Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
سورة البقرة، الآيات: ٥٥ - ٥٩
عكرمة: طير يكون بالهند أكبر من عصفور، المؤرّخ: هو [المعسل] بلغه كنانه.
وقال شاعرهم:
وقاسمها بالله حقّاً لأنتم الّذّ من السلوى إذا ما نشورها (١)
وكان يرسل عليهم المنّ والسلوى، فيأخذ كل واحد منه ما يكفيه يوماً وليلة، وإذا كان يوم
الجمعة أخذ ما يكفيه ليومين لأنّه لم يكن ينزل إليهم يوم السبت، فذلك قوله: ﴿وأنزلنا عليكم
المنّ والسلوى كلوا﴾ أي وقلنا لهم كلوا .
﴿من طيبات﴾ حلالات. ﴿ما رزقناكم﴾ ولا تدّخروا لغد فخبأوا لغد فقطع الله عزّ وجلّ
ذلك عنهم ودوّد وفسد ما ادّخروا، فذلك قوله عزّ وجلّ ﴿وما ظلمونا﴾ ضرّونا بالمعصية.
﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ يصرّون باستيجابهم عذابي وقطع مادة الرزق الذي كان
ينزّل عليهم بلا كلفة ولا مؤونة، ولا مشقّة في الدنيا، ولا تبعه ولا حساب في العقبى.
خلاس بن عمرو عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: (لولا بني إسرائيل لم يخنز
الطعام ولم يخبث اللّحم، ولولا حوّاء لم تخن أنثى زوجها))(٢) [٨٧].
﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية﴾ ابن عباس: هي أريحا وهي قرية الجبّارين، وكان فيها قوم
من بقية عاد يقال لهم العمالقة ورأسهم عوج بن عناق، وقيل: هي بلقا .
وقال ابن كيسان: هي الشام.
الضّحاك: هي الرّملة والاردن وفلسطين وتدمر.
مجاهد: بيت المقدس. مقاتل: إيليا .
﴿وكلوا منها حيث شئتم رغدا﴾ موسعاً عليكم.
﴿وادخلوا الباب﴾ يعني باباً من أبواب القرية وكان لها سبعة أبواب.
﴿سجّداً﴾ منحنين متواضعين وأصل السجود الخضوع.
قال الشاعر:
ترى الأكْم فيه سجّداً للحوافر(٣)
بجمع يضل البلق في حجراته
وقال وهب: قيل لهم ادخلوا الباب، فاذا دخلتموه فاسجدوا شكراً لله عزّ وجلّ، وذلك
(١) كتاب العين: ٧ / ٢٩٨.
(٢) صحيح ابن حبان: ٩ / ٤٧٧ .
(٣) جامع البيان للطبري: ١ / ٤٢٧.

٢٠٢
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
أنّهم أذنبوا بإبائهم دخول أريحا، فلما فصلوا من التيه أحبّ الله عزّ وجلّ أن يستنقذهم من
الخطيئة .
﴿وقولوا حطّة﴾ قال قتادة: حطّ عنّا خطايانا وهو أمرٌ بالاستغفار (١).
وقال ابن عباس: يعني لا اله الا الله؛ لأنّها تحطّ الذنوب، وهي رفع على الحكاية في
قول أبي عبيدة.
وقال الزجاج: سألتنا حطّة.
﴿نغفر لكم خطاياكم وقرأ أهل المدينة بياء مضمومة وأهل الشام بتاء مضمومة.
﴿وسنزيد المحسنين﴾ إحساناً وثواباً والسلام.
﴿فبدّل الذين ظلموا﴾ أنفسهم بالمعصية، وقيل كفروا.
وقال مجاهد: كموطيء لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم، فلم يخفضوا ولم يركعوا ولم
يسجدوا، فدخلوا مترجعين على أشباههم.
﴿قولا﴾ يعني وقالوا قولا. ﴿غير الذي قيل لهم﴾ وذلك إنّهم أُمروا أن يقولوا (حطّة)
فقالوا: (حطا) [ ..... ](٢) يعنون حنطه حمراء استخفافاً بأمر الله.
﴿فأنزل على الذين ظلموا رجزاً﴾ عذاباً ﴿من السماء) وذلك أنّ الله تعالى أرسل الله
عليهم ظلمة وطاعوناً فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفاً.
﴿بما كانوا يفسقون﴾ يعني يلعبون ويخرجون من أمر الله عزّ وجلّ.
﴿ وَإِ أَسْتَلْقَ مُسْلٍ إِقَوْمِهِ، لَقُلْنَا أَضْرِبِ إِمَسَائِكَ الْحَكَرِّ اللَّهْرَتْ مِنْهُ أَقشاً عَقَرَةَ عَنْهُ قَدْ
عَّدُ كُلُ أَنَّهِى لَفَرَّتِفَةُ كْلُوا وَاشْرَهَا مِنْ قَدْنِ أَّ وَلَا تَعْتُمًا فيـ الْأَصِ لَفْسِدَةَ (٥٥ ق: لنتُرْ
يَسْوَقِ أَن تَشِرْ عَ مَنْعَامِ وَهِ فَتْ لَمَا رَبَّدَقَ يْرِعْ لَنَا مِمَّا لَبْتُ الْأَرْضِ مِنْ بَقْلِهَا وَقِطَأَبِهَا وَقُرْبِهَا
وَعَدَيِهَا وَيَصِهَا قَالْ أَسْتَرْتَ أَلَّذِى هُوَّ ◌َفَكَ بِأَلَّهِبِ غُرَّ كَ أَهَبِطُواْ مِنْسِرَ فَرّ ◌َكُمِ مَا سَأَةُ
وَشَرَتْ عَيْهِمْ أَإِلَهُ وَْكَةُ وَبَدُوٍ بِنَتَسِرٍ فَنَّ أَهْ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ لَمَا تَكْتُونَ بِعَنْتِ أَهِ وَ يَقْتُونَ
أَّيْنَ بِغَيْرِ الْعَنُّ ذَيْكَ بِمَا عَصَّواْ أَكَانُرًا بِمَتَدُونَ (٢١) إِنَّ الَّذِينَ: مَنُواْ وَلْبَيْرَ هَادُواْ وَالْعَشَرِىّ
وَلْضَِّنَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيُؤْمِ الأَبِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَيُّهُمْ بِذَ رَبِّهِمْ وَلَّاَ خَوْنُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُّ
رات به
(١) أحكام القرآن للجصاص: ١ / ٣٩.
(٢) كلمة غير مقروءة.

٢٠٣
سورة البقرة، الآيتان: ٦٠ - ٦٢
﴿وإذا استسقى موسى لقومه﴾ السين فيه: سين المسألة، مثل استعلم واستخبر ونحوهما،
أي سأل السّقيا لقومه وذلك أنّهم عطشوا في التيه فقالوا: يا موسى من أين لنا الشراب،
فاستسقی لهم موسى فأوحى الله عزّ وجلّ إليه:
﴿فقلنا اضرب بعصاك الحجر﴾ وكان من آس الجنّة طوله عشرة أذرع على طول موسى وله
شعبتان متّقدتان في الظلمة نوراً واسمه غليق، وكان آدم عليّلا حمله معه من الجنة الى الأرض
فتوارثته الأصاغر عن الأكابر حتى وصل إلى شعيب فأعطاه لموسى.
﴿الحجر﴾ واختلفوا فيه، فقال وهب بن منبه: كان موسى ◌َّ يقرع لهم أقرب حجر من
عرض الحجارة فيتفجّر منها لكلّ سبط عين وكانوا اثني عشر سبطاً، ثمّ يسيل في كلّ عين جدول
الى السبط الذي أمر سقيهم، ثمّ أنّهم قالوا: إن فقد موسى عصاه، فأوحى الله تعالى الى موسى
لا تقرعنّ الحجارة ولكن كلّمها تطعك لعلّهم يعتبرون.
فقالوا: كيف بنا لو أفضينا الى الرّمل والى الأرض التي ليست فيها حجارة، فحمل موسى
معه حجراً فحيث نزلوا ألقاه.
. وقال الآخرون: كان حجراً مخصوصاً بعينه، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿الحجر﴾ فأدخل
الألف واللام للتعريف مثل قولك: رأيت الرجل، ثم اختلفوا فيه ما هو.
فقال ابن عباس: كان حجراً خفيفاً مربعاً مثل رأس الرجل أُمر أن يحمله وكان يضعه في
مخلاته فإذا إحتاجوا الى الماء وضعه وضربه بعصاه.
وفي بعض الكتب: إنّها كانت رخاماً .
وقال أبو روق: كان الحجر من الكدان وكان فيه اثنا عشرة حفرة ينبع من كلّ حفرة عين
ماء عذب فرات فيأخذوه، فإذا فرغوا وأراد موسى حمله ضربه بعصاه فيذهب الماء وكان يستسقي
كل يوم ستمائة ألف.
وقال سعيد بن جبير: هو الحجر الذي وضع موسى ثوبه عليه ليغتسل حين رموه بالأدرة(١)
ففرّ الحجر بثوبه ومرّ به على ملأ من بني إسرائيل حتى ظهر إنه ليس بأَدِر، فلما وقف الحجر أتاه
جبرئيل فقال لموسى: إن الله يقول إرفع هذا الحجر فانّ فيه قدرة، فلك فيه معجزة، وقد ذكره
الله تعالى في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونو كالذين آذوا موسى فبرّأه الله مما قالوا وكان
عند الله وجيها﴾(٢). فحمله موسى ووضعه في مخلاته فكان إذا احتاج الى الماء ضربه بالعصا،
وهو ما روي عن أبي هريرة إنه قال: قال رسول الله وَله: ((كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر
(١) الأدرة: نفخ في الخصيتين.
(٢) سورة الأحزاب: ٦٩.

٢٠٤
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
بعضهم الى سوأة بعض وكان موسى يغتسل وحده فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلاّ
إنه آدر قال: فذهب مرّة يغتسل فوضع موسى ثوبه على حجر ففرّ الحجر بثوبه قال: فجمع موسى
في أثره يقول ثوبي يا حجر ثوبي يا حجر حتى نظر بنو إسرائيل الى سوأة موسى فقالوا والله ما
بموسى من بأس قال فقام الحجر بعد ما نظر إليه وأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضرباً)) [٨٨](١).
فقال أبو هريرة: وقد رأينا بالحجر ندباً ستة أو سبعة أثر ضرب موسى.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: كانت ضربة موسى اثني عشرة ضربة، وظهر على
موضع كل ضربة مثل ثدي المرأة، ثم انفجر بالأنهار المطرّدة وهو قوله: ﴿فانفجرت﴾.
وفي الآية اضمار واختصار تقديرها: ضرب فانفجرت أي سالت، وأصل الانفجار:
الانشقاق والانتشار، ومنه فجر النهار.
﴿منه اثنتا عشرة عينا﴾ قرأ العامة بسكون الشّيّن على التخفيف، وقرأ العباس بن الفضل
الأنصاري بفتح الشين على الأصل، وقرأ أبو [ ..... ] (٢) بكسر الشين.
﴿قد علم كلّ أُناس مشربهم﴾ موضع شربهم ويكون بمعنى المصدر مثل المدخل،
المخرج .
﴿كلوا واشربوا﴾ أي قلنا لهم: كلوا من المنّ، واشربوا من الماء؛ فهذا كلّه من رزق الله
الذي بلا مشقة ولا مؤنة ولا تبعة .
﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ ( يُقال: عثى يعثي عثياً، وعثا يعثو عثواً، وعاث يعث
عيثاً وعيوثاً [بثلاث لغات] وهو شدة الفساد.
قال ابن الرّقاع:
لولا الحياء وأنّ رأسي قدعشا
فيه المشيب لزرتُ أمّ القاسم (٣)
﴿وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد﴾ الآية، وذلك أنهم ملّوا المنّ والسلوى
وسئموها. قال الحسن: كانوا نتانى أهل كراث وأبصال وأعداس فنزعوا إلى عكرهم عكر
السوء(٤)، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عاداتهم عليه، فقالوا: لن نصبر على طعام واحد
وكفّوا عن المنّ والسلوى، وإنما قالوا (واحد) وهما اثنان؛ لأن العرب تعبّر عن اثنين بلفظ
(١) مسند أحمد: ٢ / ٣١٥.
(٢). كلمة غير مقروءة في المخطوط.
(٣) زاد المسير: ٢ / ١٥٥.
(٤) العِكْر: الأصل، وقيل العادة والديدن، والعكر بالتحريك: الصدأ على السيف، راجع لسان العرب: ٤ /
٦٠١.

٢٠٥
سورة البقرة، الآيتان: ٦٠ - ٦٢
الواحد، وبلفظ الواحد عن الاثنين كقوله: ﴿يُخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾(١)، وإنما يخرجان
من المالح منهما دون العذب.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يعجنون المنّ والسلوى فيصير طعاماً واحداً
فیأکلونه.
﴿فَادْعُ﴾ فسأل وادع. ﴿لنا﴾ لأجلنا. ﴿ربّك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها
وقثائها﴾ قراءة العامة بكسر القاف.
وقرأ يحيى بن وثاب، وطلحة بن مصرف، والأشيب العقيلي: وقثائها بضم القاف، وهي
لغة تميم .
﴿وفومها﴾: قال ابن عباس: الفوم: الخبز، تقول العرب: فوّموا لنا، أي اختبزوا لنا.
عطاء وأبو مالك: هو الحنطة وهي لغة قديمة، قال الشاعر:
نزل المدينة عن زراعة فوم(٢)
قد كنت أحسبني كأغنى واحد
[ ..... ](٣): هو الحبوب كلّها.
الكلبي والنضر بن شميل والكسائي والمعرّج: هو الثوم، وأنشد المعرّج لحسّان:
طعامكم الفوم والحوقل(٤)
وأنتم أناس لئام الأصول
يعني الثوم والبصل؛ فالعرب تعاقب بين الفاء والثاء فتقول للصمغ العرفط: مغاثير
ومغافير، وللقبر جدف وجدث، ودليل هذا التأويل أنها في مصحف عبدالله: وثومها .
﴿وعدسها وبصلها﴾ عن الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب (رضي الله عنهما)
قال: قال رسول اللـه وَلي: ((عليكم بالعدس فإنّه مبارك مقدّس وإنه يُرقق القلب ويُكثر الدمعة،
وإنه بارك فيه سبعون نبياً آخرهم عيسى ◌ِ لَّا)) [٨٩](٥).
فقال لهم موسى عند ذلك: ﴿أتستبدلون﴾ وفي مصحف أُبيّ: أتبدلون.
﴿الذي هو أدنى﴾ أخس وأردى.
حكى الفراء عن زهير العرقي: إنه قرأ (أدناء) بالهمزة، والعامة على ترك الهمزة، وقال
بعض النحاة: هو أدون فقدّمت النون وحوّلت الواو ياء كقولهم: أولى من الويل.
(١) سورة الرحمن: ٢٢.
(٢) تاج العروس: ٩ / ١٥.
(٣) كلمة غير مقروءة في المخطوط.
(٤) تفسير القرطبي: ١ / ٤٢٥ .
(٥) تفسير القرطبي: ١ / ٤٢٧ .

٢٠٦
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
﴿بالذي هو خير﴾ أشرف وأفضل، ومعناه: أتتركون الذي هو خير وتريدون الذي هو شر،
ويجوز أن يكون هذا الخير والشر منصرفين إلى أجناس الطعام وأنواعه، ويجوز أن يكونا
منصرفين إلى اختيار الله لهم، واختيارهم لأنفسهم.
﴿اهبطوا مصرا﴾ يعني فإن أبيتم إلاّ ذلك فاهبطوا مصراً من الأمصار، ولو أراد مصر بعينها
لقال: (مصر) ولم يصرفه كقوله ﴿ادخلوا مصر إن شاء الله﴾(١) وهذا معنى قول قتادة.
الضحاك: هي مصر موسى وفرعون.
وقال الأعمش: هي مصر التي عليها صالح بن علي ودليل هذا القول: قراءة الحسن
وطلحة: (مصر) بغير تنوين جعلاها معرفة، وكذلك هو في مصحف عبدالله وأُبيّ بغير ألف،
وإنّما صرف على هذا القول لخفّته وقلّة حروفه مثل: دعد وهند وحمل ونحوها. قال الشاعر:
بين النهار وبين الليل قد فصلا(٢)
وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به
﴿فإنّ لكم ما سألتم﴾ من نبات الأرض.
﴿وَضُربت﴾ جُعلت. ﴿عليهم) وألزموا. ﴿الذلّة﴾ الذل والهوان. قالوا: بالجزية، يدل
عليه قوله: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾(٣) وقال [ ..... ](٤): هو الكستيبنج
وزنة اليهودية .
﴿والمسكنة﴾ يعني ذي الفقر. [فتراهم] كأنّهم فقراء وأن كانوا مياسير، وقيل: المذلة وفقر
القلب فلا يرى في أهل الملل أذل ولا أحرص على المال من اليهود، والمسكنة مفعلة من
السكون، ومنه سُميّ الفقير مسكيناً لسكونه وقلّة حركاته. يُقال: ما في بني فلان أسكن من
فلان، أي أفقر.
﴿وبآءوا بغضب من الله﴾ أي رجعوا في قول الكسائي وغيره. أبو روق: استحقوا والباء
صلة .
أبو عبيدة: احتملوا وأقرّوا به، ومنه الدعاء المأثور: (أبوء بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي فاغفر
لي فإنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت)، وغضب الله عليهم: ذمّهُ لهم وتوعّده إياهم في الدنيا، وإنزال
العقوبة عليهم في العقبى، وكذلك بغضه وسخطه.
(١) سورة يوسف: ٩٩.
(٢) تفسير القرطبي: ٢ / ١٩٣، لسان العرب: ٥ / ١٧٥: والعبارة: (وجعل الشمس ... الخ) .
فصلا .
(٣) سورة التوبة: ٢٩.
(٤) كلمة غير مقروءة في المخطوط.

٢٠٧
سورة البقرة، الآيات: ٦٠ - ٦٢
﴿ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بآيات الله﴾ بصفة محمد له وإنه الرحيم في التوراة والإنجيل
والفرقان.
﴿ويقتلون﴾ قراءة العامة بالتخفيف من القتل، وقرأ السّلمي بالتشديد من التقتيل.
﴿النبيّين﴾ القراءة المشهورة بالتشديد من غيرهم، وتفرّد نافع بهمز النبيين، [ومدّه] فمن
همز معناه: المخبر، من قول العرب: أنبأ النبي أنباءاً، ونبّأ ينبيء تنبئة بمعنى واحد، فقال الله
عزّ وجلّ: ﴿فلمّا نبأها به قالت من أنبأك هذا﴾(١) ومن حذف الهمز فله وجهان: أحدهما: إنه
أراد الهمز فحذفه طلباً للخفّة لكثرة استعمالها، والوجه الآخر: أن يكون بمعنى الرّفيع مأخوذ من
النبؤة وهي المكان المرتفع، يقال: نبيء الشيء عن المكان، أي ارتفع (٢).
قال الشاعر:
إنّ جنبي عن الفراش لناب كتجافي الأسرّ فوق الظراب(٣)
وفيه وجه آخر: قال الكسائي: النبي بغير همز: الطريق، فسمّي الرسول نبياً، وإنما دقائق
الحصا لأنّه طريق إلى الهدى، ومنه قول الشاعر:
مكان النبي من الكائب(٤)
لاصبح رتما دقاق الحصى
ومعنى الآية: ويقتلون النبيّين.
﴿بغير الحقّ﴾ مثل أشعيا وزكريا ويحيى وسائر من قتل اليهود من الأنبياء، وفي الخبر: إنّ
اليهود قتلوا سبعين(٥) نبياً من أوّل النهار [في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلاً من
عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً من] آخر النهار
[في ذلك اليوم] (٦) .
﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ يتجاوزون أمري ويرتكبون محارمي.
﴿إنّ الذين آمنوا والذين هادوا﴾ يعني اليهود، واختلف العلماء في سبب تسميتهم به. فقال
بعضهم: سمّوا بذلك لأنهم هادوا أي تابوا من عبادة العجل، كقوله أخباراً عنهم: ﴿إنّا هدنا
إليك﴾ (٧) .
(٢) راجع تفسير القرطبي: ١ / ٤٣١.
(١) سورة التحريم: ٣.
(٣) كتاب العين: ٦ / ١٩٠.
(٤) كتاب العين: ٥ / ٣٥٢، والصحاح: ٦ / ٢٥٠١.
(٥) في المصدر: ثلاث وأربعين.
(٦) ما بين معكوفين زيادة عن تفسير الطبري: ٣ / ٢٩٤، وفي المخطوط العبارة مشوشة ولعلها: (وقامت
عبادهم بقتلهم في).
(٧) سورة الأعراف: ١٥٦.

٢٠٨
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
وأنشد أبو عبيدة:
إنّي امرؤ من مدحه هائد(١)
أي تائب.
وقال بعضهم: لأنّهم هادوا أي مالوا عن الإسلام وعن دين موسى. يُقال: هاد يهود
هوداً: إذا مال. قال امرؤ القيس :
أنّي من الناس لها هائد
قد علمت سلمى وجاراتها (٢)
أي إليها مائل .
وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنّهم يتهوّدون أي يتحرّكون عند قراءة التوراة، ويقولون: إنّ
السموات والأرض تحرّكت حين أتى الله موسى التوراة.
وقرأ أبو السمّاك العدوي واسمه قعنب: هادَوا بفتح الدال من المهاداة، أي مال بعضهم
الى بعض في دينهم.
﴿والنصارى﴾ واختلفوا في سبب تسميتهم بهذا الاسم، فقال الزهري: سمّوا نصارى لأنّ
الحواريّين قالوا: نحن أنصار الله.
مقاتل: لأنّهم تولوا قرية يُقال لها: ناصرة، فُنُسبوا إليها .
وقال الخليل بن أحمد: النصارى: جمع نصران، كقولهم: ندمان وندامى.
وأنشد:
تراه إذا دار العشيّ محنّفاً ويضحى لربّه وهو نصران شامس (٣)
فنسبت فيه ياء النسبة كقولهم لذي اللحية: لحياني، ورقابي لذي الرقبة.
فقال الزجاج: يجوز أن يكون جمع نصري كما يُقال: بعير حبري، وإبل حبارى، وإنما
سمّوا نصارى لاعتزائهم إلى نصرة وهي قرية كان ينزلها عيسى وأمّه.
﴿والصّابئين﴾ قرأ أهل المدينة بترك الهمزة من الصّابئين والصّابئون الصّابين والصّابون في
جميع القرآن، وقرأ الباقون بالهمز وهو الأصل، يُقال: صبا يصبوا صبوءاً، إذا مال وخرج من
دین إلی دین.
(١) لسان العرب: ٣ / ٤٣٩.
(٢) كتاب العين: ٥ / ٩٦: والعبارة كالتالي:
قد علمت سلمى وجاراتها
(٣) جامع البيان للطبري: ١ / ٤٥٤ .
ما قطر الفارس إلاّ أنا

٢٠٩
سورة البقرة، الآيات: ٦٠ - ٦٢
قال الفرّاء: يُقال لكل من أحدث ديناً: قد صبأ وأصبأ بمعنى واحد، وأصله الميل،
وأنشد :
إذا أصبأت هوادي الخيل عنّا حسبت بنحرها شرق البعير
واختلفوا في الصّابئين من هم:
قال عمر: هم طائفة من أهل الكتاب ذبائحهم ذبائح أهل الكتاب، وبه قال السدي.
وقال ابن عباس: لا تحل ذبائحهم ولا مناكحة نسائهم.
وقال مجاهد: هم قبيلة نحو الشّام بين اليهود والمجوس لا دين لهم(١).
وقال السدي: هم طائفة من أهل الكتاب، وهو رأي أبي حنيفة.
وقال قتادة ومقاتل: هم قوم يقرّون بالله عزّ وجلّ، ويعبدون الملائكة، ويقرأون الزبور
ويصلّون إلى الكعبة، أخذوا من كل دين شيئاً.
الكلبي: هم قوم بين اليهود والنصارى، يحلقون أوساط رؤوسهم ويُحبّون ذاكرهم.
عبد العزيز بن يحيى: درجوا وانقرضوا فلا عين ولا أثر.
﴿من آمن بالله واليوم الآخر﴾ اختلفوا في حكم الآية ومعناها، ولهم فيها طريقان:
أحدهما: إنّه أراد بقوله ﴿إنّ الذين آمنوا﴾ على التحقيق وعقد التصديق، ثم اختلفوا في
هؤلاء المؤمنين من هم؟ فقال قوم: هم الذين آمنوا بعيسى ثم لم يتهوّدوا ولم يتنصّروا ولم
يصبئوا، وانتظروا خروج محمد تلۇ .
وقال آخرون: هم طلّب الدين، منهم: حبيب النجّار، وقيس بن ساعدة، وزيد بن عمرو
ابن نفيل، وورقة بن نوفل، والبراء السّندي، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، ويحيى
الراهب، ووفد النجاشي. آمنوا بالنبي ◌َّر قبل مبعثه، فمنهم من أدركه وتابعه، ومنهم من لم
یدر که .
وقيل: هم مؤمنو الأمم الماضية.
وقيل: المؤمنون من هذ الأُمة.
﴿والذين هادوا﴾ يعني الذين كانوا على دين موسى عليّ ولم يبدّلوا ولم يغيّروا .
﴿والنصارى﴾: الذين كانوا على دين عيسىبنعلي ولم يبدّلوا وماتوا على ذلك.
قالوا: وهذان اسمان لزماهم زمن موسى وعيسى (عليهما السلام)، حيث كانوا على الحق
(١) الدر المنثور: ١ / ٧٥.

٢١٠
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
فبقي الاسم عليهم كما بقي الإسلام على أمّة محمد رَّهر والصابئين زمن استقامتهم من آمن منهم
أي مات منهم وهو مؤمن؛ لأنّ حقيقة الإيمان المؤاخاة.
قال: ويجوز أن تكون الواو فيه مضمراً: أي ومن آمن بعدك يا محمد إلى يوم القيامة.
والطريق الآخر: إنّ المذكورين في أول الآية بالإيمان إنّما هو على طريق المجاز والتسّمية
دون الحكم والحقيقة، ثمّ اختلفوا فيه :
فقال بعضهم: إنّ الذين آمنوا بالأنبياء الماضين والكتب المتقدمة ولم يؤمنوا بك ولا
بکتابك.
وقال آخرون: يعني به المنافقين أراد: إنّ الذين آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم، ونظير
هذه الآية قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله﴾، والذين هادوا: أي اعتقدوا
اليهودية وهي الدين المبدّل بعد موسى ظلّا، والنصارى: هم الذين اعتقدوا النصرانية والدّين
المبدّل بعد عيسى، والصابئين: يعني أصناف الكفّار من آمن بالله من جملة الأصناف المذكورين
في الآية.
وفيه اختصار وإضمار تقديره: من آمن منهم بالله واليوم الآخر؛ لأنّ لفظ (من) يصلح
للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث.
قال الله تعالى: ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾(١) ﴿ومنهم من ينظر إليك﴾(٢) ﴿ومنهم من
يستمعون إليك﴾(٣). قال ﴿ومن يقنت منكن لله ورسوله﴾(٤)، وقال الفرزدق في التشبيه:
تكن مثل من ناديت يصطحبان(٥)
تعال فإن عاهدتني لا تخونني
﴿ولا خوف عليهم﴾ فيما قدّموا.
﴿ولا هم يحزنون﴾ على ما خلّفوا، وقيل: لا خوف عليهم بالخلود في النار، ولا يحزنون
بقطيعه الملك الجبّار، ولا خوف عليهم من الكبائر وإنّي أغفرها، ولا هم يحزنون على الصغائر
فأنّي أكفّرها .
وقيل: لا خوف عليهم فيما تعاطوا من الإجرام، ولا هم يحزنون على ما اقترفوا من الآثام
لما سبق لهم من الإسلام الآثام.
(١) سورة الأنعام: ٢٥.
(٢) سورة يونس: ٤٣.
(٣) سورة يونس: ٤٢ .
(٤) سورة الأحزاب: ٣١.
(٥) لسان العرب: ١٣ / ٤١٩.

٢١١
سورة البقرة، الآيات: ٦٣ - ٧٣
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اَلْتُلُوَرَ خُذُوا مَآ ءَاتَّيْنَكُم بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَلَّقُونَ
ثُمَّ تَوَلَيْتُم ◌ِنْ بَعْدِ ذَلِكٌ فَوَّلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْهُم مِّنَ الْخَكِنَّ (3) وَلَقَدْ عَلِمْتُ
الَّذِيِنَّ أَعْتَدَوْ مِنَكُمْ فِ السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةٌ خَسِينَ (١٥) فَعَلَهَا نَكَلًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا
خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُنَّفِينَ (١٦) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَدْجَُّواْ بَقْرَأْ قَالُواْ أَلَتَّخِذُنَا هُرُوَّاً
قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الَْهِلِينَ (١٧) قَالُواْ أَدْعُ لَنَّا رَبَّكَ يُبَعِنْ أَنَّا مَا هِيَّ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا
فَارِضٌ وَلَا بِكْرُ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَأَفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرُونَ (١٨) قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوَّنُهَاْ
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَغْرَآءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا نَسُرُ النَّظِرِينَ (٦٦) قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِنْ أَنَّا مَا هِىَ إِنَّ
اَلْبَغََّ تَشَبَهُ عَلَيْنَا وَإِنَّاَ إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَّدُونَ (٣٥) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولُ نُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى
اَلْزَّثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الْقَنَّ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَّجُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴿٢) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا
فَأَذَّارَ تُمْ فِيهَا وَاللَّهُ تُخْرِجُ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴿١٨) فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحِ اَلَهُ الْمَوْنَّ وَيُرِيِكُمْ
٧٣]
ءَايَيْهِ، لَعَلَّكُمْ تَّعْقِلُونَ
﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾ يا معشر اليهود. ﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾ وهو الجبل بالسريانية في
قول بعضهم. وقالوا: ليس من لغة في الدنيا إلّ وهي في القرآن.
وقال أبو عبيدة والحُذّاق من العلماء: لا يجوز أن تكون في القرآن لغة غير لغة العرب؛
لأن الله تعالى قال: ﴿قرآناً عربياً﴾(١) وقال: ﴿بلسان عربي مبين﴾(٢) وإنّما هذا وأشباهه وفاق
بين اللّغتين.
وقد وجدنا الطّور في كلام العرب، وقال جرير:
.. وإن ير سليمان أحب الطور ينزل
فإن ير سليمان الجنّ يستأنسوا بها
وقال المفسّرون: وذلك أنّ الله تعالى أنزل التوراة على موسى وأمر قومه بالعمل بأحكامه
فأبوا أن يقبلوها ويعملوا بما فيها للأضرار والأثقال الّتي فيها، وكانت شريعته ثقيلة فأمر الله
تعالى جبرئيل غلّلا يضع جبلاً على قدر عسكره وكان فرسخاً في فرسخ ورفعه فوق رؤوسهم مقدار
قامة الرّجل.
أبو صالح عن ابن عبّاس: أمر الله تعالى جبلاً من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتّى قام
على رؤوسهم مثل الظلّة.
عطاء عن ابن عبّاس: رفع الله فوق رؤوسهم الطّور وبعث ناراً من قبل وجوههم وأتاهم
(١) سورة يوسف: ٢، سورة طه: ١١٣، سورة الزمر: ٢٨، سورة فصلت: ٣، سورة الشورى: ٧، سورة
الزخرف: ٣.
(٢) سورة الشعراء: ١٩٥

٢١٢
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
البحر الملح من خلفهم وقيل لهم: ﴿خذوا ما آتيناكم﴾ أي أعطيناكم.
﴿بقوّة﴾ بجدّ ومواظبة. وفيه إضمار، أي: وقلنا لهم: خذوا.
﴿واذكروا ما فيه﴾ أي احفظوه واعلموه واعملوا به و (في) حرف أولي فاذكروا بذال
مشددة وكسر الالف المشددة و (في) حرف وانه وتذكروا ما فيه ومعناهما اتعظوا به ﴿لعلكم
تتقون﴾ لكي تنجوا من الهلاك في الدّنيا والعذاب في العقبى فإن قبلتموه وفعلتم ما أمرتم به وإلاّ
رضختكم بهذا الجبل وأغرقتكم في البحر وأحرقتكم بهذه النّار، فلمّا رأوا أن لا مهرب لهم قبلوا
لك وسجدوا خوفاً وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فصارت سنّة في اليهود لا يسجدون إلاّ
على أنصاف وجوههم فلمّا زال الجبل قالوا: يا موسى سمعنا وأطعنا ولولا الجبل ما أطعناك.
﴿ثمّ تولّيتم﴾ أعرضتم وعصيتم.
﴿من بعد ذلك﴾ أي من بعد أخذ الميثاق ورفع الجبل.
﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ بتأخير العذاب عنكم.
﴿لكنتم من الخاسرين﴾ لصرتم من المغلوبين بالعقوبة وذهاب الدّنيا والآخرة.
﴿ولقد علمتم الّذين اعتدوا منكم في السبت﴾ وذلك أنهم كانوا من داود،غلّ بأرض يقال
لها أيلة حرّم الله عليهم صيد السمّك يوم السبت فكان إذا دخل يوم السبت لم يبق حوت في
البحر إلّ اجتمع هناك حتّى يخرجن خراطيمهنّ من الماء لأمنها، فإذا مضى السبت تفرّقن ولزمن
البحر فذلك قوله تعالى: ﴿إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم﴾ فعمد
رجال فحفروا الحياض حول البحر وشرعوا منه إليها الأنهار فإذا كانت عشيّة الجمعة فتحوا تلك
الأنهار فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض فلا تطيق الخروج لبعد عمقها وقلّة الماء فإذا كان يوم
الأحد أخذوها، وقيل: كانوا ينصبون الحبائل والشّصوص يوم الجمعة ويخرجونها يوم الأحد،
ففعلوا ذلك زماناً فكثرت أموالهم ولم تنزل عليهم عقوبة، فقست قلوبهم وأصرّوا على الذّنب،
وقالوا: ما نرى السّبت إلاّ قد أحلّ لنا، فلمّا فعلوا ذلك صار أهل القرية - وكانوا سبعين ألفاً -
ثلاثة أصناف: صنف أمسك ونهى وصنف أمسك ولم ينه، وصنف انتهك الحرمة، وكان الّذين
نهوا إثنا عشر ألفاً فلمّا أبى المجرمون قبول نصحهم قال الناهون: والله لا نُساكِنكم في قرية
واحدة، فقسّموا القرية بجدار وغيروا بذلك سنتين فلعنهم داود وغضب الله عزّ وجلّ عليهم
لإصرارهم على المعصية فخرج الناهون ذات يوم من بابهم والمجرمون لم يفتحوا أبوابهم ولا
خرج منهم أحد فلمّا أبطأوا تسوّروا عليهم الحائط فإذا هم جميعاً قردة فمكثوا ثلاثة أيام ثمّ
هلكوا، ولم يمكث مسخ فوق ثلاثة أيّام ولم يتوالدوا فذلك قول عزّ وجلّ ﴿فقلنا لهم كونوا
قردةً﴾ أمر تحویل.
﴿خاسئين﴾ مطرودين صاغرين بلغة كنانة، قاله مجاهد وقتادة والربيع.

٢١٣
سورة البقرة، الآيات: ٦٣ - ٧٣
قال أبو روق: يعني خرساً لا يتكلّمون، دليله قوله عزّ وجلّ ﴿قال اخسئوا فيها ولا
تكلّمون﴾(١).
وقيل: مبعدون من كلّ خير.
﴿فجعلناها﴾ أي القردة، وقيل: القرية، وقيل: العقوبة.
﴿نكالاً﴾ عقوبة وعبرة وفضيحة شاهرة، وأصله من النكل وهو القيد، وجمعه أنكال،
ويقال للّجام نكل.
﴿لما بين يديها وما خلفها﴾ قال أبو العالية والرّبيع: معناه عقوبة لما مضى من ذنوبهم
وعبرة لما بعدهم.
قتادة: جعلنا تلك العقوبة جزاءً لما تقدّم من ذنوبهم قبل نهيهم عن الصّيد وما خلفها من
العصيان بأخذ الحيتان بعد النّهي.
وقيل: لما بين يديها من عقوبة الآخرة وما خلفها من نصيحتهم في دنياهم فيذكّرون بها إلى
يوم قيام السّاعة ..
وقيل: في الآية تقديم وتأخير؛ وتقديرها: فجعلناها وما خلفها ممّا أعدّ لهم من العذاب
في الآخرة نكالاً وجزاءاً لما بين يديها: أي لما تقدّم من ذنوبهم في اعتدائهم يوم السّبت.
﴿وموعظة﴾ عظة وعبرة. ﴿للمثّقين﴾ للمؤمنين من أُمّة محمّد ◌َّ فلا يفعلون مثل فعلهم.
﴿وإذ قال موسى لقومه إنّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ الآية: وذلك إنّه وجد قتيل في بني
إسرائيل إسمه عاميل ولم يدروا قاتله واختلفوا في قاتله والسبب في قتله فقال عطاء والسّدي:
كان في بني اسرائيل رجل كثير المال وله ابن عم مسكين لاوارث له غيره فلمّا طال عليه موته
قتله لیرثه .
وقال بعضهم: وكان تحت عاميل بنت عم له لم يكن لها مثلاً في بني إسرائيل بالحسن
والجمال فقتله ابن عمّه لينكحها .
وقال ابن الكلبي: قتله ابن أخيه لينكح إبنته فلمّا قتله حمله من قريته إلى قرية أخرى وألقاه
هناك.
وقيل: ألقاه بين قريتين.
عكرمة: كان لبني إسرائيل مسجد له إثنا عشر باباً لكلّ سبط منهم باب فوجد قتيل على
. باب سبط .
(١) سورة المؤمنون: ١٠٨.

٢١٤
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
قيل: وجرّ إلى باب سبط آخر فاختصم فيه السبطان.
وقال ابن سيرين: قتله القاتل ثمّ إحتمله فوضعه على باب رجل منهم ثمّ أصبح يطلب بثأره
ودمه ويدّعيه عليه. قال: فجاء أولياء القتيل إلى موسى وأتوه بناس وادّعوا عليهم القتل وسألوا
القصاص فسألهم موسى عن ذلك فجحدوا فاشتبه أمر القتيل على موسى ووقع بينهم خلاف.
وقال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة فسألوا موسى أن يدعوا الله ليبيّن لهم
ذلك فسأل موسى ربّه فأمرهم بذبح بقرة. فقال لهم موسى: ﴿إنّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾.
﴿قالوا أتتخّذنا هزواً﴾ يا موسى أي أتستهزيء بنا حين نسألك عن القتيل وتأمرنا بذبح
البقرة وإنّما قالوا ذلك لتباعد الأمرين في الظّاهر، ولم يدروا ما الحكمة فيه.
وقرأ ابن محيصن: أيّتخذنا بالياء قال: يعنون الله ولا يستبعد هذا من جهلهم لأنّهم الّذين
قالوا ﴿إجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة﴾(١).
وفي هذا ثلاثة لغات هزواً: بالتخفيف والهمز ومثله كُفواً وهي قراءة الأعمش وحمزة
وخلف وإسماعيل.
وهزواً وكفواً مثقلان مهموزان وهي قراءة أبي عمرو وأهل الحجاز والشام واختيار الكسائي
وأبي عبيد وأبي حاتم.
وهزواً وكفواً مثيلان بغير همزة وفي رواية حفص بن سليمان البزّاز عن عاصم وكلّها لغات
صحيحة معناها الاستهزاء فقال لهم موسى ◌ِلِّلّ: ﴿قل أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾ أي من
المستهزئين بالمؤمنين فلمّا علم القوم إنّ ذبح البقرة عزم من الله عزّ وجلّ سألوه الوصف.
﴿قالوا ادع لنا ربّك يبيّن لنا ما هي﴾ ولو أنّهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت
عنهم ولكنهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم وإنّما كان تشديدهم تقديراً من الله عزّ وجلّ
وحكمة، وكان السبب في ذلك على ما ذكره السّدي وغيره.
إنّ رجلاً في بني إسرائيل كان بارّاً بأبيه وبلغ من برّه به إنّ رجلاً أتاه بلؤلؤة فأبتاعها
بخمسين ألفاً وكان فيها فضل فقال للبائع أبي نائم ومفتاح الصندوق تحت رأسه فأمهلني حتّى
يستيقظ وأعطيك الثمن. قال: فأيقظ أباك واعطني المال. قال: ما كنت لأفعل ولكن أزيدك
عشرة آلاف فانتظرني حتّى ينتبه أبي.
فقال الرّجل: فأنا أعط عنك عشرة آلاف إنْ أيقظت أباك وعجلت النقد. قال: وأنا أزيدك
عشرين ألفاً إنْ انتظرت إنتباه أبي. ففعل ولم يوقظ الرجل أباه فأعقبه برّه بأبيه أن جعل تلك
البقرة عنده وأمر بني إسرائيل أن يذبحوا تلك البقرة بعينها .
(١) سورة الأعراف: ١٣٨.

٢١٥
سورة البقرة، الآيات: ٦٣ - ٧٣
قال ابن عبّاس ووهب وغيرهما: كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل وكان له
عجل فأتى بالعجل الى غيضة وقال: اللّهمّ إنّي استودعك هذه العجلة لابني حتّى يكبر ومات
الرّجل فسبيت العجلة في الغيضة وصارت عواناً وكانت تهرب من كل مَن رامها. فلمّا كبر الابن
كان بارّاً بوالدته وكان اللّيلة يقسّم ثلاثة أثلاث: يصلّي ثلثاً وينام ثلثاً ويجلس عند رأس أمّه ثلثاً
فاذا أصبح انطلق واحتطب على ظهره ويأتي به السّوق فيبيعه بما شاء الله ثّم يتصدّق بثلثه ويأكل
ثلثه ويعطي والدته ثلثاً، وقالت له أمّه يوماً: إنّ أباك ورّئك عجلة وذهب بها إلى غيضه كذا
واستودعها الله عز وجل فانطلق اليها فأدعُ اله ابراهيم واسماعيل وإسحاق بأن يردّها عليك، وان
من علامتها إنّك إذا نظرت إليها يخيّل إليك إنّ شعاع الشمس يخرج من جلدها وكانت تسمى
المذهّبة لحسنها وصفرتها وصفاء لونها فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى وقال: أعزم عليك بآله
إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب فأقبلت تسعى حتّى قامت بين يديه فقبض على عنقها وقادها
فتكلمت البقرة بأذن الله وقالت: أيّها الفتى البارّ بوالدته إركبني فأنّ ذلك أهون عليك. فقال
الفتى، إنّ أُمي لم تأمرني بذلك ولكن قالت: خذها بعنقها فقالت البقرة: بأله بني إسرائيل لو
ركبتني ما كنت تقدر عليَّ أبداً فأنطلق فأنّك لو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله وينطلق معك
لفعل لبرّك بوالدتك. وسار الفتى فاستقبله عدوّ الله إبليس في صورة راع فقال: أيّها الفتى إنّ
رجل من رعاة البقر إشتقت إلى أهلي فأخذت ثوراً من ثيراني فحملت عليه زادي ومتاعي حتّى إذا
بلغت شطر الطّريق ذهبت لأقضي حاجتي صعداً وسط الجبل وما قدرت عليه وإنّي أخشى على
نفسي الهلاك، فأن رأيت أن تحملني على بقرتك وتنجني من الموت واعطيك أجرها بقرتين مثل
بقرتك فلم يفعل الفتى وقال: إذهب فتوكّل على الله فلو علم الله منك اليقين بلغك بلا زاد ولا
راحلة فقال إبليس: فأن شئت فبعنيها بحكمك، وإن شئت فاحملني عليها وأعطيك عشرة مثلها
فقال الفتى: إنّ امّي لم تأمرني بهذا فبينا الفتى كذلك إذ طار طائر من بين يدي البقرة ونفرت
البقرة هاربة في الفلاة وغاب الرّاعي فدعاها الفتى بأسم آله إبراهيم فرجعت إليه البقرة فقالت أيّها
الفتى البار بوالدته ألم تر إلى الطائر الذي طار إنّه إبليس عدو الله إختلسني أمّا إنّه لو ركبني لما
قدرت عليَّ أبداً فلمّا دعوت آله إبراهيم جاء ملك فانتزعني من يد إبليس وردّني إليك البرّك
بوالدتك وطاعتك لها .
فجاء بها الفتى إلى أمّه، فقالت له: إنّك فقير لا مال لك ويشقّ عليك الاحتطاب بالنّهار
والقيام باللّيل فانطلق فبع هذه البقرة وخذ ثمنها. قال بكم أبيعها؟
قالت: بثلاثة دنانير ولا تبعها بغير رضاي ومشورتي وكانت ثمن البقرة في ذلك الوقت
فانطلق بها الفتى إلى السّوق فبعث الله ملكاً إنساناً خلقه بقدرته ليخبر الفتى كيف برّه بوالدته
وكان الله به خبيراً فقال له الملك: بكم تبيع هذه البقرة؟
قال: بثلاثة دنانير واشترط عليك رضا والدتي. فقال الملك: ستّة دنانير ولا تستأمر أمّك.

٢١٦
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهباً لم آخذه إلاّ برضا أمّي فردّها إلى امّه وأخبرها بالثّمن فقالت:
ارجع فبعها ستّة على رضاي فإنطلق الفتى بالبقرة إلى السوق وأتى الملك وقال: استأمرت
والدتك؟
فقال الفتى: انّها أمرتني أن لا أنقصها من ستة على أن أستأمرها. قال الملك: فأنني
أعطيك إثني عشر على أن لا تستأمرها .
فأتى الفتى ورجع إلى أمّه واخبرها بذلك قالت: إنّ ذلك الرجل الّذي يأتيك ويعطيك هو
ملك من الملائكة يأتيك في صورة آدمي ليجرّبك فإذا أتاك فقل له أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم
لا؟
ففعل ذلك فقال له الملك: إذهب إلى أمّك وقل لها بكم هذه البقرة؟ فأنّ موسى بن عمران
يشتريها منكم لقتيل يقتل من بني إسرائيل فلا تبيعوها إلاّ بملء مسكها دنانير فأمسكوا البقرة،
وقدر الله على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها وأمرهم بها فقالوا يستوصفون ويصف لهم حتّى
وصف تلك البقرة بعينها موافاة له على بّه بوالدته فضلاً منه.
فضلاً منه ورحمة وذلك قوله عزّ وجلّ ﴿أدع لنا ربّك﴾ أيّ سل وهكذا هو في مصحف
عبدالله، سلّ لّا ربّك يبين لنا ماهي؟ وما سنّها؟
قال موسى: إنّه يُعني إن الله يقول: ﴿إنّها بقرة لا فارض ولا بكر﴾ لا كبيرة ولا صغيرة
وارتفع البكر والفارض بأضمار هي إذ لا هي فارض ولا هي بكر.
مجاهد وأبو عبيدة والأخفش: الفارض الكبيرة المسنّة التي لا تلد يقال له: فرضت
- تفرض - فروضاً .
قال الشاعر :
كميت بهيم اللون ليس بفارض
ولا بعوان ذات لون مخصف(١)
وقال الرّاجز:
يا رُبَّ ذي ضغن عليّ فارض له قروء كقروء الحائض(٢)
أيّ حقد قديم، والبكر: الفتية الصغيرة التي لم تلد قط.
وقال السّدي: البكر: التي لم تلد إلاّ ولداً واحداً وحذف الحاء منها للأختصاص.
﴿عوان﴾ نصف بين سنيّن، وقال الأخفش: العوان التي نتجت مراراً وجمعه عون، ويُقال
منه: عونت تعويناً .
(١) تفسير القرطبي: ١ / ٤٤٩،. لسان العرب: ٧ / ٢٠٤.
(٢) أحكام القرآن للجصاص: ١ / ٤٤١.

٢١٧
سورة البقرة، الآيات: ٦٣ - ٧٣
﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾ من ذبح البقرة ولا تكرّروا السؤال.
﴿قالوا ادعُ لنا ربّكَ يُبين لنا ما لونها﴾ محل (ما) رفع بالأبتداء و﴿لونها﴾ خبر، وقرأ
الضّحاك ﴿لونها﴾ نصباً كانّه عمل فيه لسببين وجعل ما صلة.
﴿قال إنّه يقول إنّها بقرة صفراء فاقع لونها﴾.
قال ابن عبّاس: شديد الصفرة وقال عدي بن زيد:
واني لأسقي الشرب صفراً فاقعاً كأن ذكيّ المسك فيها يعبّق
قتادة وأبو العالية والربيع: صاف.
سعيد بن جبير: صفراء اللون والظلف.
الحسن: السوداء، والعرب تسمي الأسود أصفر. قال الأعشى:
من صفر أولادها كالزبيب(١)
تلك خيلي منه وتلك ركابي
قال القتيبي: غلط من قال الصفراء هاهنا السوداء؛ لأنّ هذا غلط في نعوت البقر.
وإنّما هو في نعوت الإبل؛ وذلك أنّ السّوداء من الإبل شربت سوادها صفرة، والآخر إنّه
لو اراد السّوداء لما أكده بالفقوع لأنّ الفاقع المبالغ في الصّفرة. كما يُقال: أبيض يفق وأسود
حالك وأحمر قاني وأخضر ناضر.
﴿تسرّ الناظرين﴾ إليها وتعجبهم من حسنها وصفاء لونها؛ لأنّ العين تُسر وتولع بالنظر إلى
الشيء.
الحسن قال: من لبس نعلاً صفراء قلّ همّه(٢) لأنّ الله يقول: صفراء فاقع لونها تسرّ
الناظرين ﴿قالوا أدُع لنا ربّك يُبين لنا ما هي﴾ أسائمة أم عاملة.
﴿إنّ البقر﴾ هذه قراءة العامة، قرأ محمد ذو الشامة الأموي إن الباقر وهو جمع البقر
كالجامل لجماعة الجمل وقال الشاعر:
خلقاً كحوض الباقر المتهدّم
مالي رأيتك بعد عهدك موحشاً
قال قطرب: تجمع البقرة - بقر، وباقر، وبقير، وبقور، وباقور. فأن قيل: لما قال تشابه
والبقر جمع فلم لم يقل تشابهت؟ قيل فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: إنّه ذكر لتذكير بلفظ البقر، كقوله ﴿كأنّهم أعجاز نخل منقعر﴾(٣).
(١) لسان العرب: ١ / ٣٥٥.
(٢) نسبه في تذكرة الموضوعات لابن عباس: ١٥٨ .
(٣) سورة القمر: ٢٠.
!

٢١٨
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
وقال المبرّد: سُئل سيبويه عن هذه الآية؟
[فقال:] كل جمع حروفه أقل من حروف واحد فإنّ العرب تُذكّره، واحتج بقول الأعشى:
ودّع هريرة إن الرّكب مرتحل
ولم يقل مرتحلون، وقال الزّجاج: معناه إنّ جنس البقر تشابه علينا.
﴿تشابه علينا﴾ وفي تشابه سبع قراءات:
تشابه: بفتح التاء والهاء وتخفيف الشّين وهي قراءة العامة وهو فعل ماض ويذكر موحد.
وقرأ الحسن: تشابه: بتاء مفتوحة وهاء مضمومة وتخفيف الشّين اراد تَشابهُ.
وقرأ الأعرج: تشابه: بفتح التاء وتشديد الشّين وضم الهاء على معنى يتشابه.
وقرأ مجاهد: تشبّه، كقراءة الأعرج إلاّ إنّه بغير ألف لقولهم: تحمل وتحامل.
وفي مصحف أُبي: تشابهت على وزن تفاعلت [فالتاء] لتأنيث البقر.
وقرأ ابن أبي إسحاق: تشابهت بتشديد الشين قال أبو حاتم: هذا غلط لأن التاء لا تدغم
في هذا الباب إلاّ في المضارعة(١).
وقرأ الأعمش: متشابه علينا - جعله أسماً.
ومعنى الآية: إلتبس واشتبه أمره علينا فلا نهتدي إليه.
﴿وإنّا إنْ شاءَ الله لمهتدون﴾ إلى وصفها.
قال رسول الله وَي: ((وأيم الله لئن لم يستبينوا لما تبينت لهم آخر الأبد)) [٩٠].
﴿قال إنّه يقول إنّها بقرة لا ذلول﴾ مذللة بالعمل - يُقال: رجل ذليل بيّن الذّل، ودابة ذلولة
بيّنة الذّل.
﴿تثير الأرض﴾ أي مثلها للزراعة.
﴿ولا تسقي الحرث مُسلّمة﴾ بريئة من العيوب، وقال الحسن: مسلّمة القوائم ليس فيها أثر
العمل.
﴿لا شية فيها﴾ قال عطاء: لا عيب فيها.
قال قتادة: لا بیاض فيها أصلاً.
مجاهد: لا بياض فيها ولا سواد.
(١) راجع تفسير القرطبي: ١ / ٤٥٢.
-

٢١٩
سورة البقرة، الآيات: ٦٣ - ٧٣
محمّد بن كعب: لا لون فيها يخالف معظم لونها .
فلما قال هذا ﴿قالوا الآن جئت بالحقّ﴾ أي بالوصف التام البين.
قيل: كانت البقرة التي أحيا بها القتيل لوارثه الذي قتله، وكان أوّل من فتح السؤال عنها
رجاء أن لا يجدوها فطلبوها فلم يجدوا بكمال وصفها إلاّ عند الفتى البار. فاشتروها منه بملء
مسكنها ذهباً .
وقال السدّي: اشتروها بوزنها عشر مرات ذهباً.
﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ من غلاء ثمنها.
وقال محمّد بن كعب: وما كادوا يجدونها بإجتماع أوصافها .
﴿وإذ قتلتم نفساً﴾ يعني عاميل، وهذه الآية أوّل القصّة.
﴿فادارأتم﴾ فاختلفتم ﴿فيها) قاله ابن عبّاس ومجاهد ومنه قول القائل في رسول الله ولين:
كان يُزكى فكان خير شريك لا يداري ولا يُماري.
قال الضّحاك: اختصمتم.
عبد العزيز بن يحيى: شككتم.
الربيع بن أنس: تدافعتم، وأصل الدراء: الدفع يعني ألقى ذلك على هذا وهذا على ذاك؛
فدافع كل واحد عن نفسه كقوله تعالى ﴿ويدرون بالحسنة السيئة﴾(١)، وقوله ﴿ويدرأ عنها
.](٣) والباء صلة.
العذاب﴾(٢)، وأصل قوله [ ..
.](٤) وأصل: فادارأتم
أبو عبيدة: احتملوا وأقروا به، ومنه الدُّعاء المأثور [
فتدارأتم فأدغمت التاء في الدّال وادخلت الألف ليسلم سكون الحرف الأولي بمثل قوله
﴿أنّا قلتم﴾(٥).
﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾ تخفون.
﴿فقلنا اضربوه﴾ يعني القتيل.
﴿ببعضها﴾ أي ببعض البقرة: فاختلفوا في هذا البعض ما هو؟
(١) سورة الرعد: ٢٢، سورة القصص: ٥٤.
(٢) سورة النور: ٨.
(٣) كلمة غير مقروءة.
(٤) كلمة غير مقروءة.
(٥) سورة التوبة: ٣٩.

٢٢٠
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
فقال ابن عبّاس: اضربوه بالعظم الذي يلي الفخذين وهو المقتل.
الضحّاك: بلسانها. قال الحسين بن الفضل: وهذا أولى الأقاويل لأنّ المراد كان من
احياء القتيل كلامه واللسان آلته.
سعيد بن جبير: ضربت بذنبها. قال يمان: وهو أولى التأويلات بالصواب لأنّ العصعص
أساس البدن الذي ركب عليه الخلق وأنّه أوّل ما يخلق وآخر ما يُبلى.
مجاهد : بذنبها .
عكرمة والكلبي: بفخذها الأيمن.
السّدي: بالبضعة التي بين كتفيها، وقيل: باذنها.
ففعلوا ذلك فقام القتيل حيّاً بإذن الله وأوداجها تشخب دماً وقال: قتلني فلان. ثمّ سقط
ومات مكانه، وفي الآية اختصار، وتقديرها: فقلنا اضربوه ببعضها فضرب فحيي كقوله تعالى
﴿ومَنْ كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أُخر﴾(١) يعني فافطر فعدة، وقوله ﴿فمن كان منكم
مريضاً أو به أذىِّ من رأسه فقدية﴾(٢) أي فحلق فقدية.
﴿كذلك يحيي الله الموتى﴾ كما أحيا عاميل بعد موته كذلك يُحيي الله الموتى.
﴿ويُريكم آياته﴾ دلائل آياته. ﴿لعلّكم تعقلون﴾ وقال الواقدي: كل شيء في القرآن فهو
بمعنى لكي غير التي في الشعراء: ﴿وتتّخذون مصانع لعلّكم تخلدون﴾(٣) فإنه بمعنى: كأنّكم
تخلدون فلا تموتون.
ثُمَّ قَّسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ فَهِىَ كَلِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ فَسْوَةٌ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَرُ
وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَفَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ أَلْمََّةُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِظُ مِنْ خَشِيَةِ اللَّهِ وَمَا أَللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (4)
﴿ أَظَمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَّدْ كَانَ فَرِيِقٌ مِّنَّهُمْ يَمَعُونَ كَلَمَ اَللَّهِ ثُمَّ يُحَرِفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ
وَهُمْ يَعْلَّمُونَ (٤٥) وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ قَالُوا أَنْحَدِّثُونَهُم بِمَا
فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيَُآ ◌ُوَكُمْ بِهِ، عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَ نَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا
يُعْلِنُونَ ﴿َ وَمِنْهُمْ أُمِنُونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَبَ إِلَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّ يَظُونَ ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ
يَكْتُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنَا قَلِيلٌ فَوَيْلٌ لَّهُمْ فِنَّا كُنَبَتْ
أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّنَّا يَكْسِبُونَ
(١) سورة البقرة: ١٨٥.
(٢) سورة البقرة: ١٩٦.
(٣) سورة الشعراء: ١٢٩.