Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
سورة الزخرف، الآيات: ٥١ - ٦٧
هُم قَومٌ خَصِمُونَ﴾ أخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علي
الجمشاذي الفقيه، بقراءتي عليه، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي، حدثنا عبد
الله بن أحمد بن حنبل. حدثني أبي، حدثنا عبد الله بن نمير الكوفي، حدثنا حجاج بن دينار
الواسطي، أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا هارون بن محمد بن هارون، حدثنا السريّ، حدثنا أبو
النضر، حدثنا عنبسة بن عبد الواحد القريشي، عن الحجاج بن دينار، عن أبي غالب، عن أبي
أمامة، قال: قال رسول الله وَله: ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه، إلاَّ أَتوا الجدل، ثمّ قرأ:
﴿ما ضَرِبُوهُ لَكَ إِلَّ جَدلا بل هم قَومٌ خَصِمُونَ﴾)) [١٩٩](١).
﴿إِن هُوَ إِلَّ عَبدٌ أَنعَمِنَا عَلَيْهِ وَجَعَلنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسِرَائِيلَ﴾ يعني آية أو عبرة وعظه لبني
إسرائيل. ﴿وَلَو نَشَاءُ لَجَعَلنَا مِنكُم﴾ لأهلكناكم وجعلنا بدلاً منكم. ﴿مَّلاَئِكَةً فِي الأَرضِ
يَخْلُفُونَ﴾ يعني يكونون خلفاً منكم فيعمرون الأرض ويعبدونني ويطيعونني.
﴿وَإِنَّهُ﴾ يعني عيسى (عليه السلام). ﴿لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾ بنزوله يعلم قيام الساعة ويستدل على
ذهاب الدّنيا وإقبال الآخرة.
أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا طلحة بن محمد وعبيد الله بن أحمد، قالا: حدثنا أبو بشر بن
مجاهد، حدثنا فضل بن الحسن، حدثنا عبيد الله بن معاد، حدثنا أبي، عن عمران بن جرير،
قال: سمعت أبا نضرة يقرأ ﴿وَإِنَّهُ لَعِلِمٌ لِلسَّاعَةِ﴾، قال: هو عيسى، وبإسناده عن ابن مجاهد،
حدثني عبد الله بن [عمر] بن سعد، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا خالد
بن الحرث، حدثنا أبو مكي، عن عكرمة ﴿وإنّهُ لَعِلمٌ لِلسَّاعَةِ﴾، قال: ذلك عيسى (عليه
السلام).
وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة ومالك بن دينار والضحاك ﴿وَإِنَّهُ لَعِلمْ لٌلِسَّاعَةِ﴾ بفتح
السين واللام، أي إمارة وعلامة، وفي الحديث: ينزل عيسى بن مريم على ثنية بالأرض
المقدسة، يقال لها: أفيق، بين مُمصرّتَيْن وشعر رأسه دهين وبيده حربة يقتل بها الدجال. فيأتي
بيت المقدس والنّاس في صلاة العصر، والإمام يؤم بهم فيتأخر الإمام، فيتقدّمه عيسى ويصلي
خلفه على شريعة محمد ◌ّله، ثمّ يقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويخرب البيع والكنائس، ويقتل
النصارى. إلاَّ من آمن به .
وقال قوم: الهاء في قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ كناية عن القرآن، ومعنى الآية وإِنَّ القرآن لَعِلمٌ لِلسَّاعَةِ
يعلمكم قيامها ويخبركم بأحوالها وأهوالها، وإليه ذهب الحسن.
﴿فَلاَ تَمْتَرُونَ بِهَا﴾ فلا تَشْكُنَّ بها أي فيها. ﴿وَاتَّبِعُونِ. هَذَا صِرَاطٌ مُستَقِيمٌ * وَلاَ
(١) مسند أحمد: ٥ / ٢٥٦.

٣٤٢
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
يَصُدَّنَّكُمْ﴾ ولا يَصرفنّكم ﴿الشَّيطَانُ﴾ عن دين الله. ﴿إِنَّهُ لَكُم عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى﴾ بني
إِسرائيل. ﴿بِالبَيِّنَاتِ قَالَ قَد جِئْتُكُم بِالحِكمَةِ﴾ بالنبوة. ﴿وِلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾
من أحكام التوراة.
﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ فَاعبُدُوهُ. هَذَا صِرَاطٌ مُستَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ
الأَحزَابُ﴾ اليهود والنصارى. ﴿مِن بَيْنِهِم فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا واشركوا كما في سورة
مريم. ﴿مِن عَذَابٍ يَومٍ أَلِيم * هَل يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ أَن تَأَتِيَهُم بَغتَةً وَهُم لاَ يَشِعُرُونَ *
الأَخِلاَءُ﴾ على المعصية في الدنيا. ﴿يَومَئذ﴾ يوم القيامة. ﴿بَعضُهُم لِبَعض عَدُوٌّ إِلَّ المُثَّقِينَ﴾.
المتحابين في الله على طاعة الله.
أخبرنا عقيل بن محمد إنّ أبا الهرج البغدادي القاضي أخبرهم، عن محمد بن جرير،
حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن أبي اسحاق، إنّ علياً ◌َ ◌ُبه
قال في هذه الآية: خليلان مؤمنان وخليلان كافران، فمات أحد المؤمنين، فقال: يا ربّ إنّ
فلان كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير، وينهاني عن الشرّ، ويخبرني إنّي
ملاقيك. يا ربّ فلا تضلّه بعدي واهده، كما هديتني، وإكرمه كما أكرمتني.
وإذا مات خليله المؤمن جمع بينهما، فيقول: ليثني أحدكما على صاحبه. فيقول: يا ربّ
انه كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشرّ، ويخبرني أنّي
ملاقيك، فيقول: نعم الأخ، ونعم الخليل، ونعم الصاحب.
قال: ويموت أحد الكافرين، فيقول: إنّ فلان كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك،
ويأمرني بالشّر، وينهاني عن الخير ويخبرني إنّي غير ملاقيك.
فيقول: بئس الأخ، وبئس الخليل، وبئس الصاحب.
يَعِبَادِ لَا خَوْفُ عَلَيْكُمْ أَلْيَوْمَ وَلَآَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦) الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِكَايَتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ
٦٩
أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَبُّكُمْ تُخْبَرُونَ ﴿٣) بُطَافُ عَلَهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكَوَابٌ وَفِيهَا مَا نَشْتَهِبِهِ
اَلْأَنْفُسُ وَثَلَذُّ الْأَعْيُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴿٢) وَبَلْكَ اَلْحَنَّهُ الَِّىّ أُوْ رِنْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
لَكُرُ فِيهَا فَكِّهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُونَ (٣) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ عَذَابٍ جَهَنَ خَدِدُونَ (٦) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ
وَنَادَوْاْ بَلِكُ لِيَقْضِ عَلَنَا رَبُّكٌ قَالَ إِنَّكُمْ
١٧٦
وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴿َ) وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ هُمُ الظَِّنَ
(٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ
أَمَّ أَبْرِمُواْ أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ
مَكُونَ (٧) لَقَدْ ◌ِشْتَكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْتَرَّكُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ
أَنَّا لَا نَسْمَعُ مِرَّهُمْ وَنَخْوَهُمْ بَ وَرُسُلْنَا بَ يَكْتُبُونَ
﴿يَا عِبَادٍ﴾ أي فيقال لهم يا عبادي. ﴿لاَ خَوفٌ عَلَيْكُمُ اليَومَ وَلاَ أَنتُم تَحْزَنُونَ﴾ أخبرنا
عقيل بن محمد، أخبرنا المعافا بن زكريا، أخبرنا محمد بن جرير. أخبرنا ابن عبد الأعلى،

٣٤٣
سورة الزخرف، الآيات: ٦٨ - ٨٠
حدثنا المعتمر، عن أبيه، قال: سمعت إنّ الناس حتّى يبعثون ليس منهم أحد إلاّ فزع، فينادي
مناد: ﴿يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون﴾ فيرجوها الناس كلّهم. قال: فيتبعها.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسلِمِينَ﴾ فينكس اهل الاديان رؤسهم غير المسلمين.
﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أَنتُم وَأَزْوَاجُكُم تُحبَّرُونَ﴾ تسرون وتنعمون. ﴿يُطَافُ عَلَيهِم بِصِحَاف﴾
بقصاع واحدتها صفحة.
﴿مِن ذَهَب وَأَكوَاب﴾ أباريق مستديرة الرؤوس ليست لها آذان ولا خراطم، واحدها
كوب. قال الأعشى :
صريفيّة طَيّبٌ طعمها
· لها زَبَدٌ بين كوب ودَنّ(١)
أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد
ابن حنبل، حدثني أبي، حدثنا حسن بن موسى، حدثنا السكوني عبد الحميد بن عبد العزيز،
حدثنا الأشعث الضرير، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله وَله: ((إنّ
أدنى أهل الجنّة منزلة لمن له سبع درجات هو على السادسة وفوق السابعة، وإنَّ له لثلاثمائة
خادم، ويُغدي ويراح عليه كل يوم ثلاثمائة صحيفة))، ولا أعلمه إلاَّ قال: ((من ذهب في كل
صحيفة لون ليس في الأخرى، وإنَّه ليلذ أوله كما يلذ آخره، ومن الأشربة ثلاثمائة إناء، في كلّ
إناء لون ليس في الأخرى، وإنَّهُ ليلذ أوله كما يلذ آخره، وإنّه ليقول يا ربّ لو أذنتني لأطعمت
أهل الجنّة، وسقيتهم لا ينقص مما عندي شيء إنّ له من الحور العين لاثنين وسبعين زوجة،
سوى زوجته في الدّنيا، وإنّ الواحدة منهنّ ليأخذ مقعدها قدر ميل من الأرض)) [٢٠٠](٢).
أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، حدثنا ابن حبش المقري، حدثنا ابن رنجويه،
حدثنا سلمة، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن إسماعيل بن أبي سعيد، إنّ عكرمة أخبره
رسول الله ◌َ﴿ قال: ((إنّ أدنى أهل الجنّة منزلة وأسفلهم درجة، رجل لا يدخل الجنّة بعده أحد،
يفتح له بصره مسيرة مائة عام في قصور من ذهب وخيام من لؤلؤ ليس منها موضع شبر، إلاّ
معمور يغدى عليه ويراح سبعين ألف صحيفة من ذهب، ليس منها صحيفة إلاّ وفيها لون ليس في
الأخرى مثله)) [٢٠١](٣).
(شهوته في آخرها كشهوته في أولها، لو نزل به جميع أهل الدنيا لوسع عليهم مما أعطي
لا ينقص ذلك مما أوتي شيئاً» [٢٠٢](٤).
(١) لسان العرب: ٩ / ١٩٢.
(٢) مسند أحمد: ٢ / ٥٣٧، مجمع الزوائد: ١٠ / ٤٠٠.
(٣) المصنف لعبد الرزاق: ١١ / ٤٢٤.
(٤) المصنف لعبد الرزاق: ١١ / ٤٢٤. الحديث واحد

٣٤٤
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
﴿وَفِيهَا﴾ في الجنّة. ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ﴾ قرأ أهل المدينة والشام وحفص عن عاصم
﴿تشتهيه﴾ بالهاء وكذلك هي في مصاحفهم.
﴿وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنِتِم فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أخبرنا عقيل بن محمد، أخبرنا المعافا بن زكريا،
أخبرناً محمّد بن جرير، حدثنا ابن يسار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن علقمة بن
مرثد، عن ابن سابط، إنّ رجلاً قال: يارسول الله إنّي أحبُّ الخيل، فهل في الجنة خيل؟.
فقال: ((إنّ يدخلك الله الجنّة فلا تشاء أن تركب فرساً من ياقوتة حمراء تطير بك في أي الجنّة
شئت، إلاَّ ركبت)) [٢٠٣](١).
فقال: إعرابي يارسول الله إنّي أحبّ الإبل، فهل في الجنّة إبل؟. فقال: ((يا إعرابي إن
يدخلك الله الجنّة إن شاء الله: كان لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عيناك)) [٢٠٤](٢) ..
وبه عن ابن جرير، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عمر بن عبد الرحمن الأياد، عن محمد
ابن سعد الأنصاري، عن أبي ظبية السلمي، قال: إنّ السرب من أهل الجنّة لتظلهم السحابة،
فتقول: ما أمطركم؟. فما يدعو داع من القوم بشيءٍ إلاّ مطرتهم، حتّى إنّ القائل منهم ليقول:
أمطرينا كواعب أتراباً .
.. .. وبه عن ابن جرير، حدثنا موسى بن عبد الرحمن، حدثنا زيد بن الحُبان بن الرَّيان، أخبرنا
معاوية بن صالح، حدثني سليمان بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة يقول: إنّ الرجل من أهل
الجنّة ليشتهي الطائر وهو يطير، فيقع منفلقاً نضيجاً في كفه، فيأكل منه حتّى تنتهي نفسه، ثمّ
يطير، ويشتهي الشراب فيقع الإبريق في يده فيشرب منه ما يريد ثمّ يرجع إلى مكانه.
﴿وَتِلكَ الجَنَّةَ الَّتِي أُورِثِتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعمَلُونَ * لَكُمْ فِيَهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنهَا تَأْكُلُونَ﴾ .
أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، حدثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك، حدثنا محمد بن
إبراهيم ابن زياد الطيالسي الرازي، حدثنا محمد بن حسان الأزرق، حدثنا ريحان بن سعيد،
حدثنا عباد ابن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، إنّه سمع
رسول الله ◌َ﴾ يقول: ((لا ينزع رجل من أهل الجنّة من ثمرها إلاّ أعيد في مكانها مثلاها(٣)).
﴿إِنَّ المُجْرِمِينَ﴾ المشركين. ﴿فِي عَذَابٍ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفْتَّرُ عَنْهُم وَهُمْ فِيهِ مُبلِسُون
وَمَا ظَلَمَنَاهُم وَلَكِن كَانُوا هُم الّالِمِينَ * وَنَادَوا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ ليمتنا رَبّك
فنستريح، فيجيبهم مالك بعد ألف سنة: ﴿قَالَ إِنَّكم مَّاكِثُونَ﴾ مقيمون في العذاب.
(١) مسند أحمد: ٥ / ٣٥٢.
(٢) مسند أحمد: ٥ / ٣٥٢.
(٣) الدر المنثور: ١ / ٣٨.

٣٤٥
سورة الزخرف، الآيات: ٨١ - ٨٩
أخبرنا ابن فنجويه الدينوري، حدثنا ابن حبش المقري، حدثنا ابن الفضل، حدثنا جعفر
ابن محمد الدنقاي الضبي، حدثنا عاصم بن يوسف اليربوعي، حدثنا قطبة بن عبد العزيز
السعدي، عن الأعمش، عن سمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي
الدرداء، قال: قال رسول الله ◌َله: ((يلقى على أهل النّار الجوع حتّى يعدل ما هم فيه من
العذاب، فيستغيثون فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون بالطعام
فيغاثون بطعام ذي غصة فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب فيستغيثون
بالشراب فيدفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم فاذا دخلت
بطونهم قطعت ما في بطونهم، فيقولون ادعوا خزنة جهنم، فيقولون ألم تك تأتكم رسلكم
بالبينات؟ قالوا: بلى، قالوا: فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال، قال: فيقولون إدعوا
مالكاً، فيدعون: يا مالك ليقض علينا ربّك، فيجيبهم إنّكم ماكثون))! [٢٠٥](١).
قال: فقال الأعمش: أنبئت إنّ بين دعائهم وبين إجابته إياهم الف عام.
أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا هارون بن محمد بن هارون، حدثنا محمد بن عبد العزيز،
حدثنا القاسم بن يونس الهلالي، حدثنا قطبة بن عبد العزيز يعني السعدي، عن الأعمش، عن
سمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي ◌َّ: ((ونادوا
يا مالك ليقض علينا ربّك)) [٢٠٦]. باللام(٢).
﴿لقد جِئْنَاكُمْ بَالحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُم لِلحَقِّ كَارِهُونَ * أَم أَبْرَمُوا﴾ أحكموا. ﴿أمراً﴾ في
المكر برسول الله وَ﴾. ﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ محكمون.
﴿أَمْ يَحسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسمَعُ سِرَّهِم وَنَجَوَاهُم. بَلَى﴾ نسمع ونعقل ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِم يَكْتُبُونَ﴾
يعني الحفظة .
([٨] ◌ُبْحَنَّ رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
قُلْ إِن كَانَ لِمَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَنِدِينَ
﴿ وَهُوَ الَّذِى فِى السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفىِ الْأَرْضِ إِلَهُ
فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ
(٨٢)
وَهُوَ لْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٩) وَتَبَ اُلَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ الشَّاعَةِ وَإِلَيْهِ
تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ بَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَعَّةُ إِلَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ بَعْلَمُونَ (َ وَلَيْنِ
وَفِيْلِهِ، بَرَبِ إِنَّ هَؤُلَ، فَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ (جْهَ) فَأَصْفَحَ عَهُمْ
سَأَلْتَهُمِ مَّنْ خَلَفَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّ يُؤْفَّكُونَ (10)
(٨٩)
وَقُلْ سَكُمْ فَسَوْقَ بَعْلَمُونَ
(١) سنن الترمذي: ٤ / ١٠٨.
(٢) صحيح البخاري: ٦ / ٣٨، تفسير القرطبي: ١٦ / ١١٦.

٣٤٦
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحمْنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ﴾ يعني ﴿إن كان للرّحمُن ولد﴾ في قولكم
وبزعمكم، فأنا أولُ الموحدين المؤمنين بالله في تكذيبكم والجاحدين لما قلتم من إنّ له ولداً.
قاله مجاهد .
وقال ابن عباس: يعني ما كان للرّحمن ولد وأنا أول الشاهدين له بذلك والعابدين له،
جعل بمعنى النفي والجحد، يعني ما كان وما ينبغي له ولد. ثمّ ابتداء ﴿فأنا أول العابدين﴾،
وقال السدي: معناه، قل: ﴿إن كان للرّحمن ولد فأنا﴾ أول من عبده بأنّ له ولد، ولكن لا ولد
له، وقال قوم من أهل المعاني: معناه، قل ﴿إن كان للرّحمَن ولد. فأنا أول﴾ الآنفين من
عبادته .
.
ويحتمل أن يكون معناه ما كان للرحمن ولدٌ. ثم قال: فأنا أول العابدين الآنفين من هذا
القول المنكرين إنّ له ولداً. يقال عبد إذا أنف وغضب عبداً. قال الشاعر:
ألا هويت أُم الوليد وأصحبت لما أبصرت في الرأس مني تعبد(١)
وقال آخر:
متى ما يشاء ذو الود يَصرّم خليله
ويعبد عليه لا محالة ظالما (٢)
أخبرنا عقيل بن محمد أجازة، أخبرنا أبو الفرج، أخبرنا محمد بن جرير، حدثني يونس،
أخبرنا ابن وهب، حدثنا ابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، عن ابن قشط، عن
نعجة بن بدر الجهني إنّ امرأة منهم دخلت على زوجها - وهو رجل منهم أيضاً - فولدت في ستة
أشهر فذكر ذلك زوجها لعثمان بن عفان ربه وأمر بها ترجم، فدخل عليه علي بن أبي
طالب رَّه فقال: إنّ الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾(٣) وقال:
(وفصاله في عامين) قال: فوالله ما عبد عثمان ظله أن بعث إليها ترد. قال عبد الله بن وهب:
ما استنكف ولا أنف (٤)
﴿سُبِحَانَ رَبِّ السَّمْوَاتِ وَالأَرضِ رَبِّ العَرشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ يكذبون. ﴿فَذَرِهُمْ يَخُوضُوا﴾
في باطلهم. ﴿وَيَلعَبُوا﴾ في دنياهم. ﴿حَتَّى يُلاَقُوا يَومَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ * وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ
إِلَهٌ وَفي الأَرضِ إِلَّهٌ﴾ يعني يعبد في السّماء ويعبد في الأرض. ﴿وَهُوَ الحَكِيمُ﴾ في تدبير خلقه.
﴿العَلِيمُ﴾ بصلاحهم.
(١) جامع البيان للطبري: ٢٥ / ١٣١.
(٢) جامع البيان للطبري: ٢٥ / ١٣١.
(٣) سورة الأحقاف: ١٥.
(٤) تفسير ابن كثير: ٤ / ١٤٦.

٣٤٧
سورة الزخرف، الآيات: ٨١ - ٨٩
﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرجَعُونَ
وَلاَ يَملِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾.
اختلف العلماء في معنى هذه الآية. فقال قوم: ﴿مِن﴾ في محل النصب وأراد بـ ﴿الّذين
يدعون﴾ عيسى وعزير والملائكة، ومعنى الآية: ولا يملك عيسى وعزير والملائكة ﴿الشّفاعة إلّ
لمن شهد بالحقّ﴾ فآمن على علم وبصيرة، وقال آخرون: ﴿مَن﴾ في وضع رفع والّذين يدعون
الأوثان والمعبودين من دون الله. يقول: ولا يملك المعبودون من دون الله ﴿الشفاعة إلاّ لمن
شهد بالحقّ﴾ وهم عيسى وعزير والملائكة يشهدون بالحقّ.
﴿وَهُم يَعلَمُونَ﴾ حقيقة ما شهدوا. ﴿وَلَئِن سأَلتَهُم مَّن خَلَقَهُم لَيَقُولُنَّ اللـهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾
عن عبادته. ﴿وَقِيلِهِ﴾ يعني قول محمد وَلَ شاكياً إلى ربّه. ﴿يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَومٌ لاَ يُؤمِنُونَ﴾ .
واختلف القُراء في قوله: ﴿قيله﴾، فقرأ عاصم وحمزة ﴿وقيلِه﴾ بكسر اللام على معنى
﴿وعنده علم السّاعة﴾ وعلم قيله، وقرأ الأعرج بالرفع، أي وعنده قيله، وقرأ الباقون بالنصب
وله وجهان: أحدهما: إنّا لا نسمع سرهم ونجواهم ونسمع قيله والثاني: وقال: ﴿قيله﴾.
﴿فاصفَح عَنْهُم وَقُل سَلاَمٌ﴾ نسختها آية القتال، ثمّ هددهم.
﴿فَسَوفَ يَعلَمُونَ﴾ بالتاء أهل المدينة والشام وحفص، واختاره أيوب وأبو عبيد، الباقون
بالياء .

٣٤٨
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
سُورَةُ الدُّخَانِ
مكّية، وهي تسع وخمسون آية، وثلاثمائة
وست وأربعون كلمة، وألف وأربعمائة وواحد وثمانون حرفاً
أخبرنا محمّد بن القاسم، حدثنا محمّد بن عبد الله، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا
محمّد بن يزيد، حدثنا زيد بن حباب، أخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه، حدثنا يحيى بن
محمد بن يحيى، حدثنا أبو عيسى بن علي الختلي، حدثنا أبو هاشم الرفاعي، حدثنا زيد بن
الحباب، حدثنا عمر بن عبد الله بن أبي السري عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي
هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((من قرأ سورة الدّخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف
ملك)) [٢٠٧](١) ..
أخبرنا محمد بن القاسم، حدثنا عبد الله بن محمد بن علي، حدثنا السّراج، حدثنا أبو
يحيى، حدثنا كثير بن هشام، عن هشام بن المقدام، عن الحسن، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله وَّل: ((من قرأ حم الّتي يذكر فيها الدّخان في ليلة الجمعة، أصبح مغفورًا له))
[٢٠٨](٢) .
أخبرنا عبد الرّحمن بن إبراهيم بن محمد الطبراني بها، حدثنا أبو علي الرقاء، أخبرنا أبو
منصور سليمان بن محمد بن الفضل، حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا فضال بن كثير حي، قال:
أتيت أبا أمامة، فقال: سمعت رسول الله وَل يقول: ((من قرأ حم الدّخان ليلة الجمعة - يوم
الجمعة - بنى الله له بيتاً في الجنّة)) [٢٠٩](٣).
بِسمِ اللهِ الرَّحَمنِ الرَّحِيمِ
وَالْ كِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّ أَنْزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةٍ مُبَتَرَّكَّةٍ إِنَّا كُنَّ إِنَّا (٣٠َ فِيهَا بُقَرَقُ كُلُّ أَمْرٍ
) أَمْرَاً مِّنْ عِندِنَاْ إِنَّا كُنَا مُرْسِينَ ﴿هَ رَحْمَةً مِّن رَّيَّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِمُ جَ رَبِّ
ـحَكِيم
(١) سنن الدارمي: ٤ / ٢٣٧.
(٢) مسند أبي يعلى: ١١ / ٩٤.
(٣) مجمع الزوائد: ٢ / ١٦٨.

٣٤٩
سورة الدخان، الآيات: ١ - ١٦
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاَ إِن كُنتُم مُوقِنِينَ ﴿٧َ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ يُجِ. وَيُمِنٌ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَأَبِّكُمُ
الْأَوَّلِينَ ﴿َ بَلْ هُمْ فِ شَِّ بَلْعَبُونَ (١) فَأَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْنِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينِ ﴿٣َ بَغْشَى النَّاسِ
هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٩) زَبَنَا أَكْثِفْ عَنَّا أَلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٦) أَّ لَهُمُ الذِّكْرِى وَقَدْ حَآءَهُمْ رَسُولُ فُبِينٌ
(٣٣) ثُمَّ تَوَلُواْ عَنَّهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمُ تَحْنُنُ (١٤) إِنَّا كَشِفُوْ اَلْعَذَّابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَبِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَطِشُ الْبَطْنَةَ
اَلْكُبْرَىَ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ
﴿حَم وَالكِتابِ المُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيلَة مُّبَارَكَة. إِنّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ قال قتادة وابن زيد:
هي ليلة القدر، أنزل الله تعالى القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السّماء الدّنيا، ثمّ أنزله
على نبيه ◌َّليل في الليالي والأيام، وقال الآخرون: هي ليلة النصف من شعبان.
أخبرنا الحسين بن محمّد فنجويه، حدثنا عمر بن أحمد بن القاسم، حدثنا إبراهيم
المستملي الهستجاني، حدثنا أبو حصين بن يحيى بن سليمان، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا أبو
بكر بن أبي سبره، عن إبراهيم بن محمد، عن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عن
أبيه، عن علي بن أبي طالب (ظُ)) قال: قال النبي وَلّ: ((إذا كان ليلة النصف من شعبان،
قوموا ليلتها وصوموا يومها، فإنّ الله تعالى ينزل لغروب الشمس إلى سمّاء الدنّيا فيقول: ألاّ
مستغفر فأغفرله، ألاّ مسترزق فأرزقه، ألاّ مبتلى فأعافيه، ألاّ كذا، ألاّ كذا، ألاّ كذا، حتّى يطلع
الفجر، ﴿إنّا كنا منذرين﴾)) [٢١٠](١).
﴿فِيهَا يُفرَقُ﴾ يفصل. ﴿كُلُّ أَمر حَكِيمٌ﴾ محكم. قال الحسن ومجاهد وقتادة: يبرم في ليلة
القدر من شهر رمضان كُلّ أجل وعمل وخلق ورزق، وما يكون في تلك السنة، وقال أبو عبد
الرّحمن السلمي: يدبر أمر السنة في ليلة القدر، وقال هلال بن نساف: كان يقال: انتظروا
القضاء في شهر رمضان.
وقال عكرمة: في ليلة النصف من شعبان، يُبرم فيه أمر السنة، وينسخ الأحياء من
الأموات، ويكتب الحاج، فلا يزاد فيهم أحد، ولا ينقص منهم أحد ..
يدل عليه ما أخبرنا عقيل بن محمد، أخبرنا أبو الفرج القاضي، أخبرنا محمد بن جبير،
حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس، حدثني أبي، حدثنا الليث، عن عقيل بن خالد، عن ابن
شهاب، عن عثمان بن محمد بن المغيرة الأخنس، قال: قال رسول الله وقتالفجر: ((تقطع الآجال من
شعبان إلى شعبان. حتّى أنّ الرجل لينكح ويولد له، وقد خرج أسمه في الموتى)) [٢١١](٢).
﴿أَمراً﴾ أي أنزلنا أمراً. ﴿مِن عِندنَا﴾ من لدنا، وقال الفراء: نصب على معنى تفرق كل
(١) كنز العمال: ١٢ / ٣١٤، ح ٣٥١٧٧.
(٢) كنز العمال: ١٥ / ٦٩٤، ح ٤٢٧٨٠.

٣٥٠
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
أمر فرق وأمراً. ﴿إِنَّا كُنَّا مُرسِلِينَ﴾ محمد ◌ِّه إلى عبادنا. ﴿رَحمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ وقيل: أنزلناه
رحمة، وقيل: أرسلناه رحمة، وقيل: الرحمة.
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ والأَرضِ وَمَا بَينَهُما﴾ كسر أهل الكوفة (بائهُ) ردًا
على قوله من ربِّك، ورفعهُ الآخرون ردًا على قوله ﴿هو السّميع العليم﴾ وإن شئت على الابتداء.
﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾ إنّ الله ﴿ربّ السّماواتِ والأرض وما بينهما﴾ فأيقنوا إنّ محمداً
رسوله، وإنّ القرآن تنزيله. ﴿لا إلَهَ إِلَّ هو يُحيى ويُمِيتُ. رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَاءِكُمُ الأَوَلِنَ بَل هُم فِي
شَكّ يَلْعَبُونَ فَارْتَقِب﴾ فانتظر. ﴿يَومَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَان ◌ُِين﴾.
اختلفوا في هذا الدّخان، ما هو، ومتى هو، فروى الأعمش ومسلم بن صبيح، عن
مسروق، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوساً، وهو مضطجع بيننا، فأتاه رجل، فقال: يا
أبا عبد الرّحمن، إنّ قاصاً عند أبواب كنده، يقص ويقول في قوله تعالى: ﴿يوم تأتي السماء
بدخان مبين﴾ إنّه دخان يأتي يوم القيامة، فيأخذ بأنفاس الكفّار والمنافقين وأسماعهم
وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام، فقام عبد الله وجلس، وهو غضبان، فقال: يا أيّها
الناس اتقوا الله، مَن عَلِمَ شيئاً فليقل ما يعلم، ومن لا يعلم، فليقل الله أعلم، فأن الله تعالى،
قال لنبيه ◌َّ﴿ ﴿قُل ما أسألكم عليه من أجرٍ وما أنا من المتكلفين﴾(١) وسأحدثكم عن ذلك: أنّ
قريشاً لما أبطأت عن الإسلام، واستعصت على رسول الله وَّ دعا عليهم، فقال: ((اللَّهم سبع
سنين كسني يوسف(٢))) [٢١٢]. فأصابهم من الجهد والجوع ما أكلوا الجيف والعظام والميتة
والجلود، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلاّ الدخان من ظلمة أبصارهم من شدة
الجوع، فأتاه أبو سفيان بن حرب، فقال: يا محمد إنّك حيث تأمر بالطاعة وصلة الرحم، وإنّ
قومك قد هلكوا فادع الله لهم فإنّهم لك مطيعون.
فقال الله تعالى: فقالوا:
﴿رَبَّنَا اكثِف عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤمِنونَ﴾ فدعا فكشف عنهم، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا
العَذَابَ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ إلى كفركم. ﴿يَومَ نَبطشُ البَطِشَةَ الكُبرَى إِنَّا مُنْتَقِمونَ﴾ فعادوا فانتقم
الله منهم يوم بدر، فهذه خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والبطشة، والقمر، والروّم.
وقال الآخرون: بل هو دخان يجيء قبل قيام السّاعة، فيدخل في أسماع الكفّار
والمنافقين، حتّى تكون كالرأس الحنيذ، ويعتري المؤمن منهم كهيئة الزكام، وتكون الأرض كلّها
كبيت أوقد فيه وليس فيه خصاص.
(١) سورة ص: ٨٦
(٢) صحيح ابن حبان: ١٤ / ٥٤٩ تفاوت بسیر.

٣٥١
سورة الدخان، الآيات: ١٧ - ٣٧
قالوا: ولم يأتِ بعد، وهو آت وهذا قول ابن عباس وابن عمير والحسن وزيد بن علي،
يدل عليه ما أنبأني عقيل بن محمد، أخبرنا المعافا بن زكريا، أخبرنا محمد بن جرير، حدثنا
عصام بن داود الجراح، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن سعيد، حدثنا منصور بن المعتمر عن ربعي
ابن حراش، قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول، قال رسول الله وَلقوله: ((إنّ أول الآيات الدخان
ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق النّاس إلى المحشر تقيل معهم إذا
قالوا)) [٢١٣](١).
قال حذيفة: يا رسول الله ما الدخان؟ فتلا رسول الله وَ ل﴿ هذه الآية: ﴿يَومَ تَأْتِي السَّمَاءُ
بِدُخَان مُّبِين يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً
وليلة. أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكام، وأما الكافر كمنزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه
ودبره.
وبه عن ابن جرير، حدثنا يعقوب، حدثنا ابن عليه، عن ابن جريح، عن عبد الله بن أبي
مليكة، قال: غدوت على ابن عباس ذات يوم، فقال: ما نمت الليلة حتّى أصبحت. قلت: لِمَ؟
قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يكون الدُّخان قد طرق فما نمت حتّى أصبحت.
﴿رَّبِّنَا اكثِفِ عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مؤمنون * أَنَّى لَهُمُ الذِّكرَى﴾ من أين لهم للتذكير والإتعاظ
بعد نزول البلاء وحلول العذاب. ﴿وَقَد جَاءَهُم رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ محمّد ◌َلِهِ. ﴿ثُمَّ تَوَلَّوا عَنْهُ وَقَالُوا
مُعَلَّمٌ﴾ يعلمه بشر. ﴿مَّجِنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُو العَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُم عائِدُونَ﴾ إلى كفركم، وقال قتادة:
عائدون في عذاب الله.
﴿يَومَ نَبِطِشُ البَطشَةَ الكُبرَى﴾ وهو يوم بدر. ﴿إِنَّا مُنتَقِمونَ﴾ هذا قول أكثر العلماء، وقال
الحسن: هو يوم القيامة .
وروي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال ابن مسعود: ﴿الكبرى﴾ يوم بدر و﴿إنّا﴾
أقول هي يوم القيامة .
﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ فَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَهُمْ رَسُولُ كَرِيمُ ﴿ أَنْ أَدُّوَاْ أَنْ عِبَادَ اللَّهِ إِّ لَكُمُ
رَسُولُ أَمِينُ (٨) وَأَنْ لَّ تَعْلُواْ عَلَى اللّهِ إِنّ ◌َاْكُ بِسُلْطَنِ مُبِينٍ (١٦) وَإِى عُدِّثُ بِرَنْ وَرَبِّكُمْ أَنْ زَعُونِ
٢٠
وَإِنِ أَّ نُؤْمِنُواْ لِ فَنَّلُونِ (١٨) فَدَهَا رَبَّهُ: أَنَّ هَتُلَاءِ فَوَمٌ مُجْرِمُونَ (٨٦) فَأَسْرٍ بِعِبَادِى لَلَّ إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ(
٢٣)
وَآَتْرُكِ اَلْبَّخِّرَ رَهُوَاْ إِنَّهُمْ جُنِدٌ مُغْرِفُونَ (٣٤) كُمْ تَزَكُواْ مِن جَنَّتٍ وَعُونِ (٣٥) وَزُرُوعِ وَمَّعَاءٍ كَرِيمٍ (فَـ
كَذَلِكٌ وَأَوْرَنْتَهَا قَوْمَاً ،َاخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُواْ
وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَكِهِينَ
(١) كنز العمال: ١٤ / ٢٥٩، ح ٣٨٦٤٥.

٣٥٢
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
(٣٠ مِنِ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ غَالِمًا مِنَ الْمُسْرِفِنَ
وَلَقَدْ نَحَّنَا بَنِىّ إِسْرَوِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ
مُظَرِينَ
٣١
وَلَقَدِ أَخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ (٢٧) وَءَانَتَهُم مِّنَ الْآَيَتِ مَا فِيهِ بَلَتْوَّأْ فِيهِ (٣) إِنَّ هَؤُلاءِ
هُمْ
فَأَتُواْ بِتَابَيْنَا إِن كُمْ صَدِفِينَ لَـ
لَقُولُونَ (٣) إِنْ هِىَ إِلَّ مَوْتَتُنَ الْأُوْلَى وَمَا نَحْنُ بِمُشَرِينَ (فَ)
٣٧
خَيْرُ أَمْ فَوْمُ تُبَعِ وَالَّذِينَ مِنْ قَبَّلِهِمْ أَفْلَكْنَهُمْ إِنَهُمْ كَانُواْ مُخْرِمِينَ
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبلَهُم قَومَ فِرِعَونَ وَجَاءَهُم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ على الله وهو موسى بن عمران (عليه
السلام)، وقيل: شريف وبسيط في قومه. ﴿أَن أَدُّوا﴾ أن إدفعوا. ﴿إِليَّ عِبَادَ اللهِ﴾ يعني بني
إسرائيل فلا يعذبهم. ﴿إِنِّي لَكُم رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ على الوحي.
﴿وَأَن لَّ تَعلُوا﴾ تطغوا وتبغوا. ﴿عَلَى اللهِ﴾ فتعصوه وتخالفوا أمره. ﴿إِنِّي آتِيكُم بِسُلطان
سُّبِين﴾ برهان مبين فتوعدوه بالقتل. فقال: ﴿وإِنِي عُذتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرجُمُون﴾ يقتلون، وقال
قتادة: ترجمون بالحجارة. ابن عباس: يشتمون ويقولون هو ساحر. ﴿وَإِن لَّم تُؤمِنُوا لِي
فَاعتزِلُون﴾ فخلوا سبيلي غير مرجوم باللسان ولا باليد.
﴿فَدَعَا رَبَّهَ أَنَّ هَؤُلاءِ قَومٌ مُّجِرِمُونَ﴾ مشركون، فقال سبحانه: ﴿فَأَسرٍ بِعِبَادِي﴾ بني
إسرائيل. ﴿لَيْلاً إِنَّكُم مُتَبَعُونَ﴾ يتبعكم فرعون وقومه.
﴿وَاتُرُكِ البَحرَ رَهواً﴾ إذا قطعته أنت وأصحابك رهواً ساكناً على حالته وهيئته الّتي كان
عليها حين دخلته. ﴿إِنَّهُم ◌ُنِدٌ مُّغْرَقُون﴾ .
واختلفت عبارات المفسرين عن معنى الرهو فروى الوالبي عن ابن عباس رهواً، قال:
سمتاً. العوفي عنه: هو أن يترك كما كان. كعب: طريقاً. ربيع: سهلاً. ضحاك: دمئاً. عكرمة:
يابساً جزراً، وقيل جذاذاً. قتادة: طريقاً يابساً، وأصل الرهو في كلام العرب السكون. قال
الشاعر:
يرونني خارجاً طيراً يناديد(١)
كإنما أهل حجر ينظرون متى
وأمه خرجت رهواً إلى عيد
طيراً رأت بازياً نضح الدماء به
يعني عليها سكون .
﴿كِمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونَ وَزُرُوعِ وَمَقَامٍ﴾ مجلس ﴿كَرِيم﴾ شريف وإنّما سماه كريماً
لأنّه مجلس الملوك، قاله مجاهد وسعيد بن جبير، وقالا: هي المنابر، وقال قتادة: الكريم
الخسن .
(١) جامع البيان للطبري: ٢٥ / ١٥٨.

٣٥٣
سورة الدخان، الآيات: ١٧ - ٣٧
﴿وَنَعَمَة كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ ناعمين فاكهين أشرين بطرين معجبين. ﴿كَذَلِكَ وَأورَثَنَاهَا قوماً
آخَرِينَ﴾ بني إسرائيل. نظيره قوله: ﴿وأورثنا القوم الّذِين كانوا يستضعفون﴾(١) الآية.
﴿فَمَا بَكَتِ عَلَيهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرضُ﴾ وذلك إن المؤمن إذا مات بكت عليه السّماء والأرض
أربعين صباحاً، وقال عطاء: في هذه الآية بكاءها حمرة أطرافها، وقال السدي: لما قتل
الحسين بن علي (﴿) بكت عليه السّماء، وبكاؤها حمرتها(٢).
حدثنا خالد بن خداش، عن حماد بن زيد، عن هشام، عن محمد بن سيرين. قال :.
أخبرونا إنّ الحمرة الّتي مع الشفق لم تكن، حتّى قتل الحسين ظُه(٣).
أخبرنا ابن بكر الخوارزمي، حدثنا أبو العیاض الدعولي، حدثنا أبي بكر بن أبي خثيمة،
وبه عن أبي خثيمة، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا سليم القاضي، قال: مطرنا
دماً أيام قتل الحسين (٤) ..
أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، حدثنا أبو علي المُقري، حدثنا أبو بكر الموصلي، حدثنا
أحمد بن إسحاق البصري، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة الرمدني، أخبرني
يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي ◌َّ إنّه قال: ((ما من عبد إلاّ له في السّماء بابان:
باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل منه عمله وكلامه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا هذه الآية:
﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾))(٥)، وذلك إنّهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملاً
صالحاً تبكي عليهم، ولم يصعد إلى السّماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ولا عمل
صالح فتفقدهم فتبكي.
أخبرنا عقيل بن محمد: إنّ المعافا بن زكريا أخبره، عن محمد بن جرير، حدثنا يحيى بن
طلحة، حدثنا عيسى بن يونس، عن صفوان بن عمر، عن شريح بن عبيد الحضرمي: قال رسول
الله وَله: ((إنّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، ألاّ لا غربة على مؤمن، ما مات مؤمن في غربة
غابت عنه فيها بواكيه، إلاّ بكت عليه السّماء والأرض)). ثمّ قرأ رسول الله (عليه السلام): ﴿فما
بكت عليهم السّماء والأرض﴾، ثمّ قال: ((إنّهما لا تبكيان على الكافر)) [٢١٤](٦).
﴿وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ * وَلَقَد نَجَيْنَا بَنِي إِسرَائِيلَ مِنَ العَذَابِ المُهينِ﴾ قتل الأبناء واستحياء
(١) سورة الأعراف: ١٣٧ ..
(٢) تفسير الطبري: ١٦٠/٢٥ ح ٢٤٠٧٢، وتفسير القرطبي: ١٤١/١٦.
(٣)
تفسير القرطبي :: ١٤١/١٦، والصواعق المحرقة: ١٩٤.
(٤) المصدر السابق، وذخائر العقبي: ١٤٥، والجرح والتعديل للرازي: ٢١٦/٤ رقم ٩٤١ .
(٦) الدر المنثور: ٦ / ٣٠
(٥) تفسير ابن كثير: ٤ / ١٥٣.

٣٥٤
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
النساء. ﴿مِن فِرِعَونَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ المُسرِفِينَ * وَلَقَد اختَرِنَاهُم﴾ يعني مؤمني بني إسرائيل.
﴿عَلَى عِلمٍ﴾ منّا لهم. ﴿عَلَى العَالَمينَ﴾ يعني عالمي زمانهم ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ الْآيَاتِ مَا فِهِ
بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾ قال قتادة: نعمة بيّنة حين فلق لهم البحر وظلّل عليهم الغمام وأنزل (١) عليهم المن
والسّلوى.
وقال ابن زيد: ابتلاهم بالرخاء والشدة، وقرأ: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا
ترجعون﴾(٢).
﴿إِنَّ هَؤُلاءٍ﴾ يعني مشركي مكّة. ﴿لَيَقُولُونَ إِن هِيَ إِلاَّ مَوتَتُنَا الأُولى وَمَا نَحنُ بِمُنشَرِينَ﴾
بمبعوثين بعد موتنا. ﴿فَأْتُوا بِآبَاءِنَا﴾ الّذين ماتوا. ﴿إِن كُنتُم صَادِقِينَ﴾ إِنَّا نُبعث أحياء بعد
الموت.
﴿أَهُمْ خَيرٌ أَم قَومُ تُبَّع﴾ قال قتادة: هو تبّع الحميري، وكان سار بالجيوش حتّى حيّر
الحيرة، وبنى سمرقند، وكان إذا كتب، كُتب باسم الّذي يملك براً وبحراً وضحاً وريحاً.
وذكر لنا إنّ كعباً يقول: ذمّ الله قومهُ ولم يذمّهُ، وكانت عائشة (﴿ٌ)) تقول: لا تسبوا تُبْعاً
فإنه كان رجلاً صالحاً، وقال سعيد بن جبير: هو الّذي كسا البيت.
أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، حدثنا أبو بكر بن محمد القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد
ابن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعه، حدثنا أبو زرعة عمرو بن
جابر، عن سهل بن سعد، قال: سمعت النبي (عليه السلام) يقول: ((لا تسبوا تُبّعاً، فإنّه قد كان
أسلم)) [٢١٥](٣) .
أخبرنا ابن فنجويه الدينوري، حدثنا عبيد الله بن محمد بن شنبه، حدثنا محمد بن علي
سالم الهمذاني، حدثنا أبو الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا
معمر، عن ابن أبي ذيب، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَليقول: ((ما أدري
تُبّع نبياً كان أم غير نبي)) [٢١٦](٤).
﴿وَالَّذِينَ مِن قَبلِهِم﴾ من الأمم الخالية الكافرة.
﴿أَهلَكناهُمْ إِنَّهُم كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَنِينَ
(٣٨)
مَا خَلَقْتَهُمَّا إِلَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثُهُمْ لَا
(١) وفي المخطوط: أنزلنا، وهو خطأ .
(٢) سورة الأنبياء: ٣٥.
(٤) عون المعبود: ١٢ / ٢٨١، تفسير ابن كثير: ٤ / ١٥٦.
(٣) مسند أحمد: ٥ / ٣٤٠.

٣٥٥
سورة الدخان، الآيات: ٣٨ - ٥٩
يَعَلَّمُونَ ﴿٢) إِنَّ يَوْمَ الْفَصِّلِ مِيفَتُهُمْ أَحْمَعِينَ ﴿ يَوْمَ لَا يُغْنِى هَوْلَى عَن نَّوْلَى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُصَرُونَ
(﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَّ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِمُ ﴿ إِنَّ شَجَرَنَ اَلْزَّقْوِ (١٣) طَعَامُ الْأَنْمِ لَ
كَالْمُهْلِ يَغْلِ فِىِ الْبُعُونِ (٤٥ كَعَلِ الْحَمِيمِ ( خُذُوهُ فَأَعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْمَحِيمِ (٤) ثُمَّ صُبُواْ فَوْقَ
إِنَّ
ذُقِّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ أَنْتَ (٦) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُم بِهِ، تَمْتَرُونَ.
رَأْسِهِ، مِنْ عَذَابِ الْحَمِ الأَ
الْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍ ﴿٨َ فِ جَتِ وَعُيُوتٍ (٥٦] يَلْسُونَ مِن سُنْدُسِ وَإِسْتَّبْرَقٍ مُتَقَلِلِينَ
كَذَلِكَ وَنَفَجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ (٥٦َ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَكِهَةٍ مَامِينَ ﴿٥َ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا أَلْمَوْتَ
إِلَّ الْمَوْنَّةُ اَلْأُوْلَّ وَوَقَدْهُمْ عَذَابَ الْمَحِيِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ زَيْكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (َ)
فَإِنَّمَا
٥٩
يَتَرْنَهُ بِلِسَائِكَ لَعَلَهُمْ بَذَكَّرُونَ (٥٨) فَأَرْيَفِبْ إِنَّهُم مُرْيَقِبُونَ
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمْوَاتِ وَالأَرضَ وَمَا بَيْنَهُما لاَعِبِينَ * وَمَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالحَقِّ وَلَكِنَّ أُكْثَرَهُم
لاَ يَعلَمُونَ * إِنَّ يَومَ الفَصلِ مِيقَاتُهُمْ أَجمَعِينَ * يَومَ لاَ يُغنِي مَولىٌ عَن مَّولىٌ شَيئاً﴾ لا يدفع ابن
عم عن ابن عمه ولا صديق عن صديقه.
﴿وَلاَ هُم يُنصَرُون إِلَّ مَن رُّحِمَ اللهُ﴾ إختلف النحاة في محل ﴿مَن﴾ فقال بعضهم: محله
رفع بدلاً من الاسم المضمر في ينصرون، وإن شئت جعلته ابتداء وأضمرت خبره، يريد ﴿إِلاَّ مَن
رحم الله﴾ فنغني عنه ونشفع له، وإن شئت جعلته نصباً على الإستثناء والإنقطاع، عن أول
الكلام يريد اللَّهُم ﴿إِلاَّ مَن رّحم الله﴾.
﴿إِنَّهُ هُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ * إِنَّ شَجَرَتَ الزقُّومِ طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ الفاجر وهو أبو جهل بن هشام.
أنبأني عقيل بن حمد، أخبرنا المعافا بن زكريا، أخبرنا محمد بن جرير، حدثني أبو
السائب، حدثني أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، قال: كان أبو
الدرداء يقريء رجلاً ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم، فلما
أكثر عليه أبو الدرداء فرآه لا يفهم. قال: قل إِنَّ شجرت الزقوم طعام الفاجر.
﴿كَالمُهلِ يغلي﴾ بالياء ابن كثير وحفص، ورُوَيس جعل الفعل غيرهم بالتاء التأنيث الشجرة.
﴿في البُطُونِ * كَغَليّ الحَمِيمِ خُذُوهُ﴾ يعني الأَثيم. ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ فادخلوه وادفعوه وسوقوه
الى النّار. يقال: عتله يعتله عتلاً إذاَ ساقه بالعنف والدفع والجذب. قال الفرزدق:
ليس الكرام بناحليك أباهم حتّى تردّ إلى عطية تُعْثَل(١)
أي ساق دفعاً وسحباً، وفيه لغتان: كسر التاء، وهي قراءة أبي جعفر وأبي مرو وأهل
الكوفة، وضمها وهي قراءة الباقي.
(١) جامع البيان للطبري: ٢٥ / ١٧٢.

٣٥٦
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
﴿إِلى سَواءِ الجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوقَ رَأْسِهِ مِن عَذَابِ الحَمِيم﴾ وهو الماء الّذي قال الله
تعالى: ﴿يصب من فوق رؤوسهم الحميم﴾(١) ثمّ يقال له: ﴿ذُق﴾ هذا العذاب. ﴿إِنَّكَ أَنتَ
العَزِيزُ﴾ في قومك. ﴿الكَرِيمُ﴾ بزعمك، وذلك إنّ أبا جهل. قال: ما بين حبليها رجل أعز ولا
أكرم مني. فيقول له الخزنة هذا على طريق الإستخفاف والتحقيق.
وقراءة العامة إنّك بكسر الألف على الابتداء، وقرأ الكسائي بالنصب على معنى لأنّك.
﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنتُم بِهِ تَمْتَرونَ﴾ تشكون ولا تؤمنون به فقد لقيتموه فذوقوه. ﴿إِنَّ المُتَّقِينَ فِي
مَقَامٍ أَمِين﴾ قرأ أهل المدينة والشام بضم (الميم) من المقام على المصدر أي في إقامة، وقرأ
غيرهم بالفتح أي في مكان کریم.
﴿فِي جَنَّات وَعُيُون يَلْبَسُونَ مِن سُندُس﴾ وهو ما رَقَّ من الديباج. ﴿وَإِسِتَبَرَقَ﴾ وهو ما
غلظ منه معرّب. ﴿مُتَقَابِلِينَ كَذَلِكَ﴾ وكما أكرمناهم بالجنان والعيون واللباس كذلك أكرمناهم
بأن. ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُور﴾ وهي النساء النقيات البياض، قال مجاهد: يحار فيهن الطرف من
بياضهنّ وصفاء لونهنّ، بادية سوقهنّ من وراء ثيابهنّ، ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن
كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون.
ودليل هذا التأويل إنّها في حرف ابن مسعود (بعيس عين) وهي البيض ومنه قيل للإبل
البيض عيس، وواحده بعير أعيس، وناقة عيساء، وقيل: الحور الشديدات بياض الأعين،
الشديدات سوادها، واحدها أحور، والعين جمع العيناء، وهي العظيمة العينين.
أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الله الطبري الحاجّي، حدثنا أبو علي الحسن
ابن اسماعيل بن خلف الخياط، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين بن الفرج، حدثنا محمد بن
عبيد بن عبد الملك، حدثنا محمد بن يعلي أبو علي الكوفي، حدثنا عمر بن صبيح، عن مقاتل
بن حيان، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَالر: ((مهور الحور العين قبضات
التمر وفلق الخبز)) [٢١٧](٢).
أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجویه، حدثنا محمد بن عمر بن إسحاق، عن حبش، حدثنا
عبد الله بن سليمان بن الأشعث، حدثنا أيوب بن علي - يعني الصباحي - حدثنا زياد بن سيار -
مولى لي - عن عزة بنت أبي قرصافة، عن أبيها قال: سمعت رسول الله ولو يقول: ((إخراج
القمامة من المسجد مهور الحور العين)) [٢١٨](٣).
﴿يَدْعُونَ فيها بِكُلِّ فَاكِهَةٍ﴾ اشتهوها. ﴿آَمِنِينَ﴾ من نفادها وعدمها في بعض الأزمنة ومن
(١) سورة الحج: ١٩.
(٢) تفسير القرطبي: ١٦ / ١٥٣.
(٣) تفسير القرطبي: ١٦ / ١٥٣.
ج٠٫

٣٥٧
سورة الدخان، الآيات: ٣٨ - ٥٩
غائلتها ومضرّتها، وقال قتادة: ﴿آمنين﴾ من الموت والأوصاب والشيطان.
﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا المَوتَ إِلَّ المَوتَةَ الأُولَى﴾ يعني سوى ﴿الموتة الأولى﴾ وبعدها وضع
﴿إِلاَّ﴾ موضع بعد كقوله: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلاَّ ما قد سلف﴾(١). يعني
بعدما قد فعل آباؤكم وسواه، وهذا كما يقول في الكلام: ما ذقت اليوم طعاماً سوى ما أكلته
أمس.
﴿وَوَقَاهُم عَذَابَ الجَحِيمِ * فَضلاً مِّن رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الفَوزُ العَظِيمُةِ * فإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ﴾
سهلناه، كناية عن غير مذكور.
﴿بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فَارْتَقِبْ﴾ فانتظر الفتح والنصر من ربّك. ﴿إِنَّهُم مُّرتَقِبُونَ﴾
بزعمهم قهرك.
٠٠٠
(١) سورة النساء: ٢٢.

٣٥٨
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
سُورَةُ الجَاتِيَةِ
مكيّة، وهي سبع وثلاثون آية، وأربعمائة وثمان
وثمانون كلمة، وألفان ومائة وواحد وتسعون حرفاً
أخبرنا أبو الحسن محمد بن القاسم الفقيه، أخبرنا أبو عمرو محمد بن جعفر العدل، حدثنا
إبراهيم بن شريك بن الفضل، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا سلام بن سليم، حدثنا
هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول
الله وَله: ((من قرأ حم الجاثية ستر الله عورته وسكن روعته عند الحساب)) [٢١٩](١).
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
وَفِى
ـحَمّ (١َ نَزِيدُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِ ﴿ إِنَّ ◌ِ السَّمُوَّتِ وَالأَرْضِ لَيْتِ لْمُؤْمِنَ
خَلْفِكُمْ وَمَا يَبْتُ مِنْ كَبَةٍ مَايَتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿ وَأَخْلَفِ الَّلِ وَأَنَّهَرِ وَمَّا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَّ السَّمَاءِ مِن رَّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ
اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَا وَنَصْرِيفِ الرِّيَجِ ءَإِنْتُ الرَّبَعِ يَعْفِلُونَ (٥) وَلَّكَ . إِنَتُ اللَّهِ نَُّوهَا عَلَكَ بِالْحَقِّ فَأَتِ حَدِيثٍ بَعْدَ الَهِ
وَبِهِ، يُؤْمِنُونَ ﴿ وَبَلْ لِكُلِّ أَفَكٍ أَثِ (٤) يَبَعُ ◌َنتِ اللَّهِ تُنْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ بُهِمُّ مُسْتَكْرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعَهَاً فَبِرَةُ
بِعَّابٍ أَلِمِ ﴿﴾ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَِنَا شَئًا أَخَذَهَا هُوَّا أُوْلَئِكَ لَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿﴿ مِّنْ وَرَآءِهِمْ جَهَمُ وَلَا يُقِى
عَنْهُم ◌َّا كَسَبُواْ شَيْئًا وَلَ مَا أَخَذُواْ مِن دُونِ اللّهِ أَوْلِيَةٍ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمُ (١٦) هَذَا هُدَى وَالَّذِينَ كَفَرُواْ ثَّتِ
بَيْهِمْ لَمْ عَذَابٌ مِّن رَّحْرِ أَلِهُ ﴿ ﴿ اللّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ الْبَعْرَ إِنَجَرِىَ الْقُلَكُ فِيهِ بِأَمْرِ، وَإِنََّعُوْ مِن فَضْلِهِ.
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٦) وَسَخَّرُ لَكُمْ مَّا فِ السََّوَّتِ وَمَا فِ وَمَا يَجِعًا مِنَّهُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَأَنْتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (®]
قُل لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَّعُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِئَ قَوْمَّا بِمَا كَانُواْ يَكِْبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صَلِحًا
فَنَفْسِةِ، وَمِنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُحَمُونَ (١٥) وَلَقَدْ ◌َانَيْنَا بَنِىّ إِسْرَِّلُ الْكِتَبَ وَاَلْحُكْرَ وَالنَّبُوَةَ
وَرَّزَفْتَهُم مِّنَّ الَِّنْتِ وَفَضَّلْنَهُ عَلَى الْعَلَمِنَ (١٦) وَءَاتَيْنَهُم بَيِّنَتٍ مِنَ الْأَمْرُّ فَمَا أَخْتَلَفُواْ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا
جَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغِيًَّا بَنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ بَقْضِى يَتَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ () ثُمَّ جَعَلْتَكَ
عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَتَّبِغْهَا وَلَا نَتَّيَعْ أَهْوَءُ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٦) إِنَّهُمْ لَى يُغْنُواْ عَنَكَ مِنَ الَّهِ شَخَاً
وَإِنَّ الَِّينَ بَعْضُهُمْ الْظِّينَ بَعْضِ وَلَهُ وَلِىُّ الْمُنَّعِينَ (١٦) هَذَا بَصَّهُ لِلنَّاسِ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
(جَ أَمَّ حَسِبَ الَّذِينَ أَحْتَرَجُواْ السَّيِّعَاتِ أَنْ يَّحْمَهُمْ كَذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوََّ نَّجْنَهُمْ وَمَمَانُهُمْ
سَآءَ مَا يَمْكُّعُونَ
﴿حم * تَنزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللهِ العَزيزَ الحَكِيمِ * إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرضِ لآيات لّلمُؤمِنِينَ
(١) تفسير مجمع البيان: ٩ / ١١٨

٣٥٩
سورة الجاثية، الآيات: ١ - ٢١
* وَفِي خَلقِكُمْ وَمَا يَبْثُ مِن دَابَّةِ آيَاتٌ﴾ .
قرأ حمزة والكسائي ويعقوب بكسر التاء من آيات وكذلك الّتي بعدها رداً على قوله:
﴿لآيات﴾ وقرأ الباقون برفعها على خبر حرف الصفة.
﴿لَّقَومٍ يُوقِنُونَ * واختلاف الَّيلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزق﴾ يعني الغيث
سماه رزقاً لأنّه سبب أرزاق العباد وأقَواتهم ﴿فَأَحَيَا بِهِ الأَرضَ بَعدَ مَوتِهَا وَتَصرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ
لِقَومٍ يَعْقِلُونَ * تِلكَ آيَاتُ اللهِ نَتَلُوهَا عَلَيكَ بِالحَقِّ. فَبِأَيِّ حَدِيث بَعدَ اللهِ﴾. أي بعد حديث الله
وكلامه. ﴿وَآيَاتِهِ﴾ وحججه ودليله. ﴿يُؤمِنُونَ﴾ قرأ أهل الكوفة بالتاء، وأختلف فيه عن عاصم
ويعقوب عنهم بالياء.
﴿وَيَلٌ لَّكُلِّ أَنَّاكِ﴾ كذاب. ﴿أَثِيمِ * يَسمَعُ آيَاتِ الله تُتَلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُستَكبِراً كَأَن لَّم
يَسمَعَهَا. فَبَشِّرُهُ بِعَذَابِ أَلِيمٍ * وَإِذا عَلِمَ﴾ يعني قوله ﴿مِن آيَاتِنَا شَيئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً. أُولَئِكَ لَهُم
عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ نزلت في أبي جهل وأصحابه. ﴿مِّن وَرَائِهِم﴾ أمامهم. ﴿ِجَهَنَّمُ﴾ نظيرِه في سورة
إبراهيم (عليه السلام) . ﴿وَلاَ يُغنِي عَنْهُم مَا كَسَبُوا﴾ من الأموال. ﴿شَيئاً وَلاَ مَا اتخَذُوا مِن دُونِ
اللهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني الأوثان.
﴿وَلَهُم عَذَابٌ عَظِيمٌ هَذَا﴾ القرآن. ﴿هدىٍّ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم لَهُم عَذَابٌ مِّن رِجز
أَلیمٌ﴾ من عذاب موجع.
﴿اللّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحرَ لِتَجِرِيَ الفُلكُ فِيهِ بِأَمرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *
وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ جَمِيعاً مِّنهُ﴾ فلا تجعلوا لله أنداداً.
أخبرنا ابن فنجويه الدينوري، حدثنا طلحة وعبد الله، قالا: حدثنا ابن مجاهد، حدثني ابن
أبي مهران، حدثني أحمد بن يزيد، حدثنا شبابة، عن أبي سمبلة، عن عبد العزيز بن علي
القريشي، حدثنا محمد بن عبد الله بن أيوب الثقفي، عن عثمان بن بشير، قال: سمعت ابن عباس
يقرأ: ﴿وسخّر لكم مّا في السماوات وما في الأرض جميعاً مّنه﴾ مفتوحة (الميم)، مرفوعة
(النون)، وبه رواية، عن ابن عمر، قال: سمعت مسلمة يقرأ: ﴿وسخر لكم مّا في السماوات وما
في الأرض جميعاً مّنه﴾ مفتوحة (الميم) مرفوعة (النون) وهي مشددة، (والهاء) مضمومة.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَومِ يَتَفَكَّرُونَ قُل لَّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرِجُونَ أَيَّامَ اللهِ﴾ أي لا
يخافون وقائع الله ولا يبالون نقمه، قال ابن عباس ومقاتل: نزلت في عمر بن الخطاب ﴿ ﴿، وذلك أنّ
رجلاً من بني غفار كان يشتمه فهمّ عمر أن يبطش به، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره بالعفو.
أخبرنا الحسين بن محمد بن عبد الله، حدثنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله، حدثنا
الحسن بن علوية، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار، حدثنا محمد بن زياد الشكري، عن ميمون
ابن مهران، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿من ذا الّذي يقرض الله قرضاً حسناً﴾(١).
(١) سورة البقرة: ٢٤٥.

٣٦٠
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
قال يهودي بالمدينة يقال له فنحاص: احتاج ربّ محمد.
قال: فلما سمع بذلك عمر بن الخطاب إشتمل على سيفه وخرج في طلبه. فجاء جبريل إلى
محمد وَّ، فقال: إنّ ربّك يقول: ﴿قُل للذين آمنوا يغفروا للّذِين لا يرجون أيّام الله﴾، وأعلم إِنّ
عمر بن الخطاب قد إشتمل على سيفه وخرج في طلب اليهودي)). فبعث النبي ◌َّ في طلبه، فلما
جاءه، قال: ((ياعمر خرج سيفك؟)). قال: صدقت يارسول الله، أَشهد أنّك أُرسلت بالحقّ، قال:
((فإنّ ربّك يقول: ﴿قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله(١))) [٢٢٠].
قال: لا جرم والّذي بعثك بالحقّ لا يُرى الغضب في وجهي.
قال القرظي والسدي: نزلت في ناس من أصحاب رسول الله كلخير من أهل مكّة كانوا في
أذىّ شديد من المشركين، قبل أن يؤمروا بالقتال فشكوا ذلك إلى رسول الله و لو وأنزل الله تعالى
هذه الآية ثمّ نسختها آية القتال.
﴿لِيَجْزِيَ قَوماً﴾ بفتح الياءين وكسر الزاء، وقرأ أبو جعفر بضم الياء الأولى وجزم الثانية،
قال أبو عمرو: وهو لحن ظاهر، وقال الكسائي: وهذه ليجري الجزاء قوماً، وقرأ الباقون بفتح
اليائين على وجه الخبر عن الله تعالى، واختاره أبو عبيده وأبو حاتم لذكر الله تعالى قبل ذلك.
﴿بِمَا كَانُوا يَكِبُونَ * مَن عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَن أَسَاءَ فَعَلَيْهَا. ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرجَعُونَ *
وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الكِتَابَ والحُكمَّ والنَّبُوةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَيِّبَاتِ﴾ الحلالات، يعني المِن
والسلوى. ﴿وَفَضَّلْنَاهُم عَلَى العَالَمِينَ وآتَيْنَاهُم بَيَِّاتٍ مِّنَ الأَمرِ﴾ يعني أحكام التوراة.
﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِن بَعدِ مَا جَاءَهُمُ العِلمُ بَغياً بَيْنَهُم. إنَّ رَبَّكَ يَقضِي بَيْنَهُم يَومَ القِيَامِةِ فِيمَا
كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * ثُمَّ جَعَلنَاكَ على شَرِيعَةٍ﴾ سنة وطريقة. ﴿مِّنَ الأَمرِ﴾ من الدّين.
﴿فَاتَّبِعِهَا وَلاَ تَتَّبَعَ أَهوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعلَمُونَ﴾ يعني مُراد الكافرين الجاهلين، وذلك حين دُعي
إلی دین آبائه .
﴿إِنَّهُم لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللهِ شَيئاً﴾ إن إتبعت أهواءهم. ﴿وَإِنَّ الَّالِمِينَ بَعِضُهُم أَوِلِيَاءُ بَعض
واللهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ * هذا﴾ يعني هذا القرآن. ﴿بَصَائِرِ﴾ معالم. ﴿لِلنَّاسِ﴾ في الحدود والأحكام
يبصرون بها .
﴿وَهُدىٍّ وَرَحمَةٌ لِقَومٍ يُوقِنُونَ أَم حَسِبَ الَّذِينَ اجتَرَحُوا﴾ إكتسبوا. ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ يعني الكفر
والمعاصي.
﴿أَنْ نَجِعَلَهُم كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحِاتِ سَوَاءً﴾ قرأ أهل الكوفة نصباً واختاره أبو
عبيدة، وقال: معناه نجعلهم سواءً، وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء والخبر، واختاره أبو
حاتم، وقرأ الأعمش ﴿ومماتهم﴾ بنصب التاء على الظرف، أي في.
﴿مَّحِيَاهُمْ وَمَمَاتُهُم سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ بئس ما يقضون، قال المفسرون: معناه المؤمن في
(١) أسباب نزول الآيات: ٢٥٤.