Indexed OCR Text
Pages 1-20
الكَثِفْ وَالبَيَان المعروف تَفَسِيرُ التَّعَلَبِّ للإمَامِ الَهَامِ أبو إِسْحَاق أحمد المعَرُوف بالإمَامِ التَّعَلبي ت ٤٢٧ هـ دراسة وتحقيق الإمَام أبي محمَد مِن عَاشور مُرَاجَعَة وَتدقيق الأسْتَاذ نَظير السَّاعِدي الجزء الثاني XX كَرَاء الْرَائِالَ بيروت - لبنان X X XX XX XX XX XX جميع الحقوق محفوظة للناشر الطبعة الاولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI Publishing & Distributing دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان .. شارع دكاش - هاتف: ٢٧٢٦٥٢ - ٢٧٢٦٥٥ - ٢٧٢٧٨٢ - ٢٧٢٧٨٣ فاكس: ٨٥٠٧١٧ - ٨٥٠٦٢٣ ص.ب: ١١/٧٩٥٧ Beyrouth - Liban - Rue Dakkache - Tel. 272652 - 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717 - 850623 P.O.Box; 7957/11 الكَثِّفْ وَالبَيّان المَعْروف تفسير الثعلبي سورة البقرة، الآيات: ١٣٨ - ١٤١ تكملة سورة البقرة صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ وََحْنُ لَهُ عَلَبِدُونَ (١٣) قُلْ أَتُّمَاْجُونَنَا فِىِ اَللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَّا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٦) أَمْ نَقُولُونَ إِنَّ إِزْهِعَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودَّا أَوْ تَصَرَىَّ قُلْ ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اَللَّهُ وَمَّنْ أَظْلَمُ مِمَّنَ كَتَمَ شَهَدَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَنَّا تَعْمَلُونَ (١٤) تِلْكَ أُمَّةٌ فَّدْ خَلَتْ لَمَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمِ نَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُنْشَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿صبغة الله﴾ قال أبو العالية: دين الله. مجاهد: الإسلام. ابن عبّاس: هي إنّ النّصارى كانوا إذا ولد لأحدهم ولد، وأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم يُقال له: المعبودي وصبغوه به؛ ليطهّروه بذلك مكان الختان، وإذا فعلوا ذلك به قالوا : الآن صار نصرانياً حقاً. فأخبر الله تعالى: إنّ دينه الإسلام لا ما يفعل النصارى. ابن كيسان: صبغة الله: وجهة الله يعني القبلة. قال: ويُقال: حُجة الله التي احتج بها على عباده. أبو عبيدة والزجاج: خلقة الله من صبغت الثوب إذا غيّرت لونه وخلّقته. فيكون المعنى: إنّ الله أبتدأ الخلقة على الإسلام، دليلهُ قول مقاتل في هذه الآية ﴿فطرة الله التي فطر النّاس عليها﴾(١). أي دین الله. ويوضحه ما روى همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبيّ وَّ قال: «ما من مولود إلاّ وهو على هذه الفطرة. فأبواه يهودانه أو ينصّرانه، كما تولد البهيمة [بهيمة جمعاء](٢) فهل تجدون فيها من جدعاً حتّى تكون الأم تجدعونها)). قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ (١) سورة الروم: ٣٠. (٢) زيادة عن تفسير ابن كثير: ١ / ٥٦٩. ٦ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) [١] .. أبو عبيدة: سنّة الله، وقيل: هو الختان لأنّه يصبغ صاحبه بالدم، وفي الخبر: الختان سنّة للرجال مكرمة للنساء، وهي نصب على الاغراء تقديره: اتبعوا وألزموا صبغة الله. وقال الأخفش: هي بدل من قوله ﴿ملّة إبراهيم﴾ . ﴿ومن أحسن من الله صبغة﴾ ديناً. ﴿ونحن له عابدون﴾ مطيعون. ﴿قل﴾ يا محمّد لليهود والنصارى: ﴿أتحاجّوننا﴾ أتجادلوننا وتخاصمونا، وقرأ الأعمش. والحسن وابن محيصن: بنون واحدة مشدّدة. وقرأ الباقون: بنونين خفيفتين إتباعاً للخط. ﴿في الله﴾ في دين الله وذلك بأن قالوا: يا محمّد إنّ الأنبياء كانوا منّا وعلى ديننا. ﴿وهو ربّنا وربّكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ مقاتل والكلبي: لنّ ديننا ولكم دينكم. ﴿ونحن له مخلصون﴾ موحدون، وهذه الآية منسوخة بآية السّيف. فصل في معنى الإخلاص سُئل الحسن عن الاخلاص ما هو؟ فقال: سألت حُذيفة عن الإخلاص ما هو؟ فقال: سألت رسول الله وَلّر عن الإخلاص ما هو؟ قال: ((سألت ربّ العزة عن الإخلاص ما هو؟)) قال: ((سرٌ من أسراري استودعته قلب من أحببت من عبادي)) [٢](١) . وعن أبي أدريس الخولائي قال: قال رسول الله وَله: ((إنّ لكلّ حق حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتّى لا يحبّ أن يحمد على شيء من عمل الله)) [٣](٢). وقال سعيد بن جبير: الاخلاص أن يخلص العبد دينه وعمله لله ولا يشرك به في دينه ولا يرائي بعمله أحداً . محمّد بن عبد ربّه قال: سمعت الفضيل يقول: ترك العمل من أجل النّاس رياءً والعمل من (١) تفسير القرطبي: ١٤٦/٢، وفتح الباري: ٩٤/٤ بتفاوت. (٢) تفسير مجمع البيان: ١/ ٤١٠، وروضة الواعظين: ٤١٤. ٠٠ ٧ سورة البقرة، الآيتان: ١٤٢ - ١٤٣ أجل النّاس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما . وقال يحيى بن معاذ: الإخلاص تميّز العمل من العيوب كتميّز اللبن من بين الفرث والدم. أبو الحسن البوشجي: هو ما لا يكتبه الملكان ولا يفسده الشيطان ولا يطلع عليه الإنسان. رؤيم: هو ارتفاع رؤيتك من الظّل. وقيل: ما يرى به الحق ويقصد به الصدق. وقيل: ما لا يشوبه الآفات ولا تتبعه رخص التأويلات. وقيل: ما استتر من الخلائق واستصفى من العلائق. حذيفة [الاخلاص]: هو أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن. أبو يعقوب المكفوف: أن یکتم حسناته كما يكتم سيئاته. سهل بن عبد الله: ألاّ يُرائي. عن أحمد بن أبي الجماري قال: سمعت أبا سليمان يقول: للمُرائي ثلاث علامات يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان في النّاس، ويزيد في العمل إذا أُثني عليه. ﴿أم تقولون﴾ قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف وحفص: بالتاء واختاره أبو عبيد، وقرأ الباقون بالياء، واختاره أبو حاتم. فمن قرأ بالتاء فاللمخاطبة التي قبلها ﴿قل أتحاجوننا في الله﴾ والتي بعدها ﴿قل ءأنتم أعلم أم الله﴾ ومن قرأ بالياء فهو أخبار عن اليهود والنّصارى. ﴿إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى﴾ قال الله: ﴿قُل﴾ يا محمّد. ﴿«أنتم أعلم﴾ بدينهم. ﴿أم الله﴾ وقد أخبرني الله إنّه لم يكن يهوديّاً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً. ﴿ومن أظلم ممّن كتم﴾ أخفى. ﴿شهادة من عند الله﴾ وهو علمهم إنّ إبراهيم وبنيّه كانوا مسلمين، وأن محمّداً وَلّله حق ورسول .. ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ ﴿تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت﴾ الآية. سَيَقُولُ أَلْسُّغَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَِّهُمْ عَنْ قِلَنِهِمُ أَلَّى كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِلَِّ الْمَشْرِفُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِى (١٢) وَكَذَلِكَ جَمَلْنَكُمْ أُمَّةُّ وَسَطَّا إِنَكُونُواْ شُهَدَآءُ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا أَلْقِبْلَةَ الَتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِتَنْ يَنْقَلِبُ عَلَ عَقِبَيَّةٍ وَإِنَ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَنَّ اللَّهُ يُضِيعَ إِيمَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَّءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿سيقول السُفهاء﴾ الجهال. ٨ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي ﴿من النّاس ما ولاهم﴾ صرفهم وحوّلهم. ﴿عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ من بيت المقدس. نزلت في اليهود ومشركي العرب بمكّة ومنافقي المدينة طعنوا في تحويل القبلة وقال مشركوا مكّة: قد تردّد على محمّد أمره واشتاق إلى مولده ومولد آباءه قد توجّه نحو قبلتکم وهو راجع إلی دینکم عاجلاً . قال الله ﴿قل لله المشرق والمغرب﴾ ملكاً والخلق عبيدهُ يحولهم كيف شاء. ﴿يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ ﴿وكذلك جعلناكم أُمّة وسطاً﴾ عدلاً خياراً. تقول العرب: إنزل وسط الوادي: أي تخيّر موضعاً فيه، ويُقال لرسول الله وَلقر هو وسط قريش نسباً أي خيرهم: قال الله تعالى ﴿وقال أوسطهم﴾(١)، أي أخيرهم وأعدلهم، وأصله هو أنّ خير الأشياء أوسطها. قال زهير: هم وسط ترضى الأنام لحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم وقال الكلبي: يعني متوسطة أهل دين وسط بين الغلو والتقصير لأنّهما مذمومان في الدّين. · قال ثعلب: يُقال: جلس وسط القوم ووسط الدّار، وكذلك فيما يُحتمل البينونة [واحتمل وسطاً له](٢) بالفتح وكذلك فيما لا يحتمل البينونة. نزلت هذه الآية في مرحب وربيع وأصحابهما من رؤساء اليهود قالوا لمعاذ بن جبل: ما ترك محمّد قبلتنا إلاّ حسداً، وإنّ قبلتنا قبلة الأنبياء، ولقد علم محمّد إنّا عدل بين النّاس. فقال معاذ: إنّا على حق وعدل. فأنزل الله ﴿وكذلك﴾ أي وهكذا، وقيل الكاف فيه للتشبيه تقديره: وكما اخترنا إبراهيم وذريته واصطفيناهم كذلك جعلناكم أُمّة وسطاً. مردودة على قوله ﴿ولقد اصطفيناه في الدنياً﴾(٣) الآية. ﴿لتكونوا شهداء على النّاس﴾ يوم القيامة أنّ الرُّسل قد أبلغتهم. ﴿ويكون الرّسول﴾ محمّد ◌َّر. ﴿عليكم شهيداً﴾ معدلاً مزكيّاً لكم؛ وذلك إنّ الله تعالى جمع الأولين والآخرين في صعيد واحد يُسمعهم الدّاعي، وينقذهم البصر ثمّ يقول كفّار الأُمم. ألم يأتكم نذير فتشكرون، ويقولون: ما جاءنا من نذير. فُيُسأل الأنبياء عن ذلك فيقولون: قد كذّبوا، قد بلغناهم وأُعذرنا إليهم: فيسألهم البينّة، وهو أعلم بأقامة الحجة. فيُوتى بأمّة محمّد ◌َ﴿ فيشهدون لهم. إنّهم قد بلغوا . فتقول الأُمم الماضية: من أين علموا بذلك وبيننا وبينهم مدة مريدة؟ (١) سورة القلم: ٢٨. (٢) كلام غير مقروء وما أثبتناه هو الظاهر. (٣) سورة البقرة: ١٣٠. ٩٠ سورة البقرة، الآيتان: ١٤٢ - ١٤٣ فيقولون: علمنا ذلك باخبار الله أيانا في كتابه الناطق على لسان رسوله الصادق. فيؤتى محمّد ◌َّ فيسأل عن حال أُمّته. فيزكّيهم ويشهد لصدقهم. ﴿وما جعلنا القبلة الّتي كنت عليها﴾ يعني التحويل عن القبلة الّتي كنت عليها وهي بيت المقدس . وقيل: معناه القبلة الّتي أنت عليها أي الكعبة كقوله ﴿كنتم خير أمة﴾(١) أي أنتم. ﴿إِلّ لنعلم﴾ لنرى ونميّز ﴿مَن يتّبع الرسول﴾ في القبله. ﴿ممّن ينقلب على عقبيه﴾ فيرتد ويرجع إلى قبلته الأولى هذا قول المفسرين وقال أهل المعاني: معناه إلّ لعلمنا مَن يتبع الرسول ممّن ينقلب على عقبيه كأنّه سبق ذلك في علمه إنّ تحويل القبلة سبب هداية قوم وضلالة أخرين، وقد تضع العرب لفظ الاستقبال موضع المضي كقوله: ﴿فلَ تقتلون أنبياء الله من قبل﴾(٢) أي قتلتم. وأنزل بعض أهل اللّغة: للعلم منزلتين: علماً بالشيء قبل وجوده وعلماً به بعد وجوده والحكم للعلم الموجود لأنّه يوجب الثواب والعقاب فمعنى قوله ﴿لنعلم﴾ أي لنعلم العلم الّذي يستحقّ به العامل الثّواب والعقاب وهذا على معنى التقدير كرجل قال لصاحبه: النّار تحرق الحطب، وقال الآخر: لا، فردّ عليه. هات النّار والحطب، ليعلم إنّها تحرقه أي ليتقرر علم ذلك عندك. وقوله: لنعلم تقديره ليتقرّر علمنا عندكم، وقيل معناه: ليعلم محمّد وَله فأضاف علمه ◌ِالَّارُ إلى نفسه سبحانه تخصيصاً وتفصيلاً كقوله: ﴿إنّ الذين يؤذون الله﴾(٣) وقوله ﴿فلما أسفونا إنتقمنا﴾(٤) ونحوهما ﴿وإن كانت﴾ وقد كانت توليه القبلة وتحويلها فأنّث الفعل التأنيث الإسم كقولهم: ذهبت بعض أصابعه وقيل: هذه الكناية راجعة إلى القبلة بعينها أراد وان كانت الكعبة. ﴿الكبيرة﴾ ثقيلة شديدة. ﴿إلاّ على الّذين هدى الله﴾ أي هداهم الله وقال سيبويه: (وانّ) تأکید منه باليمين ولذلك دخلت اللآم في جوابها . ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ وذلك إنّ يحيى بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس أكانت هدىً أم ضلاله؟ فإن كانت هدىً فقد تحولتم عنها وان كانت ضلالة لقد دنتم الله بها فإن من مات منكم عليها لقد مات على الضلالة. (١) سورة آل عمران: ١١٠. (٢) سورة البقرة: ٩١. (٣) سورة الأحزاب: ٥٧. (٤) سورة الزخرف: ٥٥. ١٠ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي قال المسلمون: إنّما الهدى ما أمر الله تعالى به والضلالة ما نهى الله عنه. قالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا؟ وكان مات قبل أن تحوّل القبلة؟ أسعد بن زرارة من بني النجّار والبراء بن معرور من بني سلمة وكانا من النقباء ومات رجال آخرون. فانطلقت عشائرهم إلى النبيّ ◌َّ فقالوا: يا رسول الله قد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم فكيف إخواننا الّذين ماتوا وهم يصلّون إلى بيت المقدس فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾(١) أي صلاتكم إلى بيت المقدس. ﴿إن الله بالنّاس لرؤوف رحيم﴾ وفي رؤوف ثلاث قراءات: مهموز مثقّل وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص واختيار أبو حاتم قال: لأنّ أكثر أسماء الله على فعول وفعيل. قال الشاعر: هو الرّحمن كان بنا رؤوفا نطيع رسولنا ونطيع ربّاً وروف غير مهموز مثقّل قراءة أبي جعفر. ورؤف مهموز مخفف وهي قراءة الباقين واختيار أبي عبيد. قال جرير: ترى للمسلمين عليك حقّاً. كفعل الوالد الرؤف الرّحيم فالرأفة أشدّ الرحمة . قَدْ زَّى تَقَلُّتَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَنَّوَلِّيَّنَّكَ قِبْلَةُ تَرْضَهَا فَوَلْ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ الْعَرَاءِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَظَرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّيِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِعَّفِلٍ عَنَّا يَعْمَلُونَ (13) وَلَيْنَ أَتَبْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا فِلَتَكَّ وَمَّا أَنْتَ بِتَابِعٍ فِلَهُمَّ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعِ قِبْلَةً بَعْضٍّ وَلَيْنِ أَنَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَآَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنََّكَ إِذَّا لَّمِنَ الَِّينَ ﴿ الَّذِينَءَاتَيْتَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَتَكْتُونَ الْحَقِّ وَهُمْ أَلْحَقُّ مِن رَّيِّكَّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٤] يَعْلَمُونَ (٦) ﴿قد نرى تقلّب وجهك في السّماء﴾ إنّ أوّل ما نسخ من أمور الشرّع أمر القبلة وذلك إنّ رسول الله ( وأصحابه كانوا يصلّون بمكّة إلى الكعبة فلمّا هاجر النبيّ وَّ إلى المدينة وقدمها لليلتين خليا من شهر ربيع الأوّل أمره تعالى أن يصلّ نحو الصخرة ببيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إيّاه إذا صلّى إلى قبلتهم مع ما يجدون من نعته في التوراة هذا قول عامّة المفسّرين . (١) سورة البقرة: ١٤٣. ١١ سورة البقرة، الآيات: ١٤٤ - ١٤٧ وقال عبد الرحمن بن زيد: قال الله لنبيه وَله: ﴿فأينما تولّوا فثمّ وجه الله﴾ قال رسول الله ◌َلّ: ((هؤلاء يهود يستقبلون بيتاً من بيوت الله، فلو [أنّا] استقبلناه)) [٤](١) فاستقبله النبيّ وَ الر، قالوا جميعاً: فصلّى النبيّ وأصحابه نحو بيت المقدس سبعة عشر شهراً وكانت الأنصار قد صلّت إلى بيت المقدّس سنتين قبل قدوم النبيّ ◌ِّر. وكانت الكعبة أحبّ القبلتين إلى النبيّ وَّه، واختلفوا في السبب الّذي كان وَّل يكره من أجله قبلة بيت المقدس ويهوى قبلة الكعبة . فقال ابن عبّاس: لأنّها كانت قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. مجاهد: من أجل أنّ اليهود قالوا: يخالفنا محمّد في ديننا ويتّبع قبلتنا . مقاتل بن حيّان: لمّا أمر رسول الله وسل﴿ أن يصلّي نحو بيت المقدس قالت اليهود: زعّم محمّد أنّه نبي وما يراه أحد إلاّ في ديننا، أليس يصلّي إلى قبلتنا ويستنّ بسنّتنا فإن كانت هذه نبوّة فنحن أقدم وأوفر نصيباً فبلغ ذلك رسول الله وَله فشقّ عليه وزاده شوقاً إلى الكعبة. ابن زيد: لمّا استقبل النبيّ بَّ بيت المقدس بلغه أنّ اليهود تقول: والله ما ندري محمّد وأصحابه أين قبلتهم حتّى هديناهم. قالوا جميعاً فقال رسول الله وآله لجبرئيل: ((وددت أنّ الله صرفني من قبلة اليهود إلى غيرها فإنّي أبغضهم وأبغض توافقهم)) [٥]. فقال جبرئيل: إنما أنا عبد مثلك ليس إليَّ من الأمر شيئاً فاسأل ربّك(٢)؟ فعرج جبرئيل وجعل رسول الله يديم النظر إلى السّماء رجاءَ أنْ ينزل عليه جبرئيل بما يجيء من أمر القبلة. ﴿قد نرى تقلّب وجهك في السّماء﴾ تحوّل وتصرف وجهك يا محمّد في السّماء. ﴿فلنولّينّك﴾ فلنحوّلّك ولنصرفتّك. ﴿قبلة ترضاها﴾ تحبّها وترضاها. ﴿فولٌ وجهك شطر المسجد الحرام﴾ أي نحوه وقصده. واطعن بالقوم شطر الملوك قال الشاعر : حتّى إذا خفق المخدج (١) تفسير الطبري - جامع البيان -: ٧٠٢/١. (٢) أسباب النزول للواحدي: ٢٦، والدر المنثور: ١٤٢/١. ١٢ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي أي: نحوهم وهو نصب على الظرف. والمسجد الحرام: المحرّم كالكتاب بمعنى المكتوب والحساب بمعنى المحسوب. ﴿وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم﴾ في برِّ أو بحر أو سهل أو جبل شرق أو غرب ﴿فولّوا وجوهكم شطره﴾ فحوّل القبلة في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين. مجاهد وغيره: نزلت هذه الآية ورسول الله وَليل في مسجد بني سلمة، وقد صلّى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحوّل في الصلاة واستقبل الميزاب، وحوّل الرّجال مكان النساء والنساء مكان الرجال فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين. قال ابن عبّاس: البيت كلّه قبلة وقبلة البيت الباب والبيت قبلة أهل المسجد والمسجد قبلة أهل الحرم والحرم قبلة أهل الأرض كلّها فلمّا حوّلت القبلة إلى الكعبة قالت اليهود: يا محمّد ما أمرت بهذا . يعنون القبلة . وما هو إلاّ شيء تبتدعه من تلقاء نفسك. قتادة: فصلّى إلى بيت المقدس وتارة يصلّي إلى الكعبة ولو ثبتّ على قبلتنا لكنّا نرجوا أن تكون صاحبنا الّذي ننتظره ورأيناكم تطوفون بالكعبة وهي حجارة مبنية فأنزل الله: ﴿وإنّ الّذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنّه الحقّ﴾ يعني أمر الكعبة الحقّ. ﴿من ربّهم) وإنّها قبلة إبراهيم ثمّ هددهم فقال: ﴿وما الله بغافل عمّا يعملون﴾ [قرأ ابو جعفر وابن ... والكسائي بالتاء وقال بريد: إنكم يا معشر ... تطلبون وصالي وما ... عن ثوابكم وجوابكم. وقرأ الباقون ... يعني ما الله بغافل عما يعمل اليهود فأجازيهم في الدنيا والاخرة] (١) ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب﴾ يعني يهود المدينة، ونصارى نجران. قالوا للنبيّ وَ ل آتنا بآية كما أتى بها الأنبياء قبلك، فأنزل الله تعالى ﴿ولئن أتيت الّذين أوتوا الكتاب﴾. ﴿بكل آية ما تبعوا قبلتك﴾ يعني الكعبة، وقال الأخفش، والزّجاج: أجيئت لئن بما لأنّها بمعنى لو، وقيل: إنّها أجيبت بما لما فيه من معنى اليمين كأنّه قال: والله لئن أتيت الّذين أوتوا الكتاب بكل آية إلى ﴿وما أنت بتابع قِبلتَهُم﴾؛ لأن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنّصارى تستقبل المشرق. ﴿ولئن اتبعت أهواءَهم﴾ مرادهم في أمر القبلة. ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾ إنّها حقّ وإنّها قبلة إبراهيم. ﴿إنّك إذاً لمن الظالمين﴾ الجاحدين الضارين أنفسهم. ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ يعني مؤمني أهل الكتاب عبدالله بن سلام وأصحابه. (١) عن هامش المخطوط . ٠٦ ١٣ سورة البقرة، الآيات: ١٤٨ - ١٥٢ ﴿يعرفونه﴾ يعني محمّداً ﴿كما يعرفون أبناءهم﴾ من بين النصارى. الكلبي عن الربيع عن ابن عبّاس قال: لمّا قدم رسول الله وَّل المدينة قال عمر لعبد الله ابن سلام: لقد أُنزل الله على نبيّه ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ فکیف یا عبدالله هذه المعرفة؟ فقال عبد الله بن سلام: يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب، وأنا أشدّ معرفةً بمحمّد منّي لابني، فقال عمر: وكيف ذاك؟ فقال: أشهد إنّه رسول حقّ من الله، وقد نعته الله في كتابنا وما أدري ما تصنع النساء، فقال له عمر: وفقك الله يا بن سلام فقد صدقت وأصبت. ﴿وإنّ فريقاً منهم ليكتمون الحقّ﴾ يعني صفة محمّد ◌َّ وأمر الكعبة. ﴿وهم يعلمون﴾ ثمّ قال ﴿الحقّ﴾ أي هذا الحقّ خبر ابتداء مضمر. وقيل: رفع باضمار فعل أي جاءك الحقّ كما قال ﴿وجاءك في هذه الحقّ﴾(١) وقرأ علي ابن أبي طالب كرّم الله وجهه ﴿الحقّ من ربّك﴾ نصباً على الأغراء. ﴿فلا تكوننّ من الممترين﴾ الشاكيّن مفتعل من المرية والخطاب في هذه الآية: وفي ما قبلها للنبيّ وَّر والمراد به غيره وكلّ ما ورد عليك من هذا النحو فهو سبيله. وَلِكُلِّ وِجِهَةُ هُوَ مُوَلِهَا فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَبِنَّ مَا تَكُونُواْ بَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوْلِ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَاءِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكٌ وَمَا اللَّهُ بِفَضْلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٤٩) وَمِنْ حَيْثُ حَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ مَطَرَةُ ◌ِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ وَلِأُثِّمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (َّ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيَكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَِّنَا وَيُزَكِيْكُمْ وَيُعَلِمُكُمُ الْكِتَبَ وَاْحِكْمَةُ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ﴿١٤٠) فَأَذَّكُرُوِيٌّ أَذْكُرُّكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِ وَلَا تَكْفُرُونِ ﴿ولكلّ وجهة﴾ أي ولكلّ أهل ملّة قبلة. ﴿وهو مولّيها﴾ مستقبلها ومقبل إليها يُقال: ولّيته، وولّيت إليه . إذا أقبلت إليه وولّيت عنه إذا أدبرت عنه . وأصل التولية: الإنصراف، وقرأ ابن عبّاس وابن عامر وأبو رجاء وسليمان بن عبدالملك: هو مولاها : أي مصروف إليها . (١) سورة هود: ١٢٠. ١٤ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي وفي حرف أُبي: ولكّ قبلة هو مولّيها، وفي حرف عبدالله: ولكلّ جعلنا قبلة هو موليها . ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ وبادروا فعل الخيرات، ومجازه فاستبقوا إلى الخيرات: أي يسبق بعضكم بعضاً؛ فحذف حرف الخبر. كقول الشاعر: ومن يمل سواكم فإني منه غير مائلٍ وهو الداعي [ ...... ](١) عليكم بالحرب اراد من يمل إلى سواكم. ﴿أينَ ما تكونوا﴾ يريد أهل الكتاب. ﴿يأتِ بكم الله جميعاً﴾ يوم القيامة؛ فيجزيكم بأعمالكم. ﴿إن الله على كلّ شيءٍ قدير﴾ ﴿ومن حيثُ خرجت﴾ حيث حرف بدل على الموضع، وفيه ثلاث لغات: بالياء وحرف الثاء وهي لغة قريش، وقراءة العامّة، واختلفوا في وضع رفعها فقيل: هو مبني على الضم مثل: منذ وقط، وقيل: رفع على الغاية كقوله ﴿لله الأمر من قبلُ ومن بعد﴾(٢). وحيث: بالياء ونصب الثاء وهي قراءة عبيد بن عمير. قال الكسائي: إنّما نُصب بسبب الياء لأنّها ساكنة وإذا اجتمع ساكنان في حرف حركوا الثاني إلى الفتح؛ لأنّه أخف الحركات مثل: ليت وكيف. وحوثُ: بالواو والضم وهي لغة ابن عمر. يروى إنّهُ سئل أين يضع المصلّى يده في الصلاة، فقال: ارم بهما حوثُ وقعتا. ﴿فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وإنّه للحقّ من ربّك﴾ إلى ﴿وَحيثُ ما كنتم﴾ أيّها المؤمنون. ﴿فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للنّاس عليكم حجة﴾ هي لام كي دخلت على أن فكتبت بالكسرة ما قبلها، وترك بعضهم همزها تخفيفاً، والحجة فعلة من الحج وهو الفصل، ومنه المحجة وهي الطريق الواضح المسلوك؛ لأنّه مقصود، ويُقال: للمخاصمة محاجة لقصد كلّ واحد من الخصمين إلى إقامة بينته، وإبطال ما في يد صاحبه. واختلفوا في تأويل هذه الآية ووجه قوله ﴿إلّ﴾ فقال بعض أهل التأويل: ومعنى الآية حوّلت القبلة إلى الكعبة لئلاّ يكون للنّاس عليكم حجّة إذا صلّيتم إليها فيحتجّون عليكم ويقولون: لم تركتم التوجه إلى الكعبة وتوجهتم إلى غيرها لولا إنّه ليست لكم قبلة؟ (١) كلمة سقط في المخطوط. (٢) سورة الروم: ٤. ١٥ سورة البقرة، الآيات: ١٤٨ - ١٥٢ ﴿إلّ الّذين ظلموا﴾ وهم قريش واليهود وأمّا قريش فتقول إنّما رجع إلى الكعبة لأنّه عليم أنّها قبلة آبائه وهي الحقّ وكذا يرجع إلى ديننا ويعلم أنّه الحقّ، وأمّا اليهود فإنّهم يقولون لم ينصرف عن بيت المقدس مع علمه بأنّه حق إلاّ إنّه إنّما يفعل برأيه فيزعم إنّه أَمر به، وهذا القول اختيار المفضّل بن سلمة الضبي وهو قول صحيح مرضي. وقال قوم: معنى الآية ﴿لئلا يكون للنّاس عليكم﴾ يعني لأهل الكتاب عليكم حجّة وكانت حجّتهم على رسول الله وَّله وأصحابه في صلاتهم نحو بيت المقدّس إنّهم كانوا يقولون: ما درى محمّد وأصحابه أين قبلتهم حتّى هديناهم نحن، وقولهم: يخالفنا محمّد في ديننا ويتّبع قبلتنا فهذه الحُجّة التي كانوا يحتجوّن بها على المؤمنين على وجه الخصومة والتموية بها على الجّهال من المشركين ثمّ قال ﴿إلّ الّذين ظلموا﴾ وهم مشركوا مكّة وحجّتهم إنّهم قالوا: لمّا صرفت القبلة إلى الكعبة أنّ محمّداً قد تحيّر في دينه فتوجّه إلى قبلتنا وعلم إنّا أهدى سبيلاً منه وانّه لا يستغني عنّا ويوشك أن يرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والربيع والسّدي واختيار محمد بن جرير. وعلى هذين القولين إلّ استثناء صحيح على وجه نحو قولك: ما سافر أحد من النّاس إلاّ أخوك فهو إثبات للأخ من السفر، وما هو منفي عن كلّ أحد من النّاس، وكذلك قوله تعالى ﴿لئلا يكون للنّاس عليكم حجة إلّ الذين ظلموا﴾ من قريش نفي عن أن يكون لأحد حجة قبل رسول الله ◌َ﴿ وأصحابه بسبب تحولهم إلى الكعبة ﴿إلّ الّذين ظلموا﴾ من قريش فإن لهم قبلهم حجة لما ذكرنا . ومعنى الحجة في هذين القولين: الخصومة والجدل، والدعوى بالباطل كقوله ﴿لا حجة بيننا وبينكم﴾(١): أي لا خصومة، وقوله ﴿أتحاجوننا في الله﴾(٢) وليحاجوكم وتحاجون وحاججتم كلّها بمعنى المجادلة . والمخاصمة لا بمعنى الدليل والبرهان، وموضع الّذين خفض كأنه قال: إلاّ للذين ظلموا. فلما سقطت اللام حلّت (الّذين) محلها قاله الكسائي. (١) منهم ردّ إلى لفظ الناس؛ لأنّه ](٣) قال الفراء: موضعه نصب بالاستثناء، وإنما [ عام، وإن كان كلّ واحد منهم غير الآخر والله أعلم، وقال بعضهم: هو استثناء منقطع من الكلام الأول ومعناه إلاّ يكون للنّاس كلّهم عليكم حجة اللّهمّ إلاّ الّذين ظلموا فإنّهم يحاجونكم في الباطل ويجادلونكم بالظلم، وهذا كما يقول للرجل: النّاس كلّهم لك سامرون إلاّ الظالم ... ] (٤) ذلك بتركه حمدك لعداوته لك، وكقولك للرجل: مالك عندي حق لك: يعني لا [ (١) سورة الشورى: ١٥. (٣) كلمة غير مقروءة. (٢) سورة البقرة: ١٣٩. (٤) سقط في أصل المخطوط. ١٦ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي إلاّ أن تظلم، ومالك حجة إلاّ الباطل، والباطل لا يكون حجّة، وهذا استثناء من غير الحسن. كقول القائل: ليس في الدّار أحد إلّ الوحش. كقول النابغة: وما بالرّبع من أحد إلاّ وأرى لأياماً. أمنّها وننوي كالحوض بالمظلومة الجلد وهذا قول الفراء والمؤرخ. وقال أبو روق: ﴿لئلا يكون للنّاس﴾ يعني اليهود عليكم حجة؛ وذلك إنّهم كانوا قد عرفوا إنّ الكعبة قبلة إبراهيم وقد كانوا وجدوا في التوراة أنّ محمّداً سيحوّل إليها. فحوّلهُ الله إليها لئلا يكون لهم حجة فيحتجون، بأن هذا النبيّ الّذي نجده في كتابنا سيحوّل إليها ولم تحوّل أنت فلمّا حوّل النبيّ ◌َِّ ذهبت حجّتهم ثمّ قال: ﴿إِلّ الّذين ظلموا﴾ منهم يعني إلاّ أن يظلموكم فيكتموا ما عرفوا .. وقال الأخفش: معناه لكفى الّذي ظلموا مالهم به من علم إلاّ إتّباع الظن يعني: لكن يتبعون الظّن، قوله: ﴿وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلاّ ابتغاء وجه ربّه﴾(١) يعني لكن تبتغى وجه ربّك فيكون منفرداً من الكلام الأوّل. وروى أبو عبيد عن أبي عبيدة إنّه قال: ليس موضع إلّ هاهنا موضع الاستثناء لأنّه لا يكون للظالم حجّة إنّما هو في موضع واو العطف كأنّه قال: ولا الّذين ظلموا يعني والّذين ظلموا لا يكون لهم أيضاً حجّة. وأنشد المفضل: دار الخليفة إلاّ دار مروانا (٢) ما بالمدينة دار غير واحدة وأنشد أيضاً : لعمر أبيك إلاّ الفرقدان وكلّ أخ مفارقة أخوه يعني والفرقدان أيضاً متفرقان وأنشد الأخفش : ـدان لم يدرس لــهـا رسم وارى لها داراً بأغدرة السيـ إلاّ رماداً هامداً دفعت عنه الرياح خوالد سحم(٢) أي: وأرى داراً ورماداً، يؤيّد هذا القول ما روى أبو بكر بن مجاهد عن بعضهم إنّه قرأ (١) سورة الليل: ١٩. (٢) مجمع البيان: ٤٢٧/١. (٣) مجمع البيان: ١/ ٤٢٧. ١٧ سورة البقرة، الآيات: ١٤٨ - ١٥٢ بعضهم: (إلى الّذين ظلموا) مخفّفا يعني مع الّذين ظلموا. ومعنى الآية: لئلاً يكون للنّاس، يعني اليهود عليكم حجّة في أمر الكعبة حيث لا يستقبلونها وهي قبلة إبراهيم فيقولون لكم تزعمون إنّكم على دين إبراهيم ولم تستقبلوا قبلته ولا للذين ظلموا وهم مشركوا مكّة لأنّهم قالوا: إنّ الكعبة قبلة جدّنا إبراهيم فما بال محمّد تحوّل عنها فلا يصلّ إليها ويصلّي إلى قبلة اليهود. وقال قطرب: معناها إلاّ على الّذين ظلموا فيكون ردّه على الكاف والميم أي إلاّ على الّذين ظلموا فإنّ عليهم الحجّة فحذف حرف الجر وهذا إختيار أبي منصور الأزهري. قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم الحبيبي يحكيها عنه وحكى محمّد بن جرير عن بعضهم إنّه قال: ﴿إلّ الّذين ظلموا﴾ هاهنا ناس من العرب كانوا يهوداً ونصارى وكانوا يحتجّون على النبيّ وَّ فأمّا سائر العرب فلم يكن لهم حجّة وكانت حجّة من إحتجّ أيضاً داحضة باطلة لأنّك تقول لمن تريد أن تكسر حُجّته عليه: أنّ لك عليّ حجّة ولكن منكسرة إنك لتحتجّ بلا حجّة وحجّتك ضعيفة، فمعنى الآية: ﴿إلاّ الذين ظلموا منهم﴾ من أهل الكتاب فإنّ لهم عليكم حجّة واهية . ﴿ولا تخشوهم﴾ في انصرافكم إلى الكعبة وفي تظاهرهم عليكم في المحاجة والمجاوبة فانّي وليّكم أظهركم عليهم بالحجّة والنصرة. ﴿واخشوني﴾ في تركها ومخالفتها . ﴿ولأتِمَّ نعمتي عليكم﴾ عليكم عطف على قوله ﴿لئلا يكون للنّاس عليكم حجّة﴾ ولكن أتمّ نعمتي بهدايتي ايّاكم إلى قبلة إبراهيم فتتمّ لكم الملّة الحنيفيّة وقال علي (كرّم الله وجهه): تمام النعمة: الموت على الإسلام، وروي عنه أيضاً إنّه قال: النّعم ستة: الإسلام والقرآن ومحمّد والستر والعافية والغنى ممّا في أيدي النّاس. ﴿ولعلّكم﴾ في لعلّ ست لغات: علّ ولعلّ ولعنّ وعنّ ولعّا. ولها ستة أوجه هي من الله عزّ وجلّ واجب، ومن النّاس على معاني قد تكون بمعنى الاستفهام كقول القائل: لعلّك فعلت ذلك مستفهماً . وتكون بمعنى الظّن كقول القائل: قدم فلان فردّ عليه الرّاد: لعلّ ذلك. بمعنى أظنّ وأرى ذلك. وتكون بمعنى الإيجاب بمنزلة ما أخلقه كقوله: قد وجبت الصّلاة فيرد الرّاد: لعلّ ذلك أي ما أخلقه . وأنشد الفرّاء: ١٨ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي وآخر عهد الزائرين جديد لعلّ المنايا مرّة ستعود وتكون بمعنى الترجّي والتمنّي كقولك: لعلّ الله أن يرزقني مالاً، ولعلّني أحجّ. وأنشد الفرّاء: وتقطيعي التنوقة واختيالي لعلّي في هدى أفي وجودي ينالك بالذّرى قبل السؤال سيوشك أن يتيح إلى كريم ويكون بمعنى عسى تكون ما يراد ولا يكون كقوله: ﴿يا هامان ابن لي صرحاً لعلّي أبلغ الأسباب﴾(١). أي عسى أبلغ. وقال أبو داود: فأبلوني بليتكم لعلّي أُصالحكم واستدرج نويا (٢) أي نواي ويكون بمعنى كي على الجزاء كقوله: ﴿إنظر كيف نصّرف الآيات لعلّهم يفقهون﴾ بمعنى لكي يفقهوا ونظائرها كثيرة وقوله: ﴿ولعلكم تهتدون﴾ أي لكي تهتدوا من الضّلالة . قال الربيع: خاصم يهودي أبا العالية فقال: إنّ موسى كان يصلّي إلى صخرة بيت المقدس، فقال أبو العالية: كان يصلّي عند الصخرة إلى البيت الحرام فقال لي: بيني وبينك مسجد صالح فإنه نحته من الجبل فقال أبو العالية: قد صلّيت فيه وقبلته إلى البيت الحرام. قال: فأخبر أبو العالية إنّه مرّ على مسجد ذي القرنين وقبلته الكعبة(٣). ﴿كما أرسلنا﴾ هنا الكاف للتشبيه ويحتاج إلى شيء يرجع إليه واختلفوا فيه فقال بعضهم: هو راجع إلى ما قبلها والكاف من ما قبلها تقديره: فلا تخشوهم واخشوني ولأتمّ نعمتي كما أرسلت فيكم رسولاً فيكون إرسال الرّسول شرطاً للخشية مزدّياً باتمام النّعمة. وقيل: معناه ولعلّكم تهتدون كما أرسلنا . وقال محمّد بن جرير: إنّ إبراهيم دعا بدعوتين فقال ﴿ربّنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾(٤) فهذه الدعوة الأولى. والثانية قوله ﴿ربّنا وابعث فيهم رسولاً منهم﴾(٥) فبعث الله الرسول وهو محمّد ◌َّل ووعد في هذه الآية أن يجيب الدّعوة الثانية أن يجعل من ذرّيته أمّة مسلمة لك فمعنى الآية: ولأتِم (١) سورة غافر: ٣٦. (٣) راجع تفسير الطبري: ٢ / ٤٨. (٥) سورة البقرة: ١٢٩. (٢) النوي: هو الصاحب الذي نيته نيتك. (٤) سورة البقرة: ١٢٨. ١٩ سورة البقرة، الآيات: ١٤٨ - ١٥٢ نعمتي عليكم: ببيان شرائع ملّتكم الحنيفية وأهديكم لدين خليلي إبراهيم. ﴿كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم﴾ يعني فكما أجبت دعوته بانبعاث الرّسول كذلك أجبت دعوته بأن أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين وهذا على قول من يجعله متصلاً بما قبلها وجواباً للآية الأولى وهو إختيار الفرّاء. وقال بعضهم: إنّها متعلّقة بما بعدها وهو قوله ﴿فاذكروني أذكركم﴾ تقديرها: كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم فاذكروني اذكركم فيكون جزاً له جوابان مقدّم ومؤخّر كما تقول: إذا جاءك فلان فآته ترضه. فقوله: فآته وترضه جوابان لقوله إذا جاءك وكقولك: إنّ تأتني أحسن إليك أكرمك وهذا قول مجاهد وعطاء والكلبي ومقاتل والأخفش وابن كيسان واختيار الزجّاج، وهذه الآية خطاب للعرب وأهل مكّة يعني: كما أرسلنا فيكم يا معشر العرب رسولاً منكم محمّد ◌ِّ. ﴿يتلوا عليكم آياتنا﴾ يعني القرآن. ﴿ويزكيكم﴾ أي يعلّمون من الأحكام وشرائع الإسلام. ﴿فاذكروني أذكركم﴾ قال ابن عبّاس: أذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي بيانه قوله: ﴿والّذين جاهدوا فينا﴾(١) الآية. سعيد بن جبير: ﴿اذكروني﴾ بطاعتي أذكركم بمغفرتي بيانه ﴿وأطيعوا الله والرسول لعلّكم ترحمون﴾(٢). فضيل بن عيّاض: فاذكروني بطاعتي أذكركم بثوابي بيانه ﴿إنّ الّذين آمنوا وعملوا الصالحات إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملاً أولئك لهم جنّات عدن﴾(٣) وروي عن النبيّ وَّ: ((من أطاع الله فقد ذكر الله وإنّ قلّت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن)) [٦](٤). وقيل: اذكروني بالتوحيد والإيمان أذكركم بالجنّات والدرجات بيانه: ﴿وبشّر الّذين آمنوا ... إلى جنات﴾(٥). وقال ابو بكر الصدّيق رضي الله عنه: كفى بالتوحيد عبادة وكفى بالجنّة ثواباً . ابن كيسان: اذكروني بالشكر أذكركم بالزّيادة: بيانه قوله ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾(٦). وقيل: اذكروني على ظهر الأرض أذكركم في بطنها . قال الأصفي: رأيت أعرابياً واقفاً يوم عرفة بالموقف وهو يقول: ضجّت إليك الأصوات (١) سورة العنكبوت: ٦٩. (٣) سورة الكهف: ٣٠. (٢) سورة آل عمران: ١٣٢. (٤) مجمع الزوائد: ٢٥٨/٢، والدر المنثور: ١٤٩/١. (٥) سورة البقرة: ٢٥. (٦) سورة إبراهيم: ٧. ٢٠ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي بضروب اللّغات يسئلونك الحاجات وحاجتي إليك أن تذكرني عند البلى إذا نسيني أهل الدّنيا . وقيل: أذكروني بالطّاعات أذكركم بالمعافاة ودليله ﴿مَنْ عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحييّه حياةً طيّةٍ﴾(١) . وقيل: أُذكروني في الخلاء والملاء أذكركم في الجلاء والملأ بيانه ما روي في بعض الكتب إنّ الله قال: أنا عند من عبدني، فليظن بي ما شاء، وأنا معه إذا ذكرني، فمن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في الملأ ذكرته في ملأ خير منه، ومن تقرب إليّ شبراً تقرّبت له ذراعاً، ومن تقرّب إليّ ذراعاً، تقرّبت إليه باعاً ومن أتاني مشياً أتيته هرولة، ومن أتاني بقراب الأرض فضّة أتيته بمثلها مغفرة بعد أن لا يُشرك بي شيئاً . وقيل: أُذكروني في النّعمة والرّخاء أذكركم في الشّدة والبلاء بيانه قوله ﴿فلولا إنّه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون﴾(٢). قال سلمان الفارسي: إنّ العبد إذا كان له دُعاء في السّر؛ فإذا انزل به البلاء قالت الملائكة: عبدك نزل به البلاء فيشفعون له فينجيه الله، فإذا لم يكن له دُعاء قالوا: الآن فلا تشفعون له. بيانه لفظة فرعون ﴿الآن وقد عصيت من قبل﴾(٣). وقيل: أُذكروني بالتسليم والتفويض أذكركم بأصلح الأختبار. بيانه ﴿ومن يتوكّل على الله فهو حسبه﴾ . وقيل: أُذكروني بالشوق والمحبّة أذكركم بالوصل والقربة. وقيل: أُذكروني بالحمد والثناء أذكركم بالجزاء، وقيل: أُذكروني بالأوبة أذكركم بغفران الحوبة، وقيل: أُذكروني بالدُّعاء أذكركم بالعطاء، أُذكروني بالسؤال أذكركم بالنوّال، أُذكروني بلا غفلة أذكركم بلا مهلة، أُذكروني بالندّم أذكركم بالكرم، أُذكروني بالمعذرة أذكركم بالمغفرة، أُذكروني بالإرادة أذكركم بالأفادة، أُذكروني بالتنصّل أذكركم بالتفضل أُذكروني بالإخلاص أذكركم بالخلاص، أُذكروني بالقلوب أذكركم بكشف الكروب، أُذكروني بلا نسيان أذكركم بالأمان، أُذكروني بالأفتقار أذكركم بالاقتدار، أُذكروني بالأعدام والاستغفار أذكركم بالرّحمة والإغتفار، أُذكروني بالأيمان أذكركم بالجنان، أُذكروني بالأسلام أذكركم بالأكرام، أُذكروني بالقلب أذكركم برفع التعجب، أُذكروني ذكراً فانياً أذكركم ذكراً باقياً، أُذكروني بالإبتهال أذكركم بالأفضال، أُذكروني بالظل أذكركم بعفو الزلل، أُذكروني بالأعتراف أذكركم بمحو الاقتراف، أُذكروني بصفاء السّر أذكركم بخالص البّر، أُذكروني بالصّدق أذكركم بالرّفق، أُذكروني بالصفَو (١) سورة النحل: ٩٧. (٣) سورة يونس: ٩١. . (٢) سورة الصافات: ١٤٣.