Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
ـورة الشعراء، الآيات: ١٠ - ٣٣
٦٫٠٠٠
وقيل: من الضالین عن العلم بأن ذلك يؤدي الى قتله.
وقيل: من الضالّين عن طريق الصواب من غير تعمّد كالقاصد الى أن يرمي طائراً فيصيب
ـساناً .
وقيل: من المخطئين نظيره ﴿إِنَّك لفي ضلالك القديم﴾(١) ﴿إنَّ أبانا لفي ضلال مبين﴾(٢)
وقيل: من الناسين، نظيره ﴿إن تضلّ إحديهما﴾(٣).
﴿ففررت منكم لما خفتكم﴾ إلى مدين ﴿فوهب لي ربّي حكماً﴾ فهماً وعلماً ﴿وجعلني من
لمرسلين وتلك نعمة تمنُّها عليَّ أن عبدت بني إسرائيل﴾.
اختلف العلماء في تأويلها، ففسّرها بعضهم على إقرار وبعضهم على الإنكار، فمن قال:
ـو إقرار قال: عدّها موسى نعمة منه عليه حيث ربّاه ولم يقتله كما قتل غلمان بني إسرائيل، ولم
ستعبده كما استعبد وتركني فلم يستعبدني(٤) وهذا قول الفرّاء، ومن قال هو إنكار قال: معناه
تلك نعمة على طريق الاستفهام(٥) كقوله ﴿هذا ربي﴾(٦) وقوله ﴿فهم الخالدون﴾ وقول الشاعر:
لم هم(٧)، وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة:
ـم أنس يوم الرحيل وقفتها
ودمعها في جفونها عرق
قولها والركب سائرة
تتركنا هكذا وتنطلق(٨)
وهذا قول مجاهد، ثم اختلفوا في وجهها فقال بعضهم: هذا ردّ من موسى على فرعون
حين امتنّ عليه بالتربية فقال: لو لم تقتل بني إسرائيل لربّاني أبواي فأىّ نعمة لك عليَّ؟
وقيل: ذكره إساءته إلى بني إسرائيل فقال: تمنُّ عليَّ أن تربّيني وتنسى جنايتك على بني
سرائيل .
١) سورة يوسف: ٩٥.
٢)
سورة يوسف: ٨.
سورة البقرة: ٢٨٢.
في النسخة الثانية: استعبد بني إسرائيل، مجاز الآية: وتلك نعمة تمنها عليّ أن عبّدت بني إسرائيل وتركتني
٤)
فلم تستعبدني .
في النسخة الثانية زيادة: معناه أو تلك نعمة.
٥)
٦)
سورة الأنعام: ٧٦ - ٧٨.
١) في النسخة الثانية زيادة: أي: أهم هم ؟
تفسير القرطبي: ١٣ / ٩٦. والعبارة:
٨)
لم أنس يوم الرحيل وقفتها
وقولها والركاب واقفة
وجفنها من دموعها شرق
تركتني هكذا وتنطلق

١٦٢
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقيل: معناه كيف تمنُّ علي بالتربية وقد استعبدت قومي؟ ومن أُهين قومه ذّل، فتعبيدك بني
إسرائيل قد أحبط إحسانك إليَّ.
وقال الحسن: يقول: أخذت أموال بني إسرائيل وأنفقت منها عليَّ واتّخذتهم عبيداً.
وقوله سبحانه ﴿أن عبدّت بني إسرائيل﴾ أي اتّخذتهم عبيداً، يقال: عبّدته وأعبدته، وأنشد
الفرّاء:
علام يعبّدني قومي وقد كثرتْ
فيهم أباعر ما شاؤوا وعبدان(١)
وله وجهان: أحدهما: النصب بنزع الخافض مجازه: بتعبيدك بني إسرائيل
والثاني: الرفع على البدل من النعمة.
﴿قال فرعون وما ربُّ العالمين﴾ وأيّ شيء ربّ العالمين الذي تزعم أنّك رسوله إليَّ ؟
﴿قال﴾ موسى (عليه السلام) ﴿ربّ السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين﴾ إنّه
خلقها عن الكلبي.
وقال أهل المعاني: إن كنتم موقنين أي ما تعاينونه كما تعاينونه فكذلك فأيقنوا أنّ ربّنا هو
ربّ السموات والأرض.
﴿قال﴾ فرعون ﴿لمن حوله﴾ من أشراف قومه، قال ابن عباس: وكانوا خمسمائة رجل
عليهم الأسورة محيلا لقوم موسى معجباً لقومه ﴿ألا تستمعون﴾ فقال موسى مفهماً لهم وملزماً
للحجة عليهم ﴿ربّكم وَرَبُّ آبائكم الأولين قال﴾ فرعون ﴿إنَّ رسولكم الذي أُرسل إليكم
لمجنون﴾ يتكلّم بكلام لا يعقله ولا يعرف صحته. فقال موسى ﴿ربُّ المشرق والمغرب وما
بينهما إن كنتم تعقلون﴾ فقال فرعون حين لزمته الحجّة وانقطع عن الجواب تكبراً عن الحق
وتمادياً في الغي ﴿لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلتك من المسجونين﴾ المحبوسين.
قال الكلبي: وكان سجنه أشدّ من القتل؛ لأنه كان يأخذ الرجل إذا سجنه فيطرحه في مكان
وحدهُ فرداً لا يسمع ولا يبصر فيه شيئاً، يهوى به في الأرض.
فقال له موسى حين توعدهُ بالسجن ﴿أولو جئتك بشيءٍ مبين﴾ يبيّن صدق قولي، ومعنى
الآية: أتفعل ذلك إنْ أتيتك بحجّة بيّنة، وإنما قال ذلك موسى لأن من أخلاق الناس السكون
الى الإنصاف والإجابة الى الحق بعد البيان.
فقال له فرعون ﴿فأت به﴾ فإنّا لن نسجنك حينئذ ﴿إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا
(١) لسان العرب: ٣ / ٢٧٥.

١٦٣
سورة الشعراء، الآيات: ٣٤ - ٦٨
هي ثعبان مبين﴾ بيّن ظاهر أمرهُ، فقال: وهل غير هذا؟ ﴿فنزع﴾ موسى ﴿يده فإذا هي بيضاء
للناظرين﴾ .
قَالَّ ◌َِلَّا حَهُ، إِنَّ هَذَا نَبِّ عَُِ (أَ فُرِيدُ أ ◌ُمَرَعَّكُمْ إِنْ أَرْبِكُم بِغربا شاذاً لأمروت
(بَّ قَالُوا أَرْيَةٍ وَخَهُ وَكَمَتْ فِي أَنْعَلْ، خَشِينَ (٣) يَأُنَّكَ بِحَكُلُّ سَخَارٍ عَلِيمٍ أَ نَعُبَعَ أَنْتَخَةُ
إِسِنْكِ لَّمٍ مَّعْلَمِ (٢٨) وَقِلَ لنَّاسِ هَلَ أَثُ أُمْتَبِعُونَ (وَ) أَنَا ◌َلْعُ اَلْتَّحْرَةُ إِنَ لَْ هُمُ الَْيْفِينَ ◌َ
لَا يَ أَةُ قَلِاَ لِرْعَوْنَ أَبِنَّ نَ لَأْ إِن كُنَّ أُمُ الْقَدِينَ (َ﴾ فَلَّ لَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذَاَ لْمِنَ الْمُفْرَِّينَ (بَّ
وَ لَم تَوِىَ الْقُوْ ماً أَنُمِ لُلَّقُونَ (َأَ ذَلْتََّ جَاَلَّمْ وَخِصِبْهُمْ وَقَالُواْ بِرَة ◌ِعَوْنَ إِنَّا أَحْنُ أَلْعَبِيُنَ (00.
وَأَلَى مُوعَى عَصَهُ فَذَا هِيَ تَقَفُ مَّا يَأْيَكُونَ (10) وَأَبِيَّ أَنْتَجَرَةُ سَكِنُ () وَ ،تَ رَبِ النَّقِينَ (٢)
وَّ مُوسَّ ◌َهَرُّونَ (٤٠) قَالَّ ◌َ مَسْتُمْ لَمْ قَبْلَ أَنْ ءَدَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكِرُكُمْ أَّرِى عَلَّمَكُمْ أَيْهَرَّ مَوْنَ فَُنَّ
لأَكَلِمَ لَبِيَهُ وَالَسْتَرُ من ◌ِلَى وَلأَصَلَلَمْ أَعْهِتَ (6) وَالْوَ لَا خَرْ إذَا إِلى رَهَ مُقِلُونَ () .َ تَطِيعُ
أن بَغْفِرْ نَا رَأَ خَطَناً أن كنا أول المُؤْمِينَ (٩٠) ﴾ وأوحيناً إنّه ◌ُوَق أن أثرِ سَابِقَ إِذْكُر ◌ُشْبَعُونَ
٣) دُرسَل ◌ِقوة في المعلى خيرماً (٣)) ،٤ ٠٧٧٠ لهزينةً فيأن (@) وَهُمْ قا لمايطوة (@) نت خيل
◌ِفِينَ (١٥) مَنَّ قَرَءَ الْعَمْعَانِ فَلَه أَمْحَبُ مُرِيَعٍ إِنَّ لَمْدَرَُّونَ (َ وَلَ كَ إِنَّ مَعِىَ رَّبْـ
سَدِينَ (١١) وَأَزِعَبْاً إِلى مُوتَقَ أن أشرب بمَعَالََّ الْحَرِّ فَلْفَلَقَ فَكَانَ أَلَّ رْقِ اَلْطَوْءِ الْعَظِمِ ينَ)
وَأَزْضَنَا لَمْ الَفَرِينَ (١١٠] وَمَا مُوسَى وَمَنْ لَمَهُ أَخِْينَ (إِنَ) ثُمَّ أَقْرَقْنَا الَّخَرِينَ ( !! ) إِنَّ فِي ذَ لَيَّهُ وَمَّا
كَانَ أَكْرُهُمْ تُؤْمِينَ (َذَ) وَيَ رَ حَوْ أَلَمَّرِرُّ أَرَّحِيمُ (َ
فقال فرعون ﴿للملأ من حوله إنّ هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره
لماذا تأمرونَ قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم فجُمع
السحرة لميقات يوم معلوم﴾ وهو يوم الزينة.
قال ابن عباس: وافق ذلك يوم السبت في أول يوم من السنة وهو يوم النيروز.
وقال ابن زيد: وكان اجتماعهم للميقات بالإسكندرية، ويقال: بلغ ذَنَب الحيّة من وراء
لبحيرة يومئذ.
﴿وقيل للناس هل أنتم مجتمعون﴾ تنظرون إلى ما يفعل الفريقان ولمن تكون الغلبة لموسى
أو للسحرة؟ ﴿لعلّنا﴾ لكي ﴿نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين﴾ موسى، قيل: إنما قالوا ذلك
على طريق الاستهزاء وأرادوا بالسحرة موسى وهارون وقومهما .
﴿فلمّا جاء السحرة قالوا لفرعون أئنّ لنا لأجراً إن كنّا نحن الغالبين قال نعم وإنّكم إذاً لمن
المقرّبين قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيّهم وقالوا بعزّة فرعون إنّا لنحن

١٦٤
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
الغالبون فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون فأُلقي السحرة ساجدين قالوا آمنا بربّ
العالمين ربّ موسى وهارون قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علّمكم السحر
فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلّبنكم أجمعين قالوا لا ضير﴾ لا ضرر
﴿إنّا إلى ربّنا لمنقلبون إنّا نطمع أن يغفر لنا ربّنا خطايانا أن﴾ لأن ﴿كنا أوّل المؤمنين﴾ من أهل
زماننا ﴿وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنّكم متّبعون﴾ يتبعكم فرعون وقومه.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن لؤلؤ قال: أخبرنا الهيثم بن خلف قال: حدّثنا الدورقي
عن حجاج بن جريح في هذه الآية قال: أوحى الله سبحانه الى موسى أن اجمع بني إسرائيل كل
أربعة أهل أبيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضّأن فاضربوا بدمائها على أموالكم فإنّي سآمر
الملائكة فلا تدخل بيتاً على بابه دم، وسآمرها فتقتل أبكار آل فرعون من أنفسهم وأموالهم، ثم
اخبزوا خبزاً فطيراً فإنه أسرع لكم، ثم أسرٍ بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري ففعل
ذلك، فلمّا اصبحوا قال فرعون: هذا عمل موسى وقومه قتلوا أبكارنا من أنفسنا وأموالنا،
فأرسل في أمره ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسوّر مع كل ملك ألف، وخرج فرعون في
الكرسي العظيم.
﴿فأرسل فرعون في المدائن حاشرين﴾ يعني الشرط ليجمعوا السحرة وقال لهم: إن هؤلاء
﴿الشرذمة﴾ عصبة، وشرذمة كل شيء بقيّته القليلة، ومنه قول الراجز:
جاء الشتاء وقميصي أخلاق
شراذم يضحك منه التواق(١)
قال ابن مسعود: كان هؤلاء الشرذمة ستّمائة وسبعون ألفاً .
وأخبرنا أبو بكر الخرمي قال: أخبرنا أبو حامد الأعمش قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن
عبد الله بن المبارك المخرمي قال: حدّثنا يحيى بن آدم قال: حدّثنا إسحاق عن أبي إسحاق عن
عمرو بن ميمون الأودي في هذه الآية قال: كان أصحاب موسى ستّمائة ألف.
﴿وإنهم لنا لغائظون﴾ يعني أعداء، لمخالفتهم ديننا وقتلهم أبكارنا وذهابهم بأموالنا التي
استعاروها، وخروجهم من أرضنا بغير اذن منّا.
﴿وإنّا لَجميعٌ حُذرون﴾ قرأ النخعي والأسود بن يزيد وعبيد بن عمر وسائر قرّاء الكوفة
وابن عامر والضحاك حاذرون بالألف وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس واختيار أبي عبيد، وقرأ
الآخرون حذرون بغير ألف وهما لغتان.
وقال قوم: حاذرون: مؤدّون مقرّون، شاكون في السلاح، ذوو أرادة قوّة وکراع وحذرون:
(١) جامع البيان للطبري: ١٤ / ٢٧.

١٦٥
سورة الشعراء، الآيات: ٣٤ - ٦٨
فَرِقون متيقظون، وقال الفرّاء: كأن الحاذر الذي يحذرك، والحذر المخلوق حذر ألاّ يلقاه إلّ
حذراً، والحذر اجتنابُ الشيء خوفاً منه.
وقرأ شميط بن عجلان: حادرون بالدال غير معجمة، قال الفرّاء: يعني عظاماً من كثرة
الأسلحة، ومنه قيل للعين العظيمة: حدرة وللمتورّم: حادر. قال امرؤ القيس:
وعين لها حدرة بدرة
وسقت مآقيها من أُخر (١)
﴿فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز﴾ قال مجاهد: سمّاها كنوزاً لأنها لم تنفق في طاعة
الله سبحانه ﴿ومقام كريم﴾ ومجلس حسن ﴿كذلك﴾ كما وصفنا ﴿وأورثناها﴾ بهلاكهم ﴿بني
إسرائيل فأتبعوهم مشرقين﴾ فلحقوهم في وقت إشراق الشمس وهو إضاءتها ﴿فلما تراءى
الجمعان﴾ أي تقابلا بحيث يرى كل فريق منهما صاحبه، وكسر يحيى والأعمش وحمزة وخلف
الراء تراءى الباقون بالفتح.
﴿قال أصحاب موسى إنّا لمدركون﴾ لملحقون، وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير لمدّركون
تشديد الدال والاختيار قراءة العامة كقوله ﴿حتى إذا أدركه الغرق﴾(٢).
﴿قال﴾ موسى ثقة بوعد الله ﴿كلّ﴾ لا يدركونكم ﴿إنّ معي ربي سيهدين﴾ طريق النجاة
﴿فأوحينا الى موسى أن اضرب بعصاك البحر﴾.
أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين الضنجوي قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن علي
اليقطيني قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله العقيلي قال: حدّثنا صفوان بن صالح قال: حدّثنا الوليد
قال: حدّثني محمد بن حمزة وعبد الله بن سلام أنّ موسى لمّا انتهى الى البحر قال: يا مَن قبل
كلّ شيء، والمكوّن لكلّ شيء، والكائن بعد كلّ شيء، اجعل لنا مخرجاً، فأوحى الله سبحانه
أن اضرب بعصاك البحر ﴿فانفلق﴾ فانشقّ ﴿فكان كلّ فرق﴾ فرقة أي قطعة من الماء ﴿كالطود
العظيم﴾ كالجبل الضخم.
قال ابن جريج وغيره: لما انتهى موسى الى البحر هاجت الريح، والبحر يرمي موجاً مثل
الجبال فقال له يوشع: يا مكلّم الله أين أُمرت فقد غشينا فرعون، والبحر أمامنا؟ قال موسى:
ههنا فخاض يوشع الماء وحار البحر يتوارى حتى أقرّ (٣) دابته الماء، وقال الذي يكتم إيمانه: يا
مكلّم الله أين أُمرت؟ قال: ههنا فكبح فرسه بلجامه حتى طار الزبد من شدقته، ثم أقحمه البحر
فارتسب الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك فلم يقدرو، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع
(١) لسان العرب: ٤ / ١٥.
(٢) يونسن: ٩٠.
(٣) في النسخة الثانية: يوشع الماء وجاوز البحر ما يُواري حافر.

١٦٦
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
فأوحى الله سبحانه أن اضرب بعصاك البحر فضربه بعصاه فانفلق، فإذا الرجل واقف على فرسـ
لم یبتل لبده ولا سرجه.
﴿وأزلفنا ثَمّ الآخرين﴾ يعني قوم فرعون يقول قرّبناهم الى الهلاك وقدّمناهم الى البحر.
﴿وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين﴾ فرعون وقومه ﴿إنّ في ذلك لآيـ
وما كان أكثرهم مؤمنين﴾.
قال مقاتل: لم يؤمن من أهل مصر غير آسية امرأة فرعون وخربيل المؤمن ومريم بنت
موساء التي دلّت على عظام يوسف.
﴿وإنَّ ربّك لهو العزيز الرحيم﴾.
قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُ لَمَا.
وَقَلُ عَلَيْهِمْ تَبَأْ إِثْرَهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا تَعْبُدُونَ
قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَاً وَابَاءَنَا كَذَلِكَ
٧٣
◌َلَكِفِينَ (٧٦) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴿١٨) أَوْ يَفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ
فَهُمْ عَدُوْ فِىَ إِلَّ رَبَّ
يَفْعَلُونَ ﴿١٨) قَالَ أَفَدَيْتُم مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَءَبََّؤُكُمُ الْأَعْدَمُونَ (
الْعَّلَمِينَ (َ الَّذِى خَلَقَفِى فَهُوَ يَّدِينِ (١٨) وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْفِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ ذَهُوَ يَشْفِين
وَالَّذِى يُسِتَنِ ثُمَّ يُحْبِينِ (٨١) وَالَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيَِ يَوْمَ الَّذِينِ (وَمَ رَبِّ هَبْ لِ
◌ُصْعَمَا وَأَلْحِفْنِ بِالصََِّّينَ (٨٣) وَأَجْعَل ◌ِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ اَلْأَخِرِينَ (٨٤) وَلَجْعَلْنِ مِن وَرَهُ جَنَّةِ النَّعِيمِ
وَأَغْفِرْ لِأَبِّ إِنَُّ كَنَّ مِنَ الضَّالِنَّ: ﴿َ وَلَا تُخْرِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ
٨٥
﴿واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناماً فنظلّ لها
عاکفین﴾ .
قال بعض العلماء: إنّما قالوا: فنظل لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل.
﴿قال هل يسمعونكم﴾ قراءة العامة بفتح الياء أي: هل يَسمعون دعاءكم، وقرأ قتادة
يُسمعونكم بضم الياء ﴿إِذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرّون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون﴾.
وفي هذه الآية بيان أنَّ الدين إنما يثبت بالحجة وبطلان التقليد فيه.
﴿قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون﴾ الأولون ﴿فإنّهم عدوّ لي﴾ وأنا منهم
بريء، وإنما وحّد العدو لأن معنى الكلام: فإنّ كل معبود لكم عدوّ لي (١) لو عبدتهم يوم
القيامة، كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿كلّ سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدّاً﴾(٢).
(١) في زيادة: وأما الوجه في وصف الجماد بالعداوة فهو أنّ معنى الآية: فإنهم عدوّ لي.
(٢) سورة مريم: ٨٢.

١٦٧
سورة الشعراء، الآيات: ٦٩ - ٨٧
وقال الفرّاء: هو من المقلوب أراد فإنّي عدو لهم لأنّ مَن عاديَته عاداك.
ثم قال ﴿إلاّ رب العالمين﴾ نصب بالاستثناء يعني فإنهم عدو لي وغير معبود لي إلاّ ربّ
العالمين فإنّي أعبده، قاله الفرّاء، وقيل: هو بمعنى لكن، وقال الحسن(١) بن الفضل: يعني
لأمر عند رب العالمين.
ثم وصفه فقال ﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾ أخبر أن الهادي على الحقيقة هو الخالق لا
هادي غيره.
قال أهل اللسان: الذي خلقني في الدنيا على فطرته فهو يهديني في الآخرة إلى جنته.
﴿والذي هو يطعمني ويسقين﴾ يعني يرزقني ويربيني.
وقال أبو العباس بن عطاء: يعني يطعمني أيّ طعام شاء، ويسقيني أيّ شراب شاء.
2
قال محمد بن كثير العبدي: صحبت سفيان الثوري بمكة دهراً فكان يستف من السبت الى
السبت كفّاً من رمل.
وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا الحسن محمد بن علي بن الشاه يقول:
سمعت أبا عبد الله محمد بن علي بن حمدان يقول: سمعت الحجاج بن عبد الكريم يقول:
خرجت من بلخ في طلب إبراهيم بن أدهم فرأيته بحمص في أتون يسجّرها فسلّمت عليه وسألته
عن حاله، فردّ عليَّ السلام وسألني عن حالي وحال أقربائه، فكنت معه يومه ذلك فقال: لعلّ
نفسك تنازعك الى شيء من طعام؟ فقلت: نعم فأخذ رماداً وتراباً فخلطهما وأكلهما ثمَّ أقبل
بوجهه عليَّ وانشأ يقول:
وازجر النفس عن مقام السؤالٍ
أخلط الترب بالرماد وكُلْه
فرم ما حوته أيدي الرجال
فإذا شئت ان تقبّع بالذلّ
فخرجت من عنده فمكثت أياماً لم أدخل عليه فاشتدّ شوقي إليه، فدخلت عليه وكنت عنده
فلم يتكلّم بشيء فقلت له: لِمَ لا تكلّم؟ فقال:
والنطق فيه معادن الآفاتِ
مُنع الخطاب لأنه سبب الردى
وإذا سكتَّ فعدّ جسمك مات
فإذا نطقتَ فكن لربّك ذاكراً
قال أبو بكر الوراق: يطعمني بلا طعام ويسقيني بلا شراب، ومجازها: يشبعني ويرويني
من غير علاقة، كقول النبي وَلِّ: ((إنّى أبيت يطعمني ربّ ويسقيني)) [٩٥]. يدلّ عليه حديث
السقاء في عهد النبي ◌َّر حيث سمع النبي ◌َّ ثلاثة أيام يقرأ ﴿وما مِن دابة في الأرض إلاّ على
(١) في النسخة الثانية: الحسين.

١٦٨
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
الله رزقها﴾(١) فرمى بقربته، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنّة فسقاه.
قال أنس: فعاش بعد ذلك نيّقاً وعشرين سنة لم يأكل ولم يشرب على شهوته.
وقال علي بن قادم: كان عبد الرَّحْمن بن أبي نعم لا يأكل في الشهر إلاّ مرَّة، فبلغ ذلك
الحجاج فدعاه وأدخله بيتاً وأغلق عليه بابه ثم فتحه بعد خمسة عشر يوماً ولم يشكّ أنّه مات
فوجده قائماً يصلّي فقال: يا فاسق تُصلّي بغير وضوء! فقال: إنّما يحتاج الى الوضوء مَن يأكل
ويشرب، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها هذا البيت.
وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد النيسابوري يقول: سمعت أبا نصر منصور بن عبد
الله الأصبهاني يقول: سمعت أبا سعيد الخزاز بمكة يقول: كنت بطرسوس جائعاً، فاشتدَّ بي
الجوع فجلست على شاطئ النهر ووضعت رجلي في الماء فنوديت: أضجرت من جوعك؟ هاك
شبع الأبد.
قال: فعاش بعده سنين لم يشته طعاماً ولا شراباً، وكان مع ذاك إذا أراد الاكل والشرب
أمکنه.
وبلغني أنّ امرأة اسرت من حلب الى الروم في أيام سيف الدولة علي بن حمدان، فهربت
منهم ومشت مائتي فرسخ لم تطعم شيئاً، فقدمت الى سيف الدولة فقال لها: كيف قويت على
المشي وكيف عشت بلا طعام ؟
فقالت: كنتُ كلّما جعت أو أعييت أقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ ثلاث مرّاتٍ فأشبع وأروى
وأقوى.
وسمعت أبا القاسم؟ يقول: سمعت أبا القاسم النصرآبادي يقول: سمعت أبا بكر الشبلي
يقول: في الخبز لطيفة تشبعك لا الخبز، ولو شاء لأبقى فيك تلك اللطيفة حتى لا تحتاج إلى"
الخبز.
وقال ذو النون المصري: يطعمني طعام المحبّة ويسقيني شراب المحبّة. ثم أنشأ يقول:
وكلّ شراب سواه سراب
شراب المحبّة خير الشراب
وسمعت ابن حبيب يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبيد الله الجرجاني يقول:
سمعت الحسن بن علوية الدامغاني يقول(٢): سمعت عمّي يقول: سمعت أبا يزيد البسطامي
يقول: إنَّ لله شراباً يقال له شراب المحبّة ادّخرهُ لأفاضل عباده، فإذا شربوا سكروا، فإذا سكروا
(١) سورة هود: ٦.
(٢) في النسخة الثانية زيادة: قال أبو القاسم هو سمعت أبي يقول: سمعت علي بن محمد الورّاق يقول: سمعت
عمّي يقول.

١٦٩
سورة الشعراء، الآيات: ٦٩ - ٨٧
طاشوا، فإذا طاشوا طاروا، فإذا طاروا وصلوا، فإذا وصلوا اتصلوا، فهم في مقعد صدق عند
مليك مقتدر.
وقال الجنيد: يُحشر الناس كلّهم عراة إلّ من لبس لباس التقوى، وغراثاً إلّ من أكل طعام
المعرفة، وعطاشى إلّ من شرب شراب المحبّة.
﴿وإذا مرضت﴾ أضاف إبراهيم (عليه السلام) المرض الى نفسه وإن كان من الله سبحانه؛
لأنّ قومه كانوا يعدّونه عيباً فاستعمل حسن الأدب، نظيرها قصة الخضر حيث قال ﴿فأردت أن
أعيبها﴾(١) وقال ﴿فأراد ربّك أن يبلغا أشدّهما﴾(٢).
﴿فهو يشفين﴾ يبرئني
يحكى أنّ أبا بكر الورّاق مرّ بطبيب يعطي الناس الأدوية فوقف عليه وقال: أيفعل دواؤك
هذا أمرين ؟
قال: وما هما؟
فقال: ردّ قضاء قاض وجرّ شفاء شاف ؟
فقال: لا
قال: فليس [ذلك بشيء].
وقال جعفر الصادق: إذا مرضت بالذنوب شفاني بالتوبة(٣).
سامر بن عبد الله (٤): إذا أمرضتني مقاساة الخلق شفاني بذكره والأُنس به.
﴿والذي يميتني ثم يحيين﴾ أدخل ههنا ﴿ثُمَّ﴾ للقطع والتراخي.
قال أهل اللسان والاشارة: يميتني بالعدل ويحييني بالفضل، يميتني بالمعصية ويحييني
بالطاعة، يميتني بالفراق ويحييني بالتلاقي، يميتني بالخذلان ويحييني بالتوفيق، يميتني غنىّ
ويحييني به، يميتني بالجهل ويحييني بالعلم.
﴿والذي أطمع﴾ أرجو ﴿أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ قراءة العامّة بالتوحيد.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا أبا القاسم بن الفضل قال: حدّثنا
أبي قال: حدّثنا أحمد بن يزيد قال: حدّثنا روح عن أبي اليقظان قال: حدّثنا الحكم السلمي
(١) سورة الكهف: ٧٩.
(٢) سورة الكهف: ٨٢.
(٣) تفسير القرطبي: ١٣ / ١١١.
(٤) في النسخة الثانية: قال أبو عبد الله.

١٧٠
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
قال: سمعت الحسن يقرأ ((والذي أطمع أن يغفر لي خطاياي يوم الدين)).
قال: إنّها لم تكن خطيئة ولكن كانت خطايا .
قال مجاهد ومقاتل: هي قوله ﴿إني سقيم﴾(١) وقوله ﴿بل فعله كبيرهم﴾(٢) وقوله لسارة
(هي أُختي) زاد الحسن، وقوله للكواكب ﴿هذا ربّيٍ﴾(٣).
أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال: حدّثنا
عبيد الله بن ثابت الحريري قال: حدّثنا أبو سعيد الأشج قال: حدّثنا أبو خالد عن داود عن
الشعبي عن عائشة رضيّا قالت: يا رسول الله إنّ عبد الله بن جدعان كان يقري الضيف ويصل
الرحم ويفكّ العاني، فهل ينفعه ذلك ؟
قال: لا، لأنّه لم يقل يوماً قطّ: اغفر لي خطيئتي يوم الدين.
وهذا الكلام من إبراهيم (عليه السلام) احتجاج على قومه وإخبار أنّه لا يصلح للإلهية إلاّ
من فعل هذه الأفعال.
﴿ربّ هب لي حكماً﴾ وهو البيان على الشيء على ما توجبه الحكمة، وقال مقاتل: فهماً
وعلماً، والكلبي: النبوّة.
﴿وألحقْني بالصالحين﴾ بمن قبلي من النبيين في الدرجة والمنزلة. وقال ابن عباس: بأهل
الجنة .
﴿واجعل لي لسانَ صدق في الآخرين﴾ أي ذكراً جميلاً وثناءً حسناً وقبولاً عاماً في الأُمم
التي تجيء بعدي، فأعطاه الله سبحانه وتعالى ذلك، فكلّ أهل الأديان يتولّونه ويبنون عليه.
قال القتيبي: ووضع اللسان موضع القول على الاستعارة؛ لأن القول يكنى بها(٤)،
والعرب تسمّي اللغة لساناً. وقال أعشى باهله:
إنّي أتتني لسان لا أُسرُّ بها
من علو لا عجب منها ولا سخر(٥)
﴿واجعلني من ورثة جنّة النعيم واغفر لأبي انّه كان من الضالين﴾ وقد بيّنا المعنى الذي من
أجله استغفر إبراهيم (عليه السلام) لأبيه في سورة التوبة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(١) سورة الصافّات: ٨٩.
(٢) سورة الأنبياء: ٦٣.
(٣)
سورة الأنعام: ٧٦ - ٧٨.
(٤) تفسير القرطبي: ١٣ / ١١٣.
(٥) لسان العرب: ٤ / ٣٥٢.
-

١٧١
ـورة الشعراء، الآيات: ٨٨ - ١٠٤
﴿ولا تخزني يوم يبعثون﴾.
وبرزتِ
وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ
يَوْمَ لَا يَفَعُ مَالٌ وَلَّا بَنُونَ ﴿َجَ) إِلَّ مَنْ أَنَّ اللَّهُ بِقَلْبٍ سَلِ (٦َ
فَكُتِكُواْ
١٩٣
اْجَمُِّ لِلْغَاوِينَ (١) وَقِلَ لَهُمْ أَبْنَّ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (٤٧) مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُ أَوْ يَنَصِرُونَ (
فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٢٤) وَحُدُ إِلِسَ أَجْعُونَ (١٥) قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْصِمُونَ (١٦) تَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَكَلِ مُّبِينٍ
وَلَا صَدِيقٍ جَم
(٩٩) فما لنا مِن شَفِعِينَ
(٣٧) إِذْ شَوَّبِكُم بَِبِ الْعَلَّمِينَ ﴾ وَمَا أَضَلَّا إِلَّ الْمُجْرِفُونَ
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَهٌ وَمَا كَانَّ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِينَ (٨٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَّوَ
فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةٌ فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ مَن أتى الله بقلب سليم﴾ خالص من الشرك والشك، فأمّا
لذنوب فليس يسلم منها أحد هذا قول أكثر المفسّرين.
وقال سعيد بن المسيّب: القلب السليم هو الصحيح، وهو قلب المؤمن لأنّ قلب الكافر
المنافق مريض، قال الله سبحانه ﴿في قلوبهم مرض﴾(١).
وقال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن على السنّة.
وقال الحسين بن الفضل: سليم من آفة المال والبنين.
وقال الجنيد: السليم في اللغة اللديغ فمعناه: کالّدیغ من خوف الله.
﴿وَأُزْلِفَت﴾ وقُرّبت ﴿الجنّة للمتقين وبرّزت﴾ وأُظهرت ﴿الجحيمُ للغاوين﴾ للكافرين
{وقيل لهم﴾ يوم القيامة ﴿أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أوينتصرون﴾ لأنفسهم
وفكبكبوا فيها﴾ .
قال ابن عباس: جمعوا، مجاهد: ذهبوا، مقاتل: قذفوا، وأصله كببوا فكررت الكاف فيه
مثل قولك: تهنهني وريح صرصر ونحوهما.
﴿هم والغاووُنَ﴾ يعني الشياطين، عن قتادة ومقاتل، الكلبي: كَفَرة الجن.
﴿وجنودُ إِبليسَ أجمعون﴾ وهم أتباعه ومن أطاعهُ من الجن والإنس قالوا للشياطين
المعبودين ﴿تالله إن كنّا لفي ضلال مُبين إذ نُسوّيكم﴾ نعدلكم ﴿بربّ العالمين﴾ فنعبدكم من
ونه ﴿وما أضلّنا﴾ أي دعانا إلى الضلال وأمرنا به ﴿إلّ المجرمون﴾ يعني الشياطين، عن مقاتل،
الكلبي: أوّلونا الذين اقتدينا بهم، أبو العاليه وعكرمة: يعني إبليس وابن آدم القاتل؛ لأنه أوّل
ـن سنَّ القتال وأنواع المعاصي.
١) سورة البقرة: ١٠.

١٧٢
الجزء السابع من كتاب تفسير التعليم
﴿فما لنا من شافعين ولا صديق حميم﴾ قريب ينفعنا ويشفع لنا، وذلك حين يشفـ
الملائكة والنبيّون والمؤمنون.
أخبرني الحسين بن محمد الفنجوي قال: حدّثنا محمد بن الحسين بن علي اليقطيني قال
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يزيد العقيلي قال: حدّثنا صفوان بن صالح قال: حدّثنا الوليد بر
مسلم قال: حدّثنا من سمع أبا الزبير يقول: أشهد لسمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعتـ
رسول الله ◌َّ* يقول: ((إنَّ الرجل ليقول في الجنة: ربّ ما فعل صديقي فلان وصديقه في
الحميم؟ فيقول الله سبحانه: أخرجوا له صديقه الى الجنة فيقول مَنْ بقي ﴿فما لنا من شافعيـ
ولا صديق حميم﴾(١) [٩٦].
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا سمعان بن أبي مسعود قال: حدّثـ
المضّاء بن الجارود قال: حدّثنا صالح المرّي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر اللـ
تعالى فيهم عبد من أهل الجنة إلاّ شفّعه الله فيهم وإنّ أهل الإيمان شفعاء بعضهم في بعض.
وهم عند الله شافعون مشفّعون.
﴿فلو أنّ لنا كرّةً﴾ رجعة إلى الدنيا تمنّوا حين لم ينفعهم ﴿فنكون من المؤمنين إنَّ في ذلك
لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإنَّ ربّك لهو العزيز الرحيم﴾ .
اللَّهُ وَأَمِعُونِ لَهَ﴾ وَمَا أَسْتَذْكُمْ عَيْهِ مِنْ أَغْرِّ إِذْ أَخْرِىَّ إِلََّّ عَ رَبُ اَلْمُنَِّينَ (بَلَ) وَأَنْفُواْ أَلَّهُ وَأَنْيُونِ (َ)
﴿ فَلَهَا الَّمِنْ لَهُ وَالْتَعْقِ الأَرْدَلُونَ ) أَن وَمَا عِلِى ها كرا بحْعَلْتَ ( إِن جَاهُمْ إِلاَ عَ لَي ثر
تَتْعُونَ (بَ وَمَا أَّ بِطَّارِهِ الْمُؤْمِينَ ( !! ) إِنّ ◌َا إِلَ غَيْرُ نُبِنَّ ◌َ هَالُواْ لَّى أََّ قَدْهِ بَتُومُ لَكَنَّ مِنْ
الْمُوبِعَّ (٢) قَالَّ رَّبِّ إِنَّ فَرَى كَذَّرُِّ (١٠) ذَفَحَ جِّ، وَيَهُمْ فَتْهَ وَفِى وَمَن مَّعِىَّ مِنَّ الْعُرِينَ (١)
فَ مَئِنَّهُ وَمُنْ تَعَمُّ فِ اَلْلِهِ الْتَحُرِ () مْ أَمْرَنَا مَرَ اكِينَ (Dَ إِذَ و ذه وهوما مَاتَ أَكَذَهُ
تُؤْمِيعَةَ (69 فِيهَ رَهَ لَهُر الررُ الرَّحِيمُ (
﴿كذّبت قوم نوح﴾ ادخلت ألتاء للجماعة كقوله ﴿قالت الأعراب﴾.
﴿المُرسَلين﴾ يعني نوحاً وحده كقوله ﴿يا أيّها الرسل﴾(٢) .
وأخبرني أبو عبد الله الدينوري قال: حدّثنا أبو علىّ المقري قال: حدّثنا أبو عبيد علي بن
الحسين بن حرب قال: حدّثنا الحسن بن محمد الصباح قال: حدّثنا عبد الوهاب عن إسماعيل
(١) زاد المسير: ٦ / ٤٣.
(٢) سورة المؤمنون: ٥١.

١٧٣
سورة الشعراء، الآيات: ١٠٥ - ١٢٢
عن الحسين قال: قيل له: يا أبا سعيد أرأيت قوله عزَّ وجل ﴿كذّبت قوم نوح المرسلين﴾ و
﴿كَذّبت عاد المرسلين﴾(١) و﴿كذّبت ثمود المرسلين﴾(٢) وإنّما أرسل إليهم رسولاً واحداً ؟
قال: أنّ الآخر جاء بما جاء به الأوّل، فإذا كذّبوا واحداً فقد كذّبوهم أجمعين.
﴿إذا قال لهم أخوهم﴾ في النسبة لا في الدين ﴿نُوحٌ ألا تتّقون إنّي لكم رسول أمين﴾ على
الوحي ﴿فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاّ على ربّ العالمين فاتّقوا
الله وأطيعون قالوا أنؤمن لك واتّبعك﴾ قراءة العامة، وقرأ يعقوب: وأتباعك ﴿الأرذلون﴾ يعني
السفلة عن مقاتل وقتادة والكلبي. ابن عباس: الحاكة(٣).
وأخبرني الحسين بن محمد الفنجوي قال: حدّثنا محمد بن الحسين الكعبي قال: حدّثنا
حسين (٤) بن مزاحم عن ابن عباس في قول الله سبحانه ﴿واتّبعك الارذلون﴾ قال: الحاكة،
عكرمة: الحاكة والأسالفة.
﴿قال﴾ نوح ﴿وما علمي بما كانوا يعملون﴾ إنما لي منهم ظاهر أمرهم، وعليَّ أن أدعوهم
وليس علىّ من خساسة أحوالهم ودناءة مكاسبهم شيء، ولم أُكلّف ذلك إنّما كُلّفت أن أدعوهم.
﴿إِنْ حسابهم إلّ على ربّي لو تشعرون﴾ وقيل: معناه أي لم أعلم أنّ الله يهديهم
ويضلكم، ويوفّقهم ويخذلكم.
﴿وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلّ نذير مبين قالوا لئن لم تنته يانوح﴾ عمّا تقول وتدعو إليه
﴿لتكوننّ من المرجومين﴾ يعني المشؤومين عن الضحّاك، قتادة: المضروبين بالحجارة.
قال ابن عباس ومقاتل: من المقتولين.
الثمالي: كلّ شيء في القرآن من ذكر المرجومين فإنّه يعني بذلك القتل إلاّ التي في سورة
مريم ﴿لئن لم تنته لأرجُمنّك﴾(٥) فإنّه يعني لا شتمتّك.
﴿قال ربّ إنّ قومي كذّبون فافتح﴾ فاحكم ﴿بيني وبينهم فتحاً ونجّني ومن معي من
المؤمنين فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون﴾ يعني الموقّر المجهّز عن ابن عباس. مجاهد:
المملوء، المفروغ منه، عطاء: المُثقل، قتادة: المُحمل.
(١) سورة الشعراء: ١٢٣.
(٢) سورة الشعراء: ١٤١.
(٣) تفسير القرطبي: ٩ / ٢٤، وزاد المسير: ٦ / ٤٤.
(٤) في النسخة الثانية: الكعبي عن حسون بن الهيثم الرويزي قال: أخبرني أبو علي عن محمد بن بكير بن
مروان الفهري عن أبيه عن الضحاك.
(٥) سورة مريم: ٤٦.

١٧٤
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
إِّ كْ رَسُولُ أَمِينُ (٢٥) فَأَنَّقُواْ اللَّهُ
كَذََّتْ عَدُ الْمُرْسِلِينَ (١٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُرُهُمْ هُوُ أَلَا تَقُونَ
وَأَطِيعُونِ (١٦) وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَبْرِّ إِنْ أَحْرِىَ إِلَّ عَلَى رَبِّ الْعَلَّمِينَ (٧َ أَتَيْنُونَ بِكُلِّ رِيع ءَايَّةٌ تَشُونَ
وَتَتَّخِذُونَ مَصَائِعَ لَعَلَّكُمْ تَّخْلُونَ (٢٩) وَإِذَّا بِطَشْتُم بَطَشْتُمْ حَرِينَ ﴿َ فَأَتَّقُواْ الَهُ وَأَطِيعُونِ
وَأَتَّقُواْ أَلَّذِيّ أَمَذَّكُ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٦) أَمَذْكُرْ بِأَتْعَمٍ وَبِينَ ﴿٢) وَحَتَّتٍ وَعُيُونٍ (٣٤) إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ
(١٣٥) قَالُوَأْ سَوَهُ عَلَيْنَا أَوَ عَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنَ مِّنَ اَلْوَعِظِينَ (٢٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ اَلْأَوَّلِينَ (
يومٍ عَظِيرٍ
وَمَا
١٣١
فَكَذَّبُهُ فَأَهْلَكْتَّهُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةٌ وَمَا كَنَّ أَكْثَرُهُم مُؤْمِنِينَ (١٣٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِرُ
١٣٨
نَعْنُ بِسُعَذَّبِينَ
الرَّحِيمُ
﴿ثُمَّ أغرقنا بعد الباقين إنَّ في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإنّ ربّك لهو العزيز
الرحيم كذّبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم هُود ألا تتّقون إنّي لكم رسول أمين﴾ على
الرسالة، وقال الكلبي: أمين فيكم قبل الرسالة فكيف تتّهموني اليوم؟ ﴿فاتّقوا الله وأطيعون وما
أسألكم عليه من أجر إن أجري إلّ على ربّ العالمين أتبنون بكل ربع﴾.
قال الوالبي عن ابن عباس: بكل شرف.
قتادة والضحّاك ومقاتل والكلبي: طريق، هي رواية العوفي عن ابن عباس.
ابن جريج عن مجاهد: هو الفجّ بين الجبلين.
ابن أبي نجيح عنه: هو الثقبة الصغيرة وعنه أيضاً عكرمة: واد.
مقاتل بن سليمان: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلاّ بالنجوم فبنوا على الطرق أميالاً طوالاً.
عبثاً ليهتدوا بها، يدلّ عليه قوله ﴿آية﴾ أي علامة.
وروي عن مجاهد أيضاً قال: الريع بنيان الحمام، دليلهُ وقوله ﴿تعبثون﴾ أي تلعبون، أبو
عبيد: هو المكان المرتفع، وأنشد لذي الرمّة:
ندى ليلة في ريشه يترقرق(١)
طراق الخوافي مشرف فوق ريعه
وفيه لغتان رِيع ورَیع بكسر الراء وفتحها وجمعهُ أریاع وریعه.
﴿وتتخذون مصانع﴾.
قال ابن عباس ومجاهد: قصور مشيّدة معمر عنه: الحصون.
ابن أبي نجيح عنه: بروج الحمام، قتادة: مآخذ للماء، الكلبي: منازل، عبد الرزاق:
المصانع عندنا بلغة اليمن: القصور العاديّة واحدتها مصنع.
(١) جامع البيان للطبري: ١٩ / ١١٥.

١٧٥
سورة الشعراء، الآيات: ١٤١ - ١٥٩
﴿لعلّكم تخلدونَ﴾ قال ابن عباس وقتادة: يعني كأنكّم تبقون فيها خالدين، ابن زيد: لعلّ
استفهام، يعني فهل تخلدون حين تبنون هذه الأشياء؟ الفرّاء: كيما تخلدون.
﴿وإذا بطشتم﴾ أي سطوتم وأخذتم ﴿بطشتُم جبّارين﴾ قتّالين من غير حقّ.
قال مجاهد: قتلاً بالسيف وضرباً بالسوط، والجبّار: الذي يقتل ويضرب على الغضب.
﴿فاتّقوا الله وأطيعون واتقوا الذي أمدّكم بما تعلمون﴾.
ثمَّ ذكر ما أعطاهم فقال ﴿أمدّكم بأنعام وبنين وجنّات وعيون إنّي أخاف عليكم عذاب يوم
عظيم قالوا سواء علينا أوعظت﴾.
روى العباس عن ابن عمير، وواقد عن الكسائي بإدغام الطاء في التاء، الباقون: بالإظهار
وهو الاختيار.
﴿أم لم تكن من الواعظين إنْ هذا إلّ خلق الأولين﴾
قرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وأيّوب وأبي عبيد وأبي حاتم بفتح الخاء،
لقوله ﴿وتخلقون إفكاً﴾(١) وقوله ﴿إنّ هذا إلاّ اختلاق﴾(٢) ومعناه: إن هذا إلاّ دأب الأوّلين
وأساطيرهم وأحاديثهم، وقرأ الباقون: بضم الخاء واللام أي عبادة الأوّلين من قبلنا، يعيشون
ماعاشوا ثمّ يموتون ولا بعث ولا حساب، وهذا تأويل قتادة.
﴿وما نحن بمعذّبين فكذّبوه فأهلكناهم إنّ في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإنّ ربّك
لهو العزيز الرحيم﴾ .
١٤٣
فَأَتَّقُواْ
إِ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ (
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَلِحُ أَلَا نَنَّقُونَ
كَذِّيَتْ نَعُودُ الْمُرْسَلِينَ
أَتُتْرَكُونَ فِى مَا هَهُنَا
اللَّهُ وَأَطِيعُونِ (3) وَمَآ أَشْتَلُكُمْ عَلَّهِ مِنْ أَخْرِّ إِنَّ أَجْرِىَّ إِلَّ عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ
وَتَنْحِتُنَ مِنَ الْجِبَالِ بُونَا فَرِمِينَ
ءَامِينَ (١٤) فِ حَّتِ وَعُونِ (١٧) وَزُرُوعِ وَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِمٌ (١]
فَتَّقُواْ اللَّهُ وَأَطِيعُونِ (١٠) وَلَا تُطِعُواْ أَمَ اَلْمُسْرِفِينَ (١٤) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ
١٥٢)
قَالُواْ إِنََّا أَنْتَ مِنَّ الْمُسَخَّرِينَ ﴿٢٨) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِثَايَةٍ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِفِنَ (وَ قَالَ هَذِهِ.
نَعَقَّرُوهَا
نَاقَّةٌ لَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومِ (٢٥) وَلَا تَعَشُوهَا بِسُوَءٍ فَأْخُذْكُمُ عَذَابٌ يَوْمٍ عَظِيمِ لَـ
وَإِنَّ رَبَّكَ
(١٥٨)
فَأَصْبَحُواْ نَكِدِمِينَ ﴿٤) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
(١٥٩)
(١) سورة العنكبوت: ١٧.
(٢) سورة ص: ٧.

١٧٦
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
﴿كذّبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتّقون إنّي لكم رسول أمين فاتّقوا
الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاّ على ربّ العالمين أتُتركون في ما ههنا﴾ أي
في الدنيا ﴿آمنين في جنّات وعيون وزروع ونخل طلعها﴾ ثمرها ﴿هضيم﴾.
قال ابن عباس: لطيف مادام في كفراه(١)، ومنه قيل: هضيم الكشح إذا كان لطيفاً، وهضمَ
الطعام إذا لطف واستحال إلى شكله، عطيّة عنه: يانع نضيج، قتادة وعكرمة: الرطب الليّن،
الحسن : رخو .
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شبنة قال: حدّثنا ابن ماهان قال: حدّثنا الطنافسي
قال: حدّثنا وكيع عن سلام عن أبي إسحاق عن أبي العلاء، طلعها هضيم قال: مذنّب،
مجاهد: متهشم متفتت وذلك حين يطلع يفيض عليه فيهضمه، وهو مادام رطباً فهو هضيم فإذا
يبس فهو هشيم، أبو العالية: يهشهش في الفم. الضحاك ومقاتل: متراكم ركب بعضه بعضاً حتى
هضم بعضه بعضاً، وأصله من الكسر.
﴿وتنحتون من الجبال بيوتاً فُرهين﴾ قرأ أهل الشام والكوفة فارهين بالألف، وهي قراءة
أصحاب عبد الله واختيار أبي عبيد أي حاذقين بتخيّرها .
وقال عطيّة وعبد الله بن شداد: متخيرين لمواضع نحتها، وقرأ الباقون: فرهين بغير ألف
وهو اختيار أبي حاتم، واختلفوا في معناه فقال ابن عباس: أشرين، الضحّاك: كيّسين، قتادة:
معجبين بصنعكم، مجاهد: شرهين، عكرمة: ناعمين، السدّي: متحيرين، ابن زيد: أقوياء،
الكسائي: بطرين، أبو عبيدة: فرحين، الأخفش: فرحين، والعرب تعاقب بين الحاء والهاء مثل:
مدحته ومدهته، ويجوز أن يكون فرهين وفارهين بمعنى واحد مثل قوله ﴿عظاماً نخرة﴾
(٢)
وناخرة، ونحوها .
﴿فاتقوا الله واطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين﴾ المشركين ﴿الذين يفسدون في الأرض
ولا يصلحون قالوا أنّما أنت من المسخرين﴾ أي المسحورين المخدوعين عن مجاهد وقتادة.
وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: من المعلّلين بالطعام والشراب، وأنشد الكلبي
قول لبید :
فإنْ تسألينا فيم نحن فإننّا عصافير من هذا الأنام المسحر(٣)
وقال آخر:
ويسحر بالطعام وبالشراب
(١) تفسير القرطبي: ١٣ / ١٢٨، وكفراه: دعاؤه راجع النهاية لابن الأثير: ٣ / ١١٢.
(٢) سورة النازعات: ١١.
(٣) كتاب العين: ٣ / ١٣٥.

١٧٧
سورة الشعراء، الآيات: ١٦٠ - ١٧٥
أي يعلّل ويخدع، وهو على هذين القولين من السِّحر بكسر السين.
وقال بعضهم: من السَّحر بفتح السين أي أصحاب الرؤية، يدلّ عليه قوله ﴿ما أنت إلاّ
بشر مثلنا فأت بآية﴾ على صحة ما يقول ﴿إن كنت من الصادقين قال هذه ناقة لها شرب﴾ حظ
ونصيب من الماء ﴿ولكم شرب يوم معلوم ولا تمسوها بسوء﴾ بعقر ﴿فيأخذكم عذاب يوم عظيم
فعقروها فأصبحوا نادمين﴾ على عقرها حين رأوا العذاب.
﴿فأخذهم العذاب إنَّ في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإنَّ ربّك لهو العزيز الرحيم﴾.
كُلَّتُ قَوْمُ قُرْطِ الْمُرْسِينَ () ﴿ مَن كَمَ أْكُرْهُمْ أَرِأُ أَلاَ تَفَقُونَ [َ) إِنَّ لَكَمْ رَبُِّلُ أَبِيْنُّ ◌َ ◌َغُواْ
اللَّهُ وَأَجِئُونِ (١) وَمَا أَبَثَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْ إِن أَغْرِىَ إِلَّا عَلَّ رَبِ الْعَنْلَوِىَ (9) أَتَلُنَ الْمُكَانَ مِنَّ
الْمَلِينَ (19) وَذَرُونَ مَا عَلَقَ الْمَ رَكُم مِنْ أَرَوَيَكُمْ بَلْ أَنتُمْ لَمْ عَدْوَتَ لَ عَثْرَا لَى أَّ تَتْهِ خَيرُ
تَقَةُ مِن التخريبية (٣) قلَ إِلَ إِسَمَلِكَ فِيَ لَقَائِيَ لَيْهَ رَّبِّ ◌َمِ وَأَهْلِ مِنَّا بِعْمَلُونَ (3) ◌َتَهُ وَعَهُ
أَجْعِمَاً (9) إلّا عَشُورً فى الْقَيرِينَ (إنّه لَمَّ دَعَ الَكْفُرِينَ فْ) وَأَنْظَرًا عَيْهِ نَظَرْ عَدُ مَكْرُ الْمُذَّبِنَّ ◌َ
﴿كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتّقون إنّي لكم رسول أمين فاتّقوا
الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاّ على ربّ العالمين أتأتون الذكران من
العالمين وتذرون ما خلق لكم ربّكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون﴾ مجاوزون الحلال إلى
الحرام.
﴿قالوا لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين﴾ من بلدنا ﴿قال إنّ لعملكم﴾ يعني
اللواط
﴿من القالين﴾ المبغضين.
ثمَّ دعا فقال ﴿رَبِّ نجّني وأهلي ممّا يعملون فنجّيناه وأهله أجمعين﴾ عند نزول العذاب
﴿إلّ عجوزاً في الغابرين﴾ وهي امرأة لوط بقيت في العذاب والهلاك.
﴿ثُمَّ دمّرنا الآخرين وأمطرنا عليهم مطراً فساء مَطَرُ المنذرين﴾(١) فقال: سمعت وهب بن
منبه يقول: الكبريت والنار.
﴿إنَّ في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإنَّ ربّك لهو العزيز الرحيم﴾.
(١) في النسخة الثانية زيادة: أخبرني عبد الله بن حامد الوزان، عن مكي بن عبدان، عن عبد الرحمن بن بشر،
عن موسى، قال سألت الحكم، فقلت له: قوله: ﴿وأمطرنا عليهم مطراً فساء مطر المنذرين﴾.

١٧٨
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
إِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ
كَذَّبَ أَمْحَكُ لَكَةِ الْمُرْسَلِنَّ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَمْ شُعَيْبُ أَ نَتَّقُونَ
١١٧٨
٤ أَوْقُواْ الْكَيْلَ
فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧) وَمَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِّ إِنَّ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ
وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ (َِّ وَزِنُواْ بِلْمِسْطَاسِ الْمُسْتَغِيِ (٨٦) وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَ هُمْ وَلَا تَعْثَوَّأْ فِى
الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَأَتَّقُواْ أَلَّذِى خَلَفَكُمْ وَاَلِْلَّةُ الْأَوَّلِينَ (لَ قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمَُّخَّرِينَ (فِيَ)) وَمَا أَنْتَ
إِلَّا بَشَرٌ مِثْلَا وَإِنِ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَذِبِنَّ ◌َ) فَأَسْفِطَ عَلَتْنَا كِتَفَا مِنَ السَّمَاءِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
١٨٧
قَالَ رَبِّ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (لَ فَكَذَّبُهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظّلَّةِ إِنَّهُ كَنَّ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
١٩
إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِينَ
﴿كذبت أصحاب الأيكة﴾ الغيضة وهم قوم شعيب والليكة والأيكة لغتان قرئتا جميعاً
﴿المرسلین﴿.
قال أبو زيد(١): بعث الله سبحانه شعيباً إلى قومه وأهل مدين وإلى أهل البادية وهم
أصحاب الأيكة.
﴿إذ قال لهم شعيب ألا تتّقون﴾ ولم يقل أخوهم شعيب لأنّه لم يكن من أصحاب الأيكة
في النسب، فلمّا ذكر مدين قال: ﴿أخاهم شعيباً﴾ لأنه كان منهم.
﴿إنّي لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلّ على
ربّ العالمين﴾ وإنّما دعوة هؤلاء الأنبياء كلّهم فيما حكى الله سبحانه عنهم على صيغة واحدة
للإخبار بأنّ الحقّ الذي يدعون إليه واحد، وأنّهم متّفقون على الأمر بالتقوى والطاعة والإخلاص
في العبادة والامتناع من أخذ الأجر على الدعوة وتبليغ الرسالة.
﴿أُوْفُوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين﴾ الناقصين للكيل والوزن.
﴿وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين
واتّقوا الذي خلقكم والجبلّة﴾ الخليقة ﴿الأوّلين﴾. والجبلّ: الخلق، قال الشاعر:
والموت أعظم حادث
مما يمرّ على الجبلّة
﴿قالوا إنّما أنت من المسحّرين وما أنت إلاّ بشر مثلنا وإن نظنّك لمن الكاذبين فأسقط
علينا كسفاً من السماء إن كنت من الصادقين قال ربّي أعلم بما تعملون﴾ وهو مُجازيكم به وما
عليَّ إلّ الدعوة.
﴿فكذّبوه فأخذهم عذاب يوم الظلّة﴾ وذلك أنّ الله سبحانه حبس عنهم الريح سبعة أيّام
(١) في النسخة الثانية: ابن يزيد.

١٧٩
سورة الشعراء، الآيات: ١٩١ - ٢٢٠
وسلّط عليهم الحرّ حتى أخذ بأنفاسهم ولم ينفعهم ظلّ ولا ماء، وكانوا يدخلون الأسراب
ليتبرّدوا فيها فإذا دخلوها وجدوها أشدّ حراً من الظاهر، فخرجوا هراباً الى البرية فأظلّتهم سحابة
وهي الظّة، فوجدوا لها برداً ونسيماً فنادى بعضهم بعضاً حتى إذا اجتمعوا تحتها أمطرت عليهم
ناراً فاحترقوا .
قال قتادة: بعث الله سبحانه شعيباً إلى أُمّتين: أصحاب الأيكة وأهل مدين، فأمّا أصحاب
الأيكة فأُهلكوا بالظلّة وأمّا أهل مدين فأخذتهم الصيحة، صاح بهم جبرئيل صيحة فهلكوا
جميعاً .
أخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علويه قال:
حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيّب عن برد الجريري قال: سلّط الحرّ عليهم سبعة
أيام ولياليهن، ثم رفع لهم جبل من بعيد، فأتاه رجل منهم فإذا تحته أنهار وعيون وماء بارد
فتمكّن تحته وأخذ ما يكفيه ثم جاء إلى أهل بيته فآذنهم فجاؤوا فأخذوا ما يكفيهم وتمكّنوا، ثم
آذن بقيّة الناس فاجتمعوا تحته كلّهم فلم يغادر منهم أحداً، فوقع ذلك الجبل عليهم فذلك قوله
سبحانه ﴿فأخذهم عذاب يوم الظّة إنّه كان عذاب يوم عظيم إنَّ في ذلك لآية وما كان أكثرهم
مؤمنين وإنَّ ربّك لهوَ العزيز الرحيم﴾ .
١٩٢)
نَزَّلَ بِهِ الرُُّعُ اَلْأَمِينُ (١٣) عَلَ فَلِكَ
وَإِنَّ رَبَِّكَ لَهَوَ الْغَرْبِزُ الرَّحِمُ ﴿١٨) وَإِنَّهُ لَتَغْزِلُ رَبِّ الْعَلَّمِينَ
لِتَّكُونَ مِنَ الْعُّدِرِينَ (9َ بِسَانِ عَرَدٍ مُبِينٍ (١٥) وَإِنَّهُ لَفِىِ زُيُرِ اَلْأَوَّلِنَ (٢٦) أَوَ لَمْ يَكُنُ لَّمْ ءَةً أَنْ يَعَلَُّ عُلَمَوْاْ
بَىّ إِسْرَةِيلَ (١٦٧) وَلَوْ نَزَّْنَهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِنَ (﴿ فَقَرَءُ عَلَيْهِم مَّا كَانُواْ بِهِ مُؤْمِينَ (١) كَذَلِكَ
سَلَكْنَهُ فِ قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (بَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ، حَّ يَرَوَا ◌َلْعَذَابَ الْأَلِمَ (َ) فَأْتِيَّهُمْ بَغْتَّةُ وَهُمْ لَ
أَفَرَبَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَهُمْ سِنِينَ لِفَ
أفبِعَذَانَا يَسْتَعْجَلُونَ (١)
فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ (٢٠٢
يَشْعُرُون (٢٠٢
وَمَّا أَمْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّ لمَا مُنْذِرُونَ
جَاءَ هُم مَّا كَانُوا يُؤْعَّدُونَ (١٢٠٦) مَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَمُونَ (َ
﴿َ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَلِمِينَ (لَ وَمَا نََّتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢٤) وَمَا يَنْبَعِى لَمُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٦) إِنَّهُمْ عَنِ
السَّمْعِ لَعْزُولُونَ (٢٠١٦) فَلَ نَعُ مَعَ اللَّهِ إِنْهَا وَأَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٤٣) وَأَنْذِرْ عَشِيَتَّكَ الْأَقْرِينَ
وَأَخْفِضْ جَنَامَكَ لِمَنْ أَبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِينَ (٢٨) فَإِنْ عَصَوَ فَقُلْ إِّ بَرِىِّءٌ مِّمَا تَعْمَلُونَ (٦) وَتَوَكَلَ عَلَى الْعَزِيزِ
وَتَعَلَّكَ فِ السَّجِدِينَ ﴿َ) إِنَّمُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
٢١٨)
الَّذِى يَرَّبِكَ حِينَّ نَقُوُ
الرَّحِيمِ (َ
﴿وإنّه لتنزيل ربّ العالمين﴾ يعني القرآن ﴿نزل به الروح الأمين﴾ قرأ الحجازيّون وأبو عمر
بتخفيف الزاي ورفع الحاء والنون يعنون جبرئيل (عليه السلام) بالقرآن، وقرأ الآخرون بتشديد
الزاي وفتح الحاء والنون أي نزّل الله جبرئيل (عليه السلام)، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم
لقوله ﴿وإنّه لتنزيل﴾ وهو مصدر نزّل، على قلبك يا محمد حتى وعيته.

١٨٠
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
﴿لتكون من المنذرين بلسان﴾ يعني نزل بلسان ﴿عربي مبين وإنّهُ﴾ يعني ذكر القرآن وخبره
عن أكثر المفسرين وقال مقاتل: يعني ذكر محمد رَّ ونعته ﴿لفي زبر﴾ كتب ﴿الأولين﴾ وقرأ
الأعمش زُبر بجزم الباء، وغيره بالرفع.
﴿أو لم يكن لهم آية﴾ قرأ ابن عامر تكن بالتاء ﴿آية﴾ بالرفع، غيره تكن بالتاء آيةً
بالنصب، ومعنى الآية أولم يكن لهؤلاء المنكرين دلالة وعلامة ﴿أن يعلمه﴾ يعني محمداً
﴿علماء بني إسرائيل﴾.
عبد الله بن سلام وأصحابه قال ابن عباس: بعث أهل مكة الى اليهود وهم بالمدينة
فسألوهم عن محمد ◌ّله فقالوا: إن هذا لزمانه وإنّا نجد في التوراة نعته وصفته وكان ذلك آية لهم
على صدقه.
﴿ولو نزّلناه﴾ يعني القرآن ﴿على بعض الأعجمين﴾ هو جمع الأعجم، وهو الذي لا
يفصح ولا يحسن العربية وإن كان منسوباً الى العرب، وتأنيثه عجماء، وجمعه عجم، ومنه قيل
للبهائم عجم لأنها لا تتكلم.
قال النبي وَلّ: ((العجماء جرحها جُبار))(١) [٩٧] فإذا أردت أنه منسوب إلى العجم قلت:
عجمي.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا أبو القاسم بن الفضل قال: حدّثنا
سهل بن علي قال: حدّثنا أبو عمر قال: حدّثنا شجاع بن أبي نصر عن عيسى بن عمر عن الحسن
أنّه قرأ ((ولو نزلناه على بعض الأعجميين)) مشدّدة بيائين، جعله نسبة ومعنى الآية: ولو نزّلناهُ على
رجل ليس بعربي اللسان فقرأهُ عليهم بغير لغة العرب لما كانوا به مؤمنين، وقالوا: ما نفقه قولك
نظيرهُ قوله سبحانه ﴿ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصّلت آياته﴾(٢)، وقيل معناه: ولو
نزّلناه على رجل ليس من العرب لما آمنوا به أنفة من اتّباعه.
﴿كذلك سلكناه﴾ أي أدخلنا القرآن ﴿في قلوب المجرمين﴾ لتقوم الحجة عليهم، وقيل:
يعني سلكنا الكفر في قلوب المجرمين ﴿لا يؤمنونَ به﴾.
قال الفرّاء: من شأن العرب إذا وضعت (لا) موضع (كي) في مثل هذا ربّما جزمت ما
بعدها وربّما رفعت فتقول: ربطت الفرس لا ينفلت جزماً ورفعاً، وأوثقت العبد لا يأبق في
الجزم على تأويل إن لم أربطه انفلت، وإن لم أُوثقه فرَّ، والرفع على أنّ الجازم غير ظاهر. أنشد
بعض بني عقيل :
(١) مسند أحمد: ٢ / ٢٥٤.
(٢) سورة فصّلت: ٤٤.