Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١ سورة النصر قولُه تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحَ﴾ . أمَّا نصرُ اللَّهِ فهُوَ معونتُهُ عَلَى الأعداءِ حَتَّى غَلَبَ النبيُّ وَِّ العربَ كلَّهم، واستولَى عليهِم مِنْ قريشٍ وهوازنَ وغيرِهم، وذكرَ النقَّاشُ عنْ ابنِ عبَّاسِ أنَّ النصرَ: هو صُلْحُ الحديبيةِ . وأمَّا الفتحُ فقيلَ: هُوَ فتحُ مكةَ بخصوصِهَا، قالَ ابنُ عبَّاسٍ وغيرُهُ: لأنَّ العربَ كانتْ تنتظرُ بإسلامِهَا ظهورَ النبيِّ وَِّ على مكةَ. وفي ((صحيحِ البخاريِ) عَنْ عمرو بنِ سلمةَ قالَ: لَّا كانَ الفتحُ بادَرَ كُلُّ قومٍ بإسلامِهِم إلى رسولِ اللَّه ◌َله، وكانتِ الأحياءُ تلوَّمُ بإسلامِهَا فتحَ مكةَ فيقولونَ: دعُوهُ وقومَه، فإنْ ظهرَ عليهِم فهوَ نبيٌ(١) . وعن الحسنِ قالَ: لَّا فتحَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ مكةَ، قالت العربُ: أَمَّا إذا ظَفَر محمدٌ بأهلِ مكةَ، وقدْ أجارَهُمُ اللَّهُ مِنْ أصحابِ الفيلِ فليسَ لَكُم به يدانِ، فدخلوا في دينِ اللَّهِ أفواجًا . وقيلَ: إنَّ الفتحَ يَعُمُّ مكةَ وغيرَها مما فُتِحَ بَعْدَهَا من الحصونِ والمدائنِ، كالطائفِ وغيرِها مِنْ مُدنِ الحجازِ واليمنِ وغيرِ ذلكَ، وهُوَ الذي ذكرهُ ابنُ عطيةَ. وقولُهُ: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢]. المرادُ بِالنَّاسِ العمومُ على قولِ الجمهورِ، وعَنْ مقاتلٍ: أنَّهم أهلُ اليمنِ . وفي ((مسندِ الإمامِ أحمدَ) مِنْ طريقِ شعبةَ عَنْ عمرو بن مرةً عَنْ أبي البَخْتريِّ عن أبي سعيد الخدريِّ عن النبيِّوَِّ قالَ: لَّا نزلتْ هذه السورةُ: (١) أخرجه: البخاري (١٩١/٥). ٠٠٠٠٠ ٦٤٢ سورة النصر ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾ وَرَأَيْتَ﴾، قالَ: قرأَهَا رسولُ اللَّهِ وَلَّ حتَّى ١ خَتَمَها فقالَ: ((الناسُ حَيِّزٌ وأنا وأصحابي حيِّزٌ)، وقال: ((لا هِجْرَةَ بعد الفتحِ، ولكنْ جِهَادٌ ونيةٌ)(١)، وأنَّ مروانَ كذَّبه فصدَّق رافعُ بنُ خديجٍ وزيدُ بنُ ثابتِ أبا سعيد على ما قالَ. وهذا يُستدلُ بِهِ علَى أَنَّ المرادَ بالفتحِ فتحُ مَكةَ، فقدْ ثبتَ في ((الصحيحينِ)) منْ حديثِ ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ ◌َِّ قالَ يومَ الفتحِ: ((لا هجرةَ، ولكنْ جهادٌ ونيةٌ)(٢) . وأيضًا فالفتحُ المطلقُ هوَ فتحُ مكةَ كَمَا في قولِهِ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠]، ولهذا قالَ: ((الناسُ حَيِّزٌ، وأنا وأصحابي حيّزٌ). وروى النسائيَّ مِنْ طريقِ هلالِ بنِ خَبَّبٍ عنْ عكرمةَ عنْ ابنِ عباس قالَ: لَّ نزلتْ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلَى آخرِ السورةِ قال: نُعِيَتْ لرسول الله وَلِّ نفسُهُ حينَ أُنزِلتْ فَأخَذَ في أشدِّ مَا كانَ اجتهادًا في أمرِ الآخرةِ، وقالَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ بعدَ ذلكَ: ((جاءَ الفتحُ، وجاءَ نصرُ اللَّهِ، وجاءَ أهلُ اليمنِ))، فقالَ رجلٌ: يا رسول اللَّهِ، ومَا أهلُ اليمنِ؟ قالَ: ((قومٌ رقيقةٌ قلوبُهم، لينةٌ قلوبهم، الإيمانُ يمان، والحكمةُ بمانيةٌ، والفقهُ يمان))(٣). وروى ابنُ جريرٍ منْ طريقِ الحسينِ بنِ عيسى الحنفيِّ عنْ معمرٍ عن الزهريِّ عن أبي حازمٍ عن ابنِ عباسٍ قالَ: بينما رسولُ اللَّهِ وَ له في المدينةِ إذْ قالَ: «اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ، جاءَ نصرُ اللَّهِ والفتحِ، جاءَ أهلُ اليمنِ))، قيل: يا رسولَ اللَّه، (١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٢٢/٣). (٢) أخرجه: البخاري (٢/ ١٨٠)، (١٢٧/٤)، ومسلم (١٠٩/٤). (٣) أخرجه: النسائي في ((الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) (٦٢٣٨). ٦٤٣ سورة النصر وما أهلُ اليمنِ؟ قالَ: ((قومٌ رقيقةٌ قلوبُهم، لينةٌ طباعُهُم، الإيمانُ يمان، والفقهُ يمان، والحكمةُ یمانیةٌ))(١). ورواه أيضًا مِنْ طريقِ عبدِ الأعْلَى عَنْ معمرٍ عَنْ عكرمةَ مرسَاً(٢) ، وكذا هُوَ في (تفسيرِ عبدِ الرزاقِ)): عَنْ معمرٍ أخبرَنِي مَنْ سَمِعَ عكرمةً فأرسَلَهُ. وهذا لا يدلُّ على اختصاصِ أهلِ اليمنِ بالنَّاسِ المذكورينَ في الآيةِ وإنَّما يدلُّ علَى أَنَّهُم داخلونَ في ذلكَ فإنَّ الناسَ أعمَّ مِنْ أهلِ اليمنِ . قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: لم يَمُتْ رسولُ اللَّهِ فَ له وفي العَرَبِ رَجُلٌ كافرٌ بَلْ دَخَلَ الكُلُّ فِي الإِسْلامِ بعد حُنين والطائفِ، منهم مَنْ قَدِمَ، ومنهم مَنْ قدِمَ وافدُهُ، ثُمَّ كانَ بعدُ من الردةِ ما كانَ، ورجَعُوا كُلُّهم إلى الدينِ . قالَ ابنُ عطيةَ: المرادُ - واللَّهُ أعلمُ -: العربُ عبدةُ الأوثان، وأمَّا نصارَى بني تغلبٍ فمَا أرَاهُم أسلَمُوا قط في حياةِ رسولِ اللهِ وَله لكنْ أَعْطوا الجزيةَ. والأفواجُ: الجماعةُ إثْرَ الجماعَةِ كَمَا قالَ اللَّهُ تعالَى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِي فِيهَا فَوْجٌ﴾ [الملك: ٨]، وفي (المسندِ)) مِنْ طريقِ الأوزاعيِّ حدَّثَني أبو عمَّارِ حدَّثْني جارٌ الجابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ قال: قَدِمْتُ مِنْ سَفَرٍ فَجَاءَتِي جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ يُسَلِّمُ عليّ، فجعلتُ أحدّثُّه عَنْ افتراقِ النَّاسِ ومَا أحْدَثُوا، فجَعَلَ جَابِرُ يَيْكِي، ثُمَّ قَالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَ له يقولُ: ((إنَّ النَّاسَ دخَلوا في دينِ اللَّه أَفْوَاجًا، وسيخرجونَ منهُ أفْواجًا)»(٣). (١) أخرجه: الطبري في ((التفسير)) (٣٣٢/٣٠). (٢) السابق (٣٣٣/٣٠). (٣) أخرجه: أحمد في «المسند» (٣٤٣/٣). ٦٤٤ سورة النصر وقوله: ﴿فَسَِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾. فيه قولانِ حكاهُمَا ابنُ الجَوزِيِّ. أحدُهُما: أنَّ المرادَ به الصلاةُ، فَقَلَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. والثاني: التسبيحُ المعروفُ. وفي الباءِ في ((بحمدِ)) قولانِ: أحدُهُما: أَنَّها للمُصَاحبةِ فالحمدُ مُضافٌ إلى المفعولِ، أَيْ فسبِّحْهُ حامدًا لَهُ، والمُعْنَى: أجْمِعُ بينَ تَسْبِيحِهِ وهُوَ تنزيهُهُ عَمَّا لا يليقُ بِهِ مِنَ النَّقَائِصِ، وبين تحمِيدِهِ وهوَ إثباتُ ما يليقُ بِهِ مِنَ المَحَامِدِ. والثاني: أَنَّها للاستعانَةِ، والحمدُ مُضَافٌ إلى الفَاعِلِ، أي سَبِّحْهُ بما حَمِد به نفسَهُ إذْ ليسَ كُلُّ تسبيحِ بمحمودِ كَمَا أنّ تسبيحَ المعتزلةِ يقْتَضِي تعطیلَ کثیرٍ من الصفاتِ، كَمَا كانَ بشرُ المَرِيسيُّ يقولُ: سبحانَ ربي الأسْفَل. وقولُه: ﴿ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾. أي اطلبْ مغفرَتَهُ، والمغفرةُ هِيَ وقايةُ شَرِّ الذنبِ لا مجردُ سَتْرِهِ. والفرقُ بَيْنَ العفو والمغفرةِ أنَّ العفْوَ محوُ أثرِ الذنبِ، وقدْ يكونُ بَعْدَ عقوبة بخلافِ المغفرةِ فإنَّها لا تكونُ مَعَ العقوبةِ . وقولُه: ﴿ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ . إشارةٌ إلى أَنَّه سُبْحَانَهُ يَقْبَلُ توبةَ المستغفرينَ المنيبينَ إليهِ، فَهُوَ ترغيبٌ في الاستغفارِ، وحَثٌّ على التوبةِ، وقَدْ فَهِمَ طائفةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بِل ◌َّهُ أنَّ النبيَّ ◌َ أُمِرَ بالتسبيحِ والتحميدِ والاستغفارِ عندَ مجيءٍ نصرِ اللَّهِ والفتحِ، شكرًا للَّهِ ٦٤٥ سورة النصر على هذه النعمةِ، كَمَا صَلَّى النبيُّ نَ ﴿ يومَ فتح مكةَ ثماني ركعاتٍ(١)، وكذلكَ صَلَّى سعدٌ يومَ فتحِ المدائنِ، وكانتْ تُسَمَّى: صلاةُ الفتح. وأمَّا عُمَرُ وابنُ عباسٍ فَقَالا: بلْ كانَ مجيءُ النَّصرِ والفتحِ علامةَ اقترابِ أجلِهِ، وانقضاءِ عُمرِهِ، فَأُمِرَ أنْ يختمَ عملَه بذلكَ، ويتهيأ للقاءِ اللَّهِ، والقدومِ عليهِ على أكْمَلِ أحوالِهِ وأثّها، فإنَّه لَّا جاءَ نصرُ اللَّهِ والفتحُ بحيثُ صارتْ مكة دارَ إسلامٍ، وكذلكَ جزيرةُ العربِ كُلُّها، ولمْ يَبْقَ بِهَا كافرٌ، ودخلَ الناسُ في دينِ اللهِ أفواجًا. وقد بلَّغ رسولُ اللّهِ وَ لِّ رسالاتِ ربِّه، وعلَّمَ أمْتَهُ مناسكَهُم وعباداتِهم، وتركَهُم على البيضاءِ، ليلُها كنهارِهَا، ولم يبقَ لهُ من الدُّنْيا حاجةً، فحينئذ تهيّاً للنَّقلة إلى الآخرةِ فإنَّها خيرٌ لَهُ مِنَ الأُولى، ولهذا نزلتْ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] بِعَرَفَةَ. وعلَّمَ الأمةَ مناسِكَهُم، وقالَ لَهُم: (لَعَلِّي لا أراكم بَعْدَ عامِي هَذا))(٢). وقالَ لَهُم: ((هَلْ بَلَّغتُ؟))، قالُوا: نَعَمْ، وأشهدَ اللَّهَ عليهم بذلكَ، وودَّعَ النَّاسَ فقالُوا: هذه حَجَّةُ الوداعِ(٣). وقدْ خَيِِّ نََّ بينَ الدنيا وبين لقاء ربِّه، فكانَ آخرَ ما سُمِعَ مِنهُ: ((اللَّهمَ الرفيقَ الأعْلَى)) (٤) . ونظيرُ هذا الفهمِ الذي فهمَهُ عمرُ مِنْ هذهِ السورةِ ما فهمَهُ أبو بكرٍ مِنْ (١) أخرجه: البخاري (٧٨/١)، (٤٦/٨)، ومسلم (١٨٢/١)، (١٥٧). (٢) أخرجه: مسلم (٧٩/٤) من حديث جابر. (٣) أخرجه: البخاري (٢١٦/٢ - ٢١٧)، ومسلم (١٠٨/٥ - ١٠٩). (٤) أخرجه: البخاري (٩٣/٨)، ومسلم (٧/ ١٣٧). ٦٤٦ - سورة النصر قولِ النبيِّ وَّ فِي خطْبَتِهِ: ((إنَّ عبْدًا خُيِّرِ بينَ الدنيا وبين لقاء ربِّه، فاختارَ لقاءَ ربِّه))(١) ، وقدْ سَبَقَ مِنْ حديثِ ابنِ عباسٍ ما يدلُّ على ذلكَ. وفي ((صحيحِ البخاريِ) مِنْ حديثِ سعيدِ بنِ جبيرٍ عنْ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: كانَ عمرُ يُدخِلُنِي مَعَ أشياخٍ بدرٍ فكأنَّ بعضَهُم وجَدَ في نفسِهِ فقالَ: لِمَ تُدْخِلُ هذا مَعَنَا ولنا أبناءٌ مثلُه؟ فقالَ عمرُ: إنَّه ممِّن قَدْ عَلِمتم، فدعاهُم ذاتَ يومٍ فَأَدْخَلَهُ معهُم، فما رأيتُ أنَّه دَعَانِي فيهِم يومئذٍ إلا لِيُرِيَهم، فقالَ: ما تقولونَ في قولِ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ فقالَ بعضُهُمْ: أمرنا أنْ نحْمِدَ اللَّهَ ونستَغْفره إذا جاءَ نصرُنًا وفُتِحَ عليْنَا، وسكتَ بعضُهُم فلمْ يَقُل شيئًا! فقال لي: أكذاكَ تقولُ يا ابنَ عبَّاسٍ؟ فقلت: لا، قال: ما تقولُ؟ قلتُ: هو أجلُ رسولِ اللهِ وَّهِ أَعْلَمَهُ لهُ قالَ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فذاكَ علامَةُ أَجَلِكَ، ﴿فَسَيَحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ فقالَ عمرُ بنُ الخطاب: ما أعلمُ منها إلا ما تقولُ(٢) ، وقد رُويتْ هذه القصةُ عن ابن عباسٍ منْ غیرِ وجهٍ. وفي ((المسندِ)) عن أبي رزينٍ عن ابنِ عباسٍ قالَ: لَّا نزلتْ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ عَلِمَ النبيُّ ◌َّهِ أَنَّه قد نُعيتْ إليه نفسُهُ(٣). وقد سَبقَ منْ حديثِ ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ ◌َِّلَّا نَزَلَتْ هذه السورةُ أخذَ في أشدِّ ما كانَ اجتهادًا في أمرِ الآخرةِ (٤). (١) أخرجه بنحو هذا اللفظ أحمد في («المسند» (٤٧٨/٣)، والترمذي (٣٦٥٩) من حديث أبي المعلَّى الأنصاري. (٢) أخرجه: البخاري (٢٤٨/٤)، (٢٢٠/٦). (٣) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٣٤٤/١، ٣٥٦). (٤) سبق تخريجه قريبًا . ٦٤٧ سورة النصر وروى الخرائِطيُّ في ((كتابِ الشُّكْرِ)) مِنْ طريقِ شاذِ بنِ فياضٍ عَن الحارثِ بِنِ شبلٍ عنْ أمِّ النَّعمانِ الكنديةِ عنْ عائشةَ قالتْ: لَّا نزلتْ هذه الآيةُ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: ١] اجتهدَ النبيُّ ◌َ فِي العبادةِ فقيلَ لهُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما هذا الاجتهادُ؟ أليسَ قدْ غَفَر اللَّهُ لكَ ما تقدَّم من ذنبكَ وما تأخّر؟! قالَ: ((أفلا أكونُ عَبْدًا شكُورًا))، إسنادُه ضعيفٌ(١). وروى البيهقيُّ مِنْ طريقِ سعيدِ بنِ سليمانَ عَنْ عبَّادِ بنِ العوّامِ عَنْ هلالِ بن خَبَّبٍ عنْ عكرمةَ عن ابنِ عباسٍ قالَ: لَّا نزلتْ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّه وَالْفَتْحُ﴾ دعَاَ رسولُ اللَّهِ وَ لَهِ فاطمةَ، وقالَ: ((إنَّهُ قد نُعَيَتْ إليَّ نفسِي))، فَبَكَتْ، ثُمَّ ضَحِكَتْ، وقالتْ: أخبرني أنه قد نُعيَ إليه نفسه فبكيتُ، ثُمَّ أخبرَنِي بأَنَّكِ أوَّلُ أهلِي لِحَاقًا بِي فَضْحِكْتُ(٢) . وكان النبيُّ نَّه يكثرُ من التسبيحِ والتحميدِ والاستغفارِ بعدَ نزولِ هذهِ السورةِ، ففي ((الصحيحينِ)) عَنْ مسروقِ عَنْ عائشةَ قالتْ: كانَ رسولُ اللَّه وَهِ يكثرُ أنْ يقولَ في ركوعِهِ وسجودِهِ: ((سبحانكَ اللهُمَّ رَبَّا وبحمدِكَ اللهمَّ اغفرِ لِي)» يتأولُ القرآنَ. وفي (المسنَدِ) و ((صحيحِ مسلمٍ) عنها قالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ وَهِ يكثرُ في آخرِ أمرِهِ مِنْ قولِ: ((سبحانَ اللَّهِ وبِحَمْده، أَستغفرُ اللَّهَ وأَتُوبُ إليه))، وقالَ: ((إنَّ ربي كانَ أخبَرَنِي أَنِّي سَأَرَى علامةً في أُمني، وأمَرَنِي إذا رأيتُها أنْ أُسبِّحَ بحمدِهِ (١) أخرجه: الخرائطي في ((كتاب الشكر)) (٥٢). (٢) أخرجه: الدارمي (٣٧/١)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٣٠/١١)، وفي ((الأوسط)) (٨٨٣)، والبهيقي في ((دلائل النبوة)) (١٦٧/٧). وأصله عند البخاري (٢٤٧/٤)، ومسلم (١٤٢/٧ - ١٤٣). ٦٤٨ سورة النصر وأستغفرَهُ إِنَّه كانَ توََّبًا، فَقَدْ رأَيْتُها: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾)) السورةَ كلَّها (١). ورَوى ابنُ جريرٍ مِنْ طريقِ حفصٍ ثنا عاصمٌ عَنِ الشعبيِّ عَنْ أمِّ سلمةَ قالتْ: كَانَ رسولُ اللهِ نَّهِ في آخرِ أمرِهِ لا يقومُ ولا يقعدُ ولا يذهبُ ولا يجيءُ إلا قالَ: ((سبحان الله وبحمده))، فقُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّكَ تُكثرُ مِنْ: ((سبحان الله وبحمده))، لا تذهبُ ولا تجيءُ ولا تقومُ ولا تقعدُ إلا قلتَ: ((سبحان الله وبحمده) قالَ: ((إني أُمرْتُ بِهَا))، فقالَ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى آخرِ السورةِ. غريب(٢). وفي ((المسندِ)) عن أبي عبيدةَ عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودِ قالَ: لَّا نزلتْ علَى رسول اللَّهِ بَله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ كانَ يُكثرُ إذَا قرأَهَا وركعَ أنْ يقولَ: ((سبحانك اللهُمَّ ربنا وبِحَمْدِكَ، اللهُمَّ اغفرْ لي، إنَّكَ أنتَ التوابُ الرحيمُ)) ثَلاثًا(٣). واعلم؛ أنْ التسبيحَ والتحميدَ فيهِ إثباتُ صِفَاتِ الكمالِ، ونفيُ النقائصِ والعيوب. والاستغفارُ يتضمنُ وقايةَ شرِّ الذنوبِ. فذاكَ حَقُّ اللَّه، وهذَا حقُّ عبده، ولَهذا في خطبةِ الحَاجَةِ: ((الحمدُ لله نحمدُهُ ونسْتُعينُهُ وتسْتغفرٌ)(٤). وكانَ رجلٌ في زمنِ الحسنِ البصريِّ مُعَتَزِلٌ النَّاس فسألهُ الحسنُ عَنْ حالِهِ؟ (١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٣٥/٦)، ومسلم (٢/ ٥٠). (٢) أخرجه: ابن جرير في ((التفسير)) (٣٣٥/٣٠). (٣) أخرجه: أحمد فى ((المسند» (٣٩٢/١، ٣٩٤، ٤١٠، ٤٣٤، ٤٥٥، ٤٥٦). (٤) أخرجه: مسلم (١١/٣). ٦٤٩ سورة النصر فقالَ: إني أُصبحُ بين نعمةٍ وذنْب فأُحْدِثُ للنعمة حَمْدًا، وللذنب استغفارًا، فأنا مشغولٌ بذلكَ، فقالَ الحسنُ: الزمْ مَا أنتَ عليهِ، فأنتَ عنْدِي أفقهُ مِنَ الحسَنِ. والاستغفارُ: هوَ خاتمةُ الأعمال الصالحةِ، فِلِهَذَا أُمرَ النبيُّ وَِّ أَنْ يجعلَهُ خاتمةَ عُمْرُه. كما يُشرَعُ لمصلِّي المكتوبةِ أنْ يستغفرَ عَقِبَها ثلاثًا(١)، وكَمَا يُشْرَعُ للمتهجِّد مِنَ الليلِ أنْ يستَغْفِرَ بالأسْحَارِ قالَ تعالَى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]، وقالَ: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، وكَمَا يُشرَعُ الاستغفارُ عُقَيْبَ الحجِّ قالَ تعالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]. وكما يُشْرَعُ ختمُ المجَالِسِ بالتسبيحِ والتحميدِ والاستِغْفَارِ وهُوَ كفارةُ المجلسِ(٢)، وروي أنه يَخْتِمُ بِهِ الوضوءَ أيضًا(٣). وسببُ هَذَا أنَّ العبادَ مُقْصِّرُونَ عن القيامِ بحقوقِ اللَّهِ كَمَا يَنْغِي، وأدائِهَا على الوجهِ اللائقِ بجلاله وعظمتِهِ، وإنَّما يؤدُّونَها علَى قَدْرِ مَا يطيقُونَهُ، فالعارفُ يَعْرِفُ أنَّ قَدْرَ الحقِّ أعْلَى وأجلُّ مِنْ ذلكَ، فهُوَ يَسْتَحِي مِنْ عمِلِ ويستغفرُ مِنْ تقصيرِهِ فيهِ كَمَا يستغفرُ غيرُهُ مِنْ ذنوبِهِ وَغَفَلاتِهِ، وكُلَّمَا كانَ الشخصُ باللَّهِ أعرفَ كانَ له أخوف، وبرؤيةٍ تقصيرهِ أبصرُ، ولهذا كانَ خاتمُ المرسلينَ وأعرفُهم بربِّ العالمينَ بَّهِ يجتهدُ في الثناءِ على ربِّهِ، ثُمَّ يقولُ في (١) أخرجه: مسلم (٢/ ٩٤). (٢) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٤٩٤/٢)، وأبو داود (٤٨٥٨)، والترمذي (٣٤٣٣). (٣) أخرجه: النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٨١)، والطبراني في («الأوسط)) (١٤٥٥). ٦٥٠ سورة النصر آخِرِ ثنائه: ((لا أُحْصِى ثناءً عليكَ أنتَ كَمَا أَثنيتَ على نفسِكَ)(١). ومِنْ هذَاَ قولُ مالكِ بنِ دِيْنارِ: لقدْ هَمِمْتُ أنْ أُوصِيَ إذَا متُّ أنْ أُقَّد، ثُمَّ يُنْطلقُ بي كما يُنُطلقُ بالعبدِ الآبقِ إلى سيِّدِهِ، فإذا سَأَلْنَي؟ قلتُ: يا ربِّ، لم أرضَ لكَ نفسِي طَرفةَ عينٍ . وكان كَهْمَسُ يُصَلِّي كُلَّ يومٍ ألفَ رَكْعَةٍ، فإذَا صَلَّى أخَذَ بلحيتهِ، ثُمَّ يقولُ لنفسِهِ: قُومِي يا مَأْوَى كُلَّ سوءٍ، فواللَّهِ مَا رضيتُك للَّهِ طَرْفَةَ عينٍ. فائدة : الاستغفارُ: يَرِدُ مجردًا، ويردُ مَقْرونًا بالتوبةِ، فإنْ وَرَدَ مجرَّدًا دَخلَ فيه طلبُ وقايةِ شرِّ الذنبِ الماضِي بالدعاءِ، والنَّدمِ عليهِ، وشرُّ وقايةِ الذنبِ المتوقعِ بالعزمِ علَى الإقلاعِ عنهُ. وهذا الاستغفارُ الَّذِي يمنعُ الإصْرارَ بقولِهِ: ((ما أَصَرَّ مَن اسْتَغْفَر ولَو عادَ في اليوم سبعينَ مرَةٍ»(٢)، وبقولِهِ: ((لا صَغيرةَ مع الإصرارِ، ولا كبيرةً مع الاستغفارِ)) خرَّجهما ابنُ أبي الدُّنْيا. وكذا في قولِهِ تعالَى: ﴿الَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وفي ((الصحيح)): ((أَذنبَ عبدٌ ذنبًا ... ))(٣) الحديثَ. وهوَ المانعُ من العقوبةِ في قولهِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (١) أخرجه: مسلم (٥١/٢). (٢) أخرجه: أبو داود (١٥١٤)، والترمذي (٣٥٥٩). (٣) أخرجه: البخاري (١٧٨/٩)، ومسلم (٩٩/٨). ٦٥١ سورة النصر [الأنفال: ٣٣]، وإنْ وردَ مقرونًا بالتوبةِ اختصَّ بالنوعِ الأولِ، فإنْ لم يصحبهُ الندمُ على الذنبِ الماضِي، بلْ كانَ سُؤالاً مُجرَّدًا فهو دعاءٌ محضٌ، وإن صَحِبَهَ ندمٌ فهو توبةٌ. والعزمُ على الإقلاعِ من تمامِ التوبة، والتوبةُ إذا قُبلتْ فهلْ تُقْبِلُ جَزْمًا أم ظاهرًا؟ فيه خلافٌ معروفٌ. فيقالُ: الاستغفارُ المجردُ هو التوبةُ مَعَ طلبِ المغفرةِ بالدعاءِ، والمقرونُ بالتوبةِ: هوَ طلبُ المغفرةِ بالدعاءِ فَقَطْ. وكذلك التوبةُ إنْ أُطلقتْ دخلَ فيها الانتهاء عن المحظورِ، وفِعْلُ المأمورِ ولهذا عَلَّقَ الفلاحَ عليْها، وجعلَ مَنْ لم يَتُبْ ظالما، فالتوبةُ حينئذٍ تشملُ فعلَ كُلِّ مأمورٍ، وترك كُلِّ محظورٍ ولهذا كانتْ بدايةُ العبدِ ونهايتُهُ هي حقيقةُ دينٍ الإسلامِ. وتارةً يُقْرِنُ بالتَّقْوَى، أو بالعملِ فتختصَّ حينئذٍ بتركِ المحظورِ واللَّهُ أعلمُ. وفي فضائلِ الاستغفارِ أحاديثُ كثيرةٌ منْها: حديثُ: ((جِلاءِ القلوبِ تلاوةُ القرآنِ والاستغفارُ)(١). وحديثُ: ((فإن تابَ واستغفرَ ونَزَعَ صُقْلَ قَلْبُهُ»(٢) . وحديثُ: ((ابنَ آدمَ إِنَّك لو بَلَغَتْ ذنوبُك عَنَانَ السماء، ثُمَّ استغفرتَنِي على ما كانَ (١) أخرج أبو نعيم في ((الحلية)) (١٩٧/٨) لفظًا مقاربًا له ومن حديث ابن عمر قال: قال رسول اللَّه وَلقر: ((إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد)) قالوا: يا رسول اللّه، فما جلاؤها؟ قال: ((تلاوة القرآن)). (٢) أخرجه: أحمد في «المسند» (٢٩٧/٢)، والترمذي (٣٣٣٤)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٤١٨)، وابن ماجه (٤٢٤٤). ٠ ٦٥٢ سورة النصر مِنْكَ، غفرتُ لكَ ولا أُبَالِي)(١) . وحديثُ ابنِ عمرَ: كَّا نَعُدُّ لرسولِ اللهِ نَّهِ فِي المجلسِ الواحدِ: ((ربِّ اغفرْ لي، وَتُبْ عليّ، إِنَّكَ التوابُ الغفورُه مائةَ مرةً (٢). وحديثُ أبي هريرةَ مرفوعًا: ((إِنِّي لأستغفرُ اللَّهَ في اليومِ أكثرَ من سبعينَ مرةً، وأتوبُ إليهِ)) خرَّجه البخاريُ(٣). ومنْ حديثِهِ مرْفُوعًا: (لَو لَم تُذْنِبُوا لَذَهبَ اللَّهُ بِكُم، ولجاء بقوم يُذنِبونَ ثم يستغفرون فيغفرُ لَهُمْ) خرَّجه مسلمٌ (٤) . وفي ((المسندِ)) من حديث عطيةَ عَنْ أبي سعيدٍ عن النبيِّ وَِّ: ((مَنْ قالَ حين يَأوي إلى فَراشِهِ، أَستغفرُ اللَّهَ الذي لا إله إلا هُو الحيَّ القُومَ وأَتُوبُ إليه، غَفَرَ اللَّه له ذُنُوبِهُ، وإنْ كانتْ مِثَلَ زَبَدِ البَحْرَ، وإن كانت مثل رَمَلٍ عَالج، وإن كانت عدد ورق الشَّجَرَ))(٥). وحديثُ: ((منْ أكثرَ منَ الاستغفارِ جعلَ اللَّهُ لهُ مِنْ كلِّ همٍّ فرجًا)) خرَّجه أحمدُ من حديث ابن عباسٍ(٦)، ويعضدُهُ قولُه تعالَى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠]، وقوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمْتَعْكُم مَّتَاعًا حسنا ﴾ [هود: ٣]. (١) أخرجه: الترمذي (٣٥٤٠). (٢) أخرجه: أحمد فى ((المسند)) (٢١/١)، وأبو داود (١٥١٦)، والترمذي (٣٤٣٤)، وابن ماجه (٣٨١٤). (٣) أخرجه: البخاري (٨٣/٨). (٤) أخرجه: مسلم (٩٤/٨). (٥) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٣/ ١٠)، والترمذي (٣٣٩٧). (٦) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٢٤٨/١)، وأبو داود (١٥١٨)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٤٥٦). ٦٥٣ سورة النصر قالَ رياحٌ القيسيُّ: لي نيفٌ وأربعونَ ذنبًا، قد استغفرتُ لكلِّ ذنب مائةً ألف مرَّةً. وقال الحسنُ: لا تملُّوا من الاستغفارِ. وقال بكرٌ الْمُزَنَيُّ: إنَّ أعمال بني آدمَ ترفعُ فإذا رفعت صحيفةٌ فيها استغفارٌ رُفعت بيضاءُ، وإذا رُفعتْ ليس فيها استغفارٌ رفعت سوداء. وعن الحسنِ قالَ: أكثِرُوا مِن الاستغفارِ في بُيُوتِكم، وعَلَى موائِدِكم، وفي طُرُفِكم، وفي أسواقِكُم، فإِنَّكم ما تدرُون متى تَنْزِلُ المغفرةُ. وقال لقمان لابنه: أيْ بُنيَّ؛ عوِّد لسانَكَ: اللهَمَّ اغفرْ لِي، فإنَّ للَّهِ ساعاتٍ لا یردُّ فیھنَّ سائلاً. ورُئِّيَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ في النَّومِ فقيلَ لهُ: ما وجدَّتَ أفضلُ؟ قالَ: الاستغفار(١). (١) رسالة ((تفسير سورة النصر)). 7 سَوَرَةَ الإِخْلاصِ ـج لَمْ اللَّهُ الصَّمَدُ . قوله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ﴾ يَكِدْ وَلَمْ يُولَدْ قال ابنُ رجبٍ - رحمه الله تعالى -: ((الكلامُ على سُورةِ الإخلاصِ)). وفي موضعٍ نزولِها قولان: أحدهما: أنها مكيةٌ. والثاني: مدنيةٌ، وذلك في فصولٍ في فضائِلها وسببِ نزولها وتفسيرها. أمَّا فضائلُهَا فكثيرةٌ جدًّا. مِنْهَا: أنَها نِسْبَةُ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ. خرَّج الطبرانيُ(١) منْ طريقِ عثمانَ بنِ عبدِ الرحمنِ الطرائفِيِّ عَنْ الوازعِ ابن نافعٍ عن أبي سلمةَ عنْ أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: (لكُلِّ شيءٍ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، ليسَ بأجوفَ))، الوازعُ نسبةٌ، ونسبةُ اللَّهِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ضعيفٌ جدًّا، وعثمانُ يروي المناكيرَ، وسيأتي في سبب نزولِهَا ما يشهدُ لَهُ. ومنها: أنَّها صفةُ الرحمنِ، وفي صحيحِ البخاري ومسلمٍ(٢) من حديثٍ عائشةَ، أنَّ النبيَّ ◌َّهِ بعثَ رجُلاً على سريةٍ فكان يقرأُ لأصحابهِ في صَلاتِهِم فيَختمُ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فلمَّا رِجَعوا ذكروا ذلك للنبيِّرَ له فقال: ((سلُوهُ: لأيِّ شيءٍ يصنعُ ذلك؟))، فسألُوهُ، فقال: لأنَّها صفَةُ الرَّحمن، وأنا أُحبُّ أن (١) ((المعجم الأوسط)) (٧٣٢). (٢) أخرجه: البخاري (٩/ ١٤٠)، ومسلم (٢٠٠/٢). ٦٥٥ سورة الإخلاص أَقْرَأَ بِهَا، فقالَ النبيُّ نَّهِ: ((أخبروهُ أن اللَّه يُحِبُّهُ). ومنها: أَنَّ حُبَّها يُوجبُ محبةَ اللَّه، لهذا الحديث المذكور آنفًا، ومنهُ قولُ ابنِ مسعودٍ: ((مَنْ كانَ يحبُّ القرآنَ فَهُوَ يحبُ اللَّه)(١). ومنها: أن حُبَّها يُوجبُ دُخولَ الجنَّةِ؛ ذكرَ البخاريُّ في ((صحيحه))(٢) تَعْلِيقًا وقالَ: عبيدُ اللَّهِ عنْ ثابت عن أنس قالَ: كانَ رجُلٌ مِنَ الأنصارِ يؤُمَّهم في مسجدٍ قُباءَ، وكانَ كلَّما افتتحَ سورةً يقرأُ بِهَا لهمْ في الصلاةِ ممّ يقرأُ به، افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتّى يفرُغَ مِنْها، ثُمَّ يقرأُ سُورةً أُخرَى مَعَهَا، وكانَ يصنعُ ذلكَ في كلِّ ركعةٍ، وذكرَ الحديثَ، وفيه: فقالَ النبيُّ ◌َِّ: ((يا فلانُ، ما حملكَ على لزومِ هذهِ السورةِ في كلِّ ركعة؟))، فقال: إني أُحِبُّها، فقالَ: ((حُبُّكَ إياهَا أدخلكَ الجنَّةَ))، وخرَّجه الترمذيُّ في ((جامعه))(٣) عن البخاريِّ عَنْ إسماعيلَ ابنِ أبي أويسٍ عَنَ الدَّارَوَرْدِيِّ عَنْ عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الرحمنِ عنْ عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ وغرَّبِه، وقال: روى مباركُ بنُ فضالةَ عنْ ثابتٍ عنْ أنسٍ أن رجلاً قالَ: يا رسولَ اللَّهِ إنِّي أحبُّ هذه السورةَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقالَ: ((إن حُبّك إياها أَدخلكَ الجنَّة)) وقدْ خرَّجه أحمدُ في ((المسندِ))(٤) عن أبي النضرِ عن مباركِ بنِ فضالَة بِهِ. وروى مالكٌ عنْ عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الرحمنِ عنْ عبيدِ بنِ حُنينٍ قالَ: سمعتُ أبا هريرةَ يقولُ: أقبلتُ مع النبي ◌َّهِ، فسمعَ رجُلاً يقرأُ: ﴿قُلْ هُوَ (١) أخرجه: الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٤٢/٩). (٢) (١ / ١٩٦ - ٩٧ ١). (٣) ((الجامع)) (٢٩٠١). (٤) ((المسند)) (١٤١/٣ - ١٥٠). ٦٥٦ سورة الإخلاص اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال رسولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((وجَبَتْ)) قلت: وَمَا وجبَت؟ قالَ: (الجنَّةُ)، وأخرجَهُ النسائيُّ والترمذيُّ وقالَ: حسنٌ صحيحٌ لا نعرفُه إلا مِنْ حديثٍ مالك(١) . وروَى أبو نعيمٍ منْ طريقِ عمرو بنِ مرزوقٍ عنْ شعبةَ عن مهاجرِ سمعتُ رجلاً يقولُ: صحبتُ رسولَ اللَّهِ وََّ في سفرٍ، فسمِعَ رَجُلاً يقرأُ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، فقالَ: ((قد بَرِيءَ من الشِّرْكِ))، وسمعَ آخرَ يقرأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقالَ: ((غُفِرَ لهُ)(٢). ومِنْهَا: أنَّها تعْدِلُ ثلثَ القرآنِ ففي ((صحيحِ البخاريِ)(٣) من حديث أبي سعيدٍ أَنَّ رجلاً سمعَ رجُلاً يقرأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يُردِّدُها، فلمَّا أصبحَ جاءَ إلى النبيِّ وَ ◌ّهَ فذكرَ ذلكَ لهُ - وكأنّ الرجلَ يتقالُّها - فقال رسول اللَّهِ وَلِّ: ((والذي نفسي بيده إنَّها لتعدلُ ثُلُثَ القرآنِ))، وقدْ رُوِيَ عنْ أبي سعيدٍ عن أخي قتادةَ بنِ النعمانِ به . وفي ((صحيحِ البخاريِ)(٤) أيضًا مِنْ طريقِ الأعمشِ عنْ إبراهيمَ النخعيِّ والضَّحَّاكِ المشرقيِّ عن أبي سعيد قال: قالَ رسولُ اللَّهِ وَله لأصحابِهِ: ((أيعجزُ أحدُكُمْ أنْ يَقْرَأَ ثلثَ القرآنِ فِي ليلةٍ؟)) فشقَّ ذلكَ عليهِم وقالُوا: أيُّنَا يطيقُ ذلك يا رسول اللَّه، فقالَ: ((اللَّهُ الواحدُ الصَّمدُ ثلثُ القرآنِ)». وفي ((المسندِ))(٥) منْ طريقِ ابنِ لهيعةَ عن الحارثِ بنِ يزيدَ عنْ أبي الهيثمِ (١) أخرجه: مالك في ((الموطأ)) (ص ١٤٦)، والنسائي (٢/ ١٧١)، والترمذي (٢٨٩٧). (٢) وهو عند الدارمي (٤٥٨/٢ - ٤٥٩)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٧٠٩) من طريق آخر عن شعبة . (٣) (٢٣٣/٦)، (١٦٣/٨)، (١٤٠/٩). (٤) (٦/ ٢٣٣). (٥) (١٥/٣). ٦٥٧ سورة الإخلاص عن أبي سعيد قال: باتَ قتادةُ بنُ النعمان يقرأُ الليلَ كُلَّهُ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَذُكِرَ ذلك للنبيِّنَ ◌ّفقالَ: ((والذي نفسي بيدهِ لَتَعْدِلُ نصفَ القرآنِ أو ثُلُثَهُ). وفي ((المسندِ)(١) أيضًا مِنْ طريقِ ابنِ لهيعةَ، حدَّثَنَا حُّيُّ بنُ عبدِ اللَّهِ عن أبي عبدِ الرحمنِ عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرو: أنَّ أبا أيوبَ الأنصاريَّ كانَ في مجلسٍ وهوَ يقولُ: ألا يسْتَطِيعُ أَحدُكُمْ أنَّ يقومَ بِثُلُثِ القرآنِ كلَّ ليلةٍ؟ فقالُوا: وهل يستطيعُ ذلكَ أحدٌ؟ قال: فإنَّ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثُلُثُ القرآنِ، قَالَ: فجاءَ النبيِّ وَّ وهو يسمعُ أبا أبوبَ، فقالَ: ((صَدَق أبو أيوبَ)). ورَوَىَ يحيى بنُ سعيدٍ عنْ يزيدَ بنِ كيسانَ عنْ أبي حازمٍ - قالَ الترمذيّ: اسمُهُ سلمانَ - عن أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ وَ له: ((احشُدُوا، فإنِّي سأثراً عليكُمْ ثُلُثَ القُرآنِ))، فحشدَ من حشدَ، ثُمَّ خرجَ نبِي اللَّهِ وَّهِ فَقَرَاً: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثُمَّ دخلَ فقالَ بعضُنَا لِبعضٍ: قال رسول اللّه وَله: «فإنِّي سأقرأُ عليكُمْ ثُلُثَ القرآنِ))، إنِّي لأرى هذا خبرًا جاءَهُ من السماء، ثُمَّ خرجَ نبي الله مَله فقال: (إني قُلْتُ: سأَقَرأُ عليْكُمْ ثُلُثَ القُرآنِ، ألا وإنها تعدِلُ ثُلُث القُرآنِ»، أخرجهُ مسلمٌ (٢) . وروى الإمامُ أحمدُ عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ مهديّ عنْ زائدةَ بنِ قدامةَ عنْ منصورِ عن هلالِ بنِ يسافٍ عن الربيعِ بنِ خثيمٍ عن عمرو بنِ ميمونٍ عنْ عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلَى عنْ امرأةٍ مِنَ الأَنْصَارِ عنْ أبي أيوبَ عنِ النّبِيِّ ◌َّه قالَ: «أَيَعْجزُ أحدُكُمْ أنْ يقرأَ ثلثَ القرآنِ في ليلة؟ فإنه مَنْ قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ في ليلة فقدْ قرأَ ليلتئذ ثلثَ القرآنِ))، ورواهُ النسائيّ والترمذيّ (١) (٢/ ١٧٣). (٢) ((صحيح مسلم)) (١٩٩/٢ - ٢٠٠). ٦٥٨ سورة الإخلاص عنْ بندار(١). وروى الترمذيَّ عنْ قتيبةَ أيضًا عَنْ ابنِ مهديّ، فَهُوَ لَهُمَا عُشَاري ولأحمد تُسَاعي، وفي روايةِ الترمذيُّ عَنْ امرأةٍ أبي أيوبَ عَنْ أبي أيوبَ بِهِ، وذكرَ اختلافًا في إسنادِهِ. ۵ وروى أحمدُ (٢) عن هُشَيمٍ عنْ حصينٍ عن هلالِ بنِ يسافٍ عن عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلَى عنْ أبيِّ بنِ كعبٍ أو رجلٍ منَ الأنصارِ قالَ: قالَ رسولُ اللّهِ بَلّهِ: ((منْ قرأَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فكأنَّمَا قَرَأَ بثلثِ القرآنِ»، ورواهُ النسائيَّ في ((اليومٍ والليلة))(٣) منْ طريقِ هُشيمٍ عنْ حصينٍ عن ابن أبي ليلَى بِهِ منْ غيرِ ذكرٍ هلالِ بنِ يسافٍ، وروى الإمامُ أحمدُ أيضًا(٤) عنْ وكيعٍ عن سفيانَ عن أبي قيسٍ عن عمرو بن ميمونٍ عنْ أبي مسعودِ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدِلُ ثلثَ القرآنِ)) ورواهُ ابن ماجه والنسائيَّ في (ليومٍ والليلة)(٥) مِنْ طُرُقٍ، وفي بعضِ طرِقِهِ وقفُهُ. ورواه أبو نعيمٍ منْ طريقِ مسعرٍ عنْ أبي قيسٍ عَنْ عمرو بنِ ميمونٍ عنْ أبي مسعود الأنصاريِّ، كَذا قالَ. ومنْ طريقِ شعبةَ عنْ أبي إسحاقَ عنْ عمرو بن ميمونٍ عنْ ابنِ مسعودٍ. وروَى أبو نعيمٍ من طريقِ عليٌّ بنِ عاصمِ عن حصينٍ عن هلالِ بنِ يسافٍ (١) أخرجه: أحمد (٤١٨/٥ -٤١٩)، والترمذي (٢٨٩٦)، والنسائي (٢/ ١٧٢). (٢) ((المسند)) (١٤١/٥). (٣) ((عمل اليوم والليلة)) (٦٩٠). (٤) ((المسند)) (٤/ ١٢٢). (٥) أخرجه: النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٦٩٨)، وابن ماجه (٣٧٨٩). ٦٥٩ سورة الإخلاص عنْ ربيعِ بنِ خُثَيمٍ عنْ ابنِ أبي ليلَى عنْ كعبِ بنِ عجرةَ عنْ النبيِّ بَّهِ قالَ: ((منْ قرأَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في يومٍ وليلةِ ثلاثَ مراتٍ كانتْ تعدِلُ ثلثَ القرآنِ)). ورواهُ شعبةُ عنْ عليٍّ بنِ مدركِ عنْ إبراهيمَ النخعيِّ عن الربيعِ بنِ خثيمٍ عن ابنِ مسعودٍ عن النبيِّ ◌ٍَِّّ(١). وروى أبو نعيمٍ حدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ يحيى، ثنا أحمدُ بنُ حمدونَ ابنِ رستم، ثَنَا عليّ بنُ إِشْكَاب، ثنَا شجاعُ بنُ الوليدِ، ثنَا زيادُ بنُ خيثمةَ، عنْ محمدِ بنِ جحادةً، عنْ الحسنِ عنْ أبي هريرةَ عن النبيِّ وَِّ: (﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ثلثُ القرآن))، قالَ إبراهيمُ: هكذا حدَّثَنِي بِهِ وكتبهُ لِي بخطِهِ وإنَّما يحفظُ الإسناد قراءةُ يس. وروى يوسفُ بنُ عطيةَ الصفارُّ: ثَنَا هارونُ بنُ كثيرٍ، عنْ زيدِ بنِ أسلمَ عنْ أبيهِ عن أبي أمامةَ عنْ أبيِّ بنِ كعبٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ وَلِّ: ((منْ قرأ: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فكأَنَّما قرأَ ثلثَ القرآنِ، وكُتُبَ لهُ مِنَ الحسناتِ بعددٍ منْ أَشْرَكَ باللَّه ١ وآمن به)). وفي ((صحيحِ مسلمٍ))(٢) منْ طريقِ قتادةَ عنْ سالمٍ بنِ أبي الجعدِ عن معدان بنِ أبي طلحةَ عنْ أبي الدَّرْداءَ أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لِّ قالَ: ((أيعجزُ أحدُكُم أنْ يقرأَ كلَّ يومٍ ثلثَ القرآنِ؟)) قالُوا: نعم، قالَ: ((إنَّ اللَّه جزّأَ القُرآنَ ثلاثةَ أجزاء، فقل هو الله أحد ثلثُ القرآن)). ورَوَى أميةُ بنُ خالدٍ عَنْ ابنِ أخِي ابنِ شهابٍ عنْ عَمِّه عَنْ حميدٍ بنِ (١) أخرجه: النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٦٨٠). (٢) ((صحيح مسلم)) (١٩٩/٢). ٦٦٠ سورة الإخلاص عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ عَنْ أمهِ أمِّ كُلْثوم بنتِ عقبةَ بنِ أبي مُعَيْط قالَتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ وَلَهُ: (﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ثلثُ القرآنِ»، رواه أحمدُ والنسائيُّ في (اليومٍ والليلةٍ))(١). ورواهُ أيْضًا منْ طريقِ مالكِ عَنِ الزُّهريِّ عَنْ حميدٍ منْ قوله، ورواهُ أيضًا مِنْ طريقِ ابنِ إسحاقَ عَنِ الحارثِ بنِ فُضَيَلٍ عَنِ الزهريِّ عَنْ حميدِ أنَّ نَفْرًا مِنْ أصحابِ محمدٍ وَّهِ حدَّثُوه عَنِ النبيِّوَِّ أَنَّهُ قالَ: ((﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدلُ ثلثَ القرآنِ لمن صلَّى بِهَا))(٢) . وروى الحافظُ أبو يَعْلَى(٣) عَنْ قطنِ بنِ نُسيرٍ عنْ عبيسِ بنِ ميمون عنْ يزيدَ الرقاشيِّ عَنْ أنسٍ عنِ النبيِّ ◌َّ قالَ: ((أمَا يستطيعُ أحدُكُمْ أنْ يقْرأَ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ثلاثَ مرَّاتٍ في ليلةٍ فإِنَّها تعدِلُ ثلثَ القرآنِ) إسنادُه ضعيفٌ. ويُستدلُّ بِهِ على أنَّ المرادَ بكونِهَا تعدِلُ ثلثَ القرآنِ، أجرَهُ وثوابَهُ، كما يُستدلُّ بحديثٍ أبي الدرداءَ المتقدمِ علَى أنَّها جزءُ التوحيدِ مِنَ القرآنِ، وأَنَّه ثلاثةُ أجزاءٍ: تَوحيدٌ، وتَشْريعٌ، وقَصَصٌ. ومِنْها: أنَّ قراءَتَهَا تكفِي مِنَ الشرِّ، وتمنعهُ، وقدْ ثبتَ في (صحيحِ البخاريِ)(٤) عنْ عائشةَ: ((أنَّ النبيَّ نَّ كَانَ إذَا أَوَى إلى فِراشِهِ قرأَها مع المعوذتينِ ومَسَحَ ما استطاعَ مِنَ جسدِهِ). وروى أبو داودَ والترمذيَّ والنسائيّ(٥) مِنْ طريقِ معاذِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ (١) أخرجه: أحمد (٤٠٣/٦ - ٤٠٤)، والنسائي في عمل اليوم والليلة)) (٧٠٠). (٢) أخرجه: النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٧٠١). (٣) («المسند» (١٤٨١ - ٤١١٨ - ٤١٣٦). (٤) أخرجه: البخاري (٢٣٣/٦). (٥) أخرجه: أبو داود (٥٠٨٢)، والترمذي (٣٥٧٥)، والنسائي (٨/ ٢٥٠).