Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سورة التوبة، الآيات: ٣٤ - ٣٧
تبقى بعدكم)) ثم قال: ((إلا أخبركم بخير ما يكنز المرء، المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرّته، وإذا
أمرها أطاعته، فإذا غاب عنها حفظته)) (١) [١٤].
وقال بعض الصحابة: هي في أهل الكتاب خاصة، وقال السدّي: هي في أهل القبلة،
وقال الضحاك: هي عامة في أهل الكتاب وفي المسلمين، مَن كسب مالاً حلالاً فلم يعط حق
الله منه كان كنزاً وإن قلّ فكان على وجه الأرض، وما أُعطي حق الله منه لم يكن كنزاً وإن كان
كثيراً ودفنه في الأرض.
عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا انا بأبي ذر فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال
كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية ﴿والذين يكنزون﴾ الآية، فقال معاوية: نزلت في
أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، وكان بيني وبينهم كلام في ذلك فكتب إلى عثمان رَظُ
يشكوني، فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها فكثر الناس علي حتى كأنّهم لم يروني قبل
ذلك فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحّيت فكنت قريباً، فذلك الذي أنزلني هذه المنزل،
ولو أمّروا عليَّ جيشاً لسمعت وأطعت.
وقال بعضهم: نزلت في مانعي الزكاة خاصة، وهو أولى الاقاويل بالصحة، يدلّ عليه
ماروى سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليقول: ((ما من صاحب كنز لا يؤدي
زكاته إلاّ حُمي عليه في نار جهنم، فجعل صفائح فيكوي بها جبينه وجنباه حتى يحكم الله بين
عباده في يوم كان مقداره خمسين الف سنة، ثم يرسله أمّا إلى الجنة وأمّا إلى النار، وما من
صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت فتطأه بأظلافها وتنطحه
بقرونها ليس فيها عقصاء ولا جلجاء كلّما مضى عليه أخراها ردّت عليه أولاها حتى يحكم الله
بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يرسله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من
.](٢) كلّما مضى
صاحب أبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت [ ..
عليها أخراها ردّت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين الف سنة
ثم يرسله أما إلى الجنة وأما إلى النار)) [١٥](٣). قال سهيل: فلا أدري أذكر البقر أو لا؟
وروى ثوبان أن النبي وَلّ كان يقول: ((من ترك بعده كنزاً مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له
زبيبتان يتبعه، يقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك، فلا يزال يتبعه حتى
يلقمه يده فيقضمها، ثم يلقمه سائر جسده)) [١٦](٤).
(١) سنن أبي داود: ١ / ٣٧٥.
(٢) كلام غير مقروء في المخطوط.
(٣) مسند أحمد: ٢ / ٢٦٢، بتفاوت يسير.
(٤) تفسير الطبري: ١٠ / ١٦٠، ومسند أحمد: ٢ / ٢٧٩.١٥٦، بتفاوت، وكتاب المسند للشافعي: ٨٧.

٤٢
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ يعني عدد شهور السنة ﴿عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ﴾ قراءة العامة بفتح العين
والشين، وقرأ أبو جعفر بجزم الشين، وقرأ طلحة بن سليمان بسكون الشين، شهراً نصب على
التمييز.
وهي المحرم وصفر وشهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر وجمادى الاولى وجمادى الآخرة
ورجب وشعبان ورمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة.
وأما المحرم فسمي بذلك لتحريم القتال فيه، وسمي صفر لأن مكة تصفر من الناس فيه أي
تخلو منهم، وقيل: وقع فيه وباء فاصفرّت وجوههم، وقال أبو عبيدة: سمّي صفر لأنه صفرت
فيه وطابهم(١) من اللبن، وشهرا الربيع سمّيا بذلك لجمود الماء فيهما، وسمّي رجب لأنهم كانوا
يرجبونه أي يعظمونه، رجبته ورجّته بالتخفيف والتشديد إذا عظمته، قال الكميت:
ولا غيرهم أبغي لنفسي جنّة
ولا غيرهم ممن أُجلّ وأرجب
وقيل: سمي بذلك لترك القتال فيه من قول العرب: رجل أرجب إذ كان أقطع لا يمكنه
العمل، وروي عن النبي ◌َّ أنّه قال: إن في الجنة نهراً يقال له رجب ماؤه أشد بياضاً من الثلج
وأحلى من العسل، من صام يوماً من رجب شرب منه (٢)، وقال عمر: سمّي شعبان لتشعب
القبائل فيه .
وروى زياد بن ميمون أن النبي وَ لو قال: ((سُمّي شعبان لأنه يتشعب فيه خير كثير لرمضان))
:[١٧](٣) .
وقد مضى القول في رمضان، وسمّي شوال لشولان النوق اللقاح بأذنابها فيه (٤).
قال أبو زيد البلخي: سمّي بذلك لأن القبائل تشول فيه أي تبرح عن أماكنها، وسمّي ذو
القعدة لقعودهم عن القتال، وذو الحجة لقضاء حجهم فيه، والله أعلم.
قال بعض البلغاء: إذا رأت العرب السادات تركوا العادات وحرموا الغارات قالوا :
محرم، وإذا ضعفت أركانهم ومرضت أبدانهم، وأصفرت ألوانهم قالوا: صفر، وإذا ظهرت
الرياحين وزهرت البساتين قالوا: ربيعان، وإذا قل الثمار وجمد الماء قالوا: جماديان، فإذا
هاجت البحار وحمت الأنهار وترجبت الأشجار قالوا: رجب، وإذا بانت الفضائل وتشعبت
القبائل قالوا: شعبان، وإذا حمي الفضا، ونفي جمر الغضاء قالوا: رمضان، وإذا انكشف
(١) الوطب: سقاء اللبن وهو جلد الجذع فما فوقه.
(٢) فضائل الأوقات للبيهقي: ٩٠.
(٣) كنز العمّال: ٨ / ٥٩١ / ح٢٤٢٩٣.
(٤) لسان العرب: ١١ / ٣٧٧.

٤٣
سورة التوبة، الآيات: ٣٤ - ٣٧
السحاب، وكثرت الذباب وشالت الناقة إلا ذبحوها قالوا: شوال، وإذا قعد التجار عن الأسفار
قالوا: ذو القعدة، وإذا قصدوا الحج من كل فج، وأظهروا النج، والعج قالوا: ذو الحجة.
﴿فِي كِتَابِ اللهِ﴾ يعني اللوحِ المحفوظ وقيل في قضائه الذي قضى ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالأرْضَ مِنْهَا﴾ من الشهور ﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ كانت العرب تعظمها وتحرم القتال فيها حتى لو لقي
الرجل قاتل أبيه أو أخيه لم يهجه، وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة ومحرم، واحد فرد
وثلاثة سرد(١).
﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ الحساب المستقيم ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أ ◌َنْفُسَكُمْ﴾ أي في الأشهر
الحرم بالعمل بمعصية الله عز وجل وترك طاعته، وقال ابن عباس: استحلال القتال والغارة
فيهن، وقال محمد بن إسحاق عن يسار: لا تجعلوا حلالها حراماً ولا حرامها حلالا كما فعل
أهل الشرك، وقال قتادة: إن العمل الصالح والأجر أعظم في الأشهر الحرم، والذنب والظلم
فيهن أعظم من الظلم فيما سواهنّ، وإن كان الظلم على كل حال عظيم، ولكن الله يعظم من
أمره ما شاء كما يصطفي من خلقه صفايا .
﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَانَّةً﴾ جميعاً عاماً مؤتلفين غير مخلّفين ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَانَّةً﴾ نصب
على الحال ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ .
واختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم فقال قوم: إنه منسوخ، وقال قتادة
وعطاء الخرساني: كان القتال كثيراً في الأشهر الحرم ثم نسخ وأحل القتال فيه بقوله ﴿وقاتلوا
المشركين كافة﴾ يقول: فيهن وفي غيرهنّ.
قال الزهري: كان رسول الله ولم يحرّم القتال في الأشهر الحرم بما أنزل الله سبحانه من
تحريم ذلك حتى نزلت براءة فأحل قتال المشركين، وقال أبو إسحاق: سألت سفيان الثوري عن
القتال في الشهر الحرام فقال: هذا منسوخ، وقد مضى، ولا بأس بالقتال فيه وفي غيره، قالوا:
لأن النبي وَليّ غزا هوازن بحنين وثقيفاً بالطائف في شوال وبعض ذي القعدة فيدل على أنه
منسوخ، وقال آخرون: إنه غير منسوخ، وقال ابن جريج: حلف بالله عطاء بن أبي رباح ما يحلّ
للناس أن يغزوا في المحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يُقاتَلوا فيها وما نَسخت، وقال ابن
حيان نسخت هذه الآية كل آية فيها رخصة.
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ قرأ الحسن، وعلقمة وقتادة ومجاهد ونافع غير ورش وأبو عامر وعيسى
والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: النسيء ممدود مهموز، واختاره أبو عبيدة وأبو
حاتم، وهو مصدر كالخرير والسعير والحريق ونحوها، ويجوز أن يكون مفعولاً مصروفاً إلى
(١) تفسير القرطبي: ٦ / ٣٩.

٤٤
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
فعيل مثل الجريح والقتيل والغريق، تقديره: إنما الشهر المؤخَّر، وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة
والأشهب وشبل: (إنما النسيء) ساكنة: السين مهموزة على المصدر لا غير، وقرأ أبو عمرو
وورش(١) النسيّ بالتشديد من غير همزة.
وروي ذلك عن ابن كثير على معنى النسيّ أي المتروك قال الله تعالى ﴿نسوا الله فنسيهم﴾
من النسيان، ويحتمل أن يكون أصله الهمز مخفف، واختلفوا في أصل الكلمة، فقال الأخفش:
هو من التأخير ومنه النسيئة في البيع، ويقال: أنسأ الله أجله، ونسأ في أجله أي أخّره، وقال
قطرب: هو من الزيادة، وكل زيادة حدثت في شيء فهو نسيء، وكذلك قيل للبن إذ كثر بالماء
نسىء، ونسؤ، وللمرأة الحبلى نسؤتْ، لزيادة الواو فيها، وقد نسأتُ الناقة وأنسأتها إذا زجرتها
ليزداد سيرها، وقال قتادة: عهد ناس من أهل الضلالة فزادوا صفراً في الأشهر الحرم، وكان يقوم
قائمة في الموسم ويقول: ألا إن آلهتكم قد حرمت المحرم فيحرمونه ذلك العام، ثم يقوم في العام
المقبل فيقول: ألا إن آلهتكم قد حرّمت صفر فيحرمونه ذلك العام وكان يقال لهما: صفران.
وأما معنى النسيء وبدوّ أمره على ماذكره العلماء بألفاظ مختلفة ومعنى متفق، فهو إن
العرب كانت تحرّم الشهور الأربعة وكان ذلك مما تمسّكت به من ملّة إبراهيم الخليل وابنه
إسماعيل، وكان العرب أصحاب حروب وغارات فشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية
لا يغزون فيها، وقالوا: لئن توالت علينا ثلاثة أشهر حرم لا نصيب فيها شيئاً لنجوعنّ، وإنما
نصيب على ظهر دوابنا فربّما احتاجوا مع ذلك إلى تحليل المحرم أو غيره من الأشهر الحرم
لحرب تكون بينهم فيكرهون استحلاله ويستحلون المحرم.
وكانوا يمكثون بذلك زماناً يحرّمون صفر، وهم يريدون به المحرم ويقولون: هو أحد
الصفرين، وقد تأوّل بعض الناس قول النبي ◌ّلر: ولا صفر، على هذا ثم يحتاجون أيضاً إلى
تأخير الصفر إلى الشهر الذي بعده كحاجتهم إلى تأخير المحرم، فيؤخّرون تحريمه إلى ربيع، ثم
يمكثون بذلك ما شاء الله، ثم يحتاجون إلى مثله، ثم كذلك فكذلك يتدافع شهراً بعد شهر حتى
استدار التحريم على السنة كلّها، فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى وضعه الذي وضعه الله عز
وجل وذلك بعد عمر طويل.
وقال مجاهد: كان المشركون يحجّون في كل شهر عامين، فحجّوا في ذي الحجة عامين،
ثم حجّوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور التي وافقت حجة
أبي بكر التي حجها قبل حجة الوداع السنة الثانية من ذي القعدة، ثم حج النبي ◌ّ في العام
القابل حجة الوداع فوافقت ذي الحجة، فذلك حين قال النبي وَالر في خطبته: ((ألا إن الزمان قد
ابتدأ فدعيت يوم خلق السموات والأرض إن السنة إثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم: ثلاث
(١) ورش: وهو أبو سعيد وأبو عمرو عثمان بن سعيد بن عبد الله بن عمرو.

٤٥
سورة التوبة، الآيات: ٣٤ - ٣٧
متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان)) [١٨](١).
أراد * أنّ الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها وعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسيء.
واختلفوا في أول من نسأ، فقال ابن عباس وقتادة والضحاك: أوّل من نسأ بنو مالك بن
كنانة وكان [يليه] أبو ثمامة عبادة بن عوف بن أمية الكناني، كان يوافي الموسم كل عام على
حمار فيقول: أيّها الناس إني أُحدّث ولا أخاف ولا مردّ لما أقول. إنّا قد حرمنا المحرم،
وأخّرنا صفر، ثم يجيء العام المقبل فيقول: إنّا قد حرّمنا صفر وأخّرنا المحرم.
وقال الكلبي: أول من فعل ذلك رجل من كنانة يقال له: نعيم بن ثعلبة، وكان يكون قبل
الناس بالموسم، وإذا همّ الناس بالصّدر قام فخطب الناس فقال: لا مردّ لما قضيت، أنا الذي
لا أغاب ولا أخاب فيقول له المشركون: لبيك، ثم يسألهم أن ينسئهم شهراً يغيّرون فيه، فيقول:
إن القتال العام حرام، وإذا قال ذلك حلّوا الأوتار وقرعوا الأسنّة والأزجّة، وإن قال: حلال
عقدوا الأوتار وشددوا الأزجّة وأغاروا على الناس.
[وقيل بعد] نعيم بن ثعلبة رجل يقال له: جنادة بن عوف وهو الذي أدركه رسول الله
(صلى الله عليه وسلم).
جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أن أوّل من نسأ النسيء عمرو بن لحي بن بلتعة بن
خندف، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو رجل من بني كنانة يقال له القمّس في
الجاهلية، وكان أهل الجاهلية لا يغير بعضهم على بعض في الأشهر الحرم، يلقي الرجل قاتل
أبيه وأخيه فلا يتعرض له فيقول قائلهم: اخرجوا بنا فيقال له: هذا المحرم، فيقول القمّس: إني
قد نسأته العام صفران، فإذا كان العام المقبل قضينا فجعلناهما محرمين، وقال
.](٢) وقال الكميت:
.]
ألسنا الناسئين على معدٍّ
شهور الحلّ نجعلها حراماً(٣)
فهو النسيء الذي قال الله تعالى: إنما النسيء زيادة ﴿زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ يُضَلُّ﴾ قرأ أهل
المدينة وعاصم وأبو عمروٍ يَضِل بفتح الياء وكسر الضاد، واختاره أبو حاتم لأنه ضمّ الضالون
لقوله ﴿بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً﴾ وقرأ أبو رجاء والحسن وأبو عبد الرحمن
وقتادة ومجاهد وابن محيصن: يضل مكسورة الضاد، ولها وجهان: أحدهما أن يكون ﴿الذين
كفروا﴾ في محل النصب أي يضل الله به الذين كفروا.
(١) مسند أحمد: ٥ / ٣٧.
(٢) كلام مطموس في الأصل.
(٣) لسان العرب: ١ / ١٦٧.

٤٦
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
والوجه الثاني أن يكون ﴿الذين﴾ في محل رفع على معنى يُضِل به الذين كفروا الناس
المفسدين منهم، وقرأ أهل الكوفة: يُضل بضم الياء وفتح الضاد وهي قراءة ابن مسعود واختيار
أبي عبيدة لقوله زُيّن لهم سوء أعمالهم ويحلّونه يعني النسيء عاماً ويحرّمونه عاما ﴿لِيُوَاطِؤُوا﴾
ليوافقوا، قال ابن عباس: ليشبهوا، قال المؤرّخ: هو أنهم لم يحلّوا شهراً من الحرم إلا حرّموا
مكانه شهراً من الحلال، ولم يحرّموا شهراً من الحلال إلاّ أحلوا مكانه شهراً من الحرم لئلاً
تكون الحرم أكثر من أربعة أشهر ممّا حرم الله فيكون موافقاً للعدد، فذلك المراد.
﴿فَيُحِلُوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أعْمَالِهِمْ وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ﴾ .
يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ أَنْفِرُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِِّ أَرَضِيتُم
بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةُ نَمَا مَتَعُ الْحَيَوْهِ الذُّنْيَا فِى الْآَخِرَةِ إِلَّ قَلِيلُ ﴿َ إِلَّا نَفِرُوا
يُعَذِّنْكُمْ عَذَابًا أَلِمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُوهُ شَيْئاً وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ (9)
إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ
◌ِصَحِبِهِ. لَا تَخْزَنُ إِنَ اللَّهَ مَعَنَاً فَأَنْزَّلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ
كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَىُ وَكَلِمَةُ اللَّهِ فِى الْقُلْيَأُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ (® أنْفِرُوا
خِفَانًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَبَّرٌ لَّكُمْ إِنْ كُمْ تَعْلَمُونَ (١)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ﴾ الآية فيها حقٌّ من الله سبحانه لأصحاب رسول الله وَّه على
غزوة تبوك، وذلك أن رسول الله ولي لما رجع من الطائف أمر بالجهاد لغزوة الروم، وذلك في زمان
عسرة من الناس وجدب من البلاد وشدة من الحر [حين] فأحرقت النخل وطابت الثمار وعظم على
الناس غزوة الروم، وأحبّوا الظلال والمقام في المسكن والمال، فشقّ عليهم الخروج إلى القتال،
وكان رسول اللـهَ ﴿ قلّ ماخرج في غزوة الاّ كتّى عنها وورّى بغيرها إلا غزوة تبوك لبُعد شقتها وكثرة
العدو ليتأهب الناس وأمرهم بالجهاد، وأخبرهم بالذي يريد، فلمّا علم الله تثاقل الناس، انزل الله
تعالى: يا أيها الذين آمنوا مالكم أي شيء أمركم ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ﴾ إذا قال لكم رسول الله ﴿انفِرُوا﴾
اخرجوا ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وأصل النفر مفارقة مكان إلى مكان آخر لأمر هاج على ذلك، فقالت نفر
فلان إلى ثغر كذا، ينفر نفراً ونفوراً، ومنه نفور الدابة ونفارها ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ تباطأتم.
قال المبرّد: أخلدْتم ﴿إِلَى الأرْضِ﴾ ومعناه: لزمتم أرضكم ومساكنكم، وأصله تثاقلتم
فأدغمت التاء في الثاء وأخرجت لها الف يوصل إلى الكلام بها حين الابتداء بها، كقوله ﴿حتى
إذا اداركوا فيها﴾(١) وقالوا: اطيرنا وأرجفت، العلاء والكسائي.
(١) سورة الأعراف: ٣٨.

٤٧
سورة التوبة، الآيات: ٣٨ - ٤١
تولى الضجيج إذا ما اشتاقها خضرا عذب المذاق إذا ما اتابع القبل
أي إذا تتابع .
﴿أَرَضِيتُمْ بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ أي أرضيتم الدنيا ودِعتها عوضاً من نعيم الآخرة
وثوابها ﴿فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلَّ قَلِيلٌ﴾ ثم أوعدهم على ترك الجهاد ﴿إلاَّ تَنْفِرُوا﴾
وقرأ عبيد بن عمير تنفروا بضم الفاء وهما لغتان ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً ألِيماً﴾ في الآخرة، وقيل: هو
احتباس القطر عنهم، سُئل نجدة بن نفيع عن ابن عباس عن هذه الآية فقال: إنّ رسول الله وَالهول
استنفر حياً من أحياء العرب فتثاقلوا عنه، فأمسك عنهم المطر فكذلك كان عذابهم (١) ﴿وَيَسْتَبْدِلْ
قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ خيراً منكم وأطوع، قال سعيد بن جبير: هم أبناء فارس، وقال أبو صلاح: هم
أهل اليمن ﴿وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً﴾ بترك النفير ﴿وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾
هذا إعلام من الله أنه هو المتكفّل بنصر رسوله وإظهار دينه أعانوه أو لم يعينوه، وأنه قد نصره
حين كان أولياؤه قليلاً وأعدائه كثيراً، فكيف به اليوم وهو في كثرة من العدد والعدّة فقال عزّ من
قائل: إلاّ تنفروا أيها المؤمنون إذا استنفركم، ولا تنصروه إذا استنصركم فالله يعينه يعوّضه عنكم
كما نصره ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
وقيل: [معناه]: إن لم تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا من مكة حين مكروا به
وأرادوا [إخراجه] وهموا بقتله ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنٍ﴾ نصب على الحال، وهو أحد الاثنين، والاثنين
رسول الله وأبو بكر الصديق ﴿إِذْ هُمَا فِي الغَارِ﴾ وهو نقب في جبل بمكة يقال له ثور ﴿إِذْ يَقُولُ
لِصَاحِبِهِ﴾ أبي بكر ◌َّهِ ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ للعون والنصرة، ولم يكن حزن أبي بكر تَظُه
جبناً منه ولا سوء ظن وإنما كان اشفاقاً على رسول الله وَليل، يدلّ عليه أنه قال: يارسول الله إن
قتلتُ فأنا رجل واحد، وإن قتلتَ هلكت الأُمة.
همام عن ثابت عن أنس أن أبا بكر حدّثه قال: قلت للنبي وَلّ ونحن في الغار: لو أن
أحداً نظر إلى تحت قدميه لأبصرنا فقال: يا أبا بكر ما ظنّك باثنين الله ثالثهما. قال مجاهد
مكث رسول الله و لتفي الغار ثلاثاً.
قال عروة: كان لأبي بكر منيحة من غنم فكان عامر بن فهيرة يروح بتلك الغنم على
النبي ◌َّ في الغار.
وقال قتادة: كان عبد الرحمن بن أبي بكر يختلف إليهما، فلمّا أراد رسول اللـه، وَله
الخروج دعاهم وكانوا أربعة: النبي ◌َّه، وأبو بكر وعامر بن فهيرة وعبد الله بن أُريقط الليثي.
قال الزهري: لما دخل رسول الله ◌َ﴾ وأبو بكر الغار أرسل الله زوجاً من حمام حتى
(١) تفسير الطبري: ١٠ / ١٧٤.

٤٨
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
باضا أسفل النقب، والعنكبوت حتى نسج بيتاً، فلمّا جاء سراقة بن مالك في طلبهما فرأى بيض
الحمام وبيت العنكبوت، قال لو دخلاه لتكسر البيض، وتفسخ بيت العنكبوت، فانصرف.
وقال النبي: ((اللهم اعم أبصارهم)) [١٩] فعميت أبصارهم عن دخوله، وجعلوا يضربون
يميناً وشمالاً حول الغار.
روى السري بن يحيى عن محمد بن سيرين قال: ذكر رجال على عهد عمر بن الخطاب
فكأنّهم فضّلوا عمر على أبي بكر، قال: فبلغ ذلك عمر فقال: والله لَليلة من أبي بكر خير من آل
عمر، ولَيوم من أبي بكر خير من آل عمر، لقد خرج رسول الله ◌َّ ليلة انطلق إلى الغار ومعه
أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه حتى وصل رسول وَلّر، فقال: يا أبا بكر مالك
تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي فقال: يارسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ثم أذكر الرصد
فأمشي بين يديك، فقال: يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني؟ قال: نعم والذي
بعثك بالحق .
فلما أتيا إلى الغار قال أبو بكر رضيالله: مكانك يارسول الله حتى أستبرئ الغار (١)، فدخل
فاستبرأ حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنّه لم يستبرئ الحجر، فقال مكانك يا رسول الله حتى
استبرئ الحجر فدخل فاستبرأ ثم قال: انزل يارسول الله فنزل، فقال عمر: والذي نفسي بيده
لَتلك الليلة خير من آل عمر .
أبو عوانة عن فراس عن الشعبي قال: لقد عاتب الله أهل الأرض جميعاً غير أبي بكر
في هذه الآية، وقال أبو بكر:
ونحن في شدة من ظلمة الغار
قال النبي ولم يجزع يوقّرني
وقد توكل لي منه بإظهار
لا تخشَ شيئاً فإن الله ثالثنا
كيد الشياطين كادته الكفّار
وإنما كيد من تخشى بوادره
وجاعل المنتهى منها إلى النار (٢)
والله مهلكهم طُراً بما كسبوا
﴿فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ﴾ سكونه وطمأنينته ﴿عَلَيْهِ﴾ أي على رسول الله ټ}، وقال ابن عباس:
على أبي بكر، فأمّا النبيِ وَِّ فكانت السكينة عليه قبل ذلك ﴿وَأيَّدَهُ﴾ قرأ مجاهد: وأيده بالمد
﴿يِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ وهم الملائكة ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ أي المقهورة المغلوبة
﴿وَكَلِمَةُ اللهِ﴾ رفع على مبتدأ وقرأ يعقوب: وكلمة الله على النصب على العطف ﴿هِيَ العُلْيَا﴾
العالية.
(١) البداية والنهاية: ٣ / ٢٢١.
(٢) سبل الهدى والرشاد: ٣ / ٣٤٩، وذكر بقية الأبيات. والبداية والنهاية: ٣ / ٢٢٤، ولم يذكر إلّ البيتين
الأولين، وفيه: ونحن في سدف من ظلمة الغار.

٤٩
سورة التوبة، الآيات: ٤٢ - ٤٩
قال ابن عباس: الكلمة السفلى: كلمة الشرك، والعليا: لا إله إلاّ الله ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
انْفِرُوا خِفَاناً وَثِقَالا﴾ قال أبو الضحى: أول آية نزلت من براءة هذه الآية وقال مقاتل: قالوا:
فينا الثقيل وذو الحاجة والضيعة، والشغل والمنتشر أمره، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، وأبى
أن یعذرهم.
واختلفوا في معنى الخفاف والثقال، فقال أنس والحسن والضحاك ومجاهد وقتادة وعكرمة
وشمر بن عطية ومقاتل بن حيان: مشاغيل، وقال الحكم: مشاغيل وغير مشاغيل. الحسن:
مشاغيل، وقال أبو صالح: خفافاً من المال، أي فقراء وثقالا منه أي أغنياء، وقال ابن زيد:
الثقيل الذي له الضيعة فهو ثقيل يكبره بأن يضع ضيعته من الخفيف الذي لا ضيعة له. قال:
نشاط وغير نشاط، وقال عطية العوفي: ركباناً ومشاة، وقال مرة الهمذاني: أصحّاء ومرضى،
وقال يمان بن رباب: عزّاباً ومتأهلين.
وقيل: خفافاً مسرعين غير خارجين ساعة اتباع النفير. قال: خفّ الرجل خفوفاً إذا مشى
مسرعاً، وثقالاً أي بعد التروية فيه والاستعداد له.
وقيل: خفافاً من السلاح أي مقلّين منه وثقالاً مستكثرين منه، فالعرب تسمي الأعزل
مخفّاً .
وقيل: خفافاً من ماشيتكم وأبنائكم وثقالا متكثّرين بهم ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي
سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ علي بن زيد عن أنس: إن أبا طلحة قرأ سورة براءة
فأتى على هذه الآية ﴿انفروا خفافاً وثقالاً﴾ فقال: أي بني جهّزوني جهّزوني. فقال بنوه:
يرحمك الله قد غزوت مع النبي بَّر حتى مات، ومع أبي بكر وعمر ◌َّا حتى ماتا، فنحن نغزو
عنك، فقال: جهزوني، فغزا البحر فمات في البحر فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلاّ بعد
سبعة أيام فدفنوه فيها فلم يتغير(١) .
وقال الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزوة وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنّك
عليل، صاحب ضرّ فقال استنفر له الخفيف والثقيل، فإن لم يمكنني الحرب كثّرت السواد
وحفظت المتاع.
لَوْ كَانَّ عَرَضًا قَرِيِّبًا وَسَفَرَا قَاصِدًا لَّأَ تَبَعُوَ وَلَكِنْ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّغَّةُ وَسَبِّحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوْ أَسْتَطَعْنَا
تَرَّمَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (٤) عَنَا اللَّهُ عَنَكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَّنَّ
لَكَ أَذِينَ صَدَفُواْ وَتَعْلَمَ اَلْكَذِبِنَ ثَ لَا يَسْتَخْذِئُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآخِرِ أَن
(١) راجع تفسير الطبري: ٨ / ١٥٥.

٥٠
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
◌ُجَهِدُواْ بِأَنْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴿﴿ إِنَّمَا يَسْتَئِذِئُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَّوْمِ
﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعْدُّوا لَهُ عُدَّةً
٤٥
اُلْآَخِ وَأَزْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ بَذَدُونَ.
وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ الْبِعَانَهُمْ فَشَبَّطَهُمْ وَقِيلَ أَقْعُدُواْ مَعَ اَلْقَدْعِدِينَ (٨٦) لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُمْ مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا
◌َجَالًا وَلَأَوْضَعُوا مَِلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْغِنْنَةَ وَفِيَكُرْ سَمَّعُونَ لَمُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٨٧) لَقَدِ أَبْعَوْ
اَلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَُّواْ لَ الْأُمُورَ حَتَّى جَآءَ أَلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اَللَّهِ وَهُمْ كَرِهُونَ () وَمِنْهُم
٤٩)
مَّنْ يَقُولُ أَثْذَن ◌ِيِ وَلَا نَفْتِىُّ أَلَا فِ الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَ جَهَنَمَ لَمُحِبِظَةٌ بِالْكَّفِرِينَ
ثم نزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين ﴿لَوْ كَانَ﴾ اسمه مضمر أي لو کان ما
يدعوهم إليه ﴿عَرَضاً قَرِيباً﴾ غنيمة حاضرة ﴿وَسَفَراً قَاصِداً﴾ وموضعاً قريباً.
قال المبرّد: قاصداً أي ذا قصد نحو تامر ولابن(١)، وقيل: هو طريق مقصود فجعلت صفته
على [فاعلة بمعنى مفعولة] كقوله ﴿عيشة راضية﴾(٢) أي مرضية. ﴿لاَ تََّعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ
الشُّقَّةُ﴾ يعني المسافة وقال الكسائي: هي الغزاة التي يخرجون إليها، وقال قطرب: هي السفر
البعيد سمّيت شقة لأنّها تشقّ على الانسان، والقراءة بضم الشين وهي اللغة الغالبة، وقرأ عبيد
ابن عمير بكسر الشين وهي لغة قيس .
﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ قرأ الأعمش بضم الواو لأن أصل الواو الضمة، وقرأ
الحسن بفتح الواو لأن الفتح أخفّ الحركات، وقرأ الباقون بالكسر لأن الجزم يحرّك بالكسر
﴿لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ بالحلف الكاذب ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في أيمانهم
[واعتلالهم] ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ﴾ قدّم العفو على القتل.
قال قتادة وعمرو بن ميمون: شيئان فعلهما رسول الله وَ﴾ ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين
وأخذه من الأُسارى الفدية فعاتبه الله كما تسمعون (٣).
وقال بعضهم: إنّ الله عز وجل وقّره ورفع محله [فهو افتتاح] الكلام بالدعاء له، كما يقول
الرجل لمخاطبه إن كان كريماً عنده: عفا الله عنك ماصنعت في حاجتي ورضي الله عنك إلاّ
زرتني، وقيل: معناه: أدام الله لك العفو.
﴿لِمَ أذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في أعذارهم ﴿وَتَعْلَمَ الكَاذِبِينَ﴾ فيها ﴿لا
يَسْتَأذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ شكّت ونافقت
قلوبهم ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ متحيّرين، ولو أرادوا الخروج إلى الغزو ﴿لأعَدُّوا﴾ لهيّأوا ﴿لَهُ
(١) أي ذو تمر وذو لبن.
(٢) سورة الحاقة: ٢١.
(٣) راجع تفسير الطبري: ٨ / ١٥٥.

٥١
سورة التوبة، الآيات: ٤٢ - ٤٩
عُدَّةً﴾ وهي المتاع والكراع ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ﴾ لم يرد الله ﴿انْبِعَاثَهُمْ﴾ [خروجهم] ﴿فَبَّطَهُمْ﴾
فمنعهم وحبسهم ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ في بيوتكم ﴿مَعَ القَاعِدِينَ﴾ يعني المرضى والزمنى، وقيل:
النساء والصبيان .
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيَكُمْ﴾ الآية، وذلك أن رسول الله وَله أمر الناس بالجهاد لغزوة تبوك، فلمّا
خرج رسول الله وَّرُ هو وعسكره على ثنيّة الوداع، ولم يكن بأقلّ العسكرين، فلمّا سار رسول
الله وتخلف عنه عبد الله بن أبيّ فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب، فأنزل الله تعالى
[يعزي] نبيه وَّ: لو خرجوا فيكم يعني المنافقين ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّ خَبَالا﴾ فساداً، وقال الكلبي:
شرّاً وقيل: غدراً ومكرا ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ يعني ولأوضعوا ركابهم بينكم، يقال: وضعت
الناقة تضع وضعاً ووضوعاً إذا أسرعت السير، وأوضعها أيضاعاً أي جدّ بها فأسرع، قال
الراجز:
أخبّ فيها وأضعْ(١)
ياليتني فيها جذع
أوضعت في إعجالها
وقال: أقصرْ فإنك طـالـمـا
قال محمد بن إسحاق يعني: أسرع الفرار في أوساطكم وأصل الخلال من الخلل وهو
الفرجة بين الشيئين وبين القوم في الصفوف وغيرها، ومنه قول النبي ◌ُّ: ((تراصّوا في الصفوف
لا يخللكم الشيطان كأولاد الحذف)) [٢٠](٢).
﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ أي يبغون لكم، يقول: يطلبون لكم ماتفتنون به، يقولون: لقد جمع
[العدو] لكم فعل وفعل، يخبلونكم.
وقال الكلبي: يبغونكم الفتنة يعني الغيب والسر، وقال الضحاك: يعني الكفر، يقال فيه:
بغيته أبغيه بغاء إذا التمسته بمعنى بغيت له، ومثله عكمتك إن عكمت لك فيها، وإذا أرادوا
أعنتك عليه قالوا: أبغيتك وأحلبتك وأعمكمتك(٣) .
﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ قال مجاهد وابن زيد بينكم عيون لهم عليكم [يوصلون] ما يسمعون
منكم، وقال قتادة وابن يسار: وفيكم من يسمع كلامهم ويطبعهم ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ لَقَدْ ابْتَغَوِا
الفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي عملوا بها لصد أصحابك عن الدين وردهم إلى الكفر بتخذيل الناس عنك قبل
هذا اليوم، كفعل عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عنك بأصحابه ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الأمُورَ﴾
أجالوا فيك وفي إبطال دينك الرأي بالتخذيل عنك وتشتّت أصحابك.
(١) تفسير الطبري: ١٠ / ١٨٧. البيت لدريد بن الصمة قاله في يوم هوازن كما في لسان العرب: ٨ / ٣٩٨.
(٢) المعجم الصغير للطبراني: ١ / ١١٩.
(٣) تفسير الطبري: ١٠ / ١٨٧.

٥٢
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
﴿حَتَّى جَاءَ الحَقُّ﴾ أي النصر والظفر ﴿وَظَهَرَ أُمْرُ اللهِ﴾ دين الله ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ
يَقُولُ الْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ الآية.
نزلت في جد بن قيس المنافق وذلك أن رسول الله وَلّه لمّا تجهّز لغزوة تبوك، قال له: يا
أبا وهب، هل لك في جلاد بني الأصفر تتخذ منهم وصفاء، قيل: وإنما أمر بذلك لأن الحبش
غلبت على ناحية الروم فولدت لهم بنات قد أنجبت من بياض الروم وسواد الحبشة فكنّ صفر
اللعس(١)، فلمّا قال له ذلك رسول الله و ﴿ه قال جد: يارسول الله لقد عرفت قومي أني رجل
مغرم بالنساء وأني أخشى إن رأيت بنات الأصفر أن لا أصبر عنهن فلا تفتنّي بهن وائذنْ لي في
القعود وأُعينك بمالي، فأعرض عنه رسول الله وَ ل﴿ وقال: قد أذنت لك، فأنزل الله (ومنهم)
يعني ومن المنافقين (من يقول أئذن لي) في التخلف (ولا تفتنّ) ببنات الأصفر(٢)، قال قتادة:
ولا تأتمنّي ﴿ألا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ ألا في الإثم والشرك وقعوا بخيانتهم وخلافهم أمر الله
ورسوله ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكَافِرِينَ﴾ مطبقة بهم وجامعتهم فيها، فلما نزلت هذه الآية قال
رسول الله وَل﴿ لبني سلمة وكان منهم: من سيّدكم؟ قالوا: جدّ بن قيس غير أنه نحيل جبان،
فقال النبي ◌ّ﴿ وأي داء أدوى من البخل، بل سيّدكم الفتى الأبيض الجعد بشر بن البراء بن
معرور، فقال فيه حسّان:
بمن قال منّا من تعدّون سيّدا
وقال رسول الله والقول لاحق
نبخّله(٣) فينا وإن كان أنكدا
فقلنا له جدّبن قيس على الذي
رميتم به جدا وعالى بها يدا
فقال وأي الداء أدوى من الذي
وحق لبشر ذي الندى أن يُسوّدا
وسوّد بشربن البراء الجوده
وقال خذوه إنه عائد غدا(٤)
إذا ما أتاه الوفد أنهب ماله
إِن تُصِبْكَ حَسَنَّةٌ تَُّؤْهُمٌ وَإِن تُصِبْكَ مُصِبِبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ
وَيَتَوَلُواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ ﴿٢َ قُل لَّنْ يُصِيبَنَّا إِلَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَئِنَأْ وَعَلَى الَّهِ فَلْيَتَّوَكَلِ
الْمُؤْمِنُونَ ﴿﴿ قُلْ هَلْ تَّصُونَ مِنَا إِلََّ إِحْدَى الْحُسْنِيِّ وَنَّنُ نَتَرَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ
بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِيْنَاً فَتَرَبَّصُوْاْ إِنَّا مَعَكُم مَُّرَّيِّصُونَ ﴿٥ قُلْ أَنفِقُواْ طَوَّعًا أَوْ كَرْهًا لَّ
يُنَقَّيَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَسِفِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَدْتُهُمْ إِلََّ أَنَّهُمْ
(١) اللعس: سواد اللثة والشفة، وقيل: سواد في حمرة وقيل: سواد يعلو شفة المرأة البيضاء.
(٢) جامع البيان للطبري: ١٠ / ١٩٢.
(٣) في أسباب النزول: ببخله.
(٤) أسباب النزول للواحدي: ١٦٧، وتفسير القرطي: ٨ / ١٥٩.

٥٣
سورة التوبة، الآيات: ٥٠ - ٥٩
فَلَا
٥٤٦
كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَا يَأْتُونَ الضَّلَوَةَ إِلَّ وَهُمْ كَُالَى وَلَا يُفِقُونَ إِلَّ وَهُمْ كَرِهُونَ
تُّمِْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَّا أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِعَذِّبَهُم بِهَا فِىِ الْعَبَوَةِ الذُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ
٥٥
وَلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُم مِّنْكُرُ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٨٦) لَوْ يَحِدُونَ مَلْجَنًا أَوْ
مَغَرَاتٍ أَوْ مُدَخَلًا لَوَلَوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَحْمَعُونَ ﴿١٨٧) وَمِنْهُم ◌َّنْ يَلْمِرُكَ فِ الصَّدَفَتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُواْ وَإِن
◌َّمْ يُعْطَّوْاْ مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآ ءَاتَنْهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُمُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اَللَّهُ
سَيُؤْتِنَا اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُ: إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغْبُونَ
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ نصر وغنيمة (تَسُؤُهُمْ﴾ [يعني] بهم المنافقين ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ
يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أمْرَنَا﴾ عُذرنا وأخذنا الجزم في القعود وترك الغزو ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل هذه
المصيبة .
﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿لَنْ يُصِيبَنَا﴾ وفي مصحف عبد الله: قل هل يصيبنا، وبه قرأ طلحة
ابن مصرف ﴿إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾ في اللوح المحفوظ، ثم قضاه علينا ﴿هُوَ مَوْلانَا﴾ وليّنا
وناصرنا وحافظنا، وقال الكلبي: هو أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
المُؤْمِنُونَ قُلْ هَلْ تَتَرَبَّصُونَ﴾ تنتظرون ﴿بِنَا﴾ أيها المنافقون ﴿إلاَّ إحْدَى الحُسْنَيْنِ﴾ أما النصر
والفتح مع الأجر الكبير، وأمّا القتل والشهادة وفيه الفوز الكبير.
أخبرنا أبو القاسم الحبيبي قال: حدّثنا جعفر بن محمد العدل، حدّثنا أبو عبد الله محمد
ابن إبراهيم العبدي، حدّثنا أبو بكر أمية بن بسطام، أخبرنا يزيد بن بزيع عن بكر بن القاسم عن
سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليل: يضمن الله لمن خرج في سبيله ألاّ
يخرج إيماناً بالله وتصديقاً برسوله أن [يرزقه] الشهادة، أو يردّه إلى أهله مغفوراً له مع ما نال من
أجر وغنيمة.
﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحدى الحسنيين ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ فيهلكهم الله
كما أهلك الامم الخالية. قال ابن عباس: يعني الصواعق، قال ابن جريج يعني الموت
[والعقوبة] بالقتل بأيدينا كما أصاب الامم الخالية من قبلنا ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ هلاكنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ
مُتَرَبِّصُونَ﴾ وقال الحسن: فتربصوا مواعيد الشيطان إنّا معكم متربّصون مواعيد الله من إظهار دينه
واستئصال من خالفه، وكان الشيطان يمنّي لهم بموت النبي (صلى الله عليه وسلم).
﴿قُلْ أَنفِقُوا طَوْعاً أوْ كَرْهاً﴾ نزلت في منجد بن قيس حين أستاذن النبي ◌َّ في القعود عن
الغزوة، وقال: هذا مالي أُعينك به، وظاهر الآية أمر معناه خبر وجزاء تقديره: إن أنفقتم طوعاً
أو كرهاً فليس بمقبول منكم كقول الله عز وجل: ﴿واستغفر لهم﴾ الآية. قال الشاعر:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملامة
لدينا ولا مقلية إن تفلت

٥٤
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ منافقين ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ﴾ قرأ نافع وعاصم ويحيى
والأعمش وحمزة والكسائي: (أن يقبل) بالياء لنعتهم الفعل، الباقون بالتاء ﴿نَفَقَّاتُهُمْ﴾ صدقاتهم
﴿إِلاَّ أَ نَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ الاولى في موضع نصب، و((أن)) الثانية في محل رفع تقديره:
ومامنعهم قبول نفقاتهم إلاّ كفرهم ﴿وَلا يَأْ تُونَ الصَّلاةَ إلاَّ وَهُمْ كُسَالَى﴾ مستاؤون لأنهم لا
يرجون بأدائها ثواباً، ولا يخافون بتركها عقاباً ﴿وَلا يُنفِقُونَ إلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ لأنهم يتخذونها
مغرماً ومنعها مغنماً .
﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوَالُهُمْ وَلا أوْلادُهُمْ﴾ لأن العبد إذا كان من الله تعالى في استدراج
.]
.](١) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال مجاهد وقتادة والسدّي:
في الآية تقديم وتأخير تقديرها: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا يريد الله
ليعذبهم بها في الآخرة.
وقال الحسن: إنما يريد الله أن يعذبهم في الحياة الدنيا بالزكاة والنفقة في سبيل الله،
وقال ابن زيد: بالمصائب فيها، وقيل التعب في جمعه، والوجل في حفظه وحبه. ﴿وَتَزْهَقَ
أنفُسُهُمْ﴾ أي تخرج وتذهب أنفسهم على الكفر: يقال: زهقت الخيول أي خرجت عن الحلبة،
وزهق السهم إذا خرج عن الهدف، وزهق الباطل أي اضمحل، قال المبرّد: وفيه لغتان: زَهَق
يزهِق وزهيق يزهق.
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ على دينكم ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ يخافون
﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأَ﴾ يعني حرزاً وحصناً ومعقلاً، وقال عطاء مهرباً، وقال ابن كيسان: قوماً
يأمنون فيهم ﴿أَوْ مَغَارَات﴾ غيراناً في الجبال، وقال عطاء: سرادب، وقال الاخفش: كلّ ما
غرتَ فيه فغبت فهو مغارة، وهي مفعلة من غار الرجل في الشيء يغور فيه إذا دخل، ومنه غار
الماء وغارت العين إذا دخلت في الحدقة، ومنه غور تهامة، والغور: ما انخفض من الأرض،
وقرأ عبد الرحمن بن عوف مُغارات بضم الميم جعله مفعلاً من أغار يُغير إذا أسرع ومعناه موضع
فرارا، قال الشاعر:
بحرف قد تغير إذ تبوع(٢)
فعدّ طلابها وتعدّ عنها
﴿أَوْ مُدَّخَلا﴾ موضع دخول، وهو مفتعل من تدخّل يتدخّل متدخّل، وقال مجاهد:
مدّخلا: محرزاً. قتادة: سرداباً، وقال الكلبي وابن زيد: نفقاً كنفق اليربوع، وقال الضحاك:
مأوىّ يأوون إليه، وقال الحسن: وجهاً يدخلونه على خلاف رسول الله وَله، وقال ابن كيسان:
دخلا من مدخلا لا ينالهم منكم مايخافون [منه] وقرأ الحسن: أو مدخلاً، مفتوحة الميم خفيفة
(١) كلام غير مقروء في المخطوط.
(٢) لسان العرب: ٥ / ٣٥.

٥٥
سورة التوبة، الآيات: ٥٠ - ٥٩
الدال من دخل يدخل، وقرأ مسلمة بن محارب مُدخلاً بضم الميم وتخفيف الدال من دخل
يدخل، وقرأه أبيّ مندخلا، منفعل من اندخل. كما قال:
فلا يدي في حميت السكن تندخل(١)
... ] (٢) جعله متّفعلا ثم أدغم التاء في
وقرأ الأعرج بتشديد الدال والخاء [.
الدال كالمزمّل والمدّثر ﴿لَوَّلَّوْا إِلَيْهِ﴾ لأدبروا إليه هرباً منكم، وفي حرف أُبي: لولّوا وجوههم
إليه، وقرأ الأعمش والعقيلي: لوالوا إليه بالألف من الموالاة أي تابعوا وسارعوا.
وروى معاوية بن نوفل عن أبيه عن جده - وكانت له صحبة - لولوا إليه بتخفيف اللام لأنها
من التولية يقال: ولي إليه بنفسه إذا انصرف ولولوّا إليه من المولي ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ يسرعون في
الفرار [لا يردهم شيء]. قال الشاعر أبان بن ثعلب:
سبوحاً جموحاً وإحضارها كمعمعة السعف الموقد(٣)
وقيل: إن الجماح مشي بين مشيين وهو مثل [الصماح]. قال مهلهل:
لقد جمحت جماحاً في دمائهمُ
حتى رأيت ذوي أحسابهم خمدوا(٤)
وقرأ الأعمش: وهم يجمزون أي يسرعون ويشدّون ﴿وَمِنْهُمْ﴾ يعني من المنافقين ﴿مَنْ
يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ .
الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري، قال: بينا رسول الله وَله
يقسم قسماً - قال ابن عباس كانت غنائم هوازن يوم حنين - جاء ابن ذي الخريصر التميمي وهو
حرقوص بن زهير اصل الخوارج فقال: اعدل يارسول الله، فقال: ويلك ومن يعدل أن لم
أعدل.
فقال عمر: يارسول الله ائذن لي فأضرب عنقه، فقال النبي وَلجر: دعه فأن له أصحاباً يحتقر
أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية
فينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر فلا يوجد فيه شيء، وقد سبق الفرث والدم، أشبههم
برجل أسود في إحدى يديه، أو قال: أحدى ثدييه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر،
يخرجون على فترة من الناس، وفي غير هذا الحديث: وإذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا
(١) الصحاح: ٤ / ١٦٩٦.
(٢) كلام غير مقروء في الأصل.
(٣) لسان العرب: ٢ / ٤٢٧ وفيه: جموحاً مروحاً وإحضارها.
(٤) جامع البيان للطبري: ١٠ / ١٩٨ .

٥٦
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
فاقتلوهم، ثم إذا اخرجوا فاقتلوهم. فنزل، ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾(١) أي يعيبك في
أمرها، ويطعن عليك فيها يقال: همزة لمزة. قال الشاعر:
إذا لقيتُك عن شحط تكاشرني
وإِنْ تغيبتُ كنتَ الهامز اللمزة(٢)
وقال مجاهد: يهمزك: يطعنك، وقال عطاء: يغتابك، وقال الحسن والأعرج وأبو رجاء
وسلام ويعقوب: يلمزُك بضم الميم، وروى عوف بن كثير يلمِزك بكسر الميم خفيفة ﴿فَإِنْ أَعْطُوا
مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ وقرأ [إياد بن لقيط]: ساخطون(٣). قال ابن
زيد: هؤلاء المنافقون قالوا: والله لا يعطيها محمد إلا من أحب ولا يؤثر بها إلاّ هواه.
﴿وَلَوْ أ ◌َنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ﴾ إلى قوله ﴿راغبون﴾ في أن يوسع علينا من فضله فيغنينا
عن الصدقة وغيرها من أموال الناس، وقال ابن عباس: راغبون إليه فيما يعطينا من الثواب،
ويصرف عنا من العقاب.
إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَنْمِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِ اَلْقَابِ وَالْغَرِمِينَ
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِّ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ
أُلَّىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنُ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ
وَلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلْمُ (٦) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُ: أَحَقُّ أَنْ
يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ (١٦) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَّنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَمُ فَأَنَ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ
خَلِدًا فِيَأْ ذَلِكَ الْخِزْىُ الْعَظِيمُ (٣َ يَخْذَرُ الْمُنَفِعُونَ أَنْ تُنَزَّلُ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ ثَبَّتُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ
وَلَيْنِ سَأَلْنَّهُمْ لَيَقُولُنَ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَفَلْعَبُّ قُلْ
قُلِ أَسْتَهْزِئُواْ إِنَ اللَّهُ مُخْرِجُ مَّا تَخْذَّرُونَ
أَبْلَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ. كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴿٢٥َ لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَغَرْتُ بَعْدَ إِيَنْكُمْ إِن نَغَفُ عَنْ طَلَبِفَةٍ
الْمُنَفِقُونَ وَالْمُتَغْفَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضِْ بَأْمُرُونَ
مِنْكُمْ تُعَذِبِ طَائِقَةٌ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِنَ الَـ
بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ الَّهَ فَنَسِيَّهُمَّ إِنَ الْمُنَفِفِينَ هُمُ الْفَنْسِفُونَ
(٦٦) وَعَدَ اللّهُ الْمُنَفِفِينَ وَالْمُنَفِفَتِ وَالْكُفَّارَ نَرَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَّهُمْ
عَذَابٌ مُقِيمُ (٩َ كَذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَةَ وَأَكْثَرَ أَمْوَلَا وَأَوْلَدًا فَأُسْتَمْتَعُواْ
بِخَفِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَفِكُمْ كَمَا أَسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَيْلِكُمْ بِخَلَفِهِمْ وَخُضْتُمْ كَلَّذِى خَكَاضُوَاْ
أُوْلَئِكَ خَطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
(١) مسند أحمد: ٣ / ٥٦.
(٢) لسان العرب: ٥ / ٤٢٦.
(٣) راجع تفسير الدر المنثور: ٣ / ٢٤٠.

٥٧
سورة التوبة، الآيات: ٦٠ - ٦٩
ثم بين [لمن] الصدقات فقال عز من قال ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ﴾ لا
للمنافقين، واختلف العلماء في صفة الفقر والمسكين.
. وقال ابن عباس والحسن وجابر بن زيد والزهري ومجاهد وابن زيد: الفقير: المتعفف عن
المسألة، والمسكين: المحتاج السائل، وقال قتادة: الفقير: المؤمن المحتاج [الذي به زمانة]
والمسكين: [الذي لا زمانة به](١)، وقال الضحاك وإبراهيم النخعي: الفقراء فقراء المهاجرين،
والمساكين من لم يهاجروا من المسلمين المحتاجين، وروى ابن سلمة عن ابن علية عن ابن
سيرين عن عمر بن الخطاب به قال: ليس الفقير الذي لا مال له ولكن الفقير الأخلق الكسب
قال ابن علية: الأخلق المحارف عندنا(٢)، وقال عكرمة: الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين
من أهل الكتاب.
وقال أبو بكر العبسي: رأى عمر بن الخطاب ذميماً مكفوفاً مطروحاً على باب المدينة فقال
له عمر: مالك؟ قال: استكروني في هذه الجزيرة حتى إذا كف بصري تركوني فليس لي أحد
يعود عليّ بشيء، فقال: ما أنصفت إذاً، فأمر له بقوته وما يصلحه، ثم قال: هذا من الذين قال
الله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ وهم زمنى أهل الكتاب(٣)، وقال ابن عباس: المساكين:
(٤)
[الطوافون]، والفقراء، من المسلمين
.
أخبرنا عبد الله بن حامد. أخبرنا محمد بن جعفر. حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يزيد
المؤدب. حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول
الله ◌َله: ليس المسكين هذا الطوَّاف الذي يطوف على النَّاس تردّه اللقمة واللقمتان والتمرة
والتمرتان، إنما المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يسأل الناس، ولا يفطن له فيتصدق عليه (٥) .
قال الفرّاء: الفقراء أهل الصفة لم يكن لهم عشائر ولا مال، كانوا يلتمسون الفضل ثم
يأوون إلى مسجد رسول الله وَليل، والمساكين: الطوّافون على الأبواب(٦)، وقال عبد الله بن
الحسن: المسكين الذي يخشع ويستكين وإن لم يسأل، والفقير الذي يحتمل ويقبل الشيء سراً
ولا يخشع وقال [ابن السكيت والقتيبي ويونس] الفقير الذي له البلغة من العيش والمسكين الذي
لا شيء له، واحتج بقول الشاعر:
(١) زيادة عن زاد المسير: ٣ / ٣٠٩.
(٢) تفسير الطبري: ١٠ / ٢٠٤.
(٣) تفسير القرطبي: ٨ / ١٧٤، والمصنف لابن أبي شيبة: ٣ / ٦٨.
(٤)
فتح القدير: ٢ / ٣٧٤.
(٥) تفسير ابن كثير: ١ / ٢١٤.
(٦) تاج العروس: ٣ / ٤٧٣.

٥٨
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
إنّ الفقير الذي كانت حلوبته
وفق العيال فلم يترك له سبد(١)
فجعل له حلوبة وجعلها وقفاً لعياله أي قوتاً لا فضل فيه، يدلّ عليه ماروي عن عبد
الرحمن بن أبزي قال: كان ناس من المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة يحجّ عليها
ويغزو فنسبهم الله تعالى إلى أنهم فقراء وجعل لهم سهماً في الزكاة(٢).
.](٣) لأ
وقال محمد بن مسلمة: الفقير الذي له مسكن يسكنه، والخادم إلى [ ..
ذلك المسكين الذي لا ملك له. قالوا: وكل محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه وإن كان غنياً من
غيره، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله﴾، والمسكين المحتاج إلى كل
شيء، ألا ترى كيف حُضّ على إطعامه وجعل الكفّارة من الاطعمة له، ولا فاقة أعظم من
[ ...... ] (٤) في شدة الجوعة.
أما قوله: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين﴾ وإن مسكنتهم هاهنا مساكين على جهه الرحمة
والاستعفاف لا بملكهم السفينة كما قيل لمن امتحن بنكبة أو دفع إلى بلية: مسكين، وفي
الحديث: ((مساكين أهل النار)) [٢١](٥) وقال الشاعر:
مساكين أهل الحبّ حتى قبورهم [عليها] تراب الذل بين المقابر (٦)
﴿وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ يعني سقاتها وجباتها الذين يتولّون قبضها من أهلها ووضعها في حقها
ويعملون عليها يعطون ذلك بالسعاية، أغنياء كانوا أو فقراء.
واختفلوا في قدر ما يعطون، فقال الضحّاك: يعطون: الثمن من الصدقة، وقال مجاهد:
يأكل العمال من السهم الثامن، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: يعطون على قدر عمالتهم،
وهو قول الشافعي وأبي يعفور قالا: يعطون بقدر أجور أمثالهم، وإن كان أكثر من الثمن، يدلّ
عليه قول عبد الرحمن بن زيد قال: لم يكن عمر ولا أُولئك يعطون العامل الثمن إنما يفرضون له
بقدر عمله(٧)، وقال مالك وأهل العراق: إنّما ذلك إلى الامام وإجتهاده، يعطيهم الامام على
قدر مايرى.
﴿وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، قال قتادة: هم ناس من الأعراب وغيرهم كان النبي ◌ِّ يألفهم
(١)
الصحاح: ٢ / ٧٨٢.
(٢) تفسير الطبري: ١٠ / ٢٠٤.
(٣) كلام غير مقروء في المخطوط.
كلام غير مقروء في المخطوط.
(٤)
(٥) تفسير القرطبي: ٨ / ١٧٠.
(٦) تفسير القرطبي: ٨ /١٧٠.
(٧) تفسير الطبري: ١٠ / ٢٠٧.

٥٩
سورة التوبة، الآيات: ٦٠ - ٦٩
بالعطية كيما يؤمنوا، وقال معقل بن عبد الله: سألت الزهري عن المؤلفة قلوبهم، قال: من
أسلم من يهودي أو نصراني، قلت: وإنْ كان غنياً؟ قال: وإنْ كان غنياً، وقال ابن عباس: هم
قوم قد أسلموا، كانوا يأتون رسول الله وعليه يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقة
فأصابوا منها خيراً قالوا: هذا دين صالح، فإن كان غير ذلك عابوه وتركوه.
وقال ابن كيسان: هم قوم من أهل الحرب كان النبي ◌َّ﴾ يتألّفهم بالصدقات ليكفّوا عن
حربه، وقال الكلبي ويحيى بن أبي كثير وغيرهم: ذوو الشرف من الأحياء، كان رسول الله وَله
يعطيهم في الإسلام يتألّفهم وهم الذين قسم بينهم يوم حنين الإبل، وهم: من بني مخزوم الحرث
ابن هشام، وعبد الرحمن بن يربوع، ومن بني أمية أبو سفيان بن حرب ومنهم من بني جمح
صفوان بن أمية، ومن بني عامر بن لؤي سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، ومن بني
أسد بن عبد العزى حكيم بن خزام، ومن بني هاشم أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب، ومن
بني فزارة عيينة بن حصين، وحذيفة بن بدر، ومن بني تميم الاقرع بن حابس، ومن بني النضر
مالك بن عوف بن مالك ومن بني سليم العباس بن مرادس، ومن بني ثقيف العلاء بن خارجة،
أعطى النبي وَّر كل رجل منهم مائة ناقة إلا عبد الرحمن بن يربوع وحويطب بن عبد العزى، قال
وفي رواية أخرى: مخرمة بن نوفل، وعمير بن وهيب وهشام بن عمرو.
وزاد الكلبي: أبا البعائل بن يعكل وجد بن قيس السهمي وعمرو بن مرداس وهشام بن
عمرو. قال: أعطى كل واحد منهم خمسين ناقة (١)، فقال العباس بن مرادس في ذلك للنبي ◌َّ:
بين عيينة والأقرع
فأصبح نهبي ونهب العبيد
يفوقان مرداس في المجمع
وما كان حصن ولا حابس
فلم أعط شيئاً ولم أمنع
وقد كنت في الحرب ذا [قوّة]
عديد قوائمــه الأربع
الا أفائل أعطيــهـا
بكري على المهر في الأجرع
وكانت نهاباً تلافيتها
إذا مجع الناس لم أمجع
وايقاظي القوم أن يرقدوا
ومن تضع اليوم لا يرفع (٢)
وما كنت دون أمرئ منهما
فأعطاه النبي ◌َّ مائة ناقة، وأعطى حكيم بن حزام سبعين ناقة فقال: يارسول الله ما كنت
أدري أن أحداً أحق بعطائك مني فزاده عشرة أبكار، ثم زاده عشرة أبكار حتى أتمها له مائة،
فقال حكيم: يارسول الله أعطيتُك التي رغبت عنها خيرٌ أم هذه التي زادت؟ قال: لا، بل هذه
(١) نصب الراية: ٢ / ٤٧٦.
(٢) تفسير القرطبي: ٨ / ١٨٠ وفيه تقديم وتأخير.

٦٠
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
التي رغبت فيها. فقال: لا آخذ غيرها، فأخذ السبعين، فمات حكيم وهو أكثر قريش مالاً .
فقال النبي وقال: ((أعطي رجلاً وأترك الآخر، والذي أترك أحب إلي من الذي أعطي،
ولكني أتألف هذا بالعطية، وأُوكل المؤمن إلى إيمانه)) [٢٢].
وقال صفوان بن أمية: لقد أعطاني رسول الله و ﴿ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس اليَّ فما
برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي.
ثم اختلفوا في وجود المؤلّفة اليوم وهل يُعطون من الصدقة وغيرها أم لا؟، فقال الحسن:
أما المؤلفة قلوبهم فليس اليوم، وقال الشعبي: إنه لم يبقَ في الناس اليوم من المؤلفة قلوبهم،
إنما كانوا على عهد رسول الله ◌َّيه، فلمّا ولي أبو بكر انقطعت الرشى، وهذا تأويل أهل القرآن،
يدل عليه حديث عمر بن الخطاب حين جاءه عيينة بن حصين، فقال ﴿الحق من ربكم فمن شاء
فليؤمن، ومن شاء فليكفر﴾ إن الإسلام أجلّ من أن يرشى عليه، أي ليس اليوم مؤلّفة.
وروى أبو عوانة عن مهاجر أبي الحسن، قال: أتيت أبا وائل وأبا بردة بالزكاة وهما على
بيت المال فأخذاها، ثم جئت مرة أُخرى فوجدت أبا وائل وحده فقال ردّها فضعها في
مواضعها، قلت: فما أصنع بنصيب المؤلفة قلوبهم؟ فقال ردّه على الآخرين.
وقال أبو جعفر محمد بن علي: [في الناس] اليوم المؤلفة قلوبهم ثابتة، وهو قول أبي ثور
قال: لهم سهم یعطیهم الامام قدر مایری.
وقال الشافعي: المؤلّفة قلوبهم ضربان: ضرب مشركون فلا يعطون، وضرب مسلمون [إذا
اعطاهم الإمام كفّوا شرهم عن المسلمين]، فأرى أن يعطيهم من سهم النبي وهو خمس الخمس
ما يتألّفون به سوى سهمهم مع المسلمين، يدلّ عليه أن النبي ◌َّ أعطى المؤلّفة قلوبهم بعد أن
فتح الله عليه الفتوح وفشا الإسلام وأعزّ أهله، وأمّا سهمهم من الزكاة فأرى أن يصرف في تقوية
الدين وفي سدّ خلة الإسلام ولا يعطى مشرك تألّف على الإسلام، ألا إنّ الله تعالى يغني دينه عن
ذلك، والله أعلم.
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ مختصر أي في فك الرقاب من الرق، واختلفوا فيهم، فقال أكثر الفقهاء:
هم المكاتبون، وهو قول الشافعي والليث بن سعد، ويروى أنّ مكاتباً قام إلى أبي موسى
الاشعري وهو يخطب الناس يوم الجمعة فقال له: أيها الأمير حثّ الناس عليّ، فحث أبو
موسى، فألقى الناس ملاءة وعمامة وخاتماً حتى ألقوا عليه سواداً كثيراً، فلمّا رأى أبو موسى ما
ألقى الناس، قال أبو موسى: أجمعوه فجُمع، ثم أمر به فبيع فأعطى المكاتب مكاتبته، ثم أعطى
الفضل في الرقاب ولم يردّه على الناس، وقال إنما أعطى الناس في الرقاب (١).
(١) نصب الراية: ٢ / ٤٧٧.