Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
سورة البقرة، الآيات: ١٠٠ - ١٠٣
ممدود، مهموز، مشبع على وزن ميكاعيل، وهي قراءة أهل مكّة والكوفة والشّام.
﴿وميكائل﴾ ممدود، مهموز مختلس مثل ميكاعل، وهي قراءة أهل المدينة.
و(ميكيل) مهموز مقصور على وزن ميكعل، وهي قراءة الأعمش وابن محيصن.
(وميكال) على وزن مفعال وهي قراءة أهل البصرة. قال الشاعر:
فيه مع النّصر جبريل وميكال
ويوم بدر لقيناكم لنا مدد
وقال جرير:
وبجبرئيل وكذّبوا ميكالا(١)
الصّليب وكذّبوا بمحمّد
ومعنى الآية من كان عدواً لأحد هؤلاء فإن الله عدو له والواو فيه بمعنى أو. كقوله تعالى
﴿ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه﴾ الآية لأن الكافر بالواحد كافر بالكل. فقال ابن صوريا: يا
محمّد ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها. فأنزل الله عزّ وجلّ:
﴿ولقد أنزلنا إليك آيات بينات﴾ واضحات مفصلات بالحلال والحرام والحدود والأحكام.
﴿وما يكفر بها إلّ الفاسقون﴾ الحادون عن أمر الله.
وَلَنَا جَآءَ هُمْ رَسُولٌ مِّنْ
أَوَكُلَّمَا عَهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.
عِندِ اللَّهِ مُصَذِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَدَ فَّيِقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ كِتَبَ اللَّهِ وَرَآءَ ◌ُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا
وَأَتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَئِنَّ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّبَطِينَ كَفَرُواْ
يَعْلَمُونَ (١)
يُعَلِّمُونَ النَّاسَ اَلْسِحْرِ وَمَّا أُنزِلَ عَلَى الْمَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَرُوَتَّ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّ بَقُولَا إِنَّمَا
◌َحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِقُونَ بِهِ- بَيْنَ أَلْمَرْ وَزَوْسِهِ، وَمَا هُم بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ
إِلَّا بِإِذْنِ الَّهِّ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَّنَفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِّمُواْ لَمَنِ أَشْتَرَّبَهُ مَا لَهُ فِ الْآَخِرَةِ مِنْ
مَكَةٍ وَلَيْسَ مَا شَرَوْا بِهِ: أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴿٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْا لَمَنُوبَةٌ مِّنْ
(١٠٣)
عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ.
﴿أو كلّما﴾ واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام. كما يدخل على الفاء في قوله
﴿أفأنت تسمع الصّم﴾(٢) ﴿أفتتخذونه وذريته﴾(٣) وعلى ثمّ كقوله تعالى ﴿أثمّ إذا ما وقع﴾(2)
ونحوها .
(١) مجمع البيان: ٣٢٤/١.
(٢) سورة يونس: ٤٢.
(٣) سورة الكهف: ٥٠.
(٤) سورة يونس: ٥١.

٢٤٢
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
وقرأ ابن السّماك العدوي: ساكنة الواو على النسق و (كلما) نصب على الظرف. ﴿عاهدوا
عهداً﴾ يعني اليهود.
قال ابن عبّاس: لِمَا ذكر رسول الله ◌َّر ما أخذ الله عليهم وما عهد إليهم فيه.
قال مالك بن الصّيف: إنّ الله ما عهد إلينا في محمد عهد ولا ميثاق فأنزل الله تعالى هذه
الآية يوضحه قراءة أبي رجاء العطاردي: أوكلما عوهدوا عهداً لعنهم الله، دليل هذا التأويل قوله
﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾(١) الآية.
وقال بعضهم: هو أنّ اليهود تعاهدوا لئن خرج محمّد ليؤمنن به ولنكونن معه على مشركي
العرب، وننفيهم من بلادهم، فلما بعث نقضوا العهد وكفروا به دليله ونظيره قوله عزّ وجلّ ﴿ولما
جاءهم رسول من عند الله﴾(٢).
وقال عطاء: هي العهود التي كانت بين رسول الله وبين اليهود فنقضوها كفعل قريظة
والنّضير دليله قوله ﴿الّذين عاهدت منهم ثمّ ينقضون عهدهم﴾(٣).
﴿نبذه﴾ أي رفضه وفي قول عبدالله: نقضه.
﴿فريقٌ منهم﴾ طوائف من اليهود.
﴿بل أكثرهم لا يؤمنون﴾ فأصل النبذ الرّمي والرفض له، وأنشد الزجاج:
كنبذك نعلاً اخلقت من نعالكا
نظرت إلى عنوانه فنبذته
وهذا مثل من يستخف بالشيء ولا يعمل به، تقول العرب: أجعل هذا خلف ظهرك، ودبر
اذنك، وتحت قدمك: أي أتركه واعرض عنه قال الله تعالى: ﴿واتخذتموه وراءكم ظهرياً﴾(٤)،
وأنشد الفراء:
تميم بن قيس لا تكونن حاجتي بظهر ولا يعبأ عليَّ جوابها
قال الشعبي: هو بين أيديهم يقرؤنه ولكن نبذوا العمل به:
وقال سفيان بن عيينة: أدرجوه في الحرير والدّيباج وحلّوه بالذّهب والفضّة ولم يحلّوا
حلاله ولم يحرّموا حرامه فذلك النبذ.
﴿واتبعوا﴾ يعني اليهود.
(١) سورة آل عمران: ١٨٧.
(٢) سورة البقرة: ١٠١.
(٣) سورة الأنفال: ٥٦ .
(٤) سورة هود: ٩٢.

٢٤٣
سورة البقرة، الآيات: ١٠٠ - ١٠٣
﴿ما تتلوا الشياطين﴾ أي ما تلت الشياطين.
كقول الشاعر :
كوم الحجان وكلّ طرف سالح
فأذا مررت بقبره فاعقربه
فلقد بكوه أخادم وذبائح
وانضح جوانب قبره بدمائها
وحكي عن الحسين بن الفضل إنّه سئل عن هذه الآية فقال: هو مختصر مضمر تقديره
واتبعوا ما كانت تتلوا الشياطين أي تقرأه.
قال ابن عبّاس: يتبع ويعمل به.
عطاء وأبو عبيدة: يحدّث ويتكلم به .
يمان : ترويه .
وقرأ الحسن: الشياطون بالواو في موضع الرفع في كل القرآن.
قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا حامد الخارزنجي يقول:
وسئل عن قراءة الحسن؟
قال: هو فن وحسن عند أكثر أهل الأدب.
غير أن الأصمعي زعّم إنّه سمع أعرابياً يقول: بستان فلان حوله بساتون.
﴿على ملك سليمان﴾ أي في ملكه وعهده كقول أبي النّجم:
فهي على الأفق كعين الأحول
أي في الأفق.
والملك تمام القدرة واستحكامها .
قال [ ... الزجاج](١): في قصّة الآية هي أنّ الشياطين كتبوا السّحر والنيرنجات على
لسان آصف. هذا ما علّم آصف ابن برخيا سليمان الملك ثمّ وضعوها تحت مصلاه حين نزع الله
ملكه ولم يشعر بذلك سليمان فلمّا مات استخرجوها من تحت مصلآه.
وقالوا النّاس: إنّما ملككم سليمان بهذا فتعلّموه فأمّا علماء بني إسرائيل وصلحاؤهم
فقالوا: معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان وإنّ كان هذا علمه لقد هلك سليمان
وأمّا السفلة فقالوا: هذا علم سليمان فأقبلوا على تعلّمه ورفضوا كتب أنبياءهم وفشت
الملامة لسليمان فلم تزل هذه حالهم حتّى بعث الله تعالى محمّداً وَلَر وأنزل عذر سليمان،لِّلا
(١) كلمة سقط في أصل المخطوط.

٢٤٤
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
على لسانه وأظهر براءته عمّا رُمي به فقالوا: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين) الآية. هذا قول
الكعبي .
وقال السّدي: كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعد منها مقاعد السّمع فيستمعون كلام
الملائكة فيما يكون في الأرض من موت أو غيره فيأتون الكهنة ويخلطون بما سمعوا كذباً وزوراً
في كلّ سبعين كلمة سبعين كلمة ويخبرونهم بذلك فاكتتب الناس ذلك وفشا في بني اسرائيل أن
الجن تعلم الغيب فبعث في النّاس فجمع تلك الكتب وجعلها في صندوق ودفنها تحت كرسيّه
وقال: لا أسمع أحداً يقول إنّ الشياطين تعلم الغيب إلاّ ضربت عنقه فلمّا مات سليمان وذهب
العلماء الّذين كانوا يعرفون أمر سليمان ودفنه الكتب وخلف من بعدهم خلف تمثّل الشيطان على
صورة إنسان فأتى نفراً من بني إسرائيل فقال: هل أدلّكم على كنز لا ينفذ أبداً .
قالوا: نعم. قال: فأحفروا تحت الكرسي وذهب معهم فأراهم المكان وقام ناحية وقالوا:
أدُن. فقال: لا ولكن هاهنا فإن لم تجدوه فاقتلوني وذلك إنّهم لم يكن أحدٌ من الشياطين يدنو
من الكرسي إلّ احترق فحفروا فوجدوا تلك الكتب فلمّا أخرجوها. قال الشيطان: إنّ سليمان
كان يضبط الجنّ والأنس والطيّر بهذا ثمّ طار الشيطان وذهب وفشا في النّاس أنّ سليمان كان
ساحراً فاتّخذ بنو إسرائيل تلك الكتب ولذلك فكثير ما يوجد السحر في اليهود فلمّا جاء محمّد رَله
خاصمه اليهود بها فبرأ الله تعالى سليمان من ذلك وأنزل هذه الآية (١).
وقال عكرمة: كان سليمان الّ لا يصبح يوماً إلّ نبتت في محرابه في بيت المقدس شجرة
فيسألها: ما اسمك؟
فتقول الشجرة: إسمي كذا، فيقول: لأيّ داء أنتِ؟
فتقول: لكذا وكذا، فيأمر بها فتقطع وترفع في الخزانة وتغرس منها في البساتين حتّى بعثت
الخرنوبة الشّامية فقال لها: ما أنت؟
قالت أنا الخرنوبة. قال: لأي شيء نبتّ؟ قالت: لخراب مسجدك. قال سليمان: ما كان
الله ليخرّبه وأنا حي أنت الّذي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس فنزعها فغرسها في
حائط له فلم تنبت إلى أن توفّي فجعل النّاس يقولون في رضاهم: لو كان لنا مثل سليمان،
وكتبت الشياطين كتاباً فجعلوه في مصلّى سليمان. فقالوا للنّاس: من يدّلكم على ما كان يداوي
به فانطلقوا فاستخرجوا ذلك الكتاب فإذا فيه سحر ورقيّ فأنزل الله في هذه الآية ما تفعل
الشياطين واليهود على نبيّه محمّد ◌َّ: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾.
﴿وما كفر سليمان﴾ بالسحر فانّ السحر كفر.
(١) راجع زاد المسير لابن الجوزي: ١ / ١٠٦.

٢٤٥
سورة البقرة، الآيات: ١٠٠ - ١٠٣
﴿ولكنّ الشياطين كفروا﴾ قرأ أهل الكوفة والشام بتخفيف النون ورفع الشياطين وكذلك في
الأيمان ﴿ولكنّ الله قتلهم﴾(١) ﴿ولكنّ الله رقّى﴾(٢).
الباقون: بالتشديد ونصب ما بعده، ولكن كلمة لها معنيان نفي الخبر الماضي واثبات
الخبر المستقبل، وهي مبنيةٍ من ثلاث كلمات أصلها لا كان لا نفي والكاف خطاب وإنّ نصب
ونسق فذهبت الهمزة استثقالاً وهي تثقّل وتخفف فإذا ثقلت نصب بها مابعدها من الاسماء كما
تنصب بإن الثقيلة فإذا خففها رفعت بها ما ترفع بأن الخفيفة.
﴿يُعلّمون النّاس السحر﴾ قال بعضهم: السحر العلم والخطابة دليله قوله: بان السّاحر:
أي العالم.
وقال بعضهم: هو التمويه بالشيء حتّى يتوهم المتوّهم إنّه شيء ولا حقيقة له كالسراب غير
من رآه وأخلف من رجاه قال الله تعالى: ﴿يخيل إليه من سحرهم أنّها تسعى﴾(٣).
﴿وما أنزل على الملكين﴾ محل ما بعد اتباع التعليم عليه معناه لا يعلمون الذي أنزل على
الملكين أي [ ...... ] (٤) ويجوز أن يكون نصباً بالاتباع تقديره: واتبعوا ما أنزل على الملكين،
وجعل بعضهم ما جحداً وحينئذ لا محل له يعني لم ينزل السّحر على الملكين كما زعم اليهود،
وإنّما يعلِّمونهم [ ...... من ذات](٥) أنفسهم والقول الأوّل أصح.
وقرأ ابن عبّاس والحسن والضحّاك ويحيى بن أبي كثير: ملِكين بكسر اللام، وقالوا: هما
رجلان ساحران كانا ببابل من الملائكة لا يعلمون النّاس السحر، وفسرهما الحسن فقال:
غلجان بيابل وهي بابل عراق وسمّي بابل لتبلبل الألسنة بها عند سقوط صرح نمرود أي تفرقها .
أو ان الله تعالى امتحن الناس بالملكين في ذلك الوقت فمن شقى بتعلم السحر منهما
فيكفر به ومن سعد بتركه فيبقى على الإيمان فيزداد المعلمان بالتعليم عذاباً ففيه ابتلاء المعلم
والمتعلّم والله تعالى يمتحن عباده بما يشاء كما يشاء فله الأمر والحكم.
وقال الخليل بن أحمد: إنّما سمّيت بابل لأنّ الله تعالى حين أراد أن يخالف بين ألسنة بني
آدم بعث ريحاً فحفرتهم من كل أفق إلى بابل فبلبل الله ألسنتهم فلم يدري أحد ما يقول الآخر،
ثمّ فرقتهم تلك الرّيح في البلاد وهو لا ينصرف؛ لأنّه اسم موضع معروف.
﴿هاروت وما روت﴾ اسمان سريانيان في محل الخفض على تفسير الملكين بدلاً منهما إلاّ
أنّهما نصباً لعجمتهما ومعرفتهما وكانت قصتيهما على ما ذكره ابن عبّاس والمفسرون: إنّ
(١) و (٢) سورة الأنفال: ١٧.
(٤) كلمة غير مقروءة في المخطوط.
(٥) كلمة غير مقروءة في المخطوط.
(٣) سورة طه : ٦٦ .

٢٤٦
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
الملائكة رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة وذنوبهم الكثيرة وذلك في زمن إدريس
فعيروهم بذلك، ودعتْ عليهم قالوا: هؤلاء الذين جعلتهم في الأرض واخترتهم فهم يعصونك.
فقال الله عزّ وجلّ لهم: لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لرتكبتم ما ارتكبوه.
فقالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنّا أن نعصيك. قال الله تعالى: اختاروا ملكين من خياركم ثمّ
اهبوطهما إلى الأرض. فاختاروا هاروت وما روت وكانا من أصلح الملائكة وأخصهم.
قال الكلبي: قال الله تعالى لهم: اختاروا ثلاثة: عزّا وهو هاروت وعزايا وهو ماروت.
غيَّر اسمهما لما قارفا الذنب كما غير اسم إبليس وعزائيل فركب الله فيهم الشهوة التي ركبها في
بني آدم. فاهبطهم إلى الأرض وأمرهم أن يحكموا بين النّاس بالحقّ، ونهاهم عن الشرك والقتل
بغير الحقّ والزنا وشرب الخمر - وأما عزائيل فأنّه لما وقعت الشهوة في قلبه استقال ربّه، وسأله
أن يرفعه إلى السّماء، فأقاله ورفعه، فسجد اربعين سنة، ثمّ رفع رأسه ولم يزل بعد ذلك مطأطئاً
رأسه حياءاً من الله عزّ وجلّ.
وأما الآخران فإنهما ثبتا على ذلك وكانا يغضبان من النّاس يومهما فإذا أمسياً ذكرا اسم
الله الأعظم وصعدا إلى السماء.
قال قتادة: فما مر عليهما شهر حتّى افتتنا قالوا جميعاً وذلك انهم اختصم عليهما ذات يوم
الزهرة، وكانت من أجمل النّساء. قال علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) وكانت من أهل فارس،
وكانت ملكة في بلدها. فلمّا رأياها أخذت بقلوبهما فراوداها عن نفسها وانصرفت، ثمّ عادت في
اليوم الثاني. ففعلا مثل ذلك. فأبت وقالت: لا إلاّ أن تعبدا ما أعُبد وتُصليا لهذا الصّنم وتقتلا
النّفس وتشرب الخمر فقالا: لا سبيل إلى هذه الأشياء فإن الله قد نهانا عنها. فانصرفت ثمّ عادت
في اليوم الثالث ومعها قدح من خمر وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها. فراوداها عن نفسها .
فعرضت عليهما ما قالت بالأمس. فقالا: الصلاة لغير الله عظيم، وقتل النّفس عظيم وأهون الثلاثة
شرب الخمر فانتعشا ووقعا بالمرأة وزنيا. فلما فرغا رآهما أنسان فقتلاه.
قال الربيع بن أنس: سجدا للصنم فمسخ الله الزهرة كوكباً وقال عليّ بن أبي طالب (كرم
الله وجهه) والسّدي والكلبي: إنّها قالت لهما: لن تدركاني حتّى تخبراني بالذي تصعدان به إلى
السماء. فقالا: بسم الله الأكبر. قالت: فما أنتما تدركاني حتّى تعلمانيه. فقال أحدهما لصاحبه:
علّمها. قال: فأنّي أخاف الله.
قال الآخر: فأين رحمة الله فعلماهما ذلك. فتكلّمت به وصعدت إلى السّماء فمسخها الله
كوكباً .
فعلى قول هؤلاء هي الزّهرة بعينها وقيدوها. فقالوا: هي هذه الكوكبة الحمراء واسمها
بالفارسيّة ناهيد، وبالنبطية بيذخت يدلّ على صحة هذا القول ما روى جابر عن الطفيل عن علي

٢٤٧
سورة البقرة، الآيات: ١٠٠ - ١٠٣
(رضي الله عنه) قال: كان النبيّ وَ ل* إذا رأى سهيلاً قال: لعن الله سُهيلاً إنّه كان عشاراً باليمن
ولعن لله الزُّهرة فإنّها فتنت ملکین.
وقال مجاهد: كنت مع ابن عمر ذات ليلة فقال لي: أرمق بالكوكبة يعني الزّهُرة فاذا طلعت
فأيقظني. فلما طلعت ايقظته فجعل ينظر إليها ويسبّها سبّاً شديداً. فقلت: رحمك الله سببت
نجماً سامعاً مُطيعاً ماله ليسبّ؟ فقال: إنّ هذه كانت بغياً. فلقى ملكان منها مالقيا.
وقال ابن عمر إذا رأى الزهُرة قال: لا مرحباً بها ولا أهلاً وروى أبو عثمان [المرندي]
عن ابن عبّاس: إنّ المرأة التي فتنت بها الملكان مُسخت فهي هذه الكوكبة الحمراء يعني الزهرة
قال: وكان يسميها بيذخت. وأنكر الآخرون هذا القول. قالوا: ان الزهرة من الكواكب السبعة
السيارة الّتي جعلها الله تعالى قواماً للعالم وأقسم بها فقال: ﴿فلا أقسم بالخنّس والجوار
الكتّس﴾(١). قلنا كانت هذه الّتي فتنت هاروت وماروت امرأة كانت تسمى زهرة من جمالها فلمّا
بغت مسخها الله تعالى شهاباً فلما رأى رسول الله و لم الزهرة ذكر هذه المرأة لموافقة الاسمين
فلعنها، وكذلك سهيل العشار ولّما رأى رسول الله وَل﴿ النجمّ ذكره فلعنه ويدلّ عليه ما روى قيس
ابن عبّاد عن ابن عبّاس فى هذه القصّة:
قال: كانت امرأة فضّلت على النّاس كما فضّلت الزّهرة على سائر الكواكب، ومثله قال
کعب الأحبار والله أعلم.
قالوا: فلمّا أمسى هاروت وماروت بعدما قارفا الذنب همّا بالصعود إلى السّماء فلم
تُطاوعهما أجنحتهما فعلما ما حلّ بهما فقصدا إدريس النبيّ ◌ُالنَّا فأخبراه بأمرهما وسألاه أن يشفع
لهما إلى الله عزّ وجلّ فقالا له: إنّا رأيناك يصعد لك من العبادة مثل ما يصعد لجميع أهل
الأرض فاستشفع لنا إلى ربّك؟
ففعل ذلك ادريس فخيرّهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فأختارا عذاب
الدّنيا إذ علما إنّه ينقطع فهما ببابل يعذّبان.
واختلف العلماء في كيفية عذابهما فقال عبدالله بن مسعود: هما معلّقان بشعورهما إلى
قيام السّاعة .
قتادة: كبّلا من أقدامهما إلى أصول أفخاذهما .
مجاهد: إنّ جبّاً ملئت ناراً فجعلا فيها حضيف معلّقان منكسان في السلاسل.
عمير بن سعد: منكوسان يضربان بسياط الحديد.
ويروى إنّ رجلاً أراد تعلّم السحر فقصد هاروت وماروت فوجدهما معلّقين بأرجلهما
(١) سورة التكوير: ١٦.

٢٤٨
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
مزرقّة عيونهما مسودّة جلودهما ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلاّ قدر أربع أصابع وهما يعذبان
بالعطش فلما رأى ذلك هاله مكانهما فقال: لا إله إلاّ اللـه وقد نهي عن ذكر الله فلمّا سمعا
كلامه قالا له: من أنت؟ قال: رجل من النّاس. قالا: ومَنْ أيّ أُمّة أنت؟
قال: من أُمّة محمّد ◌َِّ. قالا: وقد بعث محمّد؟ قال: نعم قالا: الحمدُ لله وأظهرا
الاستبشار. فقال الرجل: ومِمَّ إستبشاركما؟
قالا: لأنّه نبي السّاعة وقد دنا إنقضاء عذابنا. قالوا ومن ثمّ استغفار الملائكة لبني آدم.
وعن الأوزاعي قال: المعنى إنّ جبرئيل أتى النبيّ وَّر فقال له: ((يا جبرئيل صف ليّ النّار؟
فقال: إنّ الله أمر بها فأوقد عليها ألف عام حتّى احمرّت ثمّ أوقد عليها ألف عام حتّى
اصفرّت ثمّ أوقد عليها ألف عام حتّى اسودّت فهي سوداء مظلمة لا يضي لهيبها ولا جمرها،
والّذي بعثك بالحقّ لو أنّ ثوباً من ثياب أهل النّار أظهر لأهل الأرض لماتوا جميعاً ولو أنّ ذَنوَباً
من سرابها صبّت في الأرض جميعاً لقتل من ذاقه، ولو أنّ ذراعاً من السلسة التي ذكرها الله
وضع على جبال الأرض جميعاً لذابت وما استقلّت ولو إنّ رجلاً دخل النّار ثمّ أخرج منها لمات
أهل الأرض من نتن ريحه وتشويه خلقه وعظمه فبكى النبيّ وَلّ وبكى جبرئيل لبكائه وقال: أتبكي
يا محمّد وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر! قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) [٩٧]،
ولم بكيت يا جبريل وأنت الروّح الأمين أمين الله على وحيه؟ قال: أخاف أن أبتلي بما أبتلي
هاروت وماروت. فهو الّذي منعني عن اتكالي على منزلتي عند ربّي فأكون قد آمنت مكره فلم
يزالا يبكيان حتّى نوديا من السّماء أنّ يا جبرئيل ويا محمّد إنّ الله قد أمنكما أن تعصياه
فيعذبكما(١) ففضّل محمّد على الأنبياء كفضل جبرائيل على ملائكة السّماء.
﴿وما يعلّمان﴾ يعني الملكين ﴿من أحد﴾ من صلة لا يعلّمان السحر أحداً حتّى ينصحاه
أولاً وينهياه ويقولا ﴿إنّما نحن فتنة﴾ إبتلاء ومحنة.
﴿فلا تكفر﴾ بتعلم السّحر وأصل الفتنة الاختبار.
تقول العرب: فتنت الذّهب إذا أدخلته النّار لتعرف جودته من رداءته.
وفتنت الشمس الحجر إذا سوّدته.
وإنّما وحدّ الفتنة وهما إثنان؛ لأنّ الفتنة مصدر والمصادر لا تثنّى ولا تجمع كقولهم:
﴿وعلى سمعهم﴾ وفي مصحف أبي: وما يعلّم الملكان من أحد حتّى يقولا إنّما نحن فتنة فلا
تكفر سبع مرّات.
(١) إلى هنا في بحار الأنوار: ٣٠٦/٨ ح ٦٤ .

٢٤٩
سورة البقرة، الآيات: ١٠٠ - ١٠٣
قال السّدي وعطاء: فإن أبى إلّ التعلّم قالا له: إنتِ هذا الرّماد فَبُل عليه فيخرج منه نورٌ
ساطع في السّماء فتلك المعرفة وينزل شيء أسود حتّى يدخل مسامعه يشبه الدّخان وذلك غضب
الله عزّ وجلّ.
قال مجاهد: إنّ هاروت وماروت لا يصل إليهما أحد ويختلف فيما بينهما شيطان في كل
مسألة إختلافة واحدة .
وقال يزيد بن الأصم: سُئل المختار: هل يرى اليوم أحدٌ هاروت وماروت؟
قال: أما منذ أنتفكت بابل إنتفاكها الآخر لم يرهما أحد.
قال قتادة: السحر سحران: سحرٌ تعلّمهم الشياطين وسحر يعلّمه هاروت وماروت وهو
قوله تعالى ﴿فيتعلّمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾ وهو أن يؤخذ كلّ واحد منهما عن
صاحبه ويبغض كل واحد إلى صاحبه.
وفي (المرَء) أربع قراءات: قرأ الحسن: المرَّ بفتح الميم وتشديد الرّاء جعله عوضاً عن
الهمزة .
وقرأ الزهري: المُرُءُ بضم الميم والهمزة.
وحكى يعقوب عن جدّه: بكسر الميم والهمزة.
وقرأ الباقون: بفتح الميم والهمزة.
وأمّا كيفية تعليمهما السّحر فقد ورد فيه خبر جامع وهو ما روى هشام بن عروة عن أبيه عن
عائشة زوج النّ ◌َّه: أنّها قالت: قدمت عليَّ امرأة من أهل دومة الجندل جاءت تبتغي رسول
الله ◌ُله بعد موته حَدَاثة ذلك تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السّحر قالت عائشة لعروة: يا
ابن أختي فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول اللـه وَ ل﴿ وكانت تبكي حتّى إنّي لأرحمها بقولي واني
لأخاف أنْ تكون قد هلكت، قالت كان لي زوج فغاب عنّي فدخلت على عجوز وشكوت إليها
ذلك فقالت: إنْ فعلت ما أمرتك به فأجعله يأتيك فلمّا كان الليل جائتني بكلبين أسودين فركبت
أحدهما وركبت الأخر فلم يكن حتّى وقفنا على بابل، فإذا برجلين معلّقين بأرجلهما فقالا: ما
جاء بك؟ فقلت أتعلم السحر.
فقالا : إنّما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي فأبيت فقلت: لا .
قالا: فأذهبي إلى ذلك التّور فبُولي فيه فذهبت ففزعت ولم أفعل فرجعت إليهما فقالا :
فعلت، قلت: نعم. فقالا هل رأيت شيئاً؟ قلت: لم أرَ شيئاً.
فقالا: لم تفعلي ارجعي إلى بلدك ولا تكفري فأبيت، فقالا: اذهبي إلى التّور فُبُولي فيه .
فذهبت فاقشعّر جلدي وخفت ثمّ رجعت إليهما فقلت قد فعلت. قالا: فما رأيتي؟

٢٥٠
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
قلت: لم أرَ شيئاً .
فقالا : كذبت لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك فلا تكفري فإنّك على رأس أمرك. فأبيت.
فقالا : اذهبي إلى ذلك التّور فُبُولي فيه فذهبت إليه قبلت فيه، فرأيت فارساً مقنعاً بالحديد خرج
منّي حتّى ذهب في السّماء وقد غاب عنّي حتّى لم أره فجئتهما فقلت قد فعلت قالا : فما رأيت؟
قلت: رأيت فارساً مقنّعاً بالحديد خرج منّي فذهب في السّماء حتّى ما أراه. قالا: صدقت
ذلك ايمانك خرج منك إذهبي إلى المرأة وقول لها: والله ما أعلم شيئاً وما قال لي شيئاً، قالت
بلى، قالا: لن تريدي شيئاً إلاّ كان. خذي هذا القمح فأبذري فبذرت فقلت: إطلعي فطلعت
فقلت: إحقلي فحقلت ثمّ قلت إفركي فأفركت ثمّ قلت اطحني فطحنت ثمّ قلت اخبزي فخبزت
فلمّا رأيت إنّي لا أريد شيئاً إلاّ كان سقط في يدي وندمت والله يا أُم المؤمنين ما فعلت شيئاً قط
ولا أفعله أبداً .
فأما كيفية جواز تعليم السّجر على الملائكة ووجه الآية وحملها على التأويل الصحيح:
فقال بعضهم: إنّهما كانا لا يتعمّدان تعليم السحر ولكنّهما يصفانه ويذكران بطلانه ويأمران
باجتنابه واعلم وعلّم بمعنى واحد وفي هذا حكمة: وهي إنّ سائلاً لو سأل عن الزّنا لوجب أن
يوقف عليه ويعلّم أنّه حرام، وكذلك إعلام الملكين النّاس وأمرهما باجتنابه بعد الاعلام
والأخبار إنّه كفر حرام فيتعلّم الشقي منهما وفي حلال صفتهما وترك موعظتهما ونصيحتهما ولا
يكون على هذا التأويل تعلّم السحر كفراً وإنّما يكون العمل به كفراً كما إنّ من عرف الزّنا لم يأثمّ
إنّما يأثمّ العامل به، والقول الآخر والأصح: إنّ الله تعالى إمتحن النّاس بالملكين في ذلك
الوقت وجعل المحنة في الكفر والإيمان أن يقبل القابل تعلّم السّحر فيكفر بتعلّمه ويؤمن بترك
التعلّم، لأنّ السّحر كان قد كثر في كلّ الأمة ويزداد المعلّمان عذاباً بتعليمه فيكون ذلك إبتلاء
للمعلّم والمتعلّم ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن بني اسرائيل بالنّهر في قوله:
﴿إنّ الله مبتليكم بنهر﴾(١) يدلّ عليه قوله ﴿إنّما نحن فتنة فلا تكفر﴾ وهذان حكاهما الزجّاج
واعتمدهما. قال الله تعالى:
﴿وما هم بضارين به من أحد﴾ أي أحداً ومن صلة.
﴿إلّ بأذن الله﴾ [أو إلّ بقضاء الله أو إلّ بإذن الله أي بمرأى ومسمع](٢) أي بعلمه
وقضائه ومشيئته وتكوينه [والساحر يسحر ولا يكون شيء](٣).
(١) سورة البقرة: ٢٤٩.
(٢) عن هامش المخطوط.
(٣) عن هامش المخطوط.

٢٥١
سورة البقرة، الآيات: ١٠٤ - ١٠٦
﴿ويتعلّمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾ أي السحر وقرأ عبيد بن عمير: ما يُضرهم من أضرّ
يضرّ .
﴿ولقد علموا﴾ يعني اليهود ﴿لمن اشتراه﴾ اختار السّحر.
﴿ما له في الآخرة﴾ أي في الجنّة ﴿من خلاق﴾ من نصيب.
وقال الحسن: ماله في الآخرة من خلاق من دين ولا وجه عند الله.
ابن عبّاس: من قوام، وقيل من خلاص.
قال أميّة: يدعون بالويل فيها لا خلاق لهم إلاّ السرابيل من قطر وإغلال، أي لا خلاص
لهم.
﴿ولبئس ما شروا به﴾ باعوا به حظّ ﴿أنفسهم) حين اختاروا السّحر والكفر على الدين
والحق.
﴿لو كانوا يعلمون﴾ ﴿ولو أنّهم آمنوا﴾ بمحمّد ◌َلِّ والقرآن.
(واتقوا﴾ اليهودية والسّحر.
﴿المثوبة﴾ [ويجوز المثوبة بفتح الميم وفتح الواو كمشورة وكمشوَرة وهي مصدر من
الثواب](١) ﴿من عند الله﴾ لكان ثواب الله عزّ وجلّ أياهم.
﴿خير لو كانوا يعلمون﴾.
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا نَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرَنَا وَأَسْمَعُواْ وَالْكَفِ عَذَابٌ أِهُ (3َ) مَّا
يَدُّ الَّذِينَ كَغَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّنِ زَّيْكُمْ وَاللَّهُ
مَا نَسَحْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُفِهَا تَأْتِ مِخَيْرٍ
يَخْتَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَأُ أَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ فَِّيرُ
١٠٦
﴿يا أيها الّذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ الآية: وذلك إنّ المسلمين كانوا يقولون راعنا يا
رسول الله وأرعنا سمعك يعنون من المراعاة، وكانت هذه اللفظة سبّاً مبيحاً بلغة اليهود، وقيل:
كان معناه عندهم: اسمع لا سمعت، وقيل: هو إلحاد إلى الرعونة لما سمعتها اليهود اغتنموها،
وقالوا فيما نسب بعضهم إلى محمّد سراً. فاعلنوا الآن بالشّتم، وكانوا يأتونه ويقولون: راعنا يا
محمّد ويضحكون فيما بينهم. فسمعها سعد بن معاذ ففطن لها، وكان يعرف لغتهم. فقال
لليهود: عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده يا معشر اليهود إن سمعنا من رجل منكم يقولها لرسول
الله وَلي﴿ لضربت عنقه. فقالوا: أولستم تقولونها؟
(١) عن هامش المخطوط .
4

٢٥٢
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
فأنزل الله تعالى ﴿يا أيّها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ لكي لا يجد اليهود بذلك سبيلاً إلى
شتم رسول الله آل﴾.
وفي هذه اللفظة ثلاث قرآت:
قرأ الحسن راعناً بالتنوين أراد قولاً راعناً: أي حقاً من الرعونة فحذف الاسم وأبقى
الصّفة. كقول الشاعر:
ولا مثل يوم في قدار ظله كأني وأصحابي على قرن أعفرا
اراد قرن ظبي أعفر. حذف الاسم وابقى النعت.
وقرأ أُبي بن كعب: راعونا بالجمع.
وقرأت العامّة: راعنا بالواحد من المراعاة. يُقال: أرعى إلى الشيء وارعاه وراعاه. إذا
أصغى إليه واستمعه. مثل قولهم: عافاه الله واعفاه.
قال مجاهد: لا تقولوا راعنا: يعني خلافاً .
يمان: هجراً.
الكسائي: شرّاً .
﴿وقولوا انظرنا﴾ قال أبي بن كعب: انظرنا بقطع الألف أي أخرنا، وقرأت العامّة موصولة
أي انظر إلينا. فحذف حرف التعدية كقول قيس بن الحطيم:
كما ينظر الأراك الظبّا
ظاهرات الجمال والحسن ينظرن
أي إلى الأراك، وقيل: معناه انتظرنا وتأننا. كقول امرؤ القيس:
من الدهر تنفعني لدى ام جندب
فانكما أن تنظرانى ساعة
وقال مجاهد: معناه فهَّمنا، وقال يمان: بيّن لنَّا
﴿واسمعوا﴾ ما تؤمرون به، والمراد به اطيعوا لأنّ الطّاعة تحت السّمع.
﴿وللكافرين عذاب أليم﴾ يعني اليهود.
﴿ما يودّ الّذين كفروا من أهل الكتاب﴾ الآية: وذلك إنّ المسلمين كانوا إذا قالوا لحلفائهم
من اليهود: آمنوا بمحمّد قالوا: ما هذا الّذي تدعوننا إليه بخير مما نحن عليه ولو [هدانا](1)
لكان خيراً. فأنزل الله تعالى تكذيباً لهم (ما يودّ): يريد ويتمنى الّذين كفروا من أهل الكتاب
يعني اليهود.
(١) كلمة غير مقروءة في المخطوط والظاهر ما أثبتناه.

٢٥٣
سورة البقرة، الآيات: ١٠٤ - ١٠٦
﴿ولا المشركين﴾(١) مجرور في اللفظ بالنسق على من مرفوع المعنى بفعله كقوله عزّ وجلّ
﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه﴾(٢) ﴿أن ينزّل عليكم من خير﴾ أي خبر كما
نقول: ما أتاني من أحد من فيه، وفي جوابها صلة، وهي كثيرة في القرآن.
﴿والله يختص﴾ والاختصاص أوكد من الخصوص لأن الاختصاص لنفسك والخصوص
لغيرك.
﴿برحمته﴾ بنبوّته. ﴿من يشاء﴾ يخص بها محمّداً وَله.
﴿والله ذو الفضل العظيم﴾ [أي ابتداء لعلى ... خبر علة أو المراد من الرحمة الإسلام
والهداية(٣)] ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ الآية وذلك إنّ المشركين قالوا: ألاّ ترون إلى محمّد
يأمر أصحابه بأمر لم ينهاهم عنه، ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولاً ويرجع فيه غداً، ما هذا
القرآن إلّ كلام محمّد يقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضاً. فأنزل الله ﴿وإذا
بدلنا آية مكان آية﴾ (٤)، وأنزل أيضاً ﴿ما ننسخ من آية﴾ ثمّ بيّن وجه الحكمة في النسّخ بهذه
الآية.
وأعلم إنّ النسخ في اللغة شيئان:
الوجه الأول: بمعنى التغيير والتحويل قال الفراء: يُقال: مسخه الله قرداً ونسخه قرداً،
ومنه نسخ الكتاب وهو أن يحول من كتاب إلى كتاب فينقل ما فيه إليه قال الله تعالى ﴿إنّا كُنَّا
نستنسخ ما كنتم تعملون﴾(٥): أي نأمر الملائكة بنسخها .
قال ابن عبّاس في هذه الآية: ألستم قوماً عرباً هل يكون نسخه إلاّ من أصل كان قبل
ذلك؟ وعلى هذا الوجه القرآن كلّه منسوخ؛ لأنّه نسخ من اللوح المحفوظ فأنزل على النبيّ وَلّى.
روى عبد الوهاب بن عطاء عن داود عن عكرمة عن ابن عبّاس: أنزل الله تعالى القرآن
جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدُّنيا ثمَّ أنزله جبرائيل على محمّد آياً بعد آي،
وكان فيه ما قال المشركون وردّ عليهم.
والوجه الثاني: بمعنى رفع الشيء وابطاله يُقال: نسخت الشمّس الظل: أي ذهبت به
وأبطلته [ ... ] عنّى بقوله ما ننسخ من آية وعلى هذا الوجه يكون بعض القرآن ناسخاً ومنسوخاً
وهي ما تعرفه الأمّة من ناسخ القرآن ومنسوخه وهذا أيضاً يتنوّع نوعين:
(١) في هامش المخطوطة: والمراد مشركو العرب كأبي سفيان.
(٢)
سورة الأنعام: ٣٨.
(٣) عن هامش المخطوط .
(٤) سورة النحل: ١٠١.
(٥) سورة الجاثية: ٢٩.

٢٥٤
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
أحدهما: إن يثبت خط الآية، وينسخ علمها والعمل بها. كقول ابن عبّاس في قوله ﴿ما
ننسخ من آية﴾ قال: ثبت خطها وتبدل حكمها. ومنها رفع تلاوتها وبقاء حكمها مثل آية الرجم.
الثاني: أنّ تُرفع الآية أصلاً أي تلاوتها وحكمها معاً فتكون خارجة من خط الكتاب،
وبعضها من قلوب الرّجال أيضاً، والشّاهد له ما روي أبو أمامة سهل بن حنيف في مجلس سعيد
ابن المسيب: إنّ رجلاً كانت معه سوّر. فقام يقرأها من الليل فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرأها.
فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرأها فلم يقدر عليها. فأصبحوا فأتوا رسول الله وير فقال بعضهم:
يا رسول الله قمت البارحة لأقرأ سورة كذا وكذا فلم أقدر عليها، وقال الآخر: يا رسول الله ما
جئت إلاّ لذلك، وقال الآخر: وأنا يا رسول الله.
فقال رسول الله وَله: ((إنّها نُسخت البارحة)) [٩٨](١).
ثُمَّ إعلم أنّ النّسخ إنّما يعترض على الأوامر والنواهي دون الأخبار؛ إذا نُسخ صار المخُبر
كذاباً، وإنّ اليهود حاولوا نسخ الشرائع وزعموا إنّه بداء فيُقال لهم: أليس قد أباح الله تزويج
الاخت من الأخ ثمّ حظره وكذلك بنت الأخ وبنت الأخت؟ أليس قد أمر إبراهيم عليّلا بذبح إبنه،
ثمّ قال له لا تذبحه؟
أليس قد أمر موسى بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد العجل منهم وأمرهم برفع السّيف عنهم؟
أليست نبوة موسى غير متعبد بها، ثمّ تُعبّد بذلك؟ أليس قد أمر حزقيل النبيّ بالختان، ثمّ نهاه
عنه؟ فلِما لَم يلحقه بهذه الأشياء بداء فكذلك في نسخ الشرائع لم يلحقه بداء بل هو نقل العباد
من عبادة إلى عبادة، وحكم إلى حكم؛ لضرب من المصلحة إظهار لحكمته وكمال مملكته وله
ذلك وبه التوفيق.
فهذه من علم النّسخ وهو نوع كثير من علوم القرآن، لا يسع جهله لمن شرع إلى التفسير.
وعن أبي عبدالرحمن السّلمي: إنّ علياًمفعِلَّ مرّ بقاص يقصُّ في جامع الكوفة بباب كندة
فقال: هل تعلم النّاسخ من المنسوخ؟
قال: لا. قال: هلكت وأهلكت(٢).
وأمّا معنى الآية لقوله ﴿ما ننسخ من آية﴾ قرأت العامّة بفتح النون والسين من النّسخ.
وقرأ ابن عامر: بضم النون وكسر السّين ..
قال أبو حاتم: هو غلط وقال: بعضهم له وجهان، أحدهما نجعله نسخه من قولك نسخت
الكتاب إذا كتبته وأنسخته غيري إذا جعلته نسخة له ومعناها ما مسختك.
(١) نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٣٤، والدر المنثور: ١٠٥/١.
(٢) المصنف لعبد الرزاق: ٢٢١/٣ ح ٥٤٠٧، والناسخ والمنسوخ لابن حزم: ٥ .

٢٥٥
سورة البقرة، الآيات: ١٠٤ - ١٠٦
والوجه الثاني: تجعله في جملة المنسوخ كقولك: طردت الرّجل إذا نفيته وأطردته جعلته
طريداً. قال الشاعر:
طردتني حسد الهجاء حيفاء واللآّت والأصنام ما قالوا تنل
أو ننسها (١): فيه تسع قراءات:
قرأ سعيد بن المسيب وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي
ويعقوب: ننسها بضّم النون وكسر السّين. وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم أي: نُنسها نسياً قاله
أكثر المفسرين .
قال الحسن: هو ما أنسى الله رسوله وَله .
قال ابن عبّاس: أي تتركها ولا نبدّلها قال الله: ﴿نسوا الله فأنساهم﴾(٢) وقال الله تعالى:
﴿كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى﴾(٣). كلّ هذا من التّرك كانّه جعل أنسى ونسي
بمعنى واحد.
قال الكلبي وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا منصور الأزهري يقول: معناه أو
نأمر بتركها يقال أنسيت الشيء أي أمرت بتركه.
قال الشاعر:
لست بنا سيها مَجمع ولا منسيها
جرت عليّ قصة أقصيتها
أي ولا آمر بتركها .
وقرأ أُبي بن كعب: أو نفسيك.
وقرأ عبدالله: ننسيك من آية أو ننسخها .
قرأ سالم مولى حذيفة: أو ننسكّها.
وقرأ أبو رجاء: أو ننّسها بالتشديد، وقرأ الضحّاك: أو ننسها بضم التاء وفتح السين على
مجهول، وقرأ سعد بن أبي وقّاص: أو ننسها بتاء المفتوحة من النسيان، وعن القاسم بن الربيع
ابن فائق؛ قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: بالنسخ من آية أو ننسها .
قال: فقلت له: إنّ سعيد بن المسيّب يقرأ: ننسها. قال: إنّ القرآن لم ينزل على آل
المسیّب .
(١) في هامش المخطوطة: عن قلبك أي نتركها. (٢) سورة التوبة: ٦٧.
(٣) سورة طه: ١٢٦ .
(٥) سورة الكهف: ٢٤.
(٤) سورة الأعلى: ٦.

٠٠٠
٢٥٦
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
قال الله تعالى لنبيه وَل: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾(١) ﴿واذكر ربّك إذا نسيت﴾(٢).
وقرأ مجاهد: (أو ننسها) بفتح النون مخففه أي نتركها .
وقرأ عمر بن الخطّاب وابن عبّاس وعبيد بن عمير وعطاء وابن كثير وابو عمرو والنخعي:
أو ننساها بفتح النون الأول وفتح السين مهموزة فلا نؤخرها فلا نبدّلها ولا ننسخها، يقال: نسأ
الله في أجله وأنسأ الله أجله، ومنه النسيئه في البيع.
وقال أبو عبيد: ننسبأها مجازه نمضيها لذكر ما فيه، قال طرفة:
أمون كألواح الاران نسأتها
على لا حب كأنّه ظهر برجد(٣)
أي لسقتها وأمضيتها، وقال سعيد بن المسيب وعطاء: أما ما ننسخ من آية فهو ما قد نزل
من القرآن جعلاه من النسخة، أو ننساها نؤخرها فلا يكون وهو ما لم ينزّل.
﴿نأتِ بخير منها﴾(٤) أيّ بما هو أجدى وأنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر لأجركم لا أنّ آية
خير من آية؛ لأن كلام الله عزّ جلّ واحد ولكنّها في المنفعة المثوبة وكلّه خير.
أَلَمْ تَعَلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُه مُلْكُ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضِهُ وَمَا لَّكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
١٠٧
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ نَشْعَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُبِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ
السَّبِيلِ ﴿ وَذَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يَرُدُونَكُمْ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَدًّا مِنْ عِنْدٍ
أَنْفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّيْ فَأَعْفُواْ وَأَصْفَعُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللهُ بِأَمْرِةً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ
﴿ألم تعلم أنّ الله على كل شيء قدير﴾(٥) قادر قال الزجاج: لفظه استفهام ومعناه توفيق
وتقرير .
﴿ألم تعلم أنّ الله له ملك السموات والأرض وما لكم﴾ يا معشر الكفّار عند نزول
العذاب.
﴿من دون الله من وليّ﴾ قریب وصديق.
﴿ولا نصير﴾ ناصر يمنعكم من العذاب.
﴿أم تريدون أنْ تسألوا رسولكم﴾ الآية. قال ابن عبّاس: نزلت في عبدالله بن أُميّة
(١) مجمع البيان: ٣٤٦/١.
(٢) في هامش المخطوطة: وكل مانسخ إلاّ اليسير فالناسخ أسهل في العمل.
(٣) في هامش المخطوطة: من النسخ والتبديل.

٢٥٧
سورة البقرة، الآيات: ١٠٧ - ١٠٩
المخزومي ورهط من قريش قالوا: يا محمّد أجعل لنا الصّفا ذهباً ووسّع لنّا أرض مكّة، وفجر
الأنهار خلالها تفجيرا نؤمن بك.
فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿أم تريدون﴾ يعني أتريدون والميم صلة لأنّ أم إذا كان بمعنى العطف
لا تكون أبتداء ولا تأتي إلاّ مردودة على استفهام قبلها، وقيل معناه: بل يريدون كقول الشاعر:
وصورتها أم أنت في العين أملح(١).
بدت مثل قرن الشّمس في رونق الضحّى
أي بل أنت.
﴿أَنْ تسألوا رسولكم﴾ محمّداً.
﴿كما سُئل موسى من قبل﴾ سأله قومه فقالوا: أرنا الله جهرة، وقال مجاهد: لمّا قالت
قريش هذا لرسول الله وَ﴾ قال: ((نعم وهو كالمائدة لبني إسرائيل إن لم تؤمنوا عُذّبتم)) [٩٩] فأبوا
ورجعوا، والصّحيح أن شاء الله إنها نزلت في اليهود حين قالوا: يا محمّد أئتنا بكتاب من
السّماء تحملهُ، كما أتى موسى بالتوراة، لأنّ هذه السّورة مدنية، وتصديق هذا القول قوله تعالى:
﴿يسألك أهل الكتاب أن تُنزل عليهم كتاباً من السّماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك﴾(٢) في
سُئل ثلاث قراءات :
بالهمز: وهي قراءة العامّة، و(سُئل) بتليين الهمزة وهي قراءة أبي جعفر و(سُئل) مثل (قيل)
وهي قراءة الحسن .
﴿ومن يتبدّل الكفر بالإيمان فقد ضلّ سواء السّبيل﴾ أخطأ وسط الطريق.
﴿ودّ كثير من أهل الكتاب﴾ الآية نزلت في نفر من اليهود منهم: فنحاص بن عازورا وزيد
ابن قيس؛ وذلك إنّهم قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أُحد: ألم تريا ما
أصابكم ولو كنتم على الحقّ ماهزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم
سبيلاً. فقالوا لهم: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديد.
قال: فإني قد عاهدتُ ألاّ أكفر بمحمّد ◌َِّ ما عشتُ. فقالت اليهود: أمّا هذا فقد صبر،
وقال حُذيفة: وأمّا أنا فقد رضيت بالله ربّاً وبمحمّد نبيّاً وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً وبالكعبة
قبلة وبالمؤمنين أخواناً .
ثمَّ أتيا رسول الله وَ لهَ فأخبراه بذلك فقال: ((أصبتما الخير وأفلحتما)) [١٠٠](٣). فأنزل
الله تعالى ﴿ودّ كثير من أهل الكتاب﴾ أي تمنى وأراد كثير من اليهود.
(١) مجمع البيان: ٢٨١/١.
(٢) سورة النساء: ١٥٣.
(٣) تفسير الكشاف: ١٧٦/١ .

٢٥٨
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
﴿لو يردونكم﴾ يا معشر المؤمنين.
﴿من بعد إيمانكم كفّاراً﴾ في انتصابه وجهان قيل: بالردّ وقيل: بالحال. ﴿حسداً﴾ وفي
نصبه أيضاً وجهان: قيل على المصدر أي يحسدونكم حسداً، وقيل: بنزع حرف الصلة تقديره
للحسد. وأصل الحسد في اللغة الالظاظ بالشيء حتّى يخدشه وقيل: للمسحاة محسد وللغراد
حسدل زيدت فيه اللآم كما يقال للعبد: عبدل.
﴿من عند أنفسهم﴾ أي من تلقاء أنفسهم لم يأمر الله عز وجل بذلك.
﴿من بعد ما تبين لهم الحقّ﴾ في التوراة إنّ محمّداً صادق ودينه حقّ.
﴿فاعفوا﴾ فاتركوا. ﴿واصفحوا﴾ وتجاوزوا.
﴿حتّى يأتي الله بأمره﴾ بعذابه القتل والسبّي لبني قريظة والجلاء والنفي لبني النظير قاله
ابن عبّاس.
وقال قتادة: هو أمره بقتالهم في قوله تعالى: ﴿قاتلوا الّذين لا يؤمنون بالله﴾ إلى ﴿وهم
صاغرون﴾(١) .
وقال ابن كيسان: بعلمه وحكمه فيهم حكم بعضهم بالإسلام ولبعضهم بالقتل والسبي
والجزية، وقيل: أراد به القيامة فيجازيهم بأعمالهم.
﴿إِنّ الله على كلّ شيءٍ قدير﴾.
وَأَقِيمُواْ أَلْفَلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةُ وَمَا نُقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِّ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِبْرٌ ﴿ وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَىْ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَانُواْ رُمَنَكُمْ
إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿١) بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ نُّمِنٌ فَلَهُ، أَجْرُمُ عِنْدَ رَبِّهِ، وَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٢) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ وَهُمْ
يَتْلُونَ الْكِتَبُّ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَلَّهُ يَحَكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَّةِ فِيمَا كَانُواْ مِيْهِ
يَخْتَلِفُونَ
﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكوة وما تقدّموا﴾ تسلفوا.
﴿لأنفسكم من خير﴾ طاعة وعمل صالح.
﴿تجدوه﴾ تجدوا ثوابه ونفعه. ﴿عند الله﴾ وقيل: بالخبر الحال كقوله عزّ وجلّ ﴿إن ترك
(١) سورة التوبة: ٢٩.

٢٥٩
سورة البقرة، الآيات: ١١٠ - ١١٣
خيراً﴾(١) ومعناه وما تقدّموا لأنفسكم من زكاة وصدقة تجدوه عند الله أي وتجدوا الثمرة واللقمّة
مثل أحد ﴿إنّ الله بما تعملون﴾ ورد في الحديث: إذا مات العبد قال الله: ما خلّف؟
وقال الملائكة: ما قِدّم؟
وعن أنس بن مالك قال: لمّا ماتت فاطمة بنت رسول الله و لو دخل علي بن أبي
طالب فعاليَّة الدّار فأنشأ يقول:
وكلّ الّذي دون الفراق قليل
لكلّ اجتماع من خليلين فرقة
دليلٌ على أن لا يدوم خليل
وإنّ افتقادي واحداً بعد واحد
ثمّ دخل المقابر فقال: السلام عليكم يا أهل القبور أموالكم قسّمت ودوركم سكنّت
وأزواجكم نكحت فهذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ فهتف هاتف: وعليكم السلام ما أكلنا
رِبْحَنَا وما قدّمنا وجدنا وما خلّفنا خسرنا(٢) . .
﴿وقالوا لن يدخل الجنّة إلّ من كان هوداً أو نصارى﴾ قال الفرّاء: أراد يهودياً فحذف
الياء الزائدة ورجعوا إلى الفعل من اليهوديّة.
وقال الأخفش: اليهود جمع هايد مثل عائد وعود وحائل وحول وعايط وعوط وعايذ
وعوذ، وفي مصحف أُبي: إلاّ من كان يهودياً أو نصرانياً ومعنى الآية وقالت اليهود: لن يدخل
الجنّة إلّ من كان يهوديّاً ولا دين إلّ دين اليهوديّة وقالت النصارى: لن يدخل الجنّة إلّ من كان
نصرانياً ولا دين إلّ النصرانية قال الله تعالى: ﴿تلك أمانيّهم﴾ شهواتهم الّتي يشتهوها ويتمنوها
على الله عزّ وجلّ بغير الحقّ وقيل أباطيلهم بلغة قريش.
﴿قل﴾ يا محمّد. ﴿هاتوا﴾ وأصله أتوا فقلبت الهمزة هاءً.
﴿برهانكم﴾ حجتكم على ذلك وجمعه براهين مثل قربان قرابين وسلطان وسلاطين.
﴿إن كنتم صادقين﴾ ثمّ قال ردّاً عليهم وتكذبياً لهم ﴿بلى﴾ ليس كما قالوا بل يدخل الجنّة
﴿من أسلم وجهه لله﴾ مقاتل: أخلص دينه وعمله لله وقيل: فوض أمره إلى الله.
وقيل: خضع وتواضع لله.
وأصل الإسلام والاستسلام: الخضوع والأنقياد وإنّما خصَّ الوجه لأنّه إذا جاد بوجهه في
السّجود لم يبخل بسائر جوارحه.
قال زید ین عمرو بن نفيل:
له الأرض تحمل صخراً ثقالا
اسلمتُ وجهي لمن اسلمت
(١) سورة البقرة: ١٨٠.
(٢) الثقات لا بن حبان: ٢٣٥/٩.

٢٦٠
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
له المزن يحمل عذباً زلالاً (١)
واسلمت وجهي لمن اسلمت
﴿وهو محسن﴾ في عمله، وقيل: مؤمن، وقيل: مخلص.
﴿فله أجره عند ربّه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ﴿وقالت اليهود﴾ نزلت في يهود
المدينة ونصارى أهل نجران؛ وذلك إنّ وفد نجران لمّا قدموا على رسول الله وَلّ أتاهم أحبار
اليهود فتناظروا حتّى ارتفعت أصواتهم فقالت لهم اليهود: ما أنتم على شيء من الدّين وكفروا
بعيسى والأنجيل، وقالت لهم النّصارى: ما أنتم على شيء من الدّين وكفروا بموسى والتوراة.
فأنزل الله تعالى ﴿وقالت اليهود ليست التّصارى على شيء وقالت النّصارى ليست اليهود على
شيء﴾.
﴿وهم يتلون الكتاب﴾ وكلا الفريقين يقرأون الكتاب أي لتبين في كتابكم سر الاختلاف
فدل تلاوتهم الكتاب ومخالفتهم مافيه على أنهم على الباطل.
وقيل: كان سفيان الثوري إذا قرأ هذه الآية قال: صدقوا جميعاً والله كذلك.
﴿قال الّذين لا يعلمون﴾(٢) يعني أباءهم الذّين مضوا.
﴿مثل قولهم﴾ قال مقاتل يعني مشركي العرب كذلك قالوا في نبيّهم محمّدٍ وَّ وأصحابه
ليسوا على شيء من الدّين.
وقال ابن جريح: قلت لعطاء: (كذلك قال الذين لا يعلمون) من هم؟
قال: أُمم كانت قبل اليهود والنّصارى مثل قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ونحوهم،
قالوا في نبيهم إنّه ليس على شيء وأنّ الدّين ديننا.
﴿فالله يحكم بينهم﴾ يقضي بين المحقّ والمبطل يوم القيامة.
﴿فيما كانوا فيه يختلفون﴾ من الدين.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَتِدَ الَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا أَسْهُمُ وَسَعَى فِ خَرَّبِهَاْ أُؤَكَ مَا كَانَّ لَهُمْ أَنْ يَدْ خُلُوهَاً
إِلَّ خَيِفِينَ لَهُمْ فِ الذُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿ وَِّ الْمَشْرِقُ وَالَرِبُّ فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَمَّ
وَبْدُ اللَّهِ إِنَ اللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ (١٥) وَقَالُوا أَتَّخَذَ اللّهُ وَلَدَأْ سُبْحَئِنَّهُ بَل لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ كُلّ
لَمُ قَغِنُونَ ﴿١٦) بَدِيعُ أَلَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ وَإِذَا تَ أَمْهَا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَمُرُ كُنْ فَيَكُونُ (
﴿ومن أظلم ممّن منع مساجد الله أنْ يذكر فيها اسمه﴾ نزلت في ططيوس بن استيسانوس
(١) مجمع البيان: ٣٥٦/١.
(٢) في هامش المخطوطة: هم عوام اليهود لأنهم غير متعلمين.