Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
سورة النساء، الآيات: ١ - ٦
سورة النساء
مدنية، وهي ستة عشر ألف وثلاثين حرفاً،
وثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وأربعين كلمة ومائة، وست وسبعين آية
عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله وَله: ((من قرأ سورة النساء فكأنما
تصدق على كل مؤمن ورث ميراثاً، وأعطى من الأجر كمن اشترى محرراً وبرئ من الشرك وكان
في مشيئة الله من الذين يتجاوز عنهم))(١) [٢٢٥].
بسم الله الرحمن الرحيم
بَّأَيُهَا أَلنَّاسُ أَتَّقُواْ رَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنِ نَّفْسِ وَجِدَةٍ وَخَلَقَّ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنَاءُ وَأَنَّقُواْ
اللَّهُ الَّذِى تََّةَ لُنَ بِهِ، وَالْأَرْحَمُ إِنَّ اللَّهَ كَانَّ عَلَيْكُمْ رَقِبًا (٢١) وَءَاتُوا الَّْ أَوَهُمْ وَلَا تَبَدَّلُواْ الْخَيْثَ بِأَلَيْبِّ
وَلَا تَأْكُوَاْ أَمْوَهُمْ إِلَّ أَمْوَلِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ نُفْسِطُواْ فِ الْيَكَ فَأَنْكِحُواْ مَا ◌َابَ لَّكُمْ
مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَكَ وَرُبَعَ فَإِنْ خِفْثُمْ أَلَّ نَعْدِلُواْ فَوَِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنَّكُمْ ذَلِكَ أَدْفَ أَلَّ تَقُولُواْ (جَ وَءَانُواْ
أَلَِّآءَ صَدُقَئِنَّ ◌ِحْلَةٌ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنَا مَرًِّا ﴿٢٤) وَلَا تُؤْثُواْ الشُّفَهَاَءَ أَمْوَلَكُمْ أَلَّى
جَعَلَ اللَّهُ لَكُنْ قِيَمَّا وَأَرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَأَكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَمْ قَوْلًا مَّتُونًا (٥َ وَأَثَلُواْ الْيَمَى حَّ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنّ
ءَسْتُم مِّنْهُمْ رُشُّدًا فَأَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوٌَّ وَلَا تَأْكُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُواْ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلَسْتَعْفِفٌ وَمَن
كَانَ فَقِيَرَا فَلْيَأْكُلُّ بِالْمَعْرُوفِّ فَإِذَا دَفَعَتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِلَِّ حَيِبًا
﴿يا أيها الناس اتقوا ربّكم الذي خلقكم من نفس واحدة﴾ يعني آدم ﴿وخلق منها زوجها)
يعني حواء، ونظيرها في سورة الأعراف والزّمر ﴿وبث﴾ نشر وأظهر ﴿منهما رجالا كثيراً ونساءً
واتقوا الله الذي تساءلون به﴾ تسألون به، وخففه أهل الكوفة على حذف إحدى التائين تخفيفاً
كقوله: ﴿ولا تعاونوا﴾(٢) ونحوها، ﴿والأرحام﴾.
قرأة العامة: نصب أي واتقوا الأرحام إن تقطعوها .
(١) مجمع البيان: ٣ / ٥.
(٢) سورة المائدة: ٢.

٢٤٢
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وقرأ النخعي ويحيى بن وثاب وطلحة بن مصرف وقتادة والأعمش وحمزة: بالخفض على
معنى وبالأرحام، كما يقال: سألتك بالله والرحمن، ونشدتك بالله والرحمن، والقراءة الأولى
أصح وأفصح، لأن العرب لا يكلأ بنسق بظاهر على المعنى، إلاّ أن يعيدوا الخافض فيقولون:
مررت به وبزيد، أو ينصبون.
كقول الشاعر:
يا قوم مالي وأبي ذويب(١)
إلاّ أنه جائز مع قوله، وقد ورد في الشعر.
قال الشاعر:
اذهب فمالك والأيام من عجب(٢)
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا
وأنشد الفراء لبعض الأنصار:
نعلق في مثل السواري سيوفنا وما بينها والكعب غوط نفانف (٣)
وقرأ عبد الله بن يزيد المقبري: (والأرحام) رفعاً على الابتداء، كأنه نوى تمام الكلام عند
قوله ﴿تساءلون به﴾ ثم ابتدأ كما يقال: زيد ينبغي أن يكرم، ويحتمل أن يكون إغراء، لأن
العرب من يرفع المغري.
وأنشد الفراء:
وأشباه عمير ومنهم السفاح
أين قوماً منهم عمير
أخو النجدة السلاح السلاح(٤)
لجديرون باللقاء إذا قال
﴿إن الله كان عليكم رقيباً﴾ أي حافظاً، قيل: بمعنى فاعل ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ الآية.
قال مقاتل والكلبي: نزلت في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما
بلغ اليتيم طلب المال، فمنعه عمه فترافع إلى النبي وَلّ فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العم قال:
أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع إليه ماله.
قال النبي ◌َّ: ((من يوق شح نفسه ويطع ربّه هكذا فإنه يحل داره)) يعني جنته، فلما قبض
الفتى ماله أنفقه في سبيل الله، فقال النبي ◌َّ: ((ثبت الأجر وبقي الوزر)) [٢٢٦].
(١) تفسير الطبري: ٢٢ / ١٣٦.
(٢) شرح الرضي على الكافية: ٢ / ٣٣٦، تفسير القرطبي: ١٠ / ١٤.
(٣) تفسير الطبري: ٤ / ٣٠٠، والقرطبي: ٥ / ٣. وفيه (مهوى) بدل (غوط).
(٤) تفسير الطبري: ٣ / ٢٠٨، تفسير القرطبي: ٥ / ٦.

٢٤٣
سورة النساء، الآيات: ١ - ٦
فقالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بقي الوزر؟ وهو بقي في سبيل الله.
فقال: ((يثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده، وآتوا خطاب لأولياء اليتيم
والأوصياء)) (١) [٢٢٧].
وقوله تعالى: ﴿اليتامى﴾ فلا يتم بعد البلوغ، ولكنه من باب الاستعارة، كقوله: ﴿وألقى
السحرة ساجدين﴾(٢) ولا سحرة مع السجود، ولكن سمّوا بما كانوا عليه قبل السجود، وقوله:
﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ أي من كانوا يتامى إذا بلغوا وآنستم منهم رشداً، نظيره: ﴿وابتلوا
اليتامى﴾(٣)، ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾ يعني لا تستبدلوا مالهم الحرام عليكم بأموالكم
الحلال لكم، نظيره قوله: ﴿لا يستوي الخبيث والطيب﴾(٤) واختلفوا في معنى هذا التأويل
و کیفیته :
فقال سعيد بن المسيب والنخعي والزهري والسدي والضحاك: كان أولياء اليتامى
وأوصيائهم يأخذون الجيد والرفيع من مال اليتامى، ويجعلون مكانه الرديء والخسيس، فربما
كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من مال اليتيم ويجعل مكانها الشاة المهزولة، ويأخذ الدرهم
الجيد ويطرح مكانه الزيف، ويقول: درهم بدرهم، فذلك تبدلهم فنهاهم الله تعالى عنها .
عطاء: لا تربح على يتيمك الذي عندك وهو غر صغير.
ابن زيد: كان أهل الجاهلية لا يورّثون النساء والصبيان ويأخذ الأكبر الميراث.
وقال ابن زيد: (وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان) لا يورثوهن شيئاً فنصيبه
من الميراث طيب وهذا الذي أخذه خبيث. مجاهد وباذان: لا تعجل الرزق الحرام قبل أن
يأتيك الحلال.
﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ أي مع أموالكم، كقوله: ﴿مَن أنصاري إلى الله﴾(٥).
وأنشد المفضل سلمة بن الخرشب الأنصاري:
(٦)
إلى عنن مستوثقات نقاب الأواصر
يسدون أبواب القباب بضمر
أي مع غنن.
﴿إنه كان حوباً كبيراً﴾ أي إثماً عظيماً، وفيه ثلاث لغات:
(١) القرطبي: ٥ / ٨. وأسباب النزول: ٩٤، بتفاوت بالألفاظ.
(٢) سورة الأعراف: ١٢٠.
(٣) سورة النساء: ٦ .
(٤) سورة المائدة: ١٠٠ .
(٥) سورة آل عمران: ٥٢، وسورة الصف: ١٤.
(٦) تفسير القرطبي: ٥ / ١٠، لسان العرب: ٤ / ٢٣.

٢٤٤
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
قرأه العامة: حُوباً بالضم، وهي لغة النبي وَلّر وأهل الحجاز، يدل عليه ما روى أبو عبيد
عن عباد بن عباد عن واصل مولى ابن عيينة قال: قلت لابن سيرين كيف يُقرأ هذا الحرف: إنه
كان حوباً أو خَوباً؟ فقال: إن أبا أيوب أراد أن يطلق أم أيوب، فقال له رسول الله وَ له: ((إن
طلاق أم أيوب حُوب)) (١) [٢٢٨].
وقرأ الحسن: (حَوباً) بفتح الحاء وهي لغة تميم.
[وقال مقاتل: لغة الحبش](٢).
وقرأ أُبي بن كعب: (حاباً) على المصدر، مثل القال، ويجوز أن يكون اسماً مثل الراد
والنار، ويقال للذنب حُوب وحَوب وحاب وللأذناب، كذلك يكون مصدراً واسماً، فقال: حاب
يحوب حُوباً وحوباً وحاباً وحباية إذا أثم.
قال أبو معاذ: نزلنا منزلا قريباً من مدينة، فرمى رجل غطاية صغيرة [فقيل له]: يا حاج لا
تقتلها فتصيب حوباً إنها لا تؤذي، ومنه قيل للقاتل حائب، حكاه الفراء عن بني أسد.
وقال أمية بن الأسكن الليثي وكان ابنه قد هاجر بغير إذنه:
(٣)
غداتئذ لقد خطئا وحاباً
وإن مهاجرين تكنفاه
وقال آخر:
فظل لا يلحي ولا يحوب (٤)
عض على شبدعه الأريب
وقال آخر:
خزيمة والأرحام وعثاء حوبها (٥)
وابن ابنها منا ومنكم وبعلها
أي شدید إثمها .
وقال آخر:
بقول الإثم إن الإثم حوب (٦)
فلا تبكوا عليَّ ولا تحنوا
﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ الآية، اختلف المفسرون في تنزيلها وتأويلها :
(١) المعجم الكبير: ٢٥ / ١٣٦.
(٢) زيادة عن تفسير القرطبي: ٥ / ١٠.
(٣) تفسير الطبري: ٤ / ٣٠٦.
الفايق للزمخشري: ٢ / ١٨٠ .
(٤)
(٥) لسان العرب: ٢ / ٢٠٢.
(٦) تاريخ دمشق: ٦٣ / ١٧٣.

٢٤٥
سورة النساء، الآيات: ١ - ٦
فقال بعضهم: معناها وإن خفتم ألاّ تعدلوا يا معشر أولياء اليتامى فيهن، إذا تزوجتم بهن
فانكحوا غيرهن من الغرائب اللواتي أحلهن الله لكم.
وروى الزهري عن عروة عن عائشة قال: قلت لها ما قول الله تعالى: ﴿وإن خفتم ألاّ
تقسطوا في اليتامى﴾ فقالت: يابن أخي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها
وجمالها ويريد أن ينكحها بأدنى من صداقها فنهي أن تنكحوهن إلاّ أن تقسطوا لهن في إكمال
الصداق، وأُمروا أن ينكحوا ما سواهنّ من النساء.
قال الحسن: كان الرجل من أهل المدينة يكون عنده الأيتام وفيهن من يحل له تزويجها
فيقول لها: لا أدخل في رباعي أحداً كراهة أن يدخل غريب فيشاركه في مالهنّ، فربما يتزوجهن
لأجل مالهن ومن لا يعجبنه ثم نسى صحبتهن ويتربص بهن أن يمتن فيرثهن، فعاب الله عزّ وجلّ
ذلك وأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية.
عكرمة: كان الرجل من قريش يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل، فإذا صار معدما
لما يلزمه من مؤن نسائه، مَالَ على مال يتيمته التي في حجره فأنفقه فقيل لهم: امسكوا عن
النساء ولا تزيدوا على أربع حتى لا يخرجكم إلى أخذ أموال اليتامى، وهذه رواية طاوس عن
ابن عباس، ومعنى رواية عطية عنه.
وقال بعضهم: كانوا يتحرجون ويتحوبون عن أموال اليتامى ويترخصون في النساء ولا
يتعددون فيهن ويتزوجون ما شاؤا، فربما عدلوا وربما لم يعدلوا، فلما سألوا عن حال مال
اليتامى أنزل الله ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ الآية، وأنزل أيضاً هذه الآية ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا
في اليتامى﴾ يقول: كما خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى وهمّكم ذلك، فكذلك فخافوا في النساء أن
لا تعدلوا فيهن ولا تتزوجوا أكثر ممّا يمكنكم امساكهنّ والقيام بحقهن، لأن النساء كاليتيم في
الضعف والعجز، فما لكم تراقبون الله عزّ وجلّ في شيء وتعصونه في مثله، وهذا قول سعيد بن
جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي، ورواية الوالبي عن ابن عباس.
وقال الحسن أيضاً: تحرجوا من نكاح اليتامى كما تحرجوا من أموالهم، فأنزل الله هذه
الآية، ورخص فيهن وقصر بهن على عدد، فعليكم العدل فيهن، فإن خفتم يا معشر الأولياء في
اليتامى التي أنتم ولاتهن ألا تقسطوا، فأنكحوهن ولا تزيدوا على أربع، لتعدلوا، فإن خفتم ألاّ
تعدلوا فيهن فواحدة.
قال ابن عباس: قصر الرجال على أربع من النساء من أجل اليتامى.
مجاهد: معناه إن تحرجتم من ولاية اليتامى فأموالهم إيماناً وتصديقاً، فكذلك تحرجوا عن
الزنا، فانكحوا النساء الحلال نكاحاً طيباً، ثم بيّن لهم عدداً محصوراً وكانوا يتزوجون ما شاؤا
من غير عدد، فأنزل الله ﴿وإن خفتم ألاّ تقسطوا﴾ أي أن لا تعدلوا.

٢٤٦
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وقرأها إبراهيم النخعي: (تَقسطوا) بفتح التاء وهو من العدل أيضاً.
قال الزجاج: قسط واقسط واحد، إلاّ أن الأفصح اقسط إذا عدل، وقسط إذا جار، وإن
حملت قراءة إبراهيم على الجور وجعلت لا لغواً صحّ الكلام، واليتامى جمع لذكران الأيتام.
﴿فانكحوا ما﴾ .
قرأ إبراهيم بن أبي عيلة: (مَن) لأن ما لما لا يعقل ومَن لما يعقل، ومن قرأ (ما) فله
وجهان :
أحدهما: أن ردّه إلى الفعل دون العين تقديره: فانكحوا النكاح الذي يحل لكم من
النساء، وهذا كما تقول: خذ من رفيقي ما أردت والإخوان، تجعل (ما) بمعنى (من)، والعرب
یعقب ما من ومن ما .
قال الله تعالى ﴿والسماء وما بناها﴾(١) وأخواتها، وقال: ﴿فمنهم من يمشي على
بطنه﴾(٢) الآية.
وحكى أبو عمرو بن العلاء: أن أهل مكة إذا سمعوا الرعد قالوا: (سبحان ما يسبّح له
الرعد)، وقال الله: ﴿قال فرعون وما ربّ العالمين﴾(٣).
﴿طاب﴾ حل ﴿لكم من النساء﴾ .
وقرأ ابن أبي إسحاق والجحدري والأعمش (طاب): بالإمالة وفي مصحف أُبيّ: (طيب)
بالياء، وهذا دليل الإمالة.
﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ معدولات عن اثنين وثلاث وأربع، فلذلك لا يصرفن، وفيها لغات
موحد ومثنى ومثلث ومربع، وأحاد وثناء وثلاث ورباع، وأحد وثنى وثلث وربع، مثل عمر
وزفر.
وكذلك قرأ النخعي في هذه الآية، ولا يزاد من هذا البناء على الأربع إلّ بيتاً جاء عن
الكميت :
فوق الرجال خصالا عشاراً (٤)
فلم يستريثوك حتى رميت
يعني طعنت عشرة.
سورة الشمس : ٫٥
(١)
(٢) سورة النور: ٤٥.
(٣) سورة الشعراء: ٢٣.
(٤) تفسير الطبري: ٤ / ٣١٦.
٠٠

٢٤٧
سورة النساء، الآيات: ١ - ٦
قالوا: وهاهنا بمعنى الو للتحقيق] (٢) كقوله ﴿إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى
وفرادى﴾(٢) وقوله ﴿أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع﴾(٣) وهذا إجماع الأمة، وخصائص النبي وَيّ
غير مشتركة.
الكلبي عن خميصة بنت الشمردل: أن قيس بن الحرث حدثها أنه كان تحته ثمان نسوة
حرائر، قال: فلما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله قد أنزل الله عليك تحريم تزوج الحرائر
إلّ أربع حرائر وأن تحتي ثمان نسوة، قال: ((فطلّق أربعاً وأمسك أربعاً)) [٢٢٩]. قال: فرجعت
إلى منزلي فجعلت أقول للمرأة التي ما تلد مني يا فلانة أدبري وللمرأة التي قد ولدت يا فلانة
أقبلي، فيقول للتي طلق أنشدك الله والمحبة قال: فطلقت أربعاً وأمسكت أربعاً (٤).
﴿فإن خفتم﴾ خشيتم، وقيل: علمتم ﴿ألا تعدلوا﴾ بين الأربع ﴿فواحدة﴾.
قرأ العامة: بنصب.
وقرأ الحسن والجحدري وأبو جعفر: (فواحدةٌ) بالرفع، أي فليكفيكم واحدة، أي واحدة
كافية، كقوله عزّ وجلّ: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾(٥).
﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ يعني الجواري والسراري، لأنه لا يلزمكم فيهن من الحقوق
والذي يلزمكم في الحرمة، ولا قسمة عليكم فيهن ولا وقت عليكم في عددهن، وذكر الإيمان
بیان تقديره ﴿أو ما ملكت﴾.
وقال بعض أهل المعاني: (أو ما ملكت أيمانكم) أي ما ينفذ فيه أقسامكم جعله من يمين
الحلف لا يمين الجارحة، واحتج بقوله وقلهو: ((لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن
آدم)) (٦) [٢٣٠].
﴿ذلك أدنى﴾ أقرب ﴿ألّ تعولوا﴾.
عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي وَّ في قوله عزّ وجلّ: ﴿ذلك أدنى ألاّ
تعولوا﴾ قال: ((ألاّ تجوروا))(٧) [٢٣١].
(١) كذا الظاهر.
(٢) سورة سبأ : ٤٦.
(٣) سورة فاطر: ١.
(٤) باختصار في سنن ابن ماجة: ١ / ٦٢٨ ح ١٩٥٢.
(٥) سورة البقرة: ٢٨٢.
(٦) السنن الكبرى: ١٠ / ٣٣، كنز العمال: ١٦ / ٧١١.
(٧) فتح القدير: ١ / ٤٢٤.

٢٤٨
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وروى هشام بن عروة عن عائشة أيضاً عن النبي وَ ل ﴿ في قوله عزّ وجلّ: ﴿ذلك أدنى ألاّ
تعولوا﴾ أن لا تميلوا، وأكثر المفسرين على هذا.
قال مقاتل: هو لغة جرهم، يقال: ميزان عائل، أي مائل. وكتب عثمان بن عفان (رضي
الله عنه) إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: أني لست بميزان لا أعول.
وأنشد عكرمة لأبي طالب:
(١)
بميزان صدق لا يغل شعيرة
له شاهد من نفسه غير عائل("
وقال مجاهد: ذلك أدنى ألاّ تضلوا. وقال الفراء والأصم: أن لا تجاوزوا ما فرض الله
عليكم، وأصل العول المجاوزة، ومنه عول الفرائض. وقال الشافعي: أن لا تكثر عيالكم. وما
قال هذا أحد غيره(٢) . وإنما يقال: أعال يعيل إذا كثر عياله.
قال أبو حاتم: كان [الشافعي] أعلم بلغة العرب منّا ولعله لغة.
قال الثعلبي: قال أستاذنا أبو القاسم بن حبيب: سألت أبا عمرو الدوري عن هذا وكان
إماماً في اللغة غير مدافع فقال: هي لغة حمير.
وأنشد :
بلاشك وإن أمشى وعالا(٣)
وإنّ الموت يأخذ كل حيّ
أي كثرت ماشيته وعياله.
قال أبو عمرو بن العلاء: لقد كثرت وجوه العرب حتى خشيت أن آخذ عن لاحن لحناً .
وقرأ طلحة بن مصرف: ألاّ تعيلوا، وهو قوة قول الشافعي. وقرأ بعضهم: ألاّ تعيلوا من
العيلة أي لا تفتقروا .
قال الشاعر:
ولا يدري الغني متى يعيل (٤)
ولا يدري الفقير متى غناه
وقرأ طاووس: لا تعيلوا من العلة.
روى بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ ل: ((من كانت له امرأتان فمال
إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل)) (٥) [٢٣٢].
(١) لسان العرب: ١١ / ٤٨٩، الصحاح الجوهري: ٥ / ١٧٧٧ .
(٢) عنه تفسير القرطبي: ٥ / ٢٢ وذكر ذهاب الدارقطني وجابر بن يزيد إلى هذا الرأي.
(٣)
تفسير القرطبي: ٥ / ٢٢.
(٤) تفسير القرطبي: ٨ / ١٠٦.
(٥) سنن أبي داود: ١ / ٤٧٣، كنز العمال: ١٦ / ٣٤١.

٢٤٩
سورة النساء، الآيات: ١ - ٦
وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ .
قال الكلبي وجماعة من العلماء: هذا خطاب للأولياء، وذلك أن ولي المرأة كان إذا
زوّجها غريباً حملوها إليه على بعير ولا يعطونها من مهرها شيء، فإن كانت معهم في العشيرة لم
يعطها من مهرها قليلا ولا كثيراً، وان كانت غريبة حملها على بعير إلى زوجها ولم يعطها شيئاً
غير ذلك البعير(١)، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: هنيئاً لك النافجة(٢)، يريدون أنه
يأخذ مهرها إبلا فيضمها إلى إبله فينتفجها أي يعظمها ويكثرها .
قال بعض النساء في زوجها :
لا تأخذ الحلوان من بناتها (٣)
تقول: لا يفعل ما يفعله غيره، فنهاهم الله عزّ وجلّ عن ذلك وأمرهم بأن يدفعوا الحق إلى أهله.
قال الحضرمي: كان أولياء النساء يعطي هذا أخته على أن يعطيه الآخر أخته لا مهر
بينهما، فنهوا عن ذلك وأمرهم بتسميته وأمروا المهر عند العقد.
قال رسول الله وَله: ((لا شغار في الإسلام)) (٤) [٢٣٣].
وقال آخرون: الخطاب للأزواج أُمروا بإيفاء نسائهن مهورهنّ التي هي أثمان فروجهنّ،
وهذا أصح وأوضح بظاهر الآية وأشبه، لأن الله تعالى خاطب الناكحين فيما قبله، وهذا أصل
خطابهم. والصَّدُقات المهور واحدها صدقة بفتح الصاد وضم الدال على لفظ الجمع، وهي لغة
أهل الحجاز وتميم. يقول صُدقة بضم الصاد وجزم الدال، فإذا جمعوا قالوا: صُدقات بضم
الصاد وسكون الدال، وصُدُقات بضم الصاد والدال مثل ظلمة وظلمات، وظلمات نظيرها
المثلات، لغة تميم مثلة ومثلات ومَثُلات بفتح الميم وضم الثاء واحدتها مثلة على لفظ الجمع
لغة الحجاز.
﴿نحلة﴾ قال قتادة: فريضة واجبة، ابن جريح وابن زيد: فريضة مسمّاة. قال أبو عبيد:
ولا تكون النحلة مسماة معلومة، الكلبي: عطية وهبة، أبو عبيدة: عن طيب نفس، الزجاج:
تديناً، وفيه لغتان: نِحلة ونَحلة، وأصلها من العطاء وهي نصب على التفسير وقيل على المصدر.
روى مرثد بن عبد الله عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله وَ له: ((إن أحق الشروط أن
يوفى به ما استحللتم به الفروج)) (٥) [٢٣٤].
(١) تفسير القرطبي: ٥ / ٢٣.
(٢) النافجة: المعظمة لمال أبيها، قاله في الصحاح: ١ / ٣٤٥.
(٣) تفسير القرطبي: ٥ / ٢٤.
(٤) صحيح مسلم: ٤ / ١٣٩، ومسند أحمد: ٤ / ٤٤١.
(٥) مسند أحمد: ٤ / ١٤٤، مسند أبي يعلى: ٢ / ٢٩١.

٢٥٠
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وعن يوسف بن محمد بن عبد الحميد بن زياد بن صهيب عن أبيه عن جده صهيب قال:
قال رسول الله وَله: ((من أدان بدين وهو مجمع أن لا يفي به لقى الله عزّ وجلّ سارقاً، ومن
أصدق امرأة صداقاً وهو مجمع على أن لا يوفيها لقى الله عزّ وجلّ زانياً))(١) [٢٣٥].
﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً﴾ يعني فإن طابت نفوسهنّ بشيء من ذلك فوهبن منكم
فنقل الفعل من النفوس إلى أصحابها، فخرجت النفس مفسرة، ولذلك وحَدَّ النفس، كما يقال:
ضاق به ذرعاً وقرَّ به عيناً، قال الله تعالى: ﴿وضاق بهم ذرعاً﴾(٢).
وقال بعض نحاة الكوفة: لفظها واحد ومعناها جمع، والعرب تفعل ذلك كثيراً .
قال الشاعر :
فبيض وأما جلدها فصليب(٣)
بها جيف الحسرى فأما عظامها
وقال آخر:
في حلقكم عظم وقد شجينا(٤)
وقال بعض نحاة البصرة:
إذا ما دنا الليل المضى بذي الهوى (٥)
والهوى مصدر، والمصادر لا تجمع ﴿فكلوه﴾ أي خذوه واقبلوه ﴿هنيئاً مريئاً﴾ قال
الحضرمي: إن أُناساً كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء ممّا ساق إلى امرأته، فقال الله:
﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً﴾ من غير إكراه ولا خديعة فكلوه هنيئاً مريئاً أي سائغاً طيباً،
وهو مأخوذ من هنّات البعير إذا عالجته بالقطران من الجرب، معناه فكلوه هنيئاً شافياً معافياً،
هنأني الطعام يهنيني بفتح النون في الماضي وكسره في الغابر يهنيني يهناني على الضد وهي
قليلة، والمصدر منهما هنؤ يقال: هنأني ومرأني بغير ألف فيها، فإذا أفردوا قالوا: أمرأني
بالألف وقيل الهنى الطيب المتاع الذي لا ينغصه شيء، والمرىء المحمود العاقبة التام الهظم
الذي لا يضر ولا يؤذي، يقول: لا تخافون في الدنيا مطالبة ولا في الآخرة تبعة، يدل عليه ما
روى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي ◌ّلم أنه سأل عن هذه الآية ﴿فإن طبن لكم عن
شيء منه نفساً﴾ قال: ((إذا جادت لزوجها بالعطية غير مكرهة لا يقضي به عليكم سلطان ولا
يؤاخذكم الله تعالى به في الآخرة)) (٦) [٢٣٦].
(١) المعجم الكبير: ٨ / ٣٥، كنز العمال: ١٦ / ٣٢٢ ح ٤٤٧٢٤.
(٢) سورة العنكبوت: ٣٣.
(٤) تفسير الطبري: ٤ / ٣٢٥.
(٥) البداية والنهاية: ١٠ / ٢٢٥.
(٦) تفسير القرطبي: ٥ / ٢٧.
(٣) تفسير الطبري: ٤ / ٣٢٥.

٢٥١
سورة النساء، الآيات: ١ - ٦
روى إبراهيم بن عيسى عن علي بن علي عن أبي حمزة قال: (هنيئاً) لا إثم فيه (مريئاً)
لاداء فيه في الآخرة.
وروى شعبة عن علي قال: إذا ابتلى أحدكم شيئاً فليسأل امرأته ثلاثة دراهم من صداقها ثم
يشتر به عسلاً، فليشربه بماء السماء فيجمع الله له الهنيء المريء والشفاء والماء المبارك.
﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً﴾ الآية.
اختلفوا في هؤلاء السفهاء من هم؟
فقال قوم: هم النساء.
قال الحضرمي: عمد رجل فدفع ماله إلى امرأته فوضعته في غير الحق، فأنزل الله تعالى
هذه الآية.
مجاهد: نهى الرجال أن يؤتوا النساء أموالهم وبين سفهاء من كن أزواجاً أو كن أو بنات
أو أُمهات.
جويبر عن الضحاك: النساء من أسفه السفهاء، يدل على صحة هذا التأويل ما روى علي
بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله وَله: ((ألا إنما خلقت النار للسفهاء.
يقولها ثلاثاً . ألا وإن السفهاء النساء إلاّ امرأة أطاعت قيّمها))(١) [٢٣٧].
أبان عن ابن عياش عن أنس بن مالك قال: جاءت امرأة سوداء جريئة المنطق ذات ملح
إلى رسول الله ﴿ فقالت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله قُل فينا خيراً مرة واحدة، فإنه بلغني
أنك تقول فينا كل شرّ. قال: ((أي شيء قلت لكُنّ؟)) قالت: سمّيتنا السفهاء في كتابه وسمّيتنا
النواقص .
فقال: ((وكفى نقصاناً أن تدعن من كل شهر خمسة أيام لا تصلين فيهنَّ، أما يكفي إحداكنَّ
إذا حملت كان لها كأجر المرابط في سبيل الله، وإذا وضعت كانت كالمتشحط بدمه في سبيل
الله، وإذا أرضعت كان لها بكل جرعة كعتق رقبة من ولد إسماعيل، وإذا سهرت كان لها بكل
سهرة تسهرها كعتق رقبة من ولد إسماعيل، وذلك للمؤمنات الخاشعات الصابرات اللاتي لا
يكفرن بالعشير)) [٢٣٨]. قالت السوداء: يا له فضلاً لولا ما تبعه من الشرط(٢).
وروى عاصم عن مورق قال: مرّت امرأة بعبد الله بن عمر لها شارة وهيبة فقال لها ابن
عمر: ﴿ولاتؤتوا السفهاء أموالكم﴾. وقال معاوية بن قرة: عوّدوا نساءكم فإنهن سفيهات، إن
أطعت المرأة أهلكتك.
(١) لم نجد هذا الحديث بهذا النص.
(٢) مجمع البيان: ٣ / ١٨.

٢٥٢
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وقال آخرون: هم الأولاد، وهي رواية عطية عن ابن عباس.
قال الزهري وأبو مالك وابن يقول: لا تعط ولدك السفيه مالك الذي هو قوامك بعد الله
فيفسده، وقال بعضهم: هم النساء والصبيان. قال الحسن: هي امرأتك السفيهة وأبنك السفيه.
قتادة: أمر الله بهذا المال أن يُخزن فيحسن خزائنه ولا تملكه المرأة السفيهة ولا الغلام
السفيه فيبذره، قال الله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾(١).
عبيد عن الضحاك: ولا تعطوا نساءكم وأبناءكم أموالكم فيكونوا عليكم أرباباً .
ابن عباس: لا تعمد إلى مالك الذي خوّلك الله تعالى وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك
وبنيك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك وأصلحه
وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم.
الكلبي: إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد، فلا ينبغي له أن
يسلط واحداً منهما على ماله ليفسده.
وقال السدي: لا تُعط المرأة مالها حتى تتزوج وإن قرأت التوراة والإنجيل والقرآن، ولا
تعط الغلام ماله حتى يحتلم.
وقال سعيد بن جبير وعكرمة: هو مال اليتيم يكون عندك، يقول: لا تؤته إياه، وأنفق عليه
حتى يبلغ، فإن قيل على هذا القول: كيف أضاف المال إلى الأولياء فقال: (أموالكم) وهي
أموال السفهاء؟ قيل: إنما أضاف إليهم لأنها الجنس الذي جعله الله أموالا للناس كقوله: ﴿لقد
جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه﴾(٢) وقوله: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾(٣) ردّها إلى الجنس، أي
الجنس الذي هو جنسكم.
وقال محمد بن جرير: إنما أضيفت إلى الولاة لأنهم قوامها ومدبروها، والسفيه الذي لا
يجوز لوليه أن يؤتيه ماله، هو المستحق للحجر بتضييعه ماله وإفساده وسوء تدبيره.
روى الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال: ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب
لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل دين فلم يُشهد
عليه، ورجل أعطى سفيهاً ماله وقد قال الله ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ أي الجهال بموضع
. الحق .
﴿أموالكم التي﴾ .
(١) سورة البقرة: ١٨٨.
(٢) سورة التوبة: ١٢٨.
(٣) سورة البقرة: ٥٤ .

٢٥٣
سورة النساء، الآيات: ١ - ٦
قرأ الحسن والنخعي: اللاتي، وهما بمعنى واحد.
وأنشد:
من اللواتي والتي واللاتي
زعمن أني كبرت لذاتي(١)
فجمع بين ثلاث لغات.
قال الفراء: العرب تقول في جمع النساء: اللاتي، أكثر مما تقولون: التي، ويقولون في
جمع الأموال وسائر الأشياء: التي، أكثر ممّا يقولون: اللاتي، وهما جائزان.
﴿جعل الله لكم قياماً﴾ قرأ ابن عمر (قَواما) بالواو وفتح القاف كالدوام، وقرأ عيسى بن
عمر (قواما) بكسر القاف على الفعل، لأن الأصل الواو.
وقال الكسائي: هما لغتان ومعناهما واحد، وكان أبو حاتم يفرّق بينهما فيقول: القوام
بالكسر الملاك، والقوام بالفتح امتداد القامة.
وقرأ الأعرج ونافع: (قِيّما) بكسر القاف.
الباقون: (قياماً) وأصله قواماً فانقلب الواو ياءً، لانكسار ما قبلها، مثل صيام ونيام، وهن
جميعاً ملاك الأمر وما يقوم به الإنسان، يقال: فلان قوام أهل بيته، وأراد هاهنا قوام عيشكم
الذي تعیشون به.
وقال الضحاك: به يقام الحج والجهاد وأعمال البر، وهي فكاك الرقاب من النار.
وقال بعضهم: أموالكم التي تقومون بها قياماً.
﴿وارزقوهم فيها﴾ أي أطعموهم ﴿واکسوهم﴾ لمن یجب علیکم رزقه ويلزمكم نفقته،
والرزق من الله عزّ وجلّ عطية غير محدودة، ومن الناس الاجراء الموظف بوقت محدود، يقال:
رزق فلان عياله كذا وكذا، أي أجرى عليهم، وإنما قال: فيها، ولم يقل: منها، لأنه أراد أن
يجعل لهم فيها رزقاً، كأنه أوجب عليهم ذلك. ﴿وقولوا لهم قولا معروفاً﴾ عدة جميلة.
وقال عطاء: (قولا معروفاً) إذا ربحت أعطيتك كذا وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظاً.
الضحاك: ردوا عليهم رداً جميلا .
وقيل : هو الدعاء.
قال ابن زيد: إن كان ليس من ولدك ولا ممّن يجب عليك نفقته فقل له قولا معروفاً، قل
له عافانا الله وإيّاك بارك الله فيك.
(١) لسان العرب: ١٥ / ٢٣٩.

٢٥٤
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وقال المفضل: قولا ليناً تطيب به أنفسهم، وكلما سكنت إليه النفس أحبته من قول أو
عمل فهو معروف، وما أنكرته وكرهته ونفرت منه فهو منكر ﴿وابتلوا اليتامى﴾ الآية، نزلت في
ثابت بن رفاعة وفي عمه، وذلك أن رفاعة توفى وترك ابنه ثابتاً وهو صغير، فأتى عمُ ثابت إلى
النبي ◌َّ﴾ فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله، فأنزل
الله تعالى ﴿وابتلوا اليتامى﴾ أي اختبروهم في عقولهم وأبدانهم وحفظهم أموالهم ﴿حتى إذا
بلغوا النكاح﴾ أي مبلغ الرجال والنساء ﴿فإن أنستم﴾ أبصرتم، قال الله: ﴿آنس من جانب
الطور ناراً﴾(١).
قال الشاعر:
عصراً وقددنا الإمساء(٢)
آنست نبأة وأفزعها القناص
وفي مصحف عبد الله: فإن أحسنتم بمعنى أحسستم، فحذف إحدى السينين كقولهم:
﴿فظلتم تفكهون﴾(٣).
قال الشاعر:
(٤)
أحسن به فهنّ إليه شوس
خلا إن العتاق من المطايا
﴿منهم رشداً﴾. قرأه العامة: بضم الراء وجزم الشين. وقرأ السلمي وعيسى: بفتح الراء
والشين، وهما لغتان.
قال المفسرون: يعني عقلا وصلاحاً وحفظاً للمال وعلماً بما يصلحه.
قال سعيد بن جبير ومجاهد والشعبي: إن الرجل يأخذ بلحيته وما بلغ رشده فلا يدفع إلى
الیتیم ماله وإن كان شيخاً، حتی یؤنس منه رشده.
قال الضحاك: لا يُعطى اليتيم وإن بلغ مائة سنة حتى يعلم منه إصلاح ماله.
ذكر حكم الآية:
اعلم أن الله تعالى علق زوال الحجر عن اليتيم الصغير وجواز دفع ماله إليه بشيئين: البلوغ
والرشد، بعد أن أمر الأولياء بالابتلاء.
ومعنى الابتلاء على ما ذكره جماعة من الفقهاء: الصغير لا يخلو من أحد أمرين: إما أن
(١) سورة القصص: ٢٩.
(٢) غريب الحديث لابن قتيبة: ١ / ٢٢، لسان العرب: ١ / ١٦٤.
(٣) سورة الواقعة: ٦٥.
(٤) التبيان: ٧ / ٢٠٥، تاج العروس: ٤ / ١٢٨ ونسبه إلى أبي زبيد.

٢٥٥
سورة النساء، الآيات: ١ - ٦
يكون غلاماً أو جارية، فإن كان غلاماً رُدَّ النظر في نفقة الدار إليه شهراً أو إعطائه شيئاً نزراً
يتصرف فيه ليعرف كيف تدبيره وتصرفه فيه، وإن كان جارية رُدَّ إليها ما يُرد إلى ربّة البيت من
تدبير بيتها والنظر فيه، وفي الاستغزال والاستقصاء على الغزالات في دفع القطن وأجرته
واستيفاء الغزل وجودته، فإن رشدا وإلاّ بقيا تحت الحجر حتى يؤنس رشدهما(١)، فأما البلوغ
فإنه يكون بأحد خمسة أسباب، ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء واثنان يختص بهما النساء،
والتي يشترك فيها الرجال والنساء: فالاحتلام وهو إنزال المني، فمتى أنزل واحد منهما فقد بلغ،
سواء كان من جُماع أو احتلام أو غيرهما، والدليل عليه قوله: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم
فليستأذنوا﴾(٢) وقول النبي ◌ّله لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: ((خذ من كل حالم ديناراً
أوعدله من المعافر))(٣) [٢٣٩].
واختلف العلماء فيه، فقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد: إذا استكمل الصبي خمس عشرة
سنة أو أنبت حكمنا ببلوغه.
وقال أبو حنيفة: إن كانت جارية فبلوغها سبع عشرة سنة، وعنه في الغلام روايتان:
أحدهما: تسع عشرة سنة، وهي الأشهر وعليها النظر.
وروى اللؤلؤي عنه: ثمان عشرة سنة. وقال مالك وداود: لا يبلغ بالسن ثم اختلفا، فقال
داود: لا يبلغ بالسن مالم يحتلم ولو بلغ أربعين سنة، وقال مالك: بلوغه بأن يغلظ صوته أو
تنشق أرنبته .
والدليل على أن جدّ البلوغ بالسن خمس عشرة سنة حديث عبد الله بن عمر قال: عرضت
على رسول الله ﴿ عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني فلم يرني بلغت أي، وعرضت عليه
عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني الله في المقاتلة.
والإنبات وهو أن ينبت: في الغلام أو الجارية الشعر الخشن حول الفرج.
وللشافعي في الإنبات قولان:
أحدهما: أنه بلوغ، والثاني: دلالة البلوغ.
وقال أبو حنيفة: لا يتعلق بالإنبات حكم، وليس هو ببلوغ ولا دلالة عليه.
والدليل على أن البلوغ بالإنبات متعلق بما روى عطية القرظي عن سعد بن معاذ أن
النبي ◌ّ حكّمه في بني قريظة قال: فمكثت أكشف عنهم فكل من أنبت قتلته، ومن لم ينبت
جعلته في الذرّية .
(١) تفسير القرطبي: ٥ / ٣٥.
(٣) سنن أبي داود: ١ / ٣٥٤ ح ١٥٧٦.
(٢) سورة النور: ٥٩ .

٢٥٦
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
فقال رسول الله وَيقول: (لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة))(١) [٢٤٠].
قال عطية: فكنت ممّن لم ينبت فجعلني في الذرّية.
وأما ما يختص به النساء: فالحيض والحبل، يدل عليه ما روي عن النبي وَّيقول أنه قال: ((لا
يقبل صلاة حائض إلاّ بخمار))(٢) [٢٤١] فجعلها مكلفة بالحيض، وهذا القول في حدّ البلوغ.
فأما الرشد: فقد اختلف الفقهاء فيه، فقال الشافعي: هو أن يكون صالحاً في دينه مُصلحاً
في ماله، والصلاح في الدين أن يكون متجنباً للفواحش التي يفسق بها، وتسقط عدالته كالزنا
واللواط والقذف وشرب الخمر ونحوها .
وإصلاح المال: أن لا يضيّعه ولا يبذّره ولا يغين في التصرف غبناً فاحشاً، فالرشد شيئان:
جواز الشهادة وإصلاح، المال وهذا قول الحسن وربيعة ومالك.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا بلغ عاقلا مصلحاً لماله، زال الحجر عنه بكل
حال، سواء كان فاسداً في دينه أو صالحاً فيه. فاعتبروا صلاح المال ولم يعتبروا صلاح الدين.
ثم اختلفوا فيه إذا بلغ عاقلا مفسداً لماله:
فقال أبو يوسف ومحمد: لا يزول الحجر عنه ويكون تصرفه باطلا إلّ النكاح والعتق،
ويبقى تحت الحجر أبداً إلى أن يظهر رشده.
وقال أبو حنيفة: إذا بلغ عاقلا زال الحجر عنه، فإن كان مفسداً لماله منع من تسليم ماله
إليه حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة، فإذا بلغها يسلّم المال إليه بكل حال، سواء كان مفسداً له أو
غير مفسد. وقيل: إنّ في مدة المنع من المال إذا بلغ مفسداً ينفذ تصرفه على الإطلاق، وإنما
منع من تسليم المال إليه احتياطاً لماله، فقال: وجه تحديده بخمس وعشرين سنة أنه قد يُحبل منه
لاثني عشرة سنة ثم يولد له لستة أشهر ثم يُحمل لولده بأثني عشر سنة ثم يولد له لستة أشهر
فيصير جداً.
قال: وأستحي أن أحجر على من يصلح أن يكون جدّاً، وإذا حصل البلوغ والرشد دفع
المال إليه سواء تزوج أو لم يتزوج.
وقال مالك: إن كان صاحب المال جارية وتبلغ رشيدة، فالحجر باق عليها، وتمنع من
مالها حتى تتزوج، وإذا تزوجت يسلّم مالها، إليها ولا يجوز لها أن تتصرف في مالها بغير إذن
زوجها حتى تكبر وتجرّب ثم حينئذ يبعد تصرفها بغير إذنه، واطلاق في الغلام. والذي يدل على
(١) زاد المسير: ٦ / ١٩٤، والفائق للزمخشري: ٢ / ٥٢.
(٢) مسند أحمد: ٤ / ١٥٠، سنن أبي داود: ١ / ١٥٢، ح ٦٤١.

٢٥٧
سورة النساء، الآيات: ١ - ٦
فساد هذا المذهب ما روي أن النبي و # خطب يوم العيد ثم نزل فذهب إلى النساء فوعظهن
فقال: ((تصدقن ولو من حليكنَّ))(١) [٢٤٢] فكنَّ تتصدقنَّ فجعلت المرأة تلقي حرصها وسخائها،
فأمرهنَّ عليه السلام بالصدقة وقبلها منهنَّ، ولم يفصل بين متزوجة وغير متزوجة ولا بين من
تصدقت بإذن زوجها أو بغير إذنه، فهذا القول في الحجر على الصغير، وبيان حكم قوله:
﴿وابتلوا اليتامى﴾، فأما قوله: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ الآية.
حكم الكلام في الحجر على السفيه
فاختلف العلماء فيه :
فقال أبو حنيفة ونفر: لا حجر على حر بالغ عاقل بوجه، ولو كان أفسق الناس وأشدهم
تبذيراً. وهو مذهب النخعي، واحتجوا في ذلك بما روى قتادة عن أنس: أن حيان بن منقذ كان
يخدع في البيع فأتى أهله النبي ◌َّ فقالوا: إن حيان بن منقذ يعقد وفي عقده ضعف فأحجر
علیه .
فاستدعاه النبي ◌َّ﴾ فقال له: ((لا تبع)) فقال: لا أصبر عن البيع، فقال له: ((إذا بايعت فقل
لا خلابه ولك الخيار ثلاثاً))(٢) [٢٤٣].
فلما سأله القوم الحجر عليه على ما كان في تصرفه من الغبن ولم يفعل، ثبت أنه لا
يجوز .
قال الشافعي: إن كان مفسداً لماله ودينه أو كان مفسداً لماله دون دينه حجر عليه، وإن
كان مفسداً لدينه مصلحاً لماله فعلى وجهين :
أحدهما: يحجر عليه، وهو اختيار أبي العباس بن شُريح.
والثاني: لا يحجر عليه، وهو اختيار أبي إسحاق المروزي، والأظهر من مذهب الشافعي،
وهو الذي ذكرناه من الحجر على السفيه، قول عثمان وعلي والزبير وعائشة وابن عباس وعبد
الله بن جعفر، ومن التابعين شُريح وبه قال من الفقهاء: مالك وأهل المدينة والأوزاعي وأهل
الشام وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وادّعى أصحابنا الإجماع في هذه
المسألة، ما روى هشام بن عروة عن أبيه: أنّ عبد الله بن جعفر ابتاع أرضاً سبخة بستين ألف
درهم، فغبن فيها فأراد عليّ أن يحجر عليه، فأتى ابن جعفر إلى الزبير فقال: إني اشتريت وأن
علياً يريد أن يأتي حبر المؤمنين فيسأله أن يحجر عليَّ.
(١) صحيح مسلم: ٢ / ٨٠ ومسند أحمد: ٦ / ٢٦٢.
(٢) تفسير القرطبي: ٥ / ٢٧.
٠

٢٥٨
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
فقال الزبير: أنا شريكك في البيع، فقال: عليَّ عثمان.
وقال علي: إن ابن جعفر اشترى كذا وكذا أحجر عليه.
وقال الزبير: أنا شريكه في البيع، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه
الزبير. فثبت من هذه القصة إجماع الصحابة على جواز الحجر، لأن عبد الله بن جعفر خاف من
الحجر، والزبير احتال له فيما يمنعه منه، وعليّ سأل ذلك عثمان، وعثمان اعتذر إليه في الامتناع
منه .
﴿ولا تأكلوها﴾ يا معشر الأوصياء والأولياء بغير حقها ﴿إسرافاً﴾ والإسراف مجاوزة الحد
والإفراط والخطأ ووضع الشيء في غير موضعه، يقال: مررت بكم فسرقتكم، أي فسهوت عنكم
وأخطأتكم.
قال جرير:
ما في عطائهم منّ ولا سرف(١)
أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية
أي خطأ، يعني أنهم يصيبون مواضع العطاء ﴿وبداراً﴾ مبادرة ﴿أن يكبروا﴾ أن في محل
النصب يعني لا تبادروا كبرهم ورشدهم حذراً أن يبلغوا فيلزمكم تسليمها إليهم، ثم بيّن ما يحل
لهم من مالهم، فقال عز من قائل: ﴿ومن كان غنياً﴾ عن مال اليتيم ﴿فليستعفف﴾ عن مال
اليتيم، فلا يجوز له قليلا ولا كثيراً، والعفة الامتناع ممّا لا يحل ولا يجد فعله، قال الله تعالى:
﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً﴾(٢).
﴿ومن كان فقيراً﴾ محتاجاً إلى مال اليتيم وهو يحفظه ويتعهده ﴿فليأكل بالمعروف﴾
واختلف العلماء فيه:
فقال بعضهم: المعروف القرض، نظيره قوله: ﴿إلاّ من أمر بصدقة أو معروف﴾(٣) يعني
القرض، ومعنى الآية: تستقرض من مال اليتيم فإذا أيسر قضاه، فإن لم يقدر على قضائه فلا
شيء عليه .
وقال به سعيد بن جبير وعبيدة السلماني وأبي العالية، وأكثر الروايات عن ابن عباس.
قال مجاهد: ليستسلف منه فيتجر فيه فإذا أيسر أدى، ودليل هذا التأويل ما روى إسرابيل
وسفيان عن إسحاق عن حارثة بن مصرف قال: قال عمر بن الخطاب: ألا إني أنزلت نفسي من
مال الله بمنزلة مال اليتيم إن استغنيت استعففت فإن افتقرت أكلت بالمعروف وإن أيسرت
قضیت .
(١) تفسير الطبري: ٤ / ٣٣٧.
(٣) سورة النساء: ١١٤.
(٢) سورة النور: ٣٣.

٢٥٩
سورة النساء، الآيات: ١ - ٦
وقال الشعبي: لا تأكله إلاّ أن تضطر إليه كما تضطر إلى الميتة.
وقال آخرون: (بالمعروف) هو أن يأكله من غير إسراف ولا قضاء عليه فيما يأكل، ثم
اختلفوا في كيفية هذا الأكل بالمعروف:
فقال عطاء وعكرمة والسدي: يأكل بأطراف أصابعه ولا يسرف في الأكل، ولا يكتسي
منه .
وقال النخعي: لا يلبس الحلل ولا الكتان، ولكن ما سدَّ الجوعة ووارى العورة.
وقال بعضهم: هو أن يأكل من ثمر نخيله ولبن مواشيه بالمعروف ولا قضاء عليه، فأما
الذهب والفضة فلا، فإن أكله فلابد من أن يرده، وهذا قول الحسن وجماعة.
قال قتادة: كان اليتيم يكون له الحائط من النخل فيقوم وليّه على صلاحه وسقيه فيصيب من
ثمرته ويكون له الماشية، فيقوم وليه على صلاحها وعلاجها فيصيب من جزازها وعوارضها،
فأما رقاب المال وأصولها فليس له أن يستهلكها .
وقال الضحاك: المعروف ركوب الدابة وخدمة الخادم وليس له أن يأكل من ماله شيئاً .
وروى بكر بن عبد الله بن الأشج عن القاسم بن محمد قال: حضرت ابن عباس، فجاءه
رجل فقال: يابن عباس إن لي أيتاماً ولهم ماشية، فهل عليَّ جُناح في رسلها وما يحل لي منها؟
فقال: إن كنت ترد نادتها وتبغي ضالتها وتهنأ جرباها وتلوط حوضها(١) وتفرط لها يوم وردها،
فاشرب من فضل ألبانها عنهم غير مضر بأولادها ولا تنهكها في الحلب.
قال بعضهم: المعروف هو أن يأخذ من جميع ماله، إذا كان يلي ذلك بقدر قيامه [وخدمته]
وعمله وأُجرته، وإن أتى على جميع المال ولا قضاء عليه، وهذا طعمة من الله تعالى له وبه.
قالت به عائشة وجماعة من العلماء، وقال محمد بن كعب القرظي ﴿من كان غنياً
فليستعفف﴾: عن مال اليتيم ولا تأكل منه شيئاً وأجره على الله ﴿ومن كان فقيراً فليأكل
بالمعروف﴾ يتقرم بتقرم البهيمة، وينزل نفسه بمنزلة الأجير فيما لابد له منه والتقرم: الالتقاط من
نبات الأرض وبقلها، ودليل هذا التأويل ما روى ابن أبي نجيح عن المحسن العوفي عن ابن
عباس قال: جاء رجل إلى النبي وَّ فقال: يا رسول الله إن في حجري يتيماً أفأضربه؟ فقال:
((ممّا كنت ضارباً منه ولدك)) [٢٤٤] قال: يا رسول الله أفاكل من ماله؟ قال: ((بالمعروف غير
متأثل من ماله ولا واقياً مالك بماله))(٢) [٢٤٥].
(١) هنأ الابل: طلاها بالهناء وهو ضرب من القطران، ولاط الحوض: طلاها بالطين وأصلحه.
(٢) المصنف لابن أبي شيبة: ٥ / ١٦١.

٢٦٠
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وأصل المعروف ما تيسر على الإنسان فطابت نفسه به، قال الله تعالى: ﴿متاع
بالمعروف﴾(١).
﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ هذا أدب من الله تعالى، ليعلم أن الولي قد
أدى الأمانة وينقطع عنه الظنّة وتزول عنه الخصومة وليس بفريضة ﴿وكفى بالله حسيباً﴾ محاسباً
ومجازياً وشاهداً .
◌ِْمَالِ نُبِمَتُ مَّا قَلاَ أنْوَلِدَّانِ وَالْأََُّنُ وَبِئْكَ عِيُّ هَا لَكَ الأَجِدَانِ وَالأَوَ مَِ فَلَّ بِتَهُ أَ
كَثَرَ غِيبًا مُقَوْنَا (١) وَإذَا حَضَرَ الْقِسْمَةُ أُلُواْ الْقُرْقَ وَالْبَتْمِ وَالَْحَيُّ وَرَّرُهُوَهُم ◌ِنْهُ وَقُرْلُوَأَ خَلَهُ
أَلا تَعْرُوهَا فَذَا وَلَخَ اَلنَ لَوْ فَرَّداً مِنْ خَلْفِهِمْ أُرِّيَّهُ بِمُهَا عَاطُواْ كُكَمَةٌ فَسَلَّقُوا اللَّهُ وَقُولُواْ.
أَوْلاً متدهً (٣) إِنَّ أَلْدَهُ بَأَكُلُونَ أَقَوَّلُ الْبَتَى مَلْمَا إِنَّمَا يَأْ كُوْنَ فِي بُطُونِهِمْ نَاً أَسْتَغَنَ سَوِيرًا
(ج دياً له هو أولبط يذكر مثل عقد الأسبق فإن كلَّ شَة ◌َوَقَ الكتي عنها لها مَا كثر
وَإِنَ كَتَ وَجِدَّاً فَنَّهَا أَيْسْتُ وَلَأَ تَوَيَّهِ لِكُلْ وَحِمَرٍ مِّنْهُمَا أَلِكُّكُسُ مِنَّا رَُّ إِنْ كَانَ لَمُّ ◌َلَّدٌ وَإِنَ لَمْ يَكْنَ
أُ وَلَهُ وَرِنَّهُ أَوَاهُ فَأَنَّهِ أَثّلُثُ بَّنِ ◌َنَّ لَهُوَ إِخْوَّ وَلِأَتِهِ أَلَنَّدُشِّ مِنْ بَعْدِ وَسِبَُّر ◌ُؤْمِىِ بِمَّا أَرْ دَبُّ
بَارَكَّهُ وَأَنَاؤُكُمْ لَا تَدَرَّتَ أَنَّهُمْ أَكُ لْ تَقَمَاً وَبِنَّهُ مَّىَ أَلَّهِ إِنَّ أَنَّهُ لَنَّ مَيِهَا حَكِّبِهَا (٤) ﴾
وَلَكُمْ يَسْتُ مَا كَ أَبُّكُمْ إِنْ أَ بَكَّرَ لَّهُمَ وَلَّدٌّ فَإِنِ سَكَانَ لَهُنَّ وَلَدْ فَكُمُ أَُّعُ مِنَّا
تَكْنُ مِنْ بَعْدٍ وَمِسِيَّةٍ يُؤْصِيَّ بِهَاَ أَوْ دَيْنَّ وَلَّهُرَ أَلُّبْعُ مِنَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكْمُـ
وَلَّدٌ فَإِنَّ ◌َانَ لَعَكُمْ وَلَّدٌ فَلَّهُنَّ أَلْتُمْهُ مِنَّا زُرِِّكُمْ مِنَّ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ تُوسُونَ بِهَاَ أَوْ دٍَّّ وَإِنَ
◌َنَ بَهْلُ ؤَرْتُ كَتَهَ اوَ امْرَأَةُ وَقَر ◌َحُّ أَوْ أَخْتُ ذَكُلْ وَجَ مِنَّهُمَا أَلِسَّدُمُنَّ فَنَ حَانُوَاَ
أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ تُرْسِكَةُ فِ الثَّلُثُّ مِنْ بَعْدِ وَسِيَّةٍ ثُمَّى بِهَاَ أَوْ ذَيْنٍ غَيْرُ مُضَكَكَرٍّ وَصِيَّةٌ مِنَ
أَلَّهُ وَاللَّهُ عَلِيُ بَيِدٌ (١٠) تِلْفَ خُدُّوهُ أَهْ وَمَن يُطِعِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلَهُ حَنَّبٍ تَّحْرِف
مِنْ تَحْتِهَا الْأَنَهَّرُ خَلِينَ فِهُمَاً وَذَلِكَ اَلْفَوْزُّ الْعَظِهُ (١٢) وَمَنِ يَعْصِ اَللَّهُ وَدَسُولَهُ
وَبَنَعَذُ حُدُودُهُ مُلْبِلْهُ تَارًاً خَبِّدًا فِيَهَا وَلَمْ عَذَاتِ لُهِيتُّ
﴿للرجال نصيب ممّا ترك الوالدان والأقربون﴾ الآية، وذلك أن أوس بن ثابت الأنصاري
توفى وترك امرأة يقال لها: أم كحة وثلاث بنات له منها، فقام رجلان هما ابنا عم الميت
ووصيّاه . واختلف في اسميهما فقال الكلبي وقتادة: عرفطة، وقال غيره: سويد وعرفجة . فأخذا
ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئاً . وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان
ذكراً، وإنما كانوا يورثون الرجال الكبار، فكانوا يقولون: لا نعطي إلاّ من قاتل على ظهر الخيل
(١) سورة البقرة: ٢٤١.