Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
سورة آل عمران، الآيات: ٥٥ - ٦٤
فقال كعب والحسن والكلبي ومطر الوراق(١) ومحمد بن جعفر بن الزبير وابن جريج وابن
زید: معناه: إنّي قابضك.
ورافعك: من الدنيا .
﴿إليَّ﴾: من غير موت، يدلّ عليه قوله ﴿فلمّا توفّيتني﴾ أي قبضتني إلى السماء وأنا حيّ؛
لأنّ قومه إنّما تنصّروا بعد رفعه لا بعد موته. وعلى هذا القول للتوفّي تأويلان:
أحدهما: إنّي رافعك إليّ وافياً لن ينالوا منك. من قولهم: توقّيت كذا واستوفيته أي أخذته
تامّاً .
والآخر: إنّي مسلّمك، من قولهم: توفيت منه كذا أي سلّمته. وقال الربيع بن أنس:
معناه أنّي منيمك ورافعك إليّ من قومك، يدل عليه قوله: ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل﴾(٢): أي
ينيمكم ؛ لأنّ النوم أخو الموت، وقوله ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت فى
منامها﴾ (٣)
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: إنّي مميتكم، يدلّ عليه: ﴿قل يتوفّكم ملك
الموت﴾(٤)، وقوله ﴿وإمَّا نريّك بعض الذي نعدهم أو نتوفينّك﴾(٥) وله على هذا القول
تأويلان:
أحدهما: ما قال وهب: توفّى اللّه عيسى ثلاث ساعات من النهار ثم أحياه ورفعهُ.
والآخر: ما قاله الضحّاك وجماعة من أهل المعاني: إنّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، معناه إنّي
رافعك إليّ .
﴿ومطهّرك من الذين كفروا﴾: ومتوفّيك بعد إنزالك من السماء كقوله عز وجّل: ﴿ولولا
كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً وأجل مسمىٍّ﴾ (٦).
وقال الشاعر :
عليك ورحمةُ اللّهِ السّلام(٧)
ألا يا نخلةً من ذات عرق
أي عليك السلام ورحمة الله.
(١) وهو أبو بكر الوراق.
(٢) سورة الأنعام: ٦٠.
(٣) سورة الزمر: ٤٢ .
(٤) سورة السجدة: ١١.
(٥) سورة يونس: ٤٦.
(٦) سورة طه: ١٢٩.
(٧) معاني القرآن للنحاس: ١ / ٤٠٠، تفسير القرطبي: ٤ / ١٠٠.

٨٢
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وقال آخر:
ثلاث خصال لسن من ترعوي
جمعت وعيباً نخوة ونميمة
أي جمعت نخوة ونميمة وعيباً.
وروى أبو هريرة عن النّ وَلّ قال: ((الأنبياء إخوة لعلات شتى ودينهم واحد، وأنا أولى
النّاس بعيسى بن مريم ؛ لأنّه لم يكن بيني وبينه نبّي، وإنّه عامل على أُمّتي وخليفتي عليهم، إذا
رأيتموه فاعرفوه فإنّه رجل مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الشعر كأن شعره ممطر وإن لم
يصبه بلل، بين ممصّرتين يدقّ الصليب ويقتل الخنزير ويفيض المال، وليسلكنّ الروحاء حاجّاً أو
معتمراً أو كلتيهما جميعاً، ويقاتل النّاس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملك كلها
ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذّاب الدجّال، ويقع في الأرض الأمنة حتى يرتع الأسود
مع الإبل، والتمور مع البقر، والذئاب مع الأغنام، ويلعب الصبيان بالحيّات لا يضرّ بعضهم
بعضاً، ويلبث في الأرض أربعين سنة)) [٥٦](١).
وفي رواية كعب: ((أربعاً وعشرين سنة، ثم يتزوج ويولد، ثم يتوفى ويصلي المسلمون عليه
ويدفنونه في حجرة النبيّ وَِّر)) [٥٧](٢).
وقيل للحسن بن الفضل: هل تجد نزول عيسى (عليه السلام) في القرآن. فقال: نعم.
قوله: ﴿وكهلاً﴾، وهو لم يكتهل في الدنيا، وإنّما معناه ﴿وكهلاً﴾ بعد نزوله من السماء.
وعن محمد بن إبراهيم أنّ أمير المؤمنين أبا جعفر حدّثه عن الآية عن ابن عباس قال: قال
رسول اللّه وَ ليل: ((كيف تهلك أمّة أنا في أوّلها وعيسى في آخرها والمهدي من أهل بيتي في
أوسطها))(٣) [٥٨].
وقال أبو بكر محمد بن موسى الواسطي: معناه أنّي متوفّيك عن شهواتك وخطوط نفسك،
ولقد أحسن فيما قال لأنّ عيسى لمّا رُفع إلى السّماء صار حاله كحال الملائكة.
﴿ورافعك إليَّ﴾: قال البشالي والشيباني: كان عيسى على [ .... ](٤) فهبّت ريح فهرول
عيسى (عليه السلام) فرفعه اللّه عز وجّل في هرولته، وعليه مدرعة من الشعر.
قال ابن عباس: ما لبس موسى إلا الصوف وما لبس عيسى إلا الشعر حتى رفع.
(١) تفسير الطبري: ٣ / ٣٩٦، الدر المنثور: ٢ / ٢٤٢ بتفاوت.
(٢) تفسير الطبري: ٣ / ٣٩٦ بتفاوت.
(٣) كنز العمال: ١٤ / ٢٦٩ ح ٣٨٦٨٢.
(٤) كلمة غير مقروءة في المخطوط.

٨٣
سورة آل عمران: ٥٥ - ٦٤
وقال ابن عمر: رأينا النبي ◌َّر يتبسم في الطواف فقيل له في ذلك. فقال: استقبلني عيسى
في الطواف ومعه ملكان.
وقيل: معناه رافعك بالدرجة في الجنّة ومقرّبك إلى الأكرام ﴿ومطهّرك من الذين كفروا﴾:
أي مخرجك من بينهم ومُنجيك منهم.
وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة﴾: قتادة والربيع والشعبي ومقاتل
والكلبي: هم أهل الإسلام الذين اتّبعوا دينه وسنّته من أُمّة محمّد ؛ فوالله ما اتّبعه من دعاه رباً
﴿فوق الذين كفروا﴾: ظاهرين مجاهرين بالعزة والمنعة والدليل والحجة.
الضحّاك ومحمد بن أبان: يعني الحواريّين فوق الذين كفروا، وقيل: هم الرّوم.
وقال ابن زيد: وجاعل النّصارى فوق اليهود. فليس بلد فيه أحد من النّصارى إلا وهم
فوق اليهود، واليهود مستذلّون مقهورون، وعلى هذين القولين يكون معنى الإتّباع الإدعاء
والمحبة لا اتّباع الدّين والملّة.
﴿ثم إلّي مرجعكم﴾ في الآخرة.
﴿فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون﴾: من الدين وأمر عيسى (عليه السلام).
﴿فأما الذين كفروا فأُعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا﴾: بالقتل والسّبي والذّلّة والجزية
﴿والآخرة﴾: بالنار.
﴿وما لهم من ناصرين﴾.
﴿وأما الذّين آمنوا وعملوا الصّالحات فيوفيهم أجورهم﴾: قرأ الحسن وحفص ويونس:
بالياء، والباقون بالنون.
﴿والله لا يحب الظالمين﴾.
﴿ذلك﴾ : أي هذا الذي ذكرته.
﴿نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم﴾.
قال النبي ◌َّر: هو القرآن.
وقيل: هو اللوح المحفوظ، وهو معلّق بالعرش في درّة بيضاء، والحكيم: هو الحكم من
الباطل.
قال مقاتل: ﴿إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم) الآية: وذلك أنّ وفد نجران قالوا: يا
رسول الله مالك تشتم صاحبنا؟ قال: وما أقول؟ قالوا: تقول إنّه عبد؟ قال: أجل هو عبد الله
ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول. فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟ فإن
كنت صادقاً فأرنا مثله؟ فأنزل اللّه عز وجّل ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ﴾ في كونه خلقاً من غير أب

٨٤
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
﴿كمثل آدم﴾ في كونه خلقاً من غير أب ولا أم ﴿خلقهُ من تراب﴾: تم الكلام.
﴿ثم قال له﴾: يعني لعيسى.
﴿کن فيكون﴾ : يعني فكان.
﴿الحق من ربّك﴾ .
قال الفرّاء: رفع لخبر ابتداء مضمر يعني هو الحق أي هذا الحق. وقال أبو عبيدة: هو
استئناف بعد انقضاء الكلام وخبره في قوله: ﴿من ربّك﴾، وقيل بإضمار فعل أي حال الحق،
وإن شئت رفعته بالضمّة ونويت تقديماً وتأخيراً تقديره من ربّك الحق كقولهم: منك يدك ، وإن
کان مثلاً .
﴿فلا تكن من الممترين﴾ الخطاب للنبي ◌ّ والمراد أُمّته لأنّه لم يكن ينهاه في أمر
عیسى .
﴿فمن حاجّك﴾: خاصمك وجادلك بأمر یا محمد.
﴿فيه﴾: في عیسی.
﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾: بأنه عبد الله ورسوله.
﴿فقل تعالوا﴾: قرأ الحسن وأبو واقد الليثي وأبو السمّاك العدوي: ﴿تعالوا﴾ بضم اللام،
وقرأ الباقون بفتحها و الأصل فيه تعاليوا لأنّه تفاعلوا من العلو فاستثقلت الضّمة على الياء
فسكنت ثم حذفت وبقيت [اللام على محلّها وهي عين الفعل](١) ضم فإنّه نقل حركة الياء
المحذوفة التي هي لام الفعل إلى اللام.
قال الفرّاء: معنى تعال كأنّه يقول ارتفع.
﴿ندعُ﴾: جزم لجواب الأمر وعلامة الجزم فيه سقوط الواو.
﴿أبنائنا وأبنائكم ونسائنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم﴾: وقيل: أراد نفوسهم، وقيل: أراد
الأزواج.
﴿ثمّ نبتهل﴾: نتضرّع في الدّعاء. قاله ابن عباس.
مقاتل: نخلص في الدعاء.
الكلبي: نجهد ونبالغ في الدّعاء. الكسائي وأبو عبيدة: نلتعن بقول: لعن اللّه الكاذب منّا،
يقال: عليه بهلة اللّه، وبهلته: أي لعنته.
قال لبيد: في قدوم سادة من قولهم نظر الدهر إليهم فابتهل.
(١) سقط في أصل المخطوط.

٨٥
سورة آل عمران، الآيات: ٥٥ - ٦٤
﴿فنجعل﴾: عطف على قوله: نبتهل.
﴿لعنة الله﴾: مصدر. ﴿على الكاذبين): منّا ومنكم في أمر عيسى، فلمّا قرأ رسول
اللّه ◌َل﴾ هذه الآية على وفد نجران ودعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر في أمرنا ثمّ
نأتيك غداً. فخلا بعضهم ببعض، فقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ماترى؟ فقال:
واللّه يا معشر النّصارى لقد عرفتم أنّ محمداً نبيّ مرسل ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم،
واللّه ما لاعن قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن نعلم ذلك لنهلكنّ. فإن رأيتم
إلّ البقاء لدينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرّجل وانصرفوا إلى
بلادكم، فأتوا رسول اللّه وَليل وقد غدا رسول الله محتضناً الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة
تمشي خلفه وعلي (رضي الله عنه) خلفها وهو يقول لهم: إذا أنا دعوت فأمّنوا.
فقال أسقف نجران: يا معشر النّصارى إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا اللّه أن يزيل جبلاً من
مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. فقالوا: يا
أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك، وأن نتركك على دينك ونثبت على ديننا. فقال رسول اللّه وال﴾
فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكُن لكم ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم. فأبوا. قال: فإنّي أُنابذكم
بالحرب. فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة ولكنّا نصالحك على أن لا تغزونا ولا تُخيفنا ولا
تردّنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي سكّة ألفاً في صفر وألفاً في رجب. فصالحهم
رسول اللّه ◌َسجل على ذلك. وقال: والذي نفسي بيده إنّ العذاب قد نزل في أهل نجران ولو
تلاعنوا لمُسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولا ستأصل اللّه نجران وأهله حتّى
الطير على الشجر ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا(١). قال اللّه تعالى:
﴿إنّ هذا لهو القصصُ الحق﴾ إلى ﴿فإن تولوا﴾: أعرضوا عن الإيمان.
﴿فإن الله عليم بالمفسدين): الذّين يعبدون غير اللّه ويدعون النّاس إلى عبادة غيره.
﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) الآية.
قال المفسرون: قدم وفد نجران المدينة فالتقوا مع اليهود فاختصموا في إبراهيم فأتاهم
النبي ولو فقالوا: يا محمد إنّا اختلفنا في إبراهيم ودينه فزعمت النصارى أنّه كان نصرانياً وهم
على دينه وأولى النّاس به. وقالت اليهود: بل كان يهودياً وأنّهم على دينه وأولى النّاس به. فقال
لهم رسول اللّه ◌َل: كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه بل كان إبراهيم حنيفاً وأنا على دينه
فأتبعوا دينه الإسلام. فقالت اليهود: يا محمد ما تريد إلا أن نتّخذك رباً كما اتخذت النصارى
عيسى رباً. وقالت النصارى: والله يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير.
(١) الدر المنثور: ٣٩/٢، والفصول المهمة: ٢٣ - ٢٥.

٨٦
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
فأنزل الله تعالى ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء﴾ عدل ﴿بيننا وبينكم﴾ وكذلك كان
يقولها ابن مسعود قال: دعا فلان إلى السّواء أي إلى النصف، وسواء كل شيء وسطه. قال الله
﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾(١)، وإنّما قيل للنصف سواء لأن أعدل الامور وأفضلها أوسطها.
وسواء نعت للكلمة إلا أنّه مصدر والمصادر لا تثنّى ولا تجمع ولا تؤنث. فإذا فتحت السين
مّت، وإذا كسرت أو ضُمّت قصرت. كقوله عز وجل: ﴿مَكَاناً سُوىٍ﴾(٢): أي مستو به ثم فسّر
الكلمة فقال: ﴿ألّ نعبد إلّ الله﴾: محل (أن) رفع على إضمار هي (٣).
قال الزجاج: محلّه رفع [بمعنى أنه لا نعبد](٤)، وقيل: محله نصب بنزع حرف الصفة
معناه: بأن لا نعبد إلا الله.
وقيل: محله خفض بدلاً من الكلمة أي تعالوا أن لا نعبد إلاّ اللّه.
﴿ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله﴾: كما فعلت اليهود
والنصارى. قال الله: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾. قال عكرمة: هو سجود
بعضهم لبعض .
وقيل معناه: لا تطع في المعاصي أحداً، وفي الخبر من أطاع مخلوقاً في معصية الله
فكأنّما سجد سجدة لغيره.
﴿فإن تولوا فقولوا﴾: أنتم لهم ﴿اشهدوا بأنّا مسلمون﴾: مخلصون بالتوحيد، وكتب
رسول اللّه وَ ليل هذه الآية إلى قيصر وملوك الروم، ((من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم ...
سلام على من اتبع الهدى.
((أما بعد .... فإنّي أدعوك إلى الإسلام أسلم تسلم. أسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن
توليت فلن تملكوا إلا أربع سنين، فإن توليت فعليك إثم الاريسيين، يا أهل الكتاب ﴿تعالوا إلى
كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ الآية)) [٥٩](٥).
◌ُأهلَ الْمُهْتَب لِمْ تُسَاجُتَ فَ ارَعِيمَ وَمَّ أُولَتِ النَّوْزَنَةُ وَالْإِنجِيلِ إِلََّ مِنْ بَعْدِهُ أَ لَمْوَأُوََّّ
(٥٥ قَأَ مَالَّةٍ حَمَسْتُمْ فِيْمَا لَكُمْ بِهِ، عِلَّ فَلْ تُعَلَُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَّمْ بِهِ بِلْمُّ وَأَنَهُ بَعْلَمُ وَّمْ لَا
◌َكُونَ (١) قَ تَّ إِلَّهُِ بَيْرِينَ وَلَّ ◌َعْرَّتَّ وَلَكِر ◌َتَ حَبِيِفًا مُسْلِمًا وَمَّا كَانَ مِنَ الْمُشْرَكِنَ (َ إِنَّ
أَوْنُ أَنَّاسِ بِإِزْهِيمُ لَِّنَّ الْبَعْرُ وَذَا الْبِىُّ وَأَرْفَ مَنُواْ وَلَّهُ وَنَّ الْمُؤْمِنِينَ (١) وَذَت ◌َطَابِفَهُ مِّنْ أَهْلِ
(١) سورة الصافات: ٥٥.
(٢) سورة طه: ٥٨ .
(٣) التقدير: هي أن لا نعبد إلاّ الله، وقيل موضع ((أن)) خفض على البدل من ((كلمة)).
(٤) تفسير القرطبي: ٤ / ١٠٦.
(٥) مسند أحمد: ١ / ٢٦٣، صحيح البخاري: ١ / ٦، كنز العمال: ٤ / ٣٨٤ ح ١٠٠٣٥.

٨٧
سورة آل عمران، الآيات: ٦٥ - ٧٤
الْكِتَبِ أَ سُِلَزْ وَمَا بُبِكُونَ إِلَّ أَنْنَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٨َ) إِنَأَهْلَ الْكِتَبِ لَمْ تَكْتُوَ كَانَتْ
أنَّهِ وَأَنُ نَتْهَدُونَ (٣) كَأَهْلَ الْكِتْبِ لِمْ تَلْبِسُوَ أَلَعَلَّ الْتَطِلِ وَتَخْلُونَ أَلَّ وَأَهُمْ تَنْكَمُونَ (بَ)
وَذَك ◌َبِقَةُ فِنْ أَمْلِ الْكِتَّبِ مَهُّ ◌َلَّذِىْ أُولَ عَلَ اَلِّفَ مَامَنُواْ وَبَّهَ أَّهَارِ وَأَكْفُوَأَ بََرَهُ لَعَلَّهُمْ بِِّعُونَ
﴿ وَلَّا تُؤْمِنُواْ إِلَّا ◌ِسَ ذَبَعَّ بِيَشْكُرِ قُلْ إِنَّ أَلَّهُنَعَ هُدَى اللَّهِ أَ يُؤْنَ أَحَدٌ مِثْقَ مَ أُرِبَهُمْ أَوْ بَُّّ ◌ِنَّ
رَبِكُمْ قل إنّ النَسَلَ نَّهِ أَنَوِ لؤيِهِ مَن بَدَهُ وَلَهُ رَبِعُ عَذِهُ وَ ذَكَاسُ وَحْمَتِهِ مَن يَتَاهُ وَاللهُ أُو
الفضل الكبير (40)
﴿يا أهل الكتاب لِمَ تُحاجّون في إبراهيم﴾: وتزعمون أنه كان على دينكم اليهودية
والنصرانية، وقد حدثت اليهودية بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل.
﴿وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده﴾: بعد مهلك إبراهيم بزمان طويل، وكان بين
إبراهيم وموسى ألف سنة وبين موسى وعيسى ألفا سنة.
﴿أفلا تعقلون﴾: بعرض حجّتكم وبطلان قولكم.
﴿ها أنتم﴾: قرأه أهل المدينة بغير همز ولا مدّ إلا بقدر خروج الألف الساكنة، وقرأ أهل
مكّة مهموزاً مقصوراً على وزن هعنتم، وقرأ أهل الكوفة بالمدّ والهمز، وقرأ الباقون بالمدّ دون
الهمز.
واختلفوا في أصله فقال بعضهم: أصله أنتم والهاء تنبيهاً. وقال الأخفش: أصله أأنتم
فقلبت الهمزة الأولى هاء كقولهم: حرقت وأرقت.
﴿هؤلاءِ﴾: مبني على الكسر، وأصله أولاء فدخلت عليه هاء التنبيه، وفيه لغتان: القصر
والمد، ومن العرب من بعضها .
أنشد أبو حازم(١):
(٢)
لفى محنة أطفالها لم تفطم
العمرك أنا والأحاليف هؤلا
وهؤلاء ها ههنا في موضع النداء يعني يا هؤلاء.
﴿حاججتم فيما لكم به علم﴾: يعني في أمر محمد، لأنهم كانوا يعلمونه مما يجدون من
نعته في کتابهم فحاجّوا به بالباطل.
﴿فلم تُحاجّون فيما ليس لكم به علم﴾: من حديث إبراهيم فليس في كتابكم أنّه كان
يهودياً أو نصرانياً .
(١) في المصدر: حاتم.
(٢) تفسير الطبري: ٤ / ١٠٨ وفيه: أظفارها لم تقلم.

٨٨
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾: نزّه إبراهيم (عليه السلام) وبرّأه من ادعائهم فقال:
﴿ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً﴾: فالحنيف الذّي يوحّد
ويحج ويُضحّي ويختن ويستقبل القبلة وهو أسهل الأديان وأحبّها إلى اللّه وأهله أكرم الخلق على
الله .
﴿وما كان من المشركين﴾ ﴿إنّ أولى النّاس بإبراهيم للذين اتبعوه﴾:
قال ابن عباس: قال رؤساء اليهود: والله يا محمد لقد علمت أنّا أولى بدين إبراهيم منك
ومن غيرك، وأنّه كان يهودياً وما بك إلاّ الحسد لنا، فأنزل اللّه هذه الآية (١).
روى محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف عن
أصحاب رسول اللّه ◌َ * ويونس بن بكير عن محمد بن اسحاق رفعه. دخل حديث بعضهم في
بعض. قالوا: لما هاجر رسول اللّه ◌َلل إلى المدينة، وكان من أمر بدر ما كان اجتمعت قريش
في دار الندوة، وقالوا: إنّ لنا في الذّين عند النجاشي من أصحاب محمد ثأراً بمن قتل منكم
بيدر. فاجمعوا مالاً وهدوه إلى النجاشي لعلّهُ يدفع إليكم من عنده من قومكم، ولينتدب لذلك
رجلان من ذوي آرائكم.
فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط بالهدايا، الأدُم وغيره. فركبا البحر وأتيا
الحبشة ؛ فلمّا دخلا على النجاشي سجدا له، وسلّما عليه وقالا له: إنّ قومنا لك ناصحون
شاكرون ولصلاحك محبّون، وإنّهم بعثونا إليك ؛ لنحذّرك هؤلاء القوم الذّين قدموا عليك لأنّهم
قوم رجل كذّاب خرج فينا فزعم أنّه رسول اللّه، ولم يبايعه أحد منّا إلا السفهاء وإنّا كنّا قد ضيّقنا
عليهم الأمر. وألجأناهم إلى شعب أرضنا لا يدخل إليهم أحد. ولا يخرج منهم أحد. قد قتلهم
الجوع والعطش. فلما اشتد عليه الأمر. بعث إليك ابن عم له ليفسد عليك دينك وملكك
ورعيّتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكهم. قالوا: وآية ذلك أنّهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون
لك ولا يحيونك بالتحية التي يحييك بها النّاس رغبة عن دينك وسنّتك.
قال: فدعاهم النّجاشي فلمّا حضروا صاح جعفر بالباب: يستأذن عليك حزب الله. فقال
النّجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه. ففعل جعفر. فقال النجاشي: نعم فليدخلوا بأمان اللّه
وذمّته. فنظر عمرو بن العاص إلى صاحبه. فقال: ألا تسمع كيف يدخلون بحزب اللّه وما أجابهم
النجاشي. فساءهما ذلك، ثم دخلوا عليه ولم يسجدوا له.
فقال عمرو: ألا ترى إنّهم يستكبرون أن يسجدوا لك. فقال لهم النّجاشي: ما منعكم ألاّ
تسجدوا لي وتحيوّني بالتحيّة التي يُحييّني بها من أتى من الآفاق. قالوا: نسجد لله الذّي خلقك
(١) أسباب النزول للواحدي: ٦٨.

٨٩
سورة آل عمران، الآيات: ٦٥ - ٧٤
وملكك -قال- وإنما كان للملك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان. فبعث اللّه فينا نبياً صادقاً،
وأمرنا بالتحية التي رضيها اللّه لنا. وهو السلام تحية أهل الجنّة. فعرف النّجاشي أن ذلك حق
فيما جاء في التوراة والانجيل. قال: أيّكم الهاتف: يستأذن عليك حزب الله؟ قال جعفر: أنا.
قال: تكلّم. قال: إنّك ملك من ملوك أهل الأرض ومن أهل الكتاب ولا يصلح عندك كثرة
الكلام ولا الظلم، وأنا أُحبّ أن أُجيب عن أصحابي فمن هذين الرّجلين أن يتكلّم أحدُهما
وينصت الآخر. فتسمع محاورتنا. فقال عمرو لجعفر: تكلّم.
فقال جعفر للنجاشي: سل هذين الرجلين. أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كنّا عبيداً أبقنا من
أربابنا فارددنا إليهم. فقال النجاشي: أعبيد هم يا عمرو أم أحرار؟ قال: لا، بل أحرار كرام.
فقال النجاشي: نجّوا من العبودية، ثم قال جعفر: سلهما هل أهرقنا دماً بغير حق ؟ فاقتصّ منّا .
فقال عمرو: لا ولا قطرة. فقال جعفر: سلهما هل أخذنا أموال النّاس بغير حق فعلينا إيفاؤها.
فقال النّجاشي: قل يا عمرو. وإن كان قنطاراً. فعليّ قضاؤه قال: لا ولا قيراط. قال
النّجاشي: فما تطلبون منهم؟ قال عمرو: كنّا وهم على دين واحد وأمر واحد على دين آبائنا،
وتركوا ذلك الدين واتبعوا غيره. ولزمناه نحن فبعثنا إليك قومهم لتدفعهم إلينا .
فقال النجاشي: ما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الذّي اتبعتموه؟ قال جعفر: أمّا الدين
الذي كنّا عليه فتركناه فهو دين الشيطان وأمره. كنّا نكفر بالله ونعبد الحجارة. وأما الذي تحولنا
إليه فدين الإسلام جاءنا به من اللّه رسول وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقاً له. فقال النجاشي:
يا جعفر تكلّمت بأمر عظيم فعلى رسلك. فأمر النجاشي فضرب بالناقوس. فاجتمع إليه كل
قسّيس وراهب. فلمّا اجتمعوا عنده قال النّجاشي: أُنشدكم اللّه الذي أنزل الإنجيل على عيسى.
هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيّاً مرسلاً؟ فقالوا: اللهم نعم. قد بشرّنا به عيسى (عليه
السلام) فقال: من آمن به فقد آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي. فقال النجاشي لجعفر: هيه: أي
هات ماذا يقول لكم هذا الرّجل؟ وما يأمركم به؟ وما ينهاكم عنه؟ فقالوا: يقرأ علينا كتاب اللّه،
ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويأمر بحسن الجوار، وصلة الرحم، ويأمر للوالدين
واليتيم، ويأمر بأن نعبد اللّه وحده لا شريك له. فقال: إقرأ عليّ شيئاً ممّا يقرأ عليكم. فقرأ
عليهم سورة العنكبوت والرّوم. فغاضت أعين النّجاشي وأصحابه من الدمع. وقالوا: يا جعفر
زدنا من هذا الحديث الطيب. فقرأ عليهم سورة الكهف. فأراد عمرو أن يغضب النّجاشي.
فقال: إنّهم يشتمون عيسى وأُمّه. فقال النّجاشي: ما تقولون في هذا؟ فقرأ جعفر عليهم سورة
مريم فلما أتى على ذكر مريم وعيسى رفع النّجاشي نفسه من سواكه قدر ما يقذي العين وقال: ما
زاد المسيح على ما يقولون.
ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال: إذهبوا فأنتم سيوم بأرضي يقول آمنون مَنْ سبّكم أو

٩٠
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
آذاكم غرّم، ثم قال: أبشروا ولا تخافوا فلا دهورة اليوم على حزب إبراهيم (عليه السلام) قال
عمرو للنّجاشي: ومن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرّهط وصاحبهم الذي جاءوا من عنده ومن
اتبعه، ولكنكم أنتم المشركون.
ثم ردّ النّجاشي على عمرو وأصحابه المال الذّي حملوه، وقال: إنّما هديّتكم رشوة إلي.
فاقبضوها، ولكنّ اللّه ملّكني ولم يأخذ مني رشوة. قال جعفر: فانصرفنا فكنّا في خير دار،
وأكرم بلدٍ وأنزل اللّه ذلك اليوم في خصومتهم على رسوله وهو في المدينة(١) ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ
بِيْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبِعُوهُ﴾: على مثله.
﴿وهذا النّ﴾: يعني محمداً وَلّر: ﴿والذين آمنوا والله ولىّ المؤمنين﴾.
روى مسروق عن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه وَاليه: (لكلّ نبي ولاء من النبيّين وإنّ وليّي
منهم أبي وخليل ربّي ثم قرأ الآية ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ﴾ ... )) [٦٠].
﴿ودّت): تمّنت.
﴿طائفةٌ من أهل الكتاب .... ) الآية: نزلت في معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وعمّار
ابن ياسر حين دعاهم اليهود إلى دينهم، قد مضت هذه القصة في سورة البقرة.
﴿وَدّت﴾: تمّنت. ﴿طائفة﴾: جماعة من أهل الكتاب يعني اليهود.
﴿لو يُضّلونكم﴾: يزّلونكم عن دينكم ويردّوكم إلى الكفر. وقال ابن جرير: يهلكونكم
كقول الأخطل يهجو جرير بن عطية:
كنت القذى في موج أكدر مزيد
قذف الآتي به فضّل ضلالا(٢)
أي هلك هلاكاً .
﴿وما يُضّلون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾.
﴿يا أهل الكتاب﴾: يعني اليهود والنّصارى. ﴿لِمَ تكفرون بآيات الله﴾: يعني القرآن وبيان
نعت محمد دَ﴾
.
﴿وأنتم تشهدون﴾: إنّ نعته مذكور في التوراة والإنجيل.
﴿يا أهل الكتاب لم تلبسون﴾: تخلطون ﴿الحقّ بالباطل﴾: الإسلام باليهوديّة والنصرانيّة.
وقال ابن زيد: التوراة التّي أنزل اللّه على موسى بالباطل الذّي غيّرتموه، وحرّفتموه،
وضيعتموه، و کتبتموه بأیدیکم.
(١) أسباب النزول للواحدي: ٧١.
(٢) تفسير الطبري: ١ / ٦٨.

٩١
سورة آل عمران، الآيات: ٦٥ - ٧٤
﴿وتكتمون الحقّ وأنتم تعلمون﴾: أنّ محمداً رسول الله ودینه حقّ.
وقرأ أبو مجلز: تلبّسون بالتشديد. وقرأ حسن بن عمير: تلبسوا وتكتموا بغير نون ولا وجه
له.
﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذّي أُنزل على الذّين آمنوا﴾: الآية.
قال الحسن والسّدي: تواطأ إثنا عشر حبراً من يهود خيبر وقرى عربية، وقال بعضهم
لبعض: أُدخلوا دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا آخر النهار وقولوا: إنّا
نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك، وظهر لنا كذبه وبطلان دينه ؛ فإذا
فعلتم ذلك شكّ أصحابه في دينهم، وقالوا: إنّهم أهل الكتاب وهم أعلم به منّا فيرجعون عن
دينهم إلى دينكم، وقالوا: إنّهم أهل.
وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: هذا في تبيان القبلة لما صُرفت إلى الكعبة. فشقّ ذلك على
اليهود لمخالفتهم. فقال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بالذّي أُنزل على محمد من أمر
الكعبة، وصلّوا إليها أول النّهار ثمّ اكفروا آخر النّهار، وارجعوا إلى قبلتكم الصّخرة لعلّهم
يقولون أهل الكتاب هم أعلم منّا فيرجعون إلى قبلتنا، فحذّر اللّه نبيّه مكر هؤلاء وأطلعه على
سرّهم. فأنزل: ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذّي أُنزل على الذّين آمنوا﴾
﴿وجه النّهار﴾: أوّله وسّمى الوجه وجهاً لأنّه أحسنه، وأول ما يواجه به الناظر فيرى،
ويقال لأول الشیب وجهه ..
قال الربيع بن زياد :
فليأتِ نسوتنا بوجه نهار (١)
من كان مسروراً بمقتل مالك
﴿واكفروا آخره لعلهم﴾: يشكّون. ﴿يرجعون﴾: عن دينهم. ﴿ولا تؤمنوا﴾: ولا
تصّدقوا .
﴿إلا من تبع دينكم﴾: هذا من كلام اليهود أيضاً بعضهم لبعض ولا تؤمنوا ولا تصدّقوا
إلا من تبع دينكم أي وافق ملّتكم وصلّى إلى قبلتكم واللام في قوله ﴿لمن﴾: صلة. يعني ولا
تؤمنوا إلا من تبع دينكم اليهوديّة كقول الله تعالى ﴿قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي
تستعجلون﴾
﴿قل إنّ الهدى هدى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم﴾ الآية: اختلف القرّاء والعلماء فيه،
فقرأت العامّة: أن يؤتى بالفتح من الألف وقصرها ووجه هذه القراءة إنّ هذا الكلام معترض بين
٠
(١) لسان العرب: ١٣ / ٥٥٦.
(٢) سورة النمل: ٧٢.

٩٢
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
كلامين وهو خبر عن اللّه تعالى أنّ البيان وما يدلّ قوله
﴿قل إنّ الهدى هدى الله﴾ متصل بالكلام الأوّل إخباراً عن قول اليهود بعضهم لبعض،
ومعنى الآية: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أُؤتيتم من العلم
والحكمة والحجّة في المنّ والسلوى، وفلق البحر وغيرها من الفضائل والكرامات. ولا تؤمنوا
أن يُحاجّوكم عند ربّكم لأنّكم أصحّ ديناً منه، وهذا معنى قول مجاهد و الأخفش.
وقال ابن جريج وابن زيّات: قالت اليهود لسفلتهم: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهية أن
يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وأيّ فضل يكون لكم عليهم حيث علموا ما علمتم وحينئذ ﴿يُحّاجوكم
عند ربّكم﴾: يقولون عرفتم أنّ ديننا حقّ فلا تصدّقوهم لئلا يعلموا مثل ما عُلّمتم ولا يُحاجّوكم
عند ربكم، ويجوز أن يكون على هذا القول لا مضمراً كقوله تعالى ﴿يبين الله لكم أن
تضلّوا﴾(١) يكون تقديره ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم لئلاّ يؤتى أحد من العلم مثل ما أوتيتم
وألا یحاجّوكم عند ربكم.
وقرأ الحسن والأعمش: إن يؤتى بكسر الألف ووجه هذه القراءة إنّ هذا كلّه من قول اللّه
بلا اعتراض وأن يكون كلام اليهود تاماً عند قوله ﴿إلا لمن تبع دينكم﴾ ومعنى الآية: قل يا
محمد إنّ الهدى هدى اللّه أن يؤتى ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أُمّة محمد أو يحاجّوكم، يعني
إلا أن يجادلكم اليهود بالباطل فيقولون نحن أفضل منكم وقوله: ﴿عند ربّكم﴾ أي عند فضل
ربّكم لكم ذلك ويكون (أنّ) على هذا القول بمعنى الجحد والنفي.
وهذا معنى قول سعيد بن جبير والحسن وأبي مالك ومقاتل والكلبي. وقال الفرّاء: ويجوز
أن يكون (أو) بمعنى حتّى كما يقال: تعلّق به أو يعطيك حقّك أي حتى يعطيك حقّك.
وقال امرؤ القيس :
فقلت له لا تبك عينك(٢) إنّما
نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا (٣)
أي حتی نموت.
والمعنى لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، ما أعطى أحداً مثل ما أُعطيتم يا أمة محمد من الدّين
والحجّة حتی یحاجّوكم عند ربّكم .
وقرأ ابن كثير: أن يؤتى بالمدّ وحينئذ يكون في الكلام إختيار تقديرها: أن يؤتى أحدٌ مثل
ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب والحكمة تحسدونهم ولا تؤمنون بهم وهذا قول قتادة
والربيع.
(١) سورة النساء: ١٧٦ .
(٣) كتاب العين: ٨ / ٤٣٨.
(٢) في المصدر: عيناك.

٩٣
سورة آل عمران، الآيات: ٦٥ - ٧٤
وإلّ هذا من قول الله عز وجّل: قل لهم يا محمد إنّ الهدى هدى اللّه لما أنزل كتاباً مثل
کتابکم وبعث نبياً مثل نبێکم حسدتموه و کفرتم به.
﴿قل إنّ الفضل بيد الله﴾ الآية.
قال أبو حاتم: إنّ معناه الآن فحذف لام الجزاء استخفافاً وأُبدلت مدّه كقراءة من قرأ:
﴿أن كان ذا مال﴾ أي الآن كان.
وقوله: أو يحاجّوكم على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين ويكون أو بمعنى أن
لأنّهما حرفا شك وجزاء ويوضع أحدهما موضع الآخر وتقدير الآية: وإن يحاجّوكم يا معشر
المؤمنين عند ربّكم فقل يا محمد: إنّ الهدى هدى اللّه ونحن علیه.
ويحتمل أن يكون الجميع خطاباً للمؤمنين ويكون نظم الآية: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم
يا معشر المؤمنين [فلا تشكّو عند تلبيس اليهود](١) فقل إنّ الفضل بيد الله.
وإن حاجّوكم فقل إنّ الهدى هدى الله.
فهذه وجوه الآيات باختلاف القرآن. ويحتمل أن يكون تمام الخبر عن اليهود عند قوله
﴿لعلّهم يرجعون﴾ فيكون قوله ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم﴾ إلى آخر الآية من كلام الله عزّ
وجّل. وذلك إنّ اللّه تعالى مثبّتٌ لقلوب المؤمنين ومشحذٌ لبصائرهم لئلاّ يشكّوا عند تلبيس
اليهود وتزويرهم في دينهم أي: ولا تصدّقوا يا معشر المؤمنين إلا لمن تبع دينكم ولا تصدّقوا أن
يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين والفضل، ولا تصدّقوا أن يحاجّوكم في دينكم عند ربّكم
فيقدرون على ذلك فإنّ الهدى هدى اللّه وأنّ الفضل بيد الله.
﴿يؤتيه من يشاء واللهُ واسعٌ عليم﴾: فتكون الآية كلّها خطاب الله عز وجل للمؤمنين عند
تلبيس اليهود عليهم لئلا يزلّوا ولا يرتابوا والله أعلم. يدل عليه قول الضحّاك قال: إنّ اليهود
قالوا: إنّا نحاجّ عند ربنا من خالفنا في ديننا فبيّن اللّه تعالى أنّهم هم المدحضون أي المغلوبون،
وإنّ المؤمنين هم الغالبون.
وقال أهل الإشارة في هذه الآية: لا تعاشروا إلا من يوافقكم على أحوالكم وطريقتكم فإنّ
من لا يوافقكم لا يرافقكم.
﴿يختص برحمته﴾: بنبوّته ودینه ونعمته.
﴿من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾: وقال أبو حيّان: إجمال القول يبقى مع رجاء الرّاجي
وخوف الخائف.
(١) زيادة لتقويم النص.

٩٤
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
﴿ وَمِنْ أَمْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنَّهُ بِقِطَارٍ يُؤَدُّوهُ إِلَيْهَ وَمِنْهُم ◌َّنْ إِن تَأْتُهُ بِتَهِ لَّا يُوَّرُوِهِ إِلَ
إِلَّ مَا يُعََّ عَهْوَ فَبِهَ ذُبِدَ بِأَنَّهُمْ فَرَاً لَ عَا فِ الأَيْنَ كَمِلُ وَبِقُوَأُوتَ عَلَ للَّهِ الْكَذِبُ وَهُمْ
يَعَلَوْتَ (٥) كَلَ مَن أَوْلَ عَهْدِي وَأَثْقَ فَنَّ اللَّهُ يُحِبُّ الْمَّقَ (َ إِنَّ الَّذَِ يَشَْوْتُ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَتْمَنِمْ
ثَمَ فيِدْ أَرْقَبِنَّكَ لاَ خَلَقَ لَهُمْ فِ الَضَرَةِ وَلاَ يُسَكُلِّمُهُمْ أَلَهُ وَلَا يُنْظُرْ إِلَيْ يَوْمَ الْتَمَّةِ وَلَ بِرْسِهِعُ
وَلَّهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ فَ﴾ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَقَرِنَا يَلَوْنَ أَلَيْسَهُم بِالْكِتَبِ إِنَحْسَمُوهُ مِنَ الْكِتْنَبِ وَمَّا هُوَ
وكَّ الْكِتَبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ أَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ أَلَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَّ اللَّهِ الْكَيْبَ وَهُمُ يَعْلَمُونَ
(٣) مَا كَانَ إِنَشَرِ أَن يُؤْتِبَّهُ أَلَّهُ الْكِتَبَ وَالْعُكَّمَ وَأَنَّهُوَةَ ثُمَّ يَّوَلَ إِنَاسِ أَلُوَأَ عِكَنَا لَ مِنْ دَوْنِ
أَثَو ◌َلَكِنْ كَوُاَ وَيَِّنَّ بِمَا كُنْتُمْ لَمَلِّمُونُ اَلْكِتَبَ وَبِمَا كُمْ لَمْرُسُونَ فَ وَلاَ يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَلْسِنُواْ
الْلَبِكَهُ وَالشَّْعِىَ أَنْيَاهَا أَبَأْمُؤَكُم بِالْكُمْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْهُ تَشْهِمُونَ (60) وَإِذْ أَخَذَّ اللَّهُ مِثْقُ النَّهِنَّ ◌َمَاَ، تَبَتْعَ ثُمْ
تِي كِتَبٍ وَحِكْمُؤْ لُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولُ مُعَذَقٌّ لَمَا مُتَكُمْ لَتُؤْمُِّيُّ بِهِ. وَلَهُنَّمُ قَالَ: أَنَرَتُهُ وَأَخَذٌَّ عَ
ذَلِكُمْ إِسْرِفَ قَالُواْ أَقْنَيْنَّا قَالَ فَشْهَدُواْ وَأَنَا مُمَكُمِ فِنَّ أَشْدِهِدِينَ (١)) حَمَنْ تَوَلَّ بَحْدَ ذََ ◌ََ لَفَكَ هُمُ
تَيُتَ (٨٧) أَفَغَيْر ◌ِبِنَ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ، أَسْلَّمَ مَنْ فِى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ◌َؤْعًا وَكَرْهًا وَإِنَّبِهِ
وَجَعُونَ (١٢) قُلّ ◌َا بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلَ عَتْنَا وَمَا أُرِلَ عَلَّ إِتَرَّبِيمَ وَإِسْمَوِلَ وَإِسْحَقَ وَبَعْلُوبَ
وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أَنَّ مُوسَّقْ وَيِفَ وَأَنَّبُوْتَ مِنْ زَبِّهِمْ لَ مُغَفُ بَيْنَ لَعَمِ مِنْهُمْ وَتَسْرُ لَمِّ مُسْطِعُونَ (١١)
وَمَّنْ يَمْتَغَ غَ الْإِسْكَمَ وِيَنَّا فَتَى يُغْيَلَ مِنْهُ وَهُوَّ ◌ِ اَلْأَجْرَّمِ مِنَّ الْخَسِنُ (لا)
﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤدّه إليك﴾: الآية: قال أكثر المفسّرين: نزلت
هذه الآية في اليهود كلّهم، أخبر اللّه تعالى إنّ فيهم أمانة وخيانة. والقنطار عبارة عن المال
الكثير، والدينار عبارة عن المال القليل.
فإن قيل: فأيّ فائدة في هذه الأخبار وقد علمنا أنّ النّاس كلّهم لم يزالوا كذلك منهم
الأمين ومنهم الخائن.
قلنا: تحذير من اللّه تعالى للمؤمنين أن يأتمونهم على أموالهم أو يغترّوا بهم لاستحلالهم
أموال المؤمنين.
وهذا كما روي في الخبر: أتراعون عن ذكر الفاجر؟ اذكروه بما فيه كي يحذره النّاس.
وقال بعضهم: الأمانة راجعة إلى من أسلم منهم، والخيانة راجعة إلى من لم يسلم منهم.
وقال مقاتل: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤدّه إليك﴾: عبد الله بن سلام أودعه
رجل ألفاً ومائتي أوقية من الذّهب فأدّاه إليه فمدحه الله.
﴿ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدّه إليك﴾: في مخاض بن عازورا وذلك أنّ رجلاً من
قریش استودعه ديناراً فخانه.

٩٥
سورة آل عمران، الآيات: ٧٥ - ٨٥
وفي بعض التفاسير: إنّ الذّي يؤدّي الأمانة في هذه الآية هم النصارى، والذين لا يؤدّونه
هم اليهود.
وفي قوله ﴿تأمنه»: قراءتان.
قرأ الأشهب العقيلي: تِيمنهُ بكسر التاء وهي لغة بكر وتميم، وفي حرف ابن مسعود مالك
لا تیمنّا .
وقراءة العامّة تأمنه بالالف. والدينار أصله دنّار فعوّض من إحدى النّونين ياء طلباً للخفّة
لكثرة استعماله، يدلّ علیه أنّك تجمعه دنانیر.
وفي قوله ﴿يؤدّه﴾ وأخواته خمس قراءات.
فقرأها كلّها أبو عمرو والأعمش وعاصم وحمزة: ساكنة الهاء.
وقرأ أبو جعفر ويعقوب: مختلسة مكسورة. وقرأ سلام: مضمومة مختلسة. وقرأ الزهري:
مضمومة مشبعة .
وقرأ الآخرون: مكسورة مشبعة فمّن سكّن الهاء فإنّ كثيراً من النحاة خطّئوه، لأن الجزم
ليس في الهاء إذا تحرك ما قبلها والهاء اسم المكنّى والأسماء لا تجزم.
قال الفرّاء: هذا مذهب بعض العرب يجزمون الهاء إذا تحرّك ما قبلها فيقول: ضربته ضرباً
شديداً، كما يسكّنون ميم أنتم وقمتم وأصلها الرفع.
وأنشد:
(٢)
مال إلى أرطأة حقف (١) فاضطجع
لمّا رأى أن لا دعه ولا شبع
وقال بعضهم: إنّما جاز إسكان الهاء في هذه المواضع لأنّها وضعت في موضع الجزم
وهو الياء الذاهب، ومن اختلس فإنّه اكتفى بالضمّة عن الواو وبالكسر عن الياء وأنشد الفرّاء:
أنا ابن كلاب وابن أوس فمن يكن قناعه مغطيًا فإنّ لمجتلى(٣)
وأنشد سیبویه:
فإن يكن غثّاً أو سميناً فإنّه
سيجعل عينيه لنفسه مغمضاً
ومن أشبع الهاء فعلى الأصل لما كان الحرف ضعيفاً قوي بالواو في الضم وبالياء في
الكسر.
(١) الارطاة: واحد الارطر وهو شجر من شجر الرمل. والحقف: (بالكسر) ما اعوج من الرمل.
(٢) لسان العرب: ٥ / ٣٠٤.
(٣) الصحاح: ٦ / ٢٤٤٧.

٩٦
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
قال سيبويه: يجيء بعد هاء المذّكر واو كما يجيء بعد هاء المؤنّث ألف. ومن ضمّ الهاء
فعلى الأصل ؛ لأنّ أصل الهاء الضمّة مثل هو، وهُما وهُم، ومن كسر فقال ؛ لأنّ قبله ياء وإن
كان محذوفاً فلأنّ ما قبلها مكسور.
﴿إِلَّ ما دُمتَ عليه قائماً﴾: قرأ يحيى وثابت والأعمش وطلحة بكسر الدّال، والباقون
بالضّم.
من ضمّ فهو من دام. يدوم، ومن لغة العالية. ومن كسر فله وجهان، قال بعضهم: هو أيضاً
من دام يدوم إلا أنّه على وزن فعل . يفعل، يقول دمت تدوم مثل مت . تموت، قاله الأخفش. وليس
في الأفعال الثلاثيّة فعِل . يفعِلُ بكسر العين في الماضي وضمّها في الغابر من الصحيح الآخر فإنّ
فضِل. يفضُل، ونعِم - ينعُم، ومن المعتّل متُّ . أموتُ ودمتُ. أدوم وهما لغة تميم.
قال أكثر العلماء: من كرام . يدام . فعل . يفعل مثل خاف - يخاف، وهاب يهاب.
﴿قائماً﴾: قال ابن عبّاس: مُلحاً.
مجاهد: مواظباً. سعيد بن جبير: مرابطاً. قتادة: قائماً تقتضيه. السّدي: قائماً على
رأسه.
العتيبي: مواظباً بالإقتضاء وأصله إنّ المطالب للشيء يقوم فيه والتّارك له يقعد عنه، ودلالة
قوله: أُمّة قائمة أي: عاملة بأمر اللّه غير تاركة.
أبو روق: يعترف بما دفعت إليه ما دمت قائماً على رأسه، فإن سألته إيّاه في الوقت حينما
تدفعه إليه يردّه عليك وإن أنظرته وأخرته أنكر وذهب به وذلك الاستحلال والخيانة.
﴿بأنّهم قالوا ليس علينا في الأميين﴾: أي في حال العرب. نظيره ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي
الأمِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ﴾(١)
﴿سبيل﴾: إثم وحرج. دليله قوله: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل﴾(٢) وذلك؛ إنّ اليهود
قالوا لا حرج علينا في حبس أموال العرب قد أحلّها اللّه لنا ؛ لأنّهم ليسوا على ديننا، وكانوا
يستحلّون ظلم من خالفهم في دينهم يقولون لم يجعل اللّه لهم في كتابنا حرمة.
الكلبي: قالت اليهود إنّ الأموال كلّها كانت لنا فما كانت في أيدي العرب منها فهو لنا
وإنّما ظلمونا وغصبونا ظلماً فلا سبيل علينا في أخذنا إيّاه منهم.
(١). سورة الجمعة: ٢.
(٢) سورة التوبة: ٩١.

٩٧
سورة آل عمران، الآيات: ٧٥ - ٨٥
الحسن وابن جريج ومقاتل: بايع اليهود رجالاً من المسلمين في الجاهلية فلمّا أسلموا
تقاضوهم بقيمة أموالهم فقالوا: ليس لكم علينا حقّ ولا عندنا قضاء لكم تركتم الدّين الذي كنتم
عليه وانقطع العهد بيننا وبينكم، وادّعوا إنّهم وجدوا ذلك في كتابهم فكّذّبهم اللّه تعالى فقال:
﴿ويقولون على الله الكذبَ وهم يعلمون﴾.
وفي الحديث: لما نزلت الآية قال النبّي وَّ ر: ((كذب أعداء الله ما من شيء كان في
الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنّها موفاة(١) إلى البرّ والفاجر))(٢) [٦١].
وروى أبو إسحاق الهمداني عن صعصعة: إنّ رجلاً سأل ابن عباس فقال: إنّا نصيب في
الغزو من أموال أهل المدينة الدّجاجة أو الشاة قال ابن عبّاس: ويقولون ماذا ؛ قال: يقولون:
ليس علينا بأس. قال: هذا كما قال أهل الكتاب ﴿ليس علينا في الأميين سبيل﴾(٣) إنهم إذا أدّوا
الجزية لم يحلّ لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم ثمّ قال الله تعالى ردّاً عليهم: ﴿بلى﴾: أي ليس
كما قالوا ولكن ﴿من أوفى بعهده﴾: الذي عاهد اللّه في التوراة من الإيمان بمحمّد والقرآن
وأداء الأمانة.
والهاء في قوله ﴿بعهده﴾ راجعة إلى اللّه عزّ وجل قد جرى ذكره في قوله ﴿ويقولون على
اللّه الكذب﴾. ويجوز أن تكون عائدة إلى ﴿أوفى﴾.
﴿واتّقى﴾: من الكفر والخيانة ونقض العهد.
﴿فإنّ الله يُحبُّ المتقين﴾: من هذه صفته.
وعن الحسن: قال: قال رسول اللّه ◌َ﴾: ((ثلاثة من كنّ فيه فهو منافق وإن صلّى وصام
وزعم أنّه مؤمن، إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اثتُمِن خان)) [٦٢](٤).
وعن أبي أمامة قال: قال رسول اللّه وَله: ((من ائتمن على أمانة فأدّاها ولو شاء لم يؤدّها
زوجّه الله من الحور العين ما شاء)) [٦٣](٥).
الحسن عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه وَله: ((التّاجر الصّدوق الأمين مع النبيين
والصدّيقين والشهداء)) [٦٤](٦).
وهب عن حذيفة قال: حدّثني رسول اللّه وَ ليل حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر،
(١) في المصدر: مؤداة.
(٢) فتح القدير: ١ / ٣٥٤، تفسير مجمع البيان: ٢ / ٣٢٧.
(٣) سورة آل عمران: ٧٥.
كنز العمال: ١ / ١٧١ .
(٤)
تفسير مجمع البيان: ٢ / ٣٢٧.
(٥)
(٦) المستدرك: ٢ / ٦.

٩٨
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
حدّثنا: ((إنّ الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجّال، ونزل القرآن فتعلّموا من القرآن وتعلّموا من
أصل السّنة)) [٦٥](١).
ثم حدّثنا عن رفعهما فقال: ((ينام الرّجل النومة فينزع الأمانة من قلبه فيظل أثرها كأثر
المجل كجمر دحرجته على رجلك فتراه منتثراً وليس فيه شيء)». ثم أخذ حذيفة حصاة فدحرجها
على ساقه قال: فيصبح النّاس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتّى يقال له: فلان رجلا
أميناً، وحتّى يقال للرّجل: ما أجلده، ما أعقله، وأظرفه وما في قلبه مثقال حبّة خردل من
إيمان. ولقد أتى عليّ حين ولا أبالي أيّكم بايعت لئن كان مسلماً ليردّن على إسلامه ولئن كان
يهودياً أو نصرانياً ليردّنّ على ساعيه فأنا اليوم فما كنت لأبايع رجلاً منكم إلاّ فلاناً وفلاناً(٢).
وقيل: أكمل الدّيانة ترك الخيانة، وأعظم الجناية خيانة النّاس.
﴿إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً﴾: اختلفوا في نزول هذه الآية:
فقال عكرمة: نزلت في أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق وحيي بن أحطب وغيرهم من رئيس
اليهود كتبوا ما عهد اللّه إليهم في التوراة في شأن محمّد ◌َليه وبدّلوه وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا
إنّه من عند اللّه لئلا يفوتهم الرّشى والمأكل التي كانت لهم على أتباعهم.
وقال الكلبي: إنّ ناساً من علماء اليهود أولي فاقة كانوا ذوي حظ من علم التوراة فأصابهم
سِنَة. فأتوا كعب بن الأشرف يستميرونه فسألهم كعب: هل تعلمون أنّ هذا الرجّل رسول اللّه في
كتابكم؟ فقالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟ قال: لا. قالوا: فإنّا نشهد إنّه عبد الله ورسوله، قال
كعب: قد كذبتم عليّ فأنا أريد أن أميركم وأكسوكم فحرمكم اللّه خيراً كثيراً .
قالوا: فإنّه شبّه لنا. فرويداً حتى نلقاه. قال: فانطلقوا فكتبوا صفة سوى صفته، ثم أتوا نبي
اللّه ◌َله فكتموه ثم رجعوا إلى كعب، فقالوا: قد كنّا نرى رسول اللّه فأتيناه، فإذا هو ليس بالنعت
الذّي نُعت لنا وأخرجوا الّذي كتبوه. ففرح بذلك كعب، ومكرهم فأنزل الله عزّ وجّل هذه الآية،
نظيرها قوله: ﴿إنّ الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب يشترون به ثمناً قليلاً﴾(٣) الآية.
وروى منصور بن أبي وائل قال: قال عبد الله: من حلف على عين يستحقّ بها مالاً وهو
فيها فاجر لقي اللّه عزّ وجّل وهو عليه غضبان. فأنزل اللّه تعالى تصديق ذلك ﴿إنّ الذين يشترون
بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً﴾ الآية.
وقال الأشعث بن قيس: فيّ نزلت، وكانت بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى
(١) غريب الحديث: ٤ / ١١٧ - ١١٨ بتفاوت.
(٢) مسند أحمد: ٥ / ٣٨٣.
(٣) سورة البقرة: ١٧٤ .

٩٩
سورة آل عمران، الآيات: ٧٥ - ٨٥
رسول اللّه ◌َ﴾له فقال: ((شاهداك أو يمينه)). فقلت: إنّه إذاً يحلف ولا يبالي. فقال رسول اللّه وَله :
((من حلف على عين يستحقّ بها مالاً هو فيها فاجر لقي الله تعالى وهو عليه غضبان)) [٦٦](١).
فأنزل الله تعالى: ﴿إنّ الّذين يشترون ... ) الآية.
. وقال ابن جريج: إنّ الأشعث بن قيس اختصم هو ورجل إلى رسول اللّه وَّل في أرض
كانت في يده لذلك ليعزّره في الجاهلية: فقال رسول اللّه وَليون: ((أقم بيّنتك؟)). قال الرجل: ليس
يشهد لي على الأشعث بن قيس أحد. قال: ((لك يمينه)) [٦٧]. فقام الأشعث وقال: أُشهد اللّه
وأُشهدكم أنّ خصمي صادق. فرّدَّ إليه أرضه وزاده من أرض نفسه زيادة كثيرة مخافة أن يبقى في
يده شيء من حقّه فهو لعقب ذلك الرجل من بعده (٢).
وروى بادان عن ابن عباس قال: نزلت في امرىء القيس بن عابس الكندي استعدى عليه
عبدان بن أشرع فقضى رسول اللّه وَ ﴿ بالحلف، فلمّا همّ أن يحلف نزلت هذه الآية. فامتنع
أمرىء القيس أن يحلف وأقرّ لعبدان بحقّه ودفعه إليه. فقال رسول اللّه وَله: لك عليها الجنّة.
وقال مجاهد والشعبي: أقام رجلاً سلعته أوّل النّهار فلمّا كان آخره جاء رجل فساومه
فحلف لقد منعها أوّل النّهار من كذا ولولا المساء لما باعها به. فأنزل اللّه تعالى ﴿إنّ الّذين
يشترون بعهد الله﴾: أي يستبدلون بعهد اللّه وإيفاء الأمانة ﴿وأيمانهم) الكاذبة ﴿ثمناً قليلاً﴾.
﴿أولئك لا خلاق لهم في الآخرة﴾: ونعيمها وثوابها ولا يكلمهم الله كلاماً ينفعهم
ويسرّهم. قاله المفسرون، وقال المفضل: ﴿ولا يكلمهم الله﴾: بقبول حجّة يحتجّون بها.
﴿ولا ينظر إليهم يوم القيامة﴾: أي لا يرحمهم ولا يعطف عليهم ولا يحسن إليهم ولا
يكلمهم خيراً. يُقال نظر فلان لفلان، ونظر إليه إذا رحمه وأحسن إليه.
قال الشاعر :
لبني غلّة صدبان قد شفّهُ الوجد
فقلت انظري ما أحسن الناس كلهم
وعن أبي عمرو الجوني قال: ما نظر اللّه إلى شيء إلا رحمه؛ ولو قضى أن ينظر إلى
[أهل] النّار لرحمهم، ولكن قضى أن لا ينظر إليهم.
روى عبد الله بن كعب عن أبي أمامة الخازني: إنّ رسول اللّه وَ لّ قال: ((من اقتطع حقّ
امرىء مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النّار وحرّم عليه الجنّة)»، فقال رجل وإن كان شيئاً يسيراً
قال: ((وإن كان قضيباً من أراك)) [٦٨](٣).
(١) صحيح البخاري: ٣ / ١٦٠ وفيه يمين يستحق بدل عين يستحق.
(٢) تفسير الطبري: ٣ / ٤٣٦.
(٣) مسند أحمد: ٥ / ٢٦٠.

١٠٠
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وروى محمد بن زيد القرشي عن عبد الله بن أبي أمامة الخازني عن عبد الله بن أنس
قال: قال رسول اللّه وَله: ((أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس. والذي
نفسي بيده لا يحلف أحد وإن كان على مثل جناح بعوضة إلا كانت وكنة في قلبه إلى يوم القيامة))
[٦٩](١) .
﴿ولا يزكيّهم ولهم عذاب أليم﴾ :
رجل على فضل ما بالطريق فمنع ابن السّبيل، ورجل بايع رجلاً لا يبايعه إلا للدنيا فإن
أعطاه ما يريد وفى له وإلّ لم يفِ لهُ، ورجل يساوم سلعته بعد العصر. فحلف بالله لقد أعطي
بها كذا وكذا فصدّقه الآخر وأخذها.
وروى الحارث الأعور عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه وَ له: ((إيّاكم واليمين
الفاجرة. فإنّها تدع الدّيار بلاقع من أهلها)) [٧٠](٢) .
وروى معمّر في رجل من بني تميم عن أبي الأسود قال: سمعت رسول اللّه وال* يقول:
((اليمين الفاجرة تعقم الرحم)) [٧١](٣).
العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه وَ له: ((اليمين الفاجرة
منفقة للسلعة ممحقة للكسب)) [٧٢](٤).
﴿وإنّ منهم﴾: يعني من أهل الكتاب الذين تقدّم ذكرهم وهم اليهود.
﴿لفريقاً﴾: طائفة وهم: كعب بن الأشرف، ومالك بن الصّف، وحيي بن الأخطب، وأبو
ياسر وحيي وسبعة بن عمرو الشاعر.
﴿يلوون﴾: قرأ أهل المدينة ﴿يلوون﴾ مضمومة الياء مفتوحة اللام مشدّدة الواو على
التكثير.
وقرأ حميد: ﴿يلون﴾ بواو واحدة على نية الهمز، ثم ترك الهمزة ونقل حركتها إلى اللام.
وقرأ الباقون بواوين ولام ساكنة مخففة ومعناها جميعاً يعطفون ﴿ألسنتهم﴾: بالتحريف المتعنّت
وهو ما غيّروا من صفة محمد وَله وآية الرّجم. يقال: لوى لسانه عن كذا أي غيّره، ولوى الشيء
عمّا كان عليه إذا غيّره إلى غيره، ولوى فلاناً عن رأيه، إذا أماله عنه، ومنه: ليُّ الغريم، قال
النابغة الجعدي :
(١) مسند أحمد: ٣ / ٤٩٥.
(٢) كنز العمال: ١٦ / ٩٦ ح ٤٤٠٥٢.
(٣) كنز العمال: ١٦ / ٦٩٦ ح ٤٦٣٨٠.
(٤) شرح مسلم: ٢ / ١٢٦.