Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ سورة فاطر، الآيات: ٩ - ١٤ ﴿إليه﴾ أي إلى الله، ومعناه: إلى محل القبول وإلى حيث لا يملك فيه الحكم إلاّ الله عز وجل، وهو كما يُقال: ارتفع أمرهم إلى القاضي. ﴿يصعد الكلم الطيب﴾ يعني: ((لا إله إلّ الله)) وكل ذكر مرضي لله تعالى، وقرأ أبو عبد الرَّحْمن: (الكلام الطيب)، وأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الله الدينوري قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن محمد بن أحمد الهمداني قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد المسكين البصري عن أحمد بن محمد المكي عن علي بن عاصم عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي وَّر: في قول الله تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ قال: ((هو قول الرجل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّ الله والله أكبر، إذا قالها العبد عرج بها ملك إلى السماء فحيا بها وجه الرَّحْمن عزّ وجل، فإذا لم يكن عمل صالح لم يقبل منه)) [٤٨]. واختلف العلماء في حكم هذه الكناية ومعنى الآية، فقال أكثر المفسرين: الهاء في قوله: ﴿يرفعه﴾ راجعة إلى ﴿الكلم الطيب﴾، يعني أنّ العمل الصالح يرفع الكلم فلا يقبل القول إلاّ بالعمل، وهذا اختيار نحاة البصرة، وقال الحسن وقتادة: ﴿الكلم الطيب﴾: ذكر الله ﴿والعمل الصالح﴾ أداء فرائضه. فمن ذكر الله ولم يؤدِّ فرائضه زاد كلامه على عمله، وليس الإيمان بالتمنّي ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقته(١) الأعمال. فمن قال حسناً وعمل غير صالح ردّ الله عليه قوله، ومن قال حسناً وعمل صالحاً رفعه العمل ذلك؛ فإن الله يقول: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾. ودليل هذا التأويل قوله (عليه السلام): ((لا يقبل الله قولاً إلاّ بعمل، ولا يقبل قولاً وعملاً إلاّ بنية [ولا يقبل قولاً ونية إلاّ باصابة السنة])) [٤٩]. وجاء في الخبر: ((الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب)) [٥٠](٢). وفي هذا المعنى يقول الشاعر: حتى يزيّنُ ما يقول فعالُ(٣) لا ترضَ من رجل حلاوة قوله فتوازنـا فإخاء ذاك جمال فإذا وزنت فعالَهُ بمقالهِ قال ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر، وفيه قیل : إنما القول زينة في الفعالِ لا يكونُ المقالُ إلاّ بفعل (١) في المخطوط: وصدقه. (٢) في قول علي (عليه السلام): ((الجنة بلا عمل حمق)) راجع عيون الحكم: ٣١٧. (٣) تفسير القرطبي: ١٤ / ٣٢٩. ١٠٢ الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي مثلَ ماء يُصبُّ في غربالِ كل قول يكون لا فعلَ فيه وأنشدني أبو القاسم الحبيشي لنفسه: وكلُّ قول بلا فعال هباء لا يكون المقال إلاّ بفعل إنّ قولاً بلا فعال جميل ونكاحاً بلا ولي سواء(١) وقال بعض أهل المعاني على هذا القول: معنى ﴿يرفعه﴾، أي يجعله رفيعاً ذا وزن وقيمة، كما يُقال: طود رفيع ومرتفع، وقيل: العمل الصالح هو الخالص، يعني أنّ الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأعمال، دليله قوله: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً﴾(٢) أي خالصاً ثم قال: ﴿ولا يُشرك بعبادة ربه أحداً﴾(٣)، فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء، وقال قوم: هذه الكناية راجعة إلى العمل، يعني أنّ الكلم الطيب يرفع العمل؛ فلا يرفع ولا يقبل عمل إلاّ أن يكون صادراً عن التوحيد وعائد الذكر يرفع وينصب، وهذا التأويل اختيار نُحاة الكوفة وقال آخرون: الهاء كناية عن العمل، والرفع من صفة الله سبحانه، أي يرفعه الله. ﴿والذين يمكرون السيئات﴾ أي يعملون، قال مقاتل: يعني الشرك، وقال أبو العالية: يعني الذين مكروا برسول الله وَّ في دار الندوة، وقال الكلبي: ﴿الذين يمكرون﴾ يعني يعملون السيئات في الدُّنيا، وقال ابن عباس ومجاهد وشهر بن حوشب: هم أصحاب الرياء. ﴿لهم عذابٌ شديدٌ ومكرُ أولئكَ هو يُبُور﴾ أي يكسد ويفسد ويضل ويضمحل في الآخرة. ﴿والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجاً وما تحملُ من أُنثى ولا تضع إلّ بعلمه وما يعمُر من معمر ولا ينقص من عمره إلاّ في كتاب إنّ ذلك على الله يسير﴾ قراءة العامة: (يُنقص) بضم الياء، وقرأ الحسن وابن سيرين وعيسى (ينقُص) بفتح الياء وضم القاف، وقرأ الأعرج: ﴿من عُمُرِهِ﴾ بالتخفيف. قال سعيد بن جبير: مكتوب في أول الكتاب عمره كذا وكذا سنة، ثم يكتب أسفل من ذلك ذهب يوم ذهب يومان ذهب ثلاثة أيام حتى ينقطع عمره. ﴿وما يستوي البحران هذا عذبٌ فُراتٌ﴾: طيب ﴿سائغٌ﴾: جائز هني شرابه. وقرأ عيسى: (سيّغ) مثل: ميّت وسيّد. ﴿وهذا ملحٌ أُجاج﴾ شديد الملوحة، عن: ابن عباس، وقال الضحاك: هو المرّ مزاجه كأنه يحرق من شدة المرارة والملوحة. ﴿ومن كل تأكلون لحماً طرياً﴾: طعاماً شهياً، يعني: السمك من العذب والملح، ﴿وتستخرجون منه﴾: من (١) تفسير القرطبي: ١٤ / ٣٢٩. (٢) سورة الكهف: ١١٠ . (٣) سورة الكهف: ١١٠ . ١٠٣ سورة فاطر، الآيات: ١٥ - ٣٥ الملح دون العذب ﴿حلية تلبسونها﴾ يعني اللؤلؤ، وقيل: فيه عيون عذبة، ومما بينهما يخرج اللؤلؤ. ﴿وترى الفلك فيه مواخر﴾: جواري، وقال مقاتل: هو أن يرى سفينتين إحداهما مقبلة والأُخرى مدبرة، وهذه تستقبل تلك وتلك تستدبر هذه، يجريان بريح واحدة، ﴿لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾ الله على نعمه. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا ابن شاذان قال: حدثنا جيفويه بن محمد قال: حدثنا صالح بن محد عن القاسم بن عبد الله عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي وَّر قال: ((كلم الله البحرين فقيل للبحر الذي بالشام: يا بحر إني قد خلقتك وأكثرت فيك من الماء، وإني حامل فيك عباداً يسبحونني ويحمدونني ويهللونني ويكبرونني فما أنت صانع بهم؟ قال: أُغرقهم. قال الله عز وجل: فإني أحملهم على ظهرك وأجعل بأسك في نواحيك [وحاملهم على يدي]. وقال للبحر الذي باليمن: إني قد خلقتك وأكثرت فيك من الماء وإني حامل فيك عباداً لي يسبحونني ويحمدونني ويهللوني ويكبرونني فما أنت صانع بهم؟ قال: أُسبحك وأحمدك وأُهللك وأكبرك معهم، وأحملهم على [ظهري] بطني. قال الله سبحانه: فإني أُفضلك على البحر الآخر بالحلية والطري)) [٥١](١) . قوله: ﴿يولج الليل في النهار ويولجُ النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كلٌّ يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير﴾ وهي القشرة الرقيقة البيضاء التي بين التمرة والنواة، عن أكثر المفسرين. وقال ابن عباس: هو شق النواة، وقال السدي: هو ما ينقطع به القمع. ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم﴾: يتبرؤون منكم ومن عبادتكم إياها، ﴿ولا ينبئك مثلُ خبير﴾ يعني نفسه تعالی. بَّأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُغَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِن يَشَأْ بِذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ يَخَلْقِ حَدِيدٍ ﴿ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزِ (٨٧) وَلَا نَزِرُ وَزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىْ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَهُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرَّبِىٌّ إِنَّمَا نُذِرُ الَّذِينَ بَخْشَوْنَ رََّّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَمَنْ تَزَّكَ فَإِنَّمَا يَتَزََّى لِنَفْسِهِ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴿﴿ وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١) وَلَا الظُّلُمَنْتُ وَلَا النُّورُ ◌َ وَلَا اَلْظِّلُّ وَلَ اَلْخَرُورُ ﴿٣٠) وَمَا يَسْتَوِى الْأَخْذُ وَ الْأَمْوَثُ إِنَّ اللَّهَ يُنْمِعُ مَنْ يَشَهُ مَنْ أَنْتَ بِمُسَيِعٍ مَّن فيِ الْقُرِ ﴿٣َ إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرُ (٣) إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِاَلْقِ بَشِيرًا وَنَذِيرَاً وَإِن مِنْ أُنَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيهَا نَذِيرٌ (١) ضعفاء العقيلي: ٢ / ٣٣٩ ترجمة ٩٣٥ وما بين معقودين منه. ١٠٤ الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَ تْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ وَبِالزُّبْرِ وَبِالْكِتَبِ الْمُنِيرِ. (٢٥) ثُمَّ الْخَذْتُ الَّذِينَ كَعَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ تَكِرِ ﴿٣ أَلَّمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَةٍ فَأَخْرِحْنَا بِهِ، ثَمَرَتٍ ◌َمًا أَلَوَُّهَا وَمِنَ الْجِبَالِ حُدَّدٌ بِضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفُ أَلْوَنْهَا وَغَيِبُ سُورٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالذَّوَبِّ وَالْأَنْعَمِ مُخْتَلِفُ أَلْوَتُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعَلَوْاْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنَفَقُواْ مِمَا رَزَقْتَهُمْ سِرَّاً وَعَلَائِيَةُ بَرْجُونَ وَالَّذِىّ وَعَلَنِيَّةٌ لَنْ تَبُورَ (٢٤) لُوْفِيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَبَزِيدَهُم مِّنَ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورُ (9َ). أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّفًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَهْ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ، لَخِرٌ بَصِبِرٌ (٣) ثُمَّ أَوْرَا اَلْكِتَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدُ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ ﴿٨َ جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُوْنَهَا بُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُوَا وَلِبَّاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ (٢٦) الَّذِى أَحَ دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَشُّنَا فِيَهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَشُنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد * إن يشأ يُذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز * ولا تزروا وازرةٌ وُزر أُخرى﴾، سئل الحسين بن الفضل عن الجمع بين هذه الآية وبين قوله سبحانه وتعالى: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم﴾(١) فقال: ﴿ولا تزر وازرةٌ وزر أُخرى﴾ طوعاً ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم﴾ كرهاً. ﴿وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه﴾ يعني وإن تدع نفس مثقلة بذنوب غيرها إلى حملها، أي حمل ما عليها من الذنوب ﴿لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى﴾: ولو كان المدعوّ ذا قربى له: ابنه أو أُمه أو أباه أو أخاه. أخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا عن أحمد بن محمد بن رزمة القزويني عن محمد بن عبد ابن عامر السمرقندي قال: حدّثنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: قوله سبحانه: ﴿لا يحمل منه شيء لو كان ذا قربى﴾ قال: يعني الوالدة تلقي ولدها يوم القيامة فتقول: يا بني ألم تكن بطني لك وعاء؟ ألم يكن لك ثديي سقاء؟ فيقول: بلى يا أُماه. فتقول: يا بُني قد أثقلتني ذنوبي فاحمل عني ذنباً واحداً. فيقول: يا أُماه إليكِ عني، فإني اليوم عنكِ مشغول . ﴿إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب﴾ أي يخافونه ولم يروه، ﴿وأقاموا الصلاة ومن تزكى﴾ صلح عمل خيراً وصالحاً ﴿فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير﴾. ﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾ يعني: الجاهل والعالم، ﴿ولا الظلمات ولا النور﴾ (١) سورة العنكبوت: ١٣. ١٠٥ سورة فاطر، الآيات: ١٥ - ٣٥ يعني: الكفر والإيمان، ﴿ولا الظل ولا الحرور﴾ يعني: الجنة والنار، والحرور: الريح الحارة بالليل، والسموم بالنهار، وقال بعضهم: الحرور: بالنهار مع الشمس، ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾ يعني: المؤمنين والكفار. ﴿إنّ الله يُسمعُ من يشاء﴾، حتى يتعظ ويجيب ﴿وما أنت بمسع من في القبور﴾ يعني: الكفار شبههم بالأموات، وقرأ أشهب العقيلي: (بمسمع من في القبور) بلا تنوين على الإضافة . ﴿إن أنت إلاّ نذيرٌ * إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً وإن من أُمة إلّ خلا فيها نذيرٌ * وإن يكذبوك فقد كذبَ الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات والزُبر وبالكتاب المنير﴾ کرر وهما واحد لاختلاف اللفظين. ﴿ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير﴾. ﴿ألم تر أنّ الله أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها﴾ قدم النعت على الاسم فلذلك نصب. ﴿ومن الجبال جُدد﴾: طرق، واحدها جُدّة نحو مدة و(مدد)، وأما جمع الجديد فجدُد (بضم الدال) مثل: سرير وسُرُر ﴿بيضٌ وحمرٌ مختلف ألوانها وغرابيب سود﴾، قال الفراء: فيه تقديم وتأخير، مجازه: سود غرابيب، وهي جمع غربيب، هو الشديد السواد يشبّهها بلون الغراب قال الشاعر يصف كرماً : ومن تعاجيب خلق الله غاطية البعضُ منها ملاحيٌّ وغربيب(١) ﴿ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه﴾ قال: المؤرخ: إنما ﴿ألوانه﴾ لأجل ﴿من﴾(٢)، وسمعت أُستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر محمّد بن عياش يقول: إنما قال: ﴿ألوانه﴾؛ لأجل أنها مردودة إلى ((ما)) في الإضمار، مجازه: ومن الناس والدواب (٣) والأنعام ما هو مختلف ألوانه" ﴿كذلك﴾ تمام الكلام هاهنا، أي ومن هذه الأشياء مختلف ألوانه باختلاف الثمرات، ثم ابتدأ فقال سبحانه وتعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ روى عن عمر بن عبد العزيز أنه قرأ (إنما يخشى اللهُ) رفعاً و (العلماءَ) نصباً، وهو اختيار أبي حنيفة على معنى يعلم الله، وقيل: يختار، والقراءة الصحيحة ما عليه العامة. وقيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رظبه أخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن شنبه عن إسحاق بن صدقة قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم عن سيف بن عمر قال: حدّثنا عباس بن (١) لسان العرب: ١ / ٥٨٠. (٢) أي ذكّر ضمير (ألوانه) مراعاة لـ(من). (٣) تفسير القرطبي: ١٤ / ٣٤٢. ١٠٦ الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي عوسجة عن عطاء الخراساني رفع الحديث قال: ظهر من أبي بكر خوف حتى عرف فيه فكلمه النبي ◌َ﴾ في ذلك فأنزل الله سبحانه تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ في أبي بكر رُّه وفي الحديث: ((أعلمهم بالله أشدهم له خشية)) [٥٢]. وقال مسروق: كفى بالمرء علماً أنْ يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعلمه. وأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين الثقفي قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الربيعي قال: : حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أيوب المحرمي قال: حدثنا صالح بن مالك الأزدي قال: حدّثنا عبيد الله بن سعد عن صالح بن مسلم الليثي قال: أتى رجل الشعبيَّ فقال: أفتني أيها العالم؟ فقال: العالم من خشي الله عز وجل. ﴿إنّ الله عزيزٌ غفور * إنّ الذين يتلون كتاب الله﴾ الآية قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: هذه آية القراء، ﴿وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية﴾. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: حدّثنا ابن شاذان قال: حدثنا جيعويه قال: حدّثنا صالح بن محمد عن عبد الله بن عبد الله عن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عبد الله بن عبيد الله بن عمير الليثي أنه قال: قام رجل إلى رسول الله وَّه فقال: يا رسول الله، ما لي لا أُحبُّ الموت؟ قال: ((ألك مال؟)). قال: نعم. قال: ((فقدمه)). قال: لا أستطيع. قال: ((فإنّ قلب المرء مع ماله إن قدمه أحب أن يلحق به، وإن أخّره أحب أن يتأخر معه)) [٥٣](١). ويرجون تجارة لن تبور﴾، قال الفراء: قوله ﴿يرجون﴾ جواب لقوله: ﴿إنّ الذين يتلون﴾ . ﴿ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفورٌ شكورٌ * والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه إنّ الله بعباده لخبيرٌ بصير * ثم﴾ مردود إلى ما قبله من كتب الله في قوله: ﴿لما بين يديه﴾، أي قبله من الكتب السالفة، أي أنزلنا تلك الكتب، ﴿ثم أورثنا﴾ هذا ﴿الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾، ويجوز أن تكون ﴿ثم﴾ بمعنى الواو أي (وأورثنا) كقوله: ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾(٢) أي وكان ومعنى و﴿أورثنا﴾: أعطينا؛ لأنّ الميراث عطاء، قاله مجاهد، وقال بعض أهل المعاني: ﴿أورثنا﴾ أي أخرنا، ومنه الميراث؛ لأنه تأخر عن الميت ومعناه: أخرنا القرآن عن الأمم السالفة وأعطيناكموه وأهّلناكم له، وقال عنترة: إلى جده إني لشأري طالب وأورثت سيفي عن حصين بن معقل أي أخرت، وفي هذا كرامة لأُمة محمد وَ ل حيث قال لهم: ﴿أورثنا﴾ وقال: لسائر الأُمم ﴿ورثوا الكتاب﴾ الآية يعني القرآن. (١) بتفاوت في كنز العمال: ١٥ / ٥٥١ ح ٤٢١٣٩؛ وتفسير الثعالبي: ١ / ٣٠٣. (٢) سورة البلد: ١٧ . ١٠٧ سورة فاطر، الآيات: ١٥ - ٣٥ ﴿الذين اصطفينا من عبادنا﴾ وهم أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). ثم قسمهم ثلاث طبقات ورتبهم على ثلاث درجات فقال الله تعالى: ﴿فمنهم ظالمٌ لنفسه﴾ قيّد اللفظ وعَلّق الظلم بالنفس؛ فلذلك ساغ أن يكون من أهل الاصطفاء مع ظلمه . فإن قيل: ما وجه الحكمة في تقديم الظالم وتأخير السابق وإنما يقدم الأفضل؟ فالجواب عنه أن نقول: إنما أُخر السابق ليكون أقرب إلى الجنان والثواب، كما قدم الصوامع والبيع والصلوات في سورة الحج على المساجد التي هي أفضل بقاع الأرض، فتكون الصوامع أقرب إلى الهدم والخراب وتكون المساجد أقرب إلى ذكر الله تعالى. ومنهم من قال: إنما جعل ذلك؛ لأن الملوك إذا أرادوا الجمع بين الأشياء بالذكر قدموا الأدنى على الأفضل. كقوله تعالى: ﴿إنّ ربك لشديد العقاب وإنه لغفورٌ رحيم﴾(١)، وقال: ﴿يولج الليل في النهار﴾(٢)، وقال: ﴿يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور﴾(٣) وقال: ﴿خلق الموت والحياة﴾(٤). وقيل: قدم الظالم لئلا ييأس من رحمته وأخر السابق لئلا يعجب بعمله. وقال جعفر الصادق (عليه السلام): ((بدأ بالظالم إخباراً (٥) أنه لا يتقرب إليه إلّ بصرف رحمته وكرمه، وأنّ الظلم لا يؤثّر في الاصطفائية ثم ثنى بالمقتصدين؛ لأنهم بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكر الله وكلّهم في الجنة بحرمه كلمة الإخلاص)) [٥٤] (٦) . وقال بعضهم: قدم الظالم؛ لأنه لم يكن له شيء يتكل عليه إلاّ رحمة الله فاعتمد على الله واتكل على رحمته واتكل المقتصد على حسن ظنه بربه واتكل السابق على حسناته وطاعته. وقال محمد بن علي الترمذي: جمعهم في الاصطفاء إزالة للعلل عن العطاء؛ لأنّ الاصطفاء أوجب الإرث لا الإرث أوجب الاصطفاء؛ لذلك قيل: صحح النسبة ثم اطمع في الميراث. وقال أبو بكر الوراق: إنما رتبهم هذا الترتيب على مقامات الناس؛ لأنّ أحوال العبد ثلاث: معصية، وغفلة، ثم توبة وقربة. فإذا عصى دخل في حيّز الظالمين، وإذا تاب دخل في (١) سورة الرعد: ٦. (٢) سورة الحج: ٦١ . (٣) سورة الشورى : ٤٩ . سورة الملك : ٢. (٤) في المصدر: قدم الظالم ليخبر. (٥) (٦) تفسير القرطبي: ١٤ / ٣٤٩. ١٠٨ الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي جملة المقتصدين وإذا صحت التوبة وكثرت العبادة والمجاهدة اتصل بالله ودخل في عداد السابقين. واختلف المفسرون والمتأوّلون في معنى الظالم والمقتصد والسابق فأكثروا، وأنا ذاكر نصوص ما قالوا وبالله التوفيق : أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد بن الحسين بن عبد الله الحافظ، قال: حدّثنا برهان ابن علي الصوفي والفضل بن الفضل الكندي قالا : أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب قال: حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي ثابت أنّ رجلاً دخل المسجد فقال: اللهم ارحم غربتي وآنس وحشتي ويسر لي جليساً صالحاً. قال أبو الدرداء: لئن كنت صادقاً لأنا أسعد بذلك منك، سمعت رسول الله وَ لقول: قرأ هذه الآية ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالمٌ لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابقٌ بالخيرات بإذن الله﴾، فقال: ((أما السابق فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيُحاسب حساباً يسيراً، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام ثم يدخل الجنة، فهم [الذين] قالوا: ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إنّ ربنا لغفورٌ شكور ... ﴾ إلى قوله: ﴿لغوب﴾ [٥٥](١). قال الكندي والأعمش عن رجل عن أبي ثابت: وأخبرني الحسين بن محمد قال: أخبرني أبو بكر بن مالك القطيعي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل حدّثني أبي عن إسحاق بن عيسى حدّثني أنس بن عياض الليثي أبو ضمرة عن موسى بن عتبة عن علي بن عبد الله الأزدي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صل يقول: ((قال الله عز وجل: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالمٌ لنفسه ومنهم مقتصدٌ ومنهم سابقٌ بالخيرات بإذن الله﴾، فأما الذين سبقوا بالخيرات فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأُولئك يحاسبون حساباً يسيراً، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين تلقّاهم الله برحمته فهم الذين يقولون: ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ... ﴾ إلى قوله: ﴿لغوب﴾ [٥٦](٢) وأخبرني الحسين قال: حدّثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن سمعان الذرار قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب بن الحسن المقرئ بواسط قال: حدّثنا محمّد بن خالد بن عبد الله المزني قال: حدّثنا فرج بن فضالة عن أزهر بن عبد الله الحرازي قال: حدّثني من سمع عثمان بن عفان تلا هذه الآية: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ الآية، فقال: سابقنا: أهل جهادنا، ومقتصرنا: أهل حضرنا، وظالمنا: أهل بدونا . (١) تفسير مجمع البيان: ٨ / ٢٤٥، وكذلك في تفسير القرطبي: ١٤ / ٣٥١ بتفاوت. (٢) مسند أحمد: ٥ / ١٩٨. ١٠٩ سورة فاطر، الآيات: ١٥ - ٣٥ وأخبرني الحسين قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا محمد بن إسحاق قال: حدّثنا إسماعيل بن يزيد قال: حدّثنا داود عن الصلت بن دينار قال: حدّثنا عقبة بن صهبان قال: دخلت على عائشة فسألتها عن قول الله عز وجل: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالمٌ لنفسه ... ﴾ فقالت لي: يا بني كلّهم في الجنة؛ أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله ﴾ شهد له رسول الله ولو بالجنة، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم فجعلت نفسها معنا . وقال مجاهد والحسن وقتادة: ﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾ قالوا: هم أصحاب المشأمة، ﴿ومنهم مقتصد﴾ هم أصحاب الميمنة ﴿ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله﴾ هم السابقون المقربون من الناس كلهم. قال قتادة: فهذا في الدنيا على ثلاث منازل وعند الموت قال الله تعالى: ﴿وأمّا إن كان من أصحاب اليمين﴾ إلى قوله: ﴿وتصلية جحيم﴾(١)، وفي الآخرة أيضاً، قال عز وجل: ﴿وكنتم أزواجاً ثلاثة * فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة﴾ إلى قوله: ﴿المقربون﴾(٢). وقال ابن عباس: السابق: المؤمن المخلص، والمقتصد: المرائي، والظالم: الكافر بنعمة الله غير الجاحد لها؛ لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة فقال: ﴿جنات عدن يدخلونها﴾، وسمعت أبا محمد شيبة بن محمد بن أحمد الشعبي يقول: سمعت أبا بكر بن عبد يقول: قالت عائشة: السابق: الذي أسلم قبل الهجرة، والمقتصد: الذي أسلم بعد الهجرة، والظالم: نحن. وقال بكر بن سهل الدمياطي: الظالم لنفسه: الذي مات على كبيرة ولم يتب منها، والمقتصد: الذي لم يصب كبيرة، والسابق بالخيرات: الذي لم يعص الله والتائب من الذنب کمن لا ذنب له. وعن الحسن أيضاً قال: السابق: من رجحت حسناته، والمقتصد: من استوى حسناته وسيئاته، والظالم: الذي ترجح سيئاته على حسناته. سهل بن عبد الله: السابق: العالم، والمقتصد: المتعلم، والظالم: الجاهل، وعنه أيضاً: السابق: الذي اشتغل بمعاده، والمقتصد: الذي اشتغل بمعادة عن معاشه، والظالم: الذي اشتغل بمعاشه عن معاده. وقيل: الظالم: طالب الدنيا، والمقتصد: طالب العقبى، والسابق، طالب المولى. وقيل: الظالم: المسلم، والمقتصد: المؤمن، والسابق: المحسن. (١) سورة الواقعة: ٩٠ - ٩٤. (٢) سورة الواقعة: ٧ - ١١ . ١١٠ الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي وقيل: الظالم: المرائي في جميع أعماله، والمقتصد: من تكون أعماله بعضها رياءً وبعضها إخلاصاً، والسابق: المخلص في أفعاله كلها، وقيل: الظالم: من أخذ الدنيا حلالاً كان أو حراماً، والمقتصد: من يجتهد في طلب الحلال، والسابق: الذي ترك الدنيا جملةً وأعرض عنها . أبو عثمان الحبري: الظالم: من وجد الله بلسانه ولم يوافق فعله قوله، والمقتصد: من وجده بلسانه وأطاعه بجوارحه، والسابق: من وجده بلسانه وأطاعه بجوارحه وأخلص في عمله، وقيل: السابقون: هم المهاجرون الأولون، والمقتصدون: عامة الصحابة، والظالمون: التابعون . وسمعت محمد بن الحسين السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز بمصر يقول: قال ابن عطا: الظالم: الذي تحبه من أجل الدُّنيا، والمقتصد: الذي تحبه من أجل العقبى، والسابق: الذي أسقط مراده بمراد الحق، فلا يرى لنفسه طلباً ولا مراداً لغلبة سلطان الحق عليه، وقيل: الظالم: من كان ظاهره خيراً من باطنه، والمقتصد: الذي استوى ظاهره وباطنه، والسابق: الذي باطنه خيرٌ من ظاهره. وقيل: الظالم: الذي يعبد الله خوفاً من النار، والمقتصد: الذي يعبده طمعاً في الجنة، والسابق: الذي يعبده لا لسبب، وقيل: الظالم: الزاهد، والمقتصد: العارف، والسابق: المحب، وقيل: الظالم: الذي يجزع عند البلاء، والمقتصد: الذي يصبر عند البلاء، والسابق: الذي يتلذذ بالبلاء، وقيل: الظالم: الذي يعبده على الغفلة والعادة، والمقتصد: الذي يعبده على الرغبة والرهبة، والسابق: الذي يعبده على الهيبة ورؤية المنة، وقيل: الظالم: الذي أُعطي فمنع، والمقتصد: الذي أُعطي فبذل، والسابق: الذي مُنع فشكر، وقيل: الظالم: غافل، والمقتصد: طالب، والسابق واجد، وقيل: الظالم: من استغنى بماله، والمقتصد: من استغنى بدينه، والسابق: من استغنى بربه، وقيل: الظالم التالي للقرآن، والمقتصد: القارئ له والعالم به، والسابق: القارئ لكتاب الله العالم بكتاب الله العامل به، وقيل: السابق: الذي يدخل المسجد قبل تأذين المؤذن، والمقتصد: الذي يدخل المسجد وقد أذن، والظالم: الذي يدخل المسجد وقد أُقيم، وقيل: الظالم: الذي يحب نفسه، والمقتصد: الذي يحب ربه، والسابق: الذي يحبه ربه، وقيل: الظالم: مريد، والمقتصد: مُراد، والسابق: مطلوب، وقيل: الظالم: مدعو، والمقتصد مأذون له، والسابق: مقرب، وقيل: الظالم: عيوف، والمقتصد: ألوف، والسابق: حليف. وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: الظالم: ينتصف ولا ينصف، والمقتصد: ينصف وينتصف، والسابق ينصف ولا ينتصف. ١١١ سورة فاطر، الآيات: ١٥ - ٣٥ ذو النون المصري: الظالم: الذي لا يذكر الله بلسانه، والمقتصد: الذي يذكره بقلبه، والسابق: الذي لا ینسی ربه . أحمد بن عاصم الأنطاكي: الظالم: صاحب الأقوال، والمقتصد: صاحب الأفعال، والسابق: صاحب الأحوال. ثم جمعهم الله سبحانه وتعالى في دخول الجنة فقال سبحانه وتعالى: ﴿جناتُ عدن يدخلونها﴾. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن زرعة قال: حدّثنا يوسف بن عاصم الرازي قال: حدّثنا أبو أيُّوب سليمان بن داود المنقري المعروف بالشاذكوي عن حصين ابن نمير أبو محصن عن ابن أبي ليلى عن أخيه عن أبيه عن أسامة بن زيد عن النبي ◌َّ: ﴿فمنهم ظالمٌ لنفسه﴾ الآية قال: ((كلهم في الجنة)) [٥٧](١). وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا علي بن محمد بن علي بن الحسين الفأفاء القاضي قال: حدّثنا بكر بن محمد المروزي قال: حدّثنا أبو قلابةَ قال: حدّثنا عمرو بن الحصين عن الفضل بن عميرة عن ميمون الكردي عن أبي عثمان الهندي قال: سمعت عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ الآية فقال: قال رسول الله وَالى: ((سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج (٢)، وظالمنا مغفورٌ له)) [٥٨](٣). قال أبو قلابة: فحدثت به يحيى بن معين فجعل يتعجب منه . ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير﴾ أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن بشير قال: حدثنا أبو الحرث أحمد بن سعيد بن أُمّ سعيد قال: حدّثنا الربيع بن سليمان المرادي قال: حدّثنا أسيد بن موسى عن ابن ثومان عن عطاء ابن قرة عن عبد الله بن ضمرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلقول «لو أن أدنى أهل الجنة حلية عدلت حليته بحلية أهل الدنيا جميعاً لكان ما يحليه الله سبحانه به في الآخرة أفضل من حلية أهل الدنيا جميعاً))(٤) [٥٩]. ﴿وقالوا﴾ أي يقولون إذا دخلوا الجنة ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ أخبرني الحسين بن محمد العدل قال: حدّثنا محمد بن المظفر قال: حدّثنا علي بن إسماعيل بن حماد البغدادي قال: حدّثنا عمرو بن علي الفلاس قال: حدّثنا معاذ بن هشام، قال حدّثني أبي عن (١) تفسير الطبري: ٢٢ / ١٦٠ ح ٢٢١٧٥. (٢) في المخطوط : ناجي. (٣) كنز العمال: ٢ / ١٠ ح ٢٩٢٥. (٤) المعجم الأوسط: ٨/ ٣٦٢. ١١٢ الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي عمرو بن مالك عن ابن أبي الجوزاء عن ابن عباس في قول الله عز وجل: ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ قال: حزن النار. . وأخبرني الحسين بن محمد عن محمد بن علي بن الحسن الصوفي قال: حدثنا أبو شعيب الحراني قال: حدّثنا عبد العزيز بن أبي داود الحراني قال: حدّثنا جرير عن أشعث بن قيس عن شمر بن عطية في قول الله عز وجل: ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ قال حزن الخبز. عكرمة: حزن الذنوب والسيئات وخوف رد الطاعات، وقيل: حزن الموت، وقيل: حزن الجنة والنار لا يُدرى إلى أيهما يصير. الثمالي: حزن الدنيا. الضحاك: حزن إبليس ووسوسته. ذو النون: حزن القطيعة. الكلبي: يعني الحزن الذي يحزننا في الدنيا من يوم القيامة، وقيل: حزن العذاب والحساب، وقيل: حزن أهوال الدنيا وأوجالها، وقال القاسم: حزن زوال النعم وتقليب القلب وخوف العاقبة. وسمعت السلمي يقول: سمعت النصرآبادي يقول: ما كان حزنهم إلّ تدبير أحوالهم وسياسة أنفسهم، فلما نجوا منها حمدوا ﴿وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إنّ ربنا لغفورٌ شكورٌ﴾، أخبرني أبو عبد الله الدينوري قال: أخبرني أبو حذيفة أحمد بن محمد بن علي عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي عن يحيى بن عبد الحميد الحماني عن عبد الرَّحْمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: سمعت النبي ◌َّه يقول: ((ليس على أهل (لا إله إلاّ الله) وحشة في قبورهم ولا في محشرهم ولا في منشرهم، وكأني بأهل (لا إله إلّ الله) يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن وجوههم ويقولون: ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إنّ ربنا لغفورٌ شكور﴾ [٦٠](١). ﴿الذي أحلنا دار المقامة﴾ أي الإمامة ﴿من فضله لا يمسنا فيها نصبٌ ولا يمسنا فيها لغوبٌ﴾ أي كلال وإعياء وفتور، وقراءة العامة بضم اللام، وقرأ السلمي بنصب اللام وهو مصدر أيضاً كالولوع، وقال الفراء: كأنه جعله ما يلغب مثل لغوب. أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد بن مهدي قال: أبو عبد الله محمد بن زكريا بن محمدويه (٢) الرجل الصالح عن عبد الله بن عبد الوهاب الخوارزمي قال: حدّثنا عاصم بن عبد الله قال: حدّثني إسماعيل عن ليث بن أبي سليم عن الضحاك بن مزاحم في قول الله سبحانه: ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ قال: إذا (١) كتاب الدعاء للطبراني: ٤٣٦، والمعجم الأوسط: ٩ / ١٨١. (٢) كذا في الأصل. ١١٣ سورة فاطر، الآيات: ٣٦ - ٤٥ دخل أهل الجنة استقبلهم الولدان والخدم كأنهم اللؤلؤ المكنون. قال: فيبعث الله ملكاً من الملائكة معه هدية من رب العالمين وكسوة من كسوة الجنة فيلبسه. قال: فيُريد أن يدخل الجنة فيقول الملك: كما أنت فيقف ومعه عشرة (١) خواتيم من خواتيم الجنة هدية من رب العالمين فيضعها في أصابعه. مكتوب في أول خاتم منها: ﴿طبتم فادخلوها خالدين﴾(٢)، وفي الثاني مكتوب: ﴿ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود﴾(٣)، وفي الثالث مكتوب: ((رفعت عنكم الأحزان والهموم))، وفي الرابع مكتوب: ((زوجناكم الحور العين))، وفي الخامس مكتوب: ((ادخلوها بسلام آمنين))، وفي السادس مكتوب: ﴿إني جزيتهم اليوم بما صبروا﴾(٤)، وفي السابع مكتوب: (إنهم هم الفائزون))، وفي الثامن: ((صرتم آمنين لا تخافون))، وفي التاسع مكتوب: ((رافقتم النبيين والصديقين والشهداء))، وفي العاشر مكتوب: ((سكنتم في جوار من لا يؤذي الجيران)). ثم تقول الملائكة: ((ادخلوها بسلام آمنين)). فلما دخلوا بيوتاً ترفع ﴿قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن .. ﴾ إلى قوله: ﴿لغوب﴾. وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُفْضَى عَلَيْهِمْ يُغْضَى وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهًّا كَذَلِكَ نَِّى كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرُِّونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُّ أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرُ وَحَكُمُ النَّذِيِّ فَذُوقُواْ فَمَا لِلَِّينَ مِن نَّصِيرٍ (٦٧) إِنَّ اللَّهَ عَلِمُ غَيْبٍ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضِِّ إِنَّهُ عَلِيٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿١٣) هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَيْفَ فِى الْأَرْضِّ فَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَفِرِينَ كُمْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّ مَغْنَّاً وَلَا يَزِيدُ الْكَفِنَ كُفْرُهُ إِلَّ خَسَارً (٦) قُلْ أَرَدِيَّةٌ مُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرْوِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ اْأَرْضِ أَوْ لَمُمْ شِرْلٌ فِ التََّوَنِ أَمْ ءَيْنَهُمْ كِتَبَا فَهُمْ عَلَى يَبْنَتِ مِّنْهُ بَيْنَتٍ إِن ◌َعِدُ الظَِّمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٣) ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَّنِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُوَاْ وَلَيِنِ زَا إِنْ أَمْسَكَّهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّنْ بَعْدِهِ: إِنَّهُ كَنَّ ◌َلِمًا غَفُورًا (٤٦) وَأَفْسَمُواْ بِأَلَّهِ حَهْدَ أَيْفَتِهِمْ لَكِنِ حَّهُمْ نَدِيرٌ لَكُونُنَّ أَهْدَىْ مِنْ إِحْدَى الْأُمَِّّ فَلَّا جَآَهُمْ نَذِبِرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّ نُورًا (١٦) اسْتِكْبَارًا فِى الْأَرْضِ وَمَكَرَ السَّ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبْىُّ إِلَّ يِأَهْلِهِ فَهَلْ يَظُرُونَ إِلَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَّ عَلَىْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلَاً وَلَن ◌َّدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴿٨ أَوَلَّمْ يَسِرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقَِّهُ الَّذِينَ مِنْ قَيِهِمْ وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ فُوَّةٍ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَىْءٍ فِ شَىْءٍ وَلَا فِى الْأَرْضِّ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤) وَلَوْ يُؤَاخِذُ للَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَلِكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن ذَابَةٍ وَلَكِن يُؤَخِرُهُمْ إِلَى أَجَلِ شَُفِىٌّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ، بَصِيرًا (١) في المخطوط: عشر. (٣) سورة ق: ٣٤. (٤) سورة المؤمنون: ١١١. (٢) سورة الزمر: ٧٣. ١١٤ الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي ﴿والذين كفروا لهم نارُ جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا﴾ أي لا يقبضون فيستريحون. وذكر عن الحسن: فيموتون، و ﴿لا﴾ يكون حينئذ جواباً للنفي، والمعنى: لا يقضى عليهم ولا يموتون. كقوله: ﴿لا يؤذن لهم فيعتذرون﴾(١). ﴿ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور﴾ قراءة العامة بنصب النون واللام وقرأ أبو عمرو بضم الياء واللام وفتح الزاي على غير تسمية الفاعل. ﴿وهم يصطرخون﴾: يدعون ويستغيثون ويصيحون فيها، وهو افتعال من الصراخ، ويُقال للمغيث: صارخ والمستغيث: صارخ. ﴿ربنا أخرجنا﴾ من النار ﴿نعمل صالحاً غير الذي ◌ُنا نعمل﴾ في الدُّنيا، فيقول الله عز وجل: ﴿أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر﴾. اختلفوا في هذه المدة، فقال قتادة والكلبي: ثماني عشرة سنة، وقال الحسن: أربعون سنة، وقال ابن عباس: ستون سنة . أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه(٢) قال: حدّثنا ابن شنبه وأحمد بن جعفر بن حمدان قالا: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا أبو سلمة يحيى بن المغيرة حدّثنا ابن أبي فديك عن عبد الله بن عبد الرَّحْمن بن أبي حصين عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: ((إذا كان يوم القيامة نُودي أين أبناء الستين؟ وهو الذي قال الله عز وجل فيه: ﴿أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر﴾)) [٦١](٣). وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن حرجة قال: حدّثنا محمد بن أيوب قال: حدّثنا الحجبي عن عبد العزيز بن أبي حازم قال: سمعت أبي يُحدث عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: ((من عمّره الله ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر)) [٦٢](٤). وأخبرني ابن فنجويه عن أحمد بن جعفر بن حمدان عن إبراهيم بن سهلويه عن الحسين بن عرفة، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلير: ((أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك)) [٦٣](٥). وقال رسول الله وَله: ((معترك منايا أُمتي ما بين الستين إلى السبعين))(٦) [٦٤]. سورة المرسلات : ٣٦. (١) في بعض كتب الرجال اثبت بالفاء وفي بعضها بالميم: منجويه. (٢) (٣) مجمع الزوائد: ٧ / ٩٧. مسند أحمد: ٢ / ٤١٧. (٤) مسند أبي يعلى: ١٠ / ٣٩٠، والسنن الكبرى للبيهقي: ٣ / ٣٧٠. (٥) (٦) تفسير القرطبي: ٤ / ١٤٥، وكشف الخفاء: ١ / ١٤٦. ١١٥ سورة فاطر، الآيات: ٣٦ - ٤٥ ﴿وجاءكم النذير﴾ أي الرسول، وقال زيد بن علي: القرآن، وقال عكرمة وسفيان بن عيينة ووكيع والحسين بن الفضل: يعني الشيب، وفيه قيل: لصاحبها وحسبك من نذيرٍ (١) رأيت الشيب من نُذُر المنايا فلا خلف يكون مع القتير فحدّ الشيبِ أُهبة ذي وقار وقال آخر: نوافر عن معاينة القتير (٢) وقائلة تبيض والغواني ولستُ مسوداً وجه النذير فقلت لها المشيب نذير عمري ﴿فذوقوا﴾ أي العذاب ﴿فما للظالمين من نصير * إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذاتِ الصدور * هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلاّ مقتاً﴾ غضباً ﴿ولا يزيد الكافرين كفرهم إلاّ خساراً * قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض﴾ أي في الأرض ﴿أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتاباً﴾ يأمرهم بذلك ﴿فهم على بينة منه﴾. قرأ ابن كثير وأبو عمرو والأعمش وحمزة ﴿بينة﴾ على الواحد، وقرأ غيرهم (بينات) بالجمع، وهو اختيار أبي عبيد قال: لموافقة الخط. فإني قد رأيتها في بعض المصاحف بالألف والتاء. ﴿بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضاً إلاّ غروراً * إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحدٌ من بعده إنه كان حليماً غفوراً﴾، روى مغيرة عن إبراهيم قال: جاء من أصحاب عبد الله بن مسعود إلى كعب ليتعلم من علمه، فلما رجع قال عبد الله: هات الذي أصبت من كعب. قال: سمعت كعباً يقول: إنّ السماء تدور في قطبة مثل قطبة الرحا في عمود على منكب ملك. فقال عبد الله: وددت أنك انفلتّ من رحلتك براحلتك ورحلها، كذب كعب ما ترك يهوديته بعدُ، إنّ الله عز وجل يقول: ﴿إنّ الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا﴾ الآية، إن السماوات لاتدور، ولو كانت تدور لكانت قد زالت. ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم) وذلك أنّ قريشاً لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم، فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى ديناً منهم، وهذا قبل قدوم النبي و #، فلما بُعث محمد ◌َّ كذبوه فأنزل الله عز وجل: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذيرٌ ليكونن أهدى من إحدى الأُمم﴾، يعني اليهود والنصارى، ﴿فلما جاءهم نذيرٌ﴾: محمد وَلِّ ﴿ما زادهم إلاّ نفوراً﴾ بعداً ونفاراً. (١) تفسير القرطبي: ١٤ / ٣٥٤. (٢) تفسير مجمع البيان: ٨ / ٢٤٩. ١١٦ الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي ﴿استكباراً في الأرض﴾ ونصب ﴿استكباراً﴾ على البدل من النفور، قاله الأخفش، وقيل: على المصدر، وقيل: نزع الخافض. ﴿ومكر السيّئ﴾ يعني العمل القبيح، وقال الكلبي: هو إجماعهم على الشرك وقتل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ﴿ولا يحيق المكر السَّيِّئ إلاّ بأهله﴾، أي لا يحل ولا ينزل، ويحيط ويلحق فقتلوا يوم بدر، وقراءة العامة: ﴿السيّئ﴾ بإشباع الإعراب فيها، وجزم الأعمش وحمزة (ومكر السَّيْ) تخفيفاً وكراهة لالتقاء الحركات ولم يعملا ذلك في الأُخرى، والقراءة المرضية ما عليه العامة. وفي الحديث أنّ كعباً قال لابن عباس: قرأت في التوراة: من حفر حفرة وقع فيها. فقال ابن عباس: أنا أوجد لك ذلك في القرآن، ثم قرأ قوله سبحانه وتعالى: ﴿ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله﴾ . وأخبرني أبو عبد الله الحسين بن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا محمد بن الحسن البلخي قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا يونس بن يزيد عن الزهري قال: بلغنا أنّ رسول اللـه وسلم قال: ((لا تمكر ولا تعن ماكراً؛ فإن: الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ولا يحيق المكر السيّئ إلّ بأهله﴾، ولا تبغ ولا تعن باغياً، بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إنما بغيكم على أنفسكم﴾(١) ولا تنكث ولا تعن ناكثاً فإنّ الله سبحانه يقول: ﴿ومن نكث فإنما ينكث على نفسه﴾(٢))) [٦٥](٣) ﴿فهل ينظرون إلاّ سنة الأولين﴾ يعني العذاب إذا كفروا ﴿فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً﴾ ﴿أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً * ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا﴾ من الجرائم ﴿ما ترك على ظهرها﴾، يعني الأرض كناية عن غير مذكور ﴿من دابة﴾ . قال الأخفش والحسين بن الفضل: أراد بالدابة: الناس دون غيرهم، وأجراها الآخرون على العموم. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه [عن] الفربابي قال: حدّثني أبو مسعود أحمد بن الفرات قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال النبي وَليقول: ((إذا أصاب الله عز وجل قوماً بعذاب أصاب به من بين ظهرانيهم ثم يبعثون على أعمالهم يوم القيامة)) [٦٦]. (١) سورة يونس: ٢٣. (٢) سورة الفتح: ١٠ . (٣) تفسير القرطبي: ١٤ / ٣٦٠، اختلاف في الحديث. ١١٧ سورة فاطر، الآيات: ٣٦ - ٤٥ وقال قتادة في هذه الآية: قد فعل الله ذلك في زمن نوح فأهلك الله ما على ظهر الأرض من دابة إلاّ ما حُمل في سفينة نوح، وقال ابن مسعود: كاد الجعل يُعذب في جحره بذنب ابن آدم ثم قرأ هذه الآية، وقال أنس: إنّ الضب ليموت هزلاً في جحره بذنب ابن آدم، وقال يحيى ابن أبي كثير: أمر رجل بمعروف ونهى عن منكر، فقال له رجل: عليك نفسك فإنّ الظالم لا يضر إلاّ نفسه. فقال أبو هريرة: كذبت والذي نفسي بيده، إنّ الحباري لتموت هزلاً في وكرها بظلم الظالم . وقال أبو حمزة الثمالي في هذه الآية: يحبس المطر فيهلك كل شيء. ﴿ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمىٍّ فإذا جاء أجلهم فإنّ الله كان بعباده بصيراً﴾. ١١٨ الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي سورة يس مكيّة، وهي ثلاثة آلاف حرف وسبعمائة وتسع وعشرون كلمة وثلاث وثمانون آية في فضلها : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد الناقد قال: أخبرني أبو العباس محمد بن إسحاق السراج قال: حدّثنا حميد بن عبد الرَّحْمن عن الحسين بن صالح عن هارون أبي محمد عن مقاتل بن حيان عن قتادة عن أنس: أنّ رسول الله وَّ قال: ((لكل شيء قلب وإنّ قلب القرآن (يُس) ومن قرأ (يس) كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات)) [٦٧](١). وأخبرني محمد بن الحسين بن محمد قال: حدّثنا محمد بن محمد بن يعقوب قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن محمد بن مسلم الملطي بمصر قال: حدّثنا إسماعيل بن محمود النيسابوري قال: حدّثنا أحمد بن عمران الرازي عن محمد بن عمير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله وَله: ((إنّ في القرآن لسورة تشفع لقرائها ويُغفر لمستمعها، ألا وهي سورة يس)) [٦٨](٢) . وأخبرنا أبو الحسن عبد الرَّحْمن بن محمد بن إبراهيم الطبراني بها قال: حدّثنا العباس بن محمد بن قوهيار قال: حدّثنا الفضل بن حماد وأخبرنا أحمد بن أبي الفراتي قال: أخبرنا أبو نصر السرخسي قال: حدّثنا محمد بن أيوب قالا: حدّثنا إسماعيل بن أبي أُوس عن محمد بن عبد الرَّحْمن بن أبي بكر الجدعاني عن سُليمان بن مرقاع عن هلال بن الصلت أنّ أبا بكر قال: قال رسول الله وَّيقول: (يس تدعى المعمة)). قيل: يا رسول الله وما المعمة؟ قال: ((تعم صاحبها: خير الدنيا وتدفع عنه أهاويل الآخرة، وتُدعى الدافعة والقاضية)) قيل: يارسول الله وكيف ذلك؟ قال: «تدفع عنه كل سوء وتقضي له كل حاجة، ومن قرأها عُدلت له عشرون حجة، ومن سمعها كان له ألف دينار في سبيل الله، ومن كتبها وشربها أدخلت [جوفه](٣) ألف دواء وألف (١) سنن الدارمي: ٢ / ٤٥٦ بتفاوت. (٢) تفسير القرطبي: ١٥ / ١. (٣) في المخطوط: جوفها . ١١٩ سورة يس يقين وألف زلفى وألف رحمة، ونزع عنه كل داء وغل)) [٦٩](١). وأخبرنا أبو الحسن بن أبي إسحاق المزكي قال: حدّثنا أبو الأحرز محمد بن عمر بن جميل قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم - وهو أبو بسطام البغدادي - قال: حدّثنا إسماعيل ابن إبراهيم قال: حدّثنا يوسف بن عطية عن هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله وَ له: ((من قرأ (يس) يُريد بها الله عز وجل غفر الله له وأُعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتي عشرة (٢) مرة، وأيما مريض قرئت عنده سورة (بس) نزل عليه بعدد كل حرف عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفاً فيصلون ويستغفرون له ويشهدون قبضه وغسله ويتبعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه، وأيما مريض قرأ سورة يس وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يجيئه رضوان خازن الجنان بشربة من الجنة فيشربها وهو على فراشه فيموت وهو ريان ويبعث وهو ريان ويُحاسب وهو ريان ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريان)) [٧٠](٣). وحدّثنا أبو الفضل علي بن محمّد بن أحمد بن علي الشارعي الخوارزمي إملاء قال: حدّثنا أبو سهل بن زياد القطان قال: حدّثنا ابن مكرم قال: حدّثنا مصعب بن المقدّم قال: حدّثنا أبو المقدام هشام عن الحسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلجر: ((من قرأ سورة (يس) في ليلة أصبح مغفوراً له)) [٧١](٤). وأخبرني الحسين بن محمد الثقفي قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا حمزة بن الحسين بن عمر البغدادي قال: حدّثنا محمد بن أحمد الرياحي قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا أيوب بن مدرك عن أبي عبيدة عن الحسن عن أنس بن مالك عن النبي وَلّ قال: ((من دخل المقابر فقرأ سورة (يس) خفف عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها حسنات)) [٧٢](٥). وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا علي بن ماهان عن علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا عبد الرَّحْمن المحاربي قال: حدّثنا عامر بن يساف اليمامي عن يحيى بن كثير قال: بلغنا أنه من قرأ(يس) حين يصبح لم يزل في فرح حتى يمسي، ومن قرأها حين يمسي لم يزل في فرح حتى يُصبح، وقد حدّثني من جربها . (١) تفسير القرطبي: ١٥ / ١. (٢) في المخطوط: اثني عشر. (٣) تفسير مجمع البيان: ٨ / ٢٥٤ بتفاوت. (٤) الجامع الصغير: ٢ / ٦٣٣ ح ٨٩٣٤. (٥) تفسير مجمع البيان: ٨ / ٢٥٤. ١٢٠ الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي بسم الله الرَّحْمن الرحيم عَلَى صِرْطٍ مُسْتَقِيمِ ﴿أَ تَزِيلَ الْعَزِيزِ بِسّ ﴿ وَالْقُرْءَانِ اَلْحَكِ ﴿٣َ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ الرّحيـ ا لِنُنْذِرَ قَوْمَا مَّا أُنْذِرَ ءَآبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ (٦َ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَّ أَكْثِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِىَّ أَعْنَقِهِمْ أَعْذَلًا فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُفْسَحُونَ ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيَدِهِمْ سَذَّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَذَا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِرُونَ ﴿ وَسَوَُّ عَلَيْهِمْ ،َأنَذَّرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (فَ إِنَّـ شُدِرُ مَنِ أََّعَ مَنٍ وَخَنِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِّ فَشْرُهُ بِمَغْفِرَفٍ وَأَجْرِ كَرِيمٍ (١٦) إِنَّا نَحْنُ نُعِىِ الْمَوْنَ وَنَكْثُ مَا قَدَّعُواْ وَءَاثَرَهُمْ وَكَلَّ شَىْءٍ أَحْصَيِنَّهُ فِيَّ إِمَامِ شُِيٍ ﴿يس﴾ اختلف القُراء فيه، فقرأ حمزة والكسائي وخلف في أكثر الروايات ﴿يس﴾ بكسر الياء بين اللفظين قراءة أهل المدينة، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. الباقون: بفتح الياء، وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو وحمزة وأيوب وأبو حاتم وعاصم في أكثر الروايات، (يسين)، بإظهار النون والسكون. واختلف فيه عن نافع وابن كثير، فقرأ عيسى بن عمر: (يس) بالنصب، شبهه بـ (أين) و(كيف)، وقرأ ابن أبي إسحاق بكسر النون، شبهه بأمسٍٍ ورقاشٍ وحذام وقرأ هارون الأعور: بضم النون، شبهه بمنذُ وحيثُ وقظُ. الآخرون: بإخفاء النون. واختلف المفسرون في تأويله، فقيل: قسم، وقال ابن عباس: يعني يا إنسان بلغة طيىء عطا: بالسريانية، وقال أبو العالية: يا رجل، وقال سعيد بن جبير: يا محمّد، دليله قوله: ﴿إِنك لمن المرسلين﴾ . وقال السيد الحميري : · يا نفس لا تمحضي بالنصح جامدة على المودة إلاّ آل ياسينا(١) وقال أبو بكر الوراق: يا سيد البشر. فإن قيل: لم عدّ ﴿يس﴾ آية ولم يعد ﴿طس﴾ آية؟ فالجواب أنّ ﴿طس﴾ أشبه قابيل من جهة الزنة والحروف الصحاح و ﴿يس﴾ أوله حرف علة وليس مثل ذلك في الأسماء المفردة، فأشبه الجملة والكلام التام وشاكل ما بعده من رؤوس الآي. ﴿والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين﴾ وهو جواب لقول الكفار: لستَ مرسلاً. (١) تفسير القرطبي: ١٥ / ٤.