Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ سورة التوبة، الآيات: ٦٠ - ٦٩ وقال الحسن وابن عباس: يعتق منه الرقاب وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور، وقال سعيد بن جبير والنخعي، لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة لكن يعطي منها في ميقات رقبة مكاتب، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. قال الزهري: سهم الرقاب نصفان: نصف لكلّ مكاتب ممن يدّعي الإسلام، والنصف الثاني لمن يشتري به رقاب ممن صلّى وصام وقدّم إسلامه من ذكر وأنثى يعتقون لله(١). ﴿وَالغَارِمِينَ﴾ قتادة: هم قوم غرقتهم الديون في غير إملاق ولا تبذير ولا فساد(٢). وقال مجاهد: من احترق بيته وذهب السيل بماله، وأدان على عياله(٣)، وقال أبو جعفر الباقر: الغارمون صنفان: صنف استدانوا في مصلحتهم أو معروف أو غير معصية ثم عجزوا عن أداء ذلك في العرض والنقد فيعطون في غرمهم، وصنف استدانوا في جمالات وصلاح ذات بين ومعروف ولهم عروض إن بيعت أضرّ بهم فيعطى هؤلاء قدر عروضهم (٤). وذلك إذا كان دينهم في غير فسق ولا تبذير ولا معصية، وأما من ادان في معصية الله فلا أرى أن يعطى، وأصل الغرم الخسران والنقصان، ومنه الحديث في الرحمن له غنمه وعليه غرمه، ومن ذلك قيل للعذاب غرام، قال الله تعالى ﴿إن عذابها كان غراماً﴾ وفلان مغرم بالنساء أي مهلك بهنّ، وما أشدّ غرامه وإغرامه بالنساء. ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ﴾ فيهم الغزاة والمرابطون والمحتاجون. فأما إذا كانوا أغنياء فاختلفوا فيه، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: لا يعطى الغازي إلا أن يكون منقطعاً مفلساً، وقال مالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور: يعطى الغازي منها وإن كان غنياً، يدلّ عليه قول النبي وَله: ((لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: رجل عمل عليها أو رجل اشتراها بماله، أو في سبيل الله أو ابن السبيل، أو رجل كان له جار تصدّق عليه فأهداها له)) [٢٣](٥). ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ المسافر المجتاز، سمّي ابن السبيل للزومه إيّاه، كقول الشاعر: أيا ابن الحرب رجّعني وليداً إلى أن شبتُ فاكتملتْ لداتي قال مجاهد والزهري: لابن السبيل حق من الزكاة وإن كان غنياً إذا كان منتفعاً به، وقال (١) الدر المنثور: ٣ / ٢٥٢. (٢) تفسير الطبري: ١٠ / ٢١١. (٣) تفسير الطبري: ١٠ / ٢١١. (٤) راجع كتاب الأم للشافعي: ٢ / ٧٨. (٥) تفسير الطبري: ١٠ / ٢١٢. سر. ٦٢ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي مالك وفقهاء العراق: هو الحاج المنقطع، وقال الشافعي: ابن السبيل من [جيران] الصدقة الذين يريدون السفر في غير معصية فيعجزون من بلوغ سفرهم إلا بمعونة، وقال قتادة: هو الضيف. ﴿فَرِيضَةٌ﴾ واجبة ﴿مِنَ اللهِ﴾ وهو نصب على القطع في قول الكسائي، وعلى المصدر في قول سيبويه أي: فرض الله هذه الأشياء فريضة، وقال إبراهيم بن أبي عبلة: رفع فريضة فجعلها خبراً كما تقول: إنّما يزيد خارج ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . واختلف العلماء في كيفية قسم الصدقات المذكورة في هذه الآية، (وهل] يجب لكل صنف من هؤلاء الأصناف الثمنية فيها حق، أو ذلك إلى رب المال ومن يتولى قسمها في أن له أن يعطي جميع ذلك من شاء من الاصناف الثمنية، فقال بعضهم: له قسمها ووضعها في أي الأصناف يشاء وإنما سمّى الله تعالى الاصناف الثمنيه في الآية إعلاماً منه إن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف إلى غيرها لا إيجاد القسمة بينهم، وهو قول عمر بن الخطاب وحذيفة وابن عباس وابن [جبير] وعطاء وأبي العالية وميمون بن مهران وأبي حنيفة. أخبرنا عبد الله بن حامد. أخبرنا أبو بكر الطبري. حدّثنا علي بن حرب، أخبرنا ابن فضيل، حدّثنا عطاء عن سعيد ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ الآية، أيُّ هذه الأصناف وجدتَ أجزاك أن تعطيه صدقتك، ويقول أبو حنيفة: يجوز الاقتصار على رجل واحد من الفقراء، وقال مالك يخصّ بأمسّهم حاجةً. كان الشافعي يجري الآية على ظاهرها ويقول: إذا تولّى رب المال قسمتها فإن عليه وضعه في ثلاثة أصناف لأن سهم المؤلّفة ساقط، وسهم العاملين يبطل بقسمته إياها، فإذا تولّى الإمام قسمتها فإن عليه أن يقسمها على سبعة أصناف، يجزيه أن يعطي من كل صنف منهم أقل من ثلاثة أنفس ولا يصرف السهم ولا شيئاً منه عن أهله أحد يستحقه، ولا يخرج من بلد وفيه أحد يردّ حقه ممّن لم يوجد من أهل السهام على من وجد منهم، وهذا قول عمر بن عبد العزيز، وعكرمة والزهري. ثمّ رجع إلى ذكر المنافقين وقال: ﴿وَمِنْهُمْ﴾ يعني من المنافقين ﴿الَّذِينَ يُؤْذُّونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ نزلت في حزام بن خالد، والجلاس بن سويد، وإياس بن قيس، ومخشي بن خويلد، وسمّاك بن يزيد، وعبيد بن هلال ورفاعة بن المقداد، وعبيدة بن مالك، ورفاعة بن زيد، كانوا يؤذون النبي ◌ّ﴿ ويقولون مالا ينبغي، فقال بعضهم: لا تفعلوا ما يقولون فيقع بنا، فقال الجلاس: بل نقول ماشئنا، ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول: فإنّما محمد أذن سامعة فأنزل الله هذه الآية(١) (١) زاد المسير: ٣ / ٣١٢. ٦٣ سورة التوبة، الآيات: ٦٠ - ٦٩ وقال محمد بن إسحاق عن يسار وغيرة نزلت في رجل من المنافقين يقال له: نهشل بن الحرث، وكان حاسر الرأس أحمر العينين أسفح الخدين مشوّه الخلقة، وهو الذي قال النبي تليفون: (من أراد أن ينظر الى الشيطان فلينظر إلى نهشل بن الحرث)) [٢٤](١)، وكان ينمّ حديث النبي ◌َّل إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل، فقال: إنما محمد أذن، من حدّثه شيئاً يقبل، نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له ويصدقنا عليه، فأنزل: ﴿الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن﴾ يسمع من كل واحد ويقبل ما يقال له ومثله أذنة على وزن فعلة ويستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع، وأصله: أذن يأذن أذناً إذا استمع، ومنه قول النبي ◌َّ: ما اذن الله لشيء كأذنه لنبي بمعنى القرآن، وقال عدي بن زيد: إن همي في سماع وأَذَن(٢) أيها القلب تعلل بددن وقال الأعشى :. صمٌّ إذا سمعوا خيراً ذُكرتُ به وإِن ذُكرتُ بشرِّ عندهم أذنوا(٣) وكان أستاذنا أبو القاسم الجبيبي يحكي عن أبي زكريا العنبري عن ابن العباس الازهري عن أبي حاتم السجستاني أنّه قال: هو أذن أي ذو أذن سامعة. ﴿قُلْ أَذُنُ خَيْرِ لَكُمْ﴾ قراءة العامة بالإضافة أي أذن خير لا أذن شرّ، وقرأ الحسن والأشهب العقيلي: والأعمش والبرجمي: أذن خير لكم مرفوعاً من المنافقين ومعناه: إنْ كان محمداً كما تزعمون بأن يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم. ثم كذّبهم فقال ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعلمهم، وقيل: يقال أمنتك وأمنت لك .](٥) ربهم بمعنی صدقتك کقوله: ﴿الذين هم بآيات ربهم يؤمنون﴾(٤) أي [. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ قرأ الحسن وطلحة والأعمش وحمزة: (ورحمة) عطفاً على معنى أُذن خير وأُذن شر في قول عبد الله وأبي، وقرأ الباقون: (ورحمة) بالرفع أي: هو أُذن خير، وهو رحمة، جعل الله تعالى محمداً وَلّر مفتاح الرحمة ومصباح الظلمة وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ قال قتادة والسدّي: [اجتمع نفراً من المنافقين منهم جلاس بن سويد وذريعة بن ثابت فوقعوا في النبي وَلّ (١) أسباب النزول للواحدي ١١٨، وفيه: نبتل بن الحارث، وكذا في تفسير القرطبي: ٨ / ١٩٢. (٢) تاج العروس: ٩ / ١٢٠. تاج العروس: ٩ / ١٢٠. (٣) (٤) سورة المؤمنون: ٥٨ . (٥) كلمة غير مقروءة. ٦٤ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي وقالوا: لئن كان ما يقول محمد حق لنحن شر من الحمير، وكان سمعهم غلام من الأنصار يقال له عامر بن قيس، فحقروه وقالوا هذه المقالة، فغضب الغلام وقال: والله إنّ ما يقوله محمد حق وأنتم شر من الحمير، ثم أتى النبي ◌َّ فأخبره فدعاهم فسألهم فحلفوا إن عامراً كذّاب، وحلف عامر أنهم كذبة، فصدقهم النبي ◌َّ فجعل عامر يقول: اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب، وقد كان قال بعضهم في ذلك: يا معشر المنافقين والله إني شر خلق الله، لوددت أني قدمت فجلدت مائة جلدة ولا ينزل فينا شيء يفضحنا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية (١). وقال مقاتل والكلبي: نزلت هذه الآية في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك، فلمّا رجع رسول الله وقليل من تبوك أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم من تخلّفهم، ويطلبون ويحلفون، فأنزل الله ﴿يحلفون بالله لكم ليرضوكم وَاللهُ وَرَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ وقد كان حقه يرضوهما وقد مضت هذه المسألة، قال الشاعر: ما كان حبك والشقاء لتنتهي أي الحبل. حتى يجازونك في مغار محصد ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ وقراءة العامة بالياء على الخبر، وقرأ السلمي بالتاء على الخطاب ﴿أنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله ﴿يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾، قال مجاهد: كانوا يقولون القول بينهم ثم يقولون: عسى الله أن لا يفشي سرّنا فقال الله لنبيه متهدداً ﴿قُلْ اسْتَهْزِؤُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجُ مَا تَحْذَرُونَ﴾ قال قتادة: كانت تسمى هذه السورة الفاضحة والمثيرة والمبعثرة، أثارت مخازيهم ومثالبهم. قال الحسن: كان المسلمون يسمّون هذه السورة الحفّارة، حفرت مافي قلوب المنافقين فأظهرته. قال ابن كيسان نزلت هذه الآية في اثني عشر رجلاً من المنافقين وقفوا لرسول الله وَليه على العقبة لما رجع من غزوة تبوك ليفتكوا به إذا حلأها، ومعهم رجل مسلم يخفيهم شأنه وتنكروا له في ليلة مظلمة فأخبر جبرئيل رسول الله وَّر ما قدموا له، وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، وعمار بن ياسر يقود برسول الله صل﴿ وحذيفة يسوق به. فقال لحذيفة: اضرب بها وجوه رواحلهم، فضربها حتى نحاهم، فلمّا نزل قال لحذيفة: هل عرفت من القوم؟ قال: لم أعرف منهم أحداً، فقال رسول الله وَله: إنّهم فلان وفلان حتى عدهم كلّهم، فقال حذيفة ألا تبعث إليهم فتقتلهم، قال: ((أكره أن يقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم، بل يكفيكم الله الدبيلة)) قيل: يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال: ((شهاب من جهنم يوضع على نياط فؤاد أحدهم حتى تزهق نفسه فكان كذلك)) [٢٥](٢). (١) أسباب النزول للواحدي: ١٦٨. (٢) انظر القصّة في: تفسير ابن كثير: ٢ / ٣٨٧، بتفاوت. ٦٥ سورة التوبة، الآيات: ٦٠ - ٦٩ ﴿وَلَئِنْ سَأَ لْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ﴾ الآية، قال ابن عمر وقتادة وزيد بن أسلم ومحمد ابن كعب: قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: ما رأيت مثل [قرائنا] هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله وَلقر وأصحابه، فقال له عوف بن مالك: كذبت ولكنك منافق، لأخبرن رسول اللـه وسلم، فذهب عوف إلى رسول الله ◌َ و ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله * قد ارتحل وركب ناقة فقال: يارسول الله إنما كنّا نخوض ونلعب ونتحدث بحديث الركب يقطع به عنا الطريق. قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقاً بحقب ناقة رسول الله له والحجارة تنكبه وهو ويقول: إنا كنّا نخوض ونعلب. فيقول له رسول الله ◌َّ ﴿أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ﴾ فالتفت إليه وما يزيده عليه(١) . وقال قتادة: بينما رسول الله وَل يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا أيظن هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها، هيهات هيهات، فأطلع الله نبيّه على ذلك فقال النبي ◌َّر: احبسوا عليَّ الركب، فدعاهم فقال لهم: قلتم كذا وكذا، فقالوا يانبي الله أنما كنا نخوض ونلعب، وحلفوا على ذلك، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. وقال مجاهد: قال رجل من المنافقين: يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا وما يدريه ما الغيب، فأنزل الله هذه الآية، وقال ابن كيسان: نزلت في وديعة بن ثابت وهو الذي قال هذه المقالة، وقال الضحاك: نزلت في عبد الله بن أبي ورهطه كانوا يقولون في رسول الله وقلقه وأصحابه مالا ينبغي، فإذا بلغ رسول الله سير ذلك قالوا: إنّما كنا نخوض ونلعب قال الله عز وجل: ﴿قل أبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ﴾ . ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ بقولكم هذا ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ إقراركم ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَة مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ قراءة العامة بضم الياء والتاء على غير تسمية الفاعل، وقرأ عاصم: إن نعف بنون مفتوحة وفاء مضمومة، نعذب بالنون وكسر الذال طائفة بالنصب، والطائفة فى هذه الآية رجل يقال له مخشي بن حمير الأشجعي، أنكر عليهم بعدما سمع ولم يمالئهم عليه وجعل يسير مجانباً لهم، فلمّا نزلت هذه الآية تاب من نفاقه وقال: اللهم إني لا أزال أسمع آية تقرأ أعنى بها، تقشعر منها الجلود وتجل وتجب(٢) فيها القلوب، اللهم فاجعل وفاتي قتلاً في سبيلك، لا يقول أحد: أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة فيمن قتل فما أحد من المسلمين الا (٣) وجدوه وعرف مصرعه غيره (١) تفسير الطبري: ١٠ / ٢٢٠، وأسباب نزول الآيات: ١٦٩. (٢) كذا في تفسير ابن كثير وفي المصدر: تجل. (٣) تفسير الطبري: ١٠ / ٢٢٠، وتفسير ابن كثير: ٢ / ٣٨٢. ٦٦ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي وقيل: معناه إن يتب على طائفة منكم فيعفو الله عنهم ليعذب طائفة بترك التوبة ﴿بِأَ نَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْض﴾ أي شكل بعض وعلى دين بعض، يعني إنهم صنف واحد وعلى أمر واحد، ثم ذكر أمرهم فقال ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ بالكفر والمعصية ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ عن الإيمان والطاعة ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ يمسكونها ويكفّونها عن الصدقة والنفقة في الحق ولا يبسطونها بالخير، وأصله: إنّ المعطي يمد يده ويبسطها بالخير، فقيل: لمن بخل ومنع قد قبض يده، ومنه قوله: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾ أي ممسكة عن النفقة . ﴿نَسُوا اللهَ فَتَسِيَهُمْ﴾ تركوا طاعة الله فتركهم الله من توفيقه وهدايته في الدنيا ومن رحمته المنجية من عذابه وناره في العقبى ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ هُمُ الفَاسِقُونَ وَعَدَ اللهُ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ وَالكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ كافيتهم عذاباً وجزاءً على كفرهم ﴿وَلَعَنَّهُمُ اللـهُ﴾ طردهم وأبعدهم من رحمته ولهم عذاب مقيم ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني فعلتم كفعل الذين كانوا من قبلكم ولُعنتم وعُذّبتم كما لعن الذين كانوا من قبلكم من كفار الأُمم الخالية ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ بطشاً ومنعة ﴿وَأكْثَرَ أمْوَالا وَأوْلادَاً فَاسْتَمْتَعُوا﴾ وتمتعوا وانتفعوا ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ بنصيبهم من الدنيا ورضوا به عوضاً من الآخرة. قال أبو هريرة: الخلاق(١): الدين ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ﴾ في الباطل والكذب على الله وتكذيب رسله والاستهزاء بالمؤمنين ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أراد كالذين خاضوا وذلك أن (الذي) اسم ناقص مثل (ما) و(من) يعبّر بها عن الواحد والجميع نظير قوله: ﴿مثله كمثل الذي استوقد﴾ ثم قال: ﴿ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات﴾(٢) قال الشاعر: وإنّ الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد(٣) وأن شئت جعلت (الذي) إشارة إلى ضمير، وقوله: خضتم كالخوض الذي خاضوا فيه إلى قوله الخاسرون. روى أبو هريرة عن النبي رَله: لتأخذن كما أخذت الامم من قبلكم ذراعاً بذراع وشبراً بشبر وباعاً بباع، حتى لو أن أحد من ثمّ أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه، قال أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم ﴿كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة﴾ الآية، قالوا: يارسول الله كما صنعت (١) وقال الراغب: الخلاق ما اكتسبه الانسان من الفضيلة بخلقه. (٢) سورة البقرة: ١٧. (٣) كتاب العين الفراهيدي: ٢٠٩/٨، والبيت للأشهب بن زميلة كما في هامش الصحابة للجوهري: ٣٣٥/١. ٦٧ سورة التوبة، الآيات: ٧٠ - ٧٢ فارس والروم وأهل الكتاب، قال: ((وهل الناس إلا هم))(١) [٢٦](٢). قال ابن عباس في هذه الآية: ما أشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم، وقال ابن مسعود: أنتم أشبه الأُمم ببني إسرائيل سمتاً وهدياً، تتبعون عملهم حذو القذّة بالقذّة غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا(٣). وقال حذيفة: المنافقون الذين فيكم اليوم شرٌّ من المنافقين الذي كانوا على عهد النبي الَّل، قلنا: وكيف؟ قال: أُولئك كانوا يخفون نفاقهم وهؤلاء أعلنوه. أَّ بَأْتِهِمْ تَبَّأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَنَعُودَ وَقَّوْمٍ إِثْزَهِيْمَ وَأَصْحَبٍ مَدْيَنَ وَالْمُوَفِكَنِّ أَنَنْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ إِظْلِمَهُمْ وَلَنْكِنْ كَانُوَاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ◌َ وَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَشْهُ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّّ بَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَبُطِيعُونَ اللَّهُ وَرَسُولَهُ، أَوْلَئِكَ سَيِرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿يَ وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتِ نَخْرِى مِن تَمْنِهَا اَلْأَنْهَدُرُ خَلِيْنَ فِيهَا وَمَسَلَكِنَ طَيِّبَةُ فِي ◌َّتِ عَدْنٍ (٧٢) وَرِضْوَّنٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾ يعني المنافقين والكافرين ﴿نَبَأْ﴾ خبر ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ حين عصوا رسلنا خالفوا أمرنا كيف أهلكناهم وعذّبناهم ثم ذكرهم. فقال ﴿قَوْمِ نُوح﴾ بالمعنى بدلا من الذين هلكوا بالطوفان ﴿وَعَاد﴾ أُهلكوا بالريح ﴿وَثَمُودَ﴾ أُهلكوا بالَرجفة ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمٌ﴾ بسلب النعمة وهلاك نمرود ﴿وَأَصْحَابٍ مَدْيَنَ﴾ يعني قوم شعيب بعذاب يوم الظلّةَ ﴿وَالمُؤْتَفِكَاتِ﴾ المنقلبات التي جعلت عاليها سافلها، وهم قوم لوط ﴿أتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ﴾ فكذبوهم عصوهم كما فعلتم يا معشر الكفّار فاحذروا بتعجيل النقمة ﴿فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ إلى قوله وَبَعْضُهُمْ أوْلِيَاءُ بَعْض﴾ في الدين والملة والعون والنصرة والمحبة والرحمة. قال جرير بن عبد لله سمعت النبي ◌ُّلل يقول: ((المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة))، الطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة)) [٢٧](٤)، ◌ْيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ بالإيمان والخير ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ﴾ مالا يعرف في شريعة ولا سنّة. قال أبو العالية كلما ذكر الله تعالى في كتابة من الأمر بالمعروف فهو رجوع من الشرك إلى ١) تفسير الطبري: ١٠ / ٢٢٥، ومسند أبي يعلى: ١١ / ١٨٢. ١) مسند أبي يعلى: ١١ / ١٨٢. ٢) مجمع الزوائد: ٧ / ٢٦١ ورواه ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وسلم). :) المستدرك: ٤ / ٨١. ٦٨ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي الإسلام، والنهي عن المنكر فهو النهي عن عبادة الأوثان والشيطان ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ المفروضة ﴿وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أَوْلَئِكَ﴾ إلى قوله ﴿وَمَسَاكِنَ طَيَِّةً﴾ ومنازل طيبة . قال الحسن: سألت أبا هريرة وعمران بن حصين عن قول الله ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْن﴾. قالا: على الخبير سقطت، سألنا رسول الله وَلّر عن ذلك فقال: ((قصر في الجنة من لؤلؤ فيه سبعون دار من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زبرجدة خضراء، في كل بيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون فراشاً، على كل فراش زوجة من الحور العين، وفي كل بيت مائدة وعلى كل مائدة سبعون لوناً من الطعام، وفي كل بيت وصيفة، ويعطى المؤمن من القوة في غداة واحدة مايأتي على ذلك أجمع» [٢٨](١). ﴿فِي جَنَّاتٍ عَدْن﴾ في بساتين ظلال وإقامة، يقال: عدن بالمكان إذا أقام به، ومنه المعدن، قال رسول الله وَ﴾: ((عدن دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة من النبيّين والصدّيقين والشهداء، يقول الله: طوبى لمن دخلك)) [٢٩]. وقال عبد الله بن مسعود: هي بطنان الجنة أي وسطها، وقال ابن عباس: سألت كعباً عن جنات عدن فقال: هي الكروم والأعناب بالسريانية(٢)، وقال عبد الله بن عمر: إنّ في الجنة قصراً يقال له عدن، حوله البروج والمروج، له خمسة آلاف باب، على كل باب [حبرة] لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد. قال الحسن: جنات عدن، وما أدراك ما جنات عدن، قصر من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل، ورفع به صوته. [في حديث آخر قصراً في الجنة يقال له: عدن، حوله البروج والمروج له خمسون ألف باب، وقال الضحاك: هي مدينة الجنة فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنان حولها . وقال عطاء بن السايب: عدن نهر في الجنة جناته على حافتيه، وقال مقاتل والكلبي: أعلى درجة في الجنة وفيها عين التسنيم، والجنان حولها محدقة بها وهي مغطاة من يوم خلقها الله عز وجل حتى ينزلها أهلها الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون ومن شاء الله، وفيها قصور الدرةٌ والياقوت والذهب، فتهب الريح الطيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كثبان المسك الأحلى، وقال عطاء الخراساني في قوله: ﴿ومساكن طيبة في جنات عدن﴾ قال: قصر من الزبرجد والدرّ والياقوت يفوح طيبها من مسيرة خمسمائة عام في جنات عدن، وهي قصبة الجنـ وسقفها عرش الرحمن. ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ رفع على الابتداء، أي رضا الله عنهم أكبر من ذلك كله. (١) مجمع الزوائد: ٣ / ١٤١. (٢) تفسير الطبري: ١٠ / ٢٣٠. ٦٩ سورة التوبة، الآيات: ٧٣ - ٧٤ روى مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله وير: ((إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربّنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم فيقولون: ومالنا لانرضى وقد أعطيتنا مالم تعط أحدا من رضاك؟ فيقول: ألا أعلمكم أفضل من ذلك؟ قالوا: وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً)) [٣٠](١). ﴿ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . ◌َّأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُّظَ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ! (٧٣) يَحْلِفُونَ بِلّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَحَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ وَهَنُواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوا إِلَّ أَنْ أَغْتَدَهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن فَضْلِهِ. فَإِنِ يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرَاً لَُّّ وَإِن يَتَوَلَوْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى الذُّنْيَا ٧٤ وَالْآَخِرَةِّ وَمَا لَهُمْ فِ اَلْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ﴾ بالسيف والقتال ﴿وَالمُنَافِقِينَ﴾. اختلفوا في صفة جهاد المنافقين، قال ابن مسعود: بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فإن لم يستطع فاكفهر (٢) في وجهه. قال ابن عباس: باللسان وشدة الزجر بتغليظ الكلام، قال الحسن وقتادة: بإقامة الحدود عليهم، ثم قال ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ في الآخرة ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ قال [ابن مسعود وابن عباس] وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو [والصلح] والصفح. ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا﴾ قال ابن عباس: كان رسول الله وَّ جالساً في ظل شجرة فقال: إنه سيأتيكم إنسان ينظر اليكم بعينيّ شيطان، إذا جاء فلا تكلّموه، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول الله وَي فقال: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ماقالوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية(٣). وقال الضحاك: خرج المنافقون مع رسول الله وَلّه إلى تبوك، وكانوا إذا خلا بعضهم ببعض سبّوا رسول الله وَّير وأصحابه وطعنوا في الدين، فنقل ماقالوا حذيفة إلى رسول الله وكل فقال النبي: (يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم؟)) [٣١] فحلفوا لرسول الله وَلي ما قالوا بشيء من ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذاباً لهم(٤). (١) مسند أحمد: ٣ / ٨٨. (٢) اكفهر: عبس. (٣) تفسير الطبري: ١٠ / ٢٣٧. (٤) أسباب النزول للواحدي: ١٦٩ . ٧٠ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي وقال الكلبي: نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت [لأنّ] رسول الله وَ ي خطب ذات يوم بتبوك وذكر المنافقين فسمّاهم رجساً وعابهم، فقال الجلاس: والله إن كان محمد صادقاً فيما يقول فنحن شر من الحمير فسمعه عامر بن قيس، فقال: أجل والله إن محمداً لصادق مصدق وأنتم شر من الحمير. فلما انصرف رسول الله وَ له إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس، فقال الجلاّس: كَذِب يا رسول الله عليّ، ما قلتُ شيئاً من ذلك، فأمر رسول الله وَّل أن يحلفا عند المنبر بعد العصر، فحلف بالله الذي لا إله إلاّ هو ما قاله، وإنه كذب عليّ عامر، ثم قام عامر فحلف بالله الذي لا إله إلاّ هو لقد قاله وما كذبت عليه، ثم رفع عامر بيديه إلى السماء فقال: اللهم أنزل على نبيك الصادق منا المصدّق، فقال رسول الله وَّله والمؤمنون: آمين، فنزل جبرئيل على النبي وَل﴾ قبل أن يتفرقا بهذه الآية حتى بلغ ﴿فإن يتوبوا يكُ خيراً لهم﴾ فقام الجلاس، فقال: يارسول الله أسمع الله قد عرض عليّ التوبة، صدق عامر بن قيس في ذلك، لقد قلته وأنا أستغفر الله وأتوب إليه، فقبل رسول الله ثر ذلك منه ثم تاب فحسن توبته. قال قتادة: ذُكر لنا أن رجلين اقتتلا: رجلا من جهينة، ورجلاً من غفار، وكانت جهينة حلفاء الأنصار، وظفر الغفاري على الجهيني، فنادى عبد الله بن أبي: أيّها الأوس انصروا أخاكم فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلاّ كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك. ثم قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ، فسعى بها رجل من المسلمين إلى رسول الله ﴿ل فأرسل ويقول إليه، فجعل يحلف بالله ما قال، فأنزل الله عز وجل: يحلفون بالله ما قالوا ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ . قال مجاهد: هم المنافقون بنقل المؤمن الذي يقول لنحن شر من الحمير لكي لا يفشيه عليه . قال السدي: قالوا إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبد الله بن أبي تاجاً يباهي به .](١) إليه. .. . . .] وقال الكلبي: هم خمسة عشر رجلاً منهم عبد الله بن أبي، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطعمة بن أبيرق والجلاس بن سويد وعامر بن النعمان وأبو الأحوص، همّوا بقتل النبي 18 في غزوة تبوك فأخبر جبرائيل بذلك رسول الله وَ له، وقيل: إنهم من قريش هموا في قتل النبي ◌َّر فمنعه الله عز وجل. جابر عن مجاهد عن ابن عباس رضيالله في هذه الآية قال: هَمَّ رجل من قريش يقال له (١) كلمة غير مقروءة. ٧١ سورة التوبة، الآيات: ٧٥ - ٧٨ الاسود بقتل رسول اللـه ◌َ﴿ ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ منه، ما أنكروا منه ولا [ينقمون] ﴿إلاَّ أنْ أغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [ويقال: إنّ القتيل] مولى الجلاس قُتل، فأمر رسول الله وَّل بديته اثني عشر ألفا فاستغنى، وقال الكلبي: كانوا قبل قدوم النبي وَّر في ضنك من عيشهم، لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة، فلمّا قدم النبي ◌َّ استغنوا بالغنائم، وهذا مثل مشهور: اتّقِ شر من أحسنت إليه . ثم قال الله عز وجل ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا﴾ من نفاقهم وكفرهم ﴿يَكُنْ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ يعرضوا عن الإيمان ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَاباً ألِيماً فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل والخزي ﴿وَالآخِرَةِ﴾ بالنار ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الأرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٌ﴾ . فَلَتَآَ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَاتَنْنَا مِنْ فَضْلِهِ، لَصَّدَّفَنَّ وَلَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ءَاتَّدَهُمِ مِن فَضْلِهِ بَخْلُواْ بِهِ، وَتَوَّلُّواْ وَّهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِقَافًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ بَلْقَوْنَهُ بِمَاً أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴿١٦) أَمْ يَعْلَمُوْ أَنَ اَللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَحْوَنِهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّهُ الْغُيُوبِ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ﴾ الآية. روى القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة الباهلي قال: جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري إلى رسول الله ◌ّير فقال: يارسول الله ادع الله أن يرزقني مالا فقال رسول الله صلول: ((ويحك يا ثعلبة قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه)) ثم أتاه بعد ذلك. فقال: يارسول الله أدع الله أن يرزقني مالا، فقال رسول الله ويلي: ((﴿ولكم في رسول الله أسوة حسنة﴾، والذي نفسي بيده لو أردت أن تصير الجبال معي ذهباً وفضة لصارت)) ثم أتاه بعد ذلك فقال: يارسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً، والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطينّ كلّ ذي حق حقه، فقال رسول الله وَلَهُ: ((اللهم ارزق ثعلبة مالاً)) [٣٢]. قال: فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها، فنزل وادياً من أوديتها وهي تنمو كما تنمو الدود، وكان يصلّ مع النبي وَّ الظهر، ويصلّي في غنمه ساير الصلوات، ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة فصار لا يشهد إلا الجمعة، ثم كثرت ونمت فتباعد حتى كان لا يشهد جمعة ولا جماعة، فكان إذا كان يوم الجمعة يمر على الناس يسألهم عن الأخبار، فذكره رسول الله وَل وسأل ذات يوم فقال: مافعل ثعلبة؟ قالوا يارسول الله اتخذ ثعلبة غنماً مايسعها واد. فقال رسول الله ◌ُّر: (يا ويح ثعلبة، ياويح ثعلبة، ياويح ثعلبة)) وأنزل الله تعالى آية الصدقة فبعث رسول الله ◌َ رجلاً من بني سليم ورجل من جهينة وكتب لهما إتيان الصدقة ٧٢ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي وكيف يأخذان وقال لهما رسول الله وَّيقول: ((مُرّا بثعلبة بن حاطب ورجل من بني سليم فخذا صدقاتهما)). فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وقرءا له كتاب رسول الله وسلم، فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أُخت الجزية، انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليّ، فانطلقا وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار أسنان ابله، فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بها فلمّا زادها قالا: ما هذا عليك، قال: خذاه فإن نفسي بذلك طيبة، فمرّا على الناس وأخذا الصدقات، ثم رجعا إلى ثعلبة فقال: أروني كتابكما فقرأه ثم قال: ما هذه إلا جزية، ما هذه الا أُخت الجزية، إذهبا حتى أرى رأيي، قال: فأقبلا فلمّا رآهما رسول الله وَله قبل أن يتكلّما قال: ((ياويح ثعلبة، ياويح ثعلبة، ياويح ثعلبة)) ثم دعا للسلمي بخير فأخبراه بالذي صنع ثعلبة، فأنزل الله فيه ﴿ومنهم من عاهد الله لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إلى قوله ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ وعند رسول الله ◌َّ رجل من أقارب ثعلبة فسمع قوله فخرج حتى أتاه فقال: ويحك ياثعلبة قد أنزل الله عز وجل فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي ◌َّم فسأله أن يقبل منه الصدقة. فقال: ((إن الله تعالى منعني أن أقبل منك صدقتك)) فجعل يحثي على رأسه التراب، فقال له رسول الله ﴾: ((هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني)) [٣٣] فلما نهى أن يُقبض رسول الله وَل رجع إلى منزله وقُبض رسول الله وَّله ولم يقبض ولم يقبل منه شيئاً ثم أتى أبا بكر (له) حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله ◌ّ#وموضعي من الأنصار فاقبل صدقتي، فقال أبو بكر: لم يقبلها منك رسول الله وَله وأنا أقبلها؟ فلم يقبل، وقُبض أبو بكر فلم يقبلها، فلمّا ولي عمر (ربه) أتاه فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها منك رسول الله وَل ولا أبو بكر، أنا لا أقبلها، فقُبض عمر ولم يقبلها، ثم ولي عثمان فأتاه فسأله أن يقبل صدقته فقال: لم يقبلها منك رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر، أنا لا أقبلها منك، فلم يقبلها منه وهلك في خلافة عثمان(١). وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: أتى ثعلبة مجلساً من الأنصار فأشهدهم فقال: لئن آتاني الله من فضله أتيت منه كل ذي حق حقه، وتصدّقت منه، ووصلت القرابة، فمات ابن عم له فورثه مالاً فلم يوف بما قال، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية. وقال مقاتل: مرّ ثعلبة على الأنصار وهو محتاج، فقال: لئن آتاني الله من فضله لأصّدقن ولأكوننّ من الصالحين فآتاه الله من فضله وذلك أن مولى لعمر بن الخطاب قتل رجلاً من المنافقين خطأً فدفع النبي ◌َّ ديته إلى ثعلبة، وكان قرابة المقتول فبخل ومنع حق الله فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية. (١) بطوله في تفسير الطبري: ١٠ / ٢٤٢، وأسد الغابة: ١ / ٢٣٨. ٧٣ سورة التوبة، الآيات: ٧٥ - ٧٨ وقال الحسن ومجاهد: نزلت هذه الآية في ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشيو وهما رجلان من بني عمرو بن عوف خرجا على ملأ قعود فقالا: والله لئن رزقنا الله لنصّدقنّ، فلمّا رزقهما الله تعالى بخلا . وقال الضحاك: نزلت في رجال من المنافقين [نبتل] بن الحرث وجدّ بن قيس وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير قالوا: لئن آتانا الله من فضله لنصّدقنّ، فلمّا آتاهم الله من فضله وبسط لهم الدنيا بخلوا به ومنعوا الزكاة. وقال الكلبي: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، كان له مال بالشام فجهد لذلك جهداً شديداً فحلف بالله: لئن آتانا الله من فضله من رزقه يعني المال الذي بالشام لأصدّقن منه ولأصلنّ ولآتين حق الله منه، فآتاه الله ذلك المال فلم يفعل ما قال، فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿ومنهم﴾ يعني من المنافقين ﴿من عاهدوا الله لئن آتانا الله من فضله لنصّدقن﴾ ولنوفّينّ حق الله منه ﴿ولنكوننّ من الصالحين﴾ أي نعمل ما يعمل أهل الصلاح بأموالهم من صلة الرحم والنفقة في الخير ﴿فَلَمًّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ﴾ فأتبعهم، وقيل فجازاهم ببخلهم. قال النابغة : كما أطاعك وادلله على الرشد (١) فمن أطاعك فانفعه بطاعته ﴿نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ﴾ حرمهم الله التوبة ﴿بِمَا أخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ قال معبد بن ثابت: إنما هو [شيء] ظاهر في أنفسهم ولم يتكلموا به، ألم تسمع قول الله عزّ وجلّ ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلَّمُ الغُيُوبٍ﴾؟ عن مسروق عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله وَلجر: ((أربع من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خصم فجر)) [٣٤](٢). الأشعث عن الحسن قال: قال رسول الله وَّر: ((ثلاث من كُنَّ فيه فهو منافق وإن صلّى وصام وزعم أنه مؤمن. إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، إذا أؤتمن خان)) [٣٥]. وقال عبد الله بن مسعود اعتبروا المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، أنزل الله تصديق ذلك في كتابه ﴿ومنهم من عاهد الله﴾ إلى قوله ﴿كانوا يكذبون﴾، وهذا خبر صعب الظاهر. فمن لم يعلم تأويله عظم خطؤه وتفسيره. أخبرني شيخي الحسن بن محمد بن الحسن بن جعفر، قال: أخبرني أبي عن جدي (١) تاريخ دمشق: ٣٥ / ٤٢٦. (٢) صحيح البخاري: ١ / ١٤. ٧٤ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي الحسين بن جعفر، قال: حدّثنا محمد بن يزيد السلمي، قال: حدّثنا عمار بن قيراط عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان قال: كنت على قضاء سمرقند فقرأت يوماً حديث المقبري عن أبي هريرة عن النبي ◌َّر: ((ثلاث من كُنّ فيه فهو منافق: إذا حدّث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف)) [٣٦]. فتوزع فيه فكري وانقسم قلبي وخفت على نفسي وعلى جميع الناس وقلت من ينجو من هذه الخصال؟ [فأخللت] بالقضاء وأتيت بخارى وسألت علماءها فلم أجد فرجاً، فأتيت مرو فلم أجد فرجاً، فأتيت نيشابور فلم أجد عند علمائها فرجاً، فبلغني أن شهر بن حوشب بجرجان فأتيته وعرضت عليه قصتي وسألت عن الخبر، فقال لي: لم [أكن] أنا [حين] سمعت هذا الخبر كالحبة على المقلاة (١) خوفاً فأدرك سعيد بن جبير فأنه متولد بالريّ فاطلبه وسله لعلك تجد لي ولك، وسمعت أن عنده فرجاً، فأتيت الري وطلبت سعيداً فأتيته وعرضت عليه القصة وسألته عن معنى الخبر. فقال: أنا كذلك خائف على نفسي منذ بلغني هذا الخبر، وأنا خائف عليك وعلى نفسي من هذه الخصال: ولقد قاسيت وعانيت سفراً طويلاً وبلاياً فعليك بالحسن البصري فإني أرجو أنك تجد عنده لي ولك وللمسلمين فرجاً، فأتيت البصرة وطلبت الحسن وقصصت عليه القصة بطولها، فقال رحم الله شهراً قد بلغها النصف من الخبر ولم يبلغهما النصف، أن رسول الله واله لما قال هذا الخبر شغل قلوب أصحابه [وهابوا] أن يسألوه، فأتوا فاطمة وذكروا لها شغل قلوبهم بالخبر، فأتت فاطمة رضيها رسول الله ﴾﴾ فأخبرته شغل قلوب أصحابه، فأمر سلمان فنادى الصلاة جامعة، فلمّا اجتمعوا صعد المنبر فقال: ((يا أيها الناس أما إنّي كنت قلت: ثلاث من كُنّ فيه فهو منافق: إذا حدّث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف، ما عنيتكم بها، إنّما عنيت بها المنافقين، إنما قولي: إذا حدّث كذب فإن المنافقين أتوني وقالوا لي: والله إن إيماننا كإيمانك وتصديق قلوبنا كتصديق قلبك، فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله﴾ الآية، وأما قولي: إذا أؤتمن خان: فإن الأمانة الصلاة والدين كلّه أمانة، قال الله تعالى: ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم فإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً﴾ وفيهم قال: ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلوتهم ساهون﴾ وأما قولي: إذا وعد أخلف، فإنّ ثعلبة بن حاطب أتاني فقال: إني فقير ولي غنيمات فادع الله أن يبارك فيهن، فدعوت الله فنمتْ وزادت حتى ضاقت الفجاج بها، فسألته الصدقات فأبى عليّ وبخل بها، فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿ومنهم من عاهد الله﴾ إلى قوله ﴿بما أخلفوا الله ما وعدوه﴾)) [٣٧]. (١) مثل، والمقلاة وعاء من نحاس أو غيره يقلى فيه الطعام. ٧٥ سورة التوبة، الآيات: ٧٥ - ٧٨ فسُرّ أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكبّروا وتصدّقوا بمال عظيم(١). وروى القاسم بن بشر عن أسامة عن محمد [المخرمي] قال: سمعت الحسن يقول: قال رسول الله وَر: ((ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: [من] إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)) [٣٨](٢) فقال الحسن: يا أبا سعيد والله لئن كان لرجل عليَّ دين فلقيني فتقاضاني وليس عندي فخفت أن يحبسني ويهلكني فوعدته أن أقضيه رأس الهلال فلم أفعل أمنافق أنا ؟! هكذا جاء الحدیث . ثم حدّث عن عبد الله بن عمرو أن أباه لما حضره الموت قال: زوّجوا فلاناً فإني وعدته أن أزوجه، لا ألقى الله بثلث النفاق، قال: قلت: يا أبا سعيد ويكون ثلث الرجل منافقاً وثلثاه مؤمناً؟ قال: هكذا جاء الحديث. قال محمد: فحججت فلقيت عطاء بن أبي رباح فأخبرته بالحديث الذي سمعته من الحسن وما الذي قلت له عن المنافق وما قال لي: فقال لي أعجزت أن تقول له: أخبرني عن إخوة يوسف ألم يَعِدُوا أباهم فأخلفوه وحدثوه فكذبوه وائتمنهم فخانوه أفمنافقين كانوا ألم يكونوا أنبياء، أبوهم نبيّ وجدّهم نبيّ؟ فقلت لعطاء: يا أبا مُحَمّد حَدّثَني بأصل هذا الحديث، فقال: حَدّثَني جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله 8﴿ إنما قال هذا الحديث في المنافقين خاصة الذين حدثوا النبي وّر فكذبوه وائتمنهم على سرّه فخانوه ووعدوه أن يخرجوا معه إلى الغزو فأخلفوه، قال: فخرج أبو سفيان من مكة فأتى جبريل فقال: إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فقال النبي ◌َّ: ((إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا فأخرجوا إليه واكتموا)) [٣٩] فكتب رجل من المنافقين إليه: إن محمداً يريد بعثكم فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم﴾(٣) وأنزل في المنافقين ﴿ومنهم من عاهد الله لئن أتانا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿بما كانوا يكذبون). قال: إذا أتيت الحسن فاقرأه مني السلام فأخبره أصل هذا الحديث وبما قلت لك. فقدمت على الحسن وقلت: يا أبا سعيد إن أخاك محمّداً يقرئك السلام، فأخبرته بالحديث الذي حدث. فأخذ الحسن يدي فأحالها وقال: يا أهل العراق أعجزتم أن تكونوا مثل هذا، سمع منا حديثاً فلم يقبله حتى استنبط أصله، صدق عطاء هكذا الحديث في المنافقين خاصة (٤). (١) بطوله في تفسير الطبري: ١٠ / ٢٤٥.٢٤٤. (٢) صحيح مسلم : ١ / ٥٦. (٣) سورة الأنفال : ٢٧. (٤) بطوله في تفسير الطبري: ١٠ / ٢٤٦.٢٤٥ ح ١٣٢١٥. ٧٦ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوْعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَفَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمُ (٣٦) أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَّةُ فَكَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاللَّهُ لَّا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ لَهَا فَرِحَ الْمُخَلَفُونَ بِمَفْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوَاْ أَنْ يُحَِدُواْ بِأَمْوَلِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لَا نَّفِرُوا فِى فَضْحَكُوْ فَلِيلًا وَلْيَكُواْ كَثِيرًا جَزَّاءُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ أْخُرُّ قُلْ نَرُ جَهَثُمَ أَشَدُّ حَرَّأَ لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فَإِنِ زَّجَعَكَ اَلَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَأُسْتَقَذَلُوَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّنْ نَخْرُجُواْ مَعِىَّ أَبَدًّا وَلَنْ نُقَِلُواْ مَعِىَّ عَدُوَّاً إِنَّكُمْ رَضِثُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَّةٍ فَقْعُدُواْ مَعَ اْخَكِفِينَ لَّهَ وَلَا تُصَلِّ عَلىَّ أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َّاتَ أَبَدَّا وَلَا نَغُمْ عَلَى وَلَا تُعْجِبِّكَ أَمْوَهُمْ وَأَوْلَدُهُمَّ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ قَبَرِهِهُ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِلّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَانُواْ وَهُمْ فَسِقُونَ وَإِذَّا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُواْ بِأَهِ وَجَهِدُواْ مَعَ يُعَذِّبَهُم بِهَا فِ النُّنْيَا وَنَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ (60) رَسُولِ أَسْتَعْذَنَّكَ أُوْلُواْ الَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا تَكُنُ مَّعَ الْفَعِدِينَ (١٦) رَضُواْ بِأَنْ يَكُنُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَّهُونَ ﴿٨) لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهٍُ جَنَهَدُواْ بِأَمْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُوْلَِّكَ لَُمُ الْخَيْرَثُ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٨َ أَعَذَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَّخْرِى مِن تَحِّهَا الْأَنْهَدُ خَلِينَ فِيهَ ذَلِكَ اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٧) وَجَ اُلْمُعَذِّرُونَ مِنَ اْأَعْرَابِ لِيُؤْذِّنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلٌِّ ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى اَلْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَدُونَ مَا يُفِقُونَ حَرَجُ إِذَا تَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا عَلَى الْمُحْيِّينَ مِن سَبِيلِّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لَ ﴿الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات﴾ قال أهل التفسير: حثَّ رسول الله الله على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف فجئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، فأمسكت أربعة آلاف لعيالي. فقال رسول الله وَّل: ((بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت)) [٤٠]. فبارك الله في مال عبد الرحمن حتى مات وعنده امرأتين يوم مات فبلغ ثمن مالهما مائة وستون ألف درهم لكل واحدة منهما ثمانون ألفاً، وتصدّق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وستين وسقاً من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري - واسمه الحباب - بصاع من تمر وقال: يا رسول الله بتُ ليلتي أجرّ بالجرير أحبلا حتى نلت صاعين من تمر فأمسكت أحدهما لأهلي وأتيتك بالآخر فأمره رسول الله وَ ر أن ينثره في الصدقات، فلمزهم المنافقون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاّ رياء، ولقد كان الله ورسوله غنيين عن صاع أبي عقيل، ولكنه أحبَّ أن يزكي نفسه ليعطي الصدقة(١) فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿الذين يلمزون﴾ أي يعيبون ويغتابون المطوعين المتبرعين من المؤمنين في الصدقات. (١) تفسير الطبري: ١٠ / ٢٥١، وفتح الباري: ٢٥٠٨، وأسباب النزول للواحدي: ١٧٣.١٧٢. ٧٧ سورة التوبة، الآيات: ٧٩ - ٩١ وقال النضر بن شميل: هو الطيب نفسه في الصدقة يعني عبد الرحمن وعاصم. ﴿والذين لا يجدون إلاّ جهدهم﴾ طاقتهم يعني أبا عقيل. قرأ عطاء والأعرج: جهدهم بفتح الجيم، وهما لغتان مثل الجهد والجهيد، والضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغة أهل نجد. وكان الشعبي يفرق بينهما فيقول الجُهد: في العمل والجهد في القوة، وقال القتيبي في الجُهد: الطاقة والجهد المشقة ﴿فيسخرون منهم سخر الله منهم﴾ أو جازاهم ﴿ولهم عذاب أليم﴾. روى ابن عليّة عن الحريري عن أبي العليل قال: وقف على الحجر رجل فقال: حدثني أبي أو عمّي قال: شهدت رسول الله وسلّ وهو يقول: ((من يصّدق اليوم بصدقة أشهد له بها عند الله يوم القيامة)). قال: وعليَّ عمامة لي فنزعت منها لوثاً أو لوثين لأتصدق بها ثم أدركني بما يدرك ابن آدم فعصّبت بها رأسي، قال: فجاء رجل لا أرى بالبقيع رجلا أقصر قامة ولا أشدّ سواد ولا أَدم منه يقود ناقة لم أرَ بالبقيع ناقة أحسن ولا أجمل منها. فقال: هي وما في بطنها صدقة يا رسول الله، فألقى إليه بخطامها قال: فلمزه رجل جالس فقال: والله لِمَ يتصدق بها ولهي خير منه. فنظر رسول الله وَ ل﴿ وقال: ((بل هو خير منك ومنها (١))) [٤١]، يقول ذلك ملياً فأنزل الله عزّوجل هذه الآية ثم قال ﴿استغفر لهم﴾ يعني لهؤلاء المنافقين ﴿أولا تستغفر لهم﴾ لفظه [أمر ومعناه] جزاء تقديره: إن أستغفرت لهم أو لم تستغفر لهم ﴿لن يغفر الله لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ والسبعون عند العرب غاية تستقصا بالسبعة، والأعضاء، والسبعة تتمة عدد الخلق، كالسموات والأرض والبحار والأقاليم. ورأيت في بعض التفاسير: إن تستغفر لهم سبعين مرّة بأزاء صلواتك على [قبر] حمزة (٢) لن يغفر الله لهم. قال الضحاك: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله وَل﴾: ((إنَّ الله قد رخّص لي فسأزيدن على السبعين لعل الله أن يغفر لهم)) [٤٢]. فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿سواءً عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾(٣). وذكر عروة بن الزبير أن هذه الآيات نزلت في عبد الله بن أبي حين قال لأصحابه: لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضّوا من حوله، ثمّ قال: ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾، فأنزل الله تعالى ﴿استغفر لهم﴾. فقال النبي ◌َّطو: ((لأزيدن على السبعين)) (١) جامع البيان للطبري: ١٠ / ٢٥٠. (٢) كذا في المخطوط، وكلمة ((قبر)) زيادة منَّا. (٣) سورة المنافقون : ٦. ٧٨ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي [٤٣] فأنزل الله: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ فأبى الله أن يغفر لهم ﴿ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين فرح المخلفون﴾ عن غزوة تبوك ﴿بمقعدهم﴾ بقعودهم ﴿خلاف رسول الله﴾ قال قطرب والمؤرخ: يعني مخالفة لرسول الله حين سار وأقاموا، وقال أبو عبيدة: يعني بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وأنشد الحرث بن خالد: عقب الربيع خلافهم فكأنما |(١) بسط الشواطب بينهن حصيرا أي بعدهم، ويدل على هذا التأويل قراءة عمرو بن ميمون: خلف رسول الله وَل﴾ ﴿وقالوا لا تنفروا في الحر﴾ وكانت غزوة تبوك في شدة الحر ﴿قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون﴾ يعلمون ذلك، هُو في مصحف عبد الله ﴿فليضحكوا قليلا﴾ في الدنيا ﴿وليبكوا كثيراً جزاءً بما كانوا يكسبون﴾ قال أبو موسى الأشعري: إن أهل النار ليبكون الدموع في النار حتى لو أجريت السفن من دموعهم لجرت، ثمّ إنهم لييكون الدم بعد الدموع ولمثل ماهم فيه فليبكي. وقال ابن عباس: إن أهل النفاق ليبكون في النار عمر الدنيا فلا يرقأ لهم دمع ولا یکتحلون بنوم. شعبة عن قتادة عن أنس قال: قال أنس: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا وبكيتم كثيراً كثيراً ﴿فإن رجعك الله﴾ رجعك الله من غزوة تبوك ﴿إلى طائفة منهم﴾ يعني من المخلّفين فإنما قال طائفة منهم لأنه ليس كل من تخلّف عن تبوك كان منافقاً ﴿فاستأذنوك﴾ في أن يكونوا في غزاة أخرى ﴿فقل﴾ لهم ﴿لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدوا﴾ عقوبة لهم على تخلّفهم ﴿أنكم رضيتم بالقعود أول مرة﴾ بمعنى تخلّفوا عن غزوة تبوك ﴿فاقعدوا مع الخالفين﴾ قال ابن عباس: الرجال الذين تخلفوا بغير عذر. الضحاك: النساء والصبيان والمرضى والزمنى، وقيل: مع الخالفين. قال الفراء: يقال: عبد خالف وتخالف إذ كان مخالفاً، وقيل: [ضعفاء] الناس ويقال: خلاف أهله إذ كان ذويهم، وقيل مع أهل الفساد من قولهم: خلف الرجل على أهله يخلف خلوفاً إذ فسد، ونبيذ خَالِفٌ أي فاسد [من قولك]: خلف اللبن خلوفاً إذا حمض من طول وضعه في السقاء، وخلف فَمُ الصائم إذا تغيَّرت ريحه، ومنه خلف سوء، وقرأ مالك بن دينار: مع المخالفين. ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبداً﴾ قال المفسرون - بروايات مختلفة: بعث عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله وَّ وهو مريض فلما دخل عليه رسول الله و ل﴾ قال له: أهلكك يهود، فقال: يارسول الله إني لم أبعث اليك لتؤنبني ولكن بعثت اليك لتستغفر لي وسأله أن (١) لسان العرب : ٩ / ٨٦. ٧٩ سورة التوبة، الآيات: ٧٩ - ٩١ يكفنه في قميصه ويصلي عليه، فلما مات عبد الله بن أبي إنطلق ابنه إلى النبي (عليه السلام) ودعاه إلى جنازة أبيه فقال له النبي ◌َله: ما اسمك؟ قال: الحباب بن عبد الله فقال ◌َله: ((أنت عبد الله بن عبد الله، فإنَّ الحباب هو الشيطان)) [٤٤](١). ثم انطلق رسول الله وَّ فلما قام قال له عمر بن الخطاب (ره): يا رسول الله تصلي على عدو الله ابن أبي القائل يوم كذا وكذا، وجعل يعد أيامه ورسول الله ◌ّيه يبتسم حتى إذا أكثر عليه قال: عني يا عمر إنما خيرني الله فاخترت، قيل لي ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ هو أعلم فإن زدت على السبعين غفر له؟؟ ثم شهَّده وكفَّنه في قميصه ونفث في جنازته(٢) ودلاه في قبره. قال عمر (رظله): فعجبت من جرأتي على رسول الله (صلى الله عليه وسلم). فما لبث رسول الله وَل﴾ إلّ يسيراً حتى نزلت ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبداً﴾ ﴿ولا تقم على قبره﴾ أي لا تصلي على قبره بمحل لا تتولَّ دفنه: من قولهم قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره. ﴿إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ فما صلى رسول الله بض ليه بعدها على منافق ولا قام على قبره حتى قبض، وعُيَّر رسول الله وَ له فيما فعل بعبد الله بن أبي فقال رسول الله ◌َ: ((وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله والله إني كنت أرجو أن يُسلم به ألف من قومه)) [٤٥](٣). قال الزجاج: فأسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الإستغفار بثوب رسول الله ولاية. وذكروا أنّ النبي ◌َّ أسرّ إلى حذيفة أثني عشر رجلا من المنافقين فقال ستة يكفيهم الله بألف مائة شهاب(٤) من نار تأخذ كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره، وستة يموتون موتاً. فسأل عمر حذيفة عنهم فقال: ما أنا بمخبرك أحدٌ منهم ما كان حياً. فقال عمر: يا حذيفة أمنهم أنا؟ قال: لا. قال: أفي أصحابي منهم أحد. فقال: رجل واحد. قال: قال: فكأنما دلّ عليهم عمر حتى نزعه من غير أن يخبره به(٥) . ﴿ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها﴾ الآية ﴿وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أُولو الطول منهم﴾ الغني منهم جدّ بن قيس ومعتب بن قشير وأمثالهما ﴿وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين﴾ ورحالهم ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾ (١) تفسير ابن كثير: ٢ / ٣٩٠. (٢) في تفسير الطبري: جلده. (٣) تفسير الطبري: ١٠ / ٢٦٢. (٤) في تفسير الطبري: تكفيهم الدبيلة سراج من نار، والدبيلة الطاعون. (٥) تفسير الطبري : ١١ / ١٦. ٨٠ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي يعني النساء ﴿وطبع على قلوبهم وهم لا يفقهون لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات﴾ يعني الحسنات. وقال المبرد: يعني الجواري الفاضلات. قال الله تعالى: ﴿فيهن خيرات حسان﴾(١) واحدها الخيرة وهي الفاضلة من كل شيء. قال الشاعر: ولقد طعنت مجامع الربلات ربلات هند خير الملكاتِ (٢) ﴿وأولئك هم المفلحون * أعد الله لهم﴾ الآية ﴿وجاء المعذرون﴾ قرأ ابن عباس وأبو عبد الرحمن والضحاك وحميد ويعقوب ومجاهد وقتيبة: المعذرون خفيفة، ومنهم المجتهدون المبالغون في العذرة، وقال الضحاك: هم رهط عامر بن الطفيل تخلّفوا عن رسول الله وَل يوم تبوك خوفاً على أنفسهم فقالوا: يا رسول الله إن نحن غزونا معك تُغِيرُ أعراب طيّ على حلائلنا وأولادنا ومواشينا، فقال رسول الله وَ لقول لهم: ((قد أنبأني الله من أخباركم وسيغنيني الله عنكم)) [٤٦]. قال ابن عباس: هم الذين تخلفوا بغير إذن رسول الله وَلجر، لأن الميم لا تدغم في العين، وقرأ مسلمة: المعذرون بتشديد العين والذال ولا وجه لها لأن الميم لا يدغم في العين لبعد مخرجيهما، وقرأ الباقون: بتشديد الذال، وهم المقصرون. يقال: أعذر في الأمر بالمعذرة وعذر إذا قصر. وقال الفراء: أصله المعتذر فأدغمت التاء في الذال وقلبت حركة التاء إلى العين. ﴿وقعد الذين كذبوا الله﴾ قراءة العامة بتخفيف الذال يعنون المنافقين، وقرأ أُبي والحسن: كذبوا الله بالتشديد ﴿سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم﴾ ثم ذكر أهل العذر فقال ﴿ليس على الضعفاء﴾ قال ابن عباس: يعني الزمنى والمشايخ والعجزة ﴿ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون﴾ يعني الفقراء ﴿حرج﴾ إثم ﴿إذا نصحوا الله ورسوله﴾ في مغيبهم ﴿ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم﴾. وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَنَّوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآَ أَجِدُ مَّا أَجِدُكُمْ عَلَيْهِ نَوَلَّأْ وَأَعْيُنُهُمْ نَّفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنً أَلَّ يَجِدُواْ مَا يُفِقُونَ (٣٣) ﴾ إِنَمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَقْدِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُواْ بِأَنْ يَكُوُواْ مَعَ الْخَوَاِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٨ بَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَّهِمَّ قُل لَّا تَعْتَذِرُوْ لَنْ نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَبْرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُونَ (١) سورة الرحمن : ٧٠. (٢) صحاح الجوهري: ٢ / ٦٥٢، ونسبه لرجل من عدي جاهلي.