Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ سورة المجادلة، الآيات: ٩ - ٢٢ ◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَنَيَّتُمْ فَلَ نَجَوْ بِالْإِثْرِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَجَوْ بِأَِّ وَالنَّقْوِىّ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ الَّذِىّ إِلَيْهِ ثُمْتَّرُونَ ﴿ إِنََّا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرَّهِمْ شَبْئًا إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿٣ بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَّكُمْ نَفَسَّحُواْ فِى الْمَخَِسِ فَأَفَعُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِلَ أَنشُرُواْ فَأَنْشُرُواْ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوَنُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتَّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خِيٌ ◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَحَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدْعُواْ بَيْنَ يَدَّ ثَوَنَّكُمْ صَدَقَةٌ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَظْهَرَّ فَإِن لَّْ تَجِدُواْ فَإِنَّ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِمُ (١) ،َأَشْفَقْتُ أَنْ نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَخْوَتَكُمْ صَدَقَّتٍ فَإِذْ لَمْ نَفْعَلُواْ وَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ ﴿ أَمْ تَرَّ إِلَى الَِّنَّ نَلَوْ فَوْمَا غَضِبَ اللَّهُ الشَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَيْرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (َ). ) أَعَدَّ الَّهُ لَْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَآَ مَا عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنَكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَحَلِفُونَ عَلَى اَلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١) كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿١٥) أَخَذُوَاْ أَنْعَهُمْ مُنَّةَ فَصَدُواْ عَنْ سَيْلِ اَللَّهِ فَلَّهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (٣) لَّنْ تَغِىَ عَهُمْ أَمْوَلَهُمْ وَلَآَ أَوْ لَهُهُم مِّنَ اَللَّهِ شَيْئًاً أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِّدُونَ ﴿١٧ يَوْمَ يَبْعَهُمُ اللَّهُ حَمِيعًا فَتْلِفُونَ لَمُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَبُونَ أَهُمْ عَلَى شَتْ أَلَّ إِنَهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ ﴿٨َ أَسْتَحْوَدَ عَلَيْهِمُ الشَّتْطَئِنُ فَأْسَهُمْ ذِكْرِ أَلَّهِ أُوْلَكَ حِزَّبُ الشَّبَطَنِ أَّ إِنَّ حِرْبَ الشَّيْطَانِ مُ الْخَِّرُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُعَدُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ فِى الْأَذَلِينَ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَنَ أَنَّ وَرُسُلِنَّ إِنَّ اللَّهُ قَوِىُّ عَزِيزٌ ﴿٣َ لَّا تَجِدُ قَوْمَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْأَخِرِ أبُوَدُونَ مَنْ حَذَّ ◌َلَهُ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ ءَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَ هُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِبْرَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهٌ وَيُدْخِلُهُمْ حَنَّتٍ تَخْرِى مِن تَّحْبِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَبِّكَ حِرِّبُ اَلَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْفَلِحُونَ ٢٢ ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدّموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ قال ابن عباس: وذلك أنّ الناس سألوا رسول اللـه ◌َ ﴿ فأكثروا، حتى شقّوا عليه وأحفوه بالمسألة فأدبّهم الله سبحانه وفطّنهم عن ذلك بهذه الآية، وأمرهم أن لا يناجوه حتى يقدّموا صدقة. وقال مقاتل بن حيّان: نزلت في الأغنياء، وذلك أنّهم كانوا يأتون النبيّ بَّر فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على [المجالس] حتى كره النبي ◌ُّل طول جلوسهم ومناجاتهم فأمر الله تعالى بالصدقة عند المناجاة، فلمّا رأوا ذلك انتهوا عن المناجاة، فأمّا أهل العسرة فلم يجدوا شيئاً، وأمّا أهل الميسرة فبخلوا ومنعوا، فاشتدّ ذلك على أصحاب النبيّ وَلّ فنزلت الرخصة(١)، قال مجاهد: نهوا عن مناجاة النبيّ ◌َ﴿ حتى يتصدّقوا، فلم يناجه إلّ عليّ بن أبي طالب رَؤُه قدّم ديناراً فتصدّق به ثمّ نزلت الرخصة. وقال عليّ بن أبي طالب وظُله: إنّ في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها (١) الحديث في تحفة الأحوذي: ١٣٧/٩، وتفسير الدر المنثور: ١٨٥/٦. ٢٦٢ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي أحد بعدي ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدّموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ فإنّها فرضت ثم نسخت(١). أخبرني عبد الله بن حامد - إجازة - قال: أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه قال: أخبرنا علي بن صقر بن نصر قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد قال: حدّثنا أبو عبد الرحمن(٢) الأشجعي، عن سفيان عن عثمان بن المغيرة، عن [سالم] بن أبي الجعد، عن عليّ بن علقمة الأنماري، عن علىّ بن أبي طالب قال: لمّا نزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ دعاني رسول الله وَ له فقال: ((ما ترى بذي دينار))؟. قلت: لا يطيقونه. قال: ((كم))؟. قلت: حبّة أو شعيرة. قال: ((إنك لزهيد)) [٢٣٩]. فنزلت ﴿أأشفقتم أن تقدّموا بين يدي نجواکم صدقات﴾ الآية. قال عليّ رَُّبه: فِيّ خفّف الله سبحانه عن هذه الأمّة، ولم تنزل في أحد قبلي ولن تنزل في أحد بعدي [٢٤٠] (٣) . قال ابن عمر: كان لعليّ بن أبي طالب ثلاث لو كان لي واحدة منهن كانت أحبّ إليّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى [٢٤١](٤). ﴿ذلكم خير لكم وأطهر فإنْ لم تجدوا فإنّ الله غفور رحيم﴾ يعني للفقراء. ﴿أأشفقتم) أبخلتم وخفتم بالصدقة الفاقة ﴿أن تقدّموا بين يدي نجواكم صدقات فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم﴾ فتجاوز عنكم ولم يعاقبكم بترك الصدقة، وقيل: الواو صلة. مجازه (وإذ لم تفعلوا تاب الله عليكم) تجاوز عنكم وخفّف ونسخ الصدقة. قال مقاتل بن حيّان: إنّما كان ذلك عشر ليال ثم نسخ. وقال الكلبي: ما كانت إلاّ ساعة من النهار. ﴿فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير ما تعملون﴾. (ألم تر إلى الذين تولّوا قوماً غضب الله عليهم﴾ نزلت في المنافقين تولّوا اليهود وناصحوهم ونقلوا إليهم أسرار المسلمين ﴿ما هم منكم﴾ يا معشر المسلمين ﴿ولا منهم﴾ يعني اليهود والكافرين. نظيره ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾(٥). (١) تفسير القرطبي: ٣٠٢/١٧. (٢) في المصادر: يحيى بن آدم عن عبيد الله بن عبد الرحمن. (٣) مناقب ابن المغازلي: ٣٢٥، وذخائر العقبى: ١٠٩، وسنن الترمذي: ٨٠/٥ ح ٣٣٥٥. (٤) بتمامه في تفسير فرات الكوفي: ٤٦٩، وكنز العمال: ١٣ / ١١٦ ح ٣٧٣٧٦٢ بتفاوت عن عمر. (٥) النساء: ١٤٣. ٢٦٣ سورة المجادلة، الآيات: ٩ - ٢٢ ﴿ويحلفون على الكذب وهم يعلمون﴾. قال السدّي ومقاتل: خاصّة في عبد الله بن نبتل المنافق، كان يجالس رسول الله وَله ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينا رسول الله وَّ ر في حجرة من حجره إذ قال: ((يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبّار وينظر بعيني شيطان)) فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق، فقال له النبيّ وَل: ((على ما تشتمني أنت وأصحابك)»؟ فحلف بالله ما فعل، وقال له النبيّ وَلّ: ((فعلت)) [٢٤٢](١). وانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبّوه، فأنزل الله سبحانه ذكر هذه الآية. ﴿أعدّ الله لهم عذاباً شديداً إنّهم ساء ما كانوا يعملون * اتخذوا أيمانهم﴾ الكاذبة، وقرأ الحسن بكسر الألف، أي إقرارهم ﴿جنّة﴾ يستجنّون بها من القتل ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم ﴿فصدّوا عن سبيل الله ولهم عذاب مهين﴾. ﴿لن تغني عنهم﴾ يوم القيامة ﴿أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له﴾ كارهين، ما كانوا كاذبين ﴿كما يحلفون لكم﴾، قال قتادة: إنّ المنافق يحلف له يوم القيامة كما حلف لأوليائه في الدنيا ﴿ويحسبون أنّهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون﴾، أخبرنا الحسن بن محمّد قال: حدّثنا أحمد بن يعقوب الأنباري قال: حدّثنا أبو حنيفة محمّد بن حنيفة بن ماهان الواسطي قال: حدّثنا إبراهيم بن سليم الهجمي قال: حدّثنا ابراهيم بن سليمان الدبّاس قال: حدّثنا ابن أخي روّاد، عن الحكم عن عيينه عن مقسم عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَلجر: ((ينادي مناد يوم القيامة: أين خصماء الله؟ فيقوم القدرية وجوههم مسودّة، مزرقّة أعينهم، مائل شدقهم، يسيل لعابهم، فيقولون: والله ماعبدنا من دونك شمساً ولا قمراً ولا صنماً ولا وثناً ولا اتّخذنا من دونك إلهاً) [٢٤٣](٢). فقال ابن عباس: صدقوا والله، أتاهم الشرك من حيث لا يعلمون، ثم تلا ابن عباس هذه الآية ﴿ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون﴾، هم والله القدريون، هم والله القدریون. ﴿استحوذ﴾: غلب واستولى ﴿عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا (١) تفسير القرطبي: ٣٠٤/١٧. (٢) تفسير القرطبي: ٣٠٥/١٧. ٢٦٤ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي إنّ حزب الشيطان هم الخاسرون * إنّ الذين يحاذّون الله ورسوله أولئك في الأذلّين﴾: الأسفلين . ﴿كتب الله﴾: قضى الله سبحانه ﴿لأغلبنّ أنا ورسلي﴾، وذلك أنّ المؤمنين قالوا: لئن فتح الله لنا مكّة وخيبر وما حولها فإنّا لنرجو أن يظفرنا الله على الروم وفارس. فقال عبد الله بن أُبىّ: أتظنّون الروم وفارس كبعض القرى التي غلبتم عليها؟ والله لهم أكثر عدداً وأشدّ بطشاً من ذلك. فأنزل الله سبحانه: ﴿كتب الله لأغلينّ أنا ورسلي إنّ الله قويٌّ عزیز﴾ نظيره قوله سبحانه: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون﴾(١). ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله﴾ - الآية - نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة. وسنذكر القصة في سورة الامتحان إن شاء الله. وقال السدّي: نزلت في عبد الله بن عبد الله بن أبي، وذلك أنّه كان جالساً إلى جنب رسول الله ﴾ فشرب رسول الله (عليه السلام) الماء، فقال عبد الله: يا رسول الله، أبقٍ فضلة من شرابك. قال: ((وما تصنع بها))؟ قال: أسقيها أبي لعلّ الله يطهّر قلبه. ففعل فأتى بها أباه، فقال: ما هذا؟ قال من شراب رسول الله (عليه السلام) جئتك بها لتشربها لعلّ الله سبحانه وتعالى يطهّر قلبك. فقال أبوه: هلاّ جئتني ببول أُمّك. فرجع إلى النبي (عليه السلام)، فقال: يا رسول الله، ائذن لي في قتل أبي. فقال رسول الله وَليقول: ((بل ترفّق به وتحسّن إليه))(٢). وقال ابن جريح: حدّثت أنّ أبا قحافة سبّ النبي ◌َّر فصكّه أبو بكر صكّة سقط منها، ثم ذكر ذلك للنبيّ (عليه السلام) فقال: ((أوَفعلته؟)). فقال: نعم. قال: ((فلا تعد إليه)) [٢٤٤](٣) فقال أبو بكر ظه: والله لو كان السيف منّي قريباً لقتلته، فأنزل الله سبحانه هذه الآية: ﴿يوادّون من حادّ الله﴾. وروى مقاتل بن حيّان، عن مرّة الهمذاني، عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية: ﴿ولو كانوا آباءهم﴾ يعني أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد ﴿أو أبناءهم﴾ يعني أبا بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، وقال: يا رسول الله: دعني أكرّ في الرعلة (٤) الأولى. فقال له رسول الله: ((متّعنا بنفسك يا أبا بكر، أما تعلم أنّك عندي بمنزلة سمعي وبصري؟)) [٢٤٥](٥). (١) سورة الصافات: ١٧١ - ١٧٣. (٢) تفسير القرطبي: ٣٠٧/١٧. (٣) زاد المسير: ٣٢٨/٧. (٤) الرعلة: الخيل. هامش المخطوط. الصحاح ٤: ١٧١٠ - رعل. (٥) أسباب نزول الآيات: ٢٧٨. ٢٦٥ سورة المجادلة، الآيات: ٩ - ٢٢ ﴿وإخوانهم﴾ يعني مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد ﴿أو عشيرتهم﴾ يعني عمر قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر، وعليّاً وحمزة وعبيدة قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر. ﴿أولئك كَتب في قلوبهم الإيمانَ﴾ قراءة العامّة بفتح الكاف والنون، وروى المفضّل عن عاصم بضمّهما على المجهول، والأوّل أجود؛ لقوله: ﴿وأيّدهم﴾ و ﴿ندخلهم﴾ . قال الربيع بن أنس: يعني أثبت الإيمان في قلوبهم فهي موقنة مخلصة. وقيل: معناه كتب في قلوبهم الإيمان، كقوله: ﴿في جذوع النخل﴾. وقيل: حكم لهم بالإيمان فذكر القلوب لأنّها موضعه. ﴿وأيدّهم بروح منه﴾: وقوّاهم بنصر منه، قاله الحسن، وقال السدّي: يعني بالإيمان. ربيع، بالقرآن وحجّته، نظيره: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾. ابن جرير: بنور وبرهان وهدى. وقيل: برحمة. وقيل: أمدّهم بجبريل (عليه السلام). ﴿ويدخلهم جّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ورضواعنه أولئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون﴾ أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا محمّد بن حمدان بن سفيان قال: حدّثنا محمّد بن يزيد بن عبد الله بن سلمان قال: حدّثنا المرداس أبو بلال قال: حدّثنا إسماعيل، عن سعد بن سعيد الجرجاني، عن بعض مشيخته قال: قال داود (عليه السلام): ((إلهي، من حزبك وحول عرشك؟)). فأوحى الله سبحانه إليه: ((يا داود، الغاضّة أبصارهم، النقيّة قلوبهم، السليمة أكفّهم، أولئك حزبي وحول عرشي)) [٢٤٦](١). (١) تفسير القرطبي: ٣٠٩/١٧. ٢٦٦ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي سورة الحشر مدنية، وهي أربع وعشرون آية، وأربعمائة وخمس وأربعون كلمة، وتسعمائة وثلاثة عشر حرفاً أخبرنا أبو العبّاس سهل بن محمّد بن سعيد المروزي قال: حدّثني أبو الحسن المحمودي قراءة: حدثنا تميم بن محمود عن العبّاس بن [ ... ] (١) عن رجاله: قال: حدّثنا محمّد بن صالح عن زيد العجمي عن ابن عباس قال: قال النبيّ وَّر (عليه السلام): ((من قرأ سورة (الحشر) لم يبق جنّة ولا نار ولا عرش ولا كرسي ولا حجاب ولا السماوات السبع والأرضون السبع والهوام والريح والطير والشجر والدواب والجبال والشمس والقمر والملائكة إلاّ صلّوا عليه، واستغفروا له، فإن مات من يومه أو ليلته مات شهيداً)) [٢٤٧](٢). بسم الله الرحمن الرحيم سَبَّحَ لِلَّهِ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِبِرُ الْحَكِيمُ ﴿٣َ هُوَ الَّذِىَّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبٍ مِنْ دِيَّرِمِ لِأَوَّلِ اَلْخَشِّرِّ مَا ظَتُمْ أَنْ يَخْرُيُواْ وَنُواْ أَنَّهُم مَّنِعَتُهُمْ خُصُونُهُم مِّنَ اَللَّهِ فَأَنَّهُمُ الهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْنَسِبُواْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الزُّعْبَّ يُخْرِبُونَ بُوتَهُمْ بِأَبْدِهِمْ وَأَيَدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْنَِّرُوا بِكَأُوْلِ اَلْأَبْصَرِ ﴿﴿ وَلَوْلَا أَنْ كَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِ الدُّنْيَأْ وَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ ◌ِنَّهُمْ شَآَفُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُنَآَقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ أَلْمِقَابِ ﴿﴿ مَا فَطَعْتُمْ مِنْ لِبِنَةٍ أَوْ نَكْتُوهَا فَأَبِعَةً عَلَى أُولِهَا فَإِذْنِ الَّهِ وَلِيُخْرِىَ الْفَسِفِيِنَ ﴿سبّح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم * هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾ الآيات، قال المفسرون: نزلت هذه الآيات بأسرها في بني النضير، وذلك أنّ النبيّ ◌َّ لما دخل المدينة صالحه بنو النضير على ألا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه، فقبل رسول الله وَ﴿ منهم ذلك، فلمّا غزا رسول الله وَل بدراً وظهر على المشركين قالت بنو النضير: والله إنّه للنبيّ الذي وجدنا نعته في التوراة: لا تردّ لهم راية. فلما (١) كلمة غير مقروءة. (٢) تفسير محمع البيان: ٤٢٣/٩. ٢٦٧ سورة الحشر، الآيات: ١ - ٥ غزا رسول الله # أحداً وهزم المسلمون ارتابوا ونافقوا وأظهروا العداوة لرسول الله (عليه السلام) والمؤمنين، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ثل، فركب كعب بن الأشرف في أربعين راكباً من اليهود إلى مكّة، فأتوا قريشاً فحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمّد (عليه السلام). ثم دخل أبو سفيان في أربعين وكعب في أربعين من اليهود المسجد وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الأستار والكعبة، ثم رجع كعب بن الأشرف وأصحابه إلى المدينة، فنزل جبريل على رسول الله وَ * فأخبره بما تعاقد عليه كعب وأبو سفيان، وأمر (عليه السلام) بقتل كعب بن الأشرف فقتله محمّد بن مسلمة الأنصاري، وكان أخاه من الرضاعة . وقد كان رسول الله وشر اطلع منهم على خيانة ونقض عهد، حتى أتاهم رسول الله وله ومعه أبو بكر وعمر وعليّ (رُّه) يستعينهم في دية الرجلين المسلمين اللذين قتلهما عمرو بن أُميّة الضمري في منصرفه من بئر معونة حين أغربا إلى بني عامر، فأجابوه بَّه إلى ذلك، وأجلسوه وهمّوا بالفتك به وطرح حجر عليه من فوق الحصن، فأخبره الله سبحانه بذلك وعصمه. وقد مضت هذه القصة وقصة مقتل كعب بن الأشرف، فلمّا قتل كعب أصبح رسول الله وَله وأمر الناس بالسير إلى بني النضير، وكانوا بقرية لهم يقال لها: زهرة، فلمّا سار إليهم النبيّ وَّر وجدهم ينوحون على كعب، وكان سيدهم، فقالوا: يا محمّد، واعية على إثر واعية، وباكية على إثر باكية؟ قال: ((نعم)). قالوا: ذرنا نبكي بشجونا ثم ائتمرنا أمرك. فقال النبيّ وَّهُ: ((اخرجوا من المدينة)) [٢٤٨](١). قالوا : الموت أقرب إلينا من ذلك. فتنادوا بالحرب وأذنوا بالقتال، ودسّ المنافقون: عبد الله بن أُبّي وأصحابه إليهم أَلا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولننصرنكم، ولئن أُخرجتم لنخرجنّ معكم فدربوا على الأزقة وحصونها. ثم أجمعوا الغدر برسول الله صله فأرسلوا إليه: اخرج في ثلاثين رجلا من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون رجلا حتى نلتقي بمكان نَصَف بيننا وبينكم، فيسمعوا منك، فإن صدّقوك وآمنوا بك آمنًا كلّنا. فخرج النبيّ وَّر في ثلاثين من أصحابه وخرج إليه ثلاثون حبراً من اليهود، حتى إذا كانوا في بَراز من الأرض قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلا من أصحابه كلّهم يحبّ أن يموت قبله؟ فأرسلوا إليه: كيف نفهم ونحن ستون رجلا، اخرج في ثلاثة من أصحابك، ونخرج لك ثلاثة من علمائنا فيسمعوا منك، فإن آمنوا بك آمنًا كلّنا وصدّقناك. (١) تفسير القرطبي: ٤/١٨، بتفاوت. ٢٦٨ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي فخرج النبي ◌ّ في ثلاثة من أصحابه، وخرج ثلاثة من اليهود، واشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله عليه، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته بما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله (عليه السلام)، فأقبل أخوها سريعاً حتى أدرك النبي وسل﴿ فسارّه بخبرهم قبل أن يصل النبيّ ◌َّر فرجع النبيّ ◌َّ (عليه السلام). فلمّا كان الغد عدا عليهم بالكتائب فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فلمّا قذف الله سبحانه في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين سألوا نبي الله (عليه السلام) الصلح فأبى عليهم [إلاّ](١) أن يخرجوا من المدينة على ما يأمرهم به النبيّ وَلير، فقبلوا ذلك، وصالحهم على الإجلاء، وعلى أنّ لهم ما أقلّت الإبل من أموالهم إلاّ الحلقة وهي السلاح، وعلى أن يخلوا له ديارهم وعقارهم وسائر أموالهم. وقال ابن عباس: صالحهم على أن يحمل كل أهل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا من متاعهم، وللنبي ◌َّ ما بقي. وقال الضحاك: أعطى كلّ ثلاثة نفر بعيراً وسقاءً، ففعلوا ذلك وخرجوا من المدينة إلى الشام إلى أذرعات وأريحا إلّ أهل بيتين منهم: آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب، فإنّهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة منهم بالحيرة، فذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب﴾ يعني بني النضير ﴿من ديارهم﴾ التي كانت بيثرب. قال ابن إسحاق: كان إجلاء بني النضير مرجع النبي وَلّ من أحد وكان فتح قريظة عند مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان. ﴿لأوّل الحشر﴾ قال الزهري: كانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما مضى، وكان الله سبحانه قد كتب عليهم الجلاء، ولو لا ذلك لعذّبهم في الدنيا وكانوا أول حشر في الدنيا حشروا إلى الشام. قال ابن عباس: من شكّ أنّ المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية؛ وذلك أنّ النبيّ وَّ (عليه السلام) قال لهم يومئذ: ((اخرجوا)). قالوا: إلى أين؟ فقال: ((إلى أرض المحشر)) [٢٤٩](٢)، فأنزل الله سبحانه ﴿لأوّل الحشر﴾. وقال الكلبي: إنّما قال: ﴿لأوّل الحشر﴾؛ لأنّهم أوّل من حشروا من أهل الكتاب ونفوا من الحجاز. وقال مرّة الهمداني: كان هذا أوّل الحشر من المدينة، والحشر الثاني من خيبر وجميع (١) في المخطوط (ان لا). (٢) زاد المسير: ٣٣٢. ٢٦٩ سورة الحشر، الآيات: ١ - ٥ جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحا من الشام في أيام عمر بن الخطاب رضي ◌ُّه وعلى بدنه(١). وقال قتادة: كان هذا أوّل الحشر، والحشر الثاني نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل منهم من تخلّف. قال يمان بن رباب: إنّما قال: ﴿لأوّل الحشر﴾؛ لأنّ الله سبحانه فتح على نبيّه (عليه السلام) في أول ما قاتلهم. ﴿ما ظننتم﴾ أيّها المؤمنون ﴿أن يخرجوا﴾ من المدينة ﴿وظنّوا أنّهم ما نعتهم حصونهم من الله﴾ حيث درّبوها وحصّنوها ﴿فأتاهم الله﴾ أي أمر الله وعدله ﴿من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب﴾ بقتل سيّدهم كعب بن الأشرف. ﴿يخربون﴾ قراءة العامّة بالتخفيف، من الإخراب، أي يهدمون، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن البصري وأبو عمرو بن العلاء بالتشديد، من التخریب، وقال أبو عمرو: إنّما اخترت التشديد؛ لأنّ الإخراب ترك الشيء خراباً بغير ساكن، وأنّ بني النضير لم يتركوا منازلهم فيرتحلوا عنها ولكنّهم خرّبوها بالنقض والهدم. وقال الآخرون: التخريب والإخراب بمعنى واحد. قال الزهري: ذلك أنّهم لمّا صالحهم النبيّ وَّه على أنّ لهم ما أقلّت الإبل، كانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم ممّا يستحسنونه، أو العمود أو الباب فيهدمون بيوتهم وينزعونها منها ويحملونها على إبلهم ويخرّب المؤمنون باقيها . وقال ابن زيد: كانوا يقتلعون العمد وينقضون السقوف وينقبون الجدران ويقلعون الخشب حتى الأوتاد يخربونها لئلاّ يسكنها المؤمنون، حسداً منهم وبغضاً . وقال الضحاك: جعل المسلمون كلّما هدموا شيئاً من حصونهم جعلوا هم ينقضون بيوتهم بأيديهم ويخربونها ثم يبغون ما خرب المسلمون. وقال ابن عباس: كلّما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها ليتّسع لهم المقاتل، وجعل أعداء الله ينقبون دورهم من أدبارهم فيخرجون إلى التي بعدها فيتحصنّون فيها ويكسرون ما يليهم منها، ويرمون بالتي خرجوا منها أصحاب رسول الله ولي﴾ (٢). وقال قتادة: كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها، ويخربها اليهود من داخلها فذلك قوله سبحانه ﴿يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾ . (١) كذا في المخطوط. (٢) راجع تاريخ الإسلام للذهبي: قسم المغازي ص: ١٢٢. ٢٧٠ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي ﴿فاعتبرو﴾: فاتّعظوا ﴿يا أُولي الأبصار﴾ يا ذوي العقول. ﴿ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء﴾: الخروج عن الوطن ﴿لعذّبهم في الدنيا﴾ بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة ﴿ولهم في الآخرة عذاب النار * ذلك بأنّهم شاقّوا الله ورسوله ومن يشاقّ الله﴾ وقرأ طلحة بن مصرف: (ومن يشاقق الله) (كالتي في الأنفال) ﴿فإنّ الله شديد العقاب﴾ . ﴿ما قطعتم من لينة﴾ الآية، وذلك أنّ رسول الله وَ ليه لما نزل ببني النضير وتحصّنوا في حصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فجزع أعداء الله عند ذلك وقالوا: يا محمّد، زعمت أنّك تريد الصلاح، أفمن الصلاح عقر الشجر وقطع النخيل؟ فهل وجدت فيما زعمت أنّه أنزل عليك الفساد في الأرض؟ فشقّ ذلك على النبيّ ◌َّ، ووجد المسلمون في أنفسهم من قولهم، وخشوا أن يكون ذلك فساداً، واختلف المسلمون في ذلك، فقال بعضهم: لا تقطعوا؛ فإنّه ممّا أفاء الله علينا، وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعها، فأنزل الله سبحانه هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم، وأخبر أن قطعه وترکه بإذن الله سبحانه. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن الحسن قال: حدّثنا محمّد بن يحيى وعبد الرحمن بن بشر وأبو الأزهر وحمدان وعلي قالوا: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريح قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن نافع، عن إبن عمر أنّ النبي (عليه السلام) قطع نخل بني النضير وحرق، ولها يقول حسان: وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير (١) أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن عبد الله وأبو محمّد إسحاق بن إبراهيم وأبو علي الحسن بن محمّد وأبو القاسم الحسن بن محمّد قالوا: حدّثنا أبو العباس الأصمّ قال: أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنّ النبيّ ◌َّ أمر بإحراق نخل بني النضير، فقال فيه حسان بن ثابت : وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير (٢) وفي ذلك نزل قوله سبحانه: ﴿ما قطعتم من لينة﴾. اختلفوا فيها فقال قوم: هي ما دون العجوة من النخل، فالنخل كلّه لينة ما خلا العجوة، وهو قول عكرمة ويزيد بن رويان وقتادة. ورواية باذان عن ابن عباس قال: وكان النبي ◌َّ أمر بقطع نخلهم إلاّ العجوة، وأهل المدينة يسمّون ما خلا العجوة من التمر: الألوان، واحدها لون ولينة، وأصلها لونة فقلبت الواو بالكسرة ما قبلها . (١) لسان العرب: ٤ /٥١٣. (٢) لسان العرب: ٥١٣/٤. ٢٧١ سورة الحشر، الآيات: ١ - ٥ وقال الزهري: اللينة ألوان النخل كلّها إلاّ العجوة والبرنيّة، وقال مجاهد وعطية وابن زيد: هي النخل كلّه من غير استثناء. العوفي عن ابن عباس: هي لون من النخل. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا جعفر بن محمّد قال: حدّثنا عبد الله بن مبارك، عن عثمان بن عطإ، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ما قطعتم من لينة﴾ قال: النخلة والشجرة. قال سفيان: هي كرام النخل. وقال مقاتل: هي ضرب من النخل يقال لثمرتها: اللون، وهو شديد الصفرة ترى نواهُ من خارج يغيب فيه الضرس. وكان من أجود تمرهم وأعجبها إليهم، وكانت النخلة الواحدة منها ثمن وصيف، وأحبّ إليهم من وصيف، فلما رأوا ذلك الضرب يقطع شقّ عليهم مشقّة شديدة، وقالوا للمؤمنين: تزعمون أنّكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون وتخربون وتقطعون الشجر، دعوا هذا النخل، فإنّما هي لمن غلب عليها . وقيل: هي النخلة القريبة من الأرض. وأنشد الأخفش : بفراق الأحباب من فوق لينه (١) قد شجاني الحمامُ حين تغنّى والعرب تسمّي ألوان النخل كلّها لينة، قال ذو الرمّة : كأنّ قتودي فوقها عش طائر وقال أيضاً : طراق الخوافي واقعاً فوق لينة وجمع اللينة لین، وقيل : ليان، قال امروء القيس يصف عنق فرس. وسالفة كسحوق الليا على لينة فرواء (٢) تهفو جنوبها لدى ليلة في ريشه يترقرق(٣) ن أضرم فيها الغوي السعر (١) تفسير القرطبي: ٩/١٨. (٢) في ديوانه: سوقاء. انظر ديوان ذي الرمة ٢: ٣٣٩. (٣) لسان العرب: ١٣٩/٨. ٢٧٢ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي ﴿أو تركتموها قائمة على أصولها﴾: سوقها فلم تقطعوها ولم تحرقوها، وقرأ عبد الله: (ما قطعتم من لينة ولا تركتم قوماً على أُصولها إلاّ بإذن الله). وقرأ الأعمش: (ما قطعتم من لينة أو تركتم قوّما على أصولها). ﴿فبإذن الله وليجزي الفاسقين﴾ أي وليذلّ اليهود، ويحزنهم ويغيظهم. وَمَآَ أَنَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَقْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلِ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿٣َ مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَالرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَالْبَىِ وَالْمَسْكِينِ وَأَبْنِ اُلْتَّبِيلِ كَتْ لَا يَكُنَ دُوْلَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَآ ءَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهَكُمُ مَنْهُ فَأَنْتَهُواْ وَأَنَّقُواْ اللّهُّ إِنَّ اللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَّابِ ﴿وما أفاء الله﴾: ردّ الله ﴿على رسوله﴾ ورجع إليه، ومنه فيء الظل ﴿منهم﴾ من بني النضير من الأموال ﴿فما أوجفتم﴾: أوضعتم ﴿عليه من خيل ولا ركاب﴾ وهي الإبل، يقول: لم يقطعوا إليها شقة، ولم ينالوا فيها مشقّة ولم يكلّفوا مؤونة ولم يلقوا حرباً وإنّما كانت بالمدينة فمشوا إليها مشياً، ولم يركبوا خيلا ولا إبلا إلّ النبي وَل *، فإنّه ركب جملا فافتتحها رسول الله ﴾ صلحاً وأجلاهم عنها وأحرز أموالهم، فسأل المؤمنون النبيّ ◌َله القسمة، فأنزل الله سبحانه ﴿ما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾. ﴿ولكنّ الله يسلّط رسله على من يشاء والله على كلّ شيء قدير﴾ فجعل أموال بني النضير لرسول الله وَّيو خاصّة يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله (عليه السلام) بين المهاجرين ولم يعطِ الأنصار منها شيئاً إلاّ ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحرث بن الصمة، ولم يسلم من بني النضير إلاّ رجلان: أحدهما سفيان بن عمير بن وهب، والثاني سعيد بن وهب وسلما على أموالهما فأحرزاها . أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا حامد بن محمّد قال: أخبرنا بشر بن موسى قال: حدّثنا الحميد قال: حدّثنا سفيان قال: حدّثنا عمرو بن دينار ومعمر بن راشد، عن ابن شهاب الزهري أنّه سمع مالك بن أوس بن الحدثان البصري يقول: سمعت عمر بن الخطاب نظراته يقول: إنّ أموال بني النضير كانت مما أفاء الله على رسوله ممّا لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله وسل﴿ر خالصاً، فكان رسول الله (عليه السلام) ينفق على أهله منه نفقة سنة، وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدّة في سبيل الله. أخبرنا محمّد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن الحسن قال: حدّثنا محمّد ابن يحيى قال: حدّثنا محمّد بن يوسف قال: حدّثنا ابن عيينة، عن معمر، عن الزهري ٢٧٣ سورة الحشر، الآيتان: ٦ - ٧ قال: وأُخبرت(١) عن محمّد بن جرير قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا عبد الأعلى قال: حدّثنا أبو ثور، عن معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: أرسل إليّ عمر بن الخطاب فدخلت عليه، فقال: إنّه قد حضر أهل ثبات من قومك، وأنّا قد أمرنا لهم برضخ فاقسمه بينهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، مر بذلك غيري. قال: اقبضه أيّها المرء. فبينا أنا كذلك إذ جاء مولاه يرفأ فقال: عبد الرحمن بن عوف والزبير وعثمان وسعد يستأذنون. فقال: ايذن لهم. ثم مكث ساعة، ثم جاء فقال: هذا علي والعباس يستأذنان. فقال: ايذن لهما. فلمّا دخل العباس قال: يا أمير المؤمنين، اقضِ بيني وبين هذا الغادر الفاجر الخائن(٢). وهما حينئذ يختصمان فيما أفاء الله عزّوجل على رسوله من أموال بني النضير. فقال القوم: اقضِ بينهما يا أمير المؤمنين وأرح كلّ واحد منهما من صاحبه، فقد طالت خصومتهما. فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماوات والأرض، أتعلمون أنّ رسول اللهِ وَ لَّه قال: ((لا نورّث، ما تركناه صدقه)) [٢٥٠](٣). قالوا: قد قال ذلك. ثم قال لهما: أتعلمان أنّ رسول اللـه وَّ قال ذلك؟ قالا: نعم. قال: فسأخبركم بهذا الفيء، إنّ الله سبحانه خصّ نبيّه (عليه السلام) بشيء لم يعطِ غيره فقال: عزّ من قائل: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾ فكانت هذه لرسول الله (عليه السلام) خاصّة، فوالله ما اختارها دونكم ولا استأثرها دونكم، ولقد قسّمها عليكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله وَله ينفق على أهله منها سنتهم ثم يجعل ما بقي في مال الله، عزّوجل. ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ يعني من أموال الكفار أهل القرى. قال ابن عباس: هي قريظة والنضير وهما بالمدينة، وفدك وهي من المدينة على ثلاثة أميال، وخيبر، وقرى عرينة، وينبع جعلها الله تعالى لرسوله يحكم فيها ما أراد فاحتواها كلّها. فقال ناس: هلاّ قسّمها ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾. (١) بداية سند ثان إلى الزهري. (٢) إن ما نسب العبّاس يدلّ على سوء أدب من قبله إذ لا ينبغي لمسلم أن ينكر فضل على بن أبي طالب في الإسلام فضلاً عن العباس عم الرسول و ﴿ وهذا إن دلّ فلا يدلّ إلا على وضع هذا الحديث، ومن تلك الأحاديث المبنية لذلك: أخرج أحمد والحاكم، وصححه عن أم سلمة قالت: سمعت النبي ◌ِّ يقول: ((من سبّ علياً فقد سبّني)). وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أم سلمة عن رسول الله وَي أنه قال: ((من أحبّ علياً فقد أحبّني، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغض علياً فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله)). يراجع تاريخ دمشق: ٤٢ / ٢٦٦ - ٢٧٠ وذكر طرقه. (٣) مسند أحمد: ٦/١. ٢٧٤ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي ﴿فلله وللرسول ولذي القربى﴾ قرابة النبيّ وَّر. وهم بنو هاشم وبنو المطلب. واختلف الفقهاء في وجه استحقاقهم سهمهم من مال الفيء والغنيمة. فقال قوم: إنّهم يستحقّون ذلك بالقرابة ولا تعتبر فيهم الحاجة وعدم الحاجة، وإليه ذهب الشافعي وأصحابه. وقال آخرون: إنّهم يستحقون ذلك بالحاجة لا القرابة، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، فإذا قسم ذلك بينهم فضل الذكور على الإناث كالحكم في الميراث، فيكون للذكر سهمان، وللأنثى سهم. وقال محمّد بن الحسن: سوّي بينهم، ولا يفضل الذكران على الإناث. ذكر حكم هاتين الآيتين اختلف العلماء فيه، فقال بعضهم: أراد بقوله: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾: الغنائم التي يأخذها المسلمون من أموال الكافرين عنوة وقهراً، وكانت الغنائم في بدء الإسلام لهؤلاء الذين سمّاهم الله سبحانه في سورة الحشر، دون الغانمين والموجفين عليها، ثم نسخ ذلك بقوله في سورة الأنفال: ﴿واعلموا أنّما غنمتم من شيءٍ﴾(١) الآية. وهذا قول يزيد بن رويان وقتادة. وقال بعضهم: الآية الأولى بيان حكم أموال بني النضير خاصّة لقوله سبحانه: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم﴾، والآية الثانية بيان حكم سائر الأموال التي أُصيبت بغير قتال، ولم يوجَف عليها بالخيل والجمال. وقال الآخرون: هما واحد، والآية الثانية بيان قسمة المال الذي ذكر الله سبحانه في الآية الأُولى. واعلم أنّ جملة الأموال التي للأئمّة والولاة فيها مدخل على ثلاثة أوجه: أحدها: ما أخذ من المسلمين على طريق التطهير لهم كالصدقات. والثاني: الغنائم وهي ما يحصل في أيدي المسلمين من أموال الكافرين بالحرب والعهد. والثالث: الفيء وهو ما رجع إلى النبيّ ◌َل﴿ من أموال الكافرين عفواً صفواً من غير قتال ولا إيجاف خيل وركاب مثل مال الصلح والجزية والخراج والعشور التي تؤخذ من تجّار الكفّار إذا دخلوا دار الإسلام، ومثل أن يهرب المشركون ويتركوا أموالهم أويموت منهم في دار الإسلام أحد، ولا یکون له وارث. (١) سورة الأنفال: ٤١ . ٢٧٥ سورة الحشر، الآيتان: ٦ - ٧ وأمّا الصدقات، فمصرفها ما ذكر الله سبحانه وتعالى: ﴿إنّما الصدقات للفقراء﴾(١) - الآية - وقد مضى البيان عن أهل السهمين. وأمّا الغنائم فإنّها كانت في بدء الإسلام لرسول الله وَّر يصنع بها ما يشاء، كما قال عزّ وجلّ: ﴿قل الأنفال لله والرسول﴾(٢) ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿واعلموا أنّما غنمتم من شيءٍ﴾ الآية: فجعل أربعة أخماسها للغانمين تقسّم بينهم. فأما ما كان من النقود والعروض والأمتعة والثياب والدواب والكراع فإنّه يقسّم بينهم، ولا يحبس منهم. وأمّا العقار، فاختلف الفقهاء فيه، فقال مالك (رحمه الله): للإمام أن يحبس الأراضي عنهم ويجعلها وقفاً على مصالح المسلمين. وقال أبو حنيفة: الإمام مخيّر بين أن يقسّمها بينهم وبين أن يحبسها عنهم ويجعلها وقفاً على مصالح المسلمين. وقال الشافعي نظُّّه: ليس للإمام حبسها عنهم بغير رضاهم، وحكمها حكم سائر الأموال. وهو الاختيار؛ لأنّ الله سبحانه أخرج الخمس منها بعدما أضاف الجميع إليهم بقوله: ﴿غنمتم﴾ فدلّ أنّ الباقي لهم وحقّهم. وأما الخمس الباقي فيقسّم على خمسه أسهم: سهم لرسول الله وَّل، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل. وأمّا الفيء فإنّه كان يقسّم على عهد رسول الله وسلم على خمسة وعشرين سهماً: أربعة أخماسها، وهي عشرون سهماً لرسول الله وَّ﴾ يفعل بها ما شاء ويحكم فيها ما أراد، والخمس الباقي يقسّم على ما يقسم عليه خمس الغنيمة. وأما بعد وفاة رسول الله وَير فقد اختلف الفقهاء في الأربعة الأخماس التي كانت له وَّل من الفيء. فقال قوم: إنّها تصرف الى المجاهدين المتصدّين للقتال في الثغور، وهو أحد قولي الشافعي وقال آخرون: تصرف إلى مصالح المسلمين؛ من سد الثغور وحفر الآبار وبناء القناطر ونحوها بدءاً بالأهّم فالأهمّ، وهو القول الآخر للشافعي رضىعنه. وأمّا السهم الذي كان لرسول الله وَل من خمس الفيء وخمس الغنيمة فإنّه يصرف بعده (١) سورة التوبة: ٦٠. (٢) سورة الأنفال: ١. ٢٧٦ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي إلى مصالح المسلمين بلا خلاف، كما قال ◌َله: ((الخمس مردود فيكم)) [٢٥١](١). وهكذا ما خلّفه من مال غير موروث عنه، بل هو صدقة تصرف عنه إلى مصالح المسلمين كما قال ◌َ له: ((إنّا لا نورّث، ما تركناه صدقة)) [٢٥٢](٢). فكانت صفايا رسول الله وَل من مال الفيء الذي خصّه الله سبحانه بها له، ينفق منها على أهله نفقة سنة، فما فضل جعله في الكراع والسلاح في سبيل الله كما ذكر. فلمّا توفي رسول الله وَله وليها أبو بكر ◌َُّه فجعل يفعل بها ما كان يفعل رسول الله وَل ثم وليها عمر رظُه على ما ولي رسول الله وَل وأبو بكر، فلما استخلف عثمان ولاّها عليّ بن أبي طالب على سبيل التوليه وجعله القسيم فيها، يليها على ما وليها رسول الله (عليه السلام) وصاحباه، وبالله التوفيق. أخبرنا عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن أبي جعفر الطبري قال: حدّثنا ابن عبد الأعلى قال: حدّثنا ابن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قرأ عمر رَّته. ﴿إنّما الصدقات للفقراء﴾ حتى بلغ (عليم حكيم﴾(٣) ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأنَّ لله خمسه﴾(٤) - الآية - ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ حتى بلغ ﴿للفقراء المهاجرين ... والذين تبوّأُوا ... والذين جاءوا من بعدهم﴾، ثم قال: استوعبت هذه المسلمين عامّة، فليس أحد إلاّ له فيها حقّ. ثم قال: لئن عشت ليأتينّ الراعي وهو يسير حمره نصيبه(٥) منها لم يعرق فيها جبينه . ﴿كي لا يكون دولة﴾ قراءة العامة ﴿يكون﴾ - بالياء - ﴿دولة﴾ بالنصب على معنى كي لا يكون الفيء دولة. وقرأ أبو جعفر بالتاء والرفع، أي كي لا تكون الغنيمة أو الأموال، ورفع ﴿دولة﴾ فاعلا ل(كان)، وجعل الكينونة بمعنى الوقوع، وحينئذ لا خبر له. والقرّاء كلهم على ضمّ الدال من الـ ﴿دولة﴾ إلّ أبا عبد الرحمن السلمي فإنّه فتح دالها . قال عيسى بن عمر: الحالتان بمعنى واحد. وفرّق الآخرون بينهما، فقالوا: الدولة - بالفتح - الظفر والغلبة في الحرب وغيرها وهي مصدر، والدُولة - بالضمّ - اسم الشيء الذي يتداوله الناس بينهم مثل العارية، ومعنى الآية: كي لا يكون الفيء دولة بين الرؤساء والأقوياء والأغنياء فيغلبوا عليه الفقراء والضعفاء؛ وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا غنيمة أخذ الرئيس ربعها (١) كنز العمال: ٣٧٢/٤ ح ١٠٩٦٧. (٢) صحيح مسلم: ١٥٢/٥. (٣) سورة التوبة: ٦٠. (٤) سورة الأنفال: ٤١ . (٥) من تفسير الطبري ٢٨: ٣٧، وفي المخطوط: وحمير يصيبه. ٢٧٧ سورة الحشر، الآيات: ٨ - ١٠ لنفسه وهو المرباع، ثم يصطفي منها أيضاً - يعني (١) المرباع - ما شاء، وفيه يقول شاعرهم: لك المرباع منها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول(٢) فجعل الله سبحانه أمر الرسول (عليه السلام) بقسمته في المواضع التي أمر بها ليس فيها خمس، فإذا خمس رفع عن المسلمين جميعاً . ﴿وما آتاكم﴾: أعطاكم ﴿الرسول﴾ من الفيء والغنيمة ﴿فخذوه وما نهاكم عنه﴾ من الغلول(٣) وغيره ﴿فانتهوا﴾. قال الحسن في هذه الآية: يؤتيهم الغنائم ويمنعهم الغلول. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن عليّ قال: حدّثنا أبو محمّد عبيد بن أحمد بن عبيد الصفّار الحمصي قال: حدّثنا عطية بن بقيّة بن الوليد قال: حدّثنا عيسى ابن أبي عيسى قال: حدّثنا موسى بن أبي حبيب قال: سمعت الحكم بن عمير الثمالي - وكانت له صحبة - يقول: قال رسول الله وَله: ((إنّ هذا القرآن صعب مستصعب عسير على من تركه، يسير لمن تبعه وطلبه. وحديثي صعب مستصعب وهو الحكم، فمن استمسك بحديثي وحفظه نجا مع القرآن. ومن تهاون بالقرآن وبحديثي خسر الدنيا والآخرة. وأمرتم أن تأخذوا بقولي وتكتنفوا أمري وتتبعوا سنتي، فمن رضي بقولي فقد رضي بالقرآن، ومن استهزأ بقولي فقد استهزأ بالقرآن. قال الله سبحانه: ﴿وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم فانتهوا﴾)) [٢٥٣](٤). وأخبرنا الحسين قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفريابي وعبيد الله بن أحمد الكناني قالا: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا معاوية بن هشام قال: حدّثنا سفيان الثوري، عن الأشتر، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: لقي عبد الله بن مسعود رجلا محرماً وعليه ثيابه، فقال: انزع عنك. فقال الرجل: اتقرأ عليّ بهذا آية من كتاب الله؟ قال: نعم ﴿ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم فانتهوا﴾ [٢٥٤]. ﴿واتقوا الله إنّ الله شديد العقاب﴾. لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِنَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَكْرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَتَعُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَنَا وَيَنصُرُونَ اللَّهُ وَرَسُولَهُ، أُوْلَكَ هُمْ الْصَِّفُونَ ﴿ وَالَّذِيْنَ نَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن ◌َّلِهِمْ يُحُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَتَهِمْ وَلَ يَدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةُ قِمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمِّنْ بُوقَ شُحَ (١) كذا في المخطوط، والظاهر أنه (عدا). (٢) لسان العرب: ٤١٥/٧ . (٣) الغلول: الخيانة في الغنيمة خاصّة. الصحاح ٥: ١٧٨٤ - غل. (٤) تفسير القرطبي: ١٨/ ١٧ . ٢٧٨ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُّ الْمُفْلِحُونَ ﴿ وَالَّذِينَ جَُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبََّا أَغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَمِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَّا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا فِلَّا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّاً إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمُ الَّ ﴿للفقراء﴾ يعني كي لا يكون ما أفاء الله على رسوله دولة بين الأغنياء منكم، ولكن يكون للفقراء ﴿المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون﴾ في إيمانهم. قال قتادة: هؤلاء المهاجرون الذي تركوا الديار والأموال والأهلين والعشائر وخرجوا حباً لله ولرسوله، واختاروا الإسلام على ما كانت فيهم من شديدة، حتى ذكر لنا أنّ الرجل يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتّخذ الحفرة في الشتاء ماله دثار غيرها . وروى جعفر بن المغيرة، عن سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزي قالا : كان أناس من المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة يحجّ عليها ويغزو فنسبهم الله أنّهم فقراء، وجعل لهم سهماً في الزكاة. ﴿والذين تبوّأوا﴾: توطّنوا ﴿الدار﴾ اي اتّخذوا المدينة دار الإيمان والهجرة، وهم الأنصار أسلموا في ديارهم وبنوا المساجد قبل قدوم النبي ◌َّ بسنتين فأخر الله عليهم البناء. ونظم الآية: ﴿والذين تبوّأوا الدار من قبلهم﴾ أي من قبل قدوم المهاجرين عليهم وقد آمنوا ﴿يحبّون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة﴾ حزازة وغيطاً وحسداً ﴿ممّا أُوتوا﴾ أي ممّا أعطوا المهاجرين من الفيء. وذلك أن رسول الله وَلّ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلاّ ثلاثة نفر كما ذكرناهم، فطابت أنفس الأنصار بذلك. ﴿ويؤثرون على أنفسهم﴾ إخوانهم من المهاجرين بأموالهم وديارهم ﴿ولو كان بهم خصاصة﴾: فاقة وحاجة إلى ما هو يزول؛ وذلك أنّهم قاسموهم ديارهم وأموالهم . . وأخبرنا أبو محمّد الحسن بن أحمد بن محمّد السيستاني قال: حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن إبراهيم الثقفي قال: أخبرنا محمود بن خداش - وسمعته يقول: ما أخذت شيئاً أشتري قط(١) . قال: حدّثنا محمّد بن الحسن السيستاني قال: حدّثنا الفضيل بن غزوان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي وَلّ وقد أصابه الجهد فقال: يا رسول الله، إني جائع فأطعمني. فبعث النبيّ وَّرِ (عليه السلام) إلى أزواجه: ((هل عندكنّ شيء؟)). فكلّهنّ قلن: والذي بعثك بالحقّ نبيّاً ما عندنا إلّ الماء. فقال رسول الله وَ يقول: ((ما عند رسول الله ما يطعمك هذه الليلة)). ثم قال: ((من يضف هذا هذه الليلة يرحمه الله))(٢) [٢٥٥]. (١) كذا عبارته في المخطوط، والمنقول عنه في كتب الرجال قوله: ما اشتريت شيئاً قط ولا بعت. انظر تهذيب التهذيب ١٠ : ١٠٢/٥٦، تاريخ بغداد ١٣ : ٩١ / ٧٠٧٤. (٢) زاد المسير: ٣٣٨/٧. ٢٧٩ سورة الحشر، الآيات: ٨ - ١٠ فقام رجل من الأنصار قال: أنا يا رسول الله. فأتى به منزله، فقال لأهله: هذا ضيف رسول الله وَ﴿ فأكرميه ولا تدّخري عنه شيئاً. فقالت: ما عندنا إلاّ قوت الصبية. قال: قومي فعلّليهم عن قوتهم حتى يناموا ولا يطعموا شيئاً، ثم أسرجي فأبرزي، فإذا أخذ الضيف ليأكل قومي كأنّك تصلحين السراج فأطفئيه وتعالي نمضغ ألسنتنا لضيف رسول الله ◌َيّر حتى يشبع ضيف رسول الله. قال: فقامت إلى الصبية فعللتهم حتى ناموا عن قوتهم ولم يطعموا شيئاً، ثم قامت فأبرزت وأسرجت فلمّا أخذ الضيف ليأكل قامت كأنّها تصلح السراج فأطفأته، وجعلا يمضغان ألسنتهما لضيف رسول الله (عليه السلام) فظنّ الضيف أنّهما يأكلان معه، حتى شبع ضيف رسول الله ◌َفي، وباتا طاويين. فلمّا أصبحا عَدوا إلى رسول الله (عليه السلام)، فلمّا نظر إليهما تبسّم ثم قال: ((لقد عجب الله من فلان وفلانة هذه الليلة)) [٢٥٦]. فأنزل الله سبحانه: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ الآية. قال أنس بن مالك: أُهدي لبعض الصحابة رأس شاة مشوي وكان مجهوداً، فوجّهه إلى جار له فتناوله تسعة أنفس ثم عاد إلى الأوّل، فأنزل الله سبحانه: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾. ويحكى عن أبي الحسن الأنطاكي أنّه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلا بقرية بقرب الري ولهم أرغفة معدودة لم تسع جميعهم ونشروا الرغفان وأطفؤوا السراج وجلسوا للطعام، فلمّا رفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل واحد منهم إيثاراً لصاحبه. ويحكى عن حذيفة العدوي قال: انطلقت يوم اليرموك لطلب ابن عم لي ومعي شيء من ماء وأنا أقول: إن كان به رمق سقيقه ومسحت وجهه، فإذا أنا به، قلت: أسقيك؟ فأشار أي نعم، فإذا رجل يقول: آه، فأشار ابن عمي أن انطلق به إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فسمع به آخر قال: آه، فأشار هشام أن انطلق به إليه، فجئته فإذا هو قدمات، ثم رجعت الى هشام فإذا هو قدمات، ثم رجعت الى ابن عمي فإذا قد مات رحمه الله. سمعت أبا القاسم الحسن بن محمّد النيسابوري يقول: سمعت أبا عبد الله محمّد بن عبيد الله الجرجاني يقول: سمعت الحسن بن علوية الدامغاني يحكي عن أبي يزيد البسطامي قال: ما غلبني أحد مثل ما غلبني شاب من أهل بلخ قدم علينا حاجّاً، فقال لي: يا أبا يزيد، ما حدّ الزهد عندكم؟ قلت: إذا وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا. فقال هكذا عندنا كلاب بلخ. فقلت: ماحدّ الزهد عندكم؟ فقال: إذا فقدنا صبرنا، وإذا وجدنا آثرنا . وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا محمّد أحمد بن محمّد بن إبراهيم البلاذري يقول: سمعت بكر بن عبد الرحمن يقول: سئل ذو النون المصري عن علامة الزاهد المشروح صدره فقال: ثلاث: تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند القوت. ٢٨٠ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي قال ابن عباس: قال رسول الله (صلى الله عليه سلم) يوم النضير للأنصار: ((إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة)) [٢٥٧](١) . فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالقسمة ولا نشاركهم فيها . فأنزل الله سبحانه: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾. ﴿ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ والشح في كلام العرب: البخل ومنع الفضل، يقال: فلان شحيح من الشُّح والشّحّ والشحّة والشحاحة، قال عمرو بن كلثوم: ترى اللحز الشحيح إذا أمرّت عليه لماله فيها مهينا(٢) وفرّق العلماء من السلف بينهما . فأخبرني الحسن بن محمّد قال: حدّثنا موسى بن محمّد بن علي قال: حدّثنا إدريس بن عبد الكريم الحدّاد قال: حدّثنا عاصم بن علي بن عاصم، وأخبرنا عبد الخالق قال: حدّثنا ابن حبيب قال: حدّثنا ابن شاكر قال: حدّثنا عاصم بن علي قال: حدّثنا المعادي، عن جامع بن شداد، عن أبي الشعثاء قال: قال رجل لعبد الله بن مسعود: يا أبا عبد الرحمن، إني أخاف أن أكون قد هلكت. قال: وما ذاك؟ قال: سمعت الله سبحانه يقول: ﴿ومن يوق شحّ نفسه﴾ وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يديّ شيء. فقال: ليس ذاك الشحّ الذي ذكر الله سبحانه في القرآن، ولكن الشحّ أن تأكل مال أخيك ظلماً، ولكن ذلك البخل، وبئس الشيء البخل. الوالبي علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿ومن يوق شحّ نفسه﴾ قال: يقول: هوى نفسه يتبع هواه فلم يقبل الإيمان. وقال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً لشيء نهاه الله سبحانه ولم يدعه الشحّ الى أن يمنع شيئاً من شيء أمره الله تعالى به فقد وقاه شحّ نفسه. وقال طاووس: البخل أن يبخل الإنسان بما في يديه، والشحّ أن يبخل بما في أيدي الناس . وأخبرني أبي قال: أخبرنا محمّد بن أحمد بن عبد الله النحوي قال: أخبرنا محمّد بن حمدون ابن خالد قال: حدّثنا محمّد بن عبد الوهاب بن أبي تمام العسقلاني قال: حدّثنا سليمان (١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٤٣٠. (٢) لسان العرب: ٤٠٤/٥.