Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ سورة النحل، الآيات: ٥١ - ٦٠ لم يقل: بأفواه الشامتين. وقال آخر: قد عض أعناقهم جلد الجواميس(١) الواردون وتيم في ذرا سبأ لم يقل: جلود. ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ صاغرون ﴿وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [وإنما أخبر بـ (ما) عن الذي يعقل ولا يعقل على التغلب، كما يغلب الكثير على القليل والمذكر على المؤنث] ﴿مِنْ دَابَّة﴾ يدب عليها كل حيوان يموت، كقوله: ﴿وما من دابة في الأرض إلّ على الله رزقها﴾(٢) وقوله: ﴿مَا مِنْ دَابَّة إلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾(٣). ﴿وَالمَلائِكَةُ﴾ خص الملائكة بالذكر مع كونهم من جملتها في الآية لرفع شأنهم، وقيل: لخروجهم من جملة الموصوفين بالتسبيب إذ جعل الله لهم أجنحة كما قال تعالى: ﴿جَاعِلٍ المَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أجْنِحَة﴾(٤) فالطيران أغلب عليهم من الدبيب، وقيل: أراد الله يسجد ما في السماوات من الملائكة وما في الأرض من دابة ويسجد ملائكة الأرض. ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يعني: يخافون [قدرة] ربهم أن يأتيهم بالعذاب من فوقهم، ويدل عليه قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ما يؤمرون يعني الملائكة، وقيل: معناه يخافون ربهم الذي فوقهم بالقول والقدرة فلا يعجزه شيء ولا يغلبه أحد [يدل عليه] قوله تعالى: ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾(٥) وقوله إخباراً عن فرعون: ﴿وإنا فوقهم قاهرون﴾ (٦). وَقَالَ الَهُ لَا تَتَّخِذُواْ إِلَهَبْنِ أَنْنَيِّنَّ إِنَّمَا هُوَ إِلَّهُ وَحِدٌ فَأَّنِىَ فَأَزْهَبُونِ ﴿﴿ وَلَهُ مَا فِ السَّمَّوَّتِ وَاُلْأَرْضِ وَلَهُ الْدِيْنُ وَصِبَّا أَفَغَيْرَ أَلَّهِ نَّقُونَ ﴿َثَ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَلِ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَتَكُمُ اَلْضُُّ فَإِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ أَلْضُّرَّ عَنَكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُمْ بِرَبِهِمْ يُشْرِكُونَ (٨٦) لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَنْتَهُمْ فَسَتَّقُواْ تَحْتَرُونَ (٥٣ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْتَهُمْ ذَّهِ لَتْشَكُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَتَجْعَلُونَ ٥٥ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لِلَّهِ الْبَنْتِ سُبْحَلَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ (٥٣) وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم ◌ِاَلْأَنَ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (ِهَ المصدر السابق. (١) (٢) سورة هود: ٦. (٣) سورة هود: ٥٦ . سورة فاطر: ١ . (٤) سورة الأنعام: ١٨ . (٥) (٦) سورة الأعراف: ١٢٧ . ٢٢ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي لِلَّذِينَّ يَتَوَرَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءٍ مَا بُشْرَ بِهِ أَيْمِكُمُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُهُ فِىِ الْتُرَبِ أَلَّ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءٍ وَلِلِّ اَلْعَثَلُ الْأَعْلَىّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (أَّـ ﴿وَقَالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنٍ إنّما هو إله واحد فإيّاي فارهبون وله ما في السماوات والأرض وَلَهُ الدِّينُ﴾ الطاعة والإخلاص. ﴿وَاصِباً﴾ دائماً ثابتاً . وقال ابن عبّاس: واجباً، تعني الآية أنه ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع عنه بزوال أو هلاك غير الله عزّ وجلّ، فإن الطاعة تدوم له وتصيب واصباً على القطع. قال أبو الأسود الدؤلي : لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه يوماً بذم الدهر أجمع واصباً (١) أي دائماً . وقال الفراء: ويقال خالصاً. ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ * وما بِكُمْ﴾ . قال الفراء: (ما) في معنى الجزاء ولها فعل مضمر، كأنه قال: وما يكون لكم من نعمة فمن الله. ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ﴾ [ ..... ](٢) أن لا تتقوا سواه ﴿وما بِكُمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنَ اللهِ﴾ لذلك دخلت الفاء في قوله: ﴿فمن الله﴾. ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأْرُونَ﴾ يصيحون بالدعاء ويضجون بالاستغاثة. وأصله من جوار الثور إذا رفع صوتاً شديداً من جوع أو فزع. قال القتيبي يصف بقرة: فطافت(٣) ثلاثاً بين يوم وليلة وكأن النكير أن تضيف وتجأرا(٤) ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ بعد ما خلصوا له بالدعاء في حال البلاء ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ كفروا نعمته فيما أعطيناهم من النعماء وكشف الضرّ والبلاء ﴿فَتَمَنَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وهذا وعید لهم. (١) تفسير الطبري: ٢٣ / ٥، تفسير القرطبي: ١٠ / ١١٤. (٢) غير مقروءة في المخطوط. (٣) ويروى: أقامت. (٤) لسان العرب: ٦ / ٦٧ والبيت للنابغة الجعدي. ٢٣ سورة النحل، الآيات: ٥١ - ٦٠ ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ﴾ له نفعاً ولا فيه ضراً ولا نفعاً ﴿نَصِيباً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ من الأموال وهو ما حملوا لأوثاونهم من هديهم وأنعامهم نظيره قوله ﴿هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا﴾(١). ثمّ رجعٍ من الخبر إلى الخطاب فقال: ﴿تَاللهِ لَتُسْألُنَّ﴾ يوم القيامة ﴿عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ في الدنيا ﴿وَيَجْعَلُونَ للهِ البَنَاتِ سُبْحَانَهُ﴾ وهم خزاعة وكنانة قالوا: الملائكة بنات الله سبحانه. ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ يعني البنين، وفي قوله: ﴿ما﴾ وجهان من الأعراب: أحدهما الرفع على الابتداء، ومعنى الكلام: يجعلون لله البنات ولهم البنين، والثاني: النصب عطفاً على البنات تقديره: ويجعلون لله البنات ويجعلون لهم البنين الذي يشتهون. ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً﴾ من الكراهة ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ممتليء غماً وغيظاً ﴿يَتَّوَارَى﴾ يخفى ويغيب ﴿مِنَ القَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ من الخزي والعار والحياء ثمّ يتفكر ﴿أَيُمْسِكُهُ﴾ ذكر الكناية لأنه مردود إلى (ما) ﴿عَلَى هُون أمْ يَدُسُّهُ﴾ يخفيه ﴿فِي الُّرَابِ﴾ فيئده. وذلك أن مضر وخزاعة وتميماً كانوا يدفنون الإناث أحياء - زعموا - خوف الفقر عليهن وطمع غير الأكفاء فيهن، وكان صعصعة عم الفرزدق إذا أحس بشيء من ذلك وجه إلى والد البنت يستحييها بذلك، ولذلك قال الفرزدق: ومنا الذي منع الوائدات فأحيا الوئيد فلم يوأد(٢) ﴿ألا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ بئس ما [يجعلون لله الإناث] ولأنفسهم البنين، نظيره قوله تعالى: ﴿ألكم الذكر وله الأُنثى تلك إذاً قسمة ضيزى﴾(٣). ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ يعني لهؤلاء الواضعين لله سبحانه البنات ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ احتياجهم إلى الأولاد وكراهيتهم الإناث منهم أو قتلهم إياها خوف الفقر وإقراراً على أنفسهم بالهتك لقول رسول الله وتالقول: ((أكبر الكبائر أن تدعو لله ندّاً وهو خلقك، وأن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك وأن تزني بحليلة جارك)) [٥](٤). ﴿وَللهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ الصفة العليا وهي التوحيد والإخلاص. وقال ابن عبّاس: مثل السوء: النار، والمثل الأعلى: شهادة أن لا إله إلاّ اللـه(٥). (١) سورة الأنعام: ١٣٦. (٢) تفسير القرطبي: ١٠ / ١١٧. (٣) سورة النجم: ٢١. (٤) تفسير الطبري: ٥ / ٦٢، تفسير القرطبي: ١٣ / ٧٥. (٥) تفسير القرطبي: ١٠ / ١١٩. ٠ ٢٤ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي ﴿وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وَلَوْ يُؤَخِدُ اللَّهُ اَلنَّاسَ بِظُلْمِهِ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِرُهُمْ إِلَّ أَجَلٍ مُسَتَّى فَإِذَا جَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَّفْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِعُونَ (٦َ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْبِنَتْهُمُ الْكَذِبَ أَنَ لَهُمُ اَلْمُسْنَّ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمِ مُفْرَُّونَ ﴿٦َ ثَلَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىّ أُمَمٍ مِّن ◌َبْلِكَ فَرَبَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اَلْيَّوْمَ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِرُ ﴿ وَمَا أَنْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى أَخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدَى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ فيعاجلهم بالعقوبة على كفرهم وعصيانهم ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾ أي على ظهر الأرض كناية عن غير مذكور ﴿مِنْ دَابَّة وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يمهلهم عليه ﴿إِلَى أجَل مُسَمّىٍ﴾ منتهى آجالهم ساعة وانقضاء أعمارهم ﴿فَإِذَا جَاءَ أجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ولا يقال(١) موت قبله ﴿وَيَجْعَلُونَ للهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ لأنفسهم، يعني البنات ﴿وَتَصِفُ الْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنَى﴾ محل (ان) نصب بدل عن الكذب لأنه بيان وترجمة له. وقرأ ابن عبّاس: والحسنى (الكذب) برفع الكاف والذال والباء على نعت الألسنة، والكذب: جمع کذوب، مثل رسول ورسل وصبور وصبر وشكور وشكر. ﴿أن لهم الحسنى﴾ يعني اليقين ومعنى الآية: ويجعلون له البنات ويزعمون أن لهم البنين. وقال حيان: يعني بالحسنى الجنة في المعاد إن كان محمّد صادقاً في البعث. ﴿لَا جَرَمَ﴾ حقاً، وقال ابن عبّاس: بلى(٢). ﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ في الآخرة ﴿وَأَنَّ لَهُمْ مُفْرَُونَ﴾ منسيون في النار. قال ابن عبّاس وسعيد بن جبير: مبعدون. مقاتل : متروكون . قتادة: معجلون إلى النار. الفراء: مقدمون على النار. وقرأ نافع: (مفرطون) بكسر الراء مع التخفيف أي مسرفون، وقرأ أبو جعفر: بكسر الراء مع التشديد أي مضيّعون أمر الله تعالى. ﴿ثَاللهِ لَقَدْ أرْسَلْنَا إلَى أُمَم مِنْ قَبْلِكَ﴾ كما أرسلناك إلى هذه الأُمة ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ (١) هذا هو الظاهر من المخطوط. (٢) تفسير الطبري: ١٤ / ١٦٧. ٢٥ سورة النحل، الآيات: ٦٥ - ٧٤ أعْمَالَهُمْ﴾ الخبيثة التي كانوا عليها مقيمين ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ ناصرهم ومعينهم وقرينهم ومتولي أمورهم ﴿وَلَّهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إلاَّ لِنُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ من الدين والأحكام ﴿وَهُدىٍّ وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ عطف الهدى والرحمة على موضع قوله (لتبين) لأن محله نصب ومجاز الكلام: وما أنزلنا عليك الكتاب إلاّ بيانا للناس وهدى ورحمة. وَإِنَّ لَكُمْ فِ وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ الشَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْيَا بِ الْأَرْضَ بَعَدَ مَوْتِهاً إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أ وَمِن ثَمَرَّتِ النَّعِيلِ اَلْأَنَْمِ لَعِبْرَةٌ ◌ُشْفِيكُ مََّ فِ بُطُونِهِ، مِنْ بَيْنِ فَرَّتٍ وَدَمٍ لَّ خَالِصًا سَأَبِغَاً لِلْشَّرِنَّ وَاَلْأَعْنَبِ نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنَا إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةً لِّقَوْمٍ بَعْقِلُونَ (٨٧) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى الَّْلِ أَنْ أَتَّخِذِى مِنَ الْجَالِ بُنَّاً وَمِنَّ الشَّجَرِ وَمِنَّا يَعْرِشُونَ ﴿١٦) ثُمَّ كُلِ مِن كُلِّ الثَّمَرَّتِ فَأَسْلُكِ سُبُلَ رَبِّكِ ذُلْلَا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْلِفُ أَلْوَنَّهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَبَةُ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٦) وَاللَّهُ خَلَفَكُمْ نُوَ يَوَفََّكُمْ وَمِنْكُ مَّنْ يُرَدُّ إِلَى أَزْقَلِ الْعُمُرِ لِكَنْ لَا يَعَّ بَعْدَ عِ شَيْئًاْ إِنَّ ◌َلَهُ عَلِمٌ قَدِيرٌ (١٣) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضِ فِي الْرِزْقِّ فَمَا الَّذِينَ فُصِّلُوْ بَِّذِى رِزْفِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَتَّمَتُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءُ أَفَبِعْمَةِ اللَّهِ يَحْمَدُونَ VI وَالَهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَعًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةٌ وَرَزَقَكُمْ مِّنَّ أَطِّبَتِّ أَفَلَّطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴿٢٧) وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْفًا مِنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ شَبَْاً وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿ فَلَ نَضْرِبُواْ لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (فَ ﴿وَاللهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعني المطر ﴿فَأْحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ جدوبها ودروسها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمِ يَسْمَعُونَ﴾ بسمع القلوب ولا بسمع الآذان. ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ لعظة ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ . قرأ أهل المدينة وابن عامر ونافع وعاصم بفتح النون. وقرأ الباقون بضمه. واختاره أبو عبيد قال: لأنه شراب دائم. وحكى عن الكسائي أن العرب تقول: أسقيته نهراً وأسقيته لبناً إذا جعلت له سقياً دائماً، فإذا أراد أنهم أعطوه شربة قالوا: سقيناه(١). وقال غيره: هما لغتان يدل عليه قول لبيد في صفة السقاية: سقى قومي بني مجد وأسقى نميراً والقبائل من هلال (٢) (١) بغير ألف، راجع المصدر السابق: ١٤ / ١٧٢ . (٢) الصحاح: ٢ / ٥٣. ٢٦ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي فجمع بين اللغتين. ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ ولم يقل بطونها والأنعام جميع، قال المبرد: كناية إلى النعم والنعم والأنعام واحد ولفظ النعم، واستشهد لذلك برجز بعض الأعراب. جبهته أو الخراة والكند إذا رأيت أنجما من الأسد وطاب ألبان اللقاح فبرد (١) بال سهيل في الفضيح ففسد ولم يقل فبردت لانه رد إلى [اللبن أو الخراة](٢). قال أبو عبيدة والأخفش: النعم يذكر ويؤنث فمن أنّث فلمعنى الجمع، ومن ذكر فلحكم اللفظ، ولأنه لا واحد له من لفظه. وقال الشاعر يذكره: أكل عام نِعَم تحوونه يلقحه قوم وتنتجونه إن له نخيل فلا يحمونه(٣) . وقال الكسائي: ردَّ الكناية إلى المراد في بطون ماذكر. وقال بعضهم: أراد بطون هذا الشيء، كقول الله: ﴿فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي﴾(٤) وقوله: ﴿وإني مرسلة إليهم بهدية﴾(٥) الآية ﴿فلما جاء سليمان﴾(٦) ولم يقل: جاءت. وقال: الصلتان العبدي. إن السماحة والمرؤة ضمّنا قبراً بمرو على الطريق الواضح (٧) وقال الآخر: وعفراء أدنى الناس مني مودة (٨) وعفراء عنى المعرض المتواني وقال الآخر: (١) لسان العرب: ٢ / ٢٩، تفسير الطبري: ١٤ / ١٧٣. (٢) هكذا في الاصل. (٣) المصدر السابق ولسان العرب: ١٢ / ٥٨٥، دون ذكر البيت الثاني. (٤) سورة الأنعام: ٧٨. (٥) سورة النمل: ٣٥. (٦) سورة النمل: ٣٦. (٧) تفسير الطبري: ١٤ / ١٧٤ . (٨) تاريخ دمشق: ٤٠ / ٢٢٠. ٢٧ سورة النحل، الآيات: ٦٥ - ٧٤ وإذا أُم عمّار صديق مساعف(١) إذا الناس ناس والبلاد بغبطة كل ذلك على معنى هذا الشخص وهذا الشيء. وقال المؤرج: الكناية مردودة إلى البعض والجزء، كأنه قال: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونه اللبن، إذ ليس لكلّها لبن وإنما يسقى من ذوات اللبن، فاللبن فيه مضمر. ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْث﴾ وهو ما في الكرش فإذا أُخرج منه لا يسمى فرئاً ﴿وَدَم لَبَناً خَالِصاً﴾ خلص من الفرث والدم ولم يختلط بهما ﴿سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ جاهزاً هنيئاً يجرى في الحلق ولا يغص شاربه، وقيل: إنه لم يغص أحد باللبن قط. قال ابن عبّاس: إذا أكلت الدابة العلف واستقرّ في كرشها لحينه، وكان أسفله فرث وأوسطه لبن وأعلاه دم الكبد [فما كان] على هذه الأصناف الثلاثة يقسم فيجري الدم في العروق، ويجري اللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو. ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ﴾ يعني ذلكم أيضاً عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل والأعناب ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ﴾ الكناية في قوله: ﴿منه﴾ عائدة إلى المذكورين. ﴿سَكَراً ورزقاً حسناً﴾. قال قوم: السكر: الخمر، والرزق الحسن: الخل والعنب والتمر والزبيب، قالوا: وهذا قول تحريم الخمر، وإلى هذا القول ذهب ابن مسعود وابن عمرو وسعيد بن جبير وأيوب وإبراهيم والحسن ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى والكلبي، وهي رواية عمرو بن سفيان البصري عن ابن عبّاس قال: السكر: ماحرم من ثمرتها، والرزق الحسن: ما حل من ثمرتهما . أما السكر فخمور هذه الأعاجم، وأما الرزق الحسن فما تنتبذون وما تخلّلون وما تأكلون. قال: ونزلت هذه الآية ولم يحرم الخمر يومئذ، وإنما نزل تحريمها بعد ذلك في سورة المائدة . وقال الشعبي: السكر: ما شربت، والرزق الحسن: ما أكلت. وروى العوفي عن ابن عبّاس: أن الحبشة يسمّون الخل السكر. وقال بعضهم: السكر: النبيذ المسكر وهو نقيع التمر والزبيب إذا اشتد، والمطبوخ من العصير وهو قول الضحاك والشعبي برواية مجالد وأبي روق وقول النخعي ورواية الوالبي عن ابن عبّاس، وقيل: هو نبيذ التمر. قال النبي ◌َّر: (الخمر ما اتخذ من العنب، والسكر من التمر، والبتع من العسل، والمزر (١) تفسير الطبري: ١٤ / ١٧٥. ٢٨ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي من الذرة [والبيرا](١) من الحنطة، وأنا أنهاكم عن كل مسكر)) [٦](٢). وقال أبو عبيدة: السكر: الطعم، يقال: هذا سكر لك، أي طعم لك. وأنشد : جعلت عيب الأكرمين سكراً(٣) ﴿إنّ في ذلك لآية لقوم يعقلون وأوحى ربك إلى النحل﴾ أي ألقى [على مسامعها] أو قذف في أنفسها ففهمته، والنحل: زنابير العسل، واحدها نحلة ﴿أنِ اتَّخِذِي مِنَ الچِبَالِ بُيُوتًاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ يبنون، وقال ابن زيد: هو الكرم. ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ ليس معنى الكل العموم وهو كقوله: ﴿وأوتيت من کل شيء﴾ (٤) وقوله: ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها﴾(٥). ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ فأدخلي طرق ربك ﴿ذُلُلا﴾. قال بعضهم: الذلل يعني الطرق، ويقول هي مذللة للنحل. قال مجاهد: [لا يتوعر عليها مكان سلكته]. قال آخرون: الذلل نعت [النحل](٦). قال قتادة وغيره: يعني مطيعة منقادة. ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ أبيض وأحمر وأصفر ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾. يروى أن رجلاً أتى النبي وَ ل # فقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال: ((اسقه عسلاً)) فذهب ثمّ رجع فقال: سقيته فلم يغن عنه شيئاً. فقال عليه الصلاة والسلام: ((إذهب واسقه عسلاً فقد صدق الله وكذب بطن أخيك)) [٧](٧) فسقاه فكأنما نشط من عقال، [رواه] عطية عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري. (١) كذا في المخطوط وهي غير موجودة في المصدر. (٢) مسند أبي يعلى: ١٣ / ٢١٦ بتفاوت. (٣) جامع البيان للطبري: ١٤ / ١٨٢. (٤) سورة النمل: ٢٣. (٥) سورة الأحقاف: ٢٥. (٦) في تفسير الطبري (١٤ / ١٨٤): نعت السبل، ونسبه لمجاهد ثم ذكر على قول: الذلل من نعت النحل، وصوّب الأول (٧) صحيح مسلم: ٧ / ٢٦ وسنن الترمذي: ٣ / ٢٧٦. ٢٩ سورة النحل، الآيات: ٦٥ - ٧٤ وقال مجاهد: ﴿فيه شفاء للناس﴾ أي في القرآن. والقول الأوّل أولى بالصواب وأليق بظاهر الكتاب. روى وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء ما في الصدور. الأعمش عن خيثم عن الأسود قال: قال عبد الله: عليكم بالشفائين: العسل والقرآن. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي فيما ذكرنا ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعتبرون ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ. صبياناً وشباباً وكهولاً ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ﴾ أي أردؤه، يقال منه: (ذل الرجل وفسل، يرذل رذالة ورذولة ورذلته أنا)(١). قال ابن عبّاس: يعني إلى أسفل العمر. مقاتل: وابن زيد: يعني الهرم. قتادة: أرذل العمر سبعون سنة. وروى الأصبغ بن نباتة عن علي (رَُّه) قال: أرذل العمر خمس وسبعون سنة. ﴿لِكِّيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمُ شَيْئاً﴾ أي لا يعقل من بعد عقله الأوّل شيئاً. ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ نظيرها في سورة الحج(٢). ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْض فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ في الرزق ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ من العبيد حتّى يستووا هم وعبيدهم في ذلك، يقول الله جل ثناؤه: فهم لا يرضون أن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقناهم سواء وقد جعلوا عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني. يلزم بهذا المثل الحجة على المشركين، وهذا مثل ضربه الله عزّوجل، فما منكم من يشرك مملوكه في زوجته وقرابته وماله أفتعدلون بالله خلقه وعباده، فإن لم ترض لنفسك هذا فالله أحق أن ينزه من ذلك ولا تعدل به أحدا من عباده وخلقه(٣). عبد الله بن عبّاس: نزلت هذه الآية في نصارى نجران حين قالوا: عيسى ابن الله، يقول: لا يرد المولى على ما ملكت يمينه مما رزق حتّى يكون [المولى والملوك] في المنال شرعاً سواء فكيف ترضون لي مالا ترضون لانفسكم نظيرها في سورة الروم ﴿ضرب لكم مثلاً من أنفسكم﴾(٤) [مثلا تعاينه]. (١) تفسير الطبري: ١٤ / ١٨٦. (٢) سورة الحج: ٥. (٣) انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ١٨٨. (٤) سورة الروم: ٢٨. ٣٠ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي قال ﴿أَفَِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ بالاشراك به. قرأ عاصم: بالتاء على الخطاب، لقوله: ﴿والله خلقكم﴾ ﴿والله فضّل بعضكم على بعض﴾ . وقرأ الباقون: بالياء لقوله: ﴿فهم فيه سواء﴾(١) واختاره أبو عبيد وأبو حاتم: لقرب المخبر منه . ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ يعني أنه خلق من آدم زوجته حوّاء ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. . ابن عبّاس والنخعي وابن جبير وأبو الأضحى: هم الأصهار أختان الرجل على بناته. روى شعبة عن عاصم: بن بهدلة قال: سمعت زر بن حبيش وكان رجلاً غريباً أدرك الجاهلية قال: كنت أمسك على عبد الله المصحف فأتى على هذه الآية قال: هل تدري ما الحفدة، قلت: هم حشم الرجل. قال عبد الله: لا، ولكنهم الأختان. وهذه رواية الوالبي عن ابن عبّاس. وقال عكرمة والحسن والضحاك: هم الخدم. مجاهد وأبو مالك الأنصاري: هم الأعوان، وهي رواية أبي حمزة عن ابن عبّاس قال: من أعانك حفدك. وقال الشاعر: حفد الولائد حولهن وأسلمت بأكفهنّ أزمّة الأجمال(٢) وقال عطاء: هم ولد الرجل يعينونه ويحفدونه ويرفدونه ويخدمونه. وقال قتادة: [مهنة یمتهنونکم] ویخدمونکم من أولا دكم. الكلبي ومقاتل: البنين: الصغار، والحفدة: كبار الأولاد الذين يعينونه على عمله. مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عبّاس: إنهم ولد الولد. ابن زيد: هم بنو المرأة من الزوج الأوّل. وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس: هم بنو امرأة الرجل الأوّل. وقال العتبي: أصل الحفد: مداركة الخطر والإسراع في المشي. (١) سورة النحل: ٧١. (٢) لسان العرب: ٣ / ١٥٣ وتفسير الطبري: ١٤ / ١٩٠. ٣١ سورة النحل، الآيات: ٧٥ - ٧٨ فقيل: لكل من أسرع في الخدمة والعمل: حفدة، واحدهم حافد، ومنه يقال في دعاء الوتر: إليك نسعى ونحفد، أي نسرع إلى العمل بطاعتك. وأنشد ابن جرير [للراعي]: كلفت مجهولها نوقاً يمانية إذا الحداة على أكسائها حفدوا(١) ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطََِّّاتِ أَبِالْبَاطِلٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . قال ابن عبّاس: بالأصنام. ﴿وَبِنِعْمَةِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ يعني التوحيد الباطل فالشيطان أمرهم بنحر البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ﴿وبنعمة الله﴾ بما أحلّ الله لهم ﴿هم يكفرون﴾ يجحدون تحليله. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمْوَاتِ﴾ يعني المطر ﴿والأرض﴾ يعني النبات. ﴿شيئاً﴾، قال الأخفش: هو بدل من الرزق وهو في معنى: ما لا يملكون من الرزق شيئاً قليلاً ولا كثيراً . قال الفراء: نصب (شيئاً) بوقوع الرزق عليه. كما قال سبحانه: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتا أحياءً وأمواتاً﴾(٢) أي يكفت الأحياء والأموات. ومثله قوله تعالى: ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة﴾(٣). ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ولا يقدرون على شيء، ﴿فَلا تَضْرِبُوا للهِ الأمْثَالَ﴾ يعني الأشباه والأشكال فيشبهوه بخلقه ويجعلون له شريكاً فإنه واحد لا مثيل له ﴿إنَّ اللهَ يَعْلَمُ﴾ خطأ ما يضربون له من الأمثال ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ صواب ذلك من خطأه. ◌ِ ضَرَّبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّعْلُوَكَا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَن زَزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ بِزَّ وَجَهْرًّاًّ هَلْ بَسْتَوُنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعَلَّمُونَ (٥َ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا زَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَاً أَنْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَئِهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهِهُ لَا بَأَنِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَّ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرٍَّ مُسْنَقِيمٍ (١٨) وَلَِّ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِِّ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَتْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿ وَلَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِّنْ بُطُونِ أَنَّهَنَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَّكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١) تفسير الطبري: ١٤ / ١٩٣، لسان العرب: ١ / ١٣٨. (٢) سورة المرسلات: ٢٥ - ٢٦. (٣) سورة البلد: ١٤ - ١٥ . ٣٢ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي ثمّ ضرب الله تعالى مثلا المؤمن والكافر فقال عز من قائل: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ هو مثل الكافر رزقه الله مالاً فلم يقدّم خيراً ولم [يعمل] فيه بطاعة الله تعالى ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً﴾ هو مثل المؤمن أعطاه الله مالاً فعمل فيه بطاعة الله وأنفقه فيما يرضي الله سراً وجهراً فأثابه الله على ذلك النعيم المقيم في الجنة ﴿هَلْ يَسْتَؤُونَ﴾ ولم يقل يستويان لمكان (من) لأنه اسم مبهم يصلح للواحد، والاثنين، والجميع، والمؤنث، والمذكر، وكذلك قوله: ﴿ويعبدون من دون الله مالا يملك لهم رزقاً ﴾ ثمّ قال: ﴿ولا يستطيعون﴾ بالجمع لأجل (ما) ومعنى الآية: هل يستوي هذا الفقر والبخل والغنى [والسخاء] فكذلك لا يستوي الكافر العاصي المخالف لأمر الله والمؤمن المطيع له. روى ابن جريج عن عطاء: ﴿عبداً مملوكاً﴾ قال: هو أبو جهل بن هشام ﴿ومن رزقناه منا رزقاً حسناً﴾ أبو بكر الصديق (رپله). ثمّ قال: ﴿الحَمْدُ للهِ بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ يقول الله تعالى: ليس الأمر كما يفعلون ولا القول كما يقولون، ماللأوثان عندهم من يد، ولا معروف فيحمد عليه، إنما الحمد هو الكامل لله خالصاً، لأنه هو المنعم والخالق والرازق ولكن أكثر هؤلاء الكفرة لا يعلمون أنها كذلك. ثمّ ضرب مثلاً آخر بنفسه والأصنام فقال: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على مولاه أيْنَمَا يُوَجِّهْهُ﴾ يرسله ﴿لا يَأْتِ بِخَيْر﴾ لأنه لا يفهم ما يقال، ولا يفهم عنه . وقال ابن مسعود: أينما توجهه لا يأت بخير، هذا مثل للصنم الذي لا يسمع ولا ينطق ولا يعقل ولا يفعل وهو كَلّ على [عائده] يحتاج أن يحمله ويضعه ويخدمه ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ يعني الله قادر متكلم بأمر التوحيد فليس كصنمكم، فإنه لا يأمر بالتوحيد ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ . قال الكلبي: يعني وهو يدلكم على صراط مستقيم، وقيل: هو رسول الله وَل وهو على صراط مستقيم . قال الكلبي: يعني وهو يدلكم على صراط مستقيم. آخر: ومن قال: كل المسلمين المؤمن والكافر، وهي رواية عقبة عن ابن عبّاس. وروى إبراهيم بن عكرمة بن يعلي بن منبّه عن ابن عبّاس قال: نزلت هذه الآية في عثمان ابن عفان (رضُّه) ومولاه. وكان عثمان ينفق عليه ويكفيه المؤنة وكان مولاه يكره الإسلام [ويأباه وينهاه عن]الصدقة ويمنعه من النفقة. وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في هاشم بن عمرو بن الحرث بن ربيعة القرشي وكان رجلاً قليل الخير يعادي رسول الله وَله . ٣٣ سورة النحل، الآيات: ٧٩ - ٨٣ وقال عطاء: [الأبكم أبي بن حلف] ومن يأمر بالعدل حمزة وعثمان بن عفان وعثمان بن مظعون . ﴿وَللهِ غَيْبُ السَّمْوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾ في قريب كونها وسرعة قيامها ﴿إلاَّ كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ [كالنظر في البصر](١) ورجع الطرف؛ لأن ذلك هو أن يقال له: كن فيكون، ﴿أوْ هُوَ أَقَّرَبُ﴾ بل هو أقرب ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ نزلت في الكفار الذين استعجلوا القيامة إستهزاء منهم. ﴿وَاللهُ أخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ . قرأ الأعمش: ﴿إمهاتكم﴾ بكسر الألف والميم. وقرأ حمزة والكسائي بكسر الألف وفتح الميم. وقرأ الباقون بضم الألف وفتح الميم. ١ وأصل الأمهات: أمات، فزيدت الهاء للتأكيد كما زادوها في أهرقت الماء وأصله أرقت ﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ هذا كلام تام. ثمّ ابتدأ فقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ﴾ لأن الله تعالى جعل العباده السمع] والأبصار والأفئدة قبل إخراجهم من بطون أمهاتهم وإنما [أعطاهم العلم] بعد ما أخرجهم منها ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمه. أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْظَيْرِ مُسَخَّرَتٍ فِ جَوِّ الَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَبَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿﴿ وَلَّهُ جَعَلُ لَكُم مِّنْ يُونِكُمْ سَكَنا وَجَعَلَ لَكُمُ مِنْ جُودِ الْأَنْمِ بُنَا تَسْتَحِقُونَهَا يَوْمَ طَعْيَكُمْ وَيَوْمَ إِنَّامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثْنَا وَمَنَعَا إِلَّ ◌ِينِ ﴿٨َ وَاللَّهُ جَعَلَ لَّكُمْ مِنَّا خَلَقَ ◌ِلَلًا وَجَعَلَ لَّكُمْ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَنَّا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرِّيِلَ تَفِيكُمُ الْحَزَّ وَسَرَّبِيلَ تَفِيكُم بِأَسَكُمْ كَذَلِكَ يُّهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴿﴿ فَإِن نَوَلَوْ فَإِنَّا عَلَ الْبَغُ اَلْمُّبِيِنُ ٨٢ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُكِرُونَهَا رَأَكْتُهُمُ الْكُفِرُونَ ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾. قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة ويعقوب بالتاء. وقرأ عاصم بضمر التاء. واختاره أبو عبيد لما قبلها . ﴿إِلَى الظَّيْرِ مُسَخَّرَات﴾ مذللات ﴿فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ أي في الهواء بين الأرض والسماء (١) هكذا في الاصل. ٣٤ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ في الهواء ﴿إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ التي هي من الحجر والمدر ﴿سَكَناً﴾ مسكناً تسكنونه. قال الفراء: السكن: الدار، والسكن بجزم الكاف: أهل البلد. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتاً﴾ يعني الخيام والقباب والأخبية [والفساطيط من الأنطاع] والأدم وغيرها ﴿تَسْتَخِقُونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ رحلكم وسفركم ﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ في بلادكم [لا يثقل] عليكم في الحالتين. واختلف القرّاء في قوله: ﴿يوم ظعنكم﴾. فقرأ الكوفيون بجزم العين، وقرأ الباقون: بفتحه. وإختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لأنه [أشهر] اللغتين وأفصحهما. ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ يعني أصواف الضان وأوبار الإبل وأشعار المعز. والكنايات كلها راجعة إلى الأنعام. ﴿أَثَاثاً﴾ قال ابن عبّاس: مالا(١)، مجاهد: [متاعاً]. حميد بن عبد الرحمن: [أثاثاً يعني](٢) الأثاث: المال أجمع من الإبل والغنم والعبيد، والمتاع غيره هو متاع البيت من الفرش والأكسية وغيرها ولم يسمع له واحد مثل المتاع. وقال أبو زيد: واحد الأثاث أثاثة. قال الخليل: أصله من الكثرة واجتماع بعض المتاع إلى بعض حتّى يكثر ومنه شعر الشعراء كثر وأثّ شعر فلان أي إذا كثر والتف. قال أمرؤ القيس : أثيث كقنو النخلة المتعال(٣) قال محمّد بن نمير الثقفي في الأثاث: بذي الزي الجميل من الأثاث (٤) أهاجتك الظعائن يوم بأتوا ﴿وَمَتَاعاً﴾ [بلاغاً] تنتفعون بها ﴿إِلَى حِين﴾ يعني الموت. وقيل: إلى حين يبلى ويفنى. ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالا﴾ تستظلون بها من شدة الحر وهو ظلال الأشجار والسقوف والأبنية ﴿ومِنَ الجِبَالِ أكْتَاناً﴾ يعني الغيران والأسراب والمواضع التي تسكنون فيها واحدها كنّ ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ﴾ قمصاً من الكتان والقطن والخز والصوف ﴿تَقِيكُمُ﴾ تمنعكم. (١) في تفسير القرطبي: ١٠ / ١٥٤ ثياباً. (٢) هكذا في الاصل. (٣) لسان العرب: ٢ / ١١٠ ومطلعه: وفرع يزين المتن أسود فاحم. (٤) معجم البلدان للحموي: ٥ / ٢٩٨. ٣٥ سورة النحل، الآيات: ٧٩ - ٨٣ ﴿الحَرَّ﴾. [وقال] أهل المعاني: [أراد] الحر والبرد فأكتفى بأحدهما عن الآخر بدلالة الكلام عليه نظيره قوله: ﴿إن علينا للهدى﴾(١) يعني الهدي والإضلال. ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ يعني الدروعِ ولباس الحرب والمعنى: تقيكم في بأسكم السلاح أن يصل إليكم ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ يخضعون له بالطاعة ويخلصون له بالعبادة. وروى نوفل بن أبي [عقرب] عن ابن عبّاس أنه قرأ: (يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون) بالفتح، يعني من الجراحات. قال أبو عبيد: الاختيار قراءة العامّة، لأن ما أنعم الله علينا في الإسلام أكثر من إنعامه علينا في السلامة من الجراح. وقال عطاء الخراساني في هذه الآية: إنما أنزل القرآن على قدر معرفتهم ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وجعل لكم من الجبال اكناناً﴾ وما جعل لكم من السهول أعظم وأكثر ولكنهم كانوا أصحاب جبال. وقال: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها﴾ وما جعل لهم من غير ذلك أعظم وأكثر ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر. الا ترى إلى قوله: ﴿وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء﴾(٢) وما ينزل من [الثلج] أعظم وأكثر ولكنهم كانوا لا يعرفونه، ألا ترى إلى قوله: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ وما يقي من البرد أعظم وأكثر ولكنهم ظلوا أصحاب حر. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ * يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ﴾. قال السدي : یعني محمد ٹلتر ﴿ُمَّ یُنكِرُونَهَا﴾ یکذبون ويجحدون نبوّته. قال مجاهد: يعني ما عدد عليهم في هذه السورة من النعم ينكرون ذلك فيزعمون أنهم ورثوا ذلك عن آبائهم، وبمثله قال قتادة(٣). وقال الكلبي: وإن رسول الله وَّلل ذكر هذه النعم لهم فقالوا: نعم هذه كلها من الله تعالى ولكنها بشفاعة آلهتنا. وقال عون بن عبد الله: هو قول الرجل لولا فلان لكان كذا، لولا فلان ما أصبت كذا . (١) سورة الليل: ١٢. (٢) سورة النور: ٤٣ . (٣) تفسير القرطبي: ١٠ / ١٦١. ٣٦ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الكَافِرُونَ﴾ الجاحدون. وَإِذَا رَءَا وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلّ أُمََّ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْدَّثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْنُونَ الَّذِينَ ظَلَمُوْ اَلْعَذَابَ فَلَا يُحَفَّهُ عَنَهُمْ وَلَا هُمْ يُظَرُونَ ﴿٨َّ وَإِذَا رَهَا الَّذِينَ أَشْرَكُوْ شُرَكَةَ هُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَآَنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُواْ مِن دُونِكٌ فَأَلْقَوْاْ إِلَّيْهِمُ الْقَوَّلَ إِنَّكُمْ لَكَذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْ إِلَى اللَّهِ يَوْمَِّذٍ السَّلَمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (َ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَذُواْ عَنْ سَيِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْنَ اَلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ (٨) وَيَوْمَ تَبَعَثُ فِ كُلِّ أَنَّذِ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِمِّ وَجِثْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَوَّلاً، وَزَّلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَبَ يَنْيَنَا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَّى وَرَحْمَةً وَإِثْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّة شَهِيداً﴾ يعني رسولها ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في الاعتذار ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يسترضون، يعني لا يكلّفون أن يرضوا ربهم لأن الآخرة ليست بدار تكليف، ولا يتركون للرجوع إلى دار الدنيا [فيتوبون] ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا ﴿العَذَابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ يؤخّرون ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ يوم القيامة ﴿شُرَكَاءَهُمْ﴾ أوثانهم ﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾ أرباباً ونعبدهم ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ القَوْلَ﴾ أي قالوا لهم، يقال: ألقيت إليك كذا، يعني: قلت لك ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في تسميتنا آلهة ما دعوناكم إلى عبادتنا ولا علمنا بعبادتكم إيانا ﴿وَأَلْقَوْا﴾ يعني المشركين ﴿إِلَى اللهِ يَوْمَئِذ السَّلَمَ﴾ استسلموا وانقادوا لحكمه فيهم ولم تغن عنهم آلهتهم شيئاً ﴿وَضَلَّ﴾ زال ] .. ](١) ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من إنها تشفع لهم. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فَوْقَ العَذَابِ﴾ . روى عبد الله بن مرة عن مسروق قال: قال عبد الله: ﴿زدناهم عذاباً فوق العذاب﴾، قال: عقارب لها أنياب أمثال النخل الطوال، ابن عبّاس وَمقاتل: يعني خمسة أنهار من صفر مذاب كالنار يسيل من تحت العرش، يعذبون بها ثلث على مقدار الليل وثلثان على مقدار النهار. سعيد بن جبير: حيّات أمثال البخت وعقارب أمثال البغال تلسع إحداهن اللسعة يجد صاحبها حمّتها أربعين خريفاً . وقيل: إنهم يخرجون من حر النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة الزمهرير إلى النار. ويقال: هو أنهم يحملون أثقال أتباعهم. كما قال الله تعالى ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالھم﴾(٢). (١) كلام غير مقروء. (٢) سورة العنكبوت: ١٣. ٣٧ سورة النحل، الآيات: ٨٤ - ٨٩ ويقال: إنه يضاعف لهم العذاب. ﴿بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ في الدنيا من الكفر وصد الناس عن الإيمان ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّة شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ يعني عليها، وإنما قال: ﴿من أنفسهم﴾ لأنه كان يبعث إلى الأُمم أنبياءها منها ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ يا محمّد ﴿شَهِيداً عَلَى هَؤُلاءِ﴾ الذين بُعثت إليهم ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه من الأمر والنهي، والحلال والحرام، والحدود والأحكام ﴿وَهُدىًّ وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾، ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ يعني بالإنصاف ﴿وَالإِحْسَانِ﴾ إلى الناس، الوالبي عن ابن عبّاس: العدل: التوحيد، والإحسان أداء الفرائض. [وقيل:] العدل: شهادة أن لا إله إلّ الله، والاحسان: الاخلاص فيه. عطاء عنه: العدل: مصطلح الأنداد، والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، مقاتل: العدل: التوحيد، والإحسان: العفو عن الناس، وقيل: العدل في الأفعال والإحسان في الأقوال. كقوله: ﴿وقولوا للناس حسناً﴾(١). ﴿وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى﴾ صلة الرحم ﴿وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ﴾ القبيح من الأقوال والأفعال. وقال ابن عبّاس: الزنا. ﴿وَالمُنكَرِ﴾ ما لا يُعرف في شريعة ولا سنّة ﴿وَالبَغْيِ﴾ الفسق والظلم. وقال ابن عيينة: [والعدل في مستوى] السر والعلانية. والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته. والفحشاء أن تكون علانيته أحسن من سريرته. ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون. قتادة: إن الله تعالى أمر عباده بمكارم الأخلاق ومعاليها، ونهاهم عن سفاسف الأخلاق ومذاقها . وقال ابن مسعود: وأجمع آية في القرآن هذه الآية. شهر بن حوشب عن ابن عبّاس قال: بينما رسول الله وَّل بفناء بيته بمكة جالساً إذ مرَّ به عثمان بن مظعون فكسر إلى رسول الله وَله، فقال له رسول الله: ((ألا تجلس)) [٨] قال: بلى، فجلس إلى رسول الله ﴿ مستقبله فبينما هو يحدّثه إذ شخص رسول الله له بصره إلى السماء فنظر ساعة فأخذ يضع بصره حتّى وقع على يمينه في الأرض فتحرّف رسول الله بَّر عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره فأخذ ينغض رأسه كأنّه يستفهم شيئاً يقال له، ثمّ شخص رسول الله ◌َو بصره إلى السماء كما شخص أول مرة فأتبعه بصره حتّى توارى في السماء فأقبل إلى (١) سورة البقرة: ٨٣. ٣٨ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي عثمان كحالته الأولى، فقال: يا محمّد فيما كنت أُجالسك ما رأيتك تفعل فعلتك لغداة؟ قال: ((وما رأيتني فعلت))؟ قال: رأيتك تشخص بصرك إلى السماء ثمّ وضعته على يمينك فتحرّفت إليه وتركتني، فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفهم شيئاً يقال لك. فقال: ((أو فطنت إلى ذلك))؟ قال: نعم، قال: ((أتاني رسول الله جبرائيل آنفاً وأنت جالس)) قال: نعم: فماذا قال: لك؟ قال: قال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ إلى آخره. قال عثمان: فذلك الحين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً وَليٍ(١). وروى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن النبي ◌َّ أنه قرأ على الوليد بن المغيرة ﴿إِنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدْلِ﴾ إلى آخر الآية، قال له: يابن أخ أعد، فأعاد عليه. فقال: إن له والله لحلاوة وإن عليه لطلاوة فإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وما هو بقول بشر، ثمّ لم يسلم، فأنزل الله فيه: ﴿وأعطى قليلاً وأكدى﴾(٢) .. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ تشديدها [ويحنثوا فيها]، والتوكيد لغة أهل الحجاز، أمّا أهل نجد فإنهم يقولون: أُكّدت تأكيداً ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ بالوفاء ﴿إنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية وإن كان حكمها عاماً. فقال بعضهم: نزلت في الذين بايعوا رسول الله وَ لّ أمرهم الله بالوفاء بها. وقال مجاهد وقتادة: نزلت في حلف أهل الجاهلية. ثمّ ضرب جلّ ثناؤه مثلاً لنقض العهد، فقال عز من قائل: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ أي من بعد إبرامه وإحكامه، وكان بعض أهل اللغة يقول: القوة ما غزل على طاقة واحدة ولم يثن. الكلبي ومقاتل: هي امرأة خرقاء حمقاء من قريش يقال لها: ريطة بنت عمرو بن سعد بن كعب بن زيد مناة بن تميم كانت اتخذت مغزلاً بقدر ذراع وصنارة مثل الإصبع وفتل عظمة على قدرها وكانت تغزل من الصوف والشعر والوبر وتأمر جواريها بذلك فكنّ يغزلنّ من الغداة إلى نصف النهار، فإذا إنتصف النهار أمرت جواريها بنقض جميع ما غزلن فهذا كان دأبها . وقوله ﴿أنكاثاً﴾ يعني أنقاضاً واحدتها نكثة، وهو كل ما نقض بعد الفتل غزلاً كان أو حبالاً ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ أي دخلاً وخيانة وخديعة. قال أبو عبيدة: كل أمر لم يكن صحيحاً فهو دخل. (١) أسباب النزول للواحدي: ١٨٩. (٢) سورة النجم: ٣٤. ٣٩ سورة النحل، الآيات: ٩٠ - ١٠٠ ﴿أَنْ تَكُونَ﴾ أي لأن تكون ﴿أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَى﴾ أكثر وأجلّ ﴿مِنْ أُمَّةِ﴾. قال مجاهد: ذلك أنهم كانوا يحالفون الحلف فيجدون أكبر منهم وأعز ويستيقنوه فيحلف هؤلاء ويحالفون الأكثر فنهاهم الله تعالى عن ذلك ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ﴾ يختبركم بأمره إياكم بالوفاء بالعهد ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ في الدنيا ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على ملّة واحدة، ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ بخذلانه إياهم عدلا منه فيهم ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ بتوفيقه إياهم فضلاً منه ﴿وَلَتُسْألُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . إِنَّ اللَّهُ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِنَابِ ذِى الْقُرْفَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُكَرِ وَالْبَغِيَّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ وَلَا نَنقُضُواْ الْأَتْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ بَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴿٢) وَلَا تَكُونُواْ كَلَّتِى نَفَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْحِكَنَا لَتَّخِذُونَ أَيْمَتَّكُمْ دَخَلَا بَيْنَّكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَّ أَرْبَى مِنْ أَمَّةٍّ إِنَّمَا يَلُوكُمُ اللَّهُ بِّ. وَلَيْنََّنَّ لَكُمْ يَوْمَ أَلْقِيَمَةِ مَا كُنْتُمْ فِهِ تَِّفُونَ ﴿٢َ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَّكُمْ أُمَّةً وَجِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُ مَنْ وَلَا تَّخِذُوَاْ أَيْمَتَّكُمْ دَخَلَا بَيْنَحِكُمْ فَزِلَ قَدَمٌ يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَدَةٍ وَلَتُخَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ بَعْدَ نَبُوِهَا وَتَّذُوقُواْ أَلْسُوَهَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٨٦) وَلَا تَشْتَُّواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنَّا فَلِلَّاً إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ حِكُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٥) مَا عِنْدَكُمُ يَفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَانٍّ وَلَنَحْرِيَنَّ الَّذِينَّ صَبَرُوَاْ أَجْرَهُ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَحْبِيَنَّهُ حَيَّوَةٌ طِّبَةً وَلَجْرِنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٦) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّبْطَنِ الرَّحِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَمُ سُلْطَقُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَيْهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩ سُلْطَنِيُ عَلَى الَّذِينَ يَتَّوَلَوَّنَهُ وَالّذِينَ هُم بِهِ. مُشْرِكُونَ ١٠٠ ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا﴾ خديعة وفساداً ﴿بَيْنَكُمْ﴾ يغرون بها الناس فتسكنون إلى إيمانكم ويأمنون ثمّ ينقضونها ويختلفون فيها ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ فتهلكوا بعد ما كنتم آمنين، والعرب تقول لكل مبتل بعد عافية أو ساقط في ورطة بعد سلامة: زلّت قدميه. كقول الشاعر: سيمنع منك السبق إن كنت سابقاً وتلطع إن زلت بك القدمان(١) ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ العذاب ﴿بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدٍ اللهِ ثَمَناً قَلِيلًا﴾ يعني ولا تنقظوا عهودكم تطلبون بنقضها عوضاً قليلاً من الدنيا، ولكن أوفوا بها (١) جامع البيان للطبري: ١٤ / ٢٢١ وفيه: النعلان بدل: القدمان، تفسير القرطبي: ١٠ / ١٧٢، وفيه وتقتل بدل وتلطع . ٤٠ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي فإنما عند الله من الثواب لكم على الوفاء بذلك ﴿خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فصل ما بين العوضين ثمّ بين ذلك ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقَ وَلَنَجْزِيَنَّ﴾ بالنون عاصم. الباقون بالياء. ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الوفاء في السرّاء والضراء ﴿أجْرَهُمْ بِأحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ دون أسوأها ويغفر سيئاتهم بفضله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَر أوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ اختلفوا فيها : فقال سعيد بن جبير وعطاء والضحاك: هي الرزق الحلال، وهو رواية ابن أبي مالك وأبي الربيع عن ابن عبّاس. وقال الحسن وعلي وزيد و وهب بن منبه: هي القناعة والرضا بما قسم الله، وهذه رواية عكرمة عن ابن عبّاس. وقال مقاتل بن حيان: يعني أحسن في الطاعة، وهي رواية عبيد بن سليم عن الضحاك، فقال: من يعمل صالحاً وهو مؤمن في فاقة أو ميسرة فحياة طيبة. ومن أعرض عن ذكر الله فلم يؤمن ولم يعمل عملاً صالحاً فمعيشة ضنك لا خير فيها . أبو بكر الوراق: هي حلاوة الطاعة. الوالبي عن ابن عبّاس: هي السعادة، مجاهد وقتادة وابن زيد: هي الجنة، ومثله روي عن الحسن وقال: لا تطيب الحياة لأحد إلاّ في الجنة. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال أبو صالح: جلس ناس من أهل التوراة وأهل الإنجيل وأهل الأوثان، فقال هؤلاء: نحن أفضل، وقال هؤلاء: نحن أفضل، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية ﴿فَإِذَا قَرَأتَ القُرْآنَ﴾ يعني فإذا كنت قارئاً للقرآن ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. قال محمّد بن جرير، وقال الآخرون: مجازه: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ، كقوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾(١) الآية، أي الطهارة مقدمة على الصلاة، وقوله: ﴿وإذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾(٢) معناها وإذا أردتم تطليق النساء لأنه محال أن يأمرهم بالتطليق المعين بعد ما مضى التطليق. وأما حكم الآية: فاعلم أن الاستعاذة عند قراءة القرآن مستحبة في الصلاة وغير الصلاة، هذا قول جماعة الفقهاء إلّ مالكاً، فإنه لا يتعوذ إلاّ في قيام رمضان، واحتج بما روي أن النبي ◌ّ و كان يفتتح الصلاة بالحمد لله رب العالمين، وإنما تأويل هذا (١) سورة المائدة: ٦. (٢) سورة الطلاق: ١.