Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
سورة هود، الآيات: ١٧ - ٢٢
قيل ذلك، ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله له: ألم أوسّع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى
أحد؟ قال: بلى رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟
قال: كنت أصل الرحم وأتصدّق، فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول
الله تعالى: بل أردت أن يقال: فلان جواد فقد قيل ذلك. ويؤتى بالذي قُتل في سبيل الله فيقال
له: في ماذا قُتلت؟ فيقول: أُمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قُتلت، فيقول الله: كذبت،
وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال فلان جريء، فقد قيل ذلك)) ثم ضرب
رسول الله وير على ركبتي فقال: ((يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم
القيامة)) [٩٣](١).
قال الوليد: وأخبرني غيره أن شقياً دخل على معاوية وأخبره بهذا عن أبي هريرة فقال
معاوية: وقد فعل بهؤلاء هذا فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى معاوية [وضرب خدّيه] حتى
ظننا أنه هالك، ثم أفاق معاوية لا يمسح وجهه وقال: صدق الله ورسوله ﴿من كان يريد الحياة
الدنيا وزينتها نوفٌ إليهم أعمالهم فيها﴾ وقرأ إلى قوله: ﴿باطل ما كانوا يعملون﴾.
أَفََّنْ كَانَّ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، وَبَتْلُهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَىَّ إِمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَكَ
يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهٍ فَلَا تَكُ فِى مِئَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنِ زَيِكَ وَلَكِنَّ
أَكْثَرُ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ أَقْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَدَفَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ
وَيَقُولُ اَلْأَشْهَدِدُ هَوْلَاءِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ عَلَى رَبِهِمْ أَلَا لَغْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿١٨) أَلَّذِينَ يَصُدُونَ عَنْ
سَبِيلِ اللَّهِ وَيَغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْأَخِرَوَ هُمْ كَفِرُونَ (١٦) أُوْلَكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِينَ فِى الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لهُمـ
أُوْلَتْكَ
مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَةُ يُضَعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ
(٢٢)
الَّذِينَ خَبِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿ لَا جَرَمَ أَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْرُونَ
﴿أفمن كان على بيّنة﴾ بيان وحجة ﴿من ربّه﴾ وهو رسول الله اله ﴿ويتلوه شاهد منه﴾
يتبعه من يشهد له ويصدقه .
واختلفوا في هذا الشاهد فقال ابن عباس وعلقمة وإبراهيم ومجاهد والضحاك وأبو صالح
وأبو العالية وعكرمة: هو جبريل (عليه السلام)، وقال الحسن (ربه): هو رسول الله (صلى الله
عليه وسلم). وقال الحسن وقتادة: هو لسان رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وقال محمد بن
الحنفية: قلت لأبي أنت التالي؟ قال: وما تعني بالتالي؟ قلت: قوله: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾ قال:
وددت أني هو ولكنه لسان رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وقال بعضهم: الشاهد صورة
(١) كنز العمّال: ٣ / ٤٦٩، ح ٧٤٦٩.

١٦٢
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
النبي ◌َّ﴾ ووجهه ومخائله، لأنّ كل من كان له عقل ونظر إليه علم أنه رسول الله (صلى الله عليه
وسلم).
وقال الحسين بن الفضل: هو القرآن في نظمه وإعجازه والمعاني الكثيرة منه في اللفظ
القليل. وروى ابن جريج وابن أبي نجيح عن مجاهد قال: هو ملك يحفظه ويسدّده. وقيل: هو
علي بن أبي طالب.
أخبرني عبد الله الأنصاري عن القاضي أبو الحسين النصيري، أبو بكر السبيعي، علي بن
محمد الدهان والحسن بن إبراهيم الجصاص، قال الحسين بن حكيم، الحسين بن الحسن عن
حنان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: ﴿أفمن كان على بيّنة من ربه﴾ رسول
الله وَليره ﴿ويتلوه شاهد منه﴾ علي خاصة (ظ له)(١).
وبه عن السبيعي عن علي بن إبراهيم بن محمد [العلوي]، عن الحسين بن الحكيم، عن
إسماعيل بن صبيح، عن أبي الجارود، عن حبيب بن يسار، عن زاذان قال: سمعت علياً يقول:
والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو ثنيت لي وسادة فأُجلست عليها لحكمت بين أهل التوراة
بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم،
والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما من رجل من قريش جرت عليه المواسي إلاّ وأنا أعرف به
يساق(٢) إلى جنة أو يقاد إلى نار. فقام رجل فقال: ما آيتك يا أمير المؤمنين التي نزلت فيك؟
قال: ﴿أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه﴾ رسول الله و للر على بينة من ربه وأنا شاهد
منه [٩٤] (٣).
وبه عن [السبيعي]، وأحمد بن محمد بن سعيد الهمداني حدثني الحسن بن علي بن برقع
وعمر بن حفص الفراء، حدثنا صباح القرامولي، عن محارب عن جابر بن عبد الله
[الأنصاري]، قال علي (رظله): ما من رجل من قريش إلاّ وقد نزلت فيه الآية والآيتان، فقال له
رجل: فأنت أي شيء نزل فيك؟ قال علي (رَظُه): أما تقرأ الآية التي في هود، ﴿ويتلوه شاهد
منه ﴾(٤)
.
وفي الكلام محذوف تقديره: أفمن كان على بيّنة من ربه كمن هو في الضلالة [متردّد]، ثم
قال: ﴿ومن قبله﴾ يعني ومن قبل محمد والقرآن كان ﴿كتاب موسى إماماً ورحمة أولئك﴾ أي
(١) كنز العمّال: ٢ / ٤٣٩، ح ٤٤٤٠.
(٢) في بعض المصادر: ((إلاّ قد نزلت فيه آية من كتاب الله تسوقه إلى الجنّة أو تقوده إلى النار)). راجع شواهل
التنزيل: ١ / ٠٣٦٦ .
(٣) كنز العمّال: ٢ / ٤٣٩، ح ٤٤٤١.
(٤) تفسير القرطبي: ٩ / ١٦، والدرّ المنثور: ٣ / ٣٢٤، وتفسير الطبري: ١٢ / ٢٢.

١٦٣
سورة هود، الآيات: ١٧ - ٢٢
بني إسرائيل ﴿يؤمنون به ومن يكفر به﴾ أي بمحمد وقيل بالقرآن، وقيل بالتوراة ﴿من الأحزاب
فالنار موعده﴾ .
روى سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري أن النبي ◌َّ قال: ((لا يستمع لي يهودي ولا
نصراني، ولا يؤمن بي إلاّ كان من أهل النار)) [٩٥].
قال أبو موسى فقلت في نفسي: إن النبي لا يقول مثل هذا القول إلاّ من الفرقان فوجدت
الله يقول: ﴿ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده﴾ .
﴿فلا تك في مرية﴾ أي في شكّ ﴿منه إنه الحق من ربّك ولكنّ أكثر الناس لا يؤمنون ومَن
أظلم ممن افترى على الله كذباً﴾ زعم أن لله ولداً أو شريكاً أو كذب بآيات القرآن ﴿أولئك﴾
يعني الكاذبين، ﴿يُعرضون على ربهم﴾ فيسألهم عن أعمالهم ويجزيهم بها .
﴿ويقول الأشهاد﴾ يعني الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا، في قول
مجاهد والأعمش، وقال الضحاك: يعني الأنبياء والرسل، وقال قتادة: يعني الخلائق.
وروى صفوان بن محرز المازني قال: بينا نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر إذ
عرض له رجل فقال: يا بن عمر ما سمعت رسول الله وَّليل يقول في النجوى؟ فقال: سمعت نبي
الله ◌َل﴾ [يقول]: ((يدنو المؤمن من ربّه حتى يضع كتفيه عليه فيقرّره بذنوبه فيقول: هل [تعرف ما
فعلت؟ يقول: [رب أعرف مرّتين، حتى إذا بلغ ما شاء الله أن يبلغ فقال: وإني قد سترتها عليك
في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، وقال [ثمّ يعطى صحيفة حسناته، أو كتابه بيمينه قال]: وأما
الكافر والمنافق فينادى بهم على رؤوس الأشهاد)) [٩٦](١).
﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين * الذين يصدّون عن سبيل الله
ويبغونها عوجاً وهم بالآخرة هم كافرون * أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض﴾ قال ابن
عباس: سابقين.
مقاتل بن حيان: قانتين، قتادة: [هراباً] ﴿وما كان لهم من دون الله من أولياء﴾ أنصار
تُغني [عنهم] ﴿يضاعف لهم العذاب﴾ يعني يزيد في عذابهم.
﴿ما كانوا يستطيعون السمع﴾ اختلف في تأويله: قال قتادة ( .... )(٢): ﴿وما كانوا
يُبصرون﴾ الهدى، وقوله: ﴿إنهم عن السمع لمعزولون﴾ قال ابن عباس: إن الله تعالى إنّما حال
بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا، وأما في الدنيا فإنه قال ﴿ما كانوا يستطيعون السمع وما
(١) سنن ابن ماجة: ١ / ٦٥، ح ١٨٣.
(٢) كلام غير مقروء.

١٦٤
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
كانوا يبصرون﴾ فإنه قال: فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم، وقال بعضهم: إنما عنى بذلك
الأصنام.
﴿أولئك﴾ وآلهتهم ﴿لم يكونوا معجزين في الأرض ويضاعف لهم العذاب يوم القيامة
.](١) فلا يعتبرون بها،
ماكانوا يستطيعون السمع﴾ ولا يسمعونه ﴿وما كانوا يُبصرون﴾[.
فحذف الباء، كما يقول: لا يجزينك ما عملت وبما عملت.
﴿أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون لاجرم﴾ أي [ ..... ] (٢)، قال
الفرّاء: معناها لابدّ ولا محالة ﴿أنّهم في الآخرة هم الأخسرون﴾ يعني من غيرهم، وإنْ كان
الكل في الخسار.
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصََّلِحَاتِ وَأَخْبَنُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَكَ أَمْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ
مَثَلُ الْفَرِقَيْنِ مِكَالْأَعْمَى وَالْأَصَرِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعَّ هَلْ يَسْتَوَانِ مَثَلًا أَفَلَا نَذَكَّرُونَ (٢٠) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا تُسمًا
إِلَى قَوْمِهِ إِنِى لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينُ ﴿﴿ أَنَ لَّ نَبُّدُوَاْ إِلَّ اللَّهَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِمِ (®)
فَقَالَ أَلْعَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَّوْمِهِ، مَا نَرَتِكَ إِلَّ بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَكَ أَبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَادِلْنَا
بَادِىَ الَأْىِ وَمَا نَّبِى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَفْتَّكُمْ كَذِينَ (٣٧) قَالَ يَقَوْمِ أَهَ بْتُ إِن كُنْتُ عَلَى يَعْنَهِ
مِّن رَّبِّ وَءَاتَنِى رَحْمَةً مِّنْ عِنْدِهِ، فَعُقِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنِْمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَمَا كَثِهُونَ ﴿ وَيَقَوْمِ لَا أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ
مَا لاَّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّ عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنْ بِطَارِهِ أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُمْ مُدَقُواْ رَبِهِمْ وَلَكِتِىتَ أَرَبَّكُمْ قَوْمَا تَجْهَلُونَ
(٢٩)
وَقَوْءِ مَن يَنصُرُنِ مِنَّ اللَّهِ إِن ◌َرُهُمْ أَقَلَ نَذَكَرُونَ (٣) وَلَاَ أَقُولُ لَكُمْ يِنْدِى خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ
الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِِّ مَلَكٌّ وَلَآَ أَقُولُ لِلَّذِينَ نَزْدَرِىَّ أَعْيُكُمْ لَنْ يُؤْثِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًّا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىَّ أَنْفُسِهِمْ
إِّ إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٣َ نَالُواْ يَنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرْنَ حِذَالَنَا فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ
قَالَ إِنَّمَا يَأْنِكُمْ بِهِ اللَّهُ إِن شَآءَ وَمَّا أَنْتُم بِمُعِْينَ (٣) وَلَا يَفَعَّكُمْ نُمْحِىّ إِنَّ أَرَدِّثُ أَنْ
السَّدِقِينَ
أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَنَّ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَنٌ قُلْ إِن
أَفْتَيْتُهُ فَعَلَّ إِجْرَامِى وَأَنَّ بَرِىٌّ مِمَّا تُخْرِمُونَ (٢٤) وَأُوْعِى إِلَى نُوحِ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن فَوْمِكَ إِلَّ مَن قَدْ
وَأَمَنَ فَلَ نَبْتَبِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (٢٦) وَأَصِّنَعِ الْغُلْكَ بِأَعْبُذِنَا وَوَحْبِنَا وَلَا تُخَطِبِْ فِى الَّذِينَ ظَلَمُوَاْ إِنَّهُمْ
وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَنَّ عَلَيْهِ مَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ، سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَا فَإِنَّا نَسْخَرُ
مُخْرَقُونَ (٣٧)
حَتَّى إِذَا
مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٢٦) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْنِهِ عَذَابٌ يُخْرِيهِ وَعِلُ عَلَيْهِ عَدَارٌ مُقِهُ (َـ
◌َآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ النَّتُورُ قُلْنَا أَخْلْ فِيَهَا مِن كُلِّ زَوْجَيَّنِ أَثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ
وَمَاَ ءَامَنَ مَعَهُ: إِلَّا قَلِلٌ
(١) كلمة غير مقروءة.
(٢) كلام غير مقروء في المخطوط.

١٦٥
سورة هود، الآيات: ٢٣ - ٤٠
﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربّهم﴾ قال عطية عن ابن عباس وقتادة:
أنابوا وتضرّعوا إليه، مجاهد: اطمأنّوا إلى ذكره، مقاتل: أخلصوا، الأخفش(١): تخشّعوا له،
وقيل(٢): تواضعوا له.
﴿أولئك أصحاب الجنّة هم فيها خالدون مَثَل الفريقين﴾ المؤمن والكافر ﴿كالأعمى
والأصم والسميع والبصير هل يستويان مثلا﴾ قال الفرّاء: وإنّما لم يقل هل يستوون مثلا، لأنّ
الأعمى والأصم في خبر كأنهما واحد، لأنهما من وصف الكافر، والسميع والبصير في خبر
كأنهما واحد، لأنهما من وصف المؤمن.
﴿أفلا تذكرون ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه إني﴾ قرأ أهل مكة وأبو عمرو والكسائي: أني
بفتح الألف ويعنون بأني، وقرأ الباقون بكسر الألف إني، قال: إني لأن في الإرسال معنى
القول .
﴿لكم نذير مبين، أن لا تعبدوا إلاّ الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم﴾ مؤلم، قال
مقاتل: بعث نوح وأمره ربّه ببناء، السفينة وهو ابن ستمائة سنة وكان عمره ألفاً وخمسين عاماً
ولبث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة، قال الله تعالى ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلاّ خمسين عاماً﴾
أي فلبث فيهم داعياً ﴿فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك﴾ يا نوح ﴿إلّ بشراً مثلنا﴾ آدمياً
مثلنا ﴿وما نراك اتبعك إلّ الذين هم أراذلنا﴾ سفلتنا ﴿بادي الرأي﴾ قال مجاهد وأبي المعين
وحمزة أبو عمرو وبصير على معنى بادي الرأي من غير روية ولا فكرة يعني: آمنوا من غير روية.
﴿وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين قال﴾ نوح ﴿يا قوم أرأيتم إن كنت على
بيّنة من ربي وآتاني رحمة﴾ هدىً ومغفرة ﴿من عنده فعُمِيت عليكم﴾ التبست واشتبهت وقرأ أهل
الكوفة: فعُمّيت بضم العين وتشديد الميم، أي اشتبهت ولبّست ومعنى الكلام: عمّيت الأبصار
عن الحق، وهذا كما يقال: دخل الخاتم في أصبعي، والخُفّ في رجلي وإنما يدخل الأصبع في
الخاتم والرجل في الخُفّ ﴿أنلزمكموها﴾ يعني البيّنة والرحمة ﴿وأنتم لها كارهون﴾ لا تريدونها
يعني لا يُقبل ذلك.
﴿ويا قوم لا أسألكم عليه مالا﴾ أي على الوحي وتبليغ الرسالة كناية عن غير مذكور ﴿إنْ
أجري﴾ ما ثوابي ﴿إلاّ على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا﴾ الباء صلة ﴿إنهم ملاقوا ربهم)
بالمعاد ﴿فيجزيهم بأعمالهم ولكني أراكم قوماً تجهلون ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم
أفلا تذكرون ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين
(١) في زاد المسير نسبه للفرّاء (٤ / ٧٦)، وفي تفسير القرطبي ٩ / ٢١، خلاف في بعض الأقوال.
(٢) وهو ابن قتيبة كما في زاد المسير.

١٦٦
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
تزدري﴾ تحتقر وتستصغر ﴿أعينكم لن يؤتيهم الله خيراً﴾ يعني يؤخذ وانما ﴿الله أعلم بما في
أنفسهم﴾ من النية والعزم والخير والشر ﴿إني إذاً لمن الظالمين﴾ إنْ فعلتُ ذلك.
﴿قالوا يا نوح قد جادلتنا﴾ ما ريتنا وخاصمتنا ﴿فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا﴾ يعني
العذاب ﴿إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ولا ينفعكم
نصحي﴾ نصيحتي ﴿إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم﴾ يهلككم ويضلكم
﴿هو ربكم﴾ والأمر والحكم له ﴿وإليه ترجعون﴾ فيجازيكم بأعمالكم وهو ردّ على المعتزلة و
[المرجئة].
﴿أم يقولون افتراه﴾ قال ابن عباس: يعني نوحاً، مقاتل يعني محمداً وَليل ﴿قل إن افتريته
فعليَّ إجرامي﴾ إثمي ووبال أمري، لا تؤخذون بذنبي ﴿وأنا بريء مما تجرمون﴾ لا أواخذ
بذنوبكم ﴿وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلاّ من قد آمن ولا تبتئس﴾ ولا تحزن وهو
منفعل من البؤس ﴿بما كانوا يفعلون﴾ فإني مهلكهم ومنقذك منهم فحينئذ دعا عليهم ﴿وقال ربِّ
لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً﴾ .
﴿واصنع الفلك﴾ واعمل السفينة ﴿بأعيننا﴾ بمرأى منّا، الضحاك: بمنظر منّا، مقاتل:
بعلمنا، ربيع: بمسمعنا (١) ﴿ووحينا﴾ [على ما أوحينا إليك]، قال ابن عباس: وذلك إنّه لم يعلم
كيف يصنع الفلك فأوحى الله إليه أن يصنعها على جؤجؤ الطائر ﴿ولا تخاطبني في الذين
ظلموا﴾ ولا تسألني العفو عن هؤلاء الذين كفروا ﴿إنهم مغرقون﴾ بالطوفان، أمر أن لا يشفع
لهم عنده، وقال: عنى امرأته وابنه.
﴿ويصنع الفلك﴾ قيل: معناه وكان يصنع الفلك، وقيل: معناه وصنع الفلك ﴿وكلّما مرّ
عليه ملأ من قومه سخروا منه﴾ هزئوا به.
﴿قال إن تسخروا منّ﴾ الآن ﴿فإنّا نسخر منكم﴾ إذا عاينتم عذاب الله ﴿فسوف تعلمون من
يأتيه عذاب يخزيه﴾ يهينه ﴿ويحل عليه عذاب مقيم﴾ دائم، قال ابن عباس: اتخذ نوح (عليه
السلام) السفينة في سنتين، وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين، وطولها في
السمك ثلاثين ذراعاً، وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون فحمل في البطن الأسفل
الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام، وركب هو في البطن الأعلى
[ ..... ](٢) ، عمّا یحتاج إليه من الزاد.
روي عن عائشة عن النبي ◌َّ قال: ((مكث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً
(١) في تفسير القرطبي: بحفظنا .
(٢) كلام غير مقروء.

١٦٧
سورة هود، الآيات: ٢٣ - ٤٠
يدعوهم إلى الله، فأوحى الله عزّ وجلّ لما كان آخر زمانه وغرس شجرة [فعظمت وذهبت كلّ
مذهب ثمّ قطعها](١) ويقطع ما يبس منها، ثمّ جعل يعمل سفينة ويمّرون عليه قومه فيسألونه
فيقول: أعمل سفينة فيسخرون منه ويقولون: يعمل سفينة في البر فكيف تجري؟ فيقول: فسوف
تعلمون، فلما فرغ منها وفار التنور وكثر الماء في السكك، خشيت أُمّ صبي عليه وكانت تحبّه
حبّاً شديداً، فخرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلمّا بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثيه،
فلمّا بلغها الماء خرجت حتى صعدت على الجبل فلما بلغ الماء رقبته رفعته بیدیها حتى ذهب بها
الماء، فلو رحم الله أحداً منهم لرحم أُمّ الصبي)) [٩٧](٢).
وروى علي بن زيد بن صوحان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: قال الحواريون
لعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فيحدّثنا عنها، فانطلق بهم
حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفّاً من ذلك التراب بكفّه قال: أتدرون ماهذا؟ قالوا: الله
ورسوله أعلم، قال: هذا كفن حام بن نوح، قال: فضرب الكثيب بعصاه وقال: قم بإذن الله،
فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه وقد شاب، قال له عيسى: هكذا هلكت؟
قال: لا بل متُّ وأنا شاب ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثَمّ شبت، قال: حدِّثْنا عن
سفينة نوح، قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث
طبقات، فطبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير، فلمّا كثرت
فضلات الدواب أوحى الله تعالى إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل، فغمز فوقع منه خنزير وخنزيرة
فأقبلا على الروث، فلمّا وقع الفار بحوض السفينة وحبالها فقرضها، وذلك أن الفار ولدت في
السفينة فأوحى الله تعالى إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد فضرب فخرج من منخره سنور
وهرّة فأقبلا على الفار.
فقال له عيسى: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد
جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت، ثم بعث الحمامة فجاءت بورق
زيتون بمنقارها وطين برجلها فعلم أن البلاد قد غرقت قال: فطوّقها بالحمرة التي في عنقها ودعا
لها أن تكون في قصر بأمان (٣) فمن ثم تألف البيوت.
قال: فقالوا: يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلنا فيجلس معنا ويحدّثنا؟ قال: كيف
يتبعكم من لا رزق له؟ فقال له: عد بإذن الله، قال: فعاد تراباً(٤).
(١) زيادة عن الطبري.
(٢) تفسير الطبري: ١٢ / ٤٦٦.
(٣) في تفسير الطبري: أُنس وأمان.
(٤) تفسير الطبري: ١٢ / ٤٧ .

١٦٨
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
وروى محمد بن إسحاق عن عبيد بن عمير أنّه كان يحدّث الأحاديث وكانوا يبطشون به،
يعني قوم نوح - فيخنقونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال: ربّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون،
حتى إذا تمادوا في المعصية وعظمت في الأرض منهم الخطيئة وتطاولوا عليه، وتطاول عليه
وعليهم الشأن واشتد عليه منهم البلاء، وانتظر البخل بعد البخل، فلا يأتي قرن إلاّ كان أخبث
من الذي قبله حتى إذا كان الآخر منهم ليقول: قد كان هذا مع آبائنا وأجدادنا هكذا مجنوناً لا
يقبلون منه شيئاً، حتى شكا ذلك من أمرهم إلى الله عزّ وجل فقال: رب إنّي دعوت قومي ليلا
ونهاراً، حتى قال: ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً إلى آخر القصة، فأوحى الله إليه
أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا أي بعد اليوم إنهم مغرقون.
فأقبل نوح على [عمل] الفلك ولجأ عن قومه إلى جبل يقطع الخشب ويضرب بيديه
[الحديد]، ويهيّئ عدة الفلك من القار وغيره مما لا يصلحه إلّ هو، وجعل قومه يمرون به وهو
في ذلك من عمله فيسخرون منه ويقولون: يا نوح هل صرت نجاراً بعد النبوة؟ وأعقم الله أرحام
النساء فلبثوا سنين فلا يولد لهم ولد.
قال: ويزعم أهل التوراة أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج وأن يصنعه أزور
وأن يطليه بالقار من أسفله وخارجه، وأن يجعل طولها ثمانين ذراعاً وعرضها خمسين ذراعاً،
ومائة في عرضه وبطوله في السماء ثلاثين ذراعاً، والذراع إلى المنكب، وجعلها ثلاثة طوابق
سفلى ووسطى وعليا، فجعل فيه كوى، ففعل نوح كما أمره الله تعالى(١).
﴿حتى إذا جاء أمرنا﴾ عذابنا ﴿وفار التنور﴾ يعني انبجس الماء من وجه الأرض، والعرب
تسمي وجه الأرض تنور الأرض، وذلك أنه إذا قيل: إذا رأيت الماء يسيح على وجه الأرض
فاركب أنت ومن اتبعك، ومنها قول ابن عباس وعكرمة والزهري وابن عيينة، وقال علي بن أبي
طالب (رَُّّ) في تفسير و ﴿وفار التنور﴾: أي طلع الفجر ونور الصبح، ومن ذلك عبارته نوّر
الفجر تنويراً، قتادة: موضع في الأرض وأعلى مكان فيها. قال الحسن: أراد بالتنور الذي يخبز
فيه وكان تنوراً من حجارة وكان لحواء حتى صار إلى نوح، فقيل له: إذا رأيت الماء يفور من
التنور فاركب أنت وأصحابك، فنبع الماء من التنور فعلمت به امرأته فأخبرته، وهذا قول
مهران(٢). ورواه عطية عن ابن عباس، قال مجاهد: وكان ذلك في ناحية الكوفة، وروى السدي
عن الشعبي أنه كان يحلف بالله ما يظهر التنور إلاّ من ناحية الكوفة، وقال: اتخذ نوح السفينة
في جوف مسجد الكوفة، وكان التنور على يمين الداخل مما يلي باب كندة، وكان فوران الماء
منه علماً لنوح ودليلا على هلاك قومه .
(١) المصدر السابق: ٤٨.
(٢) في تفسير القرطبي: ٩ / ٣٣، قول الحسن ومجاهد وعطية عن ابن عباس.

١٦٩
سورة هود، الآيات: ٢٣ - ٤٠
وقال مقاتل: كان ذلك تنور آدم وإنّما كان بالشام بموضع يقال له: عين وردة، وقال ابن
عباس: فار التنور بالهند، والفور: الغليان.
﴿قلنا احمل فيها﴾ أي في السفينة ﴿من كل زوجين اثنين﴾ قال المفسرون أراد بالزوجين:
اثنين ذكراً وأنثى، وقال أهل المعاني: كل اثنين لا يستغني أحدهما عن صاحبه، فإن العرب
تسمي كل واحد منهما زوجاً، يقال له: زوجا نعال إذا كانت له نعلان وكذلك عنده زوجا حمام،
وعليه زوجا قيود، قال الله تعالى ﴿وإنه خلق الزوجين الذكر والأنثى﴾، وقال بعضهم: أراد
بالزوجين الضربين والصنفين وكل ضرب يدعى زوج، قال الأعشى:
أبو قدامة محبوّ بذاك معا (١)
وكل زوج من الديباج يلبسه
أراد كل ضرب ولون. وقال لبيد:
.](٣) يشرّب
وذرّته أزواج [
وذي [ ..... ](٢) كرّ المقاتل صولة
أي ألوان وأصناف، وقرأ حفص هاهنا وفي سورة المؤمنين ﴿من كل﴾ بالتنوين أي من كل
صنف، وجعل اثنين على التأكيد.
﴿وأهلك﴾ أي واحمل أهلك ومالك وعيالك ﴿إلاّ من سبق عليه القول﴾ بالهلاك يعني
امرأته راحلة وابنه كنعان.
﴿ومن آمن﴾ يعني واحمل من آمن بك، قال الله تعالى ﴿وما آمن معه إلاّ قليل﴾ واختلفوا
في عددهم، فقال قتادة والحكم وابن جريج ومحمد بن كعب القرضي: لم يكن في السفينة إلاّ
نوح وامرأته (٤) وثلاثة بنيه، سام وحام ويافث أخوة كنعان وزوجاتهم [وَرَحْلِهم] فجميعهم ثمانية،
فأصاب حام امرأته في السفينة فدعا الله نوحٌ أن يغير نطفته فجاء بالسودان. وقال الأعمش:
كانوا سبعة: نوح وثلاث كنائن وثلاثة بنين له. وقال ابن إسحاق: كانوا عشرة سوى نسائهم:
نوح وبنوه حام وسام ويافث وستة أناس ممن كان آمن معه وأزواجهم جميعاً.
وقال مقاتل: [كانوا] اثنين وسبعين رجلا وامرأة وبنيه الثلاثة ونساءهم، فكان الجميع
ثمانية وسبعين نفساً، نصفهم رجال ونصفهم الآخر نساء.
قال ابن عباس: كان في سفينة نوح ثمانون إنساناً أحدهم جرهم(٥) .
(١) تفسير الطبري: ٢/ ٥٥.
(٢) كلمة غير مقروءة.
(٣) كلمة غير مقروءة.
(٤) غير التي عوقبت (تفسير القرطبي: ٩ / ٣٥).
(٥) كذا أيضاً في تفسير الطبري: ١٢ / ٥٧، وفي تاريخ دمشق (٦٢ / ٢٦٧): معهم أهلوهم.

١٧٠
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
قال مقاتل: وحمل نوح معه جسد آدم وجعله معترضاً بين الرجال والنساء، وحمل نوح
جميع الدواب من الغنم والوحوش والطير وفرق فيما بينها .
قال ابن عباس: أول ما حمل نوح في السفينة من الدواب الأوزة، وآخر ما حمل الحمار،
فلمّا دخل الحمار ودخل صدره تعلق إبليس بذنبه فلم يستقل رجلاه فجعل نوح يقول له: ادخل
فينهض فلا يمشي، حتى قال نوح: ويحك ادخل وإن كان الشيطان معك، فقال له نوح: ما
أدخلك عليّ يا عدو الله؟ فقال له: ألم تقل ادخل وان كان الشيطان معك، قال نوح: اخرج
عني يا عدو الله، قال: ما لك بدّ من أن تحملني معك، فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك(١).
وفي تفسير مالك بن إبراهيم الهروي الذي أخبرني بالأسناد إلى أبي القاسم والحسن بن
محمد ببعضه قراءةً وأجاز لي بالباقي في غير مرة، قال يحدثنا أبو العباس محمد بن الحسن
الهروي، قال: حدثنا جابر بن عبد الله عنه أن الحية والعقرب أتيا نوحاً فقالتا: احملنا، فقال
نوح: إنكما سبب الضرّ والبلايا والأوجاع فلا أحملكما، فقالتا: احملنا فنحن نضمن لك بأن لا
نضر أحداً ذكرك، فمن قرأ حين خاف مضرّتهما: ﴿سلام على نوح في العالمين إنا كذلك نجزي
المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين﴾ ما ضرّتاه.
﴿ وَقَالَ أَرْكَبُواْ فِهَا بِسْمِ الَّهِ مَجْرِنِهَا وَمُرْسَهَا إِنَّ رَبِىِ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (29) وَهِىَ تَّخْرِى بِهِمْ فِى مَوْج
كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوُ أَبْنَهُ وَكَانَ فِىِ مَعْزِلٍ يَبْنَىَّ أَرْكَبِ مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَفِرِينَ (®) قَالَ
سَشَاوِىّ إِلَى جَبَلِ يَعْصِمُبِ مِنَ الْمَاءِ فَلَ لَا عَاصِمَ اَلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اَللَّهِ إِلَّ مَن زَحِمَّ وَجَلَ بَبْنَهُمَا أُلْمَوْجُ
فَكَانَ مِنْ الْمَغْرِقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يَأَرْضُ أَبْلَعِى مَآءَكٍ وَبَسَمَةٍ أَقَلِى وَعِضَ أَلْمَاءُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ وَأَسْتَوَتْ عَلَ
الْجُدِّ وَقِلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَِّينَ (٤) وَنَادَى نُوحُ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ أَبِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَغْدَكَ الْحَقُّ
وَأَنْتَ أَعْكُمُ الْحَكِينَ (٤٩) قَالَ بَنُوحُ إِنَّهُ لَيَْ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلُ غَيُ صَلِّ فَلَا تَتَلْنِ مَا لَيَّسَ لَكَ بِ عِلْمٌ
إِّ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَِهِلِينَ ﴿ قَالَ رَبِّ إِّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَإِلَا تَغْفِرْ
لِي وَتَرْحَمْنِيَّ أَكُن مِنَ الْخَسِرِينَ (٤) قِيلَ يَنُوحُ أَهْبِطْ بِسَلَّمٍ مِنَّا وَكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىَّ أُمَمِ يِّمَّن
٤٨
مَّعَكَّ وَأُمٌَّ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ بَعَشُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلٌِّ
﴿وقال﴾ نوح لهم: ﴿اركبوا فيها بسم الله مجراها﴾ قرأ أبو رجاء العطاردي: مُجراها
ومُرسِاها بضم الميمين وكسر الراء والسين وهي قراءة عبدالله.
قال ابن عباس: مجريها حيث تجري ومرساها حيث ترسو، أي تحسر في الماء.
وقرأ محمد بن محيصن بفتح الميمين وهما مصدران، يعني أن الله تعالى بيده جريها
(١) تفسير الطبري: ١٢ / ٤٩.

١٧١
سورة هود، الآيات: ٤١ - ٤٨
ورسوّها أي ثبوتها، جرى يجري جرياً ومجرى، ورسا يرسو رسوّاً ومُرسى، مثل ذهب مذهباً
وضرب مضرباً. قال امرؤ القيس:
تجاوزت أحراساً وأهوال معشر
عليَّ حرامٌ لو يسرّون مقتلي(١)
أي: قتلي.
وقرأ الباقون بضم الميمين، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، ومعناه: بسم الله إجراؤها
وإرساؤها، كقوله تعالى ﴿أنزلني منزلا مباركاً وأدخلني مُدخل صدق وأخرجني مخرج صدق﴾
بمعنى الإنزال والإدخال والإخراج.
﴿إنّ ربي لغفور رحيم﴾ قال الضحاك: كان نوح إذا أراد أن يرسو قال: بسم الله،
فرست، وإذا أراد أن تجري قال: بسم الله، فجرت.
﴿وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه﴾ كنعان وكان عنيداً وقيل وكان كافراً.
﴿وكان في معزل﴾ عنه لم يركب معه الفلك.
﴿يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين﴾ فتهلك، قال له ابنه: ﴿سآوي﴾ سأصير وأرجع
﴿إلى جبل يعصمني﴾ يمنعني ﴿من الماء﴾ ومنه عصام القربة الذي [يربط] رأسها فيمنع الماء أن
يسيل منها .
﴿قال﴾ نوح ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله﴾ عذاب الله إلاّ من رحمناه، وأنقذناه منه، ومن
في محل رفع، وقيل: في محل النصب ومعناه لا معصوم اليوم من أمر الله إلاّ من رحمه الله،
كقوله تعالى ﴿عيشة راضية﴾ و ﴿ماء دافق﴾ قال الشاعر:
بطيء القيام رخيم الكلام
أمسى فؤادي به فاتنـا
أي مفتوناً .
﴿وحال بينهما الموج وكان﴾ فصار ﴿من المغرقين وقيل﴾ بعدما تناهى أمر الطوفان ﴿يا
أرض ابلعي﴾ أي اشربي ﴿ماءك ويا سماء أقلعي﴾ امسكي ﴿وغيض الماء﴾ فذهب ونقص
ومصدره الغيض والغيوض.
﴿وقضي الأمر﴾ أي وفرغ من العذاب ﴿واستوت﴾ يعني السفينة استقرّت ورست وحلّت
﴿على الجوديّ﴾ وهو جبل بالجزيرة بقرب الموصل، قال مجاهد: تشامخت الجبال وتطاولت
لئلاّ ينالها الماء فعلا الماء فوقها خمسة عشر ذراعاً وتواضع الجودي وتطامن لأمر ربّه فلم
يغرق، فأرسيت السفينة عليه.
(١) إعجاز القرآن للباقلآني: ١٧١.

١٧٢
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
﴿وقيل بعداً﴾ هلاكاً ﴿للقوم الظالمين) الكافرين، قال رسول الله شير: ((في أوّل يوم من
رجب وفي بعض الأخبار: لعشر مضت من رجب - ركب نوح في السفينة فصام هو ومن معه
وجرت بهم السفينة ستة أشهر، ومرّت بالبيت فطاف به سبعاً وقد رفعه الله من الغرق، وأرسيت
السفينة على الجودي يوم عاشوراء، فصام نوح وأمر جميع من معه من الوحوش والدواب
فصاموا شكراً لله عزّ وجلّ)) [٩٨](١).
﴿ونادى نوح ربّه فقال ربّ إن ابني من أهلي﴾ وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي ﴿وإنّ وعدك
الحق﴾ أي الصدق ﴿وأنت أحكم الحاكمين﴾ أي تحكم على قوم بالنجاة وعلى قوم بالهلاك.
﴿قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عملٌ غير صالح﴾ وقرأ أهل الكوفة (عَمِلَ) بكسر الميم
وفتح اللام، غير بنصب الراء على الفعل ومعناه: إنه عمل الشرك والكفر، وقرأ الباقون عَملٌ
بفتح الميم وضمّ اللام وتنوين غير بالرفع ومعناه: إنّ سؤالك إياي أن أنجيه عملٌ غيرُ صالح.
﴿فلا تسألني﴾ يا نوح ﴿ما ليس لك به علم﴾ بما لا تعلم وقرأ ابن كثير بتشديد النون
وفتحه، وقرأ أهل المدينة والشام بتشديد النون وكسره .
﴿إنّي أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ واختلفوا في هذا الابن فقال بعضهم: إنه لم يكن
ابن نوح، ثم اختلفوا فيه، فقال بعضهم: كان ولد خبث من غيره، ولم يعلم بذلك نوح، فقال
الله تعالى: إنه ليس من أهلك أي من ولدك، وهو قول مجاهد والحسن، وقال قتادة: سألت
الحسن عنه فقال: والله ما كان بابنه، وقرأ ﴿فخانتاهما﴾ فقال: إن الله حكى عنه إنه قال: إن
ابني من أهلي، وقال: ونادى نوح ابنه وأنت تقول: لم يكن ابنه، وإن أهل الكتابين لا يختلفون
في انه كان ابنه. فقال الحسن: ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب، إنهم يكذبون.
وقال ابن جريج: ناداه وهو يحسب أنه ابنه، وكان ولدَ على فراشه، وقال عبيد بن عمير،
نرى أن رسول الله وَلو إنما قضى أن الولد للفراش من أجل ابن نوح، وقال بعضهم: إنه كان ابن
امرأته واستدلّوا بقول نوح: إن ابني من أهلي ولم يقل: منّي، وهو قول أبي جعفر الباقر.
٦
.. وقال الآخرون: كان ابنه ومن فصيلته، ومعنى قوله: إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن
أنجيهم، وقالوا: ما بغت امرأته ولا امرأة لوط وإنما كانت خيانتهما في الدين لا في الفراش،
وذلك أن هذه كانت تخبر الناس أنه مجنون، وهذه كانت تدلّ على الأضياف، وهو قول ابن
عباس وعكرمة والضحاك وسعيد بن جبير وميمون بن مهران.
قال أبو معاوية البجلي: قال رجل لسعيد بن جبير: قال نوح إن ابني من أهلي، أكان ابن
نوح؟ فسبّح طويلا، وقال: لا إله إلاّ الله يحدث الله محمداً وَل انه ابنه وتقول ليس ابنه، كان
(١) تفسير الطبري: ١٢ / ٦١، وتاريخ الطبري: ١ / ١٣١.

١٧٣
سورة هود، الآيات: ٤٩ - ٦٠
ابنه ولكنه كان مخالفاً في النية والعمل والدين، فمن ثم قال تعالى: انه ليس من أهلك، وهذا
القول أولى بالصواب وأليق بظاهر الكتاب.
فقال نوح (عليه السلام) عند ذلك ﴿رب إنّي أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلاّ
تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين قيل يا نوح اهبط﴾ انزل من السفينة إلى الأرض ﴿بسلام)
بأمن وسلامة ﴿منّا وبركات عليك وعلى أُمم ممن معك﴾ وهم الذين كانوا معه في السفينة.
وقال أكثر المفسّرين: معناه وعلى قرون تجيء من ذريّة من معك من الذين آمنوا معك من
ولدك، وهم المؤمنون وأهل السعادة من ذريته ﴿وأُمم سنمتعهم﴾ في الدنيا ﴿ثم يمسّهم منّ﴾ في
الآخرة ﴿عذاب أليم﴾ وهم الكافرون وأهل الشقاوة. وقال محمد بن كعب القرضي: داخل في
ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، وكذلك داخل في ذلك العذاب والمتاع كل كافر
وكافرة إلى يوم القيامة.
قال الضحاك: زعم أُناس إن من غرق من الولدان مع آبائهمن وإنّما ليس كذلك وإنّما الولدان
بمنزلة الطير، وسائر من أغرق الله يعود لابنه ولكن حضرت آجالهم فماتوا لآجالهم والمذكورين
من الرجال والنساء ممّن كان الغرق عقوبة من الله لهم في الدنيا ثم مصيرهم إلى النار.
تِلْكَ مِنْ أَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيَهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعَلَّمُهَا أَمْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذًا فَأَصْبِرٌّ إِنَّ الْعَقِبَةَ
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوَذَا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُمْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا
الْمُنَّقِينَ
يَقَوْمِ لََّ أَسْشَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًّا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّ عَلَى الَّذِى فَطَرَّنِّ أَفَلَا تَعْفِلُونَ ﴿﴿ وَيَفَّوْمِ
مُفْتُرُونَ (٥٠
أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ نُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَتِكُمْ وَلَا نَوَلَوَا
مُخْرِمِنَ ﴿ قَالُواْ يَغُودُ مَا ◌ِخْتَنَا بَيْئَةٍ وَمَا نَحْنُ بِشَارِكِ ،َ الِهَيْنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَّكَ بِعُؤْمِنَّ
إِن نَقُولُ إِلَّا أَعْتَكَ بَعْضُ ءَالِهَيِّنَا بِسُوَّوْ قَالَ إِنْ أُشْهِدُ اللَّهُ وَأَشْهَدُوَاْ أَنِّ بَرِىٌّ مِمَّا تُشْرِكُونَ (60)
مِن
دُونِهِ، فَكِيْدُونِ حَمِيعًا ثُمَّ لَا تُطِرُونِ (٥٥) إِ نَوَكْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِ وَرَّبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّ هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَهَا
إِنَّ رَبِى عَلَى صِرَطٍ مُسْتَهِمِ (٥٦) فَإِنِ تَوَلَوْ فَقَدْ أَغْتَكُمْ مَّ أُزْسِلْتُ بِهِ: إِلَيْكُ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِ ثَوْمًا غَيْكُ وَلَا
تَضُرُونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِيِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيَّطَ ﴿ وَلَمَّا ◌َةَ أَمْرُنَا نَحَيْنَا هُودًّا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا
وَخَيْنَهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِظِ ﴿٥) وَلْكَ عَدٌّ حَحَدُواْ بِثَابَتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَّمُ وَأَنَّبَعُواْ أَنْيَ كُلِّ حَبَّارٍ عَنِيْدٍ
وَأَتْعُواْ فِى هَذِهِ الدُّنَا لَغْنَهُ وَيَوْمَ الْقِيَمَةُ أَلَّ إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَّهُمْ أَلَّ بُعْدًّا لِعَادٍ فَوْمِ هُودِ (®)
﴿ذلك﴾ الذي ذكرت ﴿من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت﴾ يا محمد ﴿ولا
قومك من قبل هذا﴾ من قبل إخباري إياك ﴿فاصبر﴾ على القيام بأمر الله وتبليغ رسالته وما تلقى
من أذى الكفار كما صبر نوح ﴿إن العاقبة﴾ آخر الأمر بالسعادة والظفر والمغفرة ﴿للمتقين) كما
كان لمؤمني قوم نوح وسائر الأمم.

١٧٤
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
﴿وإلى عاد﴾ أي فأرسلنا إلى عاد ﴿أخاهم هوداً﴾ في النسب لا في الدين ﴿قال يا قوم
اعبدوا الله﴾ وحّدوا الله وأكثروا العبادة في القرآن بمعنى التوحيد ﴿ما لكم من إله غيره إن أنتم
إلّ مفترون﴾ ما أنتم في إشراككم معه الأوثان إلاّ كاذبون.
﴿يا قوم لا أسألكم عليه﴾ على تبليغ الرسالة ولا أبتغي جعلا ﴿إن أجري إلّ على الذي
فطرني﴾ والفطرة ابتداء الخلقة (أفلا تعقلون﴾ وذلك أن الأمم قالت للرسل: ما تريدون إلاّ أن
تأخذوا أموالنا فقالت الرسل لهم هذا .
﴿ويا قوم استغفروا ربكم﴾ أي آمنوا به يغفر لكم، والإستغفار هنا بمعنى الإيمان ﴿ثم
توبوا إليه﴾ من عبادتكم غيره وسالف ذنوبكم، وقال الفرّاء: معناه وتوبوا إليه لأن التوبة استغفار
والاستغفار توبة .
﴿يُرسل السماء عليكم مدراراً﴾ متتابعاً، وقال مقاتل بن حيان وخزيمة بن كيسان: غزيراً
كثيراً .
﴿ويزدكم قوة إلى قوتكم﴾ شدّة مع شدّتكم، وذلك أن الله حبس عنهم القطر في سنين
وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين فقال لهم هود: إن آمنتم أحيا الله بلادكم ورزقكم المال
والولد.
﴿ولا تتولوا﴾ ولا تدبروا مشركين ﴿قالوا يا هود ما جئتنا ببيّنة﴾ بيان وبرهان على ما تقول
فنقر ونسلّم لك ﴿وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك﴾ أي بقولك، والعرب تضع الباء موضع عن،
وعن موضع الباء.
﴿وما نحن لك بمؤمنين﴾ بمصدّقين ﴿إن نقول إلّ اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ يعني لست
تتعاطى ما تتعاطاه من مخالفتنا وسبّ آلهتنا إلاّ أن بعض آلهتنا اعتراك وأصابك بسوء، بل جنون،
وهذيان، هو الذي يحملك على ما تقول وتفعل، ولا نقول فيك إلاّ هذا ولا نحمل أمرك إلاّ على
هذا، فقال لهم هود: ﴿إني أُشهد الله﴾ على نفسي ﴿واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه﴾
يعني الأوثان ﴿فكيدوني جميعاً﴾ فاحتالوا جميعاً في ضرّي ومكري أنتم وأوثانكم ﴿ثم لا
تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلّ هو آخذ بناصيتها﴾ ..
قال الضحاك: يحييها ويميتها، قال الفرّاء: مالكها والقادر عليها، قال القتيبي: يقهرها
لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته، قال ابن جرير: إنما خصّ الناصية لأن العرب تستعمل ذلك
إذا وصفت إنساناً بالذلة والخضوع فيقولون: ما ناصية فلان إلّ بيد فلان أي إنه مطيع له يصرفه
كيف شاء، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا اطلاقه والمنّ عليه جزوا [ناصيته] ليغتروا بذلك
فخراً عليه، فخاطبهم بما يعرفون في كلامهم.

١٧٥
سورة هود، الآيات: ٤٩ - ٦٠
﴿إِنّ ربي على صراط مستقيم﴾ يقول: إنّ ربي على طريق الحق يجازي المحسن بإحسانه
والمسيء بمعصيته ولا يظلم أحداً غيّاً ولا يقبل إلاّ الإسلام، والقول فيه إضمار أنيّ: إنّ ربي
يدلّ أو يحثّ أو يحملكم على صراط مستقيم.
﴿فإن تولوا فقد أبلغتكم﴾ أي قل يا محمد: فقد أبلغتكم ﴿ما أُرسلت به إليكم ويستخلف
ربي قوماً غيركم﴾ يوحّدونه ويعبدونه ﴿ولا تضرونه شيئاً﴾ بتولّيكم وإعراضكم وإنما تضرون
أنفسكم، وقيل: معناها لا تقدرون له على خير إن أراد أن يضلكم، وقرأ عبدالله: ولا يضره
هلاككم إذا أهلككم ولا تنقصونه شيئاً، لأنه سواء عنده كنتم أو لم تكونوا .
﴿إن ربي على كل شيء حفيظ﴾ أي لكل شيء حافظ، على بمعنى اللام، فهو يحفظني من
أن تنالوني بسوء .
﴿ولما جاء أمرنا﴾ عذابنا ﴿نجينا هوداً والذين آمنوا معه﴾ وكانوا أربعة آلاف ﴿برحمة﴾
بنعمة ﴿منّا ونجيناهم من عذاب غليظ﴾ وقيل: الريح، قيل: أراد بالعذاب الغليظ عذاب القيامة
أي كما نجّيناهم في الدنيا من العذاب كذلك نجّيناهم في الآخرة من العذاب.
﴿وتلك عاد﴾ رده إلى القبيلة ﴿جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله﴾ يعني هوداً وحده لأنه
لم يُرسل إليهم من الرسل سوى هود، ونظيره قوله تعالى ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات﴾ يعني
النبي ◌ّ وإنه لم يكن في عصره رسول سواه، وإنما جمع هاهنا لأن من كذّب رسولا واحداً فقد
كذّب جميع الرسل .
﴿واتبعوا أمر كلّ جبار عنيد﴾ متكبّر لا يقبل الحق ولا يذعن له، قال أبو عبيد: العنيد
والعنود والعاند والمعاند: المعارض لك بالخلاف، ومنه قيل للعرق الذي يفجر دماً فلا يرقى:
عاند قال الراجز:
إنّي كبيرٌ لا أطيقُ العندا(١)
﴿وأُتبعوا﴾ ألحقوا وأردفوا ﴿في هذه الدنيا لعنة﴾ يعني بعداً وعذاباً وهلاكاً ﴿ويوم
القيامة﴾ أي وفي يوم القيامة أيضاً كذلك لعنوا في الدنيا والآخرة ﴿ألا إنّ عاداً كفروا ربهم﴾ أي
بربهم، كما يقال: شكرته وشكرت له، وكفرته وكفرت به ونصحته ونصحت له، قيل بمعنى:
كفروا نعمة ربهم.
﴿ألا بُعداً لعاد قوم هود﴾ البُعد بعدان: أحدهما البُعد ضد القرب، يقال: بعد يبعد بُعداً،
والآخر بمعنى الهلاك ويقال منه: بَعد يَبعد بَعداً وبُعْداً.
(١) لسان العرب: ٣ / ٣٠٧، ومطلعه: إذا رحلت فاجعلوني وسطا .

١٧٦
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
وَإِلَ تَعُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًاً قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُ مِنْ إِلَّهِ عَّهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ
وَأَسْتَعْمَرَّكُمُّ فِيهَا فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ نُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّ قَرِيٌِ مُجِيبٌ ﴿ قَالُواْ يَصَلِحُ فَدْ كُنْتَ فِنَا مَرِجُوا قَبْلَ هَذَاً
أَنْهَنْيَا أَنْ تَّعْبُدَ مَا يَغْبُدُءَآبَاؤُنَا وَإِنَّا لَفِى سَكِ مِمَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (١٧) قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى
بَيْسَكْ مِّنَ زَّبِّ وَءَاتَنِى مِنْهُ رَحْمَةُ فَمَن يَصُرُبِ مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَا تَزِيدُونَِ غَيْرَ نَّخْسِيرِ (13) وَيَنفَوْمِ
هَذِهِ، نَاقَهُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةُ فَذَرُوهَا تَأْكُلُ فِىَ أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَشُّوهَا بِسُوْءٍ فَأْخُذَكَرْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (وَ)
فَعَفَّرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِىِ دَارِكُمْ ثَنَّهُ أَّاءٍ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَّنَا
صَلِحًا وَأَذِيْرَ ءَامَنُواْ مَعَمُ بِرَحْمَةٍ مِنَا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ (٦) وَأَخَذَ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ الضَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِ دِيَّرِهِمْ حَثِينَ (٧) كَأَن لَّمْ يَغْنَوَاْ فِيهَا أَلَا إِنَّ تَهُودَا كَفَرُواْ رَّهُمُ
أَلَا بُعْدًا لِّشَعُودُ
﴿وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم﴾ ابتدأ
خلقكم ﴿من الأرض﴾ وذلك أن آدم خلق من الأرض وهم منه ﴿واستعمركم فيها﴾ وجعلكم
عمّارها وسكانها، قال ابن عباس: أعاشكم فيها، الضحّاك: أطال أعماركم، مجاهد: أعمركم
من العمر أي جعلها داركم وسكنكم، قتادة: أسكنكم فيها .
﴿فاستغفروا ثم توبوا إليه إنّ ربي قريب﴾ ممّن رجاه ﴿مجيب﴾ لمن دعاه.
﴿قالوا﴾ يعني قوم ثمود ﴿يا صالح قد كنت فينا مرجوّاً قبل هذا﴾ القول أي كنا نرجو أن
تكون فينا سيّداً، وقيل: كنا نرجو أن تعود إلى ديننا ﴿أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا﴾ من الآلهة.
﴿وإنّنا لفي شك مما تدعونا إليه مريب﴾ موقع في الريبة وموجب إليها، يقال: أربته إرابة
إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة، قال الهذلي:
كنت إذا أتيته من غيبٍ يشم عطفي ويبز ثوبى
كأنما أربته بريب(١)
﴿قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربي وآثاني منه رحمة﴾ نبوة وحكمة ﴿فمن
ينصرني من الله﴾ لا يمنعني من عذاب الله ﴿إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير﴾ قال ابن
عباس: غير خسارة في خسارتكم، الفرّاء: تضليل، قال الحسين بن الفضيل: لم يكن صالح في
خسارة حين قال، علمت علم العرب، فما تزيدونني غير تخسير، وإنما المعنى ما تزيدونني، كما
يقولون: ما أسبق إياكم إلى الخسارة، وهو قول العرب: فسقته وفجرته إذا نسبته إلى الفسق
والفجور، وكذلك خسرته: نسبته إلى الخسران.
(١) تفسير الطبري: ١٢ / ٨٢، والصحاح: ١ / ١٤١.

١٧٧
سورة هود، الآيات: ٦٩ - ٧٣
﴿ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية﴾ نصب على الحال والقطع ﴿فذروها﴾ أي دعوها تأكل في
أرض الله من العشب والنبات فليس عليكم رزقها ولا مؤنتها.
﴿ولا تمسوها بسوء﴾ ولا تصيبوها بعقر ونحر ﴿فيأخذكم﴾ إن قتلتموها ﴿عذاب قريب﴾
من عقرها ﴿فعقروها فقال﴾ لهم صالح ﴿تمتعوا﴾ حتى يحين [عذابه] ﴿في داركم﴾ منازلكم
﴿ ثلاثة أيام﴾ تمهلون ﴿ذلك وعد غير مكذوب﴾ غير كذب وقيل: غير مكذوب فيه.
﴿فلما جاء أمرنا نجينا صالحاً والذين آمنوا معه برحمة﴾ نعمة وعصمة ﴿منا ومن خزي
يومئذ﴾ عذابه وهوانه .
﴿إن ربك هو القوي العزيز وأخذ الذين ظلموا الصيحة﴾ يعني صيحة جبريل ﴿فأصبحوا في
ديارهم جاثمين﴾ صرعى، هلكى ﴿كأن لم يغنوا﴾ يقيموا ويكونوا ﴿فيها ألا إنّ ثمودَ كفروا ربهم
ألا بُعداً لثمود﴾.
وَلَقَدْ حَآءَتْ رُسُلْنَا إِنَّهِمَ بِالْمُشْرَىِ قَالُوْ سَلَّا قَالَ سٌَّ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَآءَ بِعِجْلِ حَنِيٍ
فَلَمَّا رَءَاً أَبْدِيَهُمْ لَا نَصِلُ إِلَيْهِ نَّكِّرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ قَالُوا لَا تَحَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ
V
وَأَمْرَأَنُ قَابِعَةٌ فَضَحِكَتْ فَشَّرْتَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ ﴿٧) قَالَتْ يَتِلَىْ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَهُوٌ وَهَذَا
بَعْلِ شَيْئًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عَجِيبٌ (٢) قَالُواْ أَتَّعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَتُهُ عَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ
إِنَّهُ حَمِدٌ نَِّيدٌ
﴿ولقد جاءت رسلنا﴾ يعني الملائكة، واختلفوا في عددهم، فقال ابن عباس: كانوا
ثلاثة: جبرئيل وميكائيل وإسرافيل. الضحّاك: تسعة، السدّي: أحد عشر، وكانوا على صورة
الغلمان الوضاء وجوههم.
﴿إبراهيم﴾ الخليل ﴿بالبشرى﴾ بالبشارة بإسحاق ويعقوب، وبإهلاك قوم لوط ﴿قالوا﴾
لإبراهيم ﴿سلاماً﴾ سلّموا عليه ونصب ﴿سلاماً﴾ بإيقاع القول عليه، لأن السلام قول أي [مِثل]
قالوا وسلّموا سلاماً (قال) إبراهيم (سلام) أي عليكم سلام، وقيل: لكم سلام وقيل: رُفِع على
الحكاية، (قيل: الحمد لله) (وقولوا حّة)، وقرأ حمزة والكسائي سلام بكسر السين من غير
ألف ومثله في والذاريات، وكذلك هو في مصحف عبد الله ومعناه: نحن سلام صالح لكم غير
حرب، وقيل: هو بمعنى السلم أيضاً كما يقال: حِل وحلال، وحِرم وحرام. وأنشد الفراء:
مررنا فقلنا إيه سلّم فسلمت كما اكتل بالبرق الغمام اللوائح (١)
(١) تفسير الطبري: ١٢ / ٨٩.

١٧٨
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
﴿فما لبث﴾ فما أقام ومكث إبراهيم ﴿أن﴾ بمعنى حتى بإسقاط الخافض أي بأن ﴿جاء
بعجل حنيذ﴾ قال ابن عباس: مشوي بالحجارة الحارة في خد من الأرض، قتادة ومجاهد:
نضج بالحجارة وشوي، ابن عطية: شوي بعضه بحجارة، أبو عبيدة: كل ما أسخنته فقد حنذته
فهو حنيذ ومحنوذ وأصل يحنذ أن إذا ألقيت عليها الجلال بعضها على بعض لتعرق(١).
﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه﴾ أي للعجل ﴿نكرهم﴾ أي: أنكرهم، ويقال: نكرت
الشيء وأنكرته بمعنى واحد. قال الأعشى:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت
من الحوادث إلاّ الشيب والصلعا (٢)
فجمع المعنیین في وقت واحد.
﴿وأوجس منهم خيفة﴾ أضمر وأحسّ منهم خوفاً، وقال مقاتل: وقع في قلبه، الأخفش:
خامر نفسه. الفرّاء: استشعر. الحسن: حدّث نفسه، وأصل الوجوس الدخول، وكان الخوف
دخل قلبه. قتادة: وذلك أنهم كانوا إذا أتاهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يجئ لخير
وأنّه يحدّث نفسه بشرّ.
﴿قالوا لا تخف﴾ يا إبراهيم فإنّا ملائكة الله ﴿إنا أرسلنا إلى قوم لوط﴾ قال الوالبي: لمّا
عرف إبراهيم أنهم ملائكة خاف أنه وقومه المقصودون بالعذاب؛ لأن الملائكة كانت تنزل إذ ذاك
بالعذاب، نظير ما في الحجر ﴿ما تتنزل الملائكة إلاّ بالحق﴾ أي بالعذاب، قالت الملائكة: لا
تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط لا إلى قومك.
﴿وامرأته﴾ سارة بنت هاران بن ناحور بن شاروع بن أرغوا بن فالغ وهي ابنة عم إبراهيم
﴿قائمة﴾ من وراء الستر تسمع كلام الملائكة وكلام إبراهيم، وقيل: كانت قائمة ( ...... ) (٣)
الرسل وإبراهيم جالس معهم فهو كلام أوّلي، وقرأ ابن مسعود: وامرأته قائمة وهو جالس
﴿فضحكت﴾ .
واختلفوا في العلة الجالبة للضحك، فقال السدي: لما قرب إليهم الطعام فلم يأكلوا خاف
إبراهيم فظنهم لصوصاً، فقال لهم: ألا تأكلون؟ فقالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاماً إلاّ بثمن،
قال: فإن لهذا ثمناً، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوّله وتحمدون على آخره،
فنظر جبريل إلى ميكائيل وقال: حق أن يتخذك خليلا، فلما رأى إبراهيم وسارة أيديهم لا تصل
(١) في لسان العرب (٣ / ٤٨٥): هو أن يحضره شوطاً أو شوطين ثمّ يظاهر عليه الجلال في الشمس ليعرق
تحتها، فهو محنوذ وحنيذ ، وإنْ لم يعرق قيل: كبا.
(٢) تاج العروس: ٣ / ٥٨٤.
(٣) كلمة غير مقروءة.

١٧٩
سورة هود، الآيات: ٧٤ - ٨٣
إليه نكرهم، فضحكت سارة وقالت: إنا قمنا لأضيافنا هؤلاء أنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم،
وهم لا يأكلون طعامنا .
وقال قتادة: فضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، وقال مقاتل والكلبي:
فضحكت من خوف إبراهيم من ثلاثة نفر وهو فيما بين خدمه وحشمه، وقال ابن عباس ووهب:
ضحكت عجباً من أن يكون لها ولد على كبر سنّها وسنّ زوجها، وقالوا: هو من التقديم الذي
](١) وامرأته قائمة.
معناه التأخير، وكان بمعنى: [
﴿فبشّرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ فضحكت وقالت ﴿يا ويلتى أألد وأنا
عجوز﴾ الآية، وقيل: ضحكت سروراً بالأمن عليهم لما قالوا: لا تخف. وقال مجاهد
وعكرمة: فضحكت أي حاضت في الوقت، تقول العرب: ضحكت الأرنب إذا حاضت، وقال
الشاعر :
كمثل دم الخوف يوم اللقا
وضحكت الأرانب فوق الصفا
﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ قال ابن عباس والشعبي: الوراء ولد
الولد، واختلف القراء في قوله: يعقوب، فنصبه ابن عامر وعاصم وقيل: في موضع جر في
الصفة أي من وراء إسحاق بيعقوب، فلمّا حذف الباء نصب، وقيل: بإضمار فعل له، ووهبنا له
يعقوب. ورفعه الآخرون على خبر حذف الصفة، فلمّا بُشّرت بالولد والحفيد ﴿صحّت وجهها﴾
أي ضر الله تعجباً ﴿وقالت يا ويلتى﴾ والأصل: يا ويلتاه ﴿أألد وأنا عجوز﴾ وكانت لتسعين سنة
في قول ابن إسحاق، وتسع وتسعين سنة في قول مجاهد.
﴿وهذا بعلي﴾ زوجي سمي بذلك لأنه قيّم أمرها كما سمّي مالك الشيء بعله، والنخل
الذي استغنى بالأمطار عن ماء الأنهار يسمّى بعلا ﴿شيخاً﴾ وكان إبراهيم ابن مائة سنة في قول
مجاهد، وعشرين ومائة سنة في قول ابن إسحاق .
﴿إن هذا لشيء عجيب﴾ فقالت الملائكة ﴿أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم
أهل البيت﴾ يعني هنا إبراهيم ﴿إنه حميد مجيد﴾ قال السدّي: قالت سارة لإبراهيم (عليه
السلام): ما آية قولك؟ قال: فأخذ بيده عوداً يابساً فلواه بين أصابعه، فاهتزّ أخضر فقال
إبراهيم: هو لله إذاً ذبيحاً.
فَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِنَّهِيَ الزَّوْعُ وَجَاءَتَهُ الْبُشْرَى مُحَدِأَنَا فِ قَوْمِ لُوطٍ (١٦) إِنَّ إِزَهِيَمَ لَعَلِيمٌ أَوَهٌ مُنِيبٌ
بَإِثْرِهِيُ أَعْرِضِ عَنْ هَذَّا إِنَّهُ قَدَّ ◌َءَ أَمْرُ رَيِّكَ وَإِنَّهُمْ ءَانِهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَنْ دُورٍ (١٦) وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا
.٧٥
(١) كلمة غير مقروءة.

١٨٠
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
لُوَطَّا سِىّءَ بِهِمْ وَضَافَ يِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمُ عَصِيتُ (٧) وَجَّهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُواْ
يَعْمَلُونَ السَّبِّئَاتِ قَالَ يَقَّوْمِ هَؤُلَاءٍ بَنِى هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِ ضَيْفِيِّ أَلَيْسَ مِنكُمْ
رَجُلٌ رَسِيدٌ ﴿١٤) قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي ◌َئِكَ مِنْ حَقِّ وَإِنَّكَ لَنَعْلَمُ مَا زِيْدُ (١٨) قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً
أَوْ ءَاوِىَ إِلَى رَّكْنِ شَدِيدٍ ﴿ فَالُوْ يُوطُ إِنَّ رُّلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌ فَأَشْرٍ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ الَلِ
وَلَا يَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّ إِلَّا أَمْرَأَئِكَ إِنَّهُ مُصِيُهَا مَّ أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الشُّبْحُ أَلَيْسَ الضُّبْحُ بِقَرِيبٍ (40)
مُسَوَّمَّةٌ عِندَ
فَلَمَّا بِجَاءُ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَائِلَهَا وَأَمْطَتْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّنْ سِجِيْلِ مَّنَصُودٍ
رَبِّكَّ وَمَا هِىَ مِنَّ الْقَلِمِينَ بِبَعِيدٍ
﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع﴾ الخوف ﴿وجاءته البشرى﴾ بإسحاق ويعقوب ﴿يجادلنا﴾
في [ ....... ] (١) لأنّ إبراهيم لا يجادل ربّه إنّما يسأله ويطلب إليه.
وقال عامّة أهل التفسير معناه يجادل رسلنا وذلك أنهم لما قالوا: إنا مهلكوا أهل هذه
القرية، قال لهم: أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا لا، فقال إبراهيم:
وأربعون؟
قالوا: لا، قال: أو ثلاثون؟ قالوا: لا، قال: حتى بلغ عشرة، قالوا: لا، فقال: خمسة
قالوا: لا، قال: أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونه؟ قالوا: لا، فقال إبراهيم عند ذلك:
إن فيها لوطاً، فقالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجّينه وأهله إلاّ امرأته كانت من الغابرين.
قال ابن جريج: وكان في قرى لوط أربعة آلاف ألف، قال قتادة: في هذه الآية لا يرى
مؤمن إلّ لوط المؤمن، فقالت الرسل عند ذلك لإبراهيم: ﴿يا إبراهيم أعرض عن هذا﴾ أي دع
عنك الجدال، وأعرض عن هذا المقال ﴿إنه قد جاء أمر ربك﴾ عذاب ربك ﴿وإنهم آتيهم﴾ نازل
بهم، يعني قوم لوط ﴿عذاب غير مردود﴾ غير مدفوع ولا ممنوع.
﴿ولمّا جاءت رسلنا﴾ يعني الملائكة ﴿لوطاً سيء بهم﴾ حزن لمجيئهم، يقال: سؤته فسيء
مثل شغلته فانشغل، وسررته فانسر ﴿وضاق بهم ذرعاً﴾ قلباً ﴿وقال هذا يوم عصيب﴾ شديد،
ومنه عصبصب، كالعصب به الشر والبلاء أي شدّ ومنه عصابة الرأس، قال عدي بن زيد:
وقد سلكوك في يوم عصيب (٢)
وكنت لزاز خصمك لم أعرد
وقال آخر:
وانك إلاّ تُرض بكربن وائل
يكن لك يوم بالعراق عصيب(٣)
(١) كلام غير مقروء في المخطوط.
(٢) تاريخ دمشق: ٤٠ / ١١٩.
(٣) تاريخ دمشق: ٦٧ / ٢٥٧.