Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ سورة المائدة، الآيات: ١ - ٥ يدل عليه ما روى الشعبي عن عدي بن حاتم أنه سأل رسول اللّه وَ ل﴿ عن الصيد فقال: ((إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه فإن أدركته لم يقتل، فاذبح واذكر اسم الله عليه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل فكل فقد أمسك عليك، فإن وجدته قد أكل منه فلا تطعم منه شيئاً، فإنما أمسك على نفسه، فإن خالط كلبَك كلابٌ فقتلن ولم يأكلن فلا تأكل منه فإنك لا تدري أيّها قتل)(١). (وإذا رميت سهمك فاذكر اسم اللّه، فإن أدركته فكل، إلاّ أن تجده وقع في ماء فمات فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك) فإن وجدته بعد ليلة أو ليلتين ولم تر فيه سهمك فإن شئت أن تأكل منه فكل))(٢) [٢١]. والقول الثاني: أنه يحلّ وإن أكل وهو قول سلمان الفارسي، وسعد بن أبي وقّاص، وابن عمر، وأبي هريرة، قال حميد بن عبد اللّه وسعد ابن أبي وقّاص: لنا كلاب ضواري يأكلن ويبقين، قال: كل وإن لم يبق إلاّ نصفه أو ثلثيه فكل ميتة. وروى ذلك عن النبي ◌ّ﴿ ولا فرق في حمله على ما ذكرنا من الطيور والسباع المعلمة. وروى أبو قلابة عن ثعلبة(٣) الخشني: أنه جاء إلى النبي وسي# قال: يا رسول الله إن أرضنا أرض صيد فأُرسل سهمي وأذكر اسم اللّه وأرسل كلبي المعلم وأذكر اسم الله وأرسل كلبي الذي لیس معلم فقال النبي قال: «ما حبس علیك سهمك، وذکرت اسم الله [فکل]، وما حبس علیك كليك المعلم وذكرت اسم اللّه، فكل وما حبس عليك كلبك الذي ليس معلم فأدركت ذكاته فكل وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكل»(٤) [٢٢]. ﴿واتقوا الله إنّ الله سريع الحساب﴾ ﴿اليوم أحل لكم الطيبات﴾ يعني الذبائح ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم﴾ يعني ذبائح اليهود والنصارى، ومن دخل في دينهم من سائر الأمم قبل أن يبعث محمد بنّي حلال لكم، فمن دخل في دينهم بعد بعث النبي ټآل﴾ فلا تحل ذبيحته، فأما إذا سمّى أحدهم غير اللّه عند الذبح مثل قول النصارى: باسم المسيح، اختلفوا فيه. فقال ربيعة: سمعت ابن عمر يقول: لا تأكلوا ذبائح النصارى، فإنهم يقولون: باسم المسيح، فإنهم لا يستطيعون أن تهدوهم وقد ظلموا أنفسهم، دليله قوله ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه فإنه فسق﴾. والقول الثاني: إنّه يجوّز ذبيحتهم، الكتابي، وإن سمّي غير اللّه فإن هذا مستثنى من قوله (١) سنن النسائي: ٧ / ١٧٩. (٢) السنن الكبرى: ٩ / ٢٤٢ والمعجم الكبير: ١٧ / ٧٤ بتفاوت يسير. (٣) في المصدر: عن أبي ثعلبة. (٤) المعجم الكبير: ٢٢ / ٢٣١. ٢٢ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي تعالى ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه﴾ وهي إنما نزلت في ذبائح المشركين وما كانوا يذبحونها لأصنامهم، وعلى هذا أكثر العلماء. قال الشعبي وعطاء: في النصراني يذبح فيقول: باسم المسيح قالا: يحلّ. فإنّ الله عز وجل قد أحل ذبائحهم وهو أعلم بما يقولون. وسأل الزهري ومكحول عن ذبائح عبدة أهل الكتاب، [والمربيات] لكنائسهم وما ذبح لها فقالا: هي حلال، وقرأ هذه الآية. وقال الحسن والحرث العكلي: ما كنت أسأله عن ذبحه فإنه أحل الله لنا طعامه، فإذا ذبح اليهودي والنصراني فذكر غير اسم اللّه وأنت تسمع فلا تأكله، فإذا غاب عنك فكل، فقد أحل اللّه لك [ما في] القرآن، فذبح اليهود والنصارى ونحرهم مكروه. قال علي (رضي الله عنه): ((لا يذبح ضحاياكم اليهود ولا النصارى ولا يذبح نسكك إلاّ مسلم)(١) [٢٣]. قوله عز وجل ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها، فقال قوم: عنى بالإحصان في هذه الآية الحرية وأجازوا نكاح كل حرّة، مؤمنة كانت أو كتابية فاجرة كانت أو عفيفة وحرّموا إماء أهل الكتاب أن يتزوجهن المسلم بحال، وهذا قول مجاهد وأكثر الفقهاء، والدليل عليه قوله: ﴿فمن لم يستطع منكم طولاً﴾ الآية، فشرط في نكاح الإماء الإيمان. وقال آخرون: إنما عنى اللّه تعالى بالمحصنات في هذه الآية العفائف من الفريقين إماءً كنّ أو حرائر، فأجازوا نكاح إماء أهل الكتاب بهذه الآية، وحرّموا البغايا من المؤمنات والكتابيات، وهذا قول أبي ميسرة والسّدي. وقال الشعبي: إحصان اليهودية والنصرانية أن تغتسل من الجنابة، وتحصن فرجها . وقال الحسن: إذا رأى الرجل من امرأته فاحشة فاستيقن فإنه لا يمسكها، ثم اختلفوا في الآية أهي عامة أم خاصة. فقال بعضهم: هي عامة في جميع الكتابيات حربيّة كانت أو ذميّة، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن. وقال بعضهم: هي الذميّات، فإما الحربيات فإنّ نساءهم حرام على المسلمين، وهو قول ابن عباس. السدّي عن الحكم عن مقسم عنه قال: من نساء أهل الكتاب من تحلّ لنا ومنهم من لا (١) السنن الكبرى: ٥ / ٢٣٩ قريب منه. ٢٣ سورة المائدة، الآيات: ٦ - ١٠ تحل لنا، ثم قرأ: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون .. ﴾. إلى قوله. ﴿صاغرون﴾. فمن أعطى الجزية حلّ لنا نساؤه ومن لم يعط الجزية لم يحل لنا نساؤه. · قال الحكم: فذكرت ذلك لإبراهيم فأعجبه، وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات، ويفسر هذه الآية بقوله: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتّى يؤمنٌ﴾ يقول: لا أعلم شركاً أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى. وروى المبارك عن سليمان بن المغيرة قال: سأل رجل الحسن: أيتزوّج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟ قال: ماله ولأهل الكتاب وقد أكثر الله المسلمات: فإن كان لا بدّ فاعلا فليعمد إليها حصاناً غير مسافحة. قال الرجل: وما المسافحة، قال: هي التي إذا ألمح الرجل إليها بعينه أتبعته ﴿ومن يكفربالإيمان فقد حبط عمله﴾. قال قتادة: ذكر لنا ان رجالاً قالوا لما نزل قوله ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾: كيف نتزوّج نساء لسن على ديننا؟ فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل ابن حيّان: نزلت فيما أحصن المسلمون من نساء أهل الكتاب، يقول: ليس إحصان المسلمين إيّاهنّ بالذي يخرجهنّ من الكفر يعني عنهن في دينهن [ ... ] (١) وجعلهن ممن كفر بالإيمان، فقد حبط عمله وهو بعد للناس عامّة، ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ يعني من أهل النّار. وقال ابن عباس: ومن يكفر باللّه قال الحسن بن الفضل: إن صحت هذه الرواية كان فمعناه برب الإيمان وقيل: بالمؤمنين به . قال الكلبي: ومن يكفر بالإيمان أي بما أنزل على محمد وَلآل. قال الثعلبي رحمه الله: وسمعت أبا القاسم الجهني قال: سمعت أبا الهيثم السنجري يقول: الباء صلة كقوله تعالى: ﴿يشرب بها عباد اللّه﴾(٢) ﴿تنبت بالدهن﴾(٣) والمعنى ومن يكفر بالإيمان أي يجحده فقد حبط عمله. وقرأ الحسن بفتح الباء، قرأ ابن السميع: فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين. ◌ََّيّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِذَا فُهْتُمْ إِلَى الْضَلَوَهِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْعَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِّ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًّا فَأَطَّهَرُواْ وَإِنْ كُنْتُمْ تَرْضَىَّ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ ◌َءَ أَحَدٌ (١) كلمة غير مقروءة. (٢) سورة الإنسان: ٦. (٣) سورة المؤمنون: ٢٠. ٢٤ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي مِنَكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ الْنِسَآءُ فَلَمّ تَجِدُواْ مَآءَ فَتَيَمَّعُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ◌ِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَرَجَ وَلَكِنْ يُرِيدُ ◌ِطُهْرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿َ وَأَذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِينَقَّهُ الَّذِى وَأَنَّفَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَنَّقُوا اللهُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ اَلْضُّدُورِ ﴿٣ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ فَوَمِينَ لِلَِّ شُهَدَاءَ بِاَلْقِسْطِ وَلَ يَجْرِمَكُمْ شَنََّانُ قَوْمٍ عَلَّ أَلَّ تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلنَّقْوَيُّ وَأَتَّقُواْ لَهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿ذَا وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الْضَلِحَتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ ثَايَتِنَا أُوْلَبِكَ أَسَّحَبُ اْمَحِيمِ ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ الآية، أمر الله تعالى بالوضوء عند القيام إلى الصلاة. واختلف العلماء في حكم الآية، فقال قوم: هذا من العام الذي أريد به الخاص. والمجمل الذي وكل بيانه إلى رسول اللّه وَّل) ومعنى الآية: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم على غير طهر، يدلّ عليه ما روي عن عكرمة إنه سأل عن هذه الآية قال: أو كلّ ساعة أتوضأ؟ فقال: إن ابن عباس قال: لا وضوء إلاّ من حدث. وقال الفضل بن المبشر: رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات الخمس بوضوء واحد. فإن بال أو أحدث توضأ ومسح بفضل مائه الخفين. فقيل: أي شيء تصنعه برأيك؟ فقال: بل رأيت رسول اللّه وَليه يصنعه وأنا أصنع كما رأيت رسول اللّه وَلّم يصنع. وروى محارب بن دثار عن ابن عمر أن رسول اللّه وقليل صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد. وقال المسوّر بن مخرمة لابن عباس: هل لك في عبيد بن عمير إذا سمع النداء خرج من المسجد. فقال ابن عباس: هكذا يصنع الشيطان، فدعاه فقال: ما يحملك على ما تصنع إذا سمعت النداء خرجت وتوضأت، قال إن الله عز وجل يقول: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ ... الآية. قال: ليس هذا إذا توضأت فإنك على طهر حتّى تحدث، ثم قال: هكذا يصنع الشيطان إذا سمع النداء ولّى وله ضراط. وروى الأعمش عن عمارة قال: كان للأسود قعب قد ري رجل وكان يتوضأ به ثم يصلي بوضوئه ذلك الصلوات كلها . وقال زيد بن أسلم والسّدي: معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، وقال بعضهم: أراد بذلك كل قيام العبد إلى صلاته أن يجدّد لها طهراً على طريق الندب والاستحباب، قال عكرمة: كان علي يتوضأ عند كل صلاة ويقرأ هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ . ٢٥ سورة المائدة، الآيات: ٦ - ١٠ عن أبي عفيف (١) الهذلي إنه رأى ابن عمر يتوضأ للظهر ثم العصر ثم المغرب، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أسنّة هذا الوضوء؟ قال: إنه كان كافياً وضوئي للصلاة كلها مالم أُحدث ولكني سمعت رسول اللّه وَله يقول: ((من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات))(٢) ففي ذلك رغبت يا ابن أخي. وقال بعضهم: بل كان هذا أمراً من اللّه عز وجل لنبيه وللمؤمنين حتماً وامتحاناً أن يتوضأ لكل صلاة، ثم نسخ للتخفيف . وقال محمد بن يحيى بن جبل الأنصاري قلت: لعبيد الله بن عمر: أخبرني عن وضوء عبد اللّه لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر عمّن هو؟ قال: حدّثتنيه أسماء بنت زيد الخطاب أن عبد اللّه بن حنظلة بن أبي عامر الغسيلي حدثها أن النبي وَلجر أُمر بالوضوء عند كل صلاة، فشق ذلك عليه فأُمر بالسواك ورفع عنه الوضوء إلاّ من حدث، وكان عبد الله يرى أن به قوّة عليه فكان يتوضأ . وروى سليمان بن بريد عن أبيه أن رسول اللّه ◌ُ ﴾له كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكّة صلّى الصلوات الخمس كلها بوضوء واحد، فقال عمر (رضي الله عنه): إنك تفعل شيئاً لم تكن تفعله! قال: ((عمداً فعلته يا عمر))(٣) [٢٤]. وقال بعضهم: هذا إعلام من اللّه تعالى لرسوله ﴿ ﴿ أن لا وضوء عليه إلاّ إذا قام إلى صلاته دون غيرها من الأعمال. وذلك إنه إذا كان أحدث امتنع من الأعمال كلها حتّى يتوضأ فأذن اللّه عز وجل بهذه الآية أن يفعل كل ما بدا له من الأفعال بعد الحدث غير الصلاة. وروى عبد اللّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن علقمة بن وقاص عن أبيه قال: كان رسول اللّه وسي* إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يرد علينا حتى يأتي منزله فيتوضأ لوضوء الصلاة حتّى نزلت آية الرخصة ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ . وحّد الوجه من منابت شعر الرأس إلى طرف الذقن طولاً، وما بين الأُذنين عرضاً، فأما ما استرسل من اللحية عن الذقن؛ فالشافعي هنا قولان: أحدهما: أنه لا يجب على المتوضى غسله، وهو مذهب أبي حنيفة واختيار المزني، (١) في المصدر: غطيف. (٢) سنن أبى داود: ١ / ٢٣. (٣) السنن الكبرى: ١ / ١١٨، وسنن النسائي: ١ / ٨٥. ے ٢٦ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي واحتجّوا بأن الشعر النازل من الرأس لا يُحكم بِحُكم الرأس. وكذلك من الوجه. والثاني: أنه يجب غسله، ودليل هذا القول من ظاهر هذه الآية، لأن الوجه ما يواجه به، فكلّ ما تقع به المواجهة من هذا العضو يلزمه غسله بحكم الظاهر. ومن الحديث قول النبي ◌ّر حيث نهى عن تغطية اللحية في الصلاة إنها من الوجه، ومن اللغة قول العرب بدل وجه فلان وخرج وجهه إذا نبتت لحيته. ﴿وإيديكم إلى المرافق﴾ غسل اليدين من المرفقين واجب بالإجماع واختلفوا في المرفقين. فقال الشعبي ومالك والفراء ومحمد بن الحسن ومحمد بن جرير: لا يجب غسل المرفقين في الوضوء، وإلى . ها هنا - بمعنى الحدّ والغاية، ثم استدلوا بقوله تعالى ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾(١) والليل غير داخل في الصوم، وقال سائر الفقهاء: يجب غسلهما و(إلى) بمعنى مع واحتجوا بقوله تعالى ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾(٢) وقوله ﴿فزادتهم رجساً إلى رجسهم﴾(٣) وقوله ﴿من أنصاري إلى اللّه﴾(٤) . ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ اختلف الفقهاء في القدر الواجب من مسح الرأس. فقال مالك والمزني: مسح جميع الرأس في الوضوء واجب. وجعلوا الباء بمعنى التعميم، كقوله عز وجل ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾(٥) وقوله ﴿وليّوّفوا بالبيت العتيق﴾(٦). وقال أبو حنيفة: مسح ربع الرأس واجب. أبو يوسف: نصف الرأس، الشافعي: يجوز الاقتصار على أقل من ربع الرأس، فإذا مسح مقدار ما يسمى مسحاً أجزأه، واحتج بقوله ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾، وله في هذه الآية دليلان، أحدهما: مسح بعض رأسه وإن قلّ فقد حصل من طرفي [اللسان] ماسحاً رأسه. فصار مؤدياً فرض الأمر. والثاني: إنه قال في العضوين اللذين أمر بتعميمها بالطهارة ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾ فأطلق الأمر في غسلهما وقال في الرأس ﴿فامسحوا برؤوسكم﴾ فأدخل الباء للتبعيض لأنّ الفعل (١) سورة البقرة: ١٨٧. (٢) سورة النساء: ٢. (٣) سورة التوبة: ١٢٥. (٤) سورة آل عمران: ٥٢. (٥) سورة المائدة: ٦. (٦) سورة الحج: ٢٩. : ٢٧ سورة المائدة، الآيات: ٦ - ١٠ إذا تعدى إلى المفعول من غير حرف الباء كان دخول الباء للتبعيض، كقول القائل: مسحت يدي بالمنديل وإن كان مسح ببعضه . قال عنترة : زوراء تنفر عن حياض الديلم(١) شربت بماء الدحرضين فأصبحت ويدل عليه من السنة ما روى عمرو بن وهب النقعي عن المغيرة بن شعبة أن النبي وَّة توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته وخفّيه، فاقتصر في المسح على الناصية دون سائر الرأس. ﴿وأرجلكم﴾ اختلف القرّاء فيه، فقرأ عروة بن الزبير وابنه هشام ومجاهد، وإبراهيم التميمي وأبو وائل، والأعمش، والضحّاك وعبدالله بن عامر، وعامر ونافع، والكسائي وحفص وسلام ويعقوب: (وأرجلكم) بالنصب وهي قراءة علي بن أبي طالب (رضي الله عنه). وروى عاصم بن كليب عن أبي عبد الرحمن السّلمي، قال: قرأ عليّ الحسن والحسين فقرأا: وأرجلكم بالخفض، فسمع عليّ ذلك وكان يقضي بين الناس، فقال: وأرجلكم بالنصب، وقال: هذا من المقدم والمؤخر من الكلام. وقراءة عبد الله وأصحابه. قال الأعمش: كان أصحاب عبد الله يقرؤن: وأرجلكم نصباً فيغسلون . وقراءة ابن عباس، روى عكرمة عنه أنه قرأها: وأرجلكم بالنصب وقال: عاد الأمر إلى الغسل وهو اختيار أبي عبيد، وقرأ الباقون بالكسر، وهي قراءة أنس والحسن وعلقمة والشعبي، واختيار أبي حاتم، فمن نصب فمعناه واغسلوا أرجلَكم، ومن خفض فله وجوه ثلاث: أحدها أن المسح يعني الغسل والباء بمعنى التعميم، يقول تمسّحت للصلاة أي توضأت، وذلك أن المتوضى لا يرضى أن يصيب وجهه وذراعيه وقدميه حتّى يمسحها فيغسلها فلذلك سمي الغسل بها، وهذا قول أبي زيد الأنصاري وأبي حاتم السجستاني. وقال أبو عبيدة والأخفش وغيرهما: إن الأرجل معطوفة على الرؤس على الإتباع بالجواز لفظاً لا معنى. كقول العرب (جحر ضب خرب) قال تعالى ﴿ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها﴾(٢). قال الشاعر : ورأيت زوجك في الوغى متقلداً سيفاً ورمحاً (٣) (١) لسان العرب: ٢ / ٩٥. (٢) سورة النساء: ٧٥. (٣) تفسير الطبري: ١ / ٩٢. ٢٨ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي والرمح لا يتقلد إنّما يحمل . وقال لبيد : وأطفلت بالجلهتين ظباؤها ونعامها (١) والنعام لا تطفل وإنما تفرخ. وقال بعضهم: أراد به المسح على الأرجل لقرب الجوار. كقوله: غمر الردا أي واسع الصدر. ويقال: قبّلَ رأس الأمير ويده ورجله، وإن كان في العمامة رأسها وفي الكم يده وفي الخف رجله. وفي الحديث أن النبي ◌ّلو كان إذا ركع وضع يده على ركبتيه. وليس المراد إنه لم يكن بينهما حائل. قال اللّه تعالى: ﴿وثيابك فظهر﴾(٢) قال كثير من المفسرين: أراد به قلبك فطهر . قال همام بن الحرث: بال جرير بن عبد اللّه فتوضأ ومسح على خفيه فقيل له في ذلك، فقال: رأيت رسول اللّه وَليل يفعله. قال الأعمش: كان إبراهيم يعجبه هذا الحديث، وهو أن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. وأجرى قوم من العلماء الآية على ظاهرها، وأجازوا المسح على القدمين، وهو قول ابن عباس قال: الوضوء مسحتان وغسلتان. وقول أنس: روى ابن عليّة عن حميد عن موسى بن أنس إنه قال لأنس ونحن عنده: إن الحجاج خطبنا بالأهواز فذكر الطهر فقال: إغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤسكم، فإنه ليس شيء من ابن آدم أقرب إلى خبثه من قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وكعبهما وعراقيبهما . فقال: صدق اللّه وكذب الحجاج، قال الله تعالى ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) وكان أنس إذا مسح قدميه بلّهما . وروى حماد عن عاصم الأحول عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح، والسّنة بالغسل. وقول الحسن والشعبي، قال الشعبي: نزل جبرئيل بالمسح، ثم قال: ألا ترى المتيمم يمسح ما كان غسلاً ويلغي ما كان مسحاً . وقول عكرمة قال يونس: حدّثني من صحب عكرمة إلى واسط قال: فما رأيته غسل رجليه إنما كان يمسح عليهما حتى خرج منها . (١) تاج العروس: ٩ / ٣٨٤. (٢) سورة المدثر: ٤. ٢٩ سورة المائدة، الآيات: ٦ - ١٠ وقول قتادة قال: إفترض اللّه غسلين ومسحين، ومذهب داود بن علي الأصفهاني ومحمد ابن جرير الطبري وأبي يعلى وذهب بعضهم إلى إن المتوضى يتخير بين غسلهما ومسحهما، والدليل على وجوب غسل الرجلين في الوضوء قول الله عز وجل: ﴿إلى الكعبين﴾ فتحديده بالكعبين دليل على الغسل كاليدين لما حدّهما إلى المرفقين كان فرضهما الغسل دون المسح. ويدل عليه من السّنة ما روي عن عثمان وعلي وأبي هريرة وعبد الله بن زيد إنهم حكوا وضوء رسول اللّه ◌َ ل﴿ فغسلوا أرجلهم. وروى خلاد بن السائب عن أبيه عن رسول اللّه وَليل أنه قال: ((لا يقبل الله صلاة إمرىء حتّى يضع الوضوء مواضعه فيغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ويغسل أرجله))(١) [٢٥]. وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عطاء عن جابر أنه قال: أمرنا رسول اللّهِ وَل أن نغسل أرجلنا إذا توضأنا . وقال ابن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول اللّه وَدليل على وجوب غسل الرجلين. أبو يحيى عن عبد الله بن عمرو قال: مرّ النبي ◌َلّر على قوم عراقيبهم تلوح فقال: ((أسبغوا الوضوء ويل للعراقيب من النار))(٢) [٢٦]. وقال حميد الطويل: رأى رسول الله ﴿ ﴿ أعمى يتوضأ فقال: ((إغسل باطن قدميك))(٣) فجعل يغسل حتّى سمّي أبا غسيل)) [٢٧]. روى أبو قلابة أن عمر (رضي الله عنه) رأى رجلاً يتوضأ فترك باطن قدميه فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة. وقالت عائشة رضي الله عنها: لإن تقطعا أحبّ إلّي من أن أمسح على القدمين بغير خفين إلى الكعبين . وهما النابتان من جانبي الرجل ومجمع مفصل الساق والقدم. وسمّتهما العرب المنجمين، وعليهما الغسل كالمرفقين، هذا مذهب الفقهاء وخالفهم محمد بن الحسن في الكعب فقال: هو الناتىء من ظهر القدم الذي يجري عليه الشراك. قال: وسمي ذلك لارتفاعه ومنه الكعبة. ودليلنا قوله تعالى ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ فجمع الأرجل وثنّى الكعبين فلو كان لكل رجل كعب واحد لجمعهما في الذكر كالمرافق لما كان في كل يد مرفق واحد، بجمع المرافق (١) أحكام القرآن: ٢ / ٤٢٣. (٢) مسند أبى داود الطيالسي: ٣٠٢ وجامع البيان: ٦ / ١٨٢. (٣) المصنّف: ١ / ٣٢. ٣٠ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي فلما جمع الأرجل وثنّى الكعبين ثبت أن لكل رِجل كعبين ويدل عليه قوله وَّو للمحرم: ((فليلبس النعلين فإن لم يجد النعلين فليلبس [خفّين] وليقطعهما أسفل من الكعبين))(١) [٢٨]. ؛ فدلّ على أن الكعبين ما قلنا، إذ لو كان الكعب هو الناتىء من ظهر القدم لكان إذا قُطع الخف من أسفله لم يكن استعماله ولا المشي فيه، والنبي ◌َّ لا يأمر بإضاعة المال وإتلافه. ويدل عليه ما روي أيضاً عنه وّ إنه مرّ في سوق مكّة يقول: ((قولوا لا إله إلّ الله تفلحوا))(٢) [٢٩]. وأبو لهب يرميه من ورائه بالحجارة حتّى أدمى كعبيه(٣). فلو كان ما ذهب إليه محمد بن الحسن، ما قيل: حتى أُدمي، إذ رميت من ورائه. ويدل عليه ما روي أن رسول اللّه وَل﴾ قال: ((أقيموا صفوفكم أو ليخالفنّ اللّه بين قلوبكم)) (٤)، حتّى كان الرجل منّا يلزق كعبه بكعب صاحبه ومنكبه بمنكبه، فيدل عليه قوله وَالآتى: (ويل للأعقاب والعراقيب من النار))(٥) [٣٠] أصل الأعقاب والعراقيب إنما يحصل لمن غسل المنجمين. وروى أبو إدريس عن أبي ذر عن عليّ كرم الله وجهه قال: بينا رسول اللّه مَ له في ملاٍ من المهاجرين إذ أقبل إليه عشرة من أحبار اليهود فقالوا: يا محمد إنا أتيناك لنسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ من كان نبيّاً مرسلا وملكاً مقرّباً. فقال ◌َّ: ((سلوني تفقهاً ولا تسألوني تعنّاً) فقالوا: يا محمد أخبرنا لِمَ أمر الله بغسل هذه الأربعة المواضع وهي أنظف المساجد؟ فقال النبي وَلير: ((إنّ آدم لمّا نظر إلى الشجرة قصد إليها بوجهه ثم مشى إليها وهي أوّل قدم مشت إلى المعصية ثمّ تناول بيده وشمّها فأكل منها فسقطت عنه الحلي والحلل فوضع يده الخاطئة على رأسه فأمر الله عز وجل بغسل الوجه لما أنه نظر إلى الشجرة وقصدها وأمر بغسل الساعدين وغسل يده وأمر بمسح رأسه، إبتلته الشجرة ووضع يده على رأسه وأمر بغسل القدمين لما مشى إلى الخطيئة فلمّا فعل آدم ذلك كفّر اللّه عنه الخطيئة فافترضهنّ اللّه على أمتي ليكفّر ذنوبهم من الوضوء إلى الوضوء)) [٣١]. قالوا: صدقت، فأسلموا. (١) مسند أحمد: ٢ / ٠٣ (٢) مسند أحمد: ٥ / ٣٧١. (٣) المصنّف لابن أبي شيبة: ٨/ ٤٤٢ بتفاوت. (٤) كنز العمال: ٧ / ٦٣٠ وفيه: وجوهكم يوم القيامة، بدل: قلوبكم. (٥) مسند أبي داود الطيالسي: ٣٠٢ بتفاوت. ٣١ سورة المائدة، الآيات: ٦ - ١٠ فاختلف الفقهاء في حكم الروايات المذكورة في الآية. فجعلوها بمعنى الترتيب والتعقيب وأوجبوا الترتيب في الوضوء وهو أن يأتي بأفعال الوضوء تباعاً واحداً بعد واحد. فيغسل وجهه ثم يديه ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه، وهو اختيار الشافعي، فاحتج بقوله ﴿إنّ الصفا والمروة من شعائر اللّه﴾(١). قال جابر بن عبد اللّه: خرجنا مع رسول اللّه وَلل في الحج - وذكر الحديث إلى أن قال -: فخرج رسول اللّه وَ سليل إلى الصفا وقال: ((إبدأوا بما بدأ الله به)) فدّل هذا على شيئين: أحدهما: أن الواو يوجب الترتيب، والثاني أن البداية باللفظ توجب البداية بالفعل إلاّ أن يقوم الدليل(٢). واحتج أيضاً بقوله ﴿اركعوا واسجدوا﴾(٣) فالركوع قبل السجود، واحتج أيضاً بقوله ومَلآل : ((لا يقبل الله صلاة امرىء حتّى يضع الوضوء مواضعه فيغسل وجهه ثم يغسل يديه ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه))(٤) [٣٢]. و(ثم) في كلام العرب للتعقيب. عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه إنه قال لعبد الله بن زيد الأنصاري قال: أتستطيع أن تري كيف كان رسول اللّه وَلهل يتوضأ؟ فقال عبد الله: نعم، فدعا بوضوء وأفرغ على يديه فغسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً ومسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثمّ ذهب بهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه . · وقال مالك: إن ترك الترتيب في الوضوء عامداً، أعاد وضوءه فإن تركه ناسياً لم يعد، وهو اختيار المزني . وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة وصاحباه: الترتيب في الوضوء سنّة فإن تركه ساهياً أو عامداً فلا إعادة عليه، وجعلوا الواو بمعنى الجمع، واحتجوا بقوله تعالى ﴿إنّما الصدقات للفقراء والمساكين﴾(٥) ولا خلاف أن تقديم بعض أهل السهمين على بعض في الإعطاء بتمايز. وبقوله ﴿يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما﴾(٦). ويحرم تقديم أحدهما على الآخر. وأما فضل الوضوء فروى يحيى بن أبي كثير عن زيد عن ابن سلام عن أبي مالك قال: قال رسول اللّه وَله : ((الطهور شطر الإيمان))(٧) [٣٣]. (١) سورة البقرة: ١٥٨. (٣) سورة الحج: ٧٧. (٤) أحكام القرآن: ٢ / ٤٢٣. (٥) سورة التوبة: ٦٠. (٦) سورة الأحزاب: ٥٦ . (٧) مسند أحمد: ٥ / ٣٤٤. (٢) مسند أحمد: ٣ / ٣٩٤. ٣٢ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عثمان النهدي قال: كنت مع سلمان فأخذ غصناً من شجرة يابسة فحتّه ثم قال: سمعت رسول اللّه ◌َ ل يقول: ((من توضأ فأحسن الوضوء [ثمّ صلى الصلوات الخمس] تحاتّت عنه خطاياه كما تحات هذه الورق)) (١) [٣٤]. وروى زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: قيل: يا رسول اللّه ◌َله كيف تعرف من لم تر من أمتك يوم القيامة؟ قال: ((هم غر محجلون من آثار الوضوء)) (٢) [٣٥]. وروى أبو أمامة عن عمرو بن عبسة قال: قلت: يا رسول اللّه ما الوضوء حدّثني عنه؟ قال: ((ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق وينثر إلاّ جرت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء ثم إذا غسل وجهه كما أمر اللّه إلاّ جرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم إذا غسل يديه من المرفقين إلّ جرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلاّ جرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلاّ جرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإذا هو قام فصلّى وحَمِدَ اللّه وأثنى عليه ومجّده وفرّغ قلبه لله إلاّ انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أُمه))(٣) [٣٦]. وعن أنس بن مالك قال: خدمت رسول اللّه ◌َ ل﴾ وأنا ابن ثمان سنين وكان أول ما علّمني أن قال: ((يا أنس يا بني أحسن وضوءك لصلاتك يحبك اللّه ويزاد في عمرك)) (٤) [٣٧]. وروى سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن حمزة الأنصاري قال: خرج علينا رسول اللّه ◌َل﴾ ونحن في مسجد المدينة فقال: ((لقد رأيت البارحة عجباً، رأيت رجلاً من أمتي قد بُسِطَ عليه عذاب القبر فجاء وضوؤه فاستنقذه من ذلك)) [٣٨]. ﴿فإن كنتم جُنُباً فاطّهروا﴾ فاغتسلوا . روى أبو ذر عن علي (عليه السلام) فقال: أقبل عشرة من أحبار اليهود، فقالوا: يا محمد لماذا أمر اللّه بالغسل من الجنابة ولم يأمر من البول والغائط وهما أقذر من النطفة؟ فقال النبي ◌َّ: ((إنّ آدم لما أكل من الشجرة تحوّل في عروقه وشعره، وإذا جامع الإنسان نزل من أصل كل شعرة فافترضه اللّه عز وجل عليّ وعلى أمتي تكفيراً وتطهيراً وشكراً لِما أنعم عليهم من اللذة التي يصيبونها منه)). قالوا: صدقت يا محمد، فأخبرنا بثواب ذلك من اغتسل من الحلال، فقال ◌َله: «إنّ (١) مجمع الزوائد: ١ / ٢٩٧. (٢) مسند أحمد: ٥ / ١٩٩. (٣) صحيح مسلم: ٢ / ٢١٠. (٤) مجمع الزوائد: ١ / ٢٧١، ومسند أبي يعلى: ٦ / ٣٠٧ بتفاوت. ٣٣ سورة المائدة، الآيات: ٦ - ١٠ المؤمن إذا أراد أن يغتسل من الحلال بنى الله له قصراً في الجنّة وهو سرّ بين المؤمن وبين ربه، والمنافق لا يغتسل من الجنابة فما من عبد ولا أمة من أمتي قاما للغسل من الجنابة تيقناً أني ربهما، أُشهدكم أني غفرت لهما كتبت لهما بكل شعرة على رأسه وجسده ألف [سنة] ومحى عنه مثل ذلك ورفع له مثل ذلك)). قالوا: صدقت، نشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّك رسول اللّه. وعن أبي محمد الثقفي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال لي النبي وَلّ: (يا بني الغسل من الجنابة فبالغ فيه فإنّ تحت كلّ شعرة جنابة)). قلت: يا رسول اللّه كيف أبالغ؟ قال: (نقّوا أصول الشعر وأنق بشرتك تخرج من مغتسلك وقد غفر لك كل ذنب))(١) [٣٩]. وقال عبد الرحمن بن حمزة: خرج علينا رسول اللّه وَّ* ذات يوم ونحن في مسجد المدينة. فقال: ((إني رأيت البارحة عجباً، رأيت رجلاً من أُمتي والنبيون قعود حلقاً حلقاً كلما دنا إلى حلقه طردوه فجاءه اغتساله من الجنابة [فأخذ بيده] فأقعده إلى جنبي))(٢) [٤٠]. ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ إلى قوله ﴿بوجوهكم وأيديكم منه﴾ أي من الصعيد ﴿وما يريد الله ليجعل عليكم﴾ بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم ﴿من حرج﴾ من ضيق ﴿ولكن يريد أن يطهركم﴾ من الأحداث والجنابات والذنوب والخطيئات ﴿وليتم نعمته عليكم﴾ فيما أباح اللّه لكم من التيمم عند عدم الماء وسائر نعمه التي لا تحصى ﴿لعلكم تشكرون﴾ الله عليها . وروى محمد بن كعب القرضي عن عبد الله بن داره مولى عثمان بن عفّان (رضي الله عنه) عن عمران مولى عثمان قال: مرّت على عثمان فخارة من ماء فدعا به فتوضأ فأسبغ وضوءه ثم قال: لو لم أسمعه من رسول اللّه ◌َل﴾ إلاّ مرّة أو مرّتين أو ثلاثاً ما حدّثتكم به(٣). سمعت رسول اللّه ◌َ﴾ يقول: ((ما توضّأ عبد فأسبغ وضوءه ثم قام إلى الصلاة إلاّ غفر [الله] له ما بينه وبين الصلاة الأخرى))(٤) [٤١]. قال محمد بن كعب: فكنت إذا سمعت الحديث من رجل من أصحاب رسول اللّه وَل التمسته في القرآن فالتمست هذا في القرآن فوجدته ﴿إنّا فتحنا لك فتحاً مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك﴾(٥) فعلمت أن اللّه لم يتم عليه النعمة حتّى غفر له ذنوبه . (١) كنز العمال: ٩ / ٥٤٩. ح ٢٧٣٦١. (٢) تفسير ابن كثير: ٢ / ٥٥٥. (٣) مسند ابن المبارك: ٢١. (٤) مسند ابن المبارك: ٢١. (٥) سورة الفتح: ٢. ٣٤ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي ثم قرأت الآية التي في المائدة ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ حتّى بلغ قوله ﴿يريد الله ليطهّركم وليتمّ نعمته عليكم﴾ فعرفت أنّ اللّه لم يتم عليهم النعمة حتى غفر لهم. قتادة عن شهر بن حوشب عن الصّدي بن عجلان وهو أبو إمامة عن النبي ◌ُّ إنه قال: («الطهور يكفر ما قبله [ثمّ] تصير الصلاة نافلة))(١) [٤٢]. ﴿واذكروا نعمة الله عليكم﴾ يعني النعم كلها ﴿وميثاقه﴾ عهده ﴿الذي واثقكم به﴾ عاهدتم به أيها المؤمنون ﴿إذ قلتم سمعنا وأطعنا﴾ وذلك حين بايعوا رسول اللّه سير على السمع والطاعة فيما أحبوا وكرهوا. هذا قول أكثر المفسرين. وقال مجاهد: من الميثاق الذي أخذ اللّه على عباده حين أخرجهم من صلب آدم (عليه السلام) ﴿واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور﴾ عليم ما في القلوب من خير وشر ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط﴾ أمرهم بالصدق والعدل في أقوالهم وأفعالهم ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم﴾ ولا يحملنكم بغض قوم ﴿على أن لا تعدلوا﴾ أي على ترك العدل فيهم لعداوتهم، ثم قال: ﴿إعدلوا﴾ بين أوليائكم وأعدائكم ﴿هو أقرب للتقوى﴾ يعني إلى التقوى ﴿واتقوا الله إنّ اللّه خبير﴾ عالم ﴿بما تعملون﴾ مجازيكم به ﴿وعد الله الذين آمنوا وعلموا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم﴾ تقديرها: وقال لهم مغفرة، لأنّ الوعد قول، فلذلك جمع الكلام ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم﴾. بَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ أَلَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَنْ يَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَبْدِيَّهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنِكُمُّ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿1 ﴾ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ بَنِّ إِسْرَّهِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنَّ مَعَكُمْ لَبِنْ أَقَمْتُمُ الَّلَوَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنْهُمْ بِرُسُلِ وَعَزَرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهُ قَرْضًا حَسَنَّا لَّأُكَفَرَنَّ عَنَكُمْ سَبِّئَاتِكُمْ وَلَأُوْحِنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَدُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ (®) فَِّمَا نَقْضِهِم مِّينَقَّهُمْ لَمَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَّهُمْ فَنِيَةٌ يُحْرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَنَسُواْ حَظًا ◌ِّمَا ذُكِرُواْ بِّهِ وَلَ نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا فِلًا مِّنَهُمَّ فَأَعْفُ عَهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهُ يُحِثُ ٣ الْمُحْسِنِينَ. ﴿يا أيّها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم﴾ بالدفع عنكم ﴿إذا همّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾ بالقتل ﴿فكفّ إيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنين). نزلت هذه الآية على رسول الله ◌ّ﴾ وهو ببطن نخل في الغزوة السابعة فإذا بنو ثعلبة، وبنو (١) المعجم الكبير: ٨ / ١٢٥ وفيه: الوضوء، بدل: الطهور. ٣٥ سورة المائدة، الآيات: ١١ - ١٣ محارب أرادوا أن يمسكوا به وبأصحابه إذا اشتغلوا بالصلاة، قالوا: إن لهم صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم فإذا سجدوا فيها أوقعنا بهم، فأطلع اللّه نبيّه على ذلك، وهي صلاة الخوف. وقال الحسن: كان النبي ◌ّ﴾ محاصراً بطن نخلة. فقال رجل من المشركين: هل لكم في أن أقتل محمداً، قالوا: فكيف تقتله؟ قال أمسك به، قالوا: وددنا إنّك فعلت ذلك. فأتى النبي ◌ّ وهو متقلد سيفه، فقال: يا محمد أرني سيفك فأعطاه إياه فجعل الرجل يهز السيف وينظر مرّة إلى السيف ومرّة إلى النبي ◌َّ وقال: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: اللّه، فتهدّده أصحاب النبي ◌َّ﴾ وأغلظوا له فشام السيف ومضى. فأنزل الله هذه الآية. الزهري عن ابن سلام عن جابر بن عبد اللّه: أنّ النبي ◌َ ◌ّ نزل منزلاً وتفرق الناس في العضاة يستظلون تحتها فعلّق النبي وَّه سلاحه بشجرة فجاء أعرابي إلى سيف رسول اللّه وَالّ فسلّه ثمّ أقبل على النبي ◌َّر فقال: من يمنعك منّي؟ قال: اللّه، قال الأعرابي مرّتين أو ثلاثاً: من يمنعك منّي؟ والنبي ◌َّه يقول: الله، فشام الأعرابي السيف، فَدعا النبي ◌ُّر أصحابه فأخبرهم بخبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه. وقال مجاهد وعبد الله بن كثير وعكرمة والكلبي، وابن يسار عن رجاله: بعث النبي ◌َّيل المنذر ابن عمرو الأنصاري الساعدي وهو أحد النقباء ليلة العقبة في ثلاثين راكباً من المهاجرين والأنصار بني عامر بن صعصعة فخرجوا فلقوا عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر على بئر معونة وهي من مياه بني عامر، فاغتسلوا فقتل المنذر بن عمرو الأنصاري الساعدي وأصحابه إلاّ ثلاثة نفر كانوا في طلب ضالة لهم أحدهم: عمرو بن أميّة الصيمري، فلم يرعهم إلاّ والطير تحوم في السماء تسقط من بين خراطيمها علق الدّم، فقال أحد النفر: قتل أصحابنا، ثم تولى يشتد حتّى لقي رجلاً فاختلفا ضربتين فلما خالطت الضربة رفع رأسه إلى السماء وفتح عينيه وقال: اللّه أكبر الحمد لله ربّ العالمين. ورجع صاحباه، فلقيا رجلين من بني سليم وبين النبي وَّر وبين قومهما موادعة، فانتسبا لهما إلى بني عامر فقتلاهما وقدم قومهما إلى النبي ◌َّر يطلبون الدية فخرج ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف حتّى دخلوا على كعب بن الأشرف وبني النظير فاستعانهم في عقلهما، فقال: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة. إجلس حتّى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا، فجلس النبي ◌َلر وأصحابه فخلا بعضهم ببعض، وقالوا: إنّكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيرتحل عنّا. فقال عمرو بن جحش بن كعب: أنا، فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك اللّه أيديهم وجاء جبرئيل (عليه السلام) وأخبره بذلك فخرج النبي وَّر ثمّ دعا علياً فقال: لا تبرح من مكّة، فمن خرج عليك من أصحابي فسألك عنّي فقل توجه إلى المدينة، ففعل ذلك علي (عليه السلام) حتّى قاموا إليه ثم لقوه فأنزل الله عز وجل هذه الآية. ٣٦ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي قال الثعلبي: وهذا القول أولى بالصواب لأنّ اللّه تعالى عقّب هذه الآية بذم اليهود، وذكر قبح أفعالهم وأعمالهم فقال عز من قائل ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم) الآية، وذلك أنّ اللّه تعالى وعد موسى أن يورثه وقومه الأرض المقدسة وهي الشام وكان يسكنها الكنعانيون الجبارون، ووعده أن يهلكهم ويجعل أرض الشام مساكن بني إسرائيل، فلما تركت بني إسرائيل الدّار بمصر أمرهم اللّه تعالى المسير إلى أريحا أرض الشام وهي الأرض المقدسة. وقال: يا موسى إني قد كتبتها لكم داراً قراراً فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو فإني ناصركم عليهم، وخذ من قومك إثني عشر نقيباً من كلّ سبط نقيباً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا، به فاختار موسى (عليه السلام) النقباء وهذه أسماؤهم: من سبط روبيل: شامل بن ران، ومن سبط شمعون: شاقاط بن [حوري]، ومن سبط يهودا: كالب بن يوقنا، ومن سبط آبين: مقايل بن يوسف، ومن سبط يوسف، وهو سبط إفراهيم ويوشع بن نون، ومن سبط بيامين: قنطم بن أرقون ومن سبط ريالون: مدي بن عدي، ومن سبط يوسف وهو ميشا بن يوسف: جدي بن قامن، ومن سبط آهر: بيانون بن ملكيا ومن سبط تفتال: نفتا لي محر بن وقسي، ومن سبط دان: حملائل بن حمل، ومن سبط أشار: سابور بن ملكيا (١). فسار موسى ببني إسرائيل حتّى إذا قربوا من أرض كنعان وهي أريحا . بعث هؤلاء النقباء إليها يتجسّسون له الأخبار ويعلمونه فلقيهم رجل من الجباريّن يقال له عوج بن عنق وكان طوله ثلاثة آلاف وعشرون ألف ذراع وثلاثمائة وثلاثون ذراعاً وثلث ذراع. قال ابن عمر: كان عوج يحتجز بالسحاب ويشرب منه ويتناول الحوت من أقرار البحر فیشويه بعين الشمس یرفعه إليها ثم يأكله. ويروى له أنه رأى نوحاً يوم الطوفان فقال: إحملني معك في سفينتك، فقال له: أُخرج يا عدو اللّه فإنّي لم أُؤمر بك وطبق الماء ما على الأرض من جبل وما جاوز ركبتي عوج، وعاش عوج ثلاثة آلاف سنة ثم أهلكه اللّه على يد موسى، وكان لموسى (عليه السلام) عسكر فرسخاً في فرسخ، فجاء وج حتى نظر إليهم ثم جاء فنحت الجبل فأخذ منه بصخرة على قدر العسكر ثم حملها ليطبقها عليهم فبعث الله تعالى إليه الهدهد ومعه المص يعني منقاره حتّى نقر الصخرة فانثقبت فوقعت في عنق عوج فطوقته وأقبل موسى (عليه السلام) وطوله عشرة أذرع وطول عصاه عشرة أذرع وتراقي السماء عشرة أذرع فما أصاب إلاّ كعبه وهو مصروع بالأرض فقتله. قالوا: فأقبلت جماعة كثيرة ومعهم الخناجر فجهدوا حتّى جزّوا رأسه فلما قتل وقع في نيل (١) في الأسماء تفاوت كبير عمّا هو موجود في تفسير الطبري: ٦ / ٢٠٥، وكذا فيهما تفاوت عمّا هو موجود في تفسير القرطبي: ٦ / ١١٣، وكذلك عمّا في تاريخ دمشق: ٨ /٤١. ٣٧ سورة المائدة، الآيات: ١١ - ١٣ مصر فجسرهم سنة وكانت أمّه عنق ويقال عناق إحدى بنات آدم، ويقال: إنّها كانت أوّل من بغت على وجه الأرض وكان كل إصبع من أصابعها ثلاثة أذرع وذراعين، وفي كل إصبع ظفران حديدان مثل المنجلين. وكان موضع مجلسها جريباً من الأرض. فلمّا بغت بعث الله عز وجل عليها أسداً كالفيلة وذئباً كالإبل ونسوراً كالحمر وسلّطهم عليها فقتلوها وأكلوها . قالوا: فلما لقيهم عوج وعلى رأسه حزمة حطب أخذ الإثني عشر فجعلهم في حجزته . وحجزة الإزار معقد السراويل التي فيها التكّة. فانطلق بهم إلى امرأته وقال: أُنظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا، فطرحهم بين يديها . وقال: ألا أطحنهم برجلي، فقالت إمرأته: لا بل خلِّ عنهم حتّى يخبروا قومهم بما رأوا، ففعل ذلك فجعلوا يتعرّفون أحوالهم، وكان لا يحمل عنقود عنبهم إلاّ خمسة أنفس منهم في خشبة ويدخل في شطر الرّمانة إذا نزع حبّها خمسة أنفس أو أربعة، فلمّا خرجوا قال بعضهم لبعض: يا قوم إنّكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم إرتدّوا عن نبي الله ولكن اكتموا وأخبروا موسى (عليه السلام) وهارون فيكونان هما يريان رأيهما، فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك. ثم انصرفوا إلى موسى وحاول بحبّة من عنبهم وفرّ رجل منهم، ثم إنّهم نكثوا العهد، وكل واحد منهم نهى سبطه عن قتالهم ويخبرهم بما رأى، إلاّ رجلان منهم يوشع وكالب(١)، فذلك قوله تعالى ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم إثني عشر نقيباً﴾. وقال اللّه لبني إسرئيل ﴿إنّي معكم﴾ ناصركم على عدّوكم. ثم ابتدأ الكلام فقال عزّ من قائل: ﴿لئن أقمتم﴾ يا معشر بني إسرائيل ﴿الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم﴾ أي ونصرتموهم ووقرتموهم. وأشعر أبو عبيدة: وكم من ماجد منهم (٢) كريم ومن ليث يعزّر في الندي(٣) ویروی: وکم من سيّد یُحصی نداه ومن لیثٍ. ﴿وأقرضتم اللّه قرضاً حسناً﴾ ولم يقل أقراضاً، وهذا مما جاء من المصدر بخلاف المصدر كقوله ﴿فتقبلها ربها بقبول حسن﴾(٤) ﴿لأكفرن﴾ لأستبرءنّ ولأمحوّنّ ﴿عنكم سيئاتكم ولأُدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضلّ سواء السبيل﴾ أي أخطأ قصد (١) تفسير الطبري: ٦ / ٢٠٤ بتفاوت، وتاريخ الطبري: ١ / ٣٠٢. (٢) في المصدر: لهم. (٣). تفسير القرطبي: ٦ / ١١٤، والندي: مجلس القوم ما داموا مجتمعين فيه. (٤) سورة آل عمران: ٣٧. ٣٨ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي السبيل وهو لكل شيء وسطه، ومنه قيل للظهر: سواء ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾ أي فبنقضهم وما فيه ما المصدر، وكلّ ما ورد عليك من هذا الباب فهو سبيله. قال قتادة: نقضوه من وجوه: كذّبوا الرسل الذين جاؤا بعد موسى فقتلوا أنبياء الله ونبذوا كتابه وضيّعوا فرائضه. قال سلمان: إنما هلكت هذه الأمّة بنكثها عهودها . ﴿لعنّاهم﴾ قال ابن عباس: عذّبناهم بالجزية. الحسن ومقاتل: بالمسخ عطاء أبعدناهم من رحمتنا ﴿وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ . قرأ يحيى بن رئاب وحمزة والكسائي قسّية بتشديد الياء من غير ألف. وهي قراءة النخعي، وقرأ الأخفش: قسية بتخفيف الياء على وزن فعلية نحو عمية وشجية من قسى يقسي لا من قسى يقسو، وقرأ الباقون: قاسية على وزن فاعلة، وهو اختيار أبو عبيدة، وهما لغتان مثل العلية والعالية والزكية والزاكية. قال ابن عباس: قاسية يائسة، وقيل: غليظة لا تلين، وقيل: متكبرة لا تقبل الوعظ، وقيل: ردية فاسدة، من الدراهم القسية وهي الودية المغشوشة ﴿يحرّفون الكلم عن مواضعه﴾ قرأه العامّة بغير ألف، وقرأ السلمي والنخعي: الكلام بالألف ﴿ونسوا حضاً ممّا ذكّروا به﴾ وتركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد وَل* وبيان نعمته ﴿ولا تزال﴾ يا محمد ﴿تطّلع على خائنة منهم﴾ . وإختلفوا في الخائنة : قال المبرّد: هي مصدر، كالكاذبة، واللّغية، وقيل: هي إسم كالعاقبة والمعاقبة، وقيل: هي بمعنى المبالغة، والهاء هنا للمبالغة مثل: راوية وعلامة ونسابة. قال الشاعر: حدّثت نفسك بالوفاء ولم تكن (١) للغدر خائنة مغل الإصبع ويجوز أن يكون جمع الخائن كقولك فرقة كافرة وطائفة خارجة. قال ابن عباس: خائنة أي معصية، وقيل: كذب وفجور، وكانت خيانتهم نقضهم العهد ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول اللّه وَ﴾ وهمهم بقتله وسمّه ونحوها من عمالتهم وخيانتهم التي أخبرت ﴿إِلاّ قيلاً منهم﴾ لم يخونوا أو لم ينقضوا العهد، [من] أهل الكتاب ﴿فاعف عنهم واصفح إنّ اللّه يحب المحسنين) وهذا منسوخ بآية السيف. (١) لسان العرب: ٨ / ١٩٣. ٣٩ سورة المائدة، الآيات: ١٤ - ١٧ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَىّ أَخَذْنَا مِينَفَّهُمْ فَنَُّوا حَظّا مِنَّا ذُكِّرُواْ بِهِ، فَأَغْرَا بَيْنَهُمُ الْعَدَارَةَ وَالْبَعْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ وَسَوْفَ بُنََّّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٦) يَتَأَهْلَ اَلْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنتُمْ تُحْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِرُ قَدْ جَآءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ نُبِينٌ ﴿َ يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ أَنَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَهِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَىَ النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَغِيرٍ (١٦) لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرِهَمَّ قُلْ فَمَن يُمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَدَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحُ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأَمَّهُ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَِّ مُلْكُ الشَّمَوَّتِ V وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّأْ يَخَلُقُ مَا يَنْشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم﴾ في التوحيد والنبوة ﴿فنسوا حظاً مما ذكّروا به فأغرينا﴾ بالعهد ﴿بينهم العدواة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ ألا وهو الخصومات والجدال في الدين. قال معاوية بن قرة: الخصومات في الدين تحبط الأعمال(١) واختلفوا في المعنى بالهاء والميم في قوله ﴿بينهم﴾ . فقال مجاهد وقتادة والسدّي وابن زيد: يعني بين اليهود والنصارى. وقال ابن زيد: كما تغري بين البهائم. وقال الربيع: هم النصارى وحدها، وذلك راجع إلى فرق النصارى النسطورية واليعقوبية والملكية، ﴿بعضهم لبعض عدو﴾ ﴿وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون﴾ في الآخرة ويجازيهم به وهذا وعيد من اللّه تعالى ﴿يا أهل الكتاب لقد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب﴾ التوراة والإنجيل مثل صفة محمد رَيه وآية الرجم ﴿ويعفوا عن كثير﴾ ويترك أخذكم بكثير ممّا تخفون ﴿قد جاءكم من الله نور﴾ يعني محمد رَّ ﴿وكتاب مبين﴾ بيّن، وقيل: مبيّن وهو القرآن ﴿يهدي به الله﴾ مجاهد وعبيد بن عمير ومسلم بن جندب: يهدي به اللّه بضم الهاء على الأصل لأن أصل الهاء الضمة، وقرأ الآخرون بكسر الهاء إتباعاً. ﴿من اتبع رضوانه﴾ رضاه ومعنى رضاه بالشيء قبوله ومدحه له فأثابه عليه وهو خلاف السخط والغضب ﴿وسبل السلام﴾ لطرف السلم وهو الله تعالى وسبيله دينه الذي شرع لعباده وبعث به رسله ﴿ويخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ أي من ظلام الكفر إلى نور الإيمان ﴿بإذنه﴾ بتوفيقه وهدايته وإرادته ومشيئته ﴿ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾، ﴿لقد كفر الذين قالوا إنّ اللّه هو المسيح بن مريم قل فمن يملك من اللّه شيئاً﴾ أي من يطيق أن يدفع من أمر الله شيئاً فيرده إذا قضاء، وهو من قول القائل: ملكت على فلان أمره إذا ضلّ لا يقدر أن ينفّذ أمراً . (١) تفسير الطبري: ٦ / ٢١٧. ٤٠ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي الآية ﴿إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمّه ومن في الأرض جميعاً ولله ملك السموات والأرض وما بينهما﴾ ولم يقل: وما بينهنّ لأنّ المعنى: وما بين هذين النوعين من الأشياء ﴿يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير﴾. وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَى نَحْنُ أَبْكُوْ اللَّهِ وَأَحِنَّكٍُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِنَّنْ خَلَقِّ يَخْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَنَةٍ وَلِلَّهِ هُلَكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَّا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) يَأَهْلَ الْكِتَبِ فَدْ جَّكُمْ رَسُولُنَا يُسِنُ لَكُمْ عَلَى فَتْقٍ مِّنَ اُلُّسُلِ أَنْ تَغُولُواْ مَا جَآَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ (١٩) جَاءَ كُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَلَهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحبّاؤه﴾. قال السدّي: قالت اليهود: إنّ الله أوحى إلى إسرائيل أن ولداً من ولدك أدخلهم النار فيكونون فيها أربعين يوماً حتى تطهركم وتأكل خطاياهم ثم ينادي أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل فأخرجهم فذلك قولهم ﴿لن تمسنا النار إلّ أيّاماً معدودة﴾، وأمّا النصارى، فإن فرقة منهم قالت: المسيح ابن الله. فأخرجهم الخبر عن الجماعة(١) ﴿قل فلم يعذبكم بذنوبكم﴾ كان لأمر ما زعمتم أنكم أحباؤه وأولياؤه فإن الحبيب لا يعذب حبيبه، وأنتم مقرّون إنّه معذبكم ﴿بل أنتم بشر ممن خلق﴾ كسائر بني آدم، ثم قال بالإحسان والإيتاء ﴿يغفر لمن يشاء﴾ فضلاً ﴿ويعذب من يشاء﴾ عدلاً. وقال السدّي: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فعذّبه ﴿ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير * يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا﴾ محمد ﴿يبين لكم﴾ أعلام الهدى وشرائع الدين ﴿على فترة﴾ إنقطاع ﴿من الرسل﴾ واختلفوا في قدر مدّة تلك الفترة. وروى عبيد بن سلمان عن الضحاك قال: الفترة فيما بين عيسى ومحمد (عليهما السلام) ستمائة سنة . معمّر عن قتادة قال: كان بين عيسى ومحمد (عليهما السلام) خمسمائة وستون سنة. قال معمّر وقال الكلبي: خمسمائة وأربعون سنة، الضحّاك: أربعمائة وبضع وثلاثون سنة ﴿إن تقولوا ما جاءنا من بشير ونذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير﴾. حمّاد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه وَالآتى : (١) في تفسير الطبري (٦ / ٢٢٥): والعرب قد تخرج الخبر إذا افتخرت فخرج الخبر عن الجماعة.