Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
سورة الأحزاب، الآيات: ١٨ - ٢٧
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾ المثبّطين ﴿مِنْكُمْ﴾ الناس عن رسول الله صلّى الله عليه
﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ﴾ تعالوا ﴿إِلَيْنَا﴾ ودُعوا محمّداً فلا تشهدوا معه الحرب فإنّا نخاف
علیکم الهلاك.
﴿وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ دفعاً وتغديراً. قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا
يقولون لإخوانهم: ما محمّد وأصحابه إلّ أكلة رأس ولو كانوا لحماً لالتهمهم أبو سفيان
وأصحابه، دعوا هذا الرجل فإنّه هالك.
قال مقاتل: نزلت في المنافقين، وذلك أنَّ اليهود أرسلوا إلى المنافقين، فقالوا: ما الذي
يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان ومن معه فإنّهم إنْ قدروا عليكم هذه المرّة لم يستبقوا
منكم أحداً، وإنَّا نشفق عليكم، أنتم إخواننا وجيراننا هلمّ إلينا، فأقبل عبدالله بن أُبيّ وأصحابه
على المؤمنين يعوّقونهم ويخوّفونهم بأبي سفيان ومن معه وقالوا: لئن قدروا عليكم هذه المرّة لم
يستبقوا منكم أحداً، ما ترجون من محمّد؟ فوالله ما يريدنا بخير وما عنده خير، ما هو إلاّ أنْ
يقتلنا هاهنا، انطلقوا بنا إلى إخواننا وأصحابنا، يعني اليهود، فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين
إلاّ إيماناً واحتساباً .
وقال ابن زيد: هذا يوم الأحزاب، انطلق رجل من عند رسول اللـه وَ* فوجد أخاه، وبين
يديه شواء ورغيف ونبيذ، فقال له: أنت هاهنا في الشواء والنبيذ والرغيف ورسول الله وَ له بين
الرماح والسيوف، فقال له [أخوه]: هلمَّ إلى هذا فقد [تبع] بك وبصاحبك، والذي تحلف به لا
يستقيلها محمّدٌ أبداً، فقال: كذبت والذي تحلف به، وكان أخوه من أبيه وأُمّه، أما والله لأخبرنَّ
النبي صلّى الله عليه أمرك، فذهب إلى رسول الله له ليخبره فوجده قد نزل جبرائيل (عليه
السلام) بهذه الآية (١) ..
قوله: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ أي بخلاء بالخير والنفقة في سبيل الله وعند قَسم الغنيمة، وهي
نصب على الحال والقطع من قوله: ﴿وَلاَ يَأْتُون الْبَأْسَ إِلَّ قَلِيلاً﴾ وصفهم الله بالجبن والبخل.
﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في رؤوسهم من الخوف والجبن
﴿كَالَّذِي﴾ أي كدوران عين الذي ﴿يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ﴾ عصوكم
ورموكم ﴿بِأَلْسِنَة حِدَاد﴾ ذربة جمع حديد، ويقال للخطيب الفصيح اللسان الذرب اللسان، مسلق
ومصلق وسلاق وصلاق وأصل السلق الضرب.
وقال قتادة: يعني بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسم الغنيمة، يقولون: أعطونا أعطونا فإنّا قد
شهدنا معكم القتال فلستم بأحقّ بالغنيمة منّا، فأمّا عند الغنيمة فأشحّ قوم وأسوأ مقاسمة، وأمّا
(١) تفسير القرطبي: ١٤/ ١٥٢.

٢٢
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
عند البأس فأجبن قوم وأخذلهم للحقّ.
﴿أَشِخَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ يعني الغنيمة ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى
اللهِ يَسِيراً﴾ .
قوله: ﴿يَحْسَبُونَ﴾ يعني هؤلاء المنافقين ﴿الأَحْزَابَ﴾ يعني قريشاً وغطفان واليهود الذين
تحزبوا على عداوة رسول الله صلّى الله عليه ومخالفته أي اجتمعوا، والأحزاب الجماعات
واحدهم حزب. ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ ولم ينصرفوا عن قتالهم وقد انصرفوا منهم جماعةً وفرقاً. ﴿وَإِنْ
يَأْتِ الأَحْزَابُ﴾ إن يرجعوا إليكم كرّةً ثانية.
﴿يَوَدُّوا﴾ من الخوف والجبن ﴿لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ﴾ خارجون إلى البادية ﴿فِي الأَعْرَابِ﴾ أي
معهم ﴿يَسْأَلُونَ﴾ قراءة العامّة بالتخفيف، وقرأ عاصم الحجدري ويعقوب في روایة رویس وزید
مشدّدة ممدودة بمعنى يتساءلون أي يسأل بعضهم بعضاً .
﴿عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ أخباركم وما آل إليه أمركم ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ﴾ يعني هؤلاء المنافقين ﴿مَا
قَاتَلُوا إِلَّ قَلِيلًا﴾ رياءً من غير حسبة، ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيراً.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ﴾ محمّد صلّى الله عليه ﴿أُسْوَةٌ﴾ قدوة ﴿حَسَنَةٌ﴾
قرأ عاصم هاهنا وفي سورة الامتحان (أُسْوَةٌ) بضمّ الألف وقرأهما الآخرون بالكسر وهما لغتان
مثل عُدوة وعِدوة ورُشوة ورِشوة وكُسوة وكِسوة. وكان يحيى بن ثابت يكسرها هنا ويضمّ الأُخرى.
قال أبو عبيد: ولا نعرف بين ما فَرَّقَ يحيى فرقاً .
قال المفسِّرون: يعني ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ سنّة صالحة أنْ تنصروه
وتؤازروه ولا تتخلّفوا عنه ولا ترغبوا بأنفسكم عن نفسه وعن مكان هواه، كما فعل هو إذ كسرت
رباعيته، وجرح فوق حاجبة وقتل عمّه حمزة، وأُوذي بضروب الأذى فواساكم مع ذلك بنفسه،
فافعلوا أنتم أيضاً كذلك واستنّوا بسنّته.
﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللـهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ في الرخاء والبلاء. ثمّ ذكر المؤمنين
وتصديقهم بوعود الله تعالى فقال: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا﴾ تسليماً لأمر الله
وتصديقاً لوعده ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ .
ووعد الله تعالى إيّاهم قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوا مِنْ
قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٍ﴾(١) .
﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ ذلك ﴿إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ .
(١) سورة البقرة: ٢١٤.

٢٣
سورة الأحزاب، الآيات: ١٨ - ٢٧
قوله: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ فوفوا به ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى
نَحْبَهُ﴾ يعني فرغ من نذره ووفى بعهده فصبر على الجهاد حتى استشهد، والنحب النذر، والنحب
أيضاً الموت. قال ذو الرمّة:
عشية فر الحارثيون بعدما
(١) (٢)
قضى نحبه من ملتقى القوم هوبر
أي مات. قال مقاتل: قضى نحبه يعني أجله، فقتل على الوفاء، يعني حمزة وأصحابه.
وقيل: قضى نحبه أي [أجهده] في الوفاء بعهده من قول العرب: نحبَ فلان في سيره يومه وليلته
أجمع [إذا مد](٣) فلم ينزل. قال جرير:
[بطخفة] جالدنا الملوك وخيلنا عشية بسطام جرين على نحب(٤)
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ الشهادة ﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾ قولهم وعهدهم ونذرهم ﴿تَبْدِيلا﴾ .
أخبرنا عبدالله بن حامد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا عبدالله بن هاشم قال:
حدّثنا نهر بن أسد عن سليمان بن المغيرة عن أنس قال: وأخبرنا أحمد بن عبدالله المرني، عن
محمد بن عبدالله بن سليمان، عن محمد بن العلاء عن عبدالله بن بكر السهمي، عن حميد عن
أنس قال: غاب عمّي أنس بن النضر - وبه سميت أنس - عن قتال بدر فشقّ عليه لما قدم وقال:
غبت عن أوّل مشهد شهده رسول الله صلّى الله عليه، والله لئن أشهدني الله عزّ وجلّ قتالاً
لیرینّ الله ما أصنع.
قال: فلمّا كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللّهم إنّي أبرءُ إليك ممّا جاء به هؤلاء
المشركون، وأعتذر إليك ممّا صنع هؤلاء، يعني المسلمين، ثمّ مشى بسيفه فلقيه سعد بن معاذ،
فقال: أي سعد والذي نفسي بيده إنّي لأجد ريح الجنّة دون أُحد.
قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع أنس، فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون
جراحة من بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، وقد مثّلوا به، وما عرفناه حتى عرفته أُخته
بثناياه، ونزلت هذه الآية ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ .
قال: فكنا نقول: نزلت فيه هذه الآية وفي أصحابه. وأخبرنا عبدالله بن حامد عن أحمد
ابن محمد بن شاذان عن جيغويه بن محمد الترمذي، عن صالح بن محمد، عن سليمان بن
(١) هوبر: اسم رجل، والنحب: الخطر ..
(٢) لسان العرب: ٢٤٨/٥، تاج العروس: ٦٠٩/٣
(٣) هكذا في الأصل.
(٤) طخفة: اسم موضع، والمجالدة: المضاربة.

٢٤
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
حرب، عن حزم، عن عروة عن عائشة في قوله: مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ
فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ قالت: منهم طلحة بن عبيدالله ثبت مع رسول الله صلّى
الله عليه حتى أُصيبت يده، فقال رسول الله صلّى الله عليه: أوجب طلحة الجنّة.
وبإسناده عن صالح عن مسلم بن خالد عن عبدالله بن أبي نجيح أنَّ طلحة بن عبيدالله يوم
أُحُد كان محتصناً للنبيّ (عليه السلام) في الخيل وقد بُهر النبيّ صلّى الله عليه قال: فجاء سهم
عابر متوجّهاً إلى النبيّ صلّى الله عليه فاتّقاه طلحة بيده فأصاب خنصره فقال: [حَس] ثمّ قال:
بسم الله، فقال النبيّ (عليه السلام): ((لو أنَّ بها بدأت لتخطفتك الملائكة حتى تدخلك
الجنّة))(١).
وروى معاوية بن إسحاق، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أُمّ المؤمنين قالت: إنّي لفي
بيتي ورسول الله صلّى الله عليه وأصحابه في الفناء وبيني وبينهم الستر إذ أقبل طلحة فقال رسول
الله ◌ُ له: ((من سرّه أنْ ينظر إلى رجل يمشي على الأرض وقد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة))
[٩](٢) .
وأخبرني أبو عبدالله بن فنجويه قال: أخبرني أبو محمد عبدالله بن محمد بن سليمان بن
بابويه بن قهرويه قال: أخبرني أبو عبدالله أحمد بن الحسين بن عبدالجبّار الصوفي، عن محمد
ابن عبّاد الواسطي، عن مكي بن إبراهيم، عن الصلت بن دينار، عن ابن نضر، عن جابر، عن
أبي عبدالله قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه يقول: ((مَنْ سِرّه أنْ ينظر إلى شهيد يمشي
على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله)).
﴿لِيَجْزِىَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كَانَ
غَفُوراً رَحِيماً* وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من قريش وغطفان ﴿بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً﴾ نصراً وظفراً
﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بالملائكة والريح ﴿وَكَانَ اللهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ .
قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ يعني عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على
رسول الله ﴿ وأهل الإيمان وهم بنو قريظة، وذلك أنّ رسول الله وَلّه لمّا أصبح من الليلة التي
انصرف الأحزاب راجعين إلى بلادهم، وانصرف (عليه السلام) والمسلمون من الخندق راجعين
إلى المدينة، ووضعوا السلاح، فلمّا كان الظهر أتى جبرائيل رسول الله صلّى الله عليه [معتماً]
بعمامة من استبرق على بغلة عليها رحالة، عليها قطيفة من ديباج، ورسول الله وَ ل عند زينب
بنت جحش، وهي تغسل رأسه وقد غسلت شقّة فقال: قد وضعتَ السلاح يا رسول الله؟ قال:
(١) الطبقات الكبرى: ٢١٧/٣.
(٢) مجمع الزوائد ١٤٨/٩ .

٢٥
سورة الأحزاب، الآيات: ١٨ - ٢٧
نعم، قال جبرائيل: عفا الله عنك، ما وضعت الملائكة السلاح منذ أربعين ليلة، وما رجعت
الآن إلّ من طلب القوم، إنّ الله يأمرك يا محمّد بالسير إلى بني قريظة [وأنا عامدٌ إلى بني قريظة]
فانهض إليهم، فإنّي قد قطعت أوتارهم وفتحت أبوابهم وتركتهم في زلزال وبلبال، فأمر رسول
اللهِ وَ﴿ منادياً، فأذَّن إنَّ من كان سامعاً مطيعاً لا يصلّين العصر إلاّ في بني قريظة.
وقدّم رسول الله صلّى الله عليه عليّ بن أبي طالب برايته إليهم وابتدرها الناس؛ فسار علي
ابن أبي طالب حتّى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة [على] رسول الله صلّى الله عليه
منهم، فرجع حتّى لقي رسول الله صلّى الله عليه بالطريق وقال: يارسول الله لا عليك أنْ لا
تدنو من هؤلاء الأخابث.
قال: لِمَ؟ أظنّك سمعت لي منهم أذى. قال: نعم يارسول الله، قال: لو قد رأوني لم
يقولوا من ذلك شيئاً، فلمّا دنا رسول الله وَلقه من حصونهم قال: يا إخوان القردة والخنازير هل
أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟ قالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولاً .
ومرّ رسول الله صلّى الله عليه على أصحابه بالصورين قبل أن يصل إلى بني قريظة فقال:
هل مرَّ بكم أحد؟ فقالوا: يا رسول الله لقد مرَّ بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها
رحالة عليها قطيفة ديباج، فقال رسول الله وَعليه: ذاك جبرائيل بُعث إلى بني قريظة، يزلزل بهم
حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم، فلمّا أتى رسول الله صلّى الله عليه بني قريظة نزل على
بئر من آبارها في ناحية من أموالهم يقال لها يراقا، فتلاحق به الناس فأتاه رجال من بعد العشاء
الآخرة ولم يصلّوا العصر، لقول رسول الله وَله: لا يصلّين أحدكم العصر إلاّ في بني قريظة،
فصلّوا العصر بها بعد صلاة العشاء الآخرة، فما عابهم الله بذلك في كتابه، ولا عنّفهم به رسول
.
الله ◌ُعَ لحاله (١)
قال: وحاصرهم رسول الله خمساً وعشرين ليلة حتّى جهدهم الحصار وقذف الله في
قلوبهم الرعب، وقد كان حيي بن أخطب دخل على بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم
قريش وغطفان، وقال كعب بن أسد بما كان عاهده، فلمّا أيقنوا بأنّ النبي ◌َِّ غير منصرف عنهم
حتّى يناجزهم، قال كعب بن أسد لهم: يا معشر اليهود إنّه قد نزل بكم من الأمر ما ترون وإنّي
عارض عليكم خِلالاً ثلاث، فخذوا أيّها شئتم، فقالوا: وما هنّ؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدّقه
فوالله لقد تبيّن لكم أنّه نبيّ مرسل، وأنّه لَلذي كنتم تجدونه في كتابكم، فتأمنوا على دياركم
وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبداً ولا نستبدل به غيره.
قال: فإذا أبيتم هذه فهلمّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثمّ نخرج إلى محمّد وأصحابه رجالاً
(١) تفسير الطبري: ١٨١/٢١ مورد الآية.

٢٦
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
مصلتين بالسيوف ولم نترك وراءنا ثقلاً يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك
ولم نترك وراءنا شيئاً نخشى عليه، وإنْ نظهر فلعمري لنتخذن النساء والأبناء، فقالوا: نقتل
هؤلاء المساكين فلا خير في العيش بعدهم.
قال: فإنْ أبيتم على هذه فإنّ الليلة ليلة السبت، وأنّه عسى أنْ يكون محمّد وأصحابه قد
أمنوا فيها، فانزلوا لعلّنا أنْ نصيب من محمّد وأصحابه غرّة، قالوا: نفسد سبتنا ونُحدث فيه ما
لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا ممّن قد علمت، فأصابهم من المسخ ما لم يَخْفَ عليك. قال:
ما بات رجل منكم منذ ولدته أُمّه بليلة واحدة من الدهر حازما. قال: ثمّ إنّهم بعثوا إلى رسول
الله صلّى الله عليه أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف - وكانوا حلفاء
الأوس - نستشيره في أمرنا، فأرسله رسول الله صلّى الله عليه إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال
ونهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فَرَقَّ لهم، وقالوا: يا أبا لبابة أترى أنْ ننزل على
حكم محمّد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه، إنّه الذبح.
قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي حتّى عرفت أنّي قد خنت الله ورسوله، ثمّ انطلق أبو
لبابة على وجهه ولم يأتِ رسول الله صلّى الله عليه حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده،
وقال: لا أبرح مكاني حتّى يتوب الله عليَّ ممّا صنعت، وعاهد الله لا يطأ بني قريظة، ولا
يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبداً.
فلمّا بلغ رسول الله بَيهر خبره وأبطأ عليه، قال: أما لو جاءني لاستغفرت له، فأمّا إذ فَعَل
فما أنا بالذي أُطلقه من مكانه حتّى يتوب الله عليه، ثمّ إنّ الله تعالى أنزل توبة أبي لبابة على
رسول الله وَ﴿ وهو في بيت أُمّ سلمة وقالت أُمّ سلمة: فسمعت رسول الله صلّى الله عليه من
السَّحَر يضحك فقلت: مِمَّ ضحكت يارسول الله أضحك الله سنّك؟
قال: تيب على أبي لبابة، فقالت: ألا أُبشّره بذلك يارسول الله؟ قال: بلى إنْ شئت قال:
فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يضرب الحجاب عليهن. فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد
تاب الله عليك، قال: فسار إليه الناس ليطلقوه، فقال: لا والله حتّى يكون رسول الله وَلل هو
الذي يطلقني بيده. فلمّا مرَّ عليه خارجاً إلى الصبح أطلقهُ.
قال: ثمّ إنَّ ثعلبة بن شعبة وأسيد بن شعبة وأسيد بن عبيد وهم نفر من بني هزل ليسوا من
بني قريظة ولا التضير، نسبهم فوق ذلك وهم بنو عم القوم، أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها
قريظة على حكم رسول الله صلّى الله عليه وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدي القرظي، فمرّ
بحرس رسول الله وَ﴾، وعليها محمد بن مسلمة الأنصاري في تلك الليلة، فلمّا رآه قال: مَنْ
هذا؟ قال: عمرو بن سعدي، وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله
صلّى الله عليه وقال: لا أغدر بمحمّد أبداً، فقال محمّد بن مسلمة حين عرفه: اللهمّ لا تحرمني

٢٧
سورة الأحزاب، الآيات: ١٨ - ٢٧
عثرات الكرام، ثمّ خلّى سبيله، فخرج على وجهه، حتّى بات في مسجد رسول الله صلّى الله
عليه بالمدينة تلك الليلة، ثمّ ذهب فلا يُدرى أين ذهب من أرض الله إلى يومه هذا، فذُكر لرسول
الله صلّى الله عليه شأنه فقال: ذاك رجل نجّاه الله بوفائه.
وبعض الناس يزعم أنّه أُوثق برمّة فيمن أُوثق من بني قريظة حين نزلوا على حكم رسول
الله صلّى الله عليه، فأصبحت رمَّته ملقاة لا يُدری أين ذهب، فقال رسول الله صلّى الله عليه
تلك المقالة والله أعلم.
فلمّا أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلّى الله عليه وتواثبت الأوس، فقالوا: يا
رسول الله إنّهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي الخزرج بالأمس ما قد علمت، وقد
كان رسول الله صلّى الله عليه قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع، وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا
على حكمه فسألهم إيّاه عبدالله بن أبي سلول فوهبهم له، فلمّا كلّمته الأوس قال رسول الله وَله:
((ألا ترضون يا معشر الأوس أنْ يحكم فيهم رجل منكم))؟ قالوا: بلى.
قال: ((فذلك إلى سعد بن معاذ)) [١٠](١). وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله وَلآه
في خيمة امرأة من المسلمين، يقال لها (رفيدة) في مسجده، وكانت تداوي الجرحى، وتحبس
نفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين. وكان رسول الله صلّى الله عليه قد قال لقومه
حين أصابه السهم بالخندق: ((اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب)) [١١](٢).
فلمّا حكّمه رسول الله وَله في بني قريظة، أتاه قومه فاحتملوه على حمار، وقد وطئوا لهُ
بوسادة من أدم، وكان رجلاً جسيماً، ثمّ أقبلوا معه إلى رسول الله صلّى الله عليه وهم يقولون:
يا أبا عمرو أحسن في موإليك، فإنّ رسول الله وَّل إنّما ولآك ذاك لتحسن فيهم، فلمّا أكثروا
عليه قال: قد أتى لسعد أنْ لا تأخذه في الله لومة لائم، فرجع بعض من كان معه إلى دار بني
عبد الأشهل فنعي لهم رجال بني قريظة قبل أنْ يصل إليهم سعد بن معاذ عن كلمته التي سمع
منه .
فلما انتهى رسول الله صلّى الله عليه قال: قوموا إلى سيّدكم فأنزلوه. فقاموا إليه فقالوا:
يا أبا عمرو إنّ رسول الله وَّه قد ولاَكَ مواليك لتحكم فيهم، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله
وميثاقه أنّ الحكم فيها ما حكمت؟ قالوا: نعم، قال: وعليّ من هاهنا في الناحية التي فيها
رسول الله وَ﴾ وهو معرض عن رسول الله وَل﴾ إجلالاً له، فقال رسول الله وَلّر: نعم.
قال سعد: فإنّي أحكم فيهم، أنْ يُقتل الرجال، وتُقسم الأموال، وتسبى النساء والذراري،
(١) البداية والنهاية: ١٣٩/٤.
(٢) تفسير الطبري: ١٨١/٢١.

٢٨
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
فقال رسول الله وَلا لسعد: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة، ثمّ استنزلوا فحبسهم
رسول الله و للر في دار بنت الحارث امرأة من بني النجّار، ثمّ خرج رسول الله نَّ إلى سوق
المدينة التي هي سوقها اليوم، فخندق بها خندقاً ثمّ بعث إليهم فضرب أعناقهم، فهم في تلك
الخنادق يخرج بهم إليه أرسالاً وفيهم عدوّ الله حيي بن أخطب، وكعب بن أسد رأس القوم وهم
ستمائة أو سبعمائة والمكثر لهم يقول: كانوا من الثمانمائة إلى التسعمائة.
وقيل: قالوا لكعب بن أسد وهو يذهب بهم إلى رسول الله و ﴿ أرسالاً: يا كعب ما ترى
أنْ يُصنع بنا؟ فقال كعب: في كلّ موطن لا تعقلون! ألا ترون أنّ الداعي لا ينزع وأنَّ مَن يذهب
به منكم لا يرجع، هو والله القتل. فلم يزل ذلك دأبهم حتى فرغ منهم رسول الله صلّى الله عليه
وأُتي بحيي بن أخطب عدوّ الله وعليه حلة تفاحية قد شققها عليه من كلّ ناحية كموضع الأنملة
[أنملة أنملة] لئلا يسلبها، مجموعه يداه إلى عنقه بحبل، فلمّا نظر إلى رسول الله وَ لّ قال: أما
والله ما لمتُ نفسي في عداوتك، ولكنّه مَن يخذل اللـه يُخذلِ، ثمّ أقبل على الناس، فقال: أيّها
الناس، إنّه لا بأس بأمر الله، كتاب الله وقدره، وملحمة كتبت على بني إسرائيل، ثمّ جلس
فضربت عنقه فقال هبل(١) بن حواس [الثعلبي] (٢):
ولكنه من يخذل الله يخذل
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه
وقلقل يغبي العز كل مقلقل(٣)
يجاهد حتى أبلغ النفس عذرها
وروى عروة بن الزبير عن عائشة قالت: لم يقتل من نساء بني قريظة إلاّ امرأة واحدة،
قالت: والله إنّها لعندي تتحدّث معي وتضحك ظهراً، ورسول الله صلّى الله عليه يقتل رجالهم
بالسوق؛ إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا والله. قالت: قلت: ويلك ما لك؟
قالت: أُقتل. قلت: ولِمَ؟ قالت: حدثٌ أحدثته. قال: فانطلق بها فضربت عنقها، وكانت عائشة
تقول: ما أنسى كذا عجباً منها طيب نفس، وكثرة ضحك، وقد عرفت أنّها تُقتل.
قال الواقدي: واسم تلك المرأة بنانة امرأة الحكم القرظي، وكانت قد قتلت خلّد بن
سويد، رمت عليه رحا، فدعا رسول الله وَليه بها وضربت عنقها بخلاّد بن سويد، وكان علي
والزبير يضربان أعناق بني قريظة ورسول الله وهو جالس هناك.
وروى محمد بن إسحاق عن الزهري أنَّ الزبير بن باطا القرظي - وكان يكنى أبا عبد
الرحمن - كان قدٍ مَنَّ على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية يوم بغاث أخذه فجرّ ناصيته، ثمّ
خلّى سبيله، وجاءه يوم قريظة، وهو شيخ كبير فقال: يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني؟
(١) في تفسير الطبري (١٨٥/٢١) جبل بن جوال.
(٢) هكذا يظهر في الأصل ولعله: الثعلبي.
(٣) البداية والنهاية: ٤ /١٤٣.

٢٩
سورة الأحزاب، الآيات: ١٨ - ٢٧
فقال: وهل يجهل مثلي مثلك؟ قال: إنّي قد أردت أن أجزيك بيدك عندي، قال: إنّ
الكريم يجزي الكريم، قال: ثمّ أتى ثابت رسول الله صلّى الله عليه فقال: يا رسول الله قد كان
للزبير عندي يد وله عليَّ مِنَّة، وقد أحببتُ أنْ أجزيه بها فَهَبْ لي دمه، فقال رسول الله صلّى الله
عليه: ((هو لك)).
فأتاه فقال له: إنّ رسول اللـه بَّر قد وهب لي دمك. فقال: شيخ كبير لا أهل له ولا ولد
فما يصنع بالحياة؟ فأتى ثابتُ رسول الله وَ له فقال: يارسول الله أهله وولده؟ فقال: ((هم لك)).
فأتاه فقال: إنّ رسول الله وَليل قد أعطاني امرأتك وولدك فهم لك. فقال: أهل بيت بالحجاز لا
مال لهم فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى ثابت رسول الله فقال: يا رسول الله ماله. فقال: هو لك،
فأتاه فقال: إنّ رسول الله قد أعطاني مالك فهو لك. فقال أي ثابت: ما فعل الذي كأنّ وجهه
مرآة صينية تتراءى فيها عذارى الحي كعب بن أسد قال: قتل. قال: فما فعل سيد الحاضر
والبادي حُيّي بن أخطب؟ قال: قتل. قال: فما فعل مقدمنا إذا شددنا، وحامينا إذا كررنا أعزال
ابن سموأل؟ قال: قتل. قال: فما فعل المجلسان؟ يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن
قريظة، قال: ذهبوا قتلوا، قال: وإنّ اسألك بيدي عندك يا ثابت إلاّ ألحقتني بالقوم، فوالله ما
في العيش بعد هؤلاء من خير، فها أنا صابر لله حتى ألقى الأحبّة، فقدّمه ثابت فضرب عنقه،
فلمّا بلغ قوله أبا بكر ألقى الأحبّة، فقال: يلقاهم والله في نار جهنّم خالداً فيها مخلّداً أبداً،
فقال ثابت بن قيس في ذلك:
صبور إذا ما القوم حادوا عن الصبرٍ
وفت ذمّتي إني كريم وإنّني
عليَّ فلما شد كوعاه بالأسرِ
وكان زبير أعظم الناس منّةٌ
وكان رسول الله بحراً لنا يجري(١)
أتيت رسول الله كي ما أفكّه
قالوا: وكان رسول الله صلّى الله عليه قد أمر بقتل من أُسر منهم، فسألته سليمى بنت قيس
أُمّ المنذر أُخت سليط بن قيس - وكانت إحدى خالات رسول الله صلّى الله عليه وكانت قد
صلّت معه القبلتين وبايعته بيعة النساء - رفاعةً بن سموأل القرظي وكان رجلاً قد بلغ، فَلاذَ بها
وكان يعرفها قبل ذلك فقالت: يا نبي الله بأبي أنت وأُمّ هب لي رفاعة بن سموأل، فإنّه زعم أنّه
سيصلّي ويأكل لحم الجمل، فوهبه لها [فاستحيته](٢) قالوا: ثمّ إنَّ رسول الله صلّى الله عليه
قَسَّم أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأعلم في ذلك اليوم سهمان للخيل
وسهمان للرجال، وأخرج منها الخمس، وكان للفارس ثلاثة أسهم: للفرس سهمان وللفارس
سهم(٣)، وللرّاجل ممّن ليس له فرس سهم، وكانت الخيل يوم بني قريظة ستّة وثلاثون فرساً،
(١) تاريخ الطبري: ٢٥٢/٢.
(٢) هكذا في الأصل.
(٣) سيرة ابن هشام: ٢٥٥/٣، وعيون الأثر لابن سيد الناس: ٥٧/٢.

٣٠
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
وكان أوّل في وقع فيه السهمان، وأخرج منه الخمس فعلى سنتها وما مضى من رسول الله فيها
وقعت المقاسم ومضت السنّة في المغازي، ثمّ بعث رسول الله صلّى الله عليه سعد بن زيد
الأنصاري أخا بني عبد الأشهل بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع له بهم خيلاً وسلاحاً .
وكان رسول الله وَل قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن حنافة إحدى نساء
بني عمرو بن قريظة فكانت عند رسول الله صلّى الله عليه حتى توفّ عنها وهي في ملكه، وقد
كان رسول الله صلّى الله عليه يحرص أنْ يتزوّجها ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يارسول
الله بل تتركني في ملكك فهو أخفّ عليَّ وعليك فتركها، وقد كانت حين سباها كرهت الإسلام
وأبتْ إلّ اليهودية، فعزلها رسول الله صلّى الله عليه ووجد في نفسه بذلك من أمرها، فبينا هو
مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه، فقال: إنّ هذا لثعلبة بن شعبة يبشِّرني بإسلام ريحانة،
فجاءَه فقال: يا رسول الله قد أسلمت ريحانة فسرّه ذلك.
فلمّا انقضى شأن بني قريظة الفجر خرج سعد بن معاذ، وذلك أنّه دعا بعد أنْ حكم في بني
قريظة ما حكم فقال: اللّهمّ إنّك قد علمت أنّه لم يكن قوم أحبّ إليَّ من أنْ أجاهدهم من قوم
كذّبوا رسولك، اللّهمّ إنْ كنت أبقيت من حرب قريش على رسولك شيئاً فأبقني لها، وإنْ كنت
قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك فانفجر كلمه فرجعه رسول الله وَيقر إلى خيمته التي
ضرب عليه في المسجد.
قالت عائشة: فحضره رسول الله وَ﴾ وأبو بكر وعمر، فوالذي نفس محمّد بيده إنّي لأعرف
بكاء عمر من بكاء أبي بكر وإنّي لفي حجرتي، قالت: وكانوا كما قال الله عزّ وجلّ: ﴿رُحَمَاءَ
بَيْنَهُمُ﴾(١).
قال علقمة: [أي أمّه](٢) كيف كان يصنع رسول الله وَ له؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على
أحد، ولكنّه كان إذا اشتدّ وجده فإنّما هو آخذ بلحيتهِ، قال محمّد بن إسحاق: لم يقتل من
المسلمين يوم الخندق إلاّ ستّة نفر، وقتل من المشركين ثلاثة نفر، وقتل يوم قريظة من المسلمين
خلاد بن سويد بن ثعلبة طرحت عليه رحى فشدخته فقط(٣).
ولمّا انصرف رسول الله صلّى الله عليه من الخندق وقريظة قال: الآن نغزوهم - يعني
قريشاً - ولا يغزوننا، فكان كذلك حتى فتح الله على رسوله مكّة، وكان فتح بني قريظة في آخر
ذي القعدة سنة خمس للهجرة فذلك قوله الله عزّ وجلّ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظهَرُهُم مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
(١) سورة الفتح: ٢٩.
(٢) يريد: عائشة.
(٣) انظر: تاريخ الطبري: ٢٥٢/٢.

٣١
سورة الأحزاب، الآيات: ٢٨ - ٣٢
مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ أي حصونهم ومعاقلهم، واحدها صيصية، ومنه قيل لقرن البقر صيصية، ولشوكة
الديك والحاكة صيصية، وقال الشاعر:
كوقع الصياصي في النسيج الممدد(١)
﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ وهم الرجال ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ وهم النساءِ
والذراري ﴿وَأَوْرَنَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَنُوهَا﴾ بعد. قال يزيد بن رومان
وابن زيد ومقاتل: يعني خيبر. قتادة: كنّا نُحدّث أنّها مكّة. قال الحسن: فارس والروم.
عكرمة: كلّ أرض تفتح إلى يوم القيامة. ﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾.
يَأَّا النَّبِىُّ قُل لِأَزْوَ إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ الْحَبَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَعَالَيْنَ أُمَتَشْكُنَّ وَأُسَرِّعْكُنَّ
سَا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالذَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهُ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَّتِ مِنْكُنَّ أَجْرًّا
عَظِيمًا ﴿ يَنِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَحِشَةٍ مُبَكِّئَةٍ بُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنٍّ وَكَانَ ذَلِكَ
﴿ وَمَنَ يَقْتُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنٍ وَأَعْتَدْنَا لَمَا رِزْقًا
على الله يسرا
كَرِيمًا (٣٦) بَنِيَّةُ النَّيِّ لَسْئُّنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ اَلْنِسَاءِ إِنْ أَنَّفَيَقُنُّ فَلَا نَحْضَعْنَ بَلْقَوْلِ فَطْمَعَ الَّذِى فِ قَلِهِ.
مَرَضٌ وَقُلْنَ فَوْلاً مَّعْرُوفًا.
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّمْكُنَّ﴾
متعة الطلاق ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاء* وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ﴾ فأطعتنهما
﴿فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ قال المفسِّرون: كان أزواج النبي صلّى الله عليه
سألنه شيئاً من عرض الدنيا وآذينه بزيادة النفقة والغيرة، فهجرهن رسول الله صل﴾. وآلى أنْ لا
يقربهن شهراً، ولم يخرج إلى أصحابه صلوات، فقالوا: ما شأنه؟ فقال عمر: إن شئتم لأعلمن
لكم ما شأنه، فأتى النبي (عليه السلام) فجعل يتكلّم ويرفع صوته حتى أذن له، قال: فجعلت
أقول في نفسي: أيّ شيء أُكلِّم به رسول الله صلّى الله عليه لعلّه ينبسط؟ فقلت: يا رسول الله لو
رأيت فلانة وسألتني النفقة، فصككتها صكّة فقال: ذلك أجلسني عنكم.
فأتى عمر حفصة فقال: لا تسألي رسول الله شيئاً ما كانت لكِ من حاجة فإليّ، قال: ثمّ
تتبّع نساء النبي وَ ﴿ فجعل يكلِّمهنّ، فقال لعائشة: أيعزّك أنّكِ امرأة حسناء وأنّ زوجك يحبّكِ
لتنتهن أو لينزلن فيكنّ القرآن، قال: فقالت له أُمّ سلمة: يابن الخطّاب أوما بقي لك إلاّ أنْ تدخل
بين رسول الله وبين نسائه؟! مَن يسأل المرأة إلاّ زوجها؟ فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآيات.
وكانت تحت رسول الله صلّى الله عليه يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش عائشة بنت أبي
(١) كتاب العين: ١٧٦/٧.

٣٢
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
بكر، وحفصة بنت عمر، وأمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأمّ سلمة بنت أبي أمية،
وصفية بنت حيي الخيبرية، وميمونة بنت الحرث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية
بنت الحرث المصطلقية، فلمّا نزلت آية التخيير بدأ رسول الله صلّى الله عليه بعائشة، وكانت
أحبّهنّ إليه، فخيّرها وقرأ عليها القرآن، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فَرؤيَ الفرح في
وجه رسول الله صلّی الله علیه وتابعنها على ذلك.
قال قتادة: فلمّا اخترن الله ورسوله، شكرهنّ الله على ذلك، وقصره عليهن وقال: (لا
يحلّ لك النساء من بعد) الآية .
أخبرنا عبدالله بن حامد عن محمد بن الحسين عن أحمد بن يوسف عن عبدالرزّاق عن
معمر، أخبرني الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لمّا مضت تسع وعشرون ليلة دخل عليَّ
رسول الله صلّى الله عليه فقلت: يا رسول الله، إنّك أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً وإنّك قد
دخلت عليَّ من تسع وعشرين أعدّهن، فقال: إنّ الشهر تسع وعشرون، ثمّ قال: يا عائشة إنّي
ذاكر لك أمراً فلا عليكِ أنْ لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك، قالت: ثمّ قرأ عليَّ هذه الآية:
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ حتى بلغ ﴿أجراً عظيماً﴾ .
قالت عائشة: قد علم والله إنّ أبويّ لم يكونا ليأمراني بفراقه، قالت: في هذا أستامر
أبويّ؟ فإنّي أُريد الله ورسوله والدار الآخرة. قال معمر: فحدّثني أيّوب أنّ عائشة قالت: لا
تخبر أزواجك انّي اخترتك، فقال النبي صلّى الله عليه: إنّما بعثني الله مبلِّغاً ولم يبعثني متعنتاً.
وأخبرنا محمّد بن عبدالله بن حمدون عن [أحمد بن محمّد بن الحسن](١) عن محمد بن
يحيى عن عثمان بن عمر عن يونس عن الزهري عن [أبي](٢) سلمة أنّ عائشة قالت: لمّا أُمر
رسول اللـه ◌َ﴿ بتخيير أزواجه بدأ بي، فقال: إنّي مخبركٍ خبراً فلا عليك أنْ لا تعجلي حتّى
تستأمري أبويكِ، ثمّ قال: إنّ الله عزّ وجلّ قال: ﴿يا أيُّها النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ
الحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ حتّى بلغ ﴿أَجْرَاً عَظِيمًا﴾ .
فقلت: أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإنّي أُريد الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ثمّ فعل
أزواج النبيّ صلّى الله عليه مثل ما فعلتُ.
قوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ﴾ قرأ الجحدري بالتاء. غيره بالياء. ﴿بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة﴾
بمعصية ظاهرة ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾ في الآخرة ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ وقرأ ابن عامر وابن كثير:
﴿نُضَعِّف﴾ بالنون وكسر العين مشدّداً من غير ألف (العذاب) نصباً.
(١) في نسخة أصفهان: ابن الشرقي.
(٢) في نسخة أصفهان: ابن.

٣٣
سورة الأحزاب، الآيات: ٢٨ - ٣٢
وقرأ أبو عمرو ويعقوب ﴿يُضعَّف﴾ بالياء وفتح العين مشدّداً ﴿العذاب﴾ رفعاً. قال أبو
عمرو: إنّما قرأت هذه وحدها بالتشديد لقوله: ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ وقرأ الباقون نضاعف بالألف ورفع
الباء من ﴿العذابُ﴾ وهما لغتان مثل باعد وبعد.
وقال أبو عمرو وأبو عبيدة: ضعفت الشيء إذا جعلته مثله، ومضاعفته جعلته أمثاله.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ﴾ يطع .
قال قتادة: كلّ قنوت في القرآن فهو طاعة [وقراءة العامة ﴿تقنت﴾ بالتاء](١) وقرأ يحيى
والأعمش وحمزة والكسائي وخلف (تَعمَل) (نِؤْتِها) بالياء. غيرهم بالتاء.
قال الفراء: إنّما قال (يأتِ) (ويقنت) لإِنّ مَنْ أداة تقوم مقام الاسم يعبّر به عن الواحد
والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَنْظِرُ إليَكَ﴾(٢). وقال:
﴿وَمِنْهُم مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيَكَ﴾(٣)، وقال: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ﴾(٤). وقال الفرزدق في الاثنين:
تكن مثل من يَا ذئب يصطحبان(٥)
تعال فإنْ عاهدتني لا تخونني
﴿مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنٍ﴾ أي مثلَي غيرهن من النساء.
﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ يعني الجنّة.
أخبرني أبو عبدالله بن فنجويه، عن عبدالله بن يوسف بن أحمد بن مالك، عن محمد بن
عمران بن هارون، عن أحمد بن منيع، عن يزيد، عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت عن أبي رافع
قال: كان عمر يقرأ في صلاة الغداة بسورة يوسف والأحزاب، فإذا بلغ: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ رفع
بها صوته، فقيل له، فقال: أُذكّرهنّ العهد.
واختلف العلماء في حكم التخيير، فقال عمر وابن مسعود: إذا خيّر الرجل امرأته
فاختارت زوجها فلا شيء عليه، وإنْ اختارت نفسها [طُلّقت](٦) وإلى هذا ذهب مالك.
وقال الشافعي: إنْ نوى الطلاق في التخيير كان طلاقاً وإلّ فلا. واحتجّ مَنْ لم يجعل
التخيير بنفسه طلاقاً، بقوله: ﴿وَأُسَرّ حُكُنَّ سَراحَاً جَمِيلاً﴾، وبقول عائشة: خيّرنا رسول الله وَّل
فاخترناه، فلم نعدّهُ طلاقاً .
(١) وهكذا ورد في نسخة أصفهان: وقراءة العامة بالياء إلّ ما روي عن ابن عامر ويعقوب أنّهما قرءا: تقنت
بالتاء.
(٢)
سورة يونس : ٤٣ .
(٣)
سورة يونس : ٤٢.
سورة الأحزاب: ٣١ .
(٤)
(٥) لسان العرب: ٤١٩/١٣.
(٦) في نسخة أصفهان: فثلاث.

٣٤
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
قوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ﴾ الله فأطعتنه. قال الفرّاء: لم يقل
كواحدة، لأنّ الأحد عام يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكّر والمؤنث. قال الله تعالى:
﴿لاَ تُفَرِقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسِهِ﴾(١) وقال: ﴿فَمَا مِنْكُم مِن أَحَد عَنْهُ حاجزين﴾(٢).
﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ﴾ تلنَّ ﴿بِالْقَوْلِ﴾ للرجال ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي فجور وضعف
إيمان ﴿وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفاً﴾ صحيحاً جميلاً.
وَقَّرْنَ فِى يُوتِكُنَّ وَلَا تَعَرَّجْنَ تَبُجَ الْجَِهِيَّةِ الْأُولَىِّ وَأَقِمِنَ الصَّلَوَةَ وَأَقِمْنَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اللّهُ
وَرَسُولَهُ؟ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنَكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكَةُ تَطَهِيْرًا
٣٣)
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم بفتح القاف. غيرهم بالكسر، فَمَن
فتح القاف فمعناه واقررن، أي الْزَمن بيوتكنّ، من قولك قررتُ في المكان، أقرّ قراراً. وقررتُ
أقرُّ لغتان فحذفت الراء الأُولى التي هي عين الفعل ونقلت حركتها إلى القاف فانفتحت كقولهم
في ظللت وظلت.
قال الله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفْكَهُونَ﴾(٣) ﴿ظَلتَ عَلَبِهِ عَاكِفَاً﴾(٤) والأصل ظللت فحذفت
إحدى اللآّمين، ودليل هذا التأويل قراءة ابن أبي عبلة واقررن بفتح الراء على الأصل في لغة من
يقول: قررت أقرّ قراراً.
وقال أبو عبيدة: وكان أشياخنا من أهل العربية ينكرون هذه القراءة وهي جائزة عندنا مثل
قوله: ﴿فَظَلتُم﴾ ومن كسر القاف فهو أمر من الوقار كقولك من الوعد: عِدن ومن الوصل صِلن،
أي كنَّ أهل وقار أي هدوء وسكون وتؤدة من قولهم: وقر فلان يقر وقوراً إذا سكن واطمأن.
أخبرني أبو عبدالله بن فنجويه الدينوري قال: أخبرني أبو بكر بن مالك، عن عبدالله بن
أحمد بن حنبل قال: حدّثني أبي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش عن أبي
الضحى قال: حدّثني من سمع عائشة تقرأ ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ فتبكي حتّى تبلّ خمارها .
أخبرنا عبدالله بن حامد عن محمد بن خالد، عن داود بن سليمان، عن عبدالله بن حميد،
عن يزيد بن هارون، عن هشام، عن محمد قال: نُبئت أنَّه قيل لسودة زوج النبي (عليه السلام) :
مالكِ لا تحجّين ولا تعتمرين كما يفعلنَّ أخواتك؟ فقالت: قد حججت واعتمرت، وأمرني الله
تعالى أنْ أقرَّ في بيتي، فوالله لا أخرج من بيتي حتّى أموت.
(١) سورة البقرة: ٢٨٥.
(٣) سورة الواقعة: ٦٥.
(٤) سورة طه : ٩٧ .
(٢) سورة الحاقة: ٤٧ .

٣٥
سورة الأحزاب، الآية: ٣٣
قال: فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أُخرجت جنازتها. قوله: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ﴾ قال
مجاهد وقتادة: التبرّج التبختر التكبّر والتغنّج وقيل: هو إظهار الزينة وإبراز المحاسن للرجال
﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ واختلفوا فيها. قال الشعبي: هي ما بين عيسى ومحمّد(عليهما
السلام). أبو العالية: هي زمن داود وسليمان وكانت المرأة تلبس قميصاً من الدرّ غير مخيط
الجانبین فیری خلفها فيه.
الكلبي: الجاهلية التي هي الزمان الذي فيه ولد إبراهيم (عليه السلام) ، وكانت المرأة من
أهل ذلك الزمان تتّخذ الدّرع من اللؤلؤ فتلبسه ثمّ تمشي وسط الطريق ليس عليها شيء غيره،
وتعرض نفسها على الرجال، وكان ذلك في زمان نمرود الجبّار، والناس حينئذ كلّهم كفّار.
الحكم: هي ما بين آدم ونوح ثمانمائة سنة، وكان نساؤهم أقبح ما يكون من النساء ورجالهم
حسان. فكانت المرأة تريد الرجل على نفسها .
وروى عكرمة عن ابن عبّاس أنّه قرأ هذه الآية فقال: إنّ الجاهلية الأُولى فيما بين نوح
وإدريس (عليهما السلام)، وكانت ألف سنة، وإنّ بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل
والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباحاً وفي النساء دمامة وكان نساء السهل صباحاً
وفي الرجال دمامة، وإنّ إبليس أتى رجلاً من أهل السهل في صورة غلام، فآجَرَ نفسه منه، فكان
يخدمه، واتّخذ إبليس شيئاً مثل الذي يزمر فيه الرّعاء، فجاء بصوتٍ لم يسمع الناس مثله فبلغ
ذلك مَن حولهم، فانتابوه يستمعون إليه، واتّخذوا عيداً يجتمعون إليه في السنة، فتتبرّج النساء
للرجال وتتزيّن الرجال لهنّ، وإنّ رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم، وهم في عيدهم ذلك فرأى
النساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فتحوّلوا إليهم فنزلوا معهم، فظهرت الفاحشة
فيهنّ. فهو قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَهِلِيَّةِ﴾ .
وقال قتادة: هي ما قبل الإسلام ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِيْنَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ
اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ﴾ الإثم الذي نهى الله النساء عنه. قاله مقاتل. وقال قتادة: يعني
السوء. وقال ابن زيد: يعني الشيطان.
﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ يعني يا أهل بيت محمّد ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَظْهِيراً﴾ من نجاسات الجاهلية. وقال
مجاهد (الرِّجْسَ) الشكّ (وَيُطَهِّرِكُمْ تَظْهِيراً) من الشرك.
واختلفوا في المعنيّ بقوله سبحانه ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ فقال قوم: عنى به أزواج النبي (عليه
السلام) خاصّة، وإنّما ذَكّرَ الخطاب لأنّ رسول الله صلّى الله عليه كان فيهم وإذا اجتمع المذكّر
والمؤنّث غُلبَ المذكّر.
أخبرنا عبدالله بن حامد، عن محمّد بن جعفر، عن الحسن بن علي بن عفّان قال: أخبرني
أبو يحيى، عن صالح بن موسى عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: أُنزلت

٣٦
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ﴾ الآية في نساء النبيّ صلّى الله
عليه. قال: وتلا عبدالله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾(١).
وأخبرنا عبدالله بن حامد، عن أحمد بن محمد بن يحيى العبيدي، عن أحمد بن نجدة عن
الحماني عن ابن المبارك عن الأصبغ بن علقمة. وأنبأني عقيل بن محمد قال: أخبرني المعافى
ابن زكريا عن محمّد بن جرير قال: أخبرني [ابن](٢) حميد عن يحيى بن واضح عن الأصبغ بن
علقمة، عن عكرمة في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قال:
ليس الذي تذهبون إليه، إنّما هو في أزواج النبي وَّر خاصّة ..
قال: وكان عكرمة ينادي بهذا في السوق. وإلى هذا ذهب مقاتل قال: يعني نساء النبي
صلّى الله عليه كلّهن ليس معهنّ رجل .
أقوال المفسّرين والعلماء باختصاصها بأصحاب الكساء
* قال أبو بكر النقّاش في تفسيره: أجمع أكثر أهل التّفسير أنّها نزلت في عليّ وفاطمة
والحسن والحسين صلوات الله عليهم (جواهر العقدين: ١٩٨ الباب الأول، وتفسير آية المودّة:
١١٢).
* وقال سيدي محمّد بن أحمد بنيس في شرح همزيّة البوصيري: (إنّمَا يُرِيْدُ اللهُ لِيُذْهِبَ
عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَظْهِيْرًا) أكثر المفسِّرين أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسنين
رضي الله عنهم (لوامع أنوار الكوكب الدرّي: ٢ / ٨٦).
* وقال العلامة سيدي محمّد جسوس في شرح الشمائل: (( ... ثمّ جاء الحسن بن عليّ
فأدخله، ثمّ جاء الحسين فدخل معهم، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء عليّ فأدخله ثمّ قال:
(إنّمَا يُرِيْدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَظْهِيْرَا)) وفي ذلك إشارة إلى أنّهم
المراد بأهل البيت في الآية)) (شرح الشمائل المحمدية: ١ / ١٠٧ ذيل باب ما جاء في لباس
رسول الله).
* وقال السمهودي: وقالت فرقة، منهم الكلبيّ: هم عليّ وفاطمة والحسن والحسين
خاصّة، للأحاديث المتقدمة (جواهر العقدين: ١٩٨ الباب الأول).
* وقال الطحاوي في مشكل الآثار بعد ذكر أحاديث الكساء: فدلّ ما روينا في هذه الآثار
ممّا كان من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى أمّ سلمة ممّا ذكرنا فيها، لم يرد أنّها كانت
(١) سورة الأحزاب: ٣٤.
(٢) في نسخة أصفهان: أبو.

٣٧
سورة الأحزاب، الآية: ٣٣
ممّا أريد به ممّا في الآية المتلوّة في هذا الباب، وأنّ المراد بما فيها هم رسول الله صلّى الله
عليه وآله وسلّم وعليّ وفاطمة والحسن والحسين دون ما سواهم (مشكل الآثار: ١ / ٢٣٠ ح
٧٨٢ باب ١٠٦ ما روي عن النبيّ في الآية).
وقال بعد ذكر أحاديث تلاوة النبيّ صلى الله عليه وسلم الآية على باب فاطمة: في هذا
أيضاً دليل على أنّ هذه فيهم (مشكل الآثار: ١ / ٢٣١ ح ٧٨٥ باب ١٠٦ ما روي عن النبيّ في
الآية).
* وقال الفخر الرازي: وأنا أقول: آل محمّد صلى الله عليه وسلم هم الذين يؤول أمرهم
إليه، فكلّ من كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل، ولا شكّ أنّ فاطمة وعليّاً والحسن
والحسين كان التعلّق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدّ التعلّقات، وهذا كالمعلوم
بالنّقل المتواتر ؛ فوجب أن يكونوا هم الآل.
أيضاً اختلف النّاس في الآل، فقيل: هم الأقارب، وقيل: هم أمّته، فإن حملناه على
القرابة فهم الآل، وإن حملناه على الأمّة الذين قبلوا دعوته فهم أيضاً آل ؛ فثبت أنّ على جميع
التقديرات هم الآل، وأمّا غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل ؟
فمختلف فيه، وروى صاحب الكشاف أنّه لمّا نزلت هذه الآية [المودّة] قيل: يا رسول الله
صلى الله عليه وسلم ؛ مَن قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم ؟
فقال صلى الله عليه وسلم: ((عليّ وفاطمة وابناهما))، فثبت أنّ هؤلاء الأربعة أقارب النبيّ
صلى الله عليه وسلم ؛ وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التّعظيم ويدلّ عليه
وجوه .. ) الخ (تفسير الفخر الرازي: ٢٧ / ١٦٦ مورد آية المودّة (٢٣) من سورة الشورى).
* وقال في موضع آخر: واختلفت الأقوال في أهل البيت، والأولى أن يقال: هم أولاده
وأزواجه والحسن والحسين منهم وعليّ منهم ؛ لأنّه كان من أهل بيته بسبب معاشرته بنت النبيّ
وملازمته للنبيّ صلى الله عليه وسلم (تفسير الفخر الرازي: ٢٥ / ٢٠٩).
* وقال أبو بكر الحضرمي في رشفة الصادي: (والذي قال به الجماهير من العلماء، وقطع
به أكابر الأئمّة، وقامت به البراهين وتظافرت به الأدلّة أنّ أهل البيت المرادين في الآية هم سيّدنا
عليّ وفاطمة وابناهما ... وما كان تخصيصهم بذلك منه صلّى الله عليه وآله وسلّم إلّ عن أمر
إلهيّ ووحي سماويّ ... والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وبما أوردته منها يعلم قطعاً أنّ المراد
بأهل البيت في الآية هم عليّ وفاطمة وابناهما رضوان الله عليهم، ولا التفات إلى ما ذكره
صاحب روح البيان من أنّ تخصيص الخمسة المذكورين عليهم السلام بكونهم أهل البيت من
أقوال الشيعة، لأنّ ذلك محض تهوّر يقتضي بالعجب، وبما سبق من الأحاديث وما في كتب
أهل السنّة السنّة يسفر الصبح لذي عينين . إلى أن يقول . وقد أجمعت الأُمّة على ذلك فلا حاجة

٣٨
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
لإطالة الاستدلال له) (رشفة الصادي من بحر فضائل بني النبيّ الهادي: ١٣ .١٦.١٤ ط. مصر
و٢٣ و٤٠ ط. بيروت . الباب الأول. ذكر تفضيلهم بما أنزل الله في حقّهم من الآيات).
* وقال ابن حجر: ﴿إِنّمَا يُرِيْدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِرَكُمْ تَظْهِيْرًا﴾
[الأحزاب: ٣٣] أكثر المفسّرين على أنها نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين (الصواعق
المحرقة: ١٤٣ ط. مصر، وط. بيروت: ٢٢٠ الباب الحادي عشر، في الآيات الواردة فيهم،
الآية الأولى).
* وقال في موضع آخر بعد تصحيح الصلاة على الآل :.. فالمراد بأهل البيت فيها وفي
كلّ ما جاء في فضلهم أو فضل الآل أو ذوي القربى جميع آله صلى الله عليه وسلم وهم مؤمنو
بني هاشم والمطّلب، وبه يعلم أنّه صلى الله عليه وسلم قال ذلك كلّه (مراده الروايات التي
حذفت الآل كما في الصحيحين، والروايات التي اثبتت الآل) فحفظ بعض الرواة مالم يحفظه
الآخر، ثمّ عَظْف الأزواج والذرّيّة على الآل في كثير من الروايات يقتضي أنّهما ليسا من الآل،
وهو واضح في الأزواج بناءً على الأصحّ في الآل أنّهم مؤمنو بني هاشم والمطّلب، وأمّا الذرّيّة
فمن الآل على سائر الأقوال، فذكرهم بعد الآل للإشارة إلى عظيم شرفهم (الصواعق المحرقة:
١٤٦ ط. مصر و٢٢٤. ٢٢٥ ط. بيروت، باب ١١، الآيات النازلة فيهم. الآية الثانية).
* وقال النووي في شرح صحيح مسلم: وأمّا قوله في الرواية الأخرى: (( نساؤه مِن أهل
البيت ولكن أهل بيته من حرم الصدقة )).
قال: وفي الرواية الأخرى: ((فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا)).
فهاتان الروايتان ظاهرهما التناقض، والمعروف في معظم الروايات في غير مسلم أنّه قال:
(نساؤه لسن من أهل بيته))، فَتُتَأول الرواية الأولى على أنّ المراد أنهنّ من أهل بيته الذين
يسكنونه ويعولهم ... ولا يدخلن فيمن حرم الصدقة (صحيح مسلم بشرح النووي: ١٥ / ١٧٥
ح ٦١٧٥ كتاب الفضائل . فضائل عليّ).
* وقال السمهودي: وحكى النووي في شرح المهذّب وجهاً آخر لأصحابنا: أنّهم عترته
الذين ينسبون إليه صلى الله عليه وسلم قال: وهم أولاد فاطمة ونسلهم أبداً، حكاه الأزهري
وآخرون عنه. انتهى.
· وحكاه بعضهم بزيادة أدخل الأزواج (جواهر العقدين: ٢١١ الباب الأول، وبهامشه:
شرح المهذب: ٣ / ٤٤٨).
* وقال الإمام مجد الدين الفيروز آبادي: المسألة العاشرة: هل يدخل في مثل هذا
الخطاب (الصلاة على النبيّ) النّساء؟ ذهب جمهور الأصوليين أنّهنّ لا يدخلن، ونصّ عليه

٣٩
سورة الأحزاب، الآية: ٣٣
الشافعي، وانتقد عليه، وخطىء المنتقد (الصلات والبشر في الصلاة على خير البشر: ٣٢ الباب
الأول).
* وقال الملأّ عليّ القاري: الأصحّ أنّ فضل أبنائهم على ترتيب فضل آبائهم إلاّ أولاد
فاطمة رضي الله تعالى عنها فإنّهم يفضّلون على أولاد أبي بكر وعمر وعثمان؛ لقربهم من رسول
الله صلى الله عليه وسلم ؛ فهم العترة الطاهرة والذرّيّة الطيّبة الذين أذهب الله عنهم الرّجس
وطهّرهم تطهيرا (شرح كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة: ٢١٠ مسألة في تفضيل أولاد الصحابة).
* وقال السمهودي بعد ذكر الأحاديث في إقامة النبيّ آله مقام نفسه وذكر آية المباهلة وأنّها
فيهم: وهؤلاء هم أهل الكساء، فهم المراد من الآيتين (المباهلة والتطهير) (جواهر العقدين:
٢٠٤ الباب الأول).
* وقال الحمزاوي: واستدلّ القائل على عدم العموم بما روي من طرق صحيحة: ((أنّ
رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ومعه عليّ وفاطمة والحسن والحسين .. )) وذكر أحاديث
الكساء، إلى أن قال: ويحتمل أنّ التّخصيص بالكساء لهؤلاء الأربع لأمر إلهيّ يدلّ له حديث أمّ
سلمة، قالت: (( فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي)) (مشارق الأنوار للحمزاوي:
١١٣ الفصل الخامس من الباب الثالث - فضل أهل البيت).
* وقال القسطلاني: ان الراجح أنّهم من حرمت عليهم الصدقة، كما نص عليه الشافعي
واختاره الجمهور ويؤيده قوله صلّى الله عليه وسلّم للحسن بن عليّ: إنّا آل محمّد لا تحل لنا
الصدقة، وقيل المراد بآل محمّد أزواجه وذرّيّته.
ثمّ ذكر بعد ذلك كلام ابن عطيّة فقال: الجمهور على أنّهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين
وحجتهم (عنكم ويطهّركم) بالميم (المواهب اللدنية: ٢ / ٥٢٩.٥١٧ الفصل الثاني من المقصد
السابع).
* وقال أبو منصور ابن عساكر الشافعي: بعد ذكر قول أُمّ سلمة: (( وأهل البيت رسول الله
وعليّ وفاطمة والحسن والحسين)) هذا حديث صحيح ... والآية نزلت خاصّة في هؤلاء
المذكورين (كتاب الأربعين في مناقب أمّهات المؤمنين: ١٠٦ ح ٣٦ ذكر ما ورد في فضلهنّ
جميعاً).
* وقال ابن بلبان (المتوفى ٧٣٩ هـ) في ترتيب صحيح ابن حبّان: ذكر الخبر المصرّح بأنّ
هؤلاء الأربع الذين تقدّم ذكرنا لهم هم أهل بيت المصطفى وَّر، ثمّ ذكر حديث نزول الآية فيهم
عن واثلة (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان: ٩ / ٦١ ح ٦٩٣٧ كتاب المناقب، ويأتي
الحدیث بتمامه).

٤٠
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
* وقال ابن الصبّاغ من فصوله: أهل البيت على ما ذكر المفسِّرون في تفسير آية المباهلة،
وعلى ما روي عن أَمّ سلمة: هم النبيّ صلى الله عليه وسلم وعليّ وفاطمة والحسن والحسين
(مقدّمة المؤلف: ٢٢).
* وقال الحاكم النيشابوري بعد حديث الكساء والصلاة على الآل وأنّه فيهم: إنّما خرّجته
ليعلم المستفيد أنّ أهل البيت والآل جميعاً هم (المستدرك: ٣ / ١٤٨ كتاب المعرفة. ذكر
مناقب أهل البيت (عليهم السلام)).
* وقال الحافظ الكنجي: الصحيح أنّ أهل البيت عليّ وفاطمة والحسنان (كفاية الطالب:
٥٤ الباب الأول).
* وقال القندوزي في ينابيعه: أكثر المفسِّرين على أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسن
والحسين لتذكير ضمير عنكم ويطهّركم (ينابيع المودّة: ١ / ٢٩٤ ط. اسلامبول ١٣٠١ هـ و ٣٥٢
ط. النجف، باب ٥٩ الفصل الرابع).
* وقال محبّ الدّين الطبري: باب في بيان أنّ فاطمة والحسن والحسين هم أهل البيت
المشار إليهم في قوله تعالى: ﴿إِنّمَا يُرِيْدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَظْهِيْرًا﴾
وتجليله ◌َّ إيّاهم بكساء ودعائه لهم (ذخائر العقبى: ٢١).
* وقال السخاوي في القول البديع في بيان صيغة الصلاة في التشهّد: فالمرجع أنّهم من
حرمت عليهم الصدقة، وذكر أنّه اختيار الجمهور ونصّ الشافعي، وأنّ مذهب أحمد أنّهم أهل
البيت، وقيل: المراد أزواجه وذرّيّته ... (عن هامش الصواعق المحرقة لعبد الوهاب عبد
اللطيف: ١٤٦ ط. مصر ١٣٨٥ هـ).
* وقال القاسمي: ولكن هل أزواجه من أهل بيته ؟ على قولين هما روايتان عن أحمد:
أحدهما أنّهنّ لسن من أهل البيت، ويروى هذا عن زيد بن أرقم (تفسير القاسمي المسمّى
محاسن التأويل: ١٣ / ٤٨٥٤ مورد الآية ط. مصر = عيسى الحلبي).
* وقال الآلوسي: وأنت تعلم أنّ ظاهر ما صحّ من قوله صلى الله عليه وسلم: (( إنّي تارك
فيكم خليفتين . وفي رواية - ثقلين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي
وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض)). يقتضي أنّ النّساء المطهّرات غير داخلات في أهل
البيت الذين هم أحد الثّقلين (تفسير روح المعاني: ١٢ / ٢٤ مورد الآية).
* وقال الشاعر الحسن بن عليّ بن جابر الهيل في ديوانه : آل النّبيّ همُ أتباع ملّته من
مؤمني رهطه الأدنون في النّسبِهذا مقال ابن إدريس الذي روت الـ أعلام عنه فمِل عن منهج
الكذبوعندنا أنّهم أبناء فاطمة وهو الصحيح بلا شكّ ولا ريب. ( جناية الأكوع: ٢٨) * وقال