Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ سورة الرعد، الآيات: ١١ - ١٤ وأنشد أبو عبيدة للأعشى: ـد غزير الندي شديد المحال(١) فرع نبع يهتز في غصن المجـ وقال الآخر: أعد له الشغازب والمحالا (٢ ولبس بين أقوام كلّ ﴿له﴾ لله عزّ وجلّ ﴿دعوة الحق﴾ الصدق وأضيفت الدعوة إلى الحق لاختلاف الإسمين وقد مضت هذه المسألة. قال علي (ره): دعوة الحق التوحيد. ابن عباس (رَبُّه): شهادة أن لا إله إلّ الله. ﴿والذين يدعون من دونه﴾ يعني المشركين الذين يعبدون الأصنام من دون الله ﴿لا يستجيبون لهم بشيء﴾ يريدونه منهم من نفع أو دفع ﴿إلّ كباسط كفيه إلى الماء﴾ إلاّ كما ينفع باسط كفيه إلى الماء من العطش يبسطه إياهما إليه يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبداً . علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هذا مثل لمشرك عبد مع الله غيره، فمثله كمثل الرجل العطشان الذي نظر إلى خياله في الماء من بعيد فتصور أن يتناوله فلا يقدر عليه، عطية عنه يقول: مثل الأوثان التي يعبدون من دون الله كمثل رجل قد بلغه العطش حتى كربه الموت وكفاه في الماء وقد وضعهم الا يبلغان تناوله. الضحاك عنه يقول: كما أنّ العطشان إذا يبسط كفيه إلى الماء لا ينفعه ما لم يحفظهما ويروي بهما الماء ولا يبلغ الماء فاه مادام باسط كفيه إلى الماء ليقبض على الماء؛ لأن القابض على الماء لا شيء في يده. قال ضاني بن الحرث المزني: فإني وأيّاكم وشوقاً إليكم كقابض ماء لم تسقه أنامله (٣) وقال الشاعر: من الود مثل القابض الماء باليد(٤) وأصبحت مما كان بيني وبينها ﴿وما دعاء الكافرين﴾ أصنامهم ﴿إلاّ في ضلال﴾ يضل عنهم إذا أحتاجوا إليه. (١) لسان العرب: ١١ / ٦١٩. (٢) لسان العرب: ١١ / ٦١٩، والبيت لذي الرملة. (٣) تفسير الطبري: ١٣ / ١٧٠، ولسان العرب: ١٠ / ٣٧٩. (٤) المصدر السابق، وسيرة ابن هشام: ٢ / ٤٦٤. ٢٨٢ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: ما دعاء الكافرين ربهم إلاّ في ضلال؛ لأن أصواتهم تحجب عن الله تعالى. وَلِلَّهِ تَسْجُدُ مَن فِ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طُوَّعًا وَكَرْهَا وَظَلَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَاَلَّصَالِ ﴾ ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَّتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَخَذْتُ مِن دُونِ: أَوْلِيَاءَ لَا يَعْلِكُونَ لِأَنِْعْ نَفْعَا وَلَا مَّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَىِ وَالَصِيرُ أَمْ هَلْ نَسْتَوِى الظُّلْمَتُ وَالْتُوَرُ أَمْ جَعَلُوْ لِلَّهِ شُرَكَّةٍ خَلَقُواْ كَخَلْفِهِ، فَتَهُ الْخَلْنُ عَلَيْهِمَّ قُلِ لَهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ الْوَجِدُ الْفَهَرُ ﴿ أَنْزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَ فَسَالَتْ أَوْدِيَّةُ بِقَدَرِهَا فَأَحْتَمَلَ اَلَّيْلُ زَبَّدًا زَّابِيَا وَمِنَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النَّارِ أَبْغَاءَ عِيَّةٍ أَوْ مَعِ زَبَدٌ مِثْلُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقِّ وَالْبَعِلَّ فَأَمَّا ٩٨٧ : ٠ ج = غ ؟ ز ، آَ أْ وِ ﴿ذَ لِلَّذِينَ أَسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمُ الْحُسْىِّ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لََّفْتَدَوْ بِهِمْ أُوْلَكَ لَهُمْ سُوَهُ أَلْحِسَابِ وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّ وَيِنْسَ اِهَادُ ﴿َ) ﴿ أَنْ يَعْلَمُ أَنَّ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ أَلَىُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَّ إَِّا يَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبِ (١٤) الَّذِنَّ يُونُونَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمْرَ اللَّهُ بِهِ: أَنْ يُوصَّلَ وَيَخْشَوْتَ رَهُمْ وَيَخَافُونَ سُوَءَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنَقُضُونَ الْمِشَقَ (٣َّ الْحَابِ (َ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ أَبْتِعَةَ وَجْهِ رَبِهِمْ وَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِنَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّاً وَعَلَايَّهُ وَيَدْرَءُونَ بِالْمَنَّةِ السََّةَ أُوْلَئِكَ لَمْ عُقْبَ الدَّارِ ﴿١٣ حَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُهَا وَمَنِ صَلَحَ مِنْ ءَآِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَدُرِّنَّتِهِمْ وَالْمَلَئِكَةُ يَدْخُونَ عَيْهِم مِّنْ كُلِّ بَاٍ ﴿َ سَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبٌَّ فَعْمَ عُقْىَ الدَّارِ ﴿٨َ وَالَّذِينَ يَنَفُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ اَللَّهُ ٢٥ مِنَِّهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، أَنْ يُوَصَّلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ أُلَكَ لَهُ الَّْنَةُ وَّمْ سُوَهُ اَلَّارِ يَشْعُ اَلْرَّزْقَ لِمَنْ بَّهُ وَيَقْدِرُ وَفَرُِّواْ بِالَّْوَةِ الذّْنَا وَمَا الََّةُ الدُّنْيَا فِىِ الْآَخِرَةِ إِلَّ مَتَعُ (٣٦) وَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاً أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّهُ. قُلْ إِنَ الَهَ يُضِلُ مَن يَشَاءُ وَهْدِىَ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (َا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَِّنُّ فُلُوبُهُمْ بِذِكَرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْعَبْنُّ الْقُلُوبُ ﴿٣) الَّذِينَ ءَآَمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ طُوبَى ٢٩ لَهُمْ وَحُسْنُ مَثَابٍ ﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض﴾ يعني الملائكة والمؤمنين ﴿طوعاً وكرهاً﴾ يعني المنافقين والكافرين الذين أكرهوا على السجود بالسبعة. وروى ابن المبارك عن سفيان قال: كان ربيع بن هشيم إذا قرأ هذه الآية قال: بل طوعاً يا رباه . ﴿وضلالهم بالغدو والآصال﴾ يعني ضلال الساجدين طوعاً أو كرهاً يسجد لله حين يقي ضلل أحدهم عن يمينه أو شماله. قال ابن عباس: نظيرها في النحل. ٢٨٣ سورة الرعد، الآيات: ١٥ - ٢٩ قال الكلبي: إذا سجد بالغدو أو العشي سجد معه ظله. وقال مجاهد: ظل المؤمن يسجد طوعاً وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعاً وهو كاره، والأصال جمع أُصل، والأُصل جمع الأصيل وهو العشاء من العصر إلى غروب الشمس. ﴿قل من رب السماوات والأرض﴾ أي خالقهما ومدبرهما فسيقولون الله ولابد لهم من ذلك فإذا أجابوك ﴿قل﴾ أنت أيضاً ﴿الله﴾ ثم قيل لهم إلزاماً للحجة ﴿قل أفاتخذتم من دونه أولياء﴾ يعني الأصنام يعبدونها من دون الله وهي لا تملك لأنفسها نفعاً ولا ضراً ثم نصرف لهم الأفعال ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير﴾ وكذلك لا يستوي الضال والمؤمن المهتدي. وقرأ الأعمش وعاصم وحمزة والكسائي: ﴿أم هل تستوي الظلمات والنور﴾ بالياء. الباقون: بالتاء واختاره أبو عبيد قال: لأنه يحصل من اسم المؤنت ومن الفعل مقابل والظلمات والنور مثل الكفر والإيمان ﴿أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم﴾ فأصبحوا لا يدرون أمن خلق الله هو أو من خلق آلهتهم ﴿قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار﴾ .](١) للحق والباطل مثلين. فقال عزمن قائل ﴿أنزل﴾ هو ﴿من السماء﴾ يعني ... ] المطر ﴿ماءً فسالت أودية بقدرها﴾ الكبير بقدره والصغير بقدره ﴿فاحتمل السيل﴾ الذي حدث على ذلك الماء ﴿زبداً رابياً﴾ حال تعريفها يود الماء فالماء الباقي الصافي النافع هو الحق. والذاهب الزائل الباطل الذي يتعلق بالأشجار وجوانب الأودية والأنهار وهو الباطل ويقال: إن هذا سيل القرآن ينزل من السماء فيحتمل منه القلوب حظها على قدر اليقين والشك والعقل والجهل فهذا مثل الحق والباطل(٢). والمثل الآخر قوله: ﴿ومما يوقدون عليه في النار﴾ . قرأ حميد أبو محجن أبووهب وحمزة والكسائي يوقدون بالياء، واختاره أبو عبيد؛ لقوله تعالى: ﴿ينفع الناس﴾ ولا مخاطبة هاهنا ﴿ابتغاء حلية﴾ أي زينة يتخذونها ﴿أو متاع﴾ وهو ما ينتفع به وكلُّ ما تمتعت به فهو متاع. قال المشعث : تمتع يا مشعث أن شيئاً سبقت به الممات هو المتاع(٣) أراد به جواهر الأرض من الذهب والفضة. والحديد والصفر والنحاس والرصاص، ومنه يستخلص الأشياء مما ينتفع به من الحلي (١) كلمة غير مقروءة. (٢) زاد المسير: ٤ / ٢٣٧. (٣) تفسير الطبري: ١٣ / ١٨٠ وتاج العروس: ٥ / ٥٠٧. ٢٨٤ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي والأواني وغيرهما . ﴿زيد مثله﴾ يقول: له زبد إذا أُنث مثل زبد السيل، والباقي الصافي من هذه الجواهر فيذهب خبثه والزبد الذي لا يبقى ولا ينتفع به مثل الباطل. قال الله تعالى: ﴿كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد﴾ الذي علا السيل. ﴿فيذهب جفاء﴾ سريعاً متفرقاً . قال أبو عمرو: هو من قول العرب: أجفأت القدر النذر وجنات وذلك إذا غلت فأنصب زبدها أو سكنت لم يبقَ منه شيء(١) . وقال القبتي: الجفاء ما رمى به الوادي إلى جنانه. فقال: جفأته إذا صرعه . وقال ابن الأنباري: جفاء يعني بالياً متفرقاً . يقال: جفأت الريح بالغيم إذا فرقته وذهبت به. قال بعضهم: يعني تباعد الأرض. يقال جفأ الوادي وأجفأ إذا نشف. قال الفراء: إنما أراد بقوله جفاء الجفاء لأنه مصدر، قولك جفأ الوادي غناه جفاء فخرج مخرج الاسم وهو مصدر. وكذلك يفعل العرب في مصدر كل ما كان من فعل شيء اجتمع بعضه إلى بعض كالقماش والرقاق والحطام والغنام يخرجه على مذهب الاسم، كما فعلت ذلك في قولهم أعطيته عطاء بمعنى الاعطاء، ولو أُريد من القماش المصدر على الصحة لقيل قمشته قمشاً . ﴿وأما ما ينفع الناس﴾ من العوالق ﴿فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال﴾ تم الكلام على هذا. ثم قال: ﴿للذين استجابوا لربهم﴾ أطاعوه ﴿الحسنى﴾ بالجنة ﴿والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به﴾ يوم القيامة، قال الله ﴿أولئك لهم سوء الحساب﴾ مجازياً بالعقوبة، قال إبراهيم النخعي والزبد. أتدري ما سوء الحساب؟ قلت: لا. قال هو أن يحاسب الرجل على معصية فعلها ويكفر عنه خطيئته، ﴿ومأواهم﴾ في الآخرة ﴿جهنم وبئس المهاد﴾ الفراش والمصير ﴿أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق﴾ .. ] .](٢) فهو كافيه ﴿كمن هو أعمى﴾ عنه لا يعلمه ولا تعمل ﴿إنما يتذكر أُولو الألباب﴾ الخطاب للأصحاب وذوي العقول ﴿الذين يوفون بعهد الله﴾ في أمرهم يعني فرضه عليهم فلاهم يخالفونه إلى ما هم فيه، ﴿ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن (١) تفسير الطبري: ١٣ / ١٨٠. (٢) كلمة غير مقروءة. ٢٨٥ سورة الرعد، الآيات: ١٥ - ٢٩ يوصل﴾ قيل أراد الإيمان بجميع الكتب والرسل ولا يعترفون بها . وقال أكثر المفسرين: يعني الرحم ويقطعونها . الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: اشتكى أبو الدرداء فعاده عبد الرحمن بن عوف. فقال: خيرّهم أو صلهم ما علمت يا محمد. فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله وَل يقول: ((قال الله تبارك وتعالى: أنا الله وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشقتت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته)) [١٤١](١). عن شيبة قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن موهب وأبوه عثمان بن عبد الله، أنهما سمعا موسى بن طلحة يحدث عن أبي أيوب الأنصاري: أنّ رجلا قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال القوم: ماله وماله. فقال النبي ◌َّر: أرب ماله، فقال النبي وَلقر: ((تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم ذرها)) [١٤٢] قال: كأنه كان على . راحلته(٢) عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن كعب قال: والذي فلق البحر لبني إسرائيل إنّ في التوراة لمكتوباً يابن آدم اتق ربك وأبرّ والديك وصل رحمك أمدُّ لك في عمرك وأيسّر لك يسرك، وأصرف عنك عسرك(٣). وعن أبي إسحاق عن مغراء العبدي عن عبد الله بن عمرو قال: من اتقى ربه ووصل رحمه نسئ له في عمره وثرا ماله وأحبه أهله (٤) . صالح عن جرير عن برد عن مكحول قال: قال رسول الله وَّيقول: ((اعمل الخير [ليس شيء اطيع الله فيه أعجل ثواباً من صلة] الرحم وليس شيء أعجل عقاباً من البغي وقطيعة الرحم، واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع)) [١٤٣](٥). ﴿والذين صبروا﴾ على طاعة الله وتصبروا عن معصية الله. قاله ابن زيد، وقال ابن عباس: وصبروا على أمر الله. قال عطاء: على الرزايا والمصائب والحوادث والنوائب. أبو عمران الجوني: صبروا على دينهم. (١) مسند أحمد: ١ / ١٩٤ وفيه (بتته) بدل (قطعته) وبتمامه في تفسير القرطبي: ١ / ١٠٤. (٢) صحيح ابن حبان: ٨ / ٣٨. (٣) المصنف لابن أبي شيبة: ٦ / ٩٧. (٤) والأدب الفرد: ٢٤ . (٥) كنز العمال: ٣ / ٣٦٨، الجامع الصغير: ٢ / ٤٥٥. ٢٨٦ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي ﴿ابتغاء وجه الله﴾ طالب يعتصم بالله ويستغفر ربه أن يعصيه ويخالفه في أمره ﴿وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية﴾ يعني الزكاة ﴿ويدرؤون﴾ ويدفعون ﴿بالحسنة السيئة﴾ يقال: درأ الله عنى بشرّك. قال ابن زيد: يعني لا يكافؤون الشر بالشر ولكن يدفعونه بالخير. وقال القتيبي: معناه إذا سفه عليهم حلموا فالسفه السيئة والحلم الحسنة . قتادة: ردوا عليهم معروفاً نظيره ﴿إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾(١). قال الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا أخلصوا عفوا، وإذا قُطعوا وصلوا . ابن كيسان: إذا أذنبوا أيسوا وإذا حرفوا أثابوا ليدفعوا بالتوبة عن أنفسهم فغفر الذنب. فهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك عنه قال: يدفعون بالصالح من العمل الشر من العمل، ويؤيد هذا الخبر المأثور: إن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله أوصني. قال: ((إذا عملت سيئة فاعمل لجنبها حسنة تمحها، السر بالسر والعلانية بالعلانية)) [١٤٤](٢). قال عبد الله بن المبارك: هذه ثماني خلال مشيرة إلى ثمانية أبواب الجنة . أبو بكر الوراق: هذه ثمانية جسور فمن أراد القربة من الله عبرها(٣). ﴿أولئك لهم عقبى الدار﴾ ثم بين فقال: ﴿جنات عدن يدخلونها﴾. قرأه العامة: بفتح الياء وضم الخاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمر: بضم الياء وفتح الخاء. قال عبد الله بن عمير: وإن في الجنة قصراً يقال له عدن حوله البروج والمروج (٤) فيه خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله إلاّ نبي أو صديق أو شهيد (٥). ﴿ومن صلح﴾ لهن ﴿من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم﴾ أهلهم وولدهم أيضاً يدخلونها ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾ فيه آمناً تقديره ويقولون سلام عليكم ﴿بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ . قال مقاتل: يدخلون في مقدار يوم وليلة من أيام الدنيا ثلاث كرات معهم الهدايا والتحف يقولون: ﴿سلام عليكم بما صبرتم﴾ . صالح عن يزيد عن أنس بن مالك: أنّه تلا هذه الآية جنات عدن إلى قوله: ﴿فنعم عقبى (١) سورة الفرقان: ٦٣ . (٢) مجمع الزوائد: ٤ / ٢١٨. (٣) تفسير الثعالبي: ٣ / ٣٦٧. (٤) في الطبري: الروح، وفي مجمع الزوائد (٥ / ١٩٦): الصروح. (٥) كنز العمال ١٥ / ٨٣٤، وتفسير الطبري: ١٠ / ٢٣٢. ٢٨٧ سورة الرعد، الآيات: ١٥ - ٢٩ الدار﴾. ثم قال: إنه جنة من در وفضة طولها في الهواء ستون ميلا ليس فيها صدع ولا وصل منه كل زاوية منها أهل فقال: لها أربعة آلاف مصراع من ذهب يقوم على كل باب سبعون ألف من الملائكة مع كل ملك منهم هدية من الرحمن ليس في مثلها، لا يَعْلُونَ [ .... ] (١) ليس بينهم وبینه حجاب. وروى ابن المبارك عن عقبة بن الوليد قال: حدثنا أرطأة بن المنذر قال: سمعت رجلا من ملجف بالجند يقال له أبو الحجاج يقول: حدثني خالي أبي أمامة فقال: إنّ المؤمن ليكون متكئاً على أريكته إذا دخل الجنة وعنده سماطان من خدم وعند طرف السماطين سور فيقبل الملك، يستأذن فيقول الذي يليه: ملك يستأذن، ويقول الذي يليه: ملك يستأذن كذلك حتى يبلغ المؤمن فيقول: ائذنوا فيقول أقربهم إلى المؤمن: ائذنوا فيقول الذي يليه للذي يليه كذلك حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب فيفتح له فيدخل فيسلم ثم ينصرف(٢). وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَ ل: ((هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((الفقراء والمهاجرون الذين تسدّ بهم الثغور ويتقى بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في نفسه لا يستطيع لها قضاء)) [١٤٥](٣). قال: فيأتيهم الملائكة فيدخلون عليهم من كل باب ﴿سلام عليكم بما صبرتم﴾ . وروى سهيل بن أبي صالح عن محمد بن إبراهيم قال: كان النبي ◌َّ * يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: السلام عليكم بما صبرتم فنعمى عقبى الدار. أبو بكر وعمر وعثمان عليهم السلام كانوا يفعلون كذلك. ﴿والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أُولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار﴾ يعني النار. وقال سعد بن أبي وقاص: هم الحرورية. ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء﴾ يوسع عليه ﴿ويقدر﴾ ويقتر ويضيق ﴿وفرحوا بالحياة الدنيا﴾ يعني فرطوا وجهلوا ما عند الله ويطمعون ﴿وما الحياة الدنيا في الآخرة إلّ متاع﴾ قليل ذاهب قاله مجاهد، وقال عبد الرحمن بن سابط: كزاد الراعي يزود، أهله الكف من التمر أو الشيء من الدقيق أو الشيء يشرب عليه اللبن (٤). (١) كلمة غير مقروءة. (٢) تفسير الطبري: ١٣ / ١٨٦. (٣) مسند أحمد: ٢ / ١٦٨. (٤) تفسير الطبري: ١٣ / ١٨٩. ٢٨٨ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي الكلبي: كمثل السكرجة(١) والقصعة أو القدح والقدر ونحوها ينتفع بها ثم يذهب ﴿ويقول الذين كفروا من أهل مكة ﴿لولا أُنزل عليه آية من ربه قل إنّ الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب﴾ ويرشد الأُمّة إلى طاعته من رجع إليه بقلبه ثم وصفهم فقال ﴿الذين آمنوا﴾ في محل النصب والأمن قبله من ﴿وتطمئن﴾ وتسكن فستأنس ﴿قلوبهم بذكر الله﴾. مقاتل: بالقرآن ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾. قال ابن عباس: هذا في الحلف ويقولها إذا حلف الرجل المسلم بالله على شيء يم سكن قلوب المؤمنین إليه . وقال مجاهد: هم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم). ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ابتداء ﴿طوبى لهم﴾ خبره، وقيل: معناه لهم طوبى فطوبى خبر الابتداء الأول. واختلف العلماء في تفسير ((طوبى)). الوالبي عن ابن عباس: طوبى لهم: فرح وقرة عين لهم، عكرمة: نعم مالهم، الضحاك: غبطة لهم. قتادة: حسنى لهم معمر عنه: هذه كلمة عربية، يقول الرجل للرجل طوبى لكم أي أصبت خيراً . إبراهيم: خير وكرامة لهم. شميط بن عجلان: طوبى يعني دوام الخير. الفراء: أصله من الطيب وإنما جاءت الواو لضم ماقبلها وإتيان بقول العرب: طوباك، طوابى لك. سعيد بن جبير عن ابن عباس: طوبى اسم الجنة بالحبشية. سعيد بن مسجوح: اسم الجنة بالهندية ربيع البستان بلغة الهند (٢). وروى ابن سعيد الهندي عن رسول الله وَّل أنّ رجلا قال له: يا رسول الله ما طوبى؟ قال: ((شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة يخرج من أكمامها)) [١٤٦](٣). وروى معاوية بن مرة عن أبيه قال: قال رسول الله وَله: ((طوبى شجرة غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه تنبت الحلي والحلل وإنّ أغصانها لترى من وراء سور الجنة)) [١٤٧](٤). (١) السكرجة: إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم. (٢) راجع تفسير اقرطبي: ٥٣/٢. (٣) مسند أحمد: ٧١/٣. (٤) كنز العمال: ٣٥٧/١٤ ح ٣٩٢٥٠. ٢٨٩ سورة الرعد، الآيات: ١٥ - ٢٩ وقال أبو هريرة: طوبى شجرة من الجنة [غرسها] الله لها [ثمر] تقتفي لعبدي عياشاً صنعه له من الحلي بسرجها ولحمها وعن الإبل بأنّ تحتها قماشاً من الكسوة. وقال مغيث بن سمي: طوبى شجرة من الجنة، لو أنّ رجلاً ركب قلوصاً جذعاًثم دار بها لم يبلغ المكان الذي ارتحل منه حتى يموت هرماً وما في أهل منزل إلّ فيه غصن من أغصان تلك الشجرة متدلّ يصلهم الماء بالدلاء وإذا أرادوا أن يأكلوا من الثمرة تدلى إليهم فأكلوا منه ما شاؤوا ويجئ عليها الطير أمثال البخت، يعني الطير ويأكلون منه قديداً وشواءً ثم تطير(١). قال عندر بن عمير: هي شجرة في جنة عدن أصلها في دار النبي ◌ّ وفي كل دار وغرفة غصن منها لم يخلق الله لوناً ولا زهرة إلاّ وفيها منها إلاّ السواد ولم يخلق الله فاكهة ولا ثمرة إلاّ وفيها منها ينبع من أصلها عينان الكافور والسلسبيل مقابل كل ورقة منها تظل آمة عليها ملك يسبح الله بأنواع التسبيح (٢). وقال أبو سلام: حدثني عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبيد السلمي يقول: جاء أعرابي إلى النبي ◌َّر فقال: يا رسول الله في الجنة فاكهة؟ قال: ((فيها شجرة تدعى طوبى هي تطابق الفردوس)»(٣). قال: أي شجر أرضنا تشبه؟ قال: ((ليس تشبه شيئاً من شجر أرضك ولكن أتيت الشام)) [١٤٨]، فقال: أتيت الشام يا رسول الله وَ﴾؟ قال: فإنها تشبه شجرة تدعى الجوز ينبت على ساق واحد ثم ينتشر أعلاها. فقال: ما أعظم أصلها . قال: لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتاها هرماً (٤). قال وهب بن منبه: إنّ في الجنة شجرة. قال: الطوبى يسير الراكب في ظلها مائة عام ولا يقطعها زهوها رياط وورقها برود وقضبانها عنبر وبطحاؤها ياقوت وترابها كافور وحملها مسك يخرج من أصلها أنها الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة فبينما هم في مجلسهم إذا أتتهم الملائكة من ربهم يقودون لجامها مزمومة بسلاسل من ذهب وجوهها كالمصابيح حسناً ووبرها كخز المرعزي من لينة، عليها رحال ألواحها من ياقوت ودفوفها من ذهب وثيابها من سندس واستبرق فيفتحونها ويقولون: إنّ ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلموا عليه. قال: فيركبونها فهي أسرع من الطائر وأوطأ من الفراش نجباً من غير مهنة يسير الرجل إلى (١) تفسير الطبري: ١٩٥/١٣. (٢) العمدة عن الثعلبي: ٣٥١، وفتح القدير: ٤ / ٣٧٣ ح ٥٣١٢. (٣) المعجم الكبير: ١٧ / ١٢٧، جامع البيان للطبري: ١٣ / ١٩٥. (٤) تفسير الطبري: ١٣ / ١٩٥. ٢٩٠ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه لا تصيب أذن راحلة منها إذن صاحبتها حتى إنّ الشجرة لتنتحي عن طرقهم فهم لا يفرقون بين الرجل وبين أخيه، قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه فإذا رأوه، قالوا: اللهم أنت السلام ومنك السلام وأنت الجلال والإكرام، ويقول تبارك وتعالى عند ذلك: أنا السلام ومني السلام وعليكم حقت رحمتي ومحبتي مرحباً بعبادي الذين خشوني بالغيب وأطاعوا أمري، قال: فيقولون ربنا لم نعبدك حق عبادتك ولم نقدّرك حق قدرك فأذن لنا في السجود قدامك، قال: فيقول الله عزّ وجلّ: إنها ليست بدار نصب وعبادة ولكنها دار ملك ونعيم وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة فسلوني ما شئتم فإنّ لكل رجل منكم أُمنيته، فيسألونه حتى إن أقصرهم أُمنيةً يقول: رب يتنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها فأتني مثل كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت. فيقول الله عزّ وجلّ: لقد قصرت بك أمنيتك ولقد سألت دون منزلتك هذا لك منّي وسأُلحقك بمن أتى، لأنه ليس في عطائي تكديرٌ ولا تصدير . قال: ثم يقول: أعرضوا على عبادي ما لم تبلغ أمانيهم ولم يخطر لهم على بال، فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أما نبيهم التي في أنفسهم فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة على كل أربعة منهم سرير من ياقوتة واحدة على كل سرير منها قبة من ذهب مفرغة. في كل قبة منها فرش من فرش الجنة مظاهرة في كل قبة منها جاريتان من الحور العين وعلى كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة لون إلاّ وهو فيهما ولا ريح طيب إلّ وقد عبق بهما ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة حتى يظنّ من يراهما أنهما دون القبة يرى مخهما من فوق سقفهما، كالسلك الأبيض من ياقوتة حمراء. يريان له من الفضل على صاحبته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل ويرى هو لهما مثل ذلك ثم يدخل إليهما فيطيبانه ويقبلانه ويعانقانه (١) ويقولان له: والله ما ظننا أنّ الله يخلق مثلك، ثم يأمر الله الملائكة فيسيرون بهم صفاً في الجنة حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أُعدت له(٢). الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: فطوبى لهم شجرة أصلها في دار علي في الجنة، وفي دار كل مؤمن منها غصن يقال له طوبى. ﴿وحسن مآب﴾ حسن المرجع. وروى داود بن عبد الجبار عن جابر عن أبي جعفر قال: سُئل رسول الله وَّ عن قوله طوبى لهم وحسن مآب. (١) في المصدر: فيحييانه ويقبلانه ويتعلقان به. (٢) بطوله في تفسير ابن كثير: ٥٣٣/٣، وتفسير الدر المنثور: ٤ /٦٠. ٢٩١ سورة الرعد، الآيات: ٣٠ - ٣٤ فقال: ((شجرة أصلها في داري وفرعها في الجنة)). ثم سُئل عنها مرة أُخرى. فقال: ((شجرة في الجنة أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة)). فقيل له: يا رسول الله نسألك عنها مرة فقلت: ((شجرة في الجنة أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة)) فقال: ذلك في داري ودار علي أيضاً واحدة في مكان واحد)" [١٤٩](١) . كَذَلِكَ أَرْسَلْنَكَ فِي أُمٍَّ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمِمٌ لَِتِّلُواْ عَلَيْهِمْ الَّذِىَّ أَوْحَيْنَآَ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنَّ فُلْ هُوَ رَبِ لَ إِلَّهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ نَّوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَنَابٍ (٣٦) وَلَوْ أَنَّ قُزْءَانًا شُبِرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُ بِهِ أَلْعَوْنِىُّ بَل لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَمْ يَأْفَسِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ لَّوْ بَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ نُصِدُهُم بِمَا صَنَعُواْ فَارِعَةُ أَوْ نَّهُلُ قَرِبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّ بَأْنِىَّ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللَّهَ لَّا يُخْفُ اَلْمِيعَادَ ﴿٧َ وَلَقَدٍ أَسْتُهْزِئَّ بِسُلِ مِّنِ فَلِكَ فَأَلَتْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْمُهُمْ فَكَفَ كَانَ عِقَابٍ ﴿ أَنَّنْ هُوَ قَابِرُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوْ لِلَّهِ شُرَكََّ قُلْ سَمُوهُمْ أَمْ تَُّونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَهِرٍ مِّنَ الْقَوْلُ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُواْ عَنِ السَّبِيلُ وَمَن يُعْلِلِ اللَّهُ ـ) لَّمْ عَذَارٌ فِىِ الََّةِ الدُّنْيَّ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَُّّ وَمَا لَهُمْ مِنَّ اللَّهِ مِنْ وَافٍ فَا لَهُ مِنْ هَادٍ ٣٤ ﴿كذلك﴾ المكان ﴿أرسلناك﴾ يا محمد ﴿في أُمة قد خلت من قبلها أُمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك﴾ ليقرأ عليهم القرآن ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾. قال قتادة ومقاتل وابن جريح: نزلت في صلح الحديبية حتى أرادوا كتاب الصلح. فقال رسول الله وَّ لعلي (رَّه): ((اكتب بسم الله الرحمن الرحيم)) [١٥٠](٢). فقال سهيل بن عمرو والمشركون معه: ما نعرف الرحمن إلاّ صاحب اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، اكتب باسمك اللهم وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون. ثم قال رسول الله يلي: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. فقال المشركون وقريش: لئن كتب رسول الله بِمَ قاتلناك وصددناك قال فأمسك ولكن اكتب هذا ما صالح محمد ابن عبد الله. فقال أصحاب رسول الله وَلهو: دعنا نقاتلهم. قال: لا ولكن اكتبوا كما تريدون، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. (١) تفسير القرطبي: ٣١٧/٩، والعمدة عن الثعلبي: ٣٥١. (٢) تفسير القرطبي: ٩/ ٣١٧. ٢٩٢ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي ◌َّ: ((اسجدوا للرحمن)) [١٥١] (١) فقالوا: وما الرحمن؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال: قل لهم يا محمد: إنّ الرحمن الذي أنكرتم معرفته ﴿هو ربي لا إله إلّ هو عليه توكلت وإليه متاب﴾ ومضى ﴿ولو أن قرآناً﴾ الآية نزلت في نفر من مشركي مكة فيهم أبو جهل ابن هشام وعبد الله بن أبي أمية المخزومي جلسوا خلف الكعبة فأرسلوا إلى النبي ◌ّ فأتاهم فقال له عبد الله بن أبي أمية: إن تشرك نتبعك فسيّر لنا جبال مكة بالقرآن، فأذهبها عنا حتى تُفتح. فإنها ضيّقة، واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً حتى نغرس ونزرع فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حيث سخر له الجبال يسبح لربه، أو سخّر لنا الريح فركبها إلى الشام فنقضي عليه أمورنا وحوائجنا ثم نرجع من يومنا . فقد كان سليمان سخرت له الريح، فكما حملت لنا فلست بأهون على ربك من سليمان في داود . وأحيي لنا جدك أيضاً ومن شئت من موتانا لنسأله أحق ما يقول أم باطل؟ فإنّ عيسى قد كان يحيي الموتى ولست بأهون على الله منه، فأنزل الله تعالى ﴿ولو أن قرآناً سيرت به الجبال﴾ وأذهبت عن وجه الأرض ﴿أو قطعت به الأرض﴾ أي شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً. ﴿أو كلم به الموتى﴾ واختلفوا في جواب لو، فقال قوم: هذا من النزول المحذوف الجواب أقتضى بمعرفة سامعه مراده وتقدير الآية لكان هذا القرآن. كقول أمرىء القيس : ولكنها نفس بقطع النفـســا فلوأنها نفس تموت بتوبة يعني لهان عليَّ، وهي آخر بيت في القصيدة. وقال آخر: فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مرفعاً(٢) فأراد أرددناه، وهذا معنى قول قتادة. لو فعل هذا قرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم. وقال آخرون: جواب لو يقدم وتقدير الكلام وهم يكفرون بالرحمن ﴿ولو أنَّ قرآناً سيرت به الجبال﴾ الآية كأنه قال ولو أنّ قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى لكفروا بالرحمن وبما آمنوا . ثم قال: ﴿بل لله الأمر جميعاً أفلم ييأس الذين آمنوا﴾. (١) تفسير القرطبي: ٣١٨/٩، أسباب النزول الايات: ١٨٤ (٢) لسان العرب: ٣ / ٤٥٢. ٢٩٣ سورة الرعد، الآيات: ٣٠ - ٣٤ قال المفسرون: أفلم يعلم. وقال الكلبي: هي بلغة النخع (١) حي من العرب. وقال القاسم معن: هي لغة هوازن. وقال سحيم بن وثيل الرياحي(٢): أقول لهم بالشعب إذ يسرونني ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم(٣) أراد ألم يعلموا، وقوله: هاد يسرونني أي يقتسمونني من الميسر كما يقتسم الجزور. ويروى: لمسرونني من الأسر. وقال الآخر: وإن كنت عن أرض العشيرة نائياً (٤) ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه ودليل هذا التأويل قراءة ابن عباس: أفلم يتبين، وقيل لابن عباس: المكتوب ((أفلم بيئس)) قال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس(٥). وأما الفراء: فكان ينكر ذلك ويزعم أنه لم يُسمع أحدٌ من العرب يقول: يئست وهو يقول هو في المعنى وإنْ لم يكن مسموعاً يئست بمعنى علمت متوجه إلى ذلك، وذلك أنّ الله تعالى قد أوحى إلى المؤمنين أنه لو شاء الله لهدى الناس جميعاً . فقال ألم ييئسوا علماً يقول يؤسهم العلم فكان العلم فيه مضمراً كما يقول في الأعلام يئست منك أن لا يفلح علماً كأنه قول علمته علماً . قال الشاعر: غضفاً دواجن قافلا اعصامها (٦) حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا بمعنى إذا يئسوا من كل شيء مما يمكن إلّ الذي ظهر لهم أرسلوا فهو في معنى: حتى إذا علموا أن ليس وجه إلّ الذي رأوا وانتهى علمهم فكان ما سواه يأساً(٧). (١) تفسير القرطبي: ٩ / ٣١٩. (٢) في المصدر: اليربوعي. (٣) لسان العرب: ٥ / ٢٩٨. کتاب العين: ٧ / ٣٣١. (٤) تفسير القرطبي: ٩ / ١٣٢٠ . (٥) (٦) لسان العرب: ٥٦١/١١، جامع البيان للطبري: ٢٠١/١٣. (٧) تفسير الطبري: ١٣ / ٢٠٢. ٢٩٤ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي ﴿أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا﴾ من كفرهم وأعمالهم الخبيثة ﴿قارعة﴾ داهية ومصيبة وشديدة تقرعهم من أنواع البلاء والعذاب أحياناً بالجدب وأحياناً بالسلب وأحياناً بالقتل وأحياناً بالأسر. وقال ابن عباس: أراد بالقارعة السرايا التي كان رسول الله وَّر يبعثهم إليها ﴿أو تحل﴾ أي تنزل أنت يا محمد بنفسك ﴿قريباً من دارهم﴾. وقال قتادة: هي تاء التأنيث يعني وتحل القارعة قريباً من دارهم ﴿حتى يأتي وعد الله﴾ الفتح والنصر وظهور رسول الله وَل ودينه، وقيل يعني القيامة ﴿إنّ الله لا يخلف الميعاد * ولقد استهزىء برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا﴾ أصلهم واطلب لهم ومنه الملاوة والملوان ويقال طبت حيناً، ﴿ثم أخذتهم﴾ عاقبتهم ﴿فكيف كان عقاب * أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾ أي حافظها ورازقها وعالم بها ومجاز بها ما عملت، وجوابه محذوف تقديره: كمن هو هالك بائدلا يسمع ولا يبصر ولا يفهم شيئاً ولا يدفع(١) عن نفسه، نظيره قوله تعالى: ﴿أم من هو قانت آناء الليل﴾ يعني كمن ليس بقانت ﴿وجعلوا لله شركاء قل سموهم﴾ بيّنوا أسماءهم ثم قال: ﴿أم تنبؤونه﴾ يعني يخبرون الله ﴿بما لا يعلم في الأرض﴾ فإنه لم يعلم لنفسه شريكاً ولا في الأرض إلهاً غيره ﴿أم بظاهر﴾ يعني بظاهر من القول مسموع وهو في الحقيقة باطل لا أصل له ولا باطل صالح ولا حاصل وكان أستاذنا أبو الاقسم الحبيبي يقول: معنى الآية عندي: قل لهم أتنبئون الله بباطن لا يعلمه أم بظاهر من القول يعلمه؟ فإن قالوا بباطن لا يعلمه أحالوا، وإن قالوا: بظاهر يعلمه قل لهم سموهم(٢)، وبينوا من هم، فإن الله لا يعلم لنفسه شريكاً، ثم قال: ﴿بل زين للذين كفروا مكرهم﴾ کیدهم. قال مجاهد: قولهم يعني شركهم وكذبهم على الله. ﴿وصدوا عن السبيل﴾ وصرفوا عن الدين والطريق المستقيم. قرأ أهل الكوفة: بضم الصاد واختاره أبو عبيد بأنه قراءة أهل السنة: وفيه إثبات القدر. وقرأ الباقون: بالفتح، واختاره أبو حاتم اعتباراً بقوله ﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله﴾(٣) وقوله ﴿وصدوكم عن المسجد الحرام﴾ (٤) وقوله ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله﴾(٥) ﴿ومن يضلل الله﴾ يعني إياه ﴿فما له من هاد﴾ موفق ﴿لهم عذاب في الحياة الدنيا﴾ (١) زيادة عن تفسير الطبري: ٢٠٨.٢٠٧/١٣. (٢) تفسير القرطبي: ٩ / ٣٢٢. (٣) سورة الحج: ٢٥. (٤) سورة الفتح: ٢٥. (٥) سورة النساء: ١٦٧ . ٢٩٥ سورة الرعد، الآيات: ٣٥ - ٤٠ بالقتل والأسر ﴿ولعذاب الآخرة أشق﴾ أشد ﴿وما لهم من الله من واق﴾ مانع يمنعهم من العذاب. مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَّ مَجْرِى مِن تَحْنَهَا الْأَنْهَؤُ أُكُلُهَا دَآَبِرٌ وَظِلُهَاَ تِلْكَ عُقْبَ الَّذِينَ أَنَّقُواْ وَعُقْبَى الْكَفِرِنَ النَّارُ ﴿ وَالَّذِينَ ءَاتَّْنَهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَعُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَّ الْأَحْزَابِ مِّنْ يُنْكِّرُ بَعْضَهُ قُلْ إِذَمَاَ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِّهِ إِلَيْهِ أَدْعُواْ وَإِلَيْهِ مَثَابٍ ﴿ وَكَذَلِكَ أَنَزْنَهُ حُكْمًا جَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا عَرَبِيّاً وَلَيْنِ أَعْتَ أَهْوَاءَ هُم بَعْدَ مَا جَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَافٍ رُسُلًا مِنْ فَبْلِكَ وَجَعَلَنَا لَهُمْ أَزْوَهَا وَذُرِّيَّهُ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْنِىَّ بِهَايَةٍ إِلَّ بِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلِ كِتَابٌ ﴿٣) يَمْحُواْ اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتٌ وَعِنْدَهُ، أُمُّ الْكِتَبِ ﴿َ وَإِن مَّ نُبَّكَ بَعْضَ الَّذِى يَعِدُهُمْ أَوْ ◌َوَفَيَتَكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبََّغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون﴾ في دخولها اختلفوا في الرافع للمثل. فقال الفراء: هو ابتداء وخبر على قوله ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ وقيل معنى المثل الصفة كقوله ﴿ولله المثل الأعلى﴾(١) أي الصفة العليا وقوله ﴿ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل﴾(٢) ومجاز الآية صفة الجنة التي وعد المتقون أنّ الأنهار تجري من تحتها وكذا وكذا. وقيل مثل وجه مجازها الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار، والعرب تفعل هذا كثيراً بالمثل والمثل كقوله ﴿ليس كمثله شيءٍ﴾(٣) أي ليس هو كشيء. وقيل معناه: ﴿للذين استجابوا لربهم الحسنى﴾(٤). قيل الجنة [بدل] منها . قال مقاتل: معناه شبه الجنة التي وعد المتقون في الخير والنعمة والخلود والبقاء كشبه النار [في العذاب و] الشدّة والكرب(٥) . ﴿أكلها دائم﴾ لا ينقطع ولا يفنى ﴿وظلها﴾ ظليل لا يزال وهذا رد على الجهمية، حيث قالوا: إن نعيم الجنة يفنى ﴿تلك عقبى﴾ يعني ما فيه ﴿الذين اتقوا﴾ الجنة ﴿وعقبى الكافرين النار والذين آتيناهم الكتاب﴾ يعني القرآن وهم أصحاب محمد ﴿يفرحون بما أنزل إليك﴾ من القرآن ﴿ومن الأحزاب﴾ يعني الكفار الذين كذبوا على رسول الله وَّل وهم اليهود والنصارى (١) سورة النحل: ٦٠. (٢) سورة الفتح: ٢٩. (٣) سورة الشورى: ١١. (٤) سورة الرعد: ١٨. (٥) المصدر السابق: ٩ / ٣٢٥. ٢٩٦ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي ﴿من ينكر بعضه﴾ وذلك أنهم آمنوا بسورة يوسف وقالوا إنها واطأت كتابنا وهذا قول مجاهد وقتادة. وقال باقي العلماء: كان ذكر الرحمن في القرآن قليلا في بدء ما أنزل فلما أسلم عبدالله. ابن سلام وأصحابه: ساءهم قلّة ذكر الرحمن في القرآن؛ لأن ذكر الرحمن في التوراة كثير فسألوا رسول الله وَل#في ذلك قوله الله تعالى ﴿قل ادعوا الله إذ دعوا الرحمن﴾ الآية. فقالت قریش حين نزلت هذه الآية: ما بال محمد کان یدعو إلى إله واحد فهو اليوم يدعو إلى إلهين: الله والرحمن، ما نعرف الرحمن إلاّ رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب فأنزل الله ﴿وهم بذكر الرحمن هم كافرون﴾ وهم يكفرون بالرحمن وفرح مؤمنو أهل الكتاب بذكر الرحمن فأنزل الله ﴿والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك﴾ الله من ذكر الرحمن ﴿ومن الأحزاب﴾ يعني مشركي قريش من يذكر بعضه(١). قال الله ﴿قل﴾ يا محمد ﴿إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب﴾ مرجعي ﴿وكذلك أنزلناه حكماً عربياً﴾ وكما أنزلنا إليك الكتاب يا محمد وأنكره الأحزاب، كذلك أيضاً أنزلنا الحكم والدين حكماً عربياً، وإنما وصفه بذلك لأنه أنزل على محمد وهو عربي، فنسب الدين إليه إذ كان منزلا عليه فكذب الاحزاب بهذا الحكم أيضاً، وقال قوم معنى الآية: وكما أنزلنا الكتب على الرسل بلغناهم كذلك أنزلنا عليك القرآن حكماً عربياً ثم توعده على إتباع هوى الأحزاب فقال ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾ قيل بما شاء الله، وقيل في أهل القبلة لأنّه ﴿ما جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا واق * ولقد أرسلنا رسلا من قبلك﴾ فجعلناهم بشراً مثلك (وجعلنا لهم﴾ نكحوهن وأولاد ينسلوهم ولم يجعلهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحوهن، فنجعل الرسول إلى قومك ملائكة ولكن أرسلنا إلى قومك بشراً مثلهم كما أرسلنا إلى من قبلهم من الأمم بشراً مثلهم ﴿وما كان لرسول أن يأتي بآية إلاّ بإذن الله﴾ وهذا جواب عبد الله بن أبي أمية ثم قال: ﴿لكل أجل كتاب﴾ لكل أمر أمضاه الله كان قد كتبه لجميع عبيده، الضحاك: معناه لكل كتاب نزل من السماء أجل ووقت ينزل فيه وهذا من المقلوب ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ . قرأ حميد وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: ويثبت بالتخفيف. وقرأ الآخرون: بالتثقيل واختاره أبو عبيد لكثرة من قرأها ولقوله تعالى ﴿يثبت الله الذين آمنوا﴾(٢) . واختلف المفسرون في معنى الآية، فروى نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((يمحو الله مايشاء إلاّ الشقاوة والسعادة والموت)) [١٥٢](٣). (١) تفسير القرطبي: ٩ / ٣٢٦. (٣) جامع البيان للطبري: ٢١٧/١٣. (٢) سورة إبراهيم: ٢٧ . ٢٩٧ سورة الرعد، الآيات: ٣٥ - ٤٠ وعن ابن عباس قال: يمحو الله ما يشاء إلا أشياء: الخَلْق والخُلْق والرزق والأجل والسعادة والشقاوة. عكرمة عنه هما كتابان سوى أم الكتاب يمحو الله فهما ما يشاء ويثبت ﴿وعنده أُم الكتاب﴾ الذي لا يغير منه شيء. أبو صالح والضحاك: يمحو الله ما يشاء من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب ويثبت ما فيه ثواب وعقاب(١). وروى عفان عن همام عن الكلبي: يمحو الله ما يشاء ويثبت. قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه ويمحو من الأجل ويزيد فيه. قلت من حدثك؟ قال أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رئاب الأنصاري عن النبي ◌ّلّ فقدم الكلبي بعد فسئل عن هذه الآية فقال: حتى إذا كان يوم الخميس يطرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب. مثل قولك أكلت، شربت، دخلت، خرجت ونحوها من الكلام وهو صادق، ويثبت ما كان فيه الثواب وعليه العقاب(٢). وقال بعضهم: يمحو الله ما يشاء ويثبت كل ما يشاء [من](٣) غير استثناء كما حكى الكلبي عن راذان عن جابر عن النبي (صلى الله عليه وسلم). روى أبو عثمان النهدي: أنّ عمر بن الخطاب (رَّ ◌ُه) كان يطوف بالبيت السبت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فإن كنت كتبت عليَّ الذنب والشقوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أُم الكتاب(٤). ابن مسعود: إنه كان يقول: اللهم إن كنت كتبتني في السعداء فأثبتني فيهم وإن كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء وأثبتني في السعداء فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أُم الكتاب. وروى حماد بن أبي حمزة عن إبراهيم: أن كعباً قال لعمر (رَب ◌ُبه): يا أمير المؤمنين لولا اية في كتاب الله لأُنبئنك بما هو كائن إلى يوم القيامة . قال: وما هو؟ قال: قول الله تعالى ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾(٥) . تفسير القرطبي: ٣٢٩/٩. (١) (٢) تفسير الطبري : ٢٢١/١٣. (٣) زيادة اقتضاها السياق. (٤) تفسير القرطبي: ٣٣٠/٩. (٥) تفسير الطبري: ١٣ / ٢٢٠٠ تفسير القرطبي: ٣٣٠/٩. ٢٩٨ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي وروى عطية عن ابن عباس: في هذه الآية قال: هو الرجل يعمل للزمان بطاعة الله ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل الذي عمل بطاعة الله وقد كان يقول: خير أُمتي يموت وهو في طاعة الله، فهو الذي يثبت(١). قال علي بن أبي طالب (رَُّه): يمحو الله ما يشاء من القرون ويثبت ما يشاء منها كقوله ﴿كم أهلكنا قبلهم من القرون﴾(٢) وقوله ﴿ثم أنشأنا من بعدهم قرناً آخرين﴾(٣) . سعيد بن جبير وقتادة: يمحو الله ما يشاء من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله ويثبت ما یشاء وما ینسخه. الحسن: لكل أجل كتاب يعني آجال بني آدم في كتاب يمحو الله ما يشاء من جاء أجله فيذهب به ويثبت من لم يجىء أجله إلى أجله. مجاهد وابن قيس: حين ما أنزل ﴿ما كان لرسول أن يأتي بآية إلاّ بإذن الله﴾(٤) ما نراك يا محمد تملك من شيء ولقد فرع من أمره. فأنزلت هذه الآية تخويفاً ووعداً لهم أي إن يشاء أحدثها من أمر. قاله بأشياء و يحدث في كل رمضان في ليلة القدر فيمحوا ويثبت ما يشاء من أرزاق الناس ومصائبهم وما يعطيهم وينئهم له (٥). محمد بن كعب القرظي: إذا ولد الإنسان. أثبت أجله ورزقه وإذا مات محى أجله ورزقه. وروى سعيد بن جبير: يمحو الله ما يشاء من ذنوب عباده فيغفرها ويثبت ما يشاء بتركها فلا يغفرها . عكرمة: يمحو الله ما يشاء يعني بالتوبة جميع الذنوب ويثبت بدل الذنوب حسنات فإنه ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾(٦). وروى عن الحسن أيضاً: يمحو الله ما يشاء يعني الآباء ويثبت يعني الأبناء. السدي: يمحو الله ما يشاء يعني القمر ويثبت يعني الشمس. بيانه قوله: ﴿فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة﴾(٧). (١) تفسير الطبري: ١٣ / ٢٢٠. (٢) سورة يس: ٣١. (٣) سورة المؤمنون : ٣١. سورة الرعد: ٣٨. (٤) (٥) المصدر السابق: ٢٢٢. (٦) سورة الفرقان: ٧٠ . (٧) سورة الإسراء: ١٢. ٢٩٩ سورة الرعد، الآيات: ٤١ - ٤٣ ربيع: هذا في الأرواح في حال النوم يقبضها عند النوم فمن أراد موته محا وأمسكه ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه. بيانه قوله ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأُخرى إلى أجل مسمى﴾(١) .. وقيل: يمحو الله ما يشاء الدنيا ويثبت الآخرة. وروى محمد بن كعب القرظي عن فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ◌َي: ((إن الله يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة الأولى منهن ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه آخر غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء)) [١٥٣](٢). ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: إن لله لوحاً محفوظاً مسيرة خمسمائة عام من درة جنانها رمان من ياقوت ولله في كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة يمحو منها ما يشاء ويثبت وعنده أُم الكتاب. قال قيس بن عباد: العاشر من رجب هو يوم يمحو الله فيه ما يشاء ويثبت وعنده أُم الكتاب يعني اللوح المحفوظ الذي لا يغير ولا يبدل. قال قتادة والضحاك: حلية الكتاب وأصله فيه ما يمحو ويثبت. فسأل ابن عباس كذا عن أُم الكتاب. قال: يعلم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون فقال لعلمه: كن كتابا فكان كتابا(٣) ﴿وان ما نرينك بعض الذي نعدهم﴾ من العذاب ﴿أو نتوفينك﴾ قبل أن نريك ذلك ﴿فإنما عليك البلاغ) الذي عليك [أن تبلغهم] ﴿وعلينا الحساب﴾ والجزاء. أَوْلَمْ يَوْاْ أَنَّا كَأَنِى الْأَرْضَ نَقُهَا مِنْ أَلْرَافِهَا وَاللَّهُ يُحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِةٍ، وَهُوَ سَرِيعُ أَلْحِسَابِ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ اَلْمَكْرُ جَمِيعًاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُ نَفِيِنْ وَسَبَعْلَمُ الْكُفَرُ لِمَنْ عُقْبَ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَيَفْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ النَّارِ (ش) الكتب. ﴿أو لم يروا﴾ يعني أهل مكة الذين يسألون محمداً الإيمان ﴿إنا نأتي الأرض﴾ نقصدها (١) سورة الزمر: ٤٢. (٢) تفسير القرطبي: ٣٣٢/٩، وفي كنز العمال: ٤٥٤/٢. (٣) تفسير الطبري: ١٣ / ٢٢٤. ٣٠٠ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي ﴿ننقصها من أطرافها﴾ يفتحها لمحمّد ◌ّل﴾ أرضاً بعد أرض حوالي أرضهم فلا يخافون أن نفتح أرضهم كما فتحنا له غيرها، وبنحو ذلك قال أهل التأويل. روى صالح بن عمرو عن عمرو بن عبيد عن الحسن قال: ظهور المسلمين على المشركين. وروى وكيع عن سلمة بن سبط عن الضحاك قال: ما تغلب عليه محمد بَلّر من أرض العدو . جبير عن الضحاك قال: أو لم ير أهل مكة إنا نفتح لمحمد ما حوله من القرى. وروى إسحاق بن إبراهيم السلمي عن مقاتل بن سليمان قال: الأرض مكة وننقصها من أطرافها غلبة النبي ◌ّله والمؤمنين عليها وانتقاصهم وازدياد المسلمين. فكيف لا يعتبرون! وقال قوم: معناه أو لم يروا إلى الأرض ننقصها أفلا تخافون إن جعل بهم وبأرضهم مثل ذلك فيهلكهم ویخرب أرضهم. ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: خراب الأرض وقبض أهلها . يزيد الخوي عن عكرمة قال: يعني قبض الناس. وقال: لو نقصت الأرض لصارت مثل هذه وعقد بيده سويتين. عثمان بن السنّاج عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله ﴿ننقصها من أطرافها﴾ قال: موت أهل الأرض. طلحة بن أبي طلحة القناد عن الشعبي: قبض الأنفس والثمرات. علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: نقصان أهلها وتركها . عثمان بن عطاء عن أبيه: قال ذهاب علمائها وفقهائها . قال الثعلبي: أخبرنا أبو علي بن أحمد الفقيه السرخسي قال: حدثنا أبو لبيد بن محمد بن إدريس البسطامي حدثنا سعد بن سعيد حدثنا أبي حدثنا أبو حفص عن محمد بن عبد الله عن عبد الملك بن عمير عن رجاء بن حيوة عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صل ى: ((خذوا العلم قبل أن يذهب)) [١٥٤](١). قلنا: وكيف يذهب العلم والقرآن بين أظهرنا قد أثبته الله في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا نقرأه ونقرئه أولادنا فأنصت ثم قال هل ظلت اليهود والنصارى الا والتوراة بين أظهرهم ذهاب العلم ذهاب العلماء. (١) سنن الدارمي: ١/ ٧٧.