Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ سورة الفتح، الآيات: ١ - ٩ صِرَاطَا مُسْتَقِيمًا (٣) وَصْرِكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣) هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ اُلَكِنَّةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَانًا مَّعَ إِبَعْنِهِمْ وَلِلَّهِ بُجُنُودُ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِِّ وَ كَانَ اَللَّهُ عَلِمَا حَكِيمًا (١٦) لِدْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتِ تَحْرِى مِن تَحْهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَيُكَفِرْ عَنْهُمْ سَبِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْرًا عَظِيمًا (جَ وَيُعَذِّبَ الْمُنَّفِفِينَ وَالْمُنَّفِقَّتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكِتِ الظَّائِّينَ بِاَلَّهِ ◌َنَ اُلسَّوْءٍ عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِْ وَلَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُرْ جَهَنَّهٌ وَسَتْ مَصِيرًا ﴿ وَلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (جَ) إِنَّ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزّرُوهُ وَتُوَفِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةٌ أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا وَمُبَيِّرًا وَنَذِيرًا وَأَصِيلًا ! ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ أخبرنا عبيدالله بن محمّد الزاهد، أخبرنا أبو العبّاس السرّاج، حدّثنا هنّاد بن السري، حدّثنا يونس بن بكير، حدّثنا علي بن عبدالله التيمي يعني أبا جعفر الرازي، عن قتادة، عن أنس ﴿إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ قال: فتح مكّة، وقال مجاهد والعوفي: فتح خيبر، وقال الآخرون: فتح الحديبية. روى الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: ما كنّا نعدّ فتح مكّة إلّ يوم الحديبية. وروى إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكّة، وقد كان فتح مكّة فتحاً، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنّا مع رسول الله وَّر أربع عشرة مائة. والحديبية بئر. أخبرنا عقيل بن محمّد الفقيه أنّ أبا الفرج القاضي البغدادي، أخبرهم، عن محمّد بن جرير، حدّثنا موسى بن سهل الرملي، حدّثنا محمّد بن عيسى، حدّثنا مجمع بن يعقوب الأنصاري، قال: سمعت أبي يحدِّث، عن عمّه عبد الرّحمن بن يزيد، عن عمّه، مجمع بن حارثة الأنصاري - وكان أحد القرّاء الذين قرأوا القرآن - قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله ◌َێ ، فلما انصرفنا عنها، إذا الناس يهزون الأباعر، فقال بعض النّاس لبعض: ما بال النّاس؟ قالوا: أُوحي إلى رسول الله وَّ. قال: فخرجنا نوجف، فوجدنا النبي (عليه السلام) واقفاً على راحلته عند كراع العميم، فلمّا اجتمع إليه الناس، قرأ ﴿إِنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾. فقال عمر: أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: ((نعم والّذي نفسي(١) بيده إنّه لفتح)) [٢٦](٢). فقسم ◌َّ الخمس بخيبر على أهل الحديبية، لم يدخل فيها أحد إلاّ من شهد الحديبية. أخبرنا الحسين بن محمّد بن منجويه العدل، حدّثنا أبو محمّد عبدالله بن محمّد بن شنبه، حدّثنا عبيدالله بن أحمد الكسائي، حدّثنا الحارث بن عبدالله، أخبرنا هشيم، عن مغيرة، عن (١) في المصدر: ((نفس محمد)» بدلاً من ((نفسي)). (٢) مسند أحمد: ٤٢٠/٣؛ سنن أبي داود: ٦٢٢/١. ٤٢ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي الشعبي في قوله: ﴿إِنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ قال: فتح الحديبية، غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محلّه، وظهرت الروم على فارس، وفرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. وقال مقاتل بن حيان: يسّرنا لك يُسرا بيّناً، وقال مقاتل بن سليمان: لمّا نزل قوله: ﴿ما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾(١) فرح بذلك المشركون، والمنافقون، وقالوا: كيف نتّبع رجلاً لا يدري ما يفعل به وبأصحابه، ما أمرنا وأمره إلاّ واحد، فأنزل الله تعالى بعدما رجع من الحديبية ﴿إِنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ أي قضينا لك قضاءً بيّناً. ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ فنسخت هذه الآية تلك الآية، وقال اَّ: ((لقد نزلت عليَّ آية ما يسرّني بها حمر النعم)) [٢٧](٢). وقال الضحاك: ﴿إِنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ بغير قتال، كان الصلح من الفتح، وقال الحسن: فتح الله عليه بالإسلام. ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللـهُ﴾ قال أبو حاتم: هذه (لام) القسم، لما حذفت (النون) من فعله كسرت اللام ونُصبَ فعلها بسببها بلام كي، وقال الحسين بن الفضيل: هو مردود إلى قوله: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ ﴿ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر﴾ ﴿وليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّات تجري﴾ وقال محمّد بن جرير: هو راجع إلى قوله: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت النّاس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبِّح بحمد ربّك واستغفره﴾(٣) ﴿ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك﴾ قبل الرسالة ﴿وما تأخّر﴾ إلى وقت نزول هذه السورة. أخبرنا أبو عبدالله الحسين بن محمّد بن عبدالله الحافظ، حدّثنا أبو عمرو عثمان بن عمر ابن حقيف الدرّاج، حدّثنا حامد بن شعيب، حدّثنا شريح بن يونس، حدّثنا محمّد بن حميد، عن سفيان الثوري ﴿ما تقدّم من ذنبك﴾ ما عملت في الجاهلية ﴿وما تأخّر﴾ كلّ شيء لم تعمله. وقال عطاء بن أبي مسلم الخرساني: ﴿ما تقدّم من ذنبك﴾ يعني ذنب أبويك آدم وحوّاء ببركتك ﴿وما تأخّر﴾ ديوان أُمّتك بدعوتك. سمعت الطرازي يقول: سمعت أبا القاسم النصر آبادي يقول: سمعت أبا علي الرودباري بمصر يقول: في قول الله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر﴾، قال: لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه. ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ أي ويثبتك عليه، وقيل: يهدي بك. (١) سورة الأحقاف: ٩. (٢) تفسير القرطبي: ٢٦٠/١٦ وفيه: عليَّ سورة. (٣) سورة النصر: ٣.١. ٤٣ سورة الفتح، الآيات: ١ - ٩ ﴿وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ غالباً. وقيل: مُعزّاً. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ الرحمة، والطمأنينة ﴿فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عبّاس: كلّ سكينة في القرآن فهي الطمأنينة إلّ التي في البقرة. ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ قال ابن عبّاس: بعث الله نبيّه وَ له بشهادة أن لا إله إلاّ اللـه، فلمّا صدّقوا فيها زادهم الصلاة، فلمّا صدّقوا زادهم الصيام، فلمّا صدّقوا زادهم الزّكاة، فلمّا صدّقوا زادهم الحجّ، ثمّ زادهم الجهاد، ثمّ أكمل لهم دينهم بذلك، وقوله تعالى: ﴿ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم﴾ أي تصديقاً بشرائع الإيمان مع تصديقهم بالإيمان. وقال الضحاك: يقيناً مع يقينهم، وقال الكلبي: هذا في أمر الحديبية حين صدق الله رسوله الرؤيا بالحقّ. ﴿وَللهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ أخبرنا عبيدالله بن محمّد الزاهد، أخبرنا أبو العبّاس السرّاج، حدّثنا محمّد بن عبدالله بن المبارك، حدّثنا يونس بن محمّد، حدّثنا شيبان، عن قتادة في قوله سبحانه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ قال أنس بن مالك: إنّها نزلت على النبيّ وَلِّ بعد مرجعه من الحديبية، وأصحابه مخالطو الحزن والكآبة، قد حيل بينهم وبين مناسكهم ونحروا بالحديبية، فقال النبي وَلير: (لقد أُنزلت عليَّ آية هي أحبُّ إليَّ من الدُّنيا جميعاً)) [٢٨](١) فقرأها على أصحابه، فقالوا: هنيئاً مريئاً يا رسول الله، قد بيّن الله تعالى ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ قال أهل المعاني: وإنّما كرّر (اللام) في قوله: ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات﴾ بتأويل تكرير الكلام مجازه ﴿إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر﴾ إنّا فتحنا لك ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّات تجري من تحتها الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً * وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أي لن ينصر الله محمّداً وَل والمؤمنين. ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بالذلّ والعذاب ﴿وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً * وَللهِ جُنُودُ السَّمْوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو أربعتها (بالياء) واختاره أبو عبيد، قال: لذكر الله المؤمنين قبله، وبعده، فأمّا قبله فقوله تعالى: ﴿في قلوب المؤمنين﴾ وبعده قوله: ﴿إِنَّ الّذين يبايعونك﴾ وقرأها الآخرون (بالتاء) واختاره أبو حاتم. ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ وقرأ محمّد بن السميقع (بزايين)، وغيره (بالراء) أي لتعينوه، وتنصروه. قال (١) مسند أحمد: ٢١٥/٣؛ صحيح مسلم: ١٧٦/٥. ٤٤ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي عكرمة: تقاتلون معه بالسيف، أخبرنا علي بن محمّد بن محمّد بن أحمد البغدادي، أخبرنا أبو محمّد عبدالله بن محمّد الشيباني، أخبرنا عيسى بن عبدالله البصري بهراة، حدّثنا أحمد بن حرب الموصلي، حدّثنا القاسم بن يزيد الحرمي، حدّثنا سفيان بن سعيد الثوري، عن يحيى بن سعيد القطان، حدّثنا سفيان بن عينية، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبدالله، قال: لمّا نزلت على النبيّ ◌َِّ ﴿وتعزّروه﴾، قال لنا: ماذا كُم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: لتنصروه وَتُوَقِّرُوهُ وتعظّموه وتفخموه. وهاهنا وقف تام. ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ أي وتسبحوا اللـه بالتنزيه والصلاة. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَّا يُبَايِعُونَ اللَّهَ بَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ثَمَنْ تَكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِةٍ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَّهُ اَللَّهَ فَسَيُؤْمِهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠) سَيَقُولُ لَكَّ أَلْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَلَنَّا وَأَهْلُوْنَا فَأَسْتَغْفِرْ لَنَاْ يَقُولُونَ بِأَلِّنَتِهِمِ مَّا لَيْسَ فِ قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَعْلِكُ لَكُمْ مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَدَ بِكُمْ ضَرَّا أَوْ أَرَّدَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَنَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَِّدًّا ﴿ بَلَ ظَنَّنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنقَّلِبُ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَ أَهْلِهِمْ أَبَدًّا وَزُيْنَ ذَلِكَ فِ قُوِكُمْ وَظَتُمْ لَنَ اَلَّوْءِ وَسِكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٦) وَمَن لَّمْ يُؤْمِّنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنََّ أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا زَحِيمًا (٤) سَيَقُولُ الْمُخَلَّقُونَ إِذَا أَنْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَّمْكُمْ بُرِيدُونَ أَنْ يَُدِّلُواْ كَمَ اللَّهِ قُل لَّنْ تَشَِّعُونَّا كَذَلِكُمْ قَالَ أَلَهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْمُدُ ونَنَّأْ بَلْ كَانُواْ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿ قُل لِلْمُعَلَّفِينَ مِنَّ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ نُقَدِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونٌّ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ اَهُ أَجْرًا حَسَنَا وَإِنْ تَتَوَلَّوْ كَمَا تَوَلَيُّ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَيْمًا (٨٦) لَيَْ عَلَى الْأَحْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَمْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرْجُ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ بُدْخِلْهُ جَنَّتٍ تَّخْرِىٍ مِنْ نَحْتِهَا الْأَنْهَرٌ وَمَنْ يَتَوَلَّ بُعَذِّبَهُ عَذَابًا أَيْمَ لَا ﴿ لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِينَ إِذْ يُبَابِعُونَكَ تَّحْتَّ الشَّجَرَةَ فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَنْحًا فَرِيبًا (٣٨) وَمَغَائِمَ كَثِيرَةً بَأْخُذُونَهَا وَكَانَ الْلَهُ عَزِيزًا حَكِنَا () وَعَدَّكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ، وَكَفَّ أَبْدِىَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ مَايَةٌ لِلْمُؤْمِينَ وَبَهْدِيَّكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٣) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِّرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَ اَللَّهُ بِهَا وَكَانَ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا ( ٢٢١ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَابِعُونَكَ﴾ يا محمّد بالحديبية على أن لا يفروا ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ﴾. أخبرنا ابن منجويه، حدّثنا ابن حبش المقري، حدّثنا محمّد بن عمران، حدّثنا أبو عبدالله المخزومي، حدّثنا سفيان بن عينية، عن عمرو بن دينار إنّه سمع جابراً يقول: كنّا يوم الحديبية ألف وأربعمائة، فقال لنا رسول الله وَله: ((أنتم اليوم خير أهل الأرض)) [٢٩](١). قال: وقال لنا (١) صحيح البخاري: ٦٣/٥؛ صحيح مسلم: ٢٦/٦. ٤٥ سورة الفتح، الآيات: ١٠ - ٢١ جابر: لو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة، وقال: بايعنا رسول الله تحت السمّرة على الموت على أن لا نفرّ، فما نكث أحد منّا البيعة، إلاّ جد بن قيس وكان منافقاً، اختبأ تحت أبط بعيره، ولم يسر مع القوم. ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال ابن عبّاس: ﴿يد الله﴾ بالوفاء لما وعدهم من الخير ﴿فوق أيديهم﴾ بالوفاء. وقال السدي: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ وذلك إنّهم كانوا يأخذون بيد رسول الله وَال ويبايعونه، و ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ عند المبايعة. وقال الكلبي: معناه نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البيعة، وقال ابن كيسان: قوّة الله ونصرته فوق قوّتهم ونصرتهم. ﴿فَمَنْ نَكَثَ﴾ يعني البيعة ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ عليه وباله ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ﴾ قرأ أهل العراق (بالياء)، وغيرهم (بالنون). ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ وهو الجنّة ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنْ الأَعْرَابِ﴾ قال ابن عبّاس ومجاهد: يعني أعراب غفار، ومزينة، وجهينة، وأشجع، وأسلم، والديك، وذلك أنّ النبيّ ◌َّل حين أراد المسير إلى مكّة عام الحديبية معتمراً استنفر من حول المدينة من الأعراب، وأهل البوادي ليخرجوا معه حذراً من قريش أن يعرضوا له بحرب ويصدّوه عن البيت، وأحرم هو رَّة، وساق معه الهدي ليعلم النّاس أنّه لا يريد حرباً، فتثاقل عنه كثير من الأعراب، وقالوا: نذهب معه إلى قوم، قد جاؤوه، فقتلوا أصحابه، فنقاتلهم، فتخلّفوا عنه. واعتلُّوا بالشغل، فأنزل الله تعالى: ﴿سيقول لك المخلَّفون من الأعراب﴾ الذين خلّفهم الله عن صحبتك، وخدمتك في حجّتك، وعمرتك إذا انصرفت إليهم، فعاتبتهم على التخلّف عنك. ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ ثمّ كذّبهم في اعتذارهم واستغفارهم وأخبر عن إسرارهم وإضمارهم، فقال: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللـهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرَا﴾ قرأ حمزة والكسائي وخلف بضمّ (الضاد) والباقون بالفتح، واختاره أبو عبيد، وأبو حاتم، قالا: لأنّه قابله بالنفع ضدّ الضرّ. ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً * بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ وذلك بأنّهم قالوا: إنَّ محمّداً وأصحابه أكلة رأس فلا يرجعون، فأين تذهبون؟ انتظروا ما يكون من أمرهم. ﴿وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ هالكين، فاسدين، لا تصلحون لشيء من الخير. ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً * ولله مُلْكُ السَّمُوَاتِ وَالأرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً سَيَقُولُ الْمُخَلَّقُونَ﴾ عن الحديبية ﴿إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ﴾ يعني غنائم خيبر ﴿لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَِّعْكُمْ﴾ إلى خيبر فنشهد معكم، فقال أهلها: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا ٤٦ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي كَلاَمَ اللهِ﴾ قرأ حمزة والكسائي (كلم الله) بغير (ألف)، وغيرهم (كلام الله)، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قال الفرّاء: الكلام مصدر، والكلم جمع الكلمة، ومعنى الآية يريدون أن يغيّروا وعد الله الذي وعد أهل الحديبية، وذلك أنّ الله تعالى جعل غنائم خيبر لهم عوضاً من غنائم أهل مكّة، إذا انصرفوا عنهم على صلح، ولم يصيبوا منهم شيئاً، وقال ابن زيد: هو قوله تعالى: ﴿فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدوّاً﴾(١). والقول الأوّل أصوب، وإلى الحقّ أقرب، لأنّ عليه عامّة أهل التأويل، وهو أشبه بظاهر التنزيل لأنّ قوله: ﴿فقل لن تخرجوا معي أبداً﴾ نزلت في غزوة تبوك. ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾ إلى خيبر. ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل مرجعنا إليكم: إنّ غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ليس لغيرهم فيها نصيب . ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ أن نصيب معكم من الغنائم. ﴿بَلْ كَانُوا لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلا قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الأعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْم أُوْلِي بَأْس شَدِيد﴾ قال ابن عبّاس، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومجاهد: هم فارس. كعب: الروم. الحسن: فارس، والروم. عكرمة: هوازن. سعيد بن جبير: هوازن، وثقيف. قتادة: هوازن وغطفان يوم حنين. الزهري، ومقاتل: بنو حنيفة أهل اليمامة، أصحاب مُسيلمة الكذّاب. قال رافع بن جريج: والله لقد كنّا نقرأ هذه الآية فيما مضى ﴿ستدعون إلى قوم أُولي بأس شديد﴾ فلا نعلم من هم حتّى دعا أبو بكر ظُبه إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أنّهم هم، وقال أبو هريرة: لم تأت هذه الآية بعد. ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ قرأ العامّة يسالمون في محل الرفع عطفاً على قوله: ﴿تقاتلونهم﴾، وفي حرف أبي (أو يسلموا) بمعنى حتّى يسلموا، كقول امرئ القيس: أو يموت فنعذرا . ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمْ اللهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَّلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني عام الحديبية ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ وهو النّار. قال ابن عبّاس: فلمّا نزلت هذه الآية قال أهل الزمانة: فكيف بنا رسول الله؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ﴾ في التخلّف عن الجهاد، والقعود عن الغزو. ﴿وَلاَ عَلَى الأَعْرَجُ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ في ذلك. ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً﴾ قرأ أهل المدينة والشام (يدخله) (ويعذّبه) فيهما (بالنون) فيهما وقرأ الباقون (بالياء) فيهما، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قالا : لِذِكر الله تعالى قبل ذلك. (١) سورة التوبة: ٨٣. ٤٧ سورة الفتح، الآيات: ١٠ - ٢١ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَابِعُونَكَ﴾ بالحديبية على أن يناجزوا قريشاً، ولا يفروا. ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ وكانت سمرة، ويروى أنّ عمر بن الخطّاب وظُله مرّ بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة، فقال: أين كانت؟ فجعل بعضهم يقول: هاهنا، وبعضهم هاهنا، فلمّا كثر اختلافهم قال: سيروا، هذا التكلف، وقد ذهبت الشجرة، أما ذهب بها سيل وأمّا شيء سوى ذلك. وكان سبب هذه البيعة أنّ رسول الله وَّل، دعا خراش بن أمية الخزاعي، فبعثه إلى قريش بمكّة، وحمله على جمل له يقال له: الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له، وذلك حين نزل الحديبية. فعقروا له جمل رسول الله وَ﴾، وأرادوا قتله فمنعه الأحابيش، فخلّوا سبيله حتّى أتى رسول الله، فدعا رسول الله (عليه السلام) عمر بن الخطاب رضيالله ليبعثه إلى مكّة، فقال: يا رسول الله إنّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكّة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إيّاها، وغلظتي عليهم، ولكنّ أدُّلك على رجل هو أعزّ بها منّي، عثمان بن عفّان، فدعا رسول الله عثمان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنّه لم يأت لحرب، وإنّما جاء زائراً لهذا البيت، معظّماً لحرمته، فخرج عثمان إلى مكّة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكّة، أو قبل أن يدخلها، فنزل عن دابّته وحمله بين يديه، ثمّ ردفه وأجازه حتّى بلّغ رسالة رسول الله وسلم فقال عظماء قريش لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتّى يطوف به رسول الله. فاحتبسته قريش عندهم، فبلغ رسول الله وَ ل﴾، والمسلمين أنّ عثمان قد قُتل، فقال رسول الله: ((لا نبرح حتّى نناجز القوم))(١). ودعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله على الموت، وقال بكير بن الأشج: بايعوه على الموت، فقال رسول الله (عليه السلام): ((بل على ما استطعتم)) [٣٠](٢). وقال عبدالله بن معقل: كنت قائماً على رأس رسول الله وسل* ذلك اليوم، وبيدي غصن من السمرة، أذبّ عنه، وهو يبايع النّاس، فلم يبايعهم على الموت، وإنّما بايعهم على أن لا يفرّوا، وقال جابر بن عبدالله: فبايع رسولَ الله ◌َ ل﴿ النّاس ولم يتخلّف عنه أحد من المسلمين حضرها إلاّ الجد بن قيس أخو بني سلمة، لكأنّي أنظر إليه لاصقاً بإبط ناقته مستتر بها من النّاس. وكان أوّل من بايع بيعة الرضوان رجل من بني أسد يقال له: أبو سنان بن وهب. ثمّ أتى رسول الله ◌َ﴿ إنّ الّذي ذُكر من أمر عثمان باطل، واختلفوا في مبلغ عدد أهل بيعة الرضوان، فروى شعبة، عن عمرو بن مُرّة، قال: سمعت عبدالله بن أبي أوفى يقول: كنّا يوم الشجرة ألف وثلاثمائة، وكانت أسلم يومئذ من المهاجرين. (١) البداية والنهاية: ١٩١/٤. (٢) تفسير الطبري: ١١٢/٢٦؛ وعيون الأثر: ١١٩/٢. ٤٨ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي وقال قتادة: كانوا خمسة عشر ومائة. وروى العوفي عن ابن عبّاس، قال: كان أهل البيعة تحت الشجرة ألفاً وخمسمائة وخمسة وعشرون. وقال آخرون: كانوا ألفً وأربعمائة. أخبرنا الحسين بن محمّد بن منجويه، حدّثنا علي بن أحمد بن نصرويه، حدّثنا أبو عمران موسى بن سهل بن عبد الحميد الخولي، حدّثنا محمّد بن رمح، حدثنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله، عن رسول الله وَ ل. قال: ((لا يدخل النّار أحدٌ ممّن بايع تحت الشجرة)) [٣١](١). ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الصدق، والصبر، والوفاء. ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ وهو خيبر ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ وكانت خيبر ذات عقار وأموال. فاقتسمها رسول الله بينهم. ﴿وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً وَعَدَكُمْ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ وهي الفتوح التي تفتح لهم إلى يوم القيامة ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ يعني يوم خيبر. ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ أهل مكّة عنكم بالصلح، وقال قتادة: يعني وكفّ اليهود من خيبر، وحلفاءهم من أسد، وغطفان، عن بيضتكم، وعيالكم، وأموالكم بالمدينة، وذلك أنّ مالك بن عوف النصري، وعيينة بن حصن الفزاري، ومن معهما من بني أسد وغطفان جاءوا لنصرة أهل خيبر فقذف الله تعالى في قلوبهم الرعب فانصرفوا . ﴿وَلِتَكُونَ﴾ هزيمتهم، وسلامتكم ﴿آَيَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ليعلموا أنّ الله هو المتولّي حياطتهم، وحراستهم في مشهدهم ومغيبهم. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ طريق التوكّل، والتفويض حتّى تتقوا في أموركم كلّها بربّكم، وتتوكّلوا عليه، وقيل: يثبتكم على الإسلام، ويزيدكم بصيرة ويقيناً بصلح الحديبية، وفتح خيبر، وذلك أنّ رسول الله وَّي لما رجع من غزوة الحديبية إلى المدينة، أقام بها بقيّة ذي الحجّة، وبعض المحرم، ثمّ خرج في بقيّة المحرم سنة سبع إلى خيبر، واستخلف على المدينة سماع بن عرفطة الغفاري. أخبرنا عبدالله بن محمّد بن عبدالله الزاهد، قرأه عليه، أخبرنا أبو العبّاس محمّد بن إسحاق السرّاج، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا عثمان بن عمر، أخبرنا ابن عون، عن عمرو ابن سعيد، عن أنس بن مالك، أخبرنا عبيدالله بن محمّد، أخبرنا أبو العبّاس السرّاج، حدّثنا عبد الأعلى بن حمّاد أبو يحيى الباهلي، حدّثنا يزيد بن زريع، حدّثنا عن ابن أبي عروبة، قال: أخبرنا عبيدالله بن محمّد، حدّثنا أبو العبّاس السرّاج، حدّثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدّثنا روح، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، قال: كنت رديف أبي طلحة يوم أتينا خيبر، فصبّحهم (١) مسند أحمد: ٣٥٠/٣؛ وسنن أبي داود: ٤٠٢/٢. ٤٩ سورة الفتح، الآيات: ١٠ - ٢١ رسول الله ◌َ وقد أخذوا مساحيهم، وفؤوسهم، وغدوا على حرثهم، وقالوا: محمّد والخميس. فقال رسول الله: ((الله أكبر هلكت(١) خيبر، إنّا إذا نزلنا ساحة(٢) قوم فساء صباح المنذرين)) [٣٢](٣). ثمّ نكصوا، فرجعوا إلى حصونهم. أخبرنا عبيدالله بن محمّد بن عبدالله بن محمّد، حدّثنا أبو العبّاس السرّاج، حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع. وأخبرنا عبيدالله بن محمّد، أخبرنا أبو العبّاس السرّاج، حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدّثنا النضر بن محمّد، حدّثنا عكرمة بن عمّار، حدّثنا سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: وحدّثت عن محمّد بن جرير، عن محمّد بن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن رحالة، قال: وعن ابن جرير، حدّثنا ابن بشار، حدّثنا محمّد بن جعفر، حدّثنا عوف، عن ميمون أبي عبدالله، عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه، دخل حديث بعضهم في بعض، قالوا: خرجنا مع رسول الله و 98 إلى خيبر يسير بنا ليلاً، وعامر بن الأكوع معنا، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هينهاتك؟ وكان عامر شاعراً فنزل يحدو بالقوم وهو يرجز لهم: ولا تصدّقنا ولا صلّينا اللهُمَّ لولا أنتَ ما اهتدينا ونحن عن فضلك ما استغنينا انّ الذين هم بغوا علينا وثبّت الأقدام إن لاقينا فاغفر فداء لك ما اقتفينا إنّا إذا صيح بنا أتينا (٤) وألقيَنْ سكينةً علينا فقال رسول الله وَله: ((مَنْ هذا؟)). قالوا: عامر بن الأكوع. فقال: ((غفر لك ربّك)). فقال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لو امتعتنا به. وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) ما استغفر قطّ لرجل يخصّه إلاّ استشهد. قالوا: فلمّا قدمنا خيبر وتصافّ القوم، خرج يهودي، فبرز إليه عامر، وقال: قد علمت خيبر إنّي عامر شاك السلاح بطل مغامر(٥) فاختلفا ضربتين، فوقع سيف اليهودي في ترس عامر، ووقع سيف عامر عليه، وأصاب ركبة نفسه، وساقه، فمات منها، قال سلمة بن الأكوع: فمررت على نفر من أصحاب رسول (١) في المصدر: خربت بدلاً من ((هلكت)). (٢) في المصدر: بساحة بدلاً من ((ساحة)). (٣) سنن النسائي: ١٣٢/٦؛ مسند أحمد: ١٠٢/٣. (٤) صحيح البخاري: ٥ / ٧٢ و ٧ / ١٠٧؛ وصحيح مسلم: ٥ / ١٨٦. (٥) مسند أحمد: ٥٢/٤. ٥٠ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي الله ◌َّ وهم يقولون: بطل عمل عامر، فأتيت نبي الله وأنا شاحب أبكي، فقلت: يا رسول الله أبطلَ عمل عامر؟ فقال: ((ومَنْ قال ذاك؟)) قلت: بعض أصحابك. قال: ((كذب من قال، بل له أجره مرّتين، إنّه لجاهد مجاهد)) [٣٣]. قال: فحاصرناهم حتّى أصابتنا مخمصة شديدة ثمّ إنّ الله تعالى فتحها علينا، وذلك أنّ رسول الله ﴾ أعطى اللواء عمر بن الخطّاب، ونهض من نهض معه من الناس، فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر، وأصحابه، فرجعوا إلى رسول الله وَل يحينه أصحابه، ويحينهم، وكان رسول الله قد أخذته الشقيقة، فلم يخرج إلى النّاس، فأخذ أبو بكر راية رسول الله، ثمّ نهض فقاتل قتالاً شديداً، ثمّ رجع، فأخذها عمر، فقاتل قتالاً شديداً، وهو أشدّ من القتال الأوّل، ثمّ رجع، فأخبر بذلك رسول الله وَ﴾ فقال: ((أما والله لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله، ورسوله، ويحبّه الله، ورسوله يأخذها عنوة)) [٣٤](١). وليس ثَمّ علي، فلمّا كان الغد تطاول لها أبو بكر وعمر وقريش رجاء كلّ واحد منهم أن يكون صاحب ذلك، فأرسل رسول الله * سلمة بن الأكوع إلى علي، فدعاه، فجاء علي على بعير له حتّى أناخ قريباً من خباء رسول الله، وهو أرمد قد عصب عينيه بشقة برد قطري، قال سلمة: فجئت به أقوده إلى النبيّ ◌َير . فقال رسول الله: ((ما لكَ؟)). قال: رمدت. فقال: ((إدن منّي)) [٣٥]. فدنا منه فتفل في عينيه، فما وجعهما بعد حتّى مضى لسبيله، ثمّ أعطاه الراية، فنهض بالراية وعليه حلّة أُرجوان حمراء، قد أخرج حملها، فأتى مدينة خيبر، وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر معصفر، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يقول: شاكي السلاح بطلٌ مجرّب(٢) قد علمت خيبر أنّي مرحب وحيناً أضرب أطعن أحيانـاً كان حمائي كالحمى لا يقرب إذا الحروب أقبلت تلهّب فبرز إليه علي رغڅبه، وقال: كليثٍ غابات شديد قسوره(٣) أنا الّذي سمّتني أُمّي حيدره أكيلكم بالسيف كيل السندره فاختلفا ضربتين، فبدره علي، فضربه، فقدَّ الحجر والمغفرة، وفلق رأسه حتّى أخذ السيف (١) مسند أحمد: ٣٣٣/٥؛ صحيح البخاري: ٧٦/٥؛ وصحيح مسلم: ١٢١/٧ باختلاف يسير. (٢) البداية والنهاية: ٢١٣/٤؛ مسند أحمد: ٣٥٨/٥. (٣) البداية والنهاية: ٢١٣/٤. ٥١ سورة الفتح، الآيات: ١٠ - ٢١ في الأضراس، وأخذ المدينة، وكان الفتح على يديه، ثمّ خرج بعد مرحب أخوه ياسر بن نحر، وهو يقول : قد علمت خيبر أنّي ياسر شاكي السلاح بطل مغاور(١) وأحجمت عن صولتي المغاور إذا الليوث أقبلت تبادر إنّ حمائي فيه موت حاضر وهو يقول: هل من مبارز؟ فخرج إليه الزبير بن العوام، وهو يقول: قرم لقرم غير نكس فرار (٢) قد علمت خيبر أنّي زيار ياسر لا يغرزك جمع الكفّار ابن حماة المجدابن الأخيار وجمعهم مثل السراب الحبار فقالت أُمّه صفية بنت عبد المطلب: أيقتل ابني يا رسول الله؟ فقال: ((بل ابنك يقتله إن شاء الله)) ثمّ التقيا، فقتله الزبير، فقال أبو رافع مولى رسول الله وقيل: خرجنا مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله (عليه السلام) برايته، فلمّا دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من اليهود، فطرح ترسه من يده، فتناول علي باباً كان عند الحصن، فتترّس به عن نفسه، فلم يزل في يده، وهو يقاتل حتّى فتح الله تعالى عليه، ثمّ ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فما نقلبه(٣). ثمّ لم يزل رسول الله وَله يفتح الحُصون حُصناً حُصناً، ويجوز الأموال حتّى انتهوا إلى حُصن الوطيح والسلالم، وكان آخر حصون خيبر افتتح، فحاصرهم رسول الله وَّر بضع عشرة ليلة، فلمّا أمسى النّاس يوم الفتح أوقدوا نيراناً كثيرة، فقال رسول الله: ((على أيّ شيء توقدون؟)) قالوا: على لحم، قال: ((على أيّ لحم؟)) قالوا: لحم الحمر الأنسية. فقال رسول الله وَّل: ((اهريقوها واكسروها(٤)). فقال رجل: أَوَ نهرّقها ونغسلها؟ فقال: ((أو ذاك)) [٣٦](٥). قال ابن إسحاق: ولمّا افتتح رسول الله (عليه السلام) القموص حصن بني أبي الحقيق أتى رسول الله وَ﴿ بصفية بنت حي بن أحطب، وبأُخرى معها، فمرّ بهما بلال، وهو الذي جاء بهما على قتلى من قُتل من اليهود، فلمّا رأتهما التي مع صفية، صاحت، وصكّت وجهها، وحثت (١) تاريخ الطبري: ٢٩٩/٢ ط. الأعلمي. (٢) المصدر السابق: ٣٠٠/٢. (٣) تاريخ الطبري: ٣٠١/٢. في المصدر: اكسروها وأحرقوها بدلاً من ((اهريقوها واكسروها)). (٤) (٥) صحيح البخاري: ١٠٧/٣ . ٥٢ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي التراب على رأسها، فلمّا رآها رسول الله وَّيه، قال: أغربوا عنّي هذه الشيطانة)). وأمر بصفية، فجرت خلفه وألقى عليها رداءه، فعلم المسلمون أنّ رسول الله قد اصطفاها لنفسه. فقال رسول الله هل لبلال لمّا رأى من تلك اليهودية ما رأى: ((أَنُزعت منك الرحمة يا بلال حيث تمرّ بامرأتين على قتلى رجالهما؟)) وكانت صفية قد رأت في المنام، وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق أنّ قمراً وقع في حجرها، فعرضت رؤيتها على زوجها، فقال: ما هذا إلّ أنّك تمنين مَلِك الحجاز محمّداً، فلطم وجهها لطمة اخضّرت عينها منها، فأتت رسول اللهِ وَلّ وبها أثر منها. فسألها: ((ما هو؟)) فأخبرته هذا الخبر، وأتى رسول الله بزوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وكان عنده كنز بني النضير، فسأله، فجحده أن يكون يعلم مكانه، فأتى رسول الله برجل من اليهود، فقال لرسول الله (عليه السلام): إنّي قد رأيت كنانة يطيف هذه الخزنة كلّ غداة، فقال رسول الله لكنانة: ((أرأيت إن وجدناه عندك أقتلك)). قال: نعم. فأمر رسول اللـه ◌َ ﴿ بالخزنة، فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثمّ سأله ما بقي، فأبى أن يؤدّيه، فأمر به رسول الله الزبير بن العوّام. فقال: ((عذّبه حتّى تستأصل ما عنده) [٣٧](١). فكان الزبير يقدح بزنده في صدره حتّى أشرف على نفسه، ثمّ دفعه رسول الله إلى محمّد ابن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة، وكانت اليهود ألقت عليه حجراً عند حصن ناعم، فقتله، كان أوّل حصن افتتح من حصون خيبر. قالوا: فلمّا سمع أهل فدك بما صنع رسول الله وَ ل﴿ بخيبر، بعثوا إلى رسول الله أن يسترهم ويحقن لهم دماءهم ويخلّوا له الأموال، ففعل، ثمّ إنّ أهل خيبر سألوا رسول الله أن يعاطيهم الأموال على النصف ففعل على إنّا إن شئنا فخرجنا أخرجناكم، وصالحه أهل فدك على مثل ذلك، وكانت خيبر فيئاً للمسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله (عليه السلام) لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب. فلما اطمئنّ رسول الله ﴿ ﴿ أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم، شاة مصلية، وقد سألت، أي عضو من الشاة أحبّ إلى رسول الله وَ ﴿؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها السمّ، وسمّت سائر الشاة، ثمّ جاءت بها، فلمّا وضعتها بين يدي رسول الله، تناول الذراع، فأخذها، فلاك منها مضغة، فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور، وقد أخذ منها كما أخذ منها رسول الله، فأما بشر فأساغها، وأمّا رسول الله فلفظها، ثمّ قال: ((إنّ هذا العظم ليخبرني أنّه مسموم)). ثمّ دعاها، فاعترفت، فقال: ((ما حملك على ذلك؟)) قالت: بلغت من (١) تاريخ الطبري: ٢ / ٣٠٢، والبداية والنهاية: ٢٢٤/٤. ٠ ٥٣ سورة الفتح، الآيات: ٢٢ - ٢٧ قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان نبيّاً فسيخبر، وإن كان ملكاً استرحت منه. قال: فتجاوز عنها رسول الله وَس* ومات بشر بن البراء من أكلته التي أكل. قال: ودخلت أُم بشر بن البراء على رسول الله وَلّ تعوده في مرضه الذي توفى فيه، فقال: ((يا أُمّ بشر ما زالت أكلة خيبر التي أكلت بخيبر مع ابنك تعادني، فهذا أوان انقطاع أبهري)) [٣٨](١) . وكان المسلمون يرون أنّ رسول الله مات شهيداً مع ما أكرمه الله تعالى به من النبوّة. ﴿وَأُخْرَى﴾ أي وعدكم فتح بلدة أُخرى. ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا﴾ حتّى يفتحها عليكم، وقال ابن عبّاس: علم الله أنّه يفتحها لكم. واختلفوا فيها، فقال ابن عبّاس وعبد الرّحمن بن أبي ليلى والحسن ومقاتل: هي فارس والروم. وقال الضحّاك وابن زيد وابن إسحاق: هي خيبر، وعدها الله تعالى نبيّه قبل أن يصيبها، ولم يكونوا يذكرونها ولا يرجونها، حتّى أخبرهم الله تعالى بها. وهي رواية عطية، وماذان، عن ابن عبّاس، وقال قتادة: هي مكّة. عكرمة: هي خيبر. مجاهد: ما فتحوا حتّى اليوم. ﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾. وَلَوْ فَتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَّوُاْ الْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا تَصِبْرًا (٣) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِى فَدْ خَلَتْ مِن قَبْلٌ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّهِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٣٦) وهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيَدِيَّهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَّكُمْ عَنْهُمْ يَظْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَلْفَرَّكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ أَلَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيًّا (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ رَصَذُوكُمْ عَنِ الْمَسَّجِدِ الْحَرَِّ وَالْهَدِّئَ مَعْكُوْنَا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَةٌ مُؤْمِنَتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ مَصِيبَكُمْ مِنْهُم مَعَزَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَيُدْخِلَ اَللَّهُ فِ رَحْمَيْهِ، مَن يَشَاءٍ لَوْ تَزَّلُواْ لَعَذَّبَا الَّذِيْنَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِمًا إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الَْمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَهِلِيَّةِ فَأَنَزَّلَ اللَّهُ سَحِيْنَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَىَ الْمُؤْمِينَ وَأَلْزَّمَهُمْ حِكَلِمَةَ النَّقْوَى وَكَانُوَاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا (٣٦) لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّهَيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَمِنِينَ مُحَلَفِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصْرِينَ ٢٧ لَا تُحَافُونٌ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا فَرِيبًا ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني أسد، وغطفان، وأهل خيبر، وقال قتادة: يعني كفّار قريش ﴿لَوَّلَّوْا الأدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً سنَّةَ اللهِ﴾ أي كسنّة الله ﴿الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ في نصرة أوليائه، وقهر أعدائه ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا * وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَظْنِ مَكَّةً﴾ وهو الحديبية ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١) البداية والنهاية: ٢٤٠/٤. ٥٤ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي بَصِيراً﴾ (الياء) أبو عمرو، وغيره (بالتاء)، واختلفوا فيهم، فقال أنس: إنّ ثمانين رجلاً من أهل مكّة هبطوا على رسول الله وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر عام الحديبية ليقتلوهم، فأخذهم رسول الله سلماً، وأعتقهم، فأنزل الله تعالى: ﴿هو الذي كفَّ أيديهم عنكم﴾ ... الآية. عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: إنّ قريشاً كانوا بعثوا أربعين رجلاً منهم أو خمسين، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله عام الحديبية ليصيبوا من أصحابه أحداً، وأُخذوا أخذاً، فأتى بهم رسول الله وَّر فعفا عنهم، وخلّى سبيلهم، وقد كانوا يرمون عسكر رسول الله وَله بالحجارة، والنّبل فأنزل الله تعالى: ﴿وهو الذي كفّ أيديهم عنكم﴾ ... الآية. وقال عبدالله بن المغفل: كنّا مع النبيّ وَّر بالحديبية في أصل الشجرة وعلى ظهره غصنٌ من أغصان تلك الشجرة، فرفعته عن ظهره، وعليّ بن أبي طالب بين يديه يكتب كتاب الصُلح، وسهيل بن عمرو، فخرج علينا ثلاثون شابّاً عليهم السّلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا رسول الله (عليه السلام)، فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم، فأخذناهم، فخلّى عنهم رسول الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية [٣٩](١). وقال مجاهد: أقبل نبي الله ﴾ معتمراً، وأخذ أصحابه ناساً من أهل الحرم غافلين، فأرسلهم النبيّ ◌َ﴿ فذلك الإظفار ببطن مكّة، وقال قتادة: ذُكر لنا أنَّ رجلاً من أصحاب رسول الله يقال له: زنيم اطّلع الثنية من الحديبيّة، فرماه المشركون بسهم، فقتلوه، فبعث رسول الله خيلاً، فأتوا باثني عشر فارساً من الكفّار، فقال لهم نبيّ الله: ((هل لكم عليَّ عهد؟ هل لكم عليّ ذمّة؟)) [٤٠]. قالوا: لا، فأرسلهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال ابن ايزي، والكلبي: هم أهل الحديبية، وذلك أنّ النبيّ ◌َُّ لمّا خرج بالهدي وانتهى إلى ذي الحليفة، فقال له عمر رضيله: يا نبي الله تدخل على قوم لك حرب بغير سلاح، ولا كراع؟ قال: فبعث إلى المدينة، فلم يدع فيها كراعاً ولا سلاحاً إلاّ حمله، فلمّا دنا من مكّة منعوه أن يدخل، فسار حتّى أتى منى، فنزل منى، فأتاه عينه أنّ عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة، فقال لخالد بن الوليد: ((يا خالد هذا ابن عمّك قد أتاك في الخيل)) [٤١]. فقال خالد: أنا سيف الله، وسيف رسوله، يا رسول الله، أرم بي حيث شئت، فيومئذ سمّي سيف الله، فبعثه على خيل، فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتَّى أدخله حيطان مكّة، ثمّ عادوا في الثانية، فهزمه حتّى أدخله حيطان مكّة، ثمّ عادٍ في الثالثة فهزمه حتّى أدخله حيطان مكّة، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وهو الذي كفَّ أيديهم عنكم) إلى قوله: ﴿عذاباً أليما﴾ فكفّ النبيّ ◌َّ لبقايا من المسلمين كانوا بقوا فيها من بعد أن أظفره عليهم كراهية، أن تطأهم (١) تفسير القرطبي: ٢٨١/١٦. ٥٥ سورة الفتح، الآيات: ٢٢ - ٢٧ الخيل بغير علم، وذلك قوله تعالى: ﴿هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْىَ مَعْكُوفاً﴾ محبوساً. أي وصدّوا الهدي معكوفاً محبوساً [٤٢](١). منحره، وكان سبعين بدنة، روى الزهيري، عن عروة بن الزبير، عن 13 يَبْلَغَ مَحِلە﴾ C المسوّر بن مخرمة، ومروان بن الحكم، قالا: خرج رسول الله وقليل من المدينة عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالاً، وساق معه سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كلّ بدنة عن عشرة نفر، فلمّا بلغ ذا الحليفة، تنامى إليه النّاس، فخرج في بضع عشرة مائة من أصحابه، حتّى إذا كانوا بذي الحليفة قّد الهدي، وأشعره، وأحرم بالعمرة، وكشف بين يديه عيناً من خزاعة يخبره عن قريش. وسار النبيّ وَّ حتّى إذا كان بغدير الأشطاط، قريباً من عسفان أتاه عينه الخزاعي، فقال: إنّي تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي، قد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك، وصادّوك عن البيت، فقال النبي وَله: ((أشيروا عليَّ، أترون أن نميل على ذراري هؤلاء الّذين عاونوهم فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين، وان نجوا تكن عنقاً قطعها الله أو ترون أن نأمّ البيت، فمن صدّنا عنه قاتلناه)). فقام أبو بكر رضيُه، فقال: يا رسول الله إنّا لم نأت لقتال أحد، ولكن من حال بيننا، وبين البيت قاتلناه، فقال رسول الله (عليه السلام): ((فروحوا إذاً)). وكان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحداً قط أكثر مشاورة لأصحابه من النبيّ بَّرُ، فراحوا حتّى إذا كانوا بعسفان، لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال له: يا رسول الله هذه قريش، قد سمعوا بسيرك، فخرجوا ومعهم العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود المنون، ونزلوا بذي طوى، يحلفون بالله لا يدخلها عليهم أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدّموها إلى كراع العميم. وقد ذكرت قول من قال: إنّ خالد بن الوليد يومئذ كان مع رسول الله وَله مسلماً، فقال رسول الله (عليه السلام): ((يا ويح قريش، قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب؟ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوّة، فما تظنّ قريش، فوالله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله به حتّى يظهره الله، أو تنفرد هذه السّالفة)) [٤٣] (٢). ثمّ قال: ((مَن رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها))، فقال رجل من أسلم: أنا يا رسول الله. فخرج على طريق وعر حزن بين شعاب، فلمّا خرجوا منه، وقد شقّ ذلك على المسلمين وأفضى إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله وَم للناس: «قولوا: (١) جامع البيان للطبري: ١٢٣/٢٦. (٢) مسند أحمد: ٣٢٣/٤؛ المعجم الكبير: ١٦/٢٠. ٥٦ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي نستغفر الله، ونتوب إليه)). ففعلوا، فقال: ((والله إنّها للحطّة التي عُرِضَت على بني إسرائيل، فلم يقولوها)) [٤٤](١). ثمّ قال رسول الله للنّاس: ((اسلكوا ذات اليمين)) في طريق يخرجه على ثنية المرار على مهبط الحديبية من أسفل مكّة. فسلك الجيش ذلك الطريق، فلمّا رأت خيل قريش فترة قريش وأنّ رسول الله قد خالفهم عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش ينذرونهم، وسار رسول الله وَ لو حتّى إذا سلك ثنية المرار بركت به ناقته، فقال النّاس: حل حل. فقال: ((ما حل؟)) قالوا: حلأت الفضول. فقال رسول الله وَالله: ((ما حلات، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل)). ثمّ قال: ((والّذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يعظمون بها حرمات الله، وفيها صلة الرحم إلاّ أعطيتهم إيّاها))، ثمّ قال للناس: ((انزلوا)) فنزلوا بأقصى الحديبية على بئر قليلة الماء، إنّما يتبرضه الناس تبرضاً، فلم يلبث الناس أن ترجوه، فشكا الناس إلى رسول الله ◌َلر العطش فنزع سهماً من كنانته، وأعطاه رجلاً من أصحابه يقال له: ناجية بن عمير بن يعمر بن دارم، وهو سائق بدن رسول الله [٤٥](٢)، فنزل في ذلك البئر، فغرزه في جوفه، فجاش الماء بالريّ، حتّى صدروا عنه، ويقال: إنّ جارية من الأنصار أقبلت بدلوها، وناجية في القليب يمتح على الناس، فقالت: : إنّي رأيت الناس يحمدونكا(٣) يا أيّها الماتح دلوي دونكا يثنون خيراً ويمجّدونكا فقال : أرجوك للخير كما يرجونكا أنّي أنا الماتح واسمي ناجية قد علمت جارية يمانية طعنتها عند صدور العادية وطعـنـة ذات رشاش واهـية قال: فبينا هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه، وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله وَّر من أهل تهامة، فقال: إنّي تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد نزلوا بعَداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك، وصادّوك عن البيت. فقال النبيّ وَِّ: ((إنّا لم نأتِ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإنّ قريشاً قد نهكتهم الحرب، وأضرّت بهم، فإن شاءوا ماددناهم مدة، ويخلّوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، وإن (١) تاريخ الطبري: ٢٧٣/٢؛ البداية والنهاية: ١٨٩/٤. (٢) مسند أحمد: ٣٢٣/٤؛ وصحيح البخاري: ١٧٨/٣ بتفاوت، وسنن أبي داود: ٦٢٩/١. (٣) البداية والنهاية: ١٨٩/٤. ٥٧ سورة الفتح، الآيات: ٢٢ - ٢٧ شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلاّ فقد حموا، فوالله لأُقاتلنّهم على أمري هذا، حتّى تنفرد سالفتي أو لينفذنّ الله أمره)) [٤٦](١). فقال بديل: سنبلغهم ما تقول. فانطلق حتّى أتى قريشاً، فقال: إنّا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤوهم: لا حاجة لنا في أن تحدّثنا بشيء عنه، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول كذا، وكذا. فحدّثهم بما قال النبيّ وَّر، فقام عروة بن مسعود الثقفي، فقال: أي قوم، ألستم بال الوالد؟ قالوا: بلى. قال: ألستُ بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتّهموني؟ قالوا: لا. قال: أفلستم تعلمون أنّي استنفرت أهل عُكاظ، فلمّا ألحّوا عليَّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإنّ هذا الرجل، قد عرض عليكم خطة رُشد فاقبلوها ودعوني آئته، قالوا: آتيه. فأتاه، فجعل يكلِّم النبيّ وَّر فقال النبي نحواً من مقالته لبديل، فقال عروة عند ذلك: يا محمّد، أرأيت إن استأصلت قومك، فهل سمعت بأحد من العرب استباح، - وقيل اجتاح - أصله قبلك؟ وإن تكن الأُخرى فوالله إنّي لأرى وجوهاً وأشواباً من الناس خُلقاً أن يفرّوا ويدعوك. فقال أبو بكر الصدِّيق ◌َظته: امصص بظر اللات - واللات طاغية ثقيف التي كانوا يعبدون - أنحن نفرّ وندعه؟ فقال: مَنْ هذا؟ قالوا: أبو بكر. فقال: أما والّذي نفسي بيده، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك، وجعل يكلِّم النبيّ ◌َ﴿ فكلّما كلّمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله، ومعه السيف وعلى رأسه المغفر، فكلّما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ◌ُّل ضرب يده بنعل السيف، وقال: أخّر يدك عن لحيته، فرفع عروة رأسه، فقال: مَنْ هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. قال: أي غدّار، أوَلستَ أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة قد صحب قوماً في الجاهلية، فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثمّ جاء فأسلم، فقال النبيّ وَّ: ((امّا الإسلام فقد قبلنا، وأمّا المال، فإنّه مال غدر لا حاجة لنا فيه)) [٤٧](٢). وإنّ عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله بعينه، فقال: والله لن يتنخم النبيّ وَّ نخامة إلّ وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها وجهه، وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون النظر إليه تعظيماً له. فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشي، والله إنْ رأيت مَلكاً يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمّد محمّداً، والله (١) السنن الكبرى: ٢١٩/٩؛ والمصنف: ٣٣٣/٥ بتفاوت، والمعجم الكبير: ١١/٢٠. (٢) سنن أبي داود: ٦٢٩/١؛ تاريخ الطبري: ٢٧٥/٢. ٥٨ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي إن يتنجم نخامة إلاّ وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها وجهه، وجلده، وإذا أمرهم أمراً ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر تعظيماً له، وإنّه قد عرض عليكم خطة رُشد فاقبلوها. فقال رجل من كنانة: دعوني آتيه. قالوا: أتيه. فلمّا أشرف على النبيّ وَّرُ وأصحابه، قال النبي: ((هذا فلان من قوم يعظّمون البُدن، فابعثوها له))(١) فبعثت له، واستقبله قوم يلبّون، فلمّا رأى ذلك، قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت، ثمّ بعثوا إليه الجليس بن علقمة بن ريان، وكان يومئذ سيّد الأحابيش، فلمّا رآه رسول الله قال ◌َ له: ((إنّ هذا من قوم يتألّهون، فابعثوا بالهدي في وجهه حتّى يراه))(٢) . فلمّا رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، قد أكل أوتاده من طول الحبس، رجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله - * إعظاماً لما رأى، فقال: يا معشر قريش، إنّي قد رأيت ما لا يحل صدّه، الهدي في قلائده، قد أكل أوتاده من طول الحبس عن محلّه، فقالوا له: اجلس، فإنّما أنت أعرابي لا علم لك، فغضب الجليس عند ذلك، فقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم أن تصدّوا عن بيت الله من جاءه معظّماً له، والذي نفس الجليس بيده، لتخلنّ بين محمّد، وبين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد، فقالوا له: كفّ عنّا يا جليس حتى نأخذ لأنفسنا بما نرضى به. فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلمّا أشرف عليهم، قال النبي وَّ ((هذا مكرز بن حفص، وهو رجل فاجر))، فجعل يكلِّم النبيّ وَلّ، إذ جاء سهيل بن عمرو فلما رآه النبيّ وَّر قال: ((قد سهل لكم أمركم، القوم يأتون إليكم بأرحامكم، وسائلوكم الصلح، فابعثوا الهدي وأظهروا التلبية لعلّ ذلك يليّن قلوبهم)»(٣) فلبّوا من نواحي العسكر حتّى ارتجّت أصواتهم بالتلبية، فجاءوا، فسألوا الصلح، وقال سهيل: هات نكتب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا رسول الله وعليه علي بن أبي طالب رُه فقال له: ((اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم)). فقال سهيل: أما الرّحمن فلا أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللَّهُم، كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلاّ بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبيّ وَّرِ لعليّ: ((اكتب باسمك اللَّهُم))، ثمّ قال: ((اكتب: هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله)). فقال سهيل: والله لو كنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال النبيّ ◌ٍَّ: ((والله إنّي لرسول الله وإن كذّبتموني)). ثمّ قال لعلي: ((امح رسول الله))، (١) مسند أحمد: ٣٣٠/٤؛ السنن الكبرى: ٢٢٠/٩. (٢) مسند أحمد: ٣٢٤/٤. (٣) كنز العمال: ٤٧٨/١٠. ٥٩ سورة الفتح، الآيات: ٢٢ - ٢٧ فقال: والله لا أمحوك أبداً، فأخذه رسول الله وليس يحسن يكتب، فمحاه، ثمّ قال: ((اكتب هذا ما قاضى عليه محمّد بن عبدالله سهيل بن عمرو، واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهنّ الناس ويكفّ بعضهم من بعض، وعلى أنّه من قدم مكّة من أصحاب محمّد حاجّاً أو معتمراً أو يبغي من فضل الله، فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة من قريش مجتازاً إلى مصر أو إلى الشام يبتغي من فضل الله، فهو آمن على دمه وماله، وعلى إنّه من أتى رسول الله من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشاً ممّن مع رسول الله لم يردّوه عليه)). فاشتدّ ذلك على المسلمين، فقال رسول الله (عليه السلام): ((من جاءهم منّا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فلو علم الله الإسلام من قلبه جعل له مخرجاً، وإنّ بيننا عيبة مكفوفة، وإنّه لا أسلال، ولا أغلال، وإنّه من أحبّ أن يدخل في عقد محمّد، وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش، وعهدهم دخل فيه) [٤٨](١). فتواثبت خزاعة، فقالوا: نحن فى عقد محمّد وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. فقال النبي ولو: ((وعلى أن يخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به)). فقال سهيل: ولا يتحدّث العرب إنّا أخذتنا ضغطة، ولكن لك ذلك من العام المقبل، فكتب: وعلى إنّك ترجع عنّا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكّة، فإذا كان عام قابل خرجنا عنها لك، فدخلتها بأصحابك، فأقمت فيها ثلاثاً، ولا تدخلها بالسّلاح إلاّ السيوف في القراب، وسلاح الراكب، وعلى أنّ هذا الهدي حيث ما حبسناه محلّه، ولا تقدمه علينا، فقال لهم رسول الله وَله: ((نحن نسوقه، وأنتم تردون وجوهه»(٢). قال: فبينا رسول الله يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو، وإذا جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو، يرسف في قيوده، قد انفلت، وخرج من أسفل مكّة حتّى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فلمّا رأى سهيل أبا جندل، قام إليه، فضرب وجهه، وأخذ سلسلته، وقال: يا محمّد قد تمّت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، وهذا أوّل من أقاضيك عليه، أترده إلينا؟ ثمّ جعل يجرّه ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أردّ إلى المشركين، وقد جئت مسلماً لتنفرني عن ديني؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذِّب عذاباً شديداً في الله، فقال رسول اللـه وسلم: ((يا أبا جندل احتسب، فإنّ الله جاعل لك، ولمن معك من المستضعفين فرجاً، ومخرجاً، إنّا قد عقدنا بيننا، وبين القوم عقداً، وصُلحاً، وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهداً، وإنّا لا نغدر))(٣). (١) مسند أحمد: ٣٢٥/٤؛ البداية والنهاية: ١٩٢/٤. (٢) كنز العمال: ٤٨٠/١٠؛ جامع البيان للطبري: ١٢٥/٢٦. (٣) تاريخ الطبري: ٢٨٢/٢. ٦٠ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي فوثب عمر بن الخطّاب إلى أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر يا أبا جندل، فإنّما هم المشركون وإنّما دم أحدهم دم كلب، ويدني قائم السيف منه، قال: يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضنّ الرجل بأبيه. قالوا: وقد كان أصحاب رسول الله خرجوا، وهم لا يشكّون في الفتح لرؤيا رآها رسول اللـهِ وَل﴾، فلمّا رأوا ذلك دخل الناسَ أمر عظيم حتى كادوا يهلكون، وزادهم أمر أبي جندل شرّاً إلى ما بهم، فقال عمر: والله ما شككت منذ أسلمت إلى يومئذ، فأتيت النبيّ وَلّ فقلت: ألست رسول الله؟ قال: ((بلى)). قلت: ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ قال: (بلى)). قلت: فَلِمَ نعطي الدّنية في ديننا إذاً؟ قال: ((إنّي رسول الله، ولستُ أعصيه، وهو ناصري)) [٤٩](١). قلت: ألستَ تحدّثنا أنّا سنأتي البيت، فنطوف به؟ قال: ((بلى)). قال: ((هل أخبرتك أنّا نأتيه العام؟)). قلت: لا، قال: ((فإنّك آتيه ومطوِّف به))، قال: ثمّ أتيت أبا بكر، وقلت: أليس هذا نبيّ الله حقّاً؟ قال: بلى. قلت: أفلسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ قلت: فلِمَ يعطي الدّنية في ديننا إذاً؟ قال: أيّها الرجل إنّه رسول الله، وليس يعصي ربّه، فاستمسك بغرزه حتّى تموت، فوالله إنّه لعلى الحقّ. قلت: أوليس كان يحدِّث أنّا سنأتي البيت، ونطوّف به؟ قال: بلى. قال: أفأخبرك أنّك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنّك آتيه وتطوف به. قال عمر: فما زلت أصوم وأتصدّق، وأُصلّي، وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلّمت به. قالوا: فلمّا فرغ رسول الله و لتر من الكتاب أشهد رجالاً على الصلح من المسلمين، ورجالاً من المشركين، أبا بكر، وعمر، وعبد الرّحمن بن عوف، وعبدالله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن مسلمة أخا بني عبد الأشهل، ومكرز بن حفص بن الأحنف، وهو مشرك، وعلي بن أبي طالب، وكان هو كاتب الصحيفة. فلمّا فرغ رسول الله من قصّته سار مع الهدي، وسار الناس، فلمّا كان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية، عرض له المشركون فردوا وجوهه، فوقف النبيّ ◌َّل حيث حبسوه، وهي الحديبية وقال لأصحابه: ((قوموا، فانحروا، ثمّ احلقوا)). قال: فوالله ما قام منهم رجل. حتّى قال ذلك ثلاث مرّات فلمّا لم يقم منهم أحد. قام فدخل على أُمّ سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت أُمّ سلمة: يا نبيّ الله اخرج، ثمّ لا تكلّم أحداً منهم كلمة حتّى تنحر بدنتك وتدعو (١) المعجم الكبير: ١٤/٢٠؛ إرواء الغليل: ٥٨/١.