة، يقولون: كذّب كذّاباً، وخرّقت القميص خرّاقا، كل فعّلت فمصدرها فعّال في لغتهم مشدّد، قال: وقال لي إعرابي منهم: علي المروّة ستفتيني الحلاق أحب إليك أم القصاب وأنشدني بعض بني كلاب: لقد طال [ما ثبطتني] عن صحابي وعن حوج قضّاؤها من شفائناً (٤) ﴿وكل شيء أحصيناهُ كتاباً * فذوقوا فلن نزييدكم إلاّ عذاباً﴾ أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا السنّي قال: أخبرني ابن منجويه قال: حدّثنا أبو داود الحراني قال: حدّثنا شعيب بن حيان قال: حدّثنا مهدي بن ميمون قال: حدّثنا وسمعت الحسن بن دينار سأل الحسن عن أشد آية في القرآن على أهل النار فقال الحسن: سألت أبا برزة الأسلمي فقال: سألت رسول الله وَله فقال: ((فذوقا فلن نزيدكم إلاّ عذاباً)). (١) جامع البيان للطبري: ١٧/٣٠. (٢) النقاخ: الماء البارد الصافي. (٣) الصحاح: ٤٤٦/٢. (٤) تفسير الطبري: ٢٢/٣٠. ١١٨ الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي وَكَوَاعِبَ أَزَابًا ﴿٢) وَأْسًا وِهَافَا (٢٠) لَّا يَسْمَعُونَ فِهَا لَغْوَا وَلَا (٣٢) حَذَابِقُ وَأَعْنَبًا إِنَّ لِلْمُتَّقِينُ مَفَارًا كِذَّبًا (٢٥) جَرَّاءُ مِّن رَّيْكَ عَطَاءَ حِسَابًا (٢٦) رَّتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا يَهُمَا الرَّحْمَنِّ لَا يَلِكُونَ مِنْهُ خِطَابً (َ يَوْمَّ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَّكَةُ صَفَّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّ مَنْ أَوِنَ لَهُ اَلْزَّهْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴿جَ ذَلِكَ أَلْيَوَمُ أَلْحَقٌّ فَمَنْ شَآءَ أَخَذَ إِلَى رَبِهِ، مَثَابًا ﴿َ إِنَّ أَنْذَرْتَكُمْ عَذَابًا فَرِيبًا يَوْمٍ يَظُرُ الْمَرْهُ مَا فَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ اَلْكَائِرُ بَلْيَّنَنِى كُتُ ثربا فـ ﴿إنّ للمتقين مفازاً﴾ فوزاً ونجاة من النار الى الجنة، وقال ابن عباس والضحاك: متنزّهاً. ﴿حدائق وأعناباً * وكواعب﴾ نواهد قد تكعبت ثديهنّ واحدتها كاعب، قال بشر بن أبي حازم: ومن كاعب لم تدر ما البؤس معصر(١) [وكم من حصان قد حوينا كريمة] ﴿أترابا﴾ مستويات في السنّ ﴿وكأساً دهاقا﴾ قال الحسن وابن عباس وقتادة وابن زيد: مترعة مملوة، وقال سعيد بن جبير ومجاهد: متتابعة ﴿لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً﴾ تكذيباً وهي قراءة العامة، وخفّفه الكسائي وهي قراءة أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه، وهما مصدران للتكذيب . وقال قوم: الكذاب بالتخفيف مصّدر الكاذبة وقيل: هو الكذب، قال الأعشى: والمرء تنفعه كذابه فصدقتـهـا وكذبتهـا وإنّما خففها هنا لأنها ليست بمقيّدة بفعل يصيّرها مصدراً له، وشدد قوله: ﴿و کذبوا بآياتنا كذّابًا﴾ لأن كذبوا يقيد الكذاب بالمصدر(٢). ﴿جزاء من ربّك عطاء حساباً﴾ كثيراً كافياً وافياً يقال: أحسبت فلاناً أي أعطيته ما يكفيه حتى قال: حسبي. قال الشاعر: (٣) ونحسبه إن كان ليس بجائع ونقفي وليد الحيّ إن كان جائعاً أي يعطيه حتى يقول حسبّي. وقيل: جزاء بقدر أعمالهم وقرأ أبو هاشم ﴿عطاءً حساباً﴾ بفتح الحاء وتشديد السين على وزن فعّال أي كفافاً. قال الأصمعي: تقول العرب حسّبت الرجل بالتشديد إذا أكرمته، وأنشد: من حاقن(٤) أو من صريح يُحلبُه(٥) إذا أتاه ضيفه يحسُبه (١) سقط في المخطوط واستدركناه عن تفسير القرطبي: ١٩ / ١٨٣. (٢) في تفسير القرطبي (١٨٤/١٩): يقيد المصدر بالكذاب. (٣) تفسير القرطبي: ١٨٤/١٩. (٥) تفسير مجمع البيان: ٢٤٦/١٠. (٤) حقن اللبن: جمعه في السقاء. ١١٩ سورة النبأ، الآيات: ٣١ - ٤٠ وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثنا الطهراني قال: أخبرنا يحيى بن الفضل قال: حدّثنا وهب بن عمر قال: أخبرنا هارون بن موسى عن حنظلة عن شهر عن ابن عباس أنه قرأ (عطاء حسناً) بالنون. ﴿ربّ السموات والأرض وما بينهما الرحمن﴾ قرأ ابن مسعود والأشهب وأبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو سلام ويعقوب برفع الباء والنون، وقرأ ابن عامر وعيسى وعاصم كلاهما خفضاً واختاره أبو حاتم، وقرأ ابن كثير ومحيض ويحيى وحمزة والكسائي ﴿ربّ﴾ خفضاً و ﴿الرحمن﴾ رفعاً، واختاره أبو عبيد، وقال: هذه أعدلها عندي أن يخفض الأوّل منهما لقربه من قوله: ﴿جزاء من ربّك﴾ فتكون نعتاً له ونرفع ﴿الرحمن﴾ لبعده منه. ﴿لا يملكون منه خطاباً﴾ كلاماً وقال الكلبي: شفاعة إلاّ بإذنه. ﴿يوم يقوم الروح﴾ اختلفوا فيه، فأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن خُرجة قال: حدّثنا عبدالله بن العباس الطيالسي قال: حدّثنا أحمد بن عبدالله قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا إبراهيم ابن طهمان عن مسلم الأعور عن مجاهد عن ابن عباس قال: أتى نفر من اليهود رسول الله وَال}. فقالوا: أخبرنا عن الروح ما هو؟ قال: ((هو جند من جند الله ليسوا بملائكة، لهم رؤوس وأيد وأرجل يأكلون الطعام ثم قرأ ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفاً﴾ الآية، قال: هؤلاء جند وهؤلاء جند)) [٨٨](١). وقال ابن عباس: هو من أعظم الملائكة خلقاً، وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى قال: حدّثنا ابن علوية قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا ثابت أبو حمزة عن عامر عن علقمة عن ابن مسعود قال: الروح ملك أعظم من السموات ومن الجبال وأعظم من الملائكة، وهو في السماء الرابعة تسبح كلّ يوم إثني عشر تسبيحة يخلق من كل تسبحه ملك يجيء يوم القيامة صفاً وحده، وقال الشعبي والضحاك: هو جبريل، وروى الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ عن يمين العرش نهراً من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبع يدخل جبريل (عليه السلام) فيه كل فجر فيغتسل فيزداد نوراً إلى نوره وجمالا إلى جماله وعظماً إلى عظمه، ثم ينتفض فيخرج الله سبحانه من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كلّ يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور في الكعبة سبعون ألفاً لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة، وقال وهب: إنّ جبريل (عليه السلام) واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه يخلق الله سبحانه وتعالى من كلّ رعدة ألف ملك، فالملائكة صفوف بين يدي الله منكّسوا رؤوسهم، فإذا أذن الله سبحانه لهم في الكلام قالوا: لا إله إلّ أنت وهو قوله سبحانه: ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفا﴾ . (١) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٨٧. ١٢٠ الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي ﴿لا يتكلمون إلّ من أذن له الرحمن وقال صواباً﴾ يعني لا إله إلاّ الله، وقال مجاهد: هم خلق على صورة بني آدم يأكلون ويشربون، أبو صالح: خلق يشبهون الناس وليسوا، وقال الحسن وقتادة: هم بنو آدم، قال قتادة: وهذا مما كان يكتمه ابن عباس، وروى ابن مجاهد عن ابن عباس قال: الروح خلق من الله وصورهم على صور بني آدم وما ينزل من السماء ملك إلاّ ومعه واحد من الروح، عطية: هي أرواح الناس يقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن تُرد الأرواح الى الأجساد، وقال ابن زيد: كان أبي يقول: هو القرآن وقرأ ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾(١). ﴿يوم يقوم الروح الملائكة صفاً﴾ قال الشعبي: هما سماطا ربّ العالمين يوم القيامة سماطا من الروح وسماطا من الملائكة لا يتكلمون إلّ من أذن له الرحمن وقال صوابا قال: لا إله إلاّ الله في الدنيا. ﴿ذلك اليوم الحق فمن شاء اتّخذ إلى ربّه مآباً﴾ مرجعاً وسبيلا إلى طاعته، ﴿إنا أنذرناكم عذاباً قريباً﴾ يعني القيامة وقيل القتل ببدر. ﴿يوم ينظر المرء ما قدّمت يَداهُ ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً﴾ قال عبدالله بن عمر: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مدّ الأديم وحشرت الدواب والبهائم والوحش ثم يجعل القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء نطحتها، فإذا فرغ من القصاص قال لها : كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً. قال مجاهد: يقاد يوم القيامة للمنقورة وللمنطوحة من الناطحة، وقال المقاتلان: إنّ الله سبحانه وتعالى يجمع الوحوش والهوام والطير كلّ شيء غير الثقلين فيقول: من ربّكم فيقولون: الرحمن الرحيم، فيقول لهم الرب تبارك وتعالى بعدما يقضي بينهم حتّى يقتص للجماء من القرناء: أنا خلقتكم وسخرّتكم لبني آدم وكنتم مطيعين أيام حياتكم فارجعوا إلى الذي كنتم كونوا تراباً فيكونون تراباً، فإذا التفت الكافر إلى شيء صار تراباً يتمنى فيقول: يا ليتني كنت في الدنيا في صورة خنزير رزقي كرزقه وكنت اليوم في الآخرة تراباً. قال عكرمة: بلغني أنّ السباع والوحوش والبهائم إذا رأينَ يوم القيامة بني آدم وما هم فيه من الغمّ والحزن قلن: الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم فلا جنّة نرجوا ولا ناراً نخاف، وأخبرنا عبدالله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن خالد قال: حدّثنا داود بن سليمان قال: حدّثنا عبد بن حميد قال: حدّثنا الحسن بن موسى قال: حدّثنا يعقوب بن عبدالله قال: حدّثنا جعفر عن عبدالله بن ذكوان أبي الزياد قال: إذا قضي بين الناس وأمر أهل الجنة إلى الجنّة وأهل النار إلى النار قيل لسائر الأمم ولمؤمني الجنّ: عودوا تراباً فيعودون تراباً، فعند ذلك يقول الكافر حيث يراهم قد عادوا تراباً: يا ليتني كنت تراباً، وبه قال ليث بن سليم: مؤمنوا الجن يعودون تراباً، (١) سورة الشورى: ٥٢ .