Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
سورة آل عمران، الآيات: ١٧٩ - ١٨٦
عن يسار بن سعد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَثَليقول: ((مانع الزكاة يوم القيامة في
النار))(١) [٢٠٣].
هشام بن عروة عن أبيه قال: إن رسول الله وَ﴾ قال: ((لا تخالط الصدقة مالا إلاّ
أهلكته))(٢) [٢٠٤].
عن عكرمة عن جبير بن مهاجر عن أبي بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله وَلقوله: ((ما حبس
قوم الزكاة إلّ حبس الله عنهم القطر))(٣) [٢٠٥].
وعن الحسن البصري قال: كان أعرابي صاحب ماشية، وكان قليل الصدقة فتصدق بعريض
من غنمه، فرأى فيما يرى النائم كأنما وثبت عليه غنمه كلها فجعل العريض يحامي عنه، فلما
انتبه قال: والله لئن استطعت لأجعلن أتباعك كثيراً. قال: وكان بعد ذلك يقسم.
قال الثعلبي: أنشدنا أبو القاسم الحسين بن محمد قال: أنشدنا أبو بكر محمد بن عبد الله
قال: أنشدنا العلائي قال: أنشدني المهدي بن سابق:
أتطمع بالله في الخلود معه
يا مانع المال كم تضمن به
أما تراه لغيره جمعه(٤)
هل حمل المال ميت معه
ابن سعيد عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد رَاه
ونبوته، وأراد بالبخل كتمان العلم الذي أتاهم الله، يدل عليه قوله تعالى في سورة النساء:
﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله﴾(٥) الآية، ومعنى قوله:
﴿سيطوقون ما بخلوا به﴾ أي يحملون وزره وإثمه كقوله تعالى: ﴿يحملون أوزارهم على
ظهورهم﴾(٦)، ﴿ولله ميراث السموات والأرض﴾ يعني أنه الباقي الدائم بعد فناء خلقه وزوال
أملاكهم فيموتون ويرثهم، نظيره قوله: ﴿إنا نحن نرث الأرض ومن عليها﴾(٧).
﴿والله بما تعملون خبير﴾.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بالياء، الباقون: بالتاء.
﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾.
(١) المعجم الصغير: ٢ / ٥٨، مجمع الزوائد: ٣ / ٦٤، كنز العمال: ٦ / ٣٠٦.
(٢) كتاب المسند للشافعي: ٩٩، السنن الكبرى: ٤ / ١٥٩.
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١٠ / ٢٠٨، السنن الكبرى: ٩ / ٢٣١، (ولا منع) بدل (ما
(٣)
حبس).
(٤) روضة الواعظين: ٣٨٥، نهج السعادة: ٨ / ٢٤٦.
(٥) سورة النساء: ٣٧.
(٧) سورة مريم: ٤٠.
(٦) سورة الأنعام: ٣١.

٢٢٢
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
قال الحسن ومجاهد: لما نزلت ﴿فمن ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً﴾(١) قال اليهود:
إن الله فقير يستقرض منّا ونحن أغنياء، [والقائل فنحاص بن عازوراء](٢) عن ابن عباس.
وروى الحسن: أن قائل هذه المقالة حيي بن أخطب(٣).
قال عكرمة والسدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق: كتب النبي ◌َّ مع أبي بكر الصديق إلى
يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا لله قرضاً
حسناً، فدخل أبو بكر(رضي الله عنه) ذات يوم بيت مدارسهم فوجد ناساً كثيراً من اليهود قد
اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص بن عازوراء وكان من علمائهم، ومعه حبرآخر يُقال له:
أشيع، فقال أبو بكر (رضي الله عنه) لفنحاص: إتق الله وأسلم إنك لتعلم أن محمداً قد جاءكم
بالحق من عند الله ﴿يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل﴾(٤) فأمن وصدّق واقرض الله
قرضاً حسناً يدخلك الجنة ويضاعف لك الثواب.
قال فنخاص: يا أبا بكر تزعم أن ربّنا يستقرضنا أموالنا ولا يستقرض إلاّ الفقير من الغني،
فإن كان ما تقول حقاً فإن الله إذاً لفقير ونحن أغنياء، ولو كان غنياً ما أعطاناه ربّي، فغضب أبو
بكر (رضي الله عنه) وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد
الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله.
فذهب فنحاص إلى رسول الله و ﴿ وقال: يا محمد أنظر ما صنع بيّ صاحبك، فقال رسول
اللهِ وَله لأبي بكر: ((ما الذي حملك على ما صنعت؟)) [٢٠٦] فقال يا رسول الله: إن عدوّ الله
قد قال قولا عظيماً، زعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء فغضبت لله وضربت وجهه فجحد ذلك
فنحاص، فأنزل الله عزّ وجلّ رداً على فنحاص وتصديقاً لأبي بكر (رضي الله عنه) ﴿لقد سمع
الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ ﴿سنكتب ما قالوا﴾ من الإفك والفرية على الله
عزّ وجلّ فنجازيه به(٥) .
وقال مقاتل وابن عبيد: سيحفظ عليهم، الكلبي: سنوجب عليهم في الآخرة جزاء ما قالوا
في الدنيا، الواقدي: سيؤمن الحفظة من الكتاب، نظيره قوله: ﴿وإنا له كاتبون﴾(٦).
قرأ حمزة والأعمش والأعرج: بياء مضمومة.
(١) سورة البقرة: ٢٤٥.
(٢) راجع زاد المسير: ٢ / ٦٥.
(٣) تفسير الطبري: ٤ / ٢٥٩.
(٤) سورة الأعراف: ١٥٧ .
(٥) أسباب النزول: ٨٩.
(٦) سورة الأنبياء: ٩٤.

٢٢٣
سورة آل عمران، الآيات: ١٧٩ - ١٨٦
﴿وقتلُهم﴾ برفع اللام ﴿ويقول﴾ بالياء، اعتباراً بقراءة عبد الله ويقال ﴿ذوقوا عذاب
الحريق﴾ أي النار، والنار اسم جامع للملتهبة منها وغير الملتهبة، والحريق اسم للملتهبة منها،
وهو بمعنى المحرق كما يقال: عذاب أليم وضرب وجيع ..
﴿ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد﴾ فيعذب بغير ذنبه ﴿الذين قالوا إن
الله عهد إلينا﴾ الآية.
قال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وزيد بن تابوه
وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب، أتوا رسول الله وسلم فقالوا: يا رسول الله تزعم أن الله
بعثك إلينا رسولا وأنزل علينا كتاباً، فإن الله قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه
جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك(١)، فأنزل الله عزّ وجلّ
﴿الذين قالوا﴾ يعني وسمع الله قول الذين قالوا، ومحل (الذين) خفض ردّاً على الذين الأول
﴿إن الله عهد إلينا﴾ أي أمرنا وأوصانا في كتبه على ألسنة رُسله.
﴿ألا نؤمن لرسول﴾ أي لا نصدق رسولا يزعم أنه جاء من عند الله ﴿حتى يأتينا بقربان
تأكله النار﴾ فيكون ذلك دلالةً على صدقه، والقربان كل ما يتقرب به العبد إلى الله عزّ وجلّ من
زكاة وصدقة وعمل صالح، وهو فعلان من القربة مثل الرفعان من الرّفع [والغنيان] من الغنى،
ويكون اسماً ومصدراً فمثال الاسم: السلطان والبرهان، ومثال المصدر: العدوان والخسران.
وكان عيسى بن عمر يقرأ: قُربان فبضم الراء والقاف كما يقال في جمع ظلمة: ظلمات،
وفي جمع حجرة: حجرات.
قال المفسرون: كانت القرابين والغنائم تحل لبني إسرائيل، فكانوا إذا قرّبوا قرباناً وغنموا
غنيمة فإن تقبل منهم ذلك جاءت نار بيضاء من السماء لا دخان لها ولها دوي وحفيف، فتأكل
ذلك القربان وتلك الغنيمة وتحرقهما، فيكون ذلك علامة القبول، وإذا لم يقبل بقي على حاله.
وقال عطاء: كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطائب اللحم فيضعونها في
وسط البيت والسقف مكشوف، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربّه، وبنو إسرائيل خارجون حول
البيت، فتنزل نار فتأخذ ذلك القربان فيخر النبي ساجداً فيوحي الله عزّ وجلّ إليه بما شاء.
قال السدي: إن الله تعالى أمر بني إسرائيل في التوراة: من جاءكم من أحد يزعم أنه
رسول فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار حتى يأتيكم المسيح ومحمد، فإذا أتياكم فآمنوا
بهما فإنهما يأتيان بغير قربان، قال الله تعالى إقامة للحجة عليهم ﴿قل﴾ يا محمد ﴿قد جاءكم﴾
يا معشر اليهود ﴿رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم﴾ من القربان ﴿فلم قتلتموهم﴾ يعني زكريا
(١) أسباب النزول للواحدي: ٨٩ وتفسير القرطبي: ٤ / ٢٩٥.

٢٢٤
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
ويحيى وسائر من قتلوا من الأنبياء، وأراد بذلك أسلافهم، فخاطبهم بذلك لأنهم رضوا بفعل
أسلافهم، ومعنى الآية تكذيبهم يا محمد إياك مع علمهم بصدقك، كقتل آبائهم الأنبياء مع
الإتيان بالقربان والمعجزات، ثم قال معزياً نبيه وَ﴾ ﴿فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا
بالبينات والزبر﴾ وبالزبر أي الكتب المزبورة يعني المكتوبة أصلها من زبرت أي كتبت، واحدها
زبور مثل رسول ورسل، وکل کتاب فهو زبور.
قال امرؤ القيس :
كخط زبور في عسيب يماني(١)
لمن طلل أبصرته فشجاني
وقال بعضهم: هو الكتاب الحسن حكاه المفضل وأنشد.
(٢)
يحبره الكاتب الحميري
عرفت الديار كخط الدويّ
وقرأ ابن عامر: وبالزبر بزيادة باء، وكذلك هو في مصاحفهم.
وقال عكرمة ومقاتل والواقدي: يعني بالزبر أحاديث من كان قبلهم، نظيرها في سورة
الحج والملائكة .
﴿والكتاب المنير﴾ الواضح المضيء ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾.
قرأه العامة: بالإضافة، وقرأ الأعمش: (ذائقة) بالتنوين، (الموت) نصباً، وقال: لأنها لم
تذق بعد .
وقال أمية بن الصلت :
من لم يمت عبطة يمت هدما للموت كأس والمرء ذائقها(٣)
أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه وَ﴾: ((لما خلق الله عزّ وجلّ آدم (عليه
السلام) اشتكت الأرض إلى ربّها لما أخذ منها، فواعدها أن يرد منها ما أُخذ منها، فما من أحد
إلاّ يدفن في الثرى التي خُلق منها)) [٢٠٧] (٤).
﴿وإنما توفون أجوركم﴾ توفون جزاء أعمالكم ﴿يوم القيامة) إن خيراً فخير وإن شراً فشر
﴿فمن زحزح﴾ نجا وأُزيل ﴿عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز﴾ ظفر بما يرجوا ونجا ممّا يخاف
﴿وما الحياة الدنيا إلاّ متاع الغرور﴾ يعني منفعة ومتعة، كالفأس والقدر والقصعة ثم يزول ولا
يبقى، قاله أكثر المفسرين .
(١) لسان العرب: ١٩٩/٨.
(٢) كتاب العين: ٨ / ٩٤.
(٣) لسان العرب: ٦ / ١٨٨.
(٤) لم نجده بهذا النص في المصادر الكثيرة المتوفرة لدينا، وورد بنحوه في تفسير الطبري: ٢٩ / ٢٦٦،
وتفسير القرطبي: ١٩ / ١٣٧ .

٢٢٥
سورة آل عمران، الآيات: ١٧٩ - ١٨٦
وقال عبد الرحمن بن سابط: كزاد الراعي، الحسن: كخضرة النبات ولعب البنات لا
حاصل له .
قتادة: هي متاع متروكة توشك أن تضمحل بأهلها، فخذوا من هذا المتاع بطاعة الله ما
استطعتم، والغرور الباطل، ونظيرها في سورة الحديد.
عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله وَلجر: ((من سرّه أن يزحزح عن النار وأن يدخل
الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، ويأتي الناس ما يحب أن
يؤتى إليه))(١) [٢٠٨].
أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله قال: ((موضع سوط في الجنة خير من الدنيا
وما فيها فأقرؤا إن شئتم ﴿فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلاّ متاع
الغرور﴾))(٢).
﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم﴾ الآية.
قال عكرمة ومقاتل والكلبي وابن جريج: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق وفنحاص،
وذلك أن النبي ◌َّو بعث أبا بكر الصديق (رضي الله عنه) إلى فنحاص بن عازورا سيد بني قينقاع
يستمده وكتب إليه كتابه، وقال لأبي بكر: ((لا تفتت عليَّ بشيء حتى يرجع))، فجاءه أبو بكر
(رضي الله عنه) وهو متوشح بالسيف فأعطاه الكتاب فلما قرأه قال: قد أحتاج ربّكم إلى أن
يمده، فهمَّ أبو بكر أن يضربه بالسيف ثم ذكر قول النبي وَّر ((لا تفتت بشيء حتى يرجع))، فكفَّ
ونزلت هذه الآية (٣).
وقال الزهري: نزلت في كعب بن الأشرف وذلك أنه كان يهجوا رسول الله وضلاله ويسب
المؤمنين ويحرض المشركين على النبي وأصحابه في شعره وينسب بنساء المسلمين حتى آذاهم،
فقال النبي ◌َالر: ((من لي بابن الأشرف)).
فقال محمد بن سلمة الأنصاري: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله، قال: ((فافعل إن
قدرت على ذلك)) فرجع محمد بن سلمة فمكث ثلاثاً لا يأكل ولا يشرب إلاّ ما تعلق نفسه، فذكر
ذلك لرسول الله ﴾ فدعاه فقال: ((لم تركت الطعام والشراب؟)) قال: يا رسول الله قد قلت قولا
ولا أدري هل أفي به أم لا ؟
قال: ((إنما عليك الجهد)) فقال: يا رسول الله إنه لابد لنا من أن نقول، قال: ((قولوا ما
(١) تفسير القرطبي: ٤ / ٣٠٢.
(٢) تفسير الطبري: ٤ / ٢٦٥، تفسير القرطبي: ٤ / ٣٠٢.
(٣) الدر المنثور: ٢ / ١٠٦.

٢٢٦
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
بدا لكم فأنتم في حل من ذلك)) فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلاحة بن وقش .
وهو ابو نائلة وكان أخا كعب من الرضاعة. وعباد بن بشر بن وقش والحرث بن أوس بن معاذ
وأبو عبس بن جبر فمشى معهم رسول الله وقلقه إلى بقيع الغرقد ثم وجهّهم وقال: ((انطلقوا على
اسم الله اللهم أعنهم)»(١) [٢٠٩].
ثم رجع رسول الله ) وذلك في ليلة مقمرة، فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه فقدّموا أبا
نائلة، فجاءه فتحدث معه ساعة فتناشدا الشعر وكان أبو نائلة يقول الشعر ثم قال: ويحك يابن
الأشرف إني قد جئتك بحاجة أريد ذكرها لك فأكتم عليَّ. قال: أفعل. قال: كان قدوم هذا
الرجل بلاء، عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة، وانقطعت عنا السبل حتى ضاعت العيال
وجهدت الأنفس.
فقال كعب: أنا ابن الأشرف أما والله لقد أخبرتك يابن سلامة أن الأمر سيصير إلى هذا.
فقال أبو نائلة: إن معي أصحاباً أردنا أن تبيعنا طعامك ونرهنك ونوثق لك ونحسن في
ذلك. قال: ترهنوني أبناءكم؟ قال: إنّا نستحي أن يعير أبناؤنا. فقال: هذا رهينة وسق وهذا
رهينة وسقين.
قال: أترهنونني نساءكم؟ قالوا: أنت أجمل الناس ولا نأمنك، وأي امرأة تمتنع منك
لجمالك، ولكنّا نرهنك الحلقة . يعني السلاح. ولقد علمت حاجتنا اليوم إلى السلاح.
فقال: نعم ائتوني بسلاحكم، فأراد أبو نائلة أن لا ينكر السلاح إذا جاؤًا بها، فرجع أبو
نائلة إلى أصحابه فأخبرهم خبره وأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة وكان حديث
عهد بعرس فوثب في ملحفته، وأخذت امرأته بناحيتها وقالت: إنك رجل محارب وإن صاحب
الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة.
قال: إن هؤلاء لو وجدوني نائماً ما أيقظوني وإنه أبو نائلة أخي.
قالت: فكلمهم من فوق الحصن. فأبى عليها إلاّ أن ينزل إليهم، فتحدث معهم ساعة ثم
قالوا: يابن الأشرف هل لك أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث فيه بقية ليلتنا هذه. قال: إن
شئتم فخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه ثم شمّ يده فقال: ما
رأيت كالليلة طيب عروس قط. قال: إنه طيب أم فلان، يعني امرأته ثم مشى ساعة ثم عاد بمثلها
حتى اطمأن، ثم مشى ساعة فعاد لمثلها، ثم أخذ بفودي رأسه حتى استمكن ثم قال: اضربوا
عدو الله فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئاً(٢).
(١) انظر فتح الباري: ٧ / ٢٦٠، مجمع الزوائد: ٦ / ١٩٦.
(٢) تاريخ الطبري: ٢ / ١٧٩.
۔

٢٢٧
سورة آل عمران، الآيات: ١٨٧ - ١٩٥
قال محمد بن سلمة: فذكرت معولا في سيفي، فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق
حولنا حصن إلاّ أوقدت عليه ناراً. قال: فوضعته في تندوّته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته،
ووقع عدو الله وقد أصيب الحرث بن أوس في رأسه بجرح أصابه بعض أسيافنا. قال: فخرجنا
وقد أبطأ علينا صاحبنا الحرث ونزفه، الدم فوقفنا ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه، فجئنا به
رسول الله ◌َ﴾ آخر الليل وهو قائم يصلي، فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل كعب وجئنا
برأسه إليه، وتفل على جرح صاحبنا ورجعنا إلى أهلنا، فأصبحنا وقد خافت اليهود لوقعتنا بعدو
الله، فقال رسول الله وَلير: ((من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه)) فوثب محيصة بن مسعود على
سنينة رجل من تجار اليهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله، وكان حويصة بن مسعود إذ ذلك لم
يسلم، وكان أسنّ من محيصة فلما قتله جعل حويصة يضربه وهو يقول: أي عدو الله قتلته، أما
والله لربّ شحم في بطنك من ماله. فقال محيصة: والله لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله لضربت
عنقك قال: فوالله إن كان لأول إسلام حويصة، وفقال: لو أمرك محمد بقتلي لقتلنني؟ قال:
نعم. قال: والله إن ديناً بلغ بك هذا لعجب فأسلم حويصة (١)، فأنزل الله في شأن كعب بن
الأشرف ﴿لتبلون﴾ لتخبرن واللام للتأكيد، وفيه معنى القسم، والنون تأكيد القسم.
﴿في أموالكم﴾ بالحوادث والعاهات والخسران والنقصان.
﴿وأنفسكم﴾ بالأمراض، وقيل بمصائب الأقارب والعشائر.
قال عطاء: هم المهاجرون أخذ المشركون أموالهم وباعوا رباعهم وعذبوهم.
قال الحسن: هو ما فرض عليهم في أموالهم وأنفسهم من الحقوق، كالصلاة والصيام
والحج والجهاد والزكاة.
﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ يعني اليهود والنصارى ﴿ومن الذين
أشركوا﴾ يعني مشركي العرب، ﴿أذىً كثيراً وإن تصبروا﴾ على أذاهم ﴿وتتقوا فإن ذلك من عزم
الأمور﴾ من حق الأمور وجدّ الأمور وخيرها، قال عطاء: من حقيقة الإيمان.
وَإِذَّ ◌َ أَنَّهُ بِثَقَ أَقْرِنَّ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَلُ إِنَّاسِ وَلَ تَكْتُهُيَمُ فَيْدُوهُ وَرَآءَ لْهُورِهِمْ.
وَشْهَوَأَ بِهِ. لَكَ فَإِذَ فَلْسَ مَا بِشَرُوتَّ (٢١) لَا تَبَّ أَلِّينَ يَعُونَ بِمَا أَواْ وَيُِّرُونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمََّ
◌َ بَنَعَلُواْ فَلَّ تَخْسَعَلَهُمْ بِمَغَازَوَ مِنَ الْعَذَّابِ وَلَّهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فَ وَذَّهِ مُلْلَهُ أَنْتَمُوَّتِ وَالْأَرْضِىُّ وَأَنَّهُ
عَلَ كُلّ ◌َشَىْءٍ ذَبِرُ (َ) إِنَّ فِى عَقِ الشَّعَوَتِ وَالْأَرْصِ وَأَحْتَظَفِ أَيْدِ وَأَلْتَهَارِ لَأَبَتٍ لَأُوْلِ اَلْأَلَِْ
(بِ الَّذِينَ يَدَكُونَ أَلَهُ فِيَّنْهَا وَأَّهُودًا وَعَّ جُوبِهِمْ وَمَنََّكََّنَ فِ خَلْقِ أَسَّمْوَرِِ وَالأَرْضِ وَنَا مَ عَلَذَتْ
هُدَا بَعِلُ شْحَتَكَ فَيْنَا عَذَابٌ أَنَِّ وَ رَبَّنَ إِنََّكُ مَنْ تُدْخِلِ الدَّارِ فَقَدْ أَحْرِيَهُ وَمَا لِلْعَطِنَّ مِنْ أَصَلِ
(١) بطوله في تاريخ الطبري: ٢ / ١٧٩ - ١٨١.

٢٢٨
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
(١٠) وَبََّآَ إِنَا سَمِعْنَا مُتَّاوِيًا يُنَادِى إِلَّبِعَنِيِ أَنَّ مَامِنُواْ مَيَكُمْ فَنَامَنًا وَبِّنَا فَلَغَوْ لَا ذُنُرِيْنَا وَكَمٍ عَنَّا
سَيْتَائِمًا وَنَّوَفَا مَعَ الْأَثْرَّارِ (َ رَبََّ وَمَا مَا وَعَّدْنَا عَ زَشُيَةَ وَلَ خُِهَا بِمَ اَلْقَمَّةِ إِنَّهَ لَاَ نْفُ
المِبِعَادُ (١َ﴾ وَأَسْتَجَابَ لَهُمْ وَلَهُمْ أَنْ لَا أُصِيعُ عَلَ عَنْعِلِ مِنَّكُمِ فِي ذَكَّ أَوْ أَنَّ بِعَشْكُمْ فِنَ بَعْصَِّ فَالَّذِينَ
مَا حَرُواْ وَأَخْرِجُوا مِنْ وَيَرِهِمْ وَأُوَدُواْ فِي ◌َبِيلِ وَفَتَلُواْ وَفُتِلُواْ لَأَ كْفَوَنَّ عَنَهُمْ سَتْحَاتِمْ وَلَّمَِّنَّهُمْ جَنََّةٍ
أَمْرِى مِنْ عَمْتِهَا الْأَنْهُرُ لُوَّنَا مِنْ مِنْدِ أَللَّهُ وَقَّهُ عِنْدَمُ هُشْرُ أُلْتَوَابِ (أل)
﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾ في أمر محمد الر ﴿لتبيّننه للناس ولا
يكتمونه﴾. قرأ عاصم وأبو عمر وأهل مكة: بالياء فيهما واختاره أبو عبيد.
الباقون: بالتاء واختاره أبو حاتم، فمن قرأ بالتاء فعلى إضمار القول، أي قال: ليبيننه،
ودليله قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم﴾(١) ومن قرأ بالياء فلقوله: ﴿فنبذوه
وراء ظهورهم﴾ طرحوه وضيعوه وتركوا العمل به.
﴿واشتروا به ثمناً قليلا﴾ يعني المأكل ﴿فبئس ما يشترون﴾.
قال قتادة: هذا لميثاق الله أخذ على أهل مكة ممّن علم شيئاً فليعلّمه، وإيّاكم وكتمان
العلم فإنه هلكة.
وقال محمد بن كعب: لا يحل لعالم أن يسكت على علمه ولا لجاهل أن يسكت على
جهله، قال الله: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾ الآية، وقال: ﴿فاسألوا أهل الذكر
إن كنتم لا تعلمون﴾(٢).
ثابت بن البناني عن أبي رافع عن أبي هريرة أنه قال: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب
ما حدثتكم بشيء، ثم تلا هذه الآية ﴿وإذ أخذ الله﴾. أبو عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال:
قال رسول الله ويثير: ((من كتم علماً عن أهله أُلجم يوم القيامة لجاماً من نار))(٣).
وعن الحسن بن عمارة قال: أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألقيته على بابه فقلت: إن
رأيت أن تحدثني؟ فقال: أما علمت أني قد تركت الحديث فقلت: إما أن تحدثني وإما أن
أُحدثك. فقال: حدثني. فقلت: حدثني الحكم ابن عيينة عن نجم الجزار قال: سمعت علياً
(عليه السلام) يقول: ((ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن
يعلموا)) قال: فحدثني بأربعين حديثاً (٤).
(١) آل عمران: ١٨١.
(٢) سورة النحل: ٤٣ .
(٣) كنز العمال: ١٠ / ١٩١.
(٤) تفسير مجمع البيان: ٢ / ٤٦٧.

٢٢٩
سورة آل عمران، الآيات: ١٨٧ - ١٩٥
﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا﴾ يحسبن بالياء، قرأه حميد بن كثير وأبو جعفر وشيبة
ونافع وابن عامر وأبو عمرو، وغيرهم بالتاء، فمن قرأه بالياء فمعناه: ولا يحسبن الفارحون
منجياً لهم من العذاب، ومن قرأ بالتاء فمعناه: ولا تحسبن يا محمد الفارحين بمفازة من
العذاب، وخبره في الباء.
وقوله: ﴿لا تحسين﴾ بالتاء، وفتح الباء إعادة تأکید.
وقرأ الضحاك وعيسى: (لا تحسبن) بالتاء وضم الباء،
أراد محمداً وأصحابه.
وقرأ محمد وابن كثير وأبو عمرو ويحيى بن يعمر: بالياء وضم الباء خبراً عن الفارحين،
أي فلا تحسبن أنفسم، واختلفوا فيه فيمن نزلت هذه الآية.
روى عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري: أن رجالا من المنافقين كانوا على عهد رسول
الله ◌ُ* يقولون: يا رسول الله لو خرجت إلى الغزو لغزونا معك، فإذا خرج (عليه السلام)
خلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، فإذا قدم النبي ◌َّ اعتذروا إليه فيقبل عذرهم
وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا .
وروى مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن رافع بن خديج: أنه كان هو وزيد بن ثابت عند
مروان وهو يومئذ أمير المدينة فقال مروان لرافع: في أي شيء أُنزلت هذه الآية: ﴿لا تحسبن
الذين يفرحون بما أوتوا﴾؟ فقال رافع: أنزلت في أناس من المنافقين كانوا إذا خرج رسول
الله ◌َّ في سفر تخلفوا عنهم، فأنكر مروان وقال: ما هذا؟ فجزع رافع من ذلك وقال لزيد بن
ثابت: أنشدك الله هل تعلم ما قال رسول الله وَل﴾؟ قال زيد: نعم، فخرجا من عند مروان، فقال
زيد لرافع وهو يمزح معه: أما تحمد في ما شهدت لك وقال رافع: وأي شيء هذا؟ أحمدك على
أن تشهد بالحق؟ قال زيد: نعم قد حمد الله على الحق أهله.
وقال عكرمة: نزلت في فنحاص وأشيع وأشباههما من الأحبار، يفرحون بإضلالهم
الناس، وبنسبة الناس إياهم إلى العلم، وقولهم إنهم علماء وليسوا بأهل علم لم يحملوهم على
هدی ولا خير.
الضحاك والسدي: هم يهود أهل المدينة كتبوا إلى يهود اليمن والشام وأطراف الأرض:
أن محمداً ليس برسول فاثبتوا على دينكم. فاجتمعت كلمتهم على الكفر بمحمد والقرآن ففرحوا
بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا فنحن على دين إبراهيم ونحن أهل العلم الأول،
وليسوا كذلك.
مجاهد: هم اليهود فرحوا بإعجاب الناس تبديلهم الكتاب، وجهدهم إياه عليه .
سعيد بن جبير: هم اليهود فرحوا بما أعطى الله إبراهيم وهم براء من ذلك.

٢٣٠
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وروى ابن أبي مليكة عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف: أنّ مروان بن الحكم قال
لمولاه: يا أبا رافع اذهب إلى ابن عباس وقل له: إن كان كل امرىء منا يفرح بما أوتي وأحب
أن يحمد لما لم يفعل معذباً لنغدين جميعاً. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية، إنما دعاء
رسول الله اليهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره وأروه أنهم أخبروه بما قد سألهم
عنه، فاستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بكتمانهم إياه ذلك، فنزلت هذه الآية.
قتادة ومقاتل: أتت يهود خيبر لنبي الله وَلّ فقالوا: نحن نعرفك ونصدقك وإنّا على رأيكم
ونحن لكم رداً، وليس ذلك في قلوبهم، فلما خرجوا من عنده قال لهم المسلمون: ما صنعتم؟
قال: عرفناه وصدقناه، فقال لهم المسلمون: أحسنتم هكذا فافعلوا، فحمدوهم ودعوا لهم فأنزل
الله لهم هذه الآية.
وروى شعبة عن مغيرة عن إبراهيم قال: نزلت في ناس من اليهود جهّزوا جيشاً إلى رسول
الله ◌َله وأنفقوا عليهم، وقرأها إبراهيم (بما أوتوا) ممدوداً أي أعطوا.
وقرأ سعيد بن جبير ﴿أوتوا﴾ أي أعطوا.
قال الله ﴿فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم * ولله ملك السماوات
والأرض والله على كل شيء قدير * إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار
لآيات لأولي الألباب﴾.
عن عطاء بن أبي رباح قال: دخلت مع ابن عمر إلى عائشة رضي الله عنها فقال ابن عمر:
أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله؟ فبكت فأطالت ثم قالت: كل أمر رسول الله عجب،
أتاني في ليلتي فدخل معي في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال: يا عائشة هل لك أن
تأذني لي في عبادة ربّي عزّ وجلّ؟ فقلت: والله يا رسول الله إني لأحبّ قربك وأحبّ هواك قد
أذنت لك، فقام عليه الصلاة والسلام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم
قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حجره، ثم رفع يده فجعل يبكي حتى
رأيت الدموع قد بلت الأرض، فأتاه بلال بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال: يا رسول الله تبكي وقد
غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: ((يا بلال أفلا أكون عبداً شكوراً)) ثم قال:
((ومالي لا أبكي وقد أنزل الله تعالى في هذه الليلة عليَّ ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾.
الآية . ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها))(١) [٢١٠].
وعن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما عن أبيه: أن رسول الله وَ له كان إذا
قام من الليل يسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: ﴿إن في خلق السموات والأرض) إلى قوله
﴿فقنا عذاب النار﴾.
(١) الدر المنثور: ٢ / ١١١.

٢٣١
سورة آل عمران، الآيات: ١٨٧ - ١٩٥
عمرو بن موسى عن قتادة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله وَ ل قال: ((أشدّ آية
في القرآن على الجن ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾)) [٢١١] الآية.
سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتت قريش اليهود فقالوا: ما جاءكم به موسى من
الآيات؟ فقالوا: عصاه ويده البيضاء للناظرين. وسألوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟
قالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى. فأتوا النبي و ◌َلّ فقالوا: ادع لنا ربّك يجعل
لنا الصفا ذهباً، فأنزل الله تعالى ﴿إن في خلق السماوات والأرض﴾ الآية ثم وصفهم فقال:
﴿الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً﴾.
قال علي وابن عباس والنخعي وقتادة: هذا في الصلاة يصلي قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً
فإن لم يستطع فعلى جنبه، يسر من الله وتخفيف.
وقال سائر المفسرين: أراد به ذكر الله تعالى، ووصفهم بالمداومة عليه، إذ الإنسان قلما
يخلوا من معنى هذه الحالات الثلاثة، نظيره قوله في سورة النساء.
عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله وسلم: ((من أراد أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر
( الله))(١) [٢١٢].
ويروى عن النبي ◌َّ أنه قال: ((ذكر الله تعالى علم الإيمان وبرء من النفاق وحصن من
الشيطان وحرز من النيران)»(٢) [٢١٣].
وقال الله تعالى لموسى (عليه السلام): يا موسى اجعلني منك على بال ولا تنس ذكري
على كل حال، وليكن همّك ذكري فإنّ الطريق إليَّ.
﴿ويتفكرون في خلق السموات والأرض﴾ إنّ لها صانعاً قادراً ومدبراً حكيماً.
روى حماد عن علي بن زيد عن أبي الصلت عن أبي هريرة: أن رسول الله وَلّ لما أُسري
به إلى السماء السابعة فإذا ريح ودخان وأصوات قال: فقلت: ما هذا يا جبرئيل؟ قال: هذه
الشياطين يحرقون على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض، ولولا ذلك
لرأوا العجائب.
وكان ابن عور يقول: الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية، كما يحدث الماء الزرع
والنبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكرة. وحكى أن سفيان
الثوري صلى خلف المقام ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء فلما رأى الكواكب غُشي عليه. وكان
سفيان يبول الدم من طول حزنه وفكره.
(١) مصنف ابن أبي شيبة: ٧ / ٧٢.
(٢) ذكره قطب الدين الرواندي في لب اللباب كما في مستدرك الوسائل: ٥ / ٢٨٥ ح ٥٨٦٨.

٢٣٢
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ يقول: ((بينما رجل
مستلقي على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أن لي ربّاً وخالقاً
اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له))(١) [٢١٤].
وقال أبو الأحوص: بلغني أن عابداً يعبد في بني إسرائيل ثلاثين سنة . وكان الرجل منهم إذا
تعبّد ثلاثين سنة أظلته غمامة. ولم ير شيئاً، فشكى ذلك إلى والده. فقال له: يا بُني فكّر هل أذنبت
ذنباً منذ أخذت في عبادتك؟ قال: لا، ولا أعلمني هممت به منذ ثلاثين سنة. قال: يا بني بقيت
واحدة إن نجوت منها رجوت أن يظلك؟ قال: وما هي؟ قال: هل رفعت طرفك إلى السماء ثم
رددته بغير فكرة؟ قال: كثير. قال: من هاهنا أتيت. ﴿ما خلقت هذا باطلا) ذهب به إلى لفظ
الخلق ولو ردّه إلى السماوات والأرض، لقال: هذه باطلا عبئاً هزلا، بل خلقته لأمر عظيم.
وانتصاب (الباطل) من وجهين: أحدهما: بنزع الخافض، أي للباطل وبالباطل. والآخر:
على المفعول الثاني.
﴿سبحانك فقنا عذاب النار * ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾ أهنته.
وقال المفضل: أهلكته، وأنشد:
أخزى الإله من الصليب عبيده
واللابسين قلانس الرهبان(٢)
وقيل: فضحته، نظيره قوله: ﴿ولا تخزون في ضيفي﴾(٣). واتخذ القائلون بالوعيد هذه
الآية جُنّة، فقالوا: قد أخبر الله سبحانه أنه لا يخزي النبي والذين آمنوا معه ثم قال: ﴿إنك من
تدخل النار فقد أخزيته﴾ فوجب أن كل من دخل النار فليس بمؤمن وأنه لا يخرج منها .
واختلف أهل التأويل في هذه الآية:
فروى قتادة عن أنس في قوله تعالى: ﴿إنك من تدخل النار فقد أخزِيته﴾ قال: إنك من
تخلد في النار.
وروى الثوري عن رجل عن ابن المسيب في قوله: ﴿إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾
فقال: هذه خاصة لمن لا يخرج منها .
وروى أبو هلال الرّاجي عن قتادة في قوله: ﴿إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾ إنك من
تخلد في النار، ولا نقول كما قال أهل حروراء، حدثنا بذلك أنس بن مالك قال: قال رسول
الله ◌َ﴾: ((يخرج قوم من النار))(٤) [٢١٥].
(١) تفسير القرطبي: ٤ / ٣١٤.
(٣) سورة هود: ٧٨.
(٤) تفسير القرطبي: ٩ / ١٠٢، بتفاوت يسير.
(٢) تفسير القرطبي: ٤ / ٣١٦.

٢٣٣
سورة آل عمران، الآيات: ١٨٧ - ١٩٥
وقال بعضهم: (إنك من تدخل النار) من خلد فيها ومن لم يخلد فقد أخزيته بالعذاب
والهلاك والهوان. قال عمرو بن دينار: قدم علينا جابر بن عبد الله في عمرة، فانتهيت إليه أنا
وعطاء فقلت له: (ربّنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته)، قال: وما إخزاؤه حين أحرقه بالنار إن
دون ذلك لخزياً .
وقال أهل المعاني: الخزي يحتمل الحياء، يقال: خزيٌ يخزي، خزاية إذا استحيا.
قال ذو الرمّة :
من جانب الحبل مخلوطاً بها الغضب(١)
خزاية أدركته عند جوليه
وقال القطامي في الثور والكلاب:
خزي الحرائر أن يكون جباناً(٢)
حرجاً وكر كرور صاحب نجدة
أي يستحي، فخزي المؤمنين الحياء، وخزي الكافرين الذل والخلود في النار.
﴿وما للظالمين من أنصار * ربّنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا﴾
يعني محمداً وَل* ينادي للإيمان أي إلى الإيمان، كقوله: ﴿لعادوا لما نهوا عنه﴾(٣).
وقيل: اللام بمعنى أجل.
قال قتادة: أخبركم الله عزّ وجلّ عن مؤمني الإنس كيف قالوا وعن مؤمني الجن كيف
قالوا، فأما مؤمنوا الجن فقالوا: ﴿إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد﴾ (٤) وأما مؤمنوا الإنس
فقالوا ﴿ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان فآمنا﴾ .
﴿ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنّا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار﴾ أي في جملة الأبرار ﴿ربنا وآتنا
ما وعدتنا على رسلك﴾ على ألسِنَة رسلك كقوله: ﴿واسأل القرية﴾(٥).
وقرأ الأعمش: (رسلك) بالتخفيف.
﴿ولا تخزنا﴾ لا تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا ولا تهنّا ﴿يوم القيامة إنك لا تخلف
الميعاد﴾ يعني قيل: ما وجه قولهم: (ربّنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) وقد علموا وزعموا أن
الله لا يخلف الميعاد، والجواب عنه: إن لفظه الدعاء، ومعناه الخبر تقديره: (واغفر لنا ذنوبنا
وكفّر عنّا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار) ولا تخزنا، وتؤتينا ما وعدتنا على ألسن رسلك من الفضل
(١) لسان العرب: ١٤ / ٢٢٧.
(٢) غريب الحديث: ٤ / ٣٦، ولسان العرب: ١٤ / ٢٢٧.
(٣)
سورة الأنعام: ٢٨.
سورة الجن: ١ - ٢.
(٤)
(٥) سورة يوسف: ٨١.

٢٣٤
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
والرحمة والثواب والنعمة، وقيل معناه: واجعلنا ممّن تؤتيهم ما وعدت على ألسنة رسلك
ويستحقون ثوابك، لأنهم ما تيقنوا إستحقاقهم لهذه الكرامة، فسألوه أن يجعلهم مستحقين لها،
ولو كان القوم قد شهدوا بذلك لأنفسهم، لكانوا قد زكّوها وليس ذلك من صفة الأبرار.
وقال بعضهم: إنما سألوا ربّهم تعجيل ما وعدهم من النصر على الأعداء وإعزاز الدين،
لأنها حكاية عن أصحاب النبي ◌َلّ قالوا: قد علمنا أنك لا تخلف وعدك من النصر والظفر على
الكفار، ولكن لا صبر لنا على حكمك، فعجّل خزيهم وانصرنا عليهم.
ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله وَ الر قال: ((من وعده الله على عمل ثواباً فهو
منجز وعده، ومن أوعد على عمل عقاباً فهو فيه بالخيار))(١) [٢١٦].
عن الأصمعي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: سألني عمرو بن عبيد: أيخلف الله
وعده؟ قلت: لا. قال: فيخلف الله وعيده؟ قلت: نعم. قال: ولِمَ؟ قلت: لأن في خلفه الوعد
علامة ندم وفي خلفه الوعيد إظهار الكرم، ثم أنشأ يقول:
ولا أختبي من خشية المتهدد
ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي (٢)
إني وإن أوعدته أو وعدته
عن سعيد المقبري عن أبي هريرة: أن رسول الله و # كان يقرأ عشر آيات من آخر آل
عمران كل ليلة.
وعن يزيد بن أبي حبيب: أن عثمان بن عفان (رضي الله عنه) قال: من قرأ في ليلة ﴿إن
في خلق السماوات والأرض﴾ إلى آخرها كتبت له بمنزلة قيام ليلة.
﴿فاستجاب لهم ربّهم﴾.
روى أبو بكر الهذلي عن الحسن قال: ما زالوا يقولون: ربّنا ربّنا حتى استجاب لهم ربّهم.
وروى عن الصادق أنه قال: من حزَّ به أمر فقال خمس مرات: ربنا أنجاه الله ممّا يخاف
وأعطاه ما أراد. قيل له: وكيف ذلك؟ قال: اقرؤا إن شئتم الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً إلى
قوله تعالى الميعاد.
فأما نزول الآية: فقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال
في الهجرة ولا يذكر النساء بشيء، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
(١) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: ٩١، ومسند أبي يعلى: ٩ / ٦٦.
(٢) تفسير القرطبي: ٤ / ٣١٨، الصحاح: ١ / ٤٦.

٢٣٥
سورة آل عمران، الآيات: ١٨٧ - ١٩٥
قال: وقالت الأنصار: هي أول ظعينة قدمت علينا ﴿أني﴾ أي بأني أو لأني، نصب بنزع
الخافض ..
وقرأ عيسى بن عمر: (إني) بكسر الألف، كأنه أضمر القول أو جعل الإستجابة قولا .
﴿لا أضيع﴾ لا أحبط ولا أبطل ﴿عمل عامل منكم﴾ أيها المؤمنون ﴿من ذكر أو أنثى
بعضكم من بعض﴾ .
قال الكلبي: يعني من الدين والنصرة والموالاة، وقيل: حكم جميعكم في الثواب واحد،
وقيل: كلكم من آدم وحواء.
الضحاك: رجالكم بشكل نسائكم في الطاعة ونساؤكم بشكل رجالكم في الطاعة، نظيرها
قوله: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾(١).
﴿فالذين هاجروا وأُخرجوا من ديارهم وأُوذوا في سبيلي﴾ أي في طاعتي، وهم
المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة وآذوهم ﴿وقاتلوا وقتلوا﴾.
قرأ محارب بن دثار: (وقتلوا) بفتح القاف وقاتلوا .
وعن يزيد بن حازم قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقرأ: (وقتلوا وقتلوا) يعني أنهم قتلوا
من قتلوا من المشركين ثم قتلهم المشركون.
وقرأ أبو رجاء والحسن وطلحة: (وقاتلوا وقتِّلوا) مشدداً.
قال الحسن: يعني إنهم قطّعوا في المعركة.
وقرأ عاصم وأبو عبيد وأهل المدينة: (وقاتلوا وقتلوا) يريد أنهم قاتلوا ثم قتلوا.
وقرأ يحيى بن وثَّاب والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: (وقتلوا وقاتلوا) ولها وجهان:
أحدهما وقاتل من بقى منهم، تقول العرب: قتلنا بني تميم، وإنما قتلوا بعضهم. والوجه الآخر:
بإضمار (قد) أي وقتلوا وقد قاتلوا .
قال الشاعر:
تصابى وأمسى علاء الكبر (٢)
﴿الأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلّهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله﴾.
قال الكسائي: نصب (ثواباً) على القطع، وقال المبرد: مصدر ومعناه: لأتينهم ثواباً .
(١) سورة التوبة: ٧١.
(٢) تفسير القرطبي: ٤ / ٣١٩.

٢٣٦
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
﴿والله عنده حسن الثواب﴾.
عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ◌َّله يقول: ((إن الله عزّ وجلّ يدعوا يوم
القيامة بالجنة ويأتي بزخرفها وزينتها فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيل الله وأوذوا في
سبيلي وجاهدوا في سبيلي ادخلوا الجنة، فيدخلونها بغير حساب ولا عذاب، فتأتي الملائكة
فيسجدون ويقولون: ربّنا نسبح الليل والنهار ونقدس لك من هؤلاء الذين آثرتهم علينا، فيقول
الله عزّ وجلّ: هؤلاء عبادي الذين أوذوا في سبيلي، فيدخل عليهم الملائكة يقولون: سلام
عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار))(١) [٢١٧].
لَا يَغُرَّنَكَ تَغَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِىِ اَلْبِئْدِ (٢٦) مَتَيٌّ قَلِلُ ثُمَّ مَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمٌ وَيَنْسَ الِهَادُ
١١٩٧
لَكِنِ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّتٌ تَخْرِى مِن تَحْنَّهَا الْأَنْهَُ خَلِينَ فِيهَا نُزْلاً مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ
خَيْرٌ لِلْأَثْرَارِ (٦٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ
لَا يَشْتَرُونَ بِعَايَتِ اللَّهِ ثَمَنًا فَلِيلًا أُوْلَكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَ اللَّهَ شَرِيعُ الْحِسَابِ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَضْبِرُواْ وَصَائِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
﴿لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد﴾ نزلت في مشركي العرب، وذلك أنهم كانوا في
رخاء ولين من العيش وكانوا يتجرون ويتنعمون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما يرى
من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد، فنزلت هذه الآية .
وقال الفراء: كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال، فأنزل الله ﴿لا يغرنك﴾.
وقرأ يعقوب: (يغرنك) وأخواتها ساكنة النون.
وأنشد :
لا يغرنك عشاء ساكن
قد يوافى بالمنيات السحر
﴿تقلب الذين كفروا﴾: ضربهم وتصرفهم في البلاد للتجارات والبياعات وأنواع المكاسب
والمطالب، والخطاب للنبي ◌ّ والمراد به غيره، لأنه لم يغيّر لذلك.
قال قتادة في هذه الآية: والله ما غرّوا نبي الله ولا وكّل إليهم شيئاً من أمر الله تعالى حتى
قبضه الله على ذلك، نظيره قوله تعالى: ﴿فلا يغررك تقلبهم في البلاد﴾(٣)، ثم قال: ﴿متاع
قليل﴾ أي هو متاع قليل بُلغة فانية ومتعة زائلة، لأن كل ما هو فان فهو قليل.
(١) تفسير الطبري: ٤ / ٢٨٦.
(٢) راجع تفسير القرطبي: ٤ / ٣١٩.
(٣) سورة غافر: ٤.

٢٣٧
سورة آل عمران، الآيات: ١٩٦ - ٢٠٠
الأعمش عن عمارة عن يزيد بن معاوية النخعي قال: إن الدنيا جعلت قليلا فما بقى منه إلاّ
القليل من قليل.
روى سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن المستورد الفهري قال :
سمعت النبي ◌ّ﴾ يقول: ((ما الدنيا في الآخرة إلاّ مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليمّ، فلينظر بم
يرجع)) (١) [٢١٨].
وقال القر: ((ما الدنيا فيما مضى إلاّ كمثل ثوب شق باثنين وبقي خيط إلاّ وكان ذلك الخيط
قد انقطع))(٢) [٢١٩].
﴿ثم مأواهم﴾ مصيرهم ﴿جهنم وبئس المهاد * لكن الذين اتقوا ربّهم﴾ .
قرأ أبو جعفر: بتشديد النون، الباقون: بتخفيفه.
﴿لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا﴾.
قرأ الحسن والنخعي: (نزلاً) بتخفيف الزاي استثقالا لضمتين، وثقّله الآخرون، والنزل
الوظيفة المقدرة لوقت .
قال الكلبي: جزاءً وثواباً من عند الله، وهو نصب على التفسير، كما يقال: هو لك صدقه
وهو لك هبة، قاله الفراء.
وقيل: هو نصب على المصدر، أي انزلوا نزلا، وقيل: جعل ذلك نزلا .
﴿وما عند الله خير للأبرار﴾ من متاع الكفار.
الحسن عن أنس بن مالك قال: دخلت على رسول الله و له وهو على حصير مزمول
بالشريط، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، ودخل عليه عمر وناس من أصحابه فانحرف
النبي وَله انحرافة فرأى عمر (رضي الله عنه) أثر الشريط في جنبه فبكى، فقال له: ((ما يبكيك يا
عمر؟)) فقال عمر: ومالي لا أبكي وكسرى قيصر يعيشان فيما يعيشان فيها من الدنيا وأنت على
الحال الذي أرى.
فقال له النبي ◌ّلجر: ((يا عمر ألم ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة)) قال: بلى. قال:
((هو كذلك)) (٣) [٢٢٠].
﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله﴾ الآية، اختلفوا في نزولها:
(١) مسند أحمد: ٤ / ٢٢٩.
(٢) الجامع الصغير: ٢ / ٥٣٤ ح ٨١٦٦، كنز العمال: ٣ / ٢٣١ ح ٠٦٣٠١.
(٣) مسند أحمد: ٢ / ١٤٠.

٢٣٨
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
فقال جابر بن عبد الله وابن عباس وأنس وقتادة: نزلت في النجاشي ملك الحبشة . واسمه
أضحمة وهو بالعربية عطية . وذلك أنه لما مات نعاه جبرئيل لرسول الله في اليوم الذي مات فيه.
فقال رسول الله وَليه لأصحابه: ((أُخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم)).
قالوا: ومن هو؟ قال: ((النجاشي))، فخرج رسول الله وله إلى البقيع وكشف له من المدينة
إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي، وصلى عليه ركعتين وكبّر أربع تكبيرات واستغفر له،
وقال لأصحابه: ((استغفروا له)) [٢٢١].
فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على
دينه، فأنزل الله تعالى هذه الآية(١).
عطاء: نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران من بني الحرث بن كعب، وأثني وثلاثين من
أرض الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى فآمنوا بالنبي وَلّ .
ابن جريج وابن زيد: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، مجاهد: نزلت في مؤمني أهل
الكتاب كلهم.
﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أُنزل إليكم﴾ يعني القرآن ﴿وما أُنزل إليهم)
يعني التوراة والإنجيل ﴿خاشعين لله﴾ خاضعين متواضعين، وهو نصب على الحال والقطع ﴿لا
يشترون بآيات الله ثمناً قليلا﴾ يعني لا يحرّفون كتبهم ولا يكتمون صفة محمد لور لأجل المأكلة
والرئاسة، كما فعلت رؤساء اليهود ﴿أولئك لهم أجرهم عند ربّهم إن الله سريع الحساب * يا
أيها الذين آمنوا اصبروا﴾ .
قال الحسن: (اصبروا) على دينكم فلا تدعوه لشدة ولا رخاء ولا سرّاء ولا ضرّاء، قتادة:
(اصبروا) على طاعة الله، الضحاك ومقاتل بن سليمان: (اصبروا) على أمر الله عزّ وجلّ، مقاتل
ابن حيان: (اصبروا) على فرائض الله، زيد بن أسلم: على الجهاد، الكلبي: على البلاء.
قالت الحكماء: الصبر ثلاثة أشياء: ترك الشكوى، وصدق الرضا، وقبول القضاء. وقيل:
الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنّة.
﴿وصابروا﴾ يعني الكفار، قاله أكثر المفسرين.
قال عطاء والقرظي: (وصابروا) الوعد الذي وعدكم، ﴿ورابطوا﴾ يعني المشركين، وأصل
الرباط أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم، ثم قيل ذلك لكل مقيم في ثغر يدفع عمّن وراءه
وإن لم يكن له مركب، قال الله تعالى: ﴿ومن رباط الخيل﴾(٢).
(١) أسباب النزول الواحدي: ٩٣ ومسند أحمد: ٢ / ٢٦٩.
(٢) سورة الأنفال: ٦٠ .

٢٣٩
سورة آل عمران، الآيات: ١٩٦ - ٢٠٠
قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا حامد [الخازرنجي] يقول:
المرابطة اعتقال المبارزين في الحرب، وأصل الربط الشد، ومنه قيل للخيل: الرباط، ويقال:
فلان رابط الجأش، أي قوي القلب.
قال لبید :
رابط الجأش على كل وجل(١)
قال عبيد: داوموا واثبتوا .
عن سمط بن عبد الله البجلي عن سلمان الفارسي: أنهم كانوا في جند المسلمين،
فأصابهم ضرّ وحصر فقال سلمان لصاحب الخيل: ألا أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله وليه
فيكون لك عوناً على الجند، سمعت رسول الله وَ له يقول: ((من رابط يوماً أو ليلة في سبيل الله
كان عدل صيام شهر وصلاته الذي لا يفطر ولا ينصرف من صلاة إلاّ لحاجة، ومن مات مرابطاً
في سبيل الله أجرى الله له أجرة حتى يقضي بين أهل الجنة وأهل النار))(٢) [٢٢٢].
الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: سمعت رسول الله وَل يقول: ((من رابط يوماً في
سبيل الله جعل الله عزّ وجلّ بينه وبين النار سبعة خنادق، كل خندق منها كسبع سماوات وسبع
أرضين))(٣) [٢٢٣].
وفيه قول آخر وهو ما روى مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير عن عبد الله بن صالح
قال: قال لي سلمة بن عبد الرحمن: يابن أخي هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية ﴿اصبروا
وصابروا ورابطوا﴾؟ قال: قلت: لا. قال: إنه يابن أخي لم يكن في زمان النبي وَّل غزو يرابط
فيه، ولكنّه انتظار الصلاة خلف الصلاة. ودليل هذا التأويل ما روى العلاء بن عبد الرحمن عن
أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه وَلجر: ((ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به
الدرجات)» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ((اسباغ الوضوء عند المكاره وكثرة الخطى إلى
المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط)» (٤) [٢٢٤].
وقال أصحاب اللسان في هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا﴾ عند صيام النفس على
احتمال الكرب ﴿وصابروا﴾ على مقابلة العناء والتعب ﴿ورابطوا﴾ في دار أعدائي بلا هرب.
﴿واتقوا الله﴾ بهمومكم من الألتفات إلى السبب ﴿لعلكم تفلحون﴾ غداً بلقائي على بساط
الطرب.
(١) الصحاح: ٢ / ٤٨٢.
(٢) المصنف لابن أبي شيبة: ٤ / ٥٩٠. وكنز العمال: ٤ / ٢٣٢٧ باختلاف.
(٣) تحفة الأحوذي: ٥ / ٢٠٧، مجمع الزوائد: ٥ / ٢٨٩.
(٤) تفسير الطبري: ٤ / ٢٩٣، والسنن الكبرى: ٢ / ٦٢، وتفسير القرطبي: ٤ / ٣٢٣.

٢٤٠
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
السري السقطي: اصبروا على الدنيا، رجاء السلامة (وصابروا) عند القتال بالبينات
والاستقامة (ورابطوا) هو النفس اللوامة (واتقوا) ما يعقب لكم الندامة (لعلكم تفلحون) غداً على
بساط الكرامة. وقيل: (اصبروا) على بلائي (وصابروا) على نعمائي (ورابطوا) في دار أعدائي
(واتقوا) محبة من سواي (لكلكم تفلحون) غداً بلقائي. وقيل: (اصبروا) على الدنيا (وصابروا)
على البأساء والضراء (ورابطوا) في دار الأعداء (واتقوا) إله الأرض والسماء (لعلكم تفلحون)
في دار البقاء.
-