Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
سورة الصافات، الآيات: ١ - ٢٣
القاسم الحسن بن محمد النيسابوري يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن علي البغدادي يقول:
سُئل جنيد عن هذه الآية فقال: إنّ الله لا يعجب من شيء، ولكنّ الله وافق رسوله لمّا عجب
رسوله، فقال: ﴿فإن تعجب فعجب قولهم﴾(١). أي هو لما يقوله.
وقرأ الآخرون بفتح التاء على خطاب النبي وَّر، وهي قراءة شريح القاضي. قال: إنما
يعجب من لا يعلم، والله عنده علم كلّ شيء، ومعناه، بل عجبت من تكذيبهم إياك.
﴿ويسخرون﴾ وهم يسخرون من تعجبك.
﴿وإذا ذُكّروا لا يذكرون﴾ وإذا وعظوا لا يتعظون.
﴿وإذا رأوا آيةً﴾ يعني انشقاق القمر ﴿يستسخرون﴾ يسخرون وقيل: يستدعي بعضهم بعضاً
إلى أن يسخر.
﴿وقالوا إن هذا إلّ سحرٌ مبين * أإذا متنا وكنا تراباً وعِظاماً أوِنا لمبعوثون * أو آباؤنا﴾
يعني: وآباؤنا ﴿أو﴾ بمعنى الواو ﴿الأولون * قل نعم وأنتم داخرون﴾: صاغرون. ﴿فإنما هي﴾
يعني: النفخة والقيامة ﴿زجرة﴾: صيحة ﴿واحدة فإذا هم ينظرون﴾ أحياء. ﴿وقالوا يا ويلنا هذا
يوم الدين * هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون * احشروا الذين ظلموا وأزواجهم﴾ أخبرني
الحسن بن محمد المدني قال: حدّثنا محمد بن علي الحسن الصوفي قال: حدّثنا محمد بن
عثمان بن أبي شيبة قال: حدّثنا عمّي أبو بكر قال: حدّثنا وكيع عن سفيان عن سماك، عن
النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضيُبه قال: سمعت رسول الله وَ ل يقول: ﴿احشروا الذين
ظلموا وأزواجهم﴾ قال: ((ضرباءهم)) [٨٦](٢)، وقال ابن عباس: أشباههم. ضحاك ومقاتل:
قرناءهم من الشياطين، كل كافر معه شيطانه في سلسلة. قتادة والكلبي: كل من عمل مثل
عملهم، فأهل الخمر مع أهل الخمر، وأهل الزنا مع أهل الزنا، وقال الحسن: وأزواجهم
المشركات(٣).
﴿وما كانوا يعبدون من دون الله﴾ في الدنيا ﴿فاهدوهم﴾: فادعوهم، قاله الضحاك، وقال
ابن عباس: دلّوهم، وقال ابن كيسان: فدلوهم، والعرب تسمي السائق هادياً، ومنه قيل: الرقية
هادية السائق، قال امرؤ القيس :
عصارة حنا بشيب مرجّل(٤)
كأن دماء الهاديات بنحره
﴿إلى صراط الجحيم﴾: طريق النار.
(١) سورة الرعد: ٥.
(٢) تفسير الطبري: ٢٣ / ٥٦.
(٣) راجع تفسير القرطبي: ١٥ / ٧٣.
(٤) الصحاح: ٦ / ٢٥٣٤.

١٤٢
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
وَأَقْلَ بَعْضُغُمْ عَلَى بَعْضِ
وَقِفُوُّ إِنَّهُمْ فَسْئُولُونَ (٢٦) مَا لَكُمْ لَا نَاصَرُونَ (٣٥) بَلْ هُ أَلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ
يَسََّ لُونَ ﴿١٨) قَالُواْ إِنَّكُمْ كُمْ نَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٨َ قَالُوا بَلِ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَا عَلَيْكُمْ مِن
سُلْطَنَّ بَلْ كُمْ قَوْمَا طَعِينَ ﴿٣) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَيِّنَاً إِنَّا لَذَآَبِقُونَ ﴿٦َ فَأَنْوَيْنَكُمْ إِنَّا كُنَا غَوِينَ (٦َا فَإِنَهُمْ
يَوْمَيِدٍ فِىِ الْعَذَّابِ مُشْتَرَكُونَ (٢٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُحْرِمِينَ (٣٦) إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا كَانُواْ لَهُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ
يَسْتَكْبُونَ ﴿٢) وَيَقُولُونَ أَبِنَّا لَتَرِكُوْ ءَالِهَيِّنَا لِشَاعِ تَحْتُونِ (٢٦) بَلْ جَآءَ بِالْحَقِّ وَصَدِّقَ الْمُرْسَلِينَ (َ) إِنَّكُمُ
لَذَابِقُواْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ ﴿٢٣) وَمَا تُحُزَّوْنَ إِلَّ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ (٢٦) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴿ أَوْلَئِكَ لَهُمَّ
رِزْقُ مَّعْلُومُ (٤١) فَكَّهُ وَهُم مُّكَرَفُونَ (٤٣) فِ جَنَّتِ النَّعِ ﴿١٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَغَِّنَّ ﴿٤٤َ بَطَاقُ عَلَيْهِم بِكَأْسِ
مِنْ مَّعِينِ (٤) يَعْنَّهُ لَذَّةٍ لِشِّرِيِنَ (١٣) لَا فِهَا غَوْلُ وَلَا هُمْ عَنَهَا يُتَزَّفُونَ (٤٧] وَعِندَهُمْ فَصِرَّتُ الطَّرْفِ
() فَأَقْلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ بَكَسَآَ لُونَ فِّ ◌َ
كَهُنَّ بَيَضُْ مَكْتُنٌ.
عِينٌ (٤٨)
قَالَ فَبِلٌ مِنْهُمْ إِلَِّ كَانَ لِى
قَرِينٌ ﴿﴿ يَقُولُ أَنَّكَ لَيْنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٦) أَوْنَا مِنْنَا وَّكُنَا تُرَابًاً وَعِظَمَا أَونَّا لَمَدِيِنُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَلِعُونَ
قَالَ ثَلَّهِ إِن كِدَّ لَُِينٍ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَقِ لَكُنتُ مِنَ
فَأَطَلَعَ فَرَهُ فِى سَوَءِ الْجَحِيمِ
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْغَوْزُ الْعَظِيمُ
٥٩
إِلَّا مَوْنَاَ الأُولَى وَمَا نَخْنُ بِمُعَذِّبِينَ
٥٨
الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَقَمَا نَحْنُ بِمَيْتِينَ
لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَلْمِلُونَ
﴿وقفوهم﴾ واحبسوهم، يُقال: وقفته وقفاً فوقف وقوفاً. ﴿إنهم مسؤولون﴾ قال ابن
عباس: عن لا إله إلّ الله. ضحاك: عن خطاياهم. القرظي: عن جميع أقوالهم وأفعالهم.
أخبرني الحسين بن محمد الدينوري قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي قال: حدّثنا
محمد بن أيوب قال: أخبرنا محمد بن عقبة قال: حدّثنا أبو حصين بن نمير الهمداني قال:
حدّثنا حسين بن قيس الرحبي - وزعم أنه شيخ صدوق - قال: حدّثنا عطاء عن أبي عمر عن عبد
الله بن مسعود عن النبي ولو أنه قال: ((لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس
خصال: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين كسبه، وفيما أنفقه، وما
عمِلَ فيما علم)) [٨٧](١) .
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب قال: حدّثنا محمد بن
أحمد بن عبد الرَّحْمن بطرسوس قال: حدّثنا أحمد بن خليد قال: حدّثنا يوسف بن يونس
الأخطف الأقطس قال: حدّثنا سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال
رسول الله وثيق: ((إذا كان يوم القيامة دعا الله سبحانه بعبد من عبيده فيوقفه بين يديه فيسائله عن
جاهه كما يسائله عن ماله)) [٨٨](٢).
(١) سنن الترمذي: ٤ / ٣٥.
(٢) مجمع الزوائد: ١٠ / ٣٤٦.

١٤٣
سورة الصافات، الآيات: ٢٤ - ٦١
﴿مالكم لا تناصرون﴾ أي لا تنتقمون ولا ينصر بعضهم بعضاً، يقوله خزنة النار للكفار،
وهذا جواب أبي جهل حين قال يوم بدر: نحن جميع منتصر.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿بل هم اليوم مستسلمون﴾ قال ابن عباس: خاضعون. الحسن:
منقادون. الأخفش: ملقون بأيديهم، وقال أهل المعاني: مسترسلون لما لا يستطيعون له دفعاً
ولا منه امتناعاً كحال الطالب السلامة في نزل المنازعة.
﴿وأقبل بعضهم على بعض﴾ يعني: الرؤساء والأتباع ﴿يتساءلون﴾: يتخاصمون.
﴿قالوا﴾ يعني: الأتباع للرؤساء: ﴿إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين﴾ أي من قِبَل اليمين
فتضلوننا عنه، قاله الضحاك، وقال مجاهد: عن الصراط الحق: وقال أهل المعاني: أي من
جهة النصيحة والبركة والعمل الذي يتيمن به، والعرب تتيمن بما جاء عن اليمين، وقال بعضهم:
أي عن القوة والقدرة كقول الشماح.
تلقاها عرابة باليمين(١)
إذا ماراية رفعت لمجد
أي بالقوة وغرابة اسم ملك اليمن.
﴿قالوا﴾ يعني: الرؤساء ﴿بل لم تكونوا مؤمنين * وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم
قوماً طاغين * فحقّ علينا﴾ وعليكم ﴿قول ربنا) يعنون قوله سبحانه: ﴿لأملأن جهنم من الجنة
والناس أجمعين﴾(٢).
﴿إنّ﴾ جميعاً ﴿لذائقون﴾ العذاب.
﴿فأغويناكم﴾: فأضللناكم لأنا كنّا ﴿غاوين﴾ ضالين، قال الله سبحانه: ﴿فإنهم يومئذ في
العذاب مشتركون * إنا كذلك نفعل بالمجرمين * إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلاّ الله يستكبرون
* ويقولون أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون﴾ يعني النبي صلّى الله عليه وآله. قال الله سبحانه رداً
عليهم: ﴿بل جاء بالحق وصدّق المُرسَلين * إنكم لذائقو العذاب الأليم * وما تُجزون إلّ ما
كنتم تعملون * إلّ عباد الله المخلصين * أُولئك لهم رزقٌ معلوم﴾ يعني: بكرة وعشية، كقوله:
﴿ولهم رزقهم فيها بكرةً وعشيّاً﴾(٣).
﴿فواكه﴾: جمع الفاكهة، وهي كلّ طعام يُؤكل للتلذذ لا للقوت الذي يحفظ الصحة،
يُقال: فلان يتفكّه بهذا الطعام، ﴿وهم مُكرمون * في جنات النعيم * على سُرر متقابلين *
يُطاف عليهم بكأس﴾: إناء فيه شراب، ولا يكون كأساً حتى يكون فيه شراب، وإلّ فهو إناء،
(١) لسان العرب: ١ / ٥٩٣.
(٢) سورة السجدة: ١٣.
(٣) سورة مريم: ٦٢.

١٤٤
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
قال الأخفش: كل كأس في القرآن فهو خمر ﴿من معين﴾: خمر جارية في أنهار طاهرة العيون،
ويجوز أن يكون فعيلاً من (المعن) وهو الإسراع والشدة من (أمعن في الأمر) إذا اشتدّ دخوله
فيه. يعني : خمراً شديدة الجري سريعته.
﴿بيضاء﴾ أي صافية في نهاية اللطافة ﴿ولذة﴾: لذيذة ﴿للشاربين * لا فيها غول﴾ أي إثم
عن الكلبي، نظيره ﴿لا لغوٌ فيها ولا تأثيم﴾(١). قتادة: وجع البطن. الحسن: صداع. مجاهد:
داء. ابن كيسان: مغص. الشعبي: لا تغتال عقولهم فتُذهب بها، وقال أهل المعاني: الغول:
فساد يلحق في خفاء، يُقال: اغتاله اغتيالاً إذا فسد عليه أمره في خفية، ومنه الغول والغيلة وهو
القتل خفية .
﴿ولا هم عنها ينزفون﴾ قرأ حمزة والكسائي وخلف: بكسر الزاي هاهنا وفي سورة
الواقعة، وافقهم عاصم في الواقعة. الباقون: بفتح الزاي فيهما. فمن فتح الزاي، فمعناه: لا
تغلبهم على عقولهم ولا يسكرون، يقال: نزف الرجل فهو منزوف ونزيف، إذا سكر وزال عقله،
قال الشاعر(٢):
فلثمتُ فاها آخذاً بقرونها
شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
أي السكران، ومن كسر الزاي فمعناه: لا ينفد شرابهم. يُقال: أنزف الرجل فهو منزوف
إذا فنيت خمره. قال الحطيئة:
لعمري لئن أنزفتمُ أو صحوتِمُ لبئس الندامى كنتمُ آل أبجرا(٣)
﴿وعندهم قاصرات الطرف﴾: حابسات الأعين، غاضّات الجفون، قصرن أعينهن عن غير
أزواجهن، فلا ينظرن إلاّ إلى أزواجهنّ ﴿عين﴾ نجل العيون حسانها، واحدتها: عيناء، يُقال:
رجل أعين وامرأة عيناء ورجال ونساء عين.
﴿كأنهنّ بيضٌ﴾: جمع البيضة ﴿مكنون﴾ مستور مصون. قال الحسن وابن زيد شبههن
ببيض النعامة تكنها (٤) بالريش من الريح والغبار(٥)، وقيل: شبههن ببطن البيض قبل أن يُقشر،
وهو معنى قول ابن عباس، وإنما ذكّر المكنون والبيض جمع؛ لأنه ردّه إلى اللفظ.
﴿فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ في الجنة. ﴿قال قائلٌ منهم إنّ كان لي قرين﴾ في
(١) سورة الطور: ٢٣.
(٢)
الصحاح: ١ / ٣٠٦.
(٣) لسان العرب: ٩ / ٣٢٧.
(٤) تكنها: تحميها، والكن: كل شيء وفى شيئاً، راجع كتاب العين: ٥ / ٢٨١.
(٥) راجع تفسير القرطبي: ١٥ / ٨٠، وفتح القدير: ٤ / ٣٩٤.
٢٠٠٠ #

١٤٥
سورة الصافات، الآيات: ٦٢ - ٧٨
الدنيا. قال مجاهد: كان شيطاناً، وقال آخرون: كان من الإنس. قال مقاتل: كانا أخوين، وقال
الباقون: كانا شريكين: أحدهما فطروس وهو الكافر، والآخر يهوذا وهو المؤمن، وهما اللذان
قصّ الله حديثهما في سورة الكهف.
﴿يقولُ أإنك لمن المُصدّقين﴾ بالبعث؟ ﴿أإذا متنا وكنّا تُراباً وعِظاماً أإِنا لمدينون﴾:
مجزيون ومحاسبون ومملوكون ﴿قال﴾ الله سبحانه لأهل الجنة: ﴿هل أنتم مطّلعون﴾ إلى النار؟
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثنا أبو القاسم بن الفضل قال: حدّثنا أحمد
ابن يزيد المقرئ عن جلاد عن الحكم بن طاهر، عن السدي، عن أبي ملك عن ابن عباس أنه
قرأ ﴿هل مطلعون * فاطّلع﴾ بخفضهما وبكسر اللام، قال: رافعون فرفع، قال ابن عباس:
وذلك أنّ في الجنة كوىّ(١) فينظر أهلها منها إلى النار وأهلها.
﴿فاطّلع﴾ هذا المؤمن ﴿فرآه في سواء الجحيم﴾ فرأى قرينه في وسط النار.
﴿قال تالله إن كدتَ لتُردين﴾ ما أردت إلاّ أن تهلكوا(٢) وأصله من التردّي. ﴿ولولا نعمة
ربي﴾: عصمته ورحمته ﴿لكنتُ من المحضرين﴾ معك في النار.
﴿أفما نحن بميتين * إلاّ موتتنا الأُولى وما نحنُ بمعذّبين﴾، فتقول لهم الملائكة: لا،
وقيل: إنما يقولونه على جهة الحديث بنعمة الله سبحانه عليهم في أنّهم لا يموتون ولا يعذّبون،
وقيل: يقوله المؤمن على جهة التوبيخ لقرينه بما كان ينكره.
وإن هذا لهو الفوز العظيم * لمثل هذا فليعمل العاملون
أَذَلِكَ خَيْرٌ نُوْلًا أَمْ شَجَرَةُ الْرَّقُّومِ ﴿َ إِنَّا جَعَلْتَهَا فِتْنَةً لِظَّالِمِينَ ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَّخْرُجُ فِىَ أَصْلِ
اَلْحَحِيمِ (19) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشِّيَطِينِ (٢٥) فَإِنَهُمْ لَ كِلُونَ مِنْهَا فَمَا ◌ِئُونَ مِنْهَا الْعُونَ (٦َ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ
فَهُمْ عَلَّ
إِنَّهُمْ أَلْفَوْ ءَبَآءَ هُمْ صَالِّينَ ◌َ
عَلَيْهَا لَشَوْبًّاً مِّنْ حَمِيمٍ (١٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَ الْمَحِيمِ (َ)
(١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُنْذِرِينَ ﴿٧) فَأَنْظُرْ
) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ
ءَاتَّرِهِمْ يُهْرَعُونَ
كَيَّفَ كَانَ عَلِفِيَةُ الْمُنْذَّرِينَ ﴿ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٢٨) وَلَقَدْ نَادَمِنَا نُوحٌ فَلِعْمَ الْمُجِيبُونَ
وَتَرَكْنَا عَلَّهِ فِ اَلْأَِينَ.
وَجَعَلْنَا ذُرْيَتْهُ هُرُ الْبَاقِينَ
وَنَّنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
٧٥
﴿أذلكَ خيرٌ نزلاً﴾: رزقاً ﴿أم شجرةُ الزقوم﴾، والزقوم ثمرة شجرة كريهة الطّعم جداً، من
قولهم: يزقم هذا الطعام، إذا تناوله على كره ومشقة شديدة.
﴿إنا جعلناها فتنةً للظالمين﴾: للكافرين، وذلك أنهم قالوا: كيف يكون في النار شجرة
(١) الكوى: جمع كوة وهي الطاقة والنافذة الصغيرة.
(٢) كذا في المخطوط.

١٤٦
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
والنار تحرق الشجر؟! وقال ابن الزبعرى لصناديد قريش: إنّ محمداً يخوفنا بالزقوم وإنّ الزقوم
بلسان بربر وأفريقية الزبد والتمر، فأدخلهم أبو جهل بيته وقال: يا جارية زقّمينا. فأتتهم بالزبد
والتمر، فقال: تزقّموا فهذا ما يوعدكم به محمد، فقال الله سبحانه: ﴿إنها شجرةٌ تخرجُ في
أصل الجحيم): قعر النار. قال الحسن: أصلها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها .
﴿طلعها﴾ ثمرها، سمّي طلعها لطلوعه ﴿كأنه رؤوس الشياطين﴾ قال بعضهم: هم
الشياطين بأعيانهم، شبهّه بها لقبحه؛ لأن الناس إذا وصفوا شيئاً بعاهة القبح قالوا: كأنه
شياطين، وإن كانت الشياطين لا تُرى؛ لأن قبح صورتها متصوّر في النفس، وهذا معنى قول ابن
عباس والقرظي، وقال بعضهم: أراد بالشياطين الحيّات، والعرب تُسمي الحية القبيحة الخفيفة
الجسم شيطاناً، قال الشاعر:
تلاعب مثنى حضرمي كأنه تعمج شيطان بذي خروع قفر (١)
وقال الراجز:
عنجرد تخلف حين أحلف كمثل شيطان الحماط أعرف (٢)
والأعرف: الذي له عرق، وقيل: هي شجرة قبيحة خشنة مرة منتنة، تنبت في البادية
تسميها العرب رؤوس الشياطين.
﴿فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون﴾، والملء: حشو الوعاء بما لا يحتمل زيادة
عليه، ﴿ثم إنّ لهم عليها لشوباً﴾: خلطاً ومزاجاً، وقال مقاتل: شراباً ﴿من حميم): ماء حار
شديد الحرارة، ﴿ثم إن مرجعهُم لإلى الجحيم﴾ ثم بمعنى قبل، مجازه: وقبل ذلك مرجعهم
لإلى الجحيم، كقول الشاعر:
إنّ من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده(٣)
أي قبل ذلك ساد أبوه، ويجوز أن تكون بمعنى الواو.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي المقري قال: حدّثني علي بن الحسن بن سعد
الهمداني قال: حدّثنا عباس بن يزيد بن أبي حبيب قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا سفيان
عن ميسرة عن المنهال عن أبي عبيدة عن عبد الله أنه قرأ (ثم إنّ مقتلهم لإلى الجحيم).
﴿إنهم ألفوا﴾: وجدوا ﴿آباءهم ضالين * فهم على آثارهم يُهرعون﴾ يسرعون.
﴿ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين * ولقد أرسلنا فيهم منذرين﴾: مرسلين ﴿فانظر كيف كان
(١) لسان العرب: ٢ / ٣٢٨.
(٢) لسان العرب: ٣ / ٣١١.
(٣) مغني اللبيب: ١ / ١١٧.

١٤٧
سورة الصافات، الآيات: ٧٩ - ٩٨
عاقبة المنذرين * إلّ عباد الله المخْلَصين * ولقد نادانا نوحٌ﴾، نظيره: ﴿ونوحاً إذ نادى من
قبل﴾(١)، وهو قوله: ﴿فدعا ربه أنّي مغلوبٌ فانتصر﴾(٢) .
﴿فلنعمَ المُجيبون﴾ على التعظيم، ﴿ونجّيناه وأهله من الكرب العظيم﴾، وهو الغرق،
{وجعلنا ذريته هم الباقين﴾، أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال:
حدّثنا زكريا بن يحيى الساجي قال: حدّثنا بندار قال: حدّثنا محمد بن خالد بن غيمة قال: حدّثنا
سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي ◌ّ في قوله ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾
قال: ((سام وحام ويافث)) [٨٩](٣).
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا محمد بن عمران بن هارون قال:
حدّثنا أبو عبد الله المخزومي قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن
المسيّب قال: كان وُلْد نوح ثلاثة: سام وحام ويافث، فسام أبو العرب وفارس وروم، وحام أبو
السودان من المشرق إلى المغرب، ويافث أبو الترك ويأجوج ومأجوج وما هنالك.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا مخلد بن جعفر الباقرحى قال: حدّثنا الحسن بن علوية
قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرنا جويبر ومقاتل عن
الضحاك عن ابن عباس قال: لما خرج نوح عليه السلام من السفينة مات مَن معه من الرجال
والنساء إلاّ ولده ونساءهم، فذلك قوله: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾.
﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾، أي لقينا له ثناء حسناً وذكراً جميلاً فيمن بعده من الأنبياء
والأُمم.
ثُمَّ أَغْرَقْنَا
إِنَّا كَذَلِكَ نَحْرِى الْمُحْسِنِينَ (٨) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِّيِنِّ
٧٩
سَلَمُ عَلَى نُوجِ فى الْعَلَمِينَ
اْلَخْرِينَ
﴿ وَإِنَّ مِنْ شِيعَيْهِ، لَإِثْرَهِمْ (٨٣) إِذْ جَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٢) إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَّوْمِهِ. مَاذَا
٨٢
فَظَرَ نَظَرَةً فِ النُّجُومِ
تَبْدُونَ (٨٥) أَبِفْكًا وَالِهَةُ دُونَ اَللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنْكُ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ
فَقَالَ إِنِ سَقِيمٌ
٩٢
مَا لَكُمْ لَا نَطِقُونَ
فَوَلَّوْ عَنْهُ مُدِّينَ (٦٥) فَرَاعٌ إِلَى ءَالَنِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُونَ
٨٩
(٩٥) وَاللَّهُ نَحْتُونَ وَمَا تَعْمَلُونَ
(٩٤) قَالَ أَتَغْيُدُونَ مَا نَْحِتُّونَ
فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ بَرِفُونَ
فَاغَ عَلَيْ ضَرْبَاْ بِأَلْيَمِينِ (َ
(٩٦
قَالُواْ أَبُوْ لَهُ بُلْيَنَا فَأَلْغُوهُ فِ اَلْجَّحِيمِ
١٩٧
فَأَرَادُواْ بِهِ، كَيْدَاً فَعَلْنَهُمُ الْأَسْفَلِينَ
﴿سلامٌ على نوح في العالمين * إنا كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين *
(١) سورة الأنبياء: ٧٦.
(٢) سورة القمر: ١٠.
(٣) جامع البيان للطبري: ٢٣ / ٨٠.

١٤٨
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
ثم أغرقنا الآخرين * وإنّ من شيعته﴾: أهل دينه وسنته ﴿لإبراهيم * إذ جاء ربه بقلب سليم﴾:
مُخلص من الشرك والشك، وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال:
حدّثنا محمد بن العلا قال: حدّثنا عصام بن علي عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: يا بنيّ لا
تكونوا لغّانين أو لم يروا إلى إبراهيم لم يلعن شيئاً قط فقال الله سبحانه: ﴿إذ جاء ربه بقلب
سلیم﴾؟
﴿إذا قال لأبيه وقومه ماذا﴾: ماالذي ﴿تعبدون * أإفكاً آلهةً دون الله تُريدون * فما ظنكم
برب العالمين﴾ إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ ﴿فنظر نظرةً في النُّجوم﴾، قال ابن عباس: كان
قومه يتعاطون علم النجوم فعاملهم حيث كانوا؛ لئلا ينكروا عليه؛ وذلك أنه كان لهم من الغد
عيد ومجمع، وكانوا يدخلون على أصنامهم ويقرّبون لهم القرابين ويصنعون بين أيديهم الطعام
قبل خروجهم إلى عيدهم زعموا التّرك عليه، فإذا انصرفوا من عيدهم أكلوه. قال مقاتل: وكانت
الأصنام اثنين وسبعين صنماً من خشب وحديد ورصاص وشبه وفضّة وذهب، وكان كبيرهنّ من
ذهب في عينيه ياقوتتان، وقالوا لإبراهيم (عليه السلام) : لا تخرج غداً معنا إلى عيدنا. فنظر إلى
النجوم، ﴿فقال إني سقيم﴾، قال ابن عباس: مطعون، وقال الحسن: مريض، وقال الضحاك:
سأسقم؛ لقوله سبحانه ﴿إنك ميتٌ وإنهم ميّتون﴾(١) .
وقيل: سقيم بما في عنقي من الموت، وقيل: سقيم بما أرى من أحوالكم القبيحة، وقيل:
سقيم بعلة عرضت له، وإنّه إنما نظر في النجوم مستدلاً بها على وقت حمّى كانت تأتيه،
والصحيح أنه لم يكن سقيماً؛ لما رُوي عن النبي (عليه السلام) أنه قال: ((لقد كذب إبراهيم
ثلاث كذبات، ما منها واحدة إلاّ وهو بماحل وناصل بها عن دينه(٢): قوله: ﴿إني سقيم﴾،
وقوله: ﴿بل فعلهُ كبيرُهم) وقوله لسارة: هذه أُختي) [٩٠](٣).
﴿فتولوا عنه مُدبرين﴾ إلى عيدهم، فدخل إبراهيم إلى الأصنام فكسرها ووضع الفأس على
عاتق الصنم الكبير، وكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على أصنامهم قبل أن يرجعوا إلى
منازلهم، فدخلوا عليها فإذا هي مكسورة، فذلك قوله سبحانه: ﴿فراخ﴾: فمال ﴿إلى آلهتهم
فقال﴾ إظهاراً لضعفهم وعجزهم: ﴿ألا تأكلون * مالكم لا تنطقون * فراغ عليهم ضرباً
باليمين﴾؛ لأنها أقوى على العمل من الشمال، وهذا قول الربيع بن أنس قال: يعني يده اليمنى،
وقيل: بالقسم الذي سبق منه، وذلك قوله: ﴿وتالله لأكيدنّ أصنامكم﴾(٤) وقال الفراء: بالقوة.
(١) سورة الزمر: ٣٠.
(٢) في المصدر: ثنتان في الله وواحدة في ذات نفسه.
(٣) جامع البيان للطبري: ٢٣ / ٨٥.
(٤) سورة الأنبياء: ٥٧ .

2
١٤٩
سورة الصافات، الآيات: ٩٩ - ١٠٦
﴿فأقبلوا إليه﴾: إلى إبراهيم ﴿يزفُّون﴾، أي يُسرعون عن الحسن. مجاهد: يزفون زفيف
النعام وهو حالٌ بين المشي والطيران. الضحاك: يسعون، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة
﴿يزُّون﴾ بضم الياء، وهما لغتان: فقال لهم إبراهيم على وجه الحجاج: ﴿أتعبدون ما تنحتون
* والله خلقكم وما تعملون﴾؟ وفي هذه الآية دليل على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه
وتعالى حيث قال: ﴿وما تعملون﴾ على [أنها] مكتسبة للعباد حيث أثبت لهم عملاً، فأبطل
مذهب القدرية والجبرية بهذه الآية، وقال رسول اللـه وَ له: ((إنّ الله خالق كلّ صانع وصنعته))
[٩](١).
﴿قالوا ابنوا له بُنياناً فألقوه في الجحيم﴾: معطم النار. قال مقاتل: بنوا له حائطاً من
الحجر طوله ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون ذراعاً وملؤوه من الحطب وأوقدوا فيه النار.
﴿فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين﴾: المقهورين.
فَلَمَّا
فَبَشِّرْنَّهُ بِعُلَمٍ عَلِيمٍ (4)
رَبِّ هَبْ لِ مِنَ الصَّلِينَّ
وَقَالَ إِّ ذَاهِبُ إِلَى رَبِّ سَهْدِينٍ
بَلَغَ مَعَهُ السَّغْىَ قَالَ يَبُنَّ إِنْ أَرَى فِى الْعَنَاءِ أَنَّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَبِّ قَالَ بِتَأَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمِّرٌ
(١٠) قَدْ صَدَّقْتَ
وَتَدِّيْنَهُ أَنْ يَتَابَهِيمُ
سَتَجِدُبِ إِن شَآءَ اَللَّهُ مِنَ الصَّبِيِينَ ﴿٨َ فَلَمَّ أَسْلَمَا وَتَُّر لِلْجَبِينِ (شَ)
الرُّؤْيَّاً إِنَّا كَذَِّكَ تَّخْرِى الْمُحْسِنِينَ (٤٥) إِنَّ هَذَا لَّوَ الْبَوْ اَلْسُبِينُ
﴿وقال﴾ إبراهيم: ﴿إني ذاهبٌ إلى ربي﴾، أي إلى مرضاة ربي، وهو المكان الذي أُمر
بالذهاب إليه. نظيره قوله: ﴿وقال إني مهاجرٌ إلى ربي﴾(٢)، وقيل: ذاهب إلى ربي بنفسي
وعملي ﴿سيهدين * رب هب لي من الصالحين﴾ مختصر. أي رب هب لي ولداً صالحاً من
الصالحين.
﴿فبشرناه بغلام حليم * فلما بلغ معه السّعي﴾ ذلك الغلام، ﴿قال يابني إني أرى في
المنام أنّي أذبحُك﴾ الآية، واختلف السّلف من علماء المسلمين في الذي أُمر إبراهيم بذبحه من
ابنيه بعد إجماع [أهل الخاص] على أنه كان إسحاق، فقال قوم: الذبيح إسحاق، وإليه ذهب من
الصحابة عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود والعباس بن عبد المطلب،
ومن الباقين وأتباعهم كعب الأحبار وسعيد بن جبير وقتادة ومسروق وعكرمة والقاسم بن أبي بزة
وعطاء ومقاتل وعبد الرَّحْمن بن سابط والزبيري والسدّي.
وهي رواية عكرمة وابن جبير عن ابن عباس. أخبرني الحسن بن محمد بن عبد الله قال:
(١) المستدرك: ١ / ٣١.
(٢) سورة العنكبوت: ٢٦.

١٥٠
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
حدّثنا طلحة بن محمّد، وعبيد الله بن أحمد قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا أحمد
ابن حرب قال: حدّثنا سنيد بن داوُد قال: حدّثني حجاج عن ليث بن سعد عن صفوان بن عمرو
عن عمر بن الخطاب ر ◌ُبه قال: هو إسحاق.
وأخبرني الحسن قال: حدّثنا عبيد الله بن أحمد بن يعقوب قال: حدّثنا رضوان بن أحمد
الصيدلاني قال: حدّثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي قال: حدّثنا أبو معاوية عن حجاج عن
القاسم بن نافع عن أبي الطفيل، عن علي قال: ((الذي أراد إبراهيم (عليه السلام) ذبحه إسحاق))
[٩٢](١).
وروى شبعة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص قال: افتخر رجل عند ابن مسعود فقال: أنا
فلان ابن فلان ابن الأشياح الكرام. فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله
ابن إبراهيم خليل الله (عليه السلام).
وأخبرنا الحسين محمد قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا يوسف بن عبد
الله قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا المبارك عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن
العباس بن عبد المطلب قال: الذي فداه الله بذبح عظيم إسحاق.
وأخبرنا الحسين قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار
الصوفي قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بكار قال: حدّثنا خالد بن عبد الله الواسطي عن داود
ابن أبي هند عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: الذي أراد إبراهيم ذبحه إسحاق (عليهما
السلام).
وأخبرنا الحسن قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن عبد الله قال: حدّثنا يوسف بن
عبد الله قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا حمّاد قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان بن
خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الذي أراد إبراهيم ذبحه هو إسحاق.
وأخبرني الحسن قال: حدّثنا طلحة بن محمد وعبيد الله بن أحمد قالا: حدّثنا أبو بكر بن
مجاهد قال: حدّثنا عباس الدوري قال: حدّثنا أبو سلمة - يعني المنقري - قال: حدّثنا محمد بن
ثابت العبدي عن موسى مولى أبي بكر الصديق عن سعيد بن جبير قال: [لمّا] أُري إبراهيم ذبح
إسحاق في المنام سار به مسيرة شهر في غداة واحدة حتى أتى به المنحر بمنى، فلما صرف الله
عنه الذبح وأمره أن يذبح الكبش فذبحه فسار به مسيرة شهر في روحة واحدة، طويت له الأودية
والجبال.
وروى سفيان عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال موسى: ((يا رب
(١) المستدرك: ٢ / ٥٥٨ - والرواية عن ابن عباس.

١٥١
سورة الصافات، الآيات: ٩٩ - ١٠٦
يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم قالوا ذلك؟)) قال: ((إن إبراهيم لم يعدل بي شيئاً قط
إلاّ اختارني عليه، وإن إسحاق جاد لي بالذبح وهو بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلّما زدته بلاء
زاد بي حسن ظنّ)) [٩٣](١).
وروى حمزة الزيات عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال: قال يوسف: للملك: ((ترغب أن
تأكل معي أو تنكف وأنا والله يوسف بن يعقوب نبيّ الله ابن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل
الله (عليهم السلام)؟!)) [٩٤](٢).
وقال الآخرون: هو إسماعيل، وإلى هذا القول ذهب عبد الله بن عمر وأبو الطفيل عامر
ابن واثلة وسعيد بن المسيب والشعبي والحسن البصري ويوسف بن مهران ومجاهد والربيع بن
أنس ومحمد بن كعب القرظي وهي رواية عطاء بن أبي رباح وأبي حمرة نصر بن عمران الضبعي
ويوسف بن ماهك عن ابن عباس قال: المفدى إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت
اليهود.
وقد رُوي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كلا القولين، ولو كان فيهما صحيح
بالإجماع لم يعزه إلى غيره (٣)، وأمّا الرواية التي رويت عنه صلّى الله عليه أنّ الذبيح إسحاق ما
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد وعبيد الله بن أحمد [قالا](٤): حدّثنا ابن مجاهد
قال: حدّثنا موسى بن إسحاق قال: حدّثنا عبد الله بن أبي شنبه قال: أخبرنا الأشيب قال:
حدّثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس قال: قال رسول
اللـه ◌َله: ((الذي أراد إبراهيم أن يذبح إسحاق)) [٩٥](٥) ..
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن علي بن لؤلؤ قال: أخبرنا الهيثم بن خلف قال:
حدّثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدّثنا حجاج عن ابن جريح قال: أخبرت عن صفوان بن سليم
وزيد بن أسلم عن النبي (عليه السلام) أنه قال: ((إنّ إسحاق الذي أراد إبراهيم أن يذبحه)) [٩٦].
وأخبرنا أبو طاهر بن خزيمة في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة [فأقرأنيه](٦)
قال: أخبرنا جدي قال: حدّثنا علي بن حجر قال: حدّثنا عمر بن حفص عن أبان عن أنس قال:
قال رسول الله صلى الله عليه: ((يشفع إسحاق بعدي فيقول: يا رب صدّقت نبيّك وجدتُ بنفسي
(١) جامع البيان للطبري: ٢٣ / ٩٧.
(٢) تفسير الطبري: ١٣ / ٧.
(٣) كذا في المخطوط.
(٤) في المخطوط: قال ..
(٥) المستدرك للحاكم بتفاوت ٢ / ٥٥٧ .
(٦) في المخطوط: فاقريه، ويحتمل: قراءة، والظاهر ما أثبتناه.

١٥٢
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
للذبح فلا تُدخل النار من لم يشرك بك شيئاً). قال: ((فيقول تبارك وتعالى: وعزتي لا أُدخل النار
من لا يُشرك بي شيئاً)) [٩٧].
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا أبو حفص عمر
بن محمد بن عيسى الجوهري قال: حدّثنا عيسى بن مساور الجوهري قال: حدّثنا الوليد بن
مسلم قال: حدّثنا عبد الرَّحْمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله وَلجر: ((إنّ الله عزَّ وجل خيّرني بين أن يغفر لنصف أُمّتي أو شفاعتي فاخترت
شفاعتي ورجوت أن تكون أعم لأمتي، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لتعجّلت منها
دعوتي؛ إنَّ الله سبحانه لما فرّج عن إسحاق كرب الذبح قيل: يا إسحاق سل تُعط. فقال: أما
والذي نفسي بيده لأَتعجّلنها قبل نزغة الشيطان، اللهم من مات لا يُشرك بك شيئاً فاغفر له
وأدخله الجنة)) [٩٨](١).
وأما ما رُوي عنه صلّى الله عليه أنّ الذبيح إسماعيل فروى عمر بن عبد الرَّحْمن، عن عبيد
الله بن محمد العتبي - من ولد عتبة بن أبي سفيان - عن أبيه قال: حدّثني عبد الله بن سعيد عن
الصنايجي قال: كنا عند معاوية بن أبي سفيان فذكروا الذبيح إسماعيل أو إسحاق، فقال: على
الخبير سقطتم، كنت عند النبي صلّى الله عليه فجاء رجل فقال: يا رسول الله عُد عليّ مما أفاء
الله عليك يابن الذبيحين فضحك رسول الله صلّى الله عليه، فقيل له: يا أمير المؤمنين وما
الذبيحان؟ فقال: إنّ عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله عز وجل لئن سهل الله عز وجل له
أمرها ليذبحنّ أحد ولده، قال: فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله وقالوا: افد ابنك بمئة
من الإبل فقداه بمئة من الإبل والثاني إسماعيل (عليه السلام) [٩٩](٢).
فهذا ما ورد من الأخبار في هذا الباب، فأما حجة القائلين بإنه إسحاق من القرآن فهو أنّ
الله سبحانه أخبر عن خليله إبراهيم (عليه السلام) حين فارق قومه مهاجراً إلى الشام مع امرأته
سارة وابن أخيه لوط وقال: ﴿إني ذاهبٌ إلى ربي سيهدين﴾ إنه دعا فقال: ﴿رب هب لي من
الصالحين﴾ وذلك أنه قبل أن يعرف هاجر، وقبل أن تصير له أم إسماعيل. ثم اتبع ذلك الخبر
عن إجابته ودعوته وتبشيره أتاه بغلام حليم ثم عن رؤيا إبراهيم أن يذبح ذلك الغلام الذي بشر به
حين بلغ معه السعي وليس في [كتاب الله بشير لإبراهيم بولد ذكر](٣) إلّ بإسحاق.
واحتج من قال: إنه إسماعيل من القرآن بما روى محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب
القرظي أنه كان يقول: إنّ الذي أمر الله سبحانه إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل، وإنا لنجد ذلك
(١) مجمع زوائد: ٨ / ٢٠٢، تفسير ابن كثير: ٤: ١٨ بتفاوت يسير.
(٢) تفسير القرطبي: ١٥ / ١١٣ بتفاوت.
(٣) تاريخ الطبري: ١ / ١٩٠.

١٥٣
سورة الصافات، الآيات: ٩٩ - ١٠٦
في كتاب الله سبحانه، وذلك أن الله عز وجل يقول حين فرغ من قصة المذبوح: ﴿وبشرناه
بإسحاق نبياً من الصالحين﴾ .
وقال عز من قائل: ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾(١) يقول: بابن وبابن
ابن، فلم يكن يأمره بذبح إسحاق وله فيه من الله سبحانه وتعالى الموعود (٢). فلما لم يذكر الله
تعالى إسحاق إلّ بعد انقضاء قصّة الذبح، ثم بشّره بولد إسحاق علمنا أنّ الذبيح إسماعيل.
قال القرظي: فذكرت ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة، إذ كنت معه بالشام، فقال لي
عمر: إنّ هذا الشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت. ثم أرسل إلى رجل كان عنده
بالشام، وكان يهودياً فأسلم وحسن إسلامه، وكان يرى أنه من علماء اليهود، فسأله عمر بن عبد
العزيز عن ذلك وأنا عنده فقال: أيُّ ابني إبراهيم أُمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل. ثم قال: والله يا
أمير المؤمنين إنّ اليهود لتعلم ذلك ولكنهم ليحسدونكم معشر العرب على أن يكون أنّ أباكم
الذي كان من أمر الله سبحانه وتعالى فيه والفضل الذي ذكره الله سبحانه منه لصبره على ما أُمر
به، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق؛ لأن إسحاق أبوهم.
واحتجوا أيضاً بأن قرني الكبش كانا منوطين بالكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق
البيت واحترق القرنان في أيام ابن الزبير (٣) والحجاج، قال الشعبي: رأيتُ قرني الكبش منوطين
بالكعبة، وكان القرنان ميراثاً لولد إساعيل عن أبيهم، فلم يزاحمهم على ذلك ولد إسحاق وهم
الروم، وكانوا أكبر وأعزّ وأمنع من العرب: وهذا أدل دليل على أن الذبيح إسماعيل.
وقال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح إسحاق كان أو إسماعيل؟ فقال
لي: يا أصمع أين ذهب عنك عقلك؟
ومتى كان إسحاق عليه السلام بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع
أبيه إبراهيم (عليهما السلام)، كما قال الله سبحانه ﴿وإذ يرفعُ إبراهيم القواعد من البيت
وإسماعيل﴾(٤)، والمنحر بمكة لا شكّ فيه.
وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن المنذر الضرير يقول: سمعت
أبا محمد الزنجاني المؤدّب يقول: سُئل أبو سعيد الضرير عن الذبيح فأنشد:
نطق الكتاب بذاك والتنزيلُ (٥)
إنّ الذبيحِ هُديت إسماعيلُ
(١) سورة هود: ٧١.
(٢) أي الولد الموعود.
(٣) هو عبد الله بن الزبير بن العوّام. هامش المخطوط.
(٤) سورة البقرة: ١٢٧.
(٥) تفسير القرطبي: ١٥ / ١٠٠.

١٥٤
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
وأتى به التفسير والتأويلُ
شرفٌ به خَصّ الإلهُ نبيَّنا
شرفاً به قد خصّه التفضيلُ
إن كنت أمّته فلا تنكر له
وأما قصة الذبح فقال السدي بإسناده: لمّا فارق إبراهيم الخليل (عليه السلام) قومه مهاجراً
إلى الشام هارباً بدينه، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وقال إني ذاهبٌ إلى ربي سيهدين﴾ دعا
الله سبحانه وتعالى أن يهب له ابناً صالحاً من سارة فقال: ﴿ربّ هب لي من الصالحين﴾. فلما
نزل به أضيافه من الملائكة المرسلين إلى المؤتفكة وبشرّوه بغلام حليم، قال إبراهيم لما بُشّر به:
فهو إذن لله ذبيح. فلما وُلد الغلام وبلغ معه السّعي، قيل: أوفٍ بنذرك الذي نذرت. فكان هذا
هو السبب في أمر الله تعالى رسوله إبراهيم بذبح ابنه، فقال إبراهيم عند ذلك لإسحاق: ((انطلق
نقرّب قرباناً لله تعالى)) [١٠٠]، وأخذ سكّينا وحبلاً ثم انطلق معه حتى إذا ذهب به بين الجبال
قال له الغلام: يا أبتِ أين قربانك؟ فقال ﴿يا بُني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذاترى
قال يا أبت افعل ما تُؤمر ستجدني إنْ شاء الله من الصابرين﴾.
وقال محمد بن إسحاق بن يسار: كان إبراهيم إذا زار هاجر وإسماعيل حُمل على البراق
فيغدو من الشام فيصلي بمكة، ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام. حتى إذا بلغ إسماعيل معه
السعي وأخذ بنفسه ورجاه لما كان يأمل فيه من عبادة ربه وتعظيم حرماته، أُري في المنام أن
يذبحه، فلما أُمر بذلك قال لابنه: ((يا بني خذ الحبل والمدية ثم انطلق بنا إلى هذا الشعب
لنحتطب)). فلما خلا إبراهيم بابنه في شعب [ثبير]، أخبره بما أُمر، كما ذكر الله تعالى، قالوا:
فقال له ابنه الذي أراد أن يذبحه: ((يا أبتِ اشدد رباطي حتى لا أضطرب، وأكفف عنّي ثيابك
حتى لا ينضح عليها من دمي شيء، فينقص أجري وتراه أُمّ فتحزن، واشحذ شفريك، وأسرع
مرّ السكين على حلقي ليكون أهون للموت عليّ، فإنّ الموت شديد، وإذا أتيت أُمي فاقرأ عليها
السلام مني، وإن رأيت أن ترد قميصي على أُمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسلى لها عنّي)).
فقال له إبراهيم (عليه السلام) : ((نعم العون أنت يا بُني على أمر الله)).
ففعل إبراهيم ما أوصاه به ابنه، ثم أقبل عليه يقبّله، وقد ربطه وهو يبكي والابن يبكي حتى
استنقع الدموع تحت خده، ثم إنه وضع السكين على حلقه فلم تنحر السكين. قال السدي:
ضرب الله صفحة من النحاس على حلقه. قالوا: فقال الابن عند ذلك: ((يا أبتِ كبّني لوجهي
على جبيني، فإنّك إذا نظرت في وجهي رحمتني، وأدركتك رقّة تحول بينك وبين أمر الله وأنا لا
أنظر إلى الشفرة فأجزع». ففعل ذلك إبراهيم، ووضع السكين على قفاه فانقلب السكين،
ونُودي: ((يا إبراهيم مه، قد صدّقت الرّؤيا، هذه ذبيحتك فداءً لابنك فاذبحها دونه))، فنظر
إبراهيم فإذا هو بجبرائيل ومعه كبش أقرن أملح فكبّر جبرائيل فكبّر الكبش فكبّر إبراهيم فكبّر ابنه
وأخذ إبراهيم الكبش وأتى به المنحر من منى فذبحه.

١٥٥
سورة الصافات، الآيات: ٩٩ - ١٠٦
قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده، لقد كان أوّل الإسلام، وإنّ رأس الكبش لمعلّق بقرنيه
في ميزاب الكعبة.
قال السدّي: فلما أخذ إبراهيم (عليه السلام) الكبش خلّى عن ابنه، وأكبّ عليه وهو يقبّله
ويقول: (يا بني وهبت لي))، ثم رجع إلى سارة فأخبرها الخبر، فجزعت سارة وقالت: يا
إبراهيم، أردت أن تذبح ابني ولا تعلمني؟ [١٠١].
وروى أبو هريرة عن كعب الأحبار وابن إسحاق عن رجاله قالوا: لما أُري إبراهيم (عليه
السلام) ذبح ابنه قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم، لا أفتن منهم أحداً أبداً.
فتمثل لهم الشيطان رجلاً وأتى أُمّ الغلام فقال لها: هل تدرين أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت:
ذهب به يحطبنا من هذا الشعب. قال: لا والله ما ذهب به إلاّ ليذبحه. قالت: كلا هو أرحم به
وأشدّ حبّاً له من ذلك. قال: إنه يزعم أنّ الله أمره بذلك. قالت: فإنْ كان ربه أمره بذلك فقد
أحسن أن يطيع ربه، وسلّمْنا لأمر الله عز وجل.
فخرج الشيطان من عندها حتى أدرك الابن وهو يمشي على إثر أبيه فقال له: يا غلام هل
تدري أين يذهب أبوك؟ قال: ((يحطب أهلنا من هذا الشعب)). قال: والله ما يُريد إلاّ أن
يذبحك. قال: ((ولِم)).
قال: زعم أنّ ربه أمره بذلك، قال: ((فليفعل ما أمره به ربه، فسمعاً وطاعة)).
فلما امتنع منه الغلام أقبل على إبراهيم، فقال له: أين تُريد أيّها الشيخ؟ قال: ((أُريد هذا
الشعب لحاجة لي فيه)). فقال: والله إني لأرى الشيطان قد جاءك في منامك، فأمرك بذبح بُنَّك
هذا. فعرفه إبراهيم فقال: ((إليك عنّي يا عدوَّ الله، فوالله لأمضينَّ لأمر الله)) [١٠٢](١).
وروى أبو الطفيل عن ابن عباس أنّ إبراهيم لما أُمر بذبح ابنه، عرض له الشيطان بهذا
المشعر فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم ذهب إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات
حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أدركه عند
الجمرة الكُبرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم مضى بأمر الله عز وجل في ذلك.
وقال أُمية بن أبي الصلت: (٢)
احتساباً وحامل الأحدال
ولإبراهيم الموفي بالنذر
لو يراه في معشر أقتال
بكره لم يكن ليصبر عنه
ــه شحيطاً فاصبر فدىّ لك حمالي
يا بني إني نذرتك لــ
(١) تاريخ الطبري: ١ / ١٩٢ ذكر الخبر عن صفة فعل إبراهيم وابنه.
(٢) الابيات بكاملها في تاريخ الطبري: ١ / ١٩٥ ذكر خبر إبراهيم وابنه.

١٥٦
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
ين حيد الأسير ذي الأغلال
واشدد الصفد لا أحيد عن السكـ
ـم هذام حنية كالهلال
وله مدية تخايل في اللحـ
فكّه ربُّه بكبش حلال
بينما يخلع السرابيل عنه
للذي قد فعلتما غير قالٍ
قال خذه ذا وأرسل ابنك إني
ربما تجزع النفوس من الأمـ
ـرله فرجة كحل العقال
فهذه قصة الذبح كما قال الله سبحانه: ﴿فلما بلغ معه السّعي﴾ قال ابن عباس: يعني
المشي مع أبيه إلى الحيل(١). قال الحسن ومقاتل بن حيان: يعني العقل الذي يقوم به الحجة،
وقال الضحاك: يعني الحركة، وقال ابن زيد: [هو السعي في] العبادة.
﴿يا بُني إني أرى في المنام﴾: رأيت في المنام ﴿أنّي أذبحك﴾ لنذر عليّ فيك أُمرت
بذلك، وذلك أنّ إبراهيم (عليه السلام) رأى ليلة التروية كأن قائلاً يقول له: إنّ الله يأمرك بذبح
ابنك هذا. فلما أصبح روّى في نفسه - أي فكّر - من الصباح إلى الرواح أمِن الله هذا الحكم أو
من الشيطان؟ فمن ثم سُمّي يوم التروية. فلما أمسى رأى في المنام ثانياً ما رآه من ذبح الولد،
فلما أصبح عرف أنّ ذلك الحكم من الله، فمن ثم سمّيَ يوم عرفة.
وقال: مقاتل: رأى ذلك إبراهيم ثلاث ليال متتابعات، وقال عطاء ومقاتل: أُمر إبراهيم أن
يذبح ابنه ببيت المقدس فلما تيقّن ذلك أخبر ابنه فقال لابنه ﴿فانظر ماذا ترى﴾؟ قرأ العامة بفتح
التاء، وقرأ حمزة والكسائي (تري) بضم التاء وكسر الراء - أي ماذا تشير؟ وإنما جاز أن يؤامر
ابنه في المضي لأمر الله؛ لأنه أحبّ أن يعلم صبره على أمر الله وعزمه على طاعته فقال له ابنه:
﴿يا أبتِ افعل ما تُؤمر ستجدني إن شاء من الله من الصابرين﴾.
﴿فلما أسلما﴾ أي انقادا وخضعا لأمر الله سبحانه وتعالى ورضيابه، وقرأ ابن مسعود
(فلما سلّما) أي فوّضا، وقرأ ابن عباس (استسلما). قال قتادة: أسلم هذا ابنه وهذا نفسه ﴿وتلّه
للجبين﴾ أي صرعه وأضجعه وكبّه على وجهه للذّبح ﴿وناديناه﴾، قال أهل المعاني: (الواو)
مقحمة صلة، مجازه: ناديناه، كقوله: ﴿وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا﴾(٢) يعني:
أوحينا، وقوله: ﴿وهم من كلّ حدب ينسلون * واقتربَ الوعد﴾(٣) وقال امرؤ القيس:
فلما أجزنا ساحة الحيّ وانتحى(2)
(١) في تفسير القرطبي ١٥ / ٩٩: وقال ابن عباس: هو احتلام، قتادة: مشى مع أبيه
(٢) سورة يوسف: ١٥.
(٣) سورة الأنبياء: ٩٦.
(٤) لسان العرب: ٥ / ٣٢٦.

١٥٧
سورة الصافات، الآيات: ١٠٧ - ١٢٢
وقال الشاعر:
ورأيتم أبناءكم شبّوا
حتى إذا قملت بطونكمُ
إنّ اللئيم العاجز الخب (١)
وقلبتم ظهر المجن لنا
أراد: قلبتم .
﴿أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين * إنّ هذا لهو البلاء
المبين﴾: الاختبار المظهر فيما يوجب النعمة أو النقمة، ولذلك قيل للنعم: بلاء وللمحنة بلاء؛
لأنها سُمّيت باسم سببها المؤدّى به إليها، كما قيل لأسباب الموت: هذا الموت بعينه.
سَلَمُ عَلَىَ إَِّهِيمَ
١٠٨
وَتَرَكِنَا عَلَيْهِ فِى الْأَخِرِينَ
كَذَلِكَ تَحْرِى الْمُحْسِنِينَ
وَقَدَيْنَهُ بِذِنْجِ عَظِيمٍ
وَيَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْخَقَّ
١١٢
(١١) وََشْنَهُ بِإِسْحَقْ نَبِيًّا بِإِسْحَقَ الصَّلِحِينَ
إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، مُبِينٌ (١٣) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ (١٤) وَنَجَيْنَهُمَا وَقَوْمَهُمَا
(١٧) وَهَدَيْنَهُمَا
مِنَ الْكَرُبِ الْعَظِيمِ (8) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ الْعَلِينَ ﴿٢َ وَءَإِنَّتَهُمَا الْكِتَبَ الْمُسْتَّبِينَ.
سَلَمُ عَلَى مُوسَى وَهَلِرُونَ (9َ) إِنَّا كَذَلِكَ
وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِمَا فِ الْآَخِرِينَ (ِيَ
١١٨
اَلْفِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
تَخْرِى الْمُحْسِيِّينَ
(١٢) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
﴿وفديناه بذبح عظيم﴾، والذِّبح: المهيأ لأن يُذبح، والذَّبح - بالفتح - المصدر، وقد
اختلفوا في هذا الذّبح وسبب تسميته عظيماً؛ فأخبرنا أبو الحسن الفهندري قال: حدّثنا أبو
العباس الأصم قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزوق البصري قال: حدّثنا أبو عامر العقدي عن سفيان
ابن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الكبش الذي ذبحه
إبراهيم هو الذي قرّبه ابن آدم، وقال سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيماً وقد رعى في الجنة
أربعين خريفاً، وقال مجاهد: سمّاه عظيماً لأنه متقبل، وقال الحسين بن الفضيل: لأنه كان من
عند الله، وقال أبو بكر الورّاق: لأنه لم يكن عن نسل وإنما كان بالتكوين، وقيل: لأنه فداء عبد
عظيم، وقال أهل المعاني: قيل له: عظيم؛ لأنه يصغر مقدار غيره من الكباش بالإضافة إليه،
وأكثر المفسرين على أنه كان كبشاً من الغنم أعين أقرن أملح، وروى عمر بن عبيد عن الحسن
أنه كان يقول: ما فدى إسماعيل إلاّ تيس من الأروى، وأهبط عليه من [السماء]، وهي رواية أبي
صالح عن ابن عباس قال: وكان وعلاً.
﴿وتركنا عليه في الآخرين * سلامٌ على إبراهيم * كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا
المؤمنين * وبشرناه بإسحاق نبيّاً من الصّالحين﴾، أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وعبيد
(١) السان العرب: ١١ / ٥٦٨.

١٥٨
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
الله قالا: حدّثنا ابن مجاهد قال: حدثني أحمد بن حرب قال: حدّثنا سبيك قال: حدّثنا وكيع
عن سفيان عن داود عن عكرمة عن ابن عباس. ﴿وبشرناه بإسحاق﴾: بشرى نبوّة بُشّر به مرتين
حين ولد وحين نُبّئ، ﴿وباركنا عليه﴾ أي على إبراهيم في الأولاد، ﴿وعلى إسحاق﴾ حين
أخرج أنبياء بني إسرائيل من صلبه.
﴿ومن ذريتهما مُحسنٌ﴾: مؤمن ﴿وظالمٌ لنفسِه مُبين﴾: كافر ظاهر الكفر.
﴿ولقد منّنًا﴾: أنعمنا ﴿على موسى وهارون﴾ بالنبوة.
﴿ونجيناهما وقومهما﴾: بني إسرائيل ﴿من الكرب العظيم﴾، يعني الغرق، حيث أغرقنا
فرعون وقومه ﴿ونصرناهم﴾ يعني موسى وهارون وقومهما ﴿فكانوا هم الغالبين﴾ على القبط،
﴿وآتيناهما الكتاب المستبين﴾: المستنير ﴿وهديناهما الصراط المستقيم * وتركنا عليهما في
الآخرين * سلامٌ على موسى وهارون * إنا كذلك نجزي المحسنين * إنّهما من عبادنا
المؤمنین﴾ .
أَنَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ
إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَلَا تَنَّقُونَ
وَإِنَّ إِلَيَاسَ لَمِنَّ الْمُرْسَلِينَ
اَلْخَالِقِينَ (9) اللَّهَ رَتَّكُمْ وَرَبَّ ◌َبَّابِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَهُمْ لَمُحْضَّرُونَ (٢٧) إِلَّ عِبَادَ اللَّهِ
اَلْمُخْلَصِينَ (٢٨) وَرَكْنَا عَلَيْهِ فِىِ الْآَخِرِينَ (٠٩َ) سَلَّمُّ عَلَّ إِلَّ بَاسِينَ ﴿٣َ إِنَّا كَذَلِكَ نَحْرِى الْمُحْسِينَ ([َ إِنَّهُ
إِلَّا عَجُوْنَا فِىِ الْغَبِينَ
إِذْ نَخَيْنَهُ وَأَهْلَهُ: أَجْعِينٌ لَ
(١٣)
مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٢) وَإِنَّ لُوطَا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ
دَمَّرْنَا الْأَخْرِينَ
(١٣٥
﴿ وَإِنَّكُمْ لَمُونَ عَلَيْهِمِ نُصِْينَ.
وَلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
٣٧
﴿وإنّ إلياس لِمِنَ المُرسلين﴾، أخبرنا أبو محمد بن أبي القاسم بن المؤهل قال: حدّثنا أبو
العباس الأصم قال: حدّثنا بكار بن قتيبة قال: حدّثنا أبو داود الطيالسي قال: حدّثنا قيس بن أبي
إسحاق عن عبيدة بن ربيعة عن ابن مسعود قال: إلياس هو إدريس، وإسرائيل هو يعقوب، وإلى
هذا ذهب عكرمة، وقال: هو في مصحف عبد الله: ﴿وإن إدريس لمن المرسلين﴾ وتفرّد عبد
الله وعكرمة بهذا القول.
وقال الآخرون: هو نبي من أنبياء بني إسرائيل. قال ابن عباس: وهو ابن عمّ اليسع، وقال
ابن إسحاق: هو إلياس بن ياسين بن العيزار بن هارون بن عمران، وقال أيضاً محمد بن إسحاق
ابن ياسر والعلماء من أصحاب الأخبار: لمّا قبض الله سبحانه حزقيل النبي عظمت الأحداث
في بني إسرائيل، وظهر فيهم الفساد والشرك، ونسوا عهد الله، ونصبوا الأوثان وعبدوها من
دون الله، فبعث الله إليهم إلياس (عليه السلام): نبياً وإنما دانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد
موسى عليه السلام يبعثون إليهم تجديد ما نسوا من التوراة، وبنو إسرائيل يؤمئذ متفرّقون في
أرض الشام وفيهم ملوك كثيرة وكان سبب ذلك أنّ يوشع بن نون لما فتح أرض الشام بعد موسى

١٥٩
سورة الصافات، الآيات: ١٢٣ - ١٣٨
وملكها بوأها بني إسرائيل وقسّمها بينهم، فأحلّ سبطاً منهم بعلبك ونواحيها، وهم سبط إلياس
الذي كان منهم إلياس فبعثه الله إليهم نبيّاً، وعليهم يؤمئذ ملك يقال له: [أجب](١) قد ضلّ أضل
قومه، وأجبرهم على عبادة الأصنام، وكان يعبد هو وقومه صنماً يقال له: بعل، وكان طوله
عشرين ذراعاً، وكانت له أربعة وجوه. قال: فجعل إلياس يدعوهم إلى الله سبحانه، وهم في
كلّ ذلك لا يسمعون منه شيئاً إلاّ ما كان من أمر الملك الذي كان ببعلبك، فإنه آمن به وصدّقة
وكان إلياس يقوم أمره ويسدده ويرشده وكان(٢) لأجب الملك هذا امرأة يُقال لها أزبيل(٣)، وكان
يستخلفها على رعيته إذا غاب عنهم في غزاة أو غيرها، فكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها
وتركب كما يركب، وتجلس في مجلس القضاء فتقضي بين الناس، وكانت قتّالة للأنبياء.
قال: وكان لها كاتب رجل مؤمن حكيم يكتمها إيمانه، وكان كاتبها قد خلّص من يدها
ثلاثمئة نبي كانت تريد قتل كل(٤) واحد منهم إذا بعث سوى الذين قبلهم ممن يكثر عددهم،
وكانت في نفسها غير محصنة، ولم يكن على وجه الأرض أفحش منها، وهي مع ذلك قد
تزوجت سبعة(٥) ملوك من بني إسرائيل وقتلتهم(٦) كلّهم بالاغتيال، وكانت معمّرة حتى يُقال: إنها
ولدت سبعين ولداً .
قال: وكان لأجب هذا جار من بني إسرائيل، رجل صالح يُقال له (مزدكي) وكانت له
جنينة يعيش منها ويقبل على عمارتها ويزينها، وكانت الجنينة إلى جانب قصر الملك وامرأته،
وكانا(٧) يشرفان على تلك الجنينة يتنزهان فيها ويأكلان ويشربان ويقيلان فيها، وكان أجب
الملك مع ذلك يحسن جوار صاحبها مزدكي ويحسن إليه، وامرأته أزبيل تحسده على ذلك لأجل
تلك الجنينة، وتحتال في أن تغصبها إياه لما تسمع الناس يكثرون ذكر الجنينة ويتعجبون من
حسنها، ويقولون: ما أحرى أن تكون هذه الجنينة لأهل هذا القصر! ويتعجبون من الملك
وامرأته كيف لم يغصباها صاحبها. فلم تزل امرأة الملك تحتال على العبد الصالح مزدكي في أن
تقتله وتأخذ جنينته والملك ينهاها عن ذلك فلا تجد عليه سبيلاً.
ثم إنه اتفق خروج الملك إلى سفر بعيد، وطالت غيبته، فاغتنمت امرأته أزبيل ذلك للحيلة
(١) ضبطه المصنّف في عرائس المجالس: ١٩٢ - ١٩٩، بلفظ: لاجب.
(٢) قوله: آمن به وصدّقة .. ، وكان، وردت في هامش المخطوط على أنها سقط، وفي ضمن المتن من عرائس
المجالس.
(٣) ضبطه المصنّف في المصدر نفسه بلفظ: أربيل.
من عرائس المجالس، وفي المخطوط : رجل.
(٤)
(٥)
في المخطوط : سبع.
(٦) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: قتلت.
(٧) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: كان.

١٦٠
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
على مزدكي، وهو غافل عمّا تريد به، مقبل على عبادة ربه وإصلاح معيشته، فجمعت أزبيل
جمعاً من الناس وأمرتهم أن يشهدوا على مزدكي أنه سبّ زوجها أجب فأجابوها إلى ملتمسها من
الشهادة عليه .
وكان من حكمهم في ذلك الزمان على من سبّ الملك القتل إذا قامت عليه البيّنة بذلك
فأحضرت مزدكي، وقالت له: بلغني أنّك شتمت الملك وعبته. فأنكر مزدكي ذلك، فقالت
المرأة: إنّ عليك شهوداً، وأحضرت الشهود فشهدوا بحضرة الناس عليه بالزور، فأمرت بقتل
مزدكي فقتل وأخذت جنينته غصباً فغضب الله عليهم بقتل العبد(١) الصالح.
فلما قدم الملك من سفره أخبرته الخبر، فقال لها: ما أصبت ولا وفقتٍ ولا أرانا نفلح
بعده أبداً، وإنا كنّا عن جنينته لأغنياء، قد كنّا نتنزه فيها، وقد جاورنا وتحرّم بنا مذ زمان طويل،
فأحسنا جواره وكففنا عنه الأذى، لوجوب حقه علينا، فختمت أمره بأسوأ الجوار، وما حملكِ
على اجترائكِ عليه إلاّ سفهك وسوء رأيك وقلّة تفكرك في العواقب. فقالت: إنما غضبت لك
وحكمت بحكمك. فقال لها: أوما يسعه حلمك ويحدوك عظيم خطرك على العفو عن رجل
واحد فتحفظين له جواره؟ قالت: قد كان ما كان.
فبعث الله تعالى إلياس (عليه السلام) إلى أُجب الملك وقومه وأمره أن يخبرهم أنّ الله
سبحانه قد غضب لوليّه حين قتلوه بين أظهرهم ظلماً، وآلى على نفسه أنهما إن لم يتوبا عن
صنعهما ولم يردّا الجنينة على ورثة مزدكي أن يهلكهما - يعني أجب وامرأته - في جوف الجنينة
أشرّ ما يكونان بسفك دميهما ثم يدعهما جيفتين ملقاتين فيها حتى تتعرى عظامهما من لحومهما
ولا يمتّعان بها إلاّ قليلاً .
قال: فجاء إلياس وأخبره بما أوحى الله تعالى إليه في أمره وأمر امرأته والجنينة، فلما
سمع الملك ذلك اشتد غضبه عليه ثم قال له: يا إلياس والله ما أرى ما تدعو إليه إلاّ باطلاً،
والله ما أرى فلاناً وفلاناً، سمى ملوكاً منهم قد عبدوا الأوثان - إلاّ على مثل ما نحن عليه
يأكلون ويشربون ويتنعّمون مملكين ما ينقص من دنياهم ولا من أمرهم (٢) الذي تزعم أنه باطل،
وما نرى لكم علينا [ولا] عليهم من فضل.
قال: وهمّ الملك بتعذيب إلياس وقتله، فلما سمع إلياس ذلك وأحسّ بالشر، رفضه وخرج
عنه، فلحق بشواهق الجبال، وعاد(٣) الملك إلى عبادة بعل. فارتقى إلياس أصعب جبل
وأشمخه، فدخل مغارة فيه، فيقال: إنه قد بقي فيه سبع سنين شريداً طريداً خائفاً يأوي إلى
(١) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: لعبد، بدل: يقتل العبد.
(٢) قوله: ما ينقص من .... أمرهم من عرائس المجالس، وفي المخطوط: ما ينقص دنياهم أمرهم.
(٣) وهذا يعني أن أجب قد ارتدّ عن إيمانه.