Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ سورة البقرة، الآيات: ٢٦١ - ٢٦٤ على بعض في الرزق﴾(١) بالفرض والصدقة والمعروف [](٢). ﴿حليم﴾ إذ لم يعجّل على مَنْ يمنّ ويؤذي بصدقته. وعن عبد الرحمان السليماني مولى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله وَالر: ((إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتّى يفرغ منها ثم ردّوا عليه بوقار ولين أو بذل يسير أو بردِّ جميل فإنّه قد يأتيكم مَنْ ليس بأنس ولا جان ينظرون كيف صنيعتكم فيما خوّلكم الله عزّ وجلّ)) [١٩٠](٣). وعن بشر بن الحرث قال: رأيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بالتلا في المنام فقلت: يا أمير المؤمنين تقول شيئاً لعلّ الله عزّ وجلّ ينفعني به. فقال: ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء رغبةً في ثواب الله، وأحسن منه تَيْهِ الفقراء على الاغنياء ثقةً بالله عزّ وجلّ. فقلت: يا أمير المؤمنين زدني، فولّى وهو يقول: وعن قليل تصير ميتاً قد كنت ميّتاً فصرت حيّاً وابن بدار البقاء بيتاً (٤) فاضرب بدار الغناء بيتاً. ﴿يا أيُّها الذين آمنوا لا تُبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ أي لا تحبطوا أجور صدقاتكم وثواب نفقاتكم بالمنّ على السائل. وقال ابن عباس: بالمنّ على الله تعالى والأذى لصاحبها . ثم ضرب لذلك مثلاً فقال: ﴿كالذي ينفق ماله﴾ أي كإبطال الذي ينفق ماله ﴿رئاءً الناس﴾ مراءاة وسمعة ليروا نفقته ويقولوا أنّه كريم سخي صالح ﴿ولا يُؤمن بالله واليوم الآخر﴾ وهذا للمنافقين لأن الكافر معلن كفره غير مرائي ﴿فمثله﴾ أي مثل هذا المنافق المرائي ﴿كمثل صفوان﴾ الحجر إلاّ ملس. قال الشاعر : في عام جدب ووجه الأرض صفوان مالي أراك كإنّي قد زرعت حصاً كما يكون الوقـت الزرع آبان أما الزرعى آبان فأحضده وهو واحد وجمع، فمن جعله جمعاً قال: واحده صفوانة، بمنزلة تمرة وتمر ونخلة ونخل. (١) سورة النحل: ٧١. (٢) غير مقروءة في المخطوط. (٣) تفسير القرطبي: ٣ / ٣٠٩. (٤) تفسير القرطبي: ٣ / ٣١٠، وتاريخ بغداد: ٩ / ٤٣٢. ٢٦٢ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي ومن جعله واحداً قال: جمعه صفي وضفى. قال الشاعر: مواقع الطير على الصفى . وقال الزعري: ﴿صفوان﴾ بفتح الفاء، وجمعه صفوان مثل گروان وکروان وورشانْ وپِرشان . ﴿عليه﴾ أي على ذلك الصفوان ﴿تراب فأصابه وابل﴾ وهو المطر الشديد العظيم القطر ﴿فتركه صلدا﴾ وهو الحجر الصلب الأملس الذي لا شيء عليه. قال تابط شراً : ولست بحلب جلب ريح(١) وقرّة ولا بصفا صلد عن الخير معزل (٢) وهو من الأرض مالا ينبت، ومن الرؤوس مالا شعر عليه. قال رؤبة : براق أصلاد الجبين الأجلة(٣). لمّا رأتني حلق المموّه يعني الأجلح. وهذا مثل ضربه الله تعالى لنفقة المنافق والمرائي والمؤمن الذي يمن بصدقته ويؤذي، يعني: إن الناس يرون في الظاهر إنّ لهؤلاء أعمالاً كما يرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة أضمحل كلّه وبطل لأنّه لم يكن لله عزّ وجلّ كأنّه لم يكن كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب. ﴿فتركه صلدا﴾ أجرد لا شيء عليه ﴿لا يقدرون على شيء﴾ على ثواب شيء ﴿ممّا كسبوا﴾ عملوا في الدنيا لأنّهم لم يعملوه لله تعالى وطلب ما عنده وإنّما عملوه رياء الناس وطلب حمدهم فصار ذلك معظم من أعمالهم(٤). ﴿والله لا يهدي القوم الكافرين﴾ نظيره قوله تعالى في وصف أعمال الكفّار: ﴿مثل الذين كفروا بربّهم أعمالهم كرماد أشتدّت به الريح في يوم عاصف﴾(٥). وقوله: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة﴾(٦) الآية. (١) في تفسير الطبري: ليل. (٣) تفسير الطبري: ٣ / ٩٢، وكتاب العين: ٣ / ٣٩١. (٤) تفسير الطبري: ٣ / ٩٢. (٦) سورة النور: ٣٩. (٢) تفسير الطبري: ٣ / ٩٢، والصحاح: ١ / ١٠٠. (٥) سورة إبراهيم: ١٨. ٢٠٦٣٠ سورة البقرة، الآيات: ٢٦٥ - ٢٦٧ عكرمة عن ابن عباس أنّ النبيّ بَّار قال: ((إذا كان يوم القيامة نادى مناد يسمع أهل الجمع: أين الذين يعبدون الناس قوموا وخذوا أُجوركم ممن عملتم له فإنّي لا أقبل عملاً خالطه شيء من الدنيا)) [١٩١](١) . عبد الله المدني قال: بلغني أنّ رجلاً دخل على معاوية قال: مررت بالمدينة فإذا أبو هريرة جالس في المسجد، حوله حلقة يحدّثهم فقال: حدثني أبو القاسم ثم استعبر فبكى فقال: حدّثني خليلي أبو القاسم ثم استعبر فبكى فقال: حدّثني خليلي أبو القاسم ثم بادره الرجل فقال: إنّي رجل غريب لست من أهل البلد وقد أردت أن تحدّث عن النبيّ وَل ◌ّ كل ذلك تخنقك العبرة فأخبرني هذا الذي أردت أن تحدّث به، قال: سمعت النّبِي وَلهو يقول: ((إذا كان يوم القيامة يؤتى برجل قد كان خوّله مالاً فيقال كيف صنعت فيما خوّلناك؟ فقال: أنفقت وأعطيت، فقال: أردت أن يقال فلان سخي فقد قيل لك فماذا يُغني عنك. ثم يؤتى برجل شجاع فيقال له: ألم أشجّع قلبك؟ قال: بلى، فيقال: كيف صنعت؟ قال: قاتلت حتّى أحرقت مهجتي، فيقال له: أردت أن يقال فلان شجاع وقد قيل فماذا يغني عنك، ثم يؤتى برجل قد أوتي علماً فيقال له: ألم أستحفظك العلم؟ قال: بلى، فيقال: كيف صنعت، فيقول: تعلّمت وعلّمت، فيقال: أردت أن يقال فلان عالم وقد قيل فماذا يغني عنك، ثم قال: أذهبوا بهم إلى النار)). وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنَفِفُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْغَاءُ مَرْضَاتِ اَللَّهِ وَتَثْبِيِّنًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّهِم بِرَبُوَةٍ أَصَابَهَا وَإِلٌ فَكَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنِ لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلُ فَطَلٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (9َ) أَيَوَهُ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِلِ وَأَعْتَابٍ تَبْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ لَهُ فِهَا مِنْ كُلِّ النََّرَّتِ وَأَصَابَهُ أَلْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّهُ شُعَفَاءُ فَأَصَابَهَاَ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَأَحْتَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْأَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَُّونَ (١٦) بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْفِقُواْ مِنْ طَيِّبَتْ مَا كَسَبْتُمْ وَمِنَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُواْ أَلْخِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم ◌َِاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُقْمِضُواْ فِيهِ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدُ لَ ﴿ومثل الذين يُنفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله﴾ طلب رضا الله ﴿وتثبيتاً من أنفسهم) قال الشعبي والكلبي والضحاك: يعني تصديقاً من أنفسهم يخرجون الزكاة طيبة بها أنفسهم يعلمون أن ما أخرجوا خيراً لهم ممّا تركوا . السدي وأبو صالح وأبو روق وابن زيد والمفضّل: على يقين إخلاف الله عليهم. قتادة: (١) كنز العمال: ٣ / ٤٨٥ ح ٧٥٤٢. ٢٦٤ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي احتساباً بإيمان من أنفسهم، عطاء ومجاهد: مثبّتون أي لا يضيّعون أموالهم، وكذلك قرأ مجاهد: وتثبيتاً لأنفسهم. قال الحسن: كان الرجل إذا همّ بصدقة تثبّت إن كان لله أعطى وإن خالطه شيء أمسك، وعلى هذا القول يكون التثبيت بمعنى التثبت كقوله عزّ وجلّ: ﴿وتبثّل إليه تبتيلاً﴾(١) أي تبتّلاً . سعيد بن جبير وأبو مالك: تخفيفاً في ذنبهم. ابن كيسان: إخلاصاً وتوطيناً لأنفسهم على طاعة الله عزّ وجلّ في نفقاتهم، الزجاج: ينفقونها مقرّين بأن الله عزّ وجلّ رقيب عليهم. وأصل هذه الكلمة من قول السائل: ثبت فلان في هذا الأمر إذا حققه وثبت عليه وعزمه وقوي عليه بذاته . تثبيت موسى ونصراً كالذي نصروا(٢) فثبت الله ما آتاك من حسن ﴿كمثل جنّة﴾ أي بستان. قال الفراء: إذا كان في البستان نخل فهو جنّة، وإذا كان كرم فهو فردوس. وقول مجاهد: كمثل حبّة بالحاء والباء ﴿بربوة﴾ قرأ السليمي والعطاردي والحسن وعاصم وابن عامر: ﴿بربوة﴾ بفتح الراء هاهنا وفي سورة المؤمنين وهي لغة بني تميم. وقال أبو جعفر وشيبة ونافع وابن كثير والأعمش وحمزة والكسائي وخلف وأبو عمرو ويعقوب وأيوب بضم الراء فيهما. واختاره أبو حاتم وأبو عبيد لأنّها أكمل اللغات وأشهرها، وقول ابن عباس وأبو إسحاق السبيعي وابن أبي إسحاق: بربوة، وقرأ أشهب العقيلي: برباوة بالألف وكسر الراء فيها. وهي جميعاً المكان المرتفع المستوي الذي تجري فيه الأنهار ولا يخلو من الماء. وإنّما سمّيت ربوة لأنّها ربت [وطابت] وعلت، من قولهم ربا الشيء يربو إذا انتفخ وعظم، وإنّما جعلها بربوة لأن النبات عليها أحسن وأزكى. ﴿أصابها وابل﴾ مطر شديد كثير ﴿فأتت أكلها ضعفين﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: ﴿أكلها﴾ بالتخفيف والباقون بالتشديد وهو الثمر. قال المفضّل: الأكل: كثرة مافي الشيء ممّا يجود ويقوى به، يقال: ثوب كثير الأكل، أي كثير الغزل. ومعناه: وأعطت ثمرها ضعفين والضعف في الحمل. قال عطاء: حملت في سنة من الريع ما تحمل غيرها في سنتين. قال عكرمة: حملت في السنة مرّتين. ﴿فإن لم يصبها وابل فطلّ﴾ أي فطشّ وهو أضعف المطر وألينه. (١) سورة المزمل: ٨. (٢) البداية والنهاية: ٤ / ٢٧٦. ٢٦٥ سورة البقرة، الآيات: ٢٦٥ - ٢٦٧ قال السدي: هو الندى. أبو سلام عبد الملك بن سلام عن زيد بن أسلم في قوله ﴿فإنّ لم يصبها وابل فطل﴾ قال: هي أرض مصر إن لم يصبها مطر زكت وإن أصابها مطر ضعفت، وهذا مثل ضربه الله عزّ وجلّ لعمل المؤمن المخلص، يقول: كما أن هذه الجنّة تريع في كلّ حال ولا تخلف ولا تُخيّب صاحبها سواء قلّ المطر أو كثر، كذلك يُضاعف الله عزّ وجلّ ثواب صدقة المؤمن المخلص الذي لا يمنّ ولا يُوذي سواء قلّت نفقته وصدقته أو كثرت فلا تخيب بحال. ﴿والله بما تعملون بصير * أيود أحدكم أن تكون له جنّةٌ من نخيل وأعناب﴾ هذه الآية متصلة بقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾. الآية (أيود أحدكم أن تكون له جنّة من نخيل وأعناب﴾ . ﴿تجري من تحتها الأنهار له فيها من كلّ الثمرات وأصابه الكبر﴾ وإنّما قال: ﴿أصابه﴾ فردّ الماضي على المستقبل؛ لأن العرب تلفظ توددت مرّة مع (لو) وهي الماضي فتقول: وددت لو ذهبتَ عنّا، ومرّة مع (أن) وهي للمستقبل فتقول: وددت أن تذهب عنّا، و(لو) و(أن) مضارعان في معنى الجزاء، ألا ترى أنّ العرب فيما جمعت بين (لو) و(أن) قال الله تعالى: ﴿وما عملت من سوء تودّ لو أنّ بينها وبينه﴾(١). الآية كما تجمع بين (ما) و(أن) وهما جحد. قال الشاعر ما أنْ رأيت ولا سمعت بمثله كاليوم طالي أينق جرب(٢) فلما جاز ذلك صلح أن يقال: فعل بتاويل يفعل ويفعل بتأويل فعل، وان ينطق بـ (لو) عنها ما كان (أن) وبـ (أن) مكان (لو). فمعنى الآية: ﴿أيودّ أحدكم﴾ لو كان له جنّة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كلّ الثمرات ﴿وأصابه الكبر وله ذرّية﴾ أولاد صغار ﴿ضعفاء﴾ عجزة ﴿فأصابها إعصار﴾ وهي الريح العاصف التي تهب من الأرض إلى السماء كأنّها عمود. قال الکمیت: ذا معتو من دقيق الترب مؤّار [تسدي الرياح بها ذيلا وتلحمه بالسافيات وفي غربال إعصار] في منخل جاء من هيف يمانيه وجمعه أعاصير. (١) سورة آل عمران: ٣٠. (٢) تفسير الطبري: ٢٦ / ٢٦٧ وفيه: سمعت به، بدل: سمعت بمثله. ٢٦٦ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي قال يزيد بن المقرّع الحميري. أعاصير من فسو (١) العراق المبذر(٢) أناس أجارونا وكان جوارهم. وهذا مثل ضربه الله تعالى لنفقة المنافق المرائي، يقول: عمل هذا المرائي لي حسنة لحين الجنّة فينتفع بها كما ينتفع صاحب الجنّة بها وإذا كبر وضعف وصار له أولاد صغار أصاب جنته إعصار ﴿فيه نارٌ فاحترقت﴾ أخرج ما كان إليها وضعف عن إصلاحها لِكِبَره وضعف أولاده عن إصلاحها لصغرهم ولم يجد هو ما يعود على أولاده به، ولا أولاده ما يعودون به على أبيهم فينتفي هو وأولاده فقراً عجزه متحيّرين لا يقدرون على حيلة، فكذلك يبطل الله على هذا المنافق والمرائي حين لا مستعتب له ولا توبة ولا إقالة من عبرتهما وديونهما. قال عبيد بن عمير: [ضربت مثلاً للعمل يبدأ فيعمل عملاً صالحاً فيكون مثلاً للجنة التي من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات، ثم يسىء في آخر عمره]، فيتمادى في الإساءة حتّى يموت على ذلك، فيكون الأعصار الذي فيه نار التي أحرقت الجنة مثلاً لإساءته التي ماتِ [وهو] عليها(٣). ﴿كذلك يُبيّن الله لكم الآيات لعلّكم تتفكّرون * يا أيُّها الذين آمنوا انفقوا﴾ تصدّقوا ﴿من طيّبات﴾ خيار وجياد نظير قوله: ﴿لن تنالوا البر حتّى تُنفقوا ممّا تُحبون﴾(٤). ابن مسعود ومجاهد: حلالات، دليله قوله: ﴿يا أيُّها الرُسُل كلوا من الطيّات﴾(٥). ﴿يا أيُّها الذين آمنوا كلّوا من طيّبات ما رزقناكم﴾(٦). قال النبيّ وَله: ((قسّم بينكم أخلاقكم كما قسّم بينكم أرزاقكم وإن الله طيّب لا يقبل إلاّ طيباً، لا يكسب عبد مالاً من حرام فيتصدّق منه، فيقبل منه ولا ينفق منه، فيبارك له فيه ولا يتركه خلف ظهره إلاّ كان زاده إلى النار، وأن لا يمحو السيء بالسيء ولكنّه يمحو السيء بالحسن والخبيث لا يمحو به الخبيث))(٧). ﴿ما كسبتم﴾ بالتجارة والصناعة من الذهب والفضّة. قال عبيد بن رفاعة: خرج علينا رسول الله وَليم فقال: ((يا معشر التجّار أنتم فجّار إلا من (١) فسو حي من عبد قيس، وفي الأغاني: قسو. (٢) معجم البلدان: ٥ / ١٣٤، وتاريخ الطبري: ٤ / ٢٣٦. (٣) تفسير الدر المنثور: ١ / ٣٤٠ وتفسير الطبري: ١٠٦/٣، وما بين معكوفين منه. (٤) آل عمران: ٩٢ .. (٥) سورة المؤمنون: ٥١. (٦) سورة البقرة: ١٧٢ . (٧) مسند أحمد: ١ / ٣٨٧ ومجمع الزوائد: ١ / ٥٣ بتفاوت .. ٢٦٧ سورة البقرة، الآيات: ٢٦٥ - ٢٦٧ أتقى وبرّ وصَدّق وقال هكذا وهكذا وهكذا))(١). وقال قيس بن عروة الغفاري: كنّا على عهد رسول الله و هو بالمدينة نُسمّي أنفسنا السماسرة فسمّانا رسول الله ◌َو باسم هو أحسن من إسمنا فقال: ((يا معشر التجّار، إنّ هذا البيع يحضره اللهو والكذب واليمين فشوبوه بالصدقة))(٢). مكحول عن أبي إمامة قال: قال رسول الله وَ له: ((الخير عشرة أجزاء أفضلها التجارة؛ إذا أخذ الحق وأعطاه)) وقال رسول الله وَله: ((تسعة أعشار الرزق في التجارة والجزء الباقي في السابياء(٣))(٤). ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَ له: ((يا معشر قريش لا يغلبنكم هذه الموالي على التجارة وإنّ البركة في التجارة وصاحبها لا يفتقر إلاّ تاجر خلاّف مهين)). عاصم ابن أبي النجود عن أبي وائل قال: درهم من تجارة أحب إليّ من عشرة من عطائي. الأعمش عن أبي إبراهيم عن عائشة قالت: قال النبيّ وَله: ((أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه)) [١٩٢](٥). وقال سعيد بن عمير: سُئِل النبيّ وَلّر: أي كسب الرجل أطيب؟ قال: ((عمل الرجل بيده وكلّ بيع مبرور)). محمد بن الراضبي قال: مرّ إبراهيم النخعي على امرأة من مزاد وهي تغزل على بابها فقال: يا أم بكر أما كبرتِ أما آن لك أن تلقي هذا، قالت: كيف ألقيه وقد سمعت عليّاً (رضي الله عنه) يقول: إنّه من طيّبات الرزق. ﴿وممّا أخرجنا لكم من الأرض﴾ يعني الحبوب والثمار التي تقتات وتدخر مما يجب فيه الزكاة. عمر بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: دخل رسول الله وَلّر على أم معبد حائطاً، فقال: ((يا أم معبد من غرس هذا، أمسلم أم كافر؟)). قالت: بل مسلم، قال: ((فلا يغرس المسلم غرساً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طائر إلاّ كانت له صدقة إلى يوم القيام))(٦). هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: إنّ النبيّ ◌َّ: ((قال التمسوا(٧) الرزق في خبايا الأرض)». (١) تفسير مجمع البيان: ٢ / ١٩١. " ... .... (٢) مسند أحمد: ٤ /٠٦ (٣) السابياء: النتاج، وقيل: هو الماء الذي يجري على رأس الولد الذي ولد، وقيل بل الجلدة التي يكون بها، راجع غريب الحديث ١ / ٢٩٩. (٤) النهاية: ٢ / ٣٤١. (٦) صحيح مسلم: ٥ / ٢٨. (٥) مسند أحمد: ٦ / ٤٢. (٧) في المصدر: اطلبوا. ٢٦٨ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي قال مالك بن دينار: قرأت في التوراة: طوبى لمن أكل من ثمرة يديه. ﴿ولا تيمموا﴾ قرأ ابن مسعود: ولا تامموا بالهمز. وقرأ ابن عباس: ولا تيمموا مضمومة التاء مکسورة المیم الأولی یعني لا توجّهوا. وقرأ ابن كثير: (ولا تيمموا) بتشديد الياء وفتحها فيها وفي أخواتها وهي أحدى وثلاثون موضعاً في القرآن رد الساقط وأدغم لأن في الأصل تاءان تاء المخاطبة وتاء الأمر فحذفت تاء الفعل. وقرأ الباقون: ولا تيمموا مفتوحة مخففة. وهي كلّها لغات بمعنى واحد، يقال: أممت فلاناً وتيممته وتأممته، إذا قصدته وعمدته. قال الأعشی میمون بن قیس: تيممت قيساً وكم دونه من الأرض من مهمه ذي شزن(١) السدي عن علي بن ثابت عن الفراء قال: نزلت هذه الآية في الأنصار كانت تخرج إذا كان جذاذ النخل من حيطانها أقناء من التمر والبسر فيعلقونه على حبل بين اسطوانتين في مسجد رسول الله ﴿ فيأكل منه فقراء المهاجرين، وكان الرجل يعمد فيخرج قنو الحشف(٢) وهو يظن أنّه جائز عنه في كثرة ما يوضع من الأقناء فنزل فيمن فعل ذلك. ﴿ولا تيمَّمُوا الخبيث منه تنفقون﴾ يعني القنو الذي فيه الحشف ولو كان أهدى لكم ما (٣) قبلتموه(٣). عن باذان عن ابن عباس في هذه الآية قال: رسول الله وَّر قال لهم: ((إنّ لله في أموالكم حقّاً فإذا بلغ حق الله في أموالكم فاعطوا منه)) وكان الناس يأتون أهل الصدقة بصدقاتهم ويضعونها في المسجد فإذا اجتمعت قسّمها رسول الله وَ ﴾ بينهم. قال: فجاء رجل ذات يوم . بعد مارَقّ أهل المسجد وتفرّق هامهم . بعذق حشف فوضعه في الصدقة، فلما خرج رسول الله ﴿ أبصره فقال: ((مَنْ جاء بهذا العذق الحشف)) قالوا: لا ندري یارسول الله. قال: ((بئسما صنع صاحب هذا الحشف)) فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال عليّ بن أبي طالب والحسن ومجاهد والضحاك: كانوا يتصدّقون بشرار ثمارهم (١) المهمه: المغازة البعيدة، وذو شزن: ذو خشونة، والبيت في لسان العرب: ١٢ / ٢٣. (٢) الحشف: أردء التمر. (٣) أسباب النزول للواحدي: ٥٦. ٢٦٩ سورة البقرة، الآيات: ٢٦٥ - ٢٦٧ ورذالة أموالهم فيعزلون الجيّد ناحية لأنفسهم، فأنزل الله تعالى ﴿ولا تيمموا الخبيث﴾ يعني الردي من أموالكم، والخشف من التمر، والعفن والزوان من الحبوب، والزيوف من الدراهم والدنانير. ﴿ولستم بآخذيه إلاّ أن تغمضوا فيه﴾ محل أن نصب بنزع حرف الصفة، يعني: بأن تغمضوا فيه . وقرأ الزهري: ﴿تغمضوا﴾ بفتح التاء وضم الميم. وقرأ الحسن بتفح التاء وكسر الميم، وهما لغتان غمض يغمِض ويَغمَض. وقرأ قتادة تغمضّوا فيه من التفعيل وقرأ أبو مجلن: تغمّضوا بفتح الميم وضم التاء يعني إلاّ أن تغمض لكم. وقرأ الباقون: تغمّضوا. والاغماض: غض البصر وإطباق جفن على جفن. قال روبة: برق سرى في عارض نهّاضٍ(١) أُرَق عينيّ عن الإغماض وأراد هاهنا التجويز والترخص والمساهلة، وذلك إن الرجل إذا رأى ما يكره أغمض عينه لئلاّ يرى جميع ما يفعل، ثم كثر ذلك حتّى جعل كلّ تجاوز ومساهلة في البيع إغماضاً. قال الطرمّاح : (٢) لم يفتنا بالوتر قوم وللضيـ ـم رجال يرضون بالإغماض قال علي والبراء بن عازب: معناه: لو كان لأحدكم على رجل حقّ فجاءه بهذا، لم يأخذه إلّ وهو يرى أنّة قد أغمض عن بعض حقّه. وهي رواية العوفي عن ابن عباس. وروى الوالبي عنه: ولستم بآخذي هذا الردي لو كان لأحدكم على الآخر حقّ بحساب الجيّد حتّى تنقصوه. الحسن وقتادة: لو وجدتموه بياعاً في السوق ما أخذتموه بسعر الجيّد حتّى يغمّض لكم من ثمنه . وروي عن الفراء أيضاً قال: لو أهدي ذلك لكم ما أخذتموه إلاّ على استحياء من صاحبه وغيظ أنّه بعث إليك بما لم يكن فيه حاجة، فكيف ترضون لي مالا ترضون لأنفسكم؟! أخبر الله تعالى أن أهل السهمان شركاء ربّ المال في ماله فإذا كان ماله كلّه جيّداً فهم (١) أراقة: أسهره، عارض نهاض: سحاب مرتفع، والبيت في لسان العرب: ٧ / ١٩٩٥ وفيه: عينيك عن الغماض ، وكذا في تاج العروس: ٥ / ٦٣. (٢) تفسير الطبري: ٣ / ١١٦. ٢٧٠ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي شركائه في الجيّد فأمّا إذا كان المال كلّه ردئاً فلا بأس باعطاء الردي لأن الواجب فيه ذلك إلاّ أن تتطوع. ﴿وأعلموا إنّ الله غني﴾ عن نفقاتكم وصدقاتكم ﴿حميد﴾ محمود في أفعاله. وعن معبد بن منقذ أن أبا شريح الكعبي صاحب رسول الله وَلقوله قال: إذا رأيتموني أتصدّق شرّ ما عندي فاكووني واعلموا إنّ مجنون. الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَعْنَاءِ وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعُ عَلٌِ يُؤْنِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَدَةٍ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةُ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرَاً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ اَلْأَلْبَبِ ﴿َ) وَمَا أَنْفَقْتُم مِّنِ نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهُ يَعْلَمُهُ وَمَا لِظَّالِمِنَّ مِنْ أَنْصَارٍ ٢٧٠ إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِنَّا هِيَّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُعَّرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنَكُمْ مِن سََْاتِكُمُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾ أي بالفقر فحذف الباء كقول الشاعر: فقد تركتك ذا مال وذا نسب (١) أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ويقال: وعدته خيراً ووعدته شرّاً، قال الله تعالى في الخير: ﴿وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها﴾(٢) وفي الشر: ﴿النار وعدها الله الذين كفروا﴾(٣) فإذا لم يذكر الخير والشرّ قلت في الخير: وعدته، وفي الشر: أوعدته وأنشد أبو عمرو : وإنّي وإن أوعدته أو وعدته لمخلف أيعادي ومنجز موعدي (٤) والفقر: سوء الحال وقلّة اليد، وفيه لغتان: الفَقر والفُقر كالضَعف والضُعْف. وأصله من كسر الفقار، يقال: رجل فقّار وفقير، أي مكسور فقار الظهر. قال الشاعر: إنني لست بموهون فقر (٥) وإذا تلسنني ألسنتها ومعنى الآية: إنّ الشيطان يخوّفكم بالفقر ويقول للرجل أمسك مالك فإن تصدّقت افتقرت. ﴿ويأمركم بالفحشاء﴾ أي البخل ومنع الزكاة. وزعم مقاتل [بن حيان] أنّ كلّ فحشاء في القرآن فهو الزنا إلاّ في هذه الآية. (١) تفسير الطبري: ٩ / ١٠١. (٣) سورة الحج: ٧٢. (٥) تاج العروس: ٩ / ٣٣٤. (٢) سورة الفتح: ٢٠. (٤) لسان العرب: ١٤ / ٢٢٣. ٢٧١ سورة البقرة، الآيات: ٢٦٨ - ٢٧١ ﴿والله يعدكم﴾ أي يجازيكم، وعد الله إلهام وتنزيل، ووعد الشيطان وساوس وتخيّل. ﴿مغفرة منه﴾ لذنوبكم ﴿وفضلاً﴾ أي رزقاً وخلفاً ﴿والله واسع﴾ غني ﴿عليم) يقال: مكتوب في التوراة: عبدي أنفق من رزقي، أبسط عليك من فضلي .. ﴿يؤتي الحكمة مَنْ يشاء﴾ قال السدي: هي النبوّة. ابن عباس وقتادة وأبو العالية: علم القرآن: ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدّمه ومؤخّرهِ، وحلاله وحرامه. الضحاك: القرآن والحكم فيه. وقال: في القرآن مائة وتسع آيات ناسخة ومنسوخة، وألف [آية](١) حلال وحرام، ولا يسع المؤمنين تركهن حتّى يتعلّموهن فيعلموهن، ولا تكونوا كأهل النهروان تأوّلوا آيات من القرآن في أهل القبلة وإنّما نزلت في أهل الكتاب، جهلوا علمها. فسفكوا بها الدماء وشهدوا عليناً بالضلال وانتهبوا الأموال. فعليكم بعلم القرآن فإنّه مَنْ علم فيما أنزل لم يختلف في شيء منه نفع وأنتفع به. مجاهد: أما أنّها ليست بالنبوّة ولكنّها القرآن والعلم والفقه. وروى ابن أبي نجيح: الإصابة في القول والفعل. ابن زيد: العقل. ابن المقفّع: كلّ قول أو فعل شهد العقل بصحّته. إبراهيم: الفهم. عطاء: المعرفة بالله عزّ وجلّ. ربيع: خشية الله. سهل بن عبد الله التستري: الحكمة: السنة. وقال بعض أهل الاشارة: العلم الرباني. وقيل: إشارة بلا علّة، وقيل: إشهاد الحق تعالى على جميع الأحوال. أبو عثمان: هو النور المفرّق بين الإلهام والوسواس. وقيل: تجريد السرّ لورود الإلهام. القاسم: أن یحکم عليك خاطر الحق ولا تحکم عليك شهوتك. بندار بن الحسين وقد سئل عن قوله تعالى ﴿يؤتي الحكمة مَنْ يشاء﴾. فقال: سرعة الجواب مع إصابة الصواب. وقال أهل اللغة: كلّ فضل جرّك من قول أو فعل وهي أحكام الشيء المفضّل. .](٢) الحكمة الرد إلى الصواب، وحكمة الدابة من ذلك لأنّها تردّها إلى .] القصد . منصور بن عبد الله قال: سمعت الكتابي يقول: إنّ الله بعث الرسل بالنّصح لأنفس خلقه، فأنزل الكتب لتنبيه قلوبهم وأنزل الحكمة لسكون أرواحهم، والرسول داع إلى الله، والكتاب داع (١) في المخطوط: آيات. (٢) كلمة غير مقروءة في المخطوط. ٢٧٢ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي إلى أحكامه، والحكمة مشيرة إلى فضله. ﴿وَمَنْ يؤت الحكمة﴾ قرأ الربيع بن خيثم: تولي الحكمة ومَنْ تؤت الحكمة بالتاء فيها. وقرأ يعقوب ﴿ومَنْ يؤتٍ﴾ بكسر التاء أراد مَنْ يؤته الله. وقرأ الباقون ﴿ومَنْ يؤت﴾ بفتح التاء على الفعل المجهول. و﴿من﴾ في محل الرفع على اسم مالم يسمَ فاعله، والحكمة خبرها. الحسن بن دينار عن الحسن في قوله: ﴿ومن يؤت الحكمة﴾ هو الورع في دين الله عزّ وجلّ. ﴿فقد أُوتي خيراً كثيراً وما يذكّر﴾ يتعظ ﴿إلاّ أولوا الألباب﴾ ذوي العقول، واللب من العقل ما صفا من دواعي الهوى. ﴿وما أنفقتم من نفقة﴾ فيما فرض الله عليكم ﴿أونذرتم مَنْ نذر﴾ أوما أوجبتموه أنتم على أنفسكم فوقیتم به . والنذر نذران: نذرٌ في الطاعة، ونذر في المعصية. فإذا كان لله فالوفاء به واجب وفي تركه الكفّارة، وما كان للشيطان فلا وفاء ولا كفارة. ﴿فإنّ الله يعلمه﴾ ويحفظه حتّى يجازيكم به. وإنّما قال ﴿يعلمه﴾ ولم يقل يعلمها؛ لأنّه ردّه إلى الآخر منها كقوله ﴿ومن يكسب خطيئة أو أثماً ثم يرم به بريئاً﴾(١). قاله الأخفش، وإن شئت حملته على ما، كقوله تعالى: ﴿ما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾(٢) ولم يقل بها . ﴿وما للظالمين﴾ الواضعين النفقة والنذر في غير موضعها بالرياء والمعصية ﴿من أنصار﴾ أعوان يدفعون عذاب الله عزّ وجلّ عنهم، والأنصار: جمع نصير، مثل شريف وأشراف وحبيب وأحباب. ﴿إن تبدوا الصدقات فنعمًا هي﴾ وذلك أنهم قالوا: يارسول الله صدقة السر أفضل أم صدقة العلانيّة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات﴾ أي تظهروها وتعلنوها ﴿فنعما هي﴾ أي نعمت الخصلة هي. و﴿ما﴾ في محل الرفع و﴿هي﴾ لفظ في محل النصب كما تقول: نِعم الرجل رجلاً، فإذا عرفت رفعت فقلت: نعم الرجل زید. فأصله نعم ما فوصلت وادغمت، وكان الحسن يقرأها فنعم ما مفصولة على الأصل، وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع غير ورش وعاصم برواية أبي بكر. وأبو عمرو وأبو بحرية: فنِعمّا بكسر النون وجزم العين ومثله في سورة النساء، واختاره أبو عبيدة ذكر أنّها لغة النبي ◌َّ قال لعمر بن (١) سورة النساء: ١٢ . (٢) سورة البقرة: ٢٣١. ٢٧٣ سورة البقرة، الآیات: ٢٦٨ _ ٢٧١ العاص: ((نعمًا بالمال الصالح للرجل الصالح)»(١) هكذا روي في الحديث. وقرأ ابن عامر ويحيى بن ثابت والأعمش وحمزة والكسائي وخلف بفتح النون والعين فيهما . وقرأ طلحة وابن كثير ويعقوب وأيوب بكسر النون والعين واختاره أبو حاتم، وهي لغات صحيحة، ونعَم ونعم لغتان جيدتان، ومن كسر النون والعين اتبع الكسرة الكسرة لئلا يلتقي ساكنان: سكون العين وسكون الادغام. ﴿وإن تخفوها﴾ تسرّوها ﴿وتؤتوها﴾ تعطوها ﴿الفقراء﴾ في السر ﴿فهو خير لكم﴾ وأفضل، وكلٌّ مقبول إذا كانت النيّة صادقة ولكن صدقة السر أفضل. وفي الحديث: ((صدقة السر تطفي غضب الرب وتطفي الخطيئة كما يطفيء الماء النار، وتدفع سبعين باباً من البلاء)). حفص بن عاصم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّر: ((سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه: الإمام العدل، وشاب نشأ في عبادة الله عزّ وجلّ، ورجل قلبه معلّق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله فاجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها فقال: إنّي أخاف الله تعالى، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى لم تعلم يمينه ما ينفق شماله، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه))(٢) [١٩٣]. ﴿ويكفّر عنكم﴾ شهر بن حوشب عن ابن عباس أنّه قرأ ويكفّر بالياء والرفع على معنى يكفّر الله. وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو ويعقوب: بالنون ورفع الراء على الاستئناف، أي نحن نكفّر على التعظيم. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع والأعمش وحمزة والكسائي وأيوب وأبو حاتم: بالنون والجزم معاً على الفاء التي في قوله ﴿فهو خير لكم﴾ لأن موضعها جزم الجزاء. ﴿من سيئاتكم﴾ أدخل ﴿من﴾ للتبعيض، وعلّته: المشيئة ليكون العباد فيها على وجل ولا يتكوا. وقال نحاة البصرة: معناه: الاسقاط، تقديره: ونكفّر عنكم سيئاتكم. ﴿والله بما تعملون خبير﴾ وقال أهل هذه المعاني: هذه الآية في صدقة التطوّع لإجماع العلماء ان الزكاة المفروضة أعلانها أفضل كالصلاة المكتوبة. فالجماعة أفضل من أفرادها وكذلك سائر الفرائض لمعنيين: أحدهما ليقتدي به الناس. والثاني إزالة التهمة لئلا يسيء الناس به الظن ولا رياء في الغرض، فأمّا النوافل والفضائل فإخفاؤها أفضل لبعدها من الرياء والآفات، يدل عليه ما روى عمّار الذهبي عن أبي جعفر أنّه قال في قوله ﴿ان تبدوا الصدقات (١) مسند أحمد: ٤ / ٢٠٢. (٢) السنن الكبرى: ٤ / ١٩٠. ٢٧٤ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي فنعما هي﴾ قال: يعني الزكاة المفروضة، ﴿وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ يعني التطوّع. وعن معد بن سويد الكلبي يرفعه: إنّ النبيّ وَّر ◌ُسُئل عن الجهر بالقراءة والإخفاء بها فقال: ((هي بمنزلة الصدقة ﴿نعما هي وإن تُخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾)). كثير بن مرّة عن عقبة بن عامر عن النبيّ وَل قال: ((المسرّ بالقرآن كالمسر بالصدقة والجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة» [١٩٤](١). . وروى علي بن طلحة عن ابن عباس في هذه قال: جعل الله عزّ وجلّ صدقة التطوّع في السر تفضل علانيتها بسبعين ضعفاً، وصدقة الفريضة تفضل علانيتها بخمسة وعشرين ضعفاً، وكذلك جميع الفرائض والنوافل. ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَدَهُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَأَشِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّ أَبْتِغَاءُ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَنَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (َ لِلْغُفَّرَآءِ الَّذِينَ أُخْصِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْكَا فِي الْأَرْضِ يَحْبُهُمُ الْجَامِلُ أَغْنِيَاءُ مِنَ التَّعَفَّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَتْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَانَا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ. عَلِيُ ﴿ليس عليكم هداهم﴾ قال الكلبي: اعتمر رسول الله وَ ◌ّ عمرة القضاء وكانت معه في تلك العمرة أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أُمّها قتيلة وجدّتها تسألانها وهما مشركتان، فقالت: لا أعطيكما شيئاً حتّى أستأمر رسول الله وَّ فإنّكما لستما على ديني، فاستأمرته في ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمرها رسول الله وَليل بعد نزول هذه الآية أن تتصدّق عليهما فأعطتهما ووصلتهما . قال الكلبي: ولها وجه آخر وذلك إنّ ناساً من المسلمين كانت لهم رضاع في اليهود وكانوا يُنفقونهم قبل أن يسلموا فلما أسلموا كرهوا أن يُنفقونهم وأرادوهم أن يُسلموا، فأستأمروا رسول الله ◌َل﴾ فنزلت هذه الآية فأعطوهم بعد نزولها. وقال سعيد بن جبير: كانوا يتصدّقون على فقراء أهل الذمّة، فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله وَ له: ((لا تتصدّقوا إلّ على أهل دينكم)) [١٩٥](٢). فأنزل الله: ﴿ليس عليك هداهم) فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها . (١) المعجم الأوسط: ٣ / ٣٠٤. (٢) زاد المسير: ١ / ٢٨٣. ٢٧٥ سورة البقرة، الآيتان: ٢٧٢ - ٢٧٣ ﴿ولكن الله يهدي مَنْ يشاء﴾ وأراد بالهدى: التوفيق والتعريف؛ لأنّه كان على رسول الله صل﴾ هدى البيان والدعوة. وعن عمر بن عبد العزيز قال: بلغني أن عمر بن الخطاب رأى رجلاً من أهل الذمّة يسأل على أبواب المسلمين فقال: ما أنصفناك يأخذوا منك الجزية ما دمت شاباً ثم ضيّعناك اليوم، فأمر أن تجرى عليه قوته من بيت المال. ﴿وما تُنفقوا من خير فلأنفسكم﴾ شرط وجزاء، والخير هاهنا المال ﴿وما تنفقوا من خير﴾ شرط كالأوّل لذلك حذف النون منها [في الموضعين]. ﴿يوفّ إليكم﴾ جزاؤه، كأن معناه: يؤدّى إليكم، فكذلك أدخل إلى ﴿وأنتم لا تُظلمون﴾ لا تُظلمون من ثواب أعمالكم شيئاً . وأعلم إنّ هذه الآية في صدقة التطوّع، أباح الله أن يتصدّق المسلم على المسلم والذمّي، فأمّا صدقة الفرض فلا يجوز إلاّ للمسلمين، وهما أهل السهمين الذين ذكرهم الله تعالى في سورة التوبة، ثم دلّهم على خير الصدقات وأفضل النفقات، فقال الله تعالى :. ﴿للفقراء﴾ واختلف العلماء في موضع هذا اللام، فقال بعضهم: هو مردود على موضع اللام من قوله ﴿فلأنفسكم﴾ كأنّه قال: وما تنفقوا من خير فللفقراء وإنّما تُنفِقون لأنفسكم ثوابها راجع إليكم، فلمّا اعترض الكلام قوله ﴿لأنفسكم﴾ وأدخل الفاء التي هي جواب الجزاء فيها، تركت أعادتها في قوله للفقراء إذ كان معنى الكلام مفهوما . وقال بعضهم: خبر محذوف تقديره : للفقراء ﴿الذين﴾ صفتهم كذا، حق واجب، وهم فقراء المهاجرين وكانوا نحواً من أربعمائة رجل ليس لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر جعلوا أنفسهم في المسجد يتعلّمون القرآن بالليل ويرضخون بالنهار [ ... ] (١) وكانوا يخرجون في كل سريه يبعثها رسول الله وَلَ [فخرج](٢) يوماً على أصحاب الصفّة فرأى فقرهم وجهدهم فثبّت قلوبهم فقال: ((أبشروا يا أصحاب الصفّة، فمن بقي من أمّتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنّهم من رفقائي)) . وروي إنّ عمر بن الخطاب ربه أرسل إلى سعيد بن عامر بألف درهم فجاء كئيباً حزيناً فقالت له امرأته: حدث أمر، قال: أشدّ من ذلك، ثم قال: أريني درعَكِ الخلق فشقّه وجعله صُرراً ثم قام يصلّي ويبكي إلى الغداة، فلما أصبح قام بالطريق فجعل [ينفق كل] صرّة حتى أتى (١) غير مقروءة في المخطوط. (٢) غير مقروءة في المخطوط والظاهر ما أثبتناه. ٢٧٦ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي على آخرها، ثم قال: سمعت رسول الله 9 يقول: ((يجيء فقراء المهاجرين يوم القيامة للحساب فيقولون هل أعطيتمونا شيئاً فتحاسبوننا عليه فيدخلون الجنّة قبل الأغنياء بخمس مائة عام، حتّى إنّ الرجل من الأغنياء ليدخل في غمارهم فيؤخذ فيستخرج، فأراد عمر أن يجعلني ذلك الرجل وما يسرّني إنّي كنت ذلك الرجل وإن لي الدنيا وما فيها)) [١٩٦](١). ﴿أحصروا في سبيل الله﴾ أي حبسوا ومنعوا في طاعة الله ﴿لا يستطيعون ضرباً﴾ سيراً ﴿في الأرض﴾ وتصرّفا فيها للتجارة وطلب المعيشة، نظيره قوله تعالى: ﴿وآخرون يضربون في الأرض﴾(٢). قال الشاعر: ولا يبقى الكثير مع الفساد قليل المال يصلحه فيبقى [وضرب] في البلاد بغير زاد(٣) وحفظ المال أيسر من بغاه قال قتادة : معناه: حبسوا أنفسهم في سبيل الله عزّ وجلّ للغزو والعبادة فلا يستطيعون ضرباً في الأرض ولا يتفرّغون إلى طلب المعاش. وقال ابن زيد: من كثرة ماجاهدوا لا يستطيعون ضرباً في الأرض، فصارت الأرض كلّها حرباً عليهم لا يتوجّهون جهة إلّ ولهم فيها عدو . وقال سعيد: هؤلاء قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله بكل﴿ فصاروا زمنى فأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض، واختاره الكسائي، قال: أحصروا من المرض، فلو أراد الحبس لقال: حصروا، وإنّما الإحصار من الخوف أو المرض، والحصر الحبس في غيرهما(٤). ﴿يحسبهم﴾ قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة والأعمش وحمزة وعاصم يحسب وبابه بفتح السين في جميع القرآن. والباقون بالكسر. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم وقيل إنّها لغة النبيّ وَّر. عن عاصم بن لقبط بن صبرة عن أبيه وافد بني المشفق قال: قدمت على رسول الله وَل و أنا وصاحب لي فذكر حديثاً فقال والر للراعي: ((أذبح لنا شاة))، ثم قال: ((لا تحسبن أنا أنّما ذبحناها من أجلكم - ولم يقل يحسبن أنا إنما ذبحناها لك-، ولكن لنا مائة من الغنم فإذا زادت (١) تاريخ دمشق: ٢١ / ١٤٤ ط . دار الفكر . (٢) سورة المزمل: ٢٠. (٣) تاريخ دمشق: ١١ / ٣٧٢، وفيه: وعسف في البلاد، وكذا في السيرة النبوية لابن كثير: ١١٢/١. (٤) زاد المسير : ١ / ٢٨٣ . ٢٧٧ سورة البقرة، الآيتان: ٢٧٢ - ٢٧٣ شاة ذبحنا شاة لا نريد أن تزيد على المائة)) [١٩٧] (١). ﴿الجاهل﴾ بأمرهم وحالهم ﴿أغنياء من التعفف﴾ من تعففهم عن السؤال، والتعفف: [التفعل] من العفّة وهو الترك، يقال: عفّ عن الشيء إذا كفّ عنه، وعفيف إذا تكلّف في الإمساك. قال رؤية : فعفّ عن إسرارها بعد الغسق ٠٠ وقال محمد بن الفضل: يمنعهم علوّ همّتهم رفع جوابهم إلى مولاهم. ﴿تعرفهم بسيماهم﴾ قرأ حمزة والكسائي بالإمالة. الباقون بالتفخيم، والسيما والسيميا: العلاّمة التي يعرف بها الشيء، وأصلها من السِّمة، واختلفوا في السيميا التي يعرفون بها . فقال مجاهد: هو التخشّع والتواضع. الربيع والسدي: أثر الجهد من الحاجة والفقر. الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع والضر، ابن زيد: رثاثة ثيابهم فالجوع خفي على الناس، يمان: النحول والسكينة. الثوري: فرحهم بفقرهم واستقامة أحوالهم عند موارد البلاء عليهم، [المرتضى]: غيرتهم على فقرهم وملازمتهم إياه. أبو عثمان: إيثار ما يملكون مع الحاجّة إليه. قال بعضهم: تطيب قلوبهم وبشاشة وجوههم وحسن حالهم ونور اسرارهم وجولان أرواحهم في ملكوت ربّهم. ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ قال عطاء: يعني إذا كان عنده غداء لا يسأل عشاء، فإذا كان عنده عشاء لم يسأل غداء. وقال أهل المعاني: لا يسألون الناس إلحافاً ولا غير إلحاف لأنّه قال من التعفف، والتعفف ترك السؤال أصلاً وقال أيضاً: ﴿تعرفهم بسيماهم﴾ ولو كانت المسألة من شأنهم لما كان [للنبي وَلّوآ إلى معرفتهم بالعلامة والدلالة حاجة، إذ السؤال يغني عن حالهم وهذا كما قلت في الكلام: قال ما رأيت مثل هذا الرجل، ولعلّك لم ترَ مثله قليلاً ولا كثيراً، قال الله عزّ وجلّ ﴿فقليلاً ما يؤمنون﴾(٢) وهم كانوا لا يؤمنون قليلاً ولا كثيراً. وأنشد الزجاج : على لا حب لا يهتدى لمنارة (٣) إذا ساقه العود النباطي جرجرا(٤) (١) مسند أحمد: ٤ / ٣٣، والمستدرك: ٢ / ٢٣٣ . (٢) سورة البقرة : ٨٨. (٣) لسان العرب: ١٥ / ٣٢١ . (٤) تفسير كنز الدقائق : ١ / ٦٦١ . ٢٧٨ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي معناه : ليس له منار فیهتدي له. كذلك معنى الآية: ليس لهم سؤال فيقع فيه، الحاف، والإلحاف: الإلحاح واللجاج في السؤال، وهو مأخوذ من لحف الحبل وهو خشونته، كأنّه استعمل الخشونة في الطلب. روى هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: ((مَنْ سأل وله أربعون درهما فقد ألحف)) [١٩٨](١). قال هشام: قال الحسن: صاحب الخمسين درهما [غني] عطاء بن يسار عن أبي هريرة أن النبيّ وَلي قال: ((ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، إنّما المسكين المتعفّف)). اقرأوا إن شئتم ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ [١٩٩](٢). الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه وَ لجر: ((إنّ الله عزّ وجلّ يحب أن يرى أثر النعمة على عبده، ويكره البؤس والتبأوس، ويحب الحليم المتعفّف من عباده ويبغض الفاحش البذي السائل اللحف» [٢٠٠](٣). وعن قبيصة بن مخارق قال : أتيت النبيّ وَّ استعنته في حمالة فقال: ((أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فإما أن نحملها وإما أن نعينك فيها، وأعلم إنّ المسألة لا تحل إلاّ لثلاثة: لرجل يحمل حمالة عن قوم فسأل فيها حتّى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابته حاجة فأذهبت ماله فسأل حتّى يصيب سداداً من عيش أو قواماً من عيش ثم يُمسك، ورجل أصابته فاقة حتى شهد له ثلاثة من ذوي الحجا من قومه فسأل حتّى يصيب سداداً أو قواماً من عيش ثم يمسك، فما سوى ذلك من المسائل سحت يأكله صاحبه يا قبيصة سحتاً))(٤) .. وروى قتادة عن هلال بن حصن عن أبي سعيد الخدري قال: أعوزنا مرّة فقيل لي: لو أتيت رسول الله وم فسألته، فأنطلقت إليه معتفياً، فقال أوّل ما واجهني به: ((من استعفف عفّه الله ومَنْ استغنى أغناه الله ومن سألنا لم ندّخِر عنه شيئاً نجده)). قال: فرجعت إلى نفسي فقلت: ألا استعفف فعفّني الله، فرجعت فما سألت نبي الله وَل شيئاً بعد ذلك من حاجة حتّى مالت علينا الدنيا فغرقتنا(٥) إلاّ مَنْ عصمه الله محمد ◌ٍَّ(٦) إنّ الله (١) كنز العمال: ٦ / ٥١١ ح ١٦٧٧١ (٢) مسند أحمد: ٢ / ٣٩٥ . (٣) كنز العمال: ٦ / ٦٤٣ ح ١٧١٩٢ بتفاوت وفي تفسير مجمع البيان: ٢/ ٢٠٣ بتمامه . (٤) مسند أحمد : ٥ / ٦٠ . (٥) في تاريخ دمشق (٢٠ / ٣٨٨) ففرقتنا أو عرقتنا. (٦) في تفسير الطبري (٣ / ١٣٧) إلاّ من عصم الله. ٢٧٩ سورة البقرة، الآيات: ٢٧٤ - ٢٧٦ عزّ وجلّ كره لكم القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ونهى عن عقوق الأمّهات ووأد البنات وعن منع وهات(١). وقال ◌َله: ((الأيدي ثلاثة: فيد الله العيا، ويد المعطي الوسطى ويد السائل السفلى إلى يوم القيامة. ومَنْ سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة كدوحاً أو خموشاً أو خدوشاً (٢) فِي وجهه)). قيل: وما غناه يا رسول الله؟ قال: ((خمسون درهما أو عدّها من الذهب))(٣). ﴿وما تُنفقوا من خير﴾ قال ﴿فإن الله به عليم﴾ وعليه يجازيه. الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَقْوَلَهُم بَِلَيْلِ وَالنَّهَارِ سِنَّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَُّونَ ﴿٧َ الَّذِينَ بَأْكُلُونَ الرَّوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطُ مِنَ اَلْمَسَِّّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوَاْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ أَلْبَواْ وَأَعَلَ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَّمَ أَلْيَوْ فَمَنْ جَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ زَّبِّهِ، فَأَنْتَهَى فَلَمُ مَا سَلَّفَ وَأَمْرُهُ، إِلَى اللَّهِ وَمَرْ عَادَ فَأُوْلَّبِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (٤) يَمْحَقُ ◌َلَهُ الرَّبَوَأْ وَيُرْبِ اُلَّدَقَتِّ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلُّ كَفَّارٍ أَنِ ٢٧ ﴿الذين يُنفقون أموالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانيّة﴾ الآية. مجاهد عن ابن عباس قال: كان عند عليّ بن أبي طالب - كرّم الله وجهه - أربعة دراهم لا يملك غيرها، فتصدق بدرهم سرّاً، ودرهم علانيّة، ودرهم ليلاً ودرهم نهاراً، فنزلت ﴿الذين يُنفقون أموالهم بالليل والنهار) الآية(٤) . وعن يزيد بن روان قال: ما نزل في أحد من القرآن ما نزل في علي بن أبي طالب ـّه. أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((يسبق الدرهم مائة ألف)) قالوا: يارسول الله وكيف يسبق الدرهم مائة ألف؟ قال: ((رجل له درهمان فأخذ أحدهما وتصدّق به، ورجل [ ... ](٥) فأخرج من غرضها مائة ألف فتصدّق بها))(٦). وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، قال: لما أنزل الله عزّ وجلّ ﴿للفقراء الذين أُحصروا في سبيل الله﴾ الآية، بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير كثيرة إلى أصحاب الصفة حتى أغناهم، وبعث عليّ بن أبي طالب رَؤُه في جوف الليل بوسق من تمر - والوسق ستون صاعاً - (١) هكذا في المخطوط، وهكذا في تفسير مجمع البيان : ٢ / ٢٠٣. (٢) الكدح دون الخدش والخدش دون الخمش . (٣) بتفاوت في المعجم الكبير: ١٠ / ١٢٩. معاني القرآن للنحاس : ١ / ٣٠٥ ، وأسباب النزول للواحدي : ٥٨ . (٤) (٥) غير مقروءة في المخطوط. (٦) كنز العمال: ٦ / ٣٦٠ ح ١٦٠٥٩ بتفاوت يسير. ٢٨٠ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي وكان أحب الصدقتين إلى الله عزّوجل صدقة عليّ رَُّه فأنزل الله فيهما ﴿الذين يُنفقون أموالهم﴾ الآية، فعنى بالنهار علانية صدقة عبد الرحمن بن عوف وبالليل سرّاً صدقة عليّ حظُّه(١). وقال أبو امامة وأبو الدرداء ومكحول والأوزاعي ورباح بن يزيد: هم الذين يمتطون(٢) الخيل في سبيل الله يُنفقون عليها بالليل والنهار سرّاً وعلانية، نزلت فيمن لم يرتبط الخيل تخيلا ولا افتخاراً، يدلّ عليه ما روى سعيد بن سنان عن يزيد بن عبد الله بن غريب عن أبيه عن جدّه عن النبيّ ◌َ﴿ ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانية﴾ قال: ((نزلت في أصحاب الخيل)). قال غريب: والجن لا يقرب بيتاً فيه عتيق من الخيل، ويروى أنه أشار إلى بعض خيل كانت في الخيانة فأشار إلى عتاق تلك الخيل فقال: هؤلاء الذين يُنفقون أموالهم بالليل والنهار. الآية. وعن حبس بن عبد الله الصنعاني أنّه قال: حدّث ابن عباس في هذه الآية: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانية﴾ فقال: في غلف الخيل(٣). وعن أبي سريح عمّن حدّثه عن أبي الفقيه أنّه قال: مَنْ حبس فرساً كان ستره من النار، [وسقطت منه حسنة] (٤)، وكان أبو هريرة إذا مرّ بفرس سمين تلا هذه الآية، وإذا مرّ بفرس أعجف سكت. شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله وَله: ((من أرتبط فرساً في سبيل الله فأنفق عليه احتساباً، كان شبعه وجوعه وريّه وظمؤه وبوله وروثه في ميزانه يوم القيامة)). عبد الرحمن بن يزيد عن جابر عن مكحول قال: قال رسول الله وَ﴾ ((المنفق في سبيل الله على فرسه كالباسط كفّيه بالصدقة)) [٢٠١](٥) . ﴿فلهم أجرهم﴾ قال الأخفش [ ... ] (٦): إنّه جعل الخبر بالفاء إذا كان الاسم الذي وصل به [ ... ](٧)، لأنّه في معنى من وجواب من بالفاء في الجزاء، ومعنى الآية: مَنْ أنفق فله أجره. ﴿عند ربّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين يأكلون الربا) ومعنى الربا: الزيادة على أصل المال في غير بيع يقال: ربى الشيء إذا زاد، وأربى عليه و[عامل] عليه إذا زاد عليه (١) راجع زاد المسير : ١ / ٢٨٥ . (٢) في أسباب النزول: يرتبطون. (٣) أسباب النزول للواحدي : ٥٧ . (٤) تفسير الدر المنثور : ٣ / ١٩٦. (٥) أسباب النزول: ٥٧، ومسند أحمد: ٦ / ٤٥٨. (٦) غير مقروءة في المخطوط. (٧) غير مقروءة في المخطوط.