Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ سورة التكوير الخدريِّ في صفةِ الإسراء أنه نَّهِ رأى الجنةَ والنارَ فوق السماواتِ، ولو صح لُحُمل على ما ذكرناه أيضًا. وقد روى القاضي أبو يعلى بإسناد جيدٍ عن أبي بكر المروذيِّ أنَّ الإمامَ أحمدَ فسَّر له من القرآن آياتٍ متعددة، فكانَ مما فسَّرَهُ له قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ قال: أطباقُ النيران ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] قال: جهنّم، وهذا يدلُّ على أنَّ النارَ في الأرضِ، بخلافِ ما رواه الخلاَّلُ عن المروذيِّ، والله أعلم. وأما المرويُّ عن مجاهد، فقد تأوَّلَهُ بعضُهم على أنَّ المرادَ أن أعمالَ الجنة والنارِ مقدرةٌ في السماءِ من الخيرِ والشرِّ، وقد صرَّحَ بذلك مجاهدٌ في روايةٍ أخری عنه . وقد وردَ في بعضِ طرقِ حديث الإسراءِ أنه مَّ رأى جهنم في طريقهِ إلى بيتِ المقدسِ، ورُوي عن عبادةَ بنِ الصامتِ أنه وقفَ على سورِ بيت المقدسِ الشرقيِّ يَبْكي، وقال: ها هُنا أخبرنا رسولُ اللّهِ وَِّ أنه رأى جهنَّمَ (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعَرَتْ ١٢X وَإِذَا ٣ ١٣ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ: الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِرَتْ :﴿١»، وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ١٣﴾ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٢ - ١٤]، وقُرئ ﴿سُعِّرت﴾ و﴿سُعِرَت﴾ بالتشديد والتخفيف، قال الزجاجُ: المعنى واحدٌ، إلا أنَّ معنى المشدد أوقدتْ مرةً بعد مرةٍ. (١) ((التخويف من النار)) (٤٥ - ٤٩). ٥٤٢ سورة التكوير قال قتادةُ: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِرَتْ﴾ أوقدتْ، وقال السُّدِيُّ: أحميتْ، وقال سعيدُ بنُ بشيرِ عن قتادةَ: يسعرُهَا غضبُ اللَّهِ وخطايا بني آدمَ. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ. وهذا يقتضى أنَّ تسعيرَ جهنّم حيثُ سعرتْ إنما سعرتْ بخطايا بني آدمَ التي تقتضي غضبَ اللَّه عليهم، فتزدادُ جهنّم حينئذٍ تلهبًا وتسعُّرًا، وهذا كما أن بناءَ دورِ الجنةِ غرس الأشجارِ يحصلُ بأعمالِ بني آدمَ الصالحةِ من الذكرِ وغيرِهِ، وكذلك حُسنُ ما فيها من الزوجاتِ وغيرهنَّ يتزايدُ بتحسينِ الأعمالِ ـةٍ، فكذلك جهنّم تسعرُ وتزدادُ آلاتُ العذابِ فيها بكثرةِ ذنوبِ بني آدم وخطایاهم وغضب الربِّ تعالی علیهم. نعوذُ بالله من غضبِ اللَّه ومن النارِ وما قرَّب إليها من قول وعملٍ بِمِنَّهِ وکرمه(١) قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ انخنستُ: أي: توارَيْتُ، واختفيتُ منه، وتأخّرَتُ عنه، ومنه: الوَسْواسُ الخَّاسُ، وهو الشيطانُ، إذا غَفَلَ العبدُ عن ذِكْرِ اللَّهِ وَسْوَسَ له، فإذا ذَكَر الله خَنَسَ وتأخَّر . ومنه سُميِّت النجومُ خُنَّسًا، قال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّس﴾ [التكوير: ١٥]، (١) ((التخويف من النار)) (٧٧). ٥٤٣ سورة التكوير وانخناسُها: رُجُوعُها وتوارِيها تحت ضوءِ الشّمسِ، وقيل: اختفاؤها بالنهار(١). - (١) «فتح الباري)) (٣٤٤/١). سورةَ الانْفطار ورو قوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ وقولُهُ وَاخِلّهِ: ((إنَّ خلقَ أحدِكُم يُجمعُ في بطنِ أمِّه أربعينَ يومًا نطفةً»(١) قد رُوي تفسيرُهُ عن ابن مسعودٍ، روى الأعمشُ عن خيثمةَ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: إِنَّ النطفةَ إذا وقعتْ في الرَّحِمِ، طارتْ في كلِّ شعرٍ وظُفُر، فتمكثُ أربعينَ يومًا، ثم تنحدِرُ في الرَّحِمِ فتكونُ علقةً، قال: فذلكَ جمعُها. خرَّجه ابنُ وو أبي حاتمٍ وغيرهُ. ورويَ تفسيرُ الجمع مرفوعًا بمعنى آخرَ، فخرَّج الطبرانيُ (٢) ، وابنُ منده في كتابٍ ((التوحيد)) من حديث مالكِ بنِ الحويرثِ أنَّ النبيَّ وَ لَّ قال: ((إنَّ اللَّه تعالى إذا أرادَ خلقَ عبد، فجامعَ الرَّجُلُ المرأةَ، طارَ ماؤهُ في كلِّ عِرْق وعضو منها، فإذا كان يوم السابعِ جمعه اللَّهُ، ثم أحضرَهُ كلَّ عرق له دونَ آدم: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾)) [الانفطار: ٨]. وقال ابنُ منده: إسنادهُ متصلٌ مشهورٌ على رسمٍ أبي عيسى والنسائي وغيرهما . وخرَّج ابنُ جريرٍ(٣) وابنُ أبي حاتمٍ، والطبرانيُّ من روايةِ مُطَهَّرِ بنِ الهيثمِ، (١) أخرجه: البخاري (١٣٥/٤، ١٦١)، ومسلم (٤٤/٨). (٢) أخرجه: الطبراني في ((الكبير)) (٢٩٠/١٩)، و((الصغير)) (١٠٠)، و((الأوسط)) (١٦١٣). (٣) أخرجه: ابن جرير في ((التفسير)) (٨٧/٣٠). ٥٤٥ سورة الإنفطار عن موسى بن عليّ بنِ رباحٍ، عن أبيه، عن جدِّ أنَّ النبيِّ وَِّ قال لجدِّ: ((يا فلانُ، ما وُلُدَ لك؟)) قال: يا رسولَ اللَّه، وما عَسَى أن يولَدَ لي؟ إمَّا غلامٌ وإمّا جاريةٌ، قال: ((فمَنْ يشبُهُ؟)) قال: من عسى أن يشبه؟ يشبه أمَّه أو أباه، قال: فقال النبيِّ وَّهِ: ((لا تقولنَّ كذا، إن النطفةَ إذا استقرتْ في الرَّحم، أحضرها اللَّه كلَّ نسب بينها وبين آدمَ، أما قرأت هذه الآيةَ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّ شَاءَ رَكَّبَكَ﴾)) [الانفطار: ٨]، قال: ((سلكك)) وهذا إسنادٌ ضعيفٌ. ومطهرُ بنُ الهيثمِ ضعيفٌ جدا، وقال البخاريُّ: هو حديثٌ لم يصحَّ، وذكر بإسنادِهِ عن موسى بن علي عن أبيه أنَّ أباهُ لم يُسلِم إلا في عهدِ أبي بكرِ الصدِّيقِ يعني: أنه لا صحبةً له. ويشهدُ لهذا المعنى قولُ النبيِّ وَّ﴿ للذي قال له: ولَدتِ امرأتي غُلامًا أسودَ: ((لعله نزعه عرق)(١) . (١) ((جامع العلوم والحكم)) (١٣٦/١ - ١٣٧). سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ رو و ريـ قوله تعالى ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينِ روى عطيةُ عن ابنِ عباسٍ، قال: الجنةُ في السماء السابعة، ويجعلُها اللَّهُ حيثُ يشاءُ يومَ القيامةِ، وجهنَّم في الأرضِ السابعةِ، خرّجه أبو نعيم. وخرَّج ابنُ منده من حديث أبي يحيى القناتِ عن مجاهد، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ : أين الجنَّةُ؟ قال: فوقَ سبع سماواتٍ، قلتُ: فأين النارُ؟ قال: تحتَ سبعٍ أبحرٍ مطبقةٍ . وروى البيهقيَّ بإسنادٍ فيه ضعفٌ عن أبي الزعراءَ عن ابن مسعودٍ، قال: الجنَّة في السماءِ السابعةِ العُليا، والنارُ في الأرضِ السابعةِ السفلَى، ثمَّ قرأ: ﴿إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي ◌ِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] و﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِيْنٍ﴾ [المطففين: ٧]، وخرَّجه ابنُ منده وعنده: «فإذا كان يوم القيامة جعلَها اللَّهُ حيثُ شاءَ)). وقال محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن أبي يعقوبَ، عن بشرِ بنِ شغافٍ، عن عبد اللّهِ بنِ سلامٍ، قال: إنَّ الجنَّةَ في السماءِ، وإنَّ النارَ في الأرضِ، خرَّجه ابنُ خزيمةَ وابنُ أبي الدنيا. ورَوَى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ، عن قتادة، قال: كانُوا يقولونَ: إنَّ الجنَّةَ في السمواتِ السبعِ، وإنَّ جهنّم لفي الأرضينَ السبعِ. وروى ورقاءُ عن ابنِ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا ٥٤٧ سورة المطففين تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، قال: الجنةُ في السماء، وقد استدلَّ بعضُهم لهذا بأنَّ اللَّهَ تعالى أخبرَ أنَّ الكفارَ يُعرضونَ على النارِ غدوًّاً وعشيًّا - يعني في مدةٍ البرزخِ - وأخبر أنه لا تُفتَّح لهم أبوابُ السماء، فدلَّ على أنَّ النارَ في الأرضِ، وقال تعالى: ﴿كَلاَّإِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِينٍ﴾ [ المطففين: ٧ وفي حديث البراء بن عازبٍ عن النبيِّ ◌َّ في صفةِ قبضِ الروحِ، قال في روحِ الكافرِ: ((حتَّى ينتهُوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحونَ فلا يُفْتحُ له)) ثم قرأ رسولُ اللَّه ◌ِ لّ: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي («يقولُ اللَّه تعالى: اكتُبُوا كتابَه في سجين في سَمَّ الْخِيَاطِ ﴾ [الأعراف:٤٠ الأرضِ السُّقْلى)) قال: ((فتُطرحُ روحُهُ طرحً)) خرَّجه الإمامُ أحمدُ وغيرُ(١) . وعن أبي هريرة عن النبيِّ نَّ في صفةِ قبضِ الروحِ وقال في روحٍ الكافرِ: ((فتخرجُ كأنتنِ ربحٍ جيفة، فينطلقونَ به إلى بابِ الأرضِ فيقولونَ: ما أنتنُ هذه الريحَ، كلما أتَوا على أرضٍ قالُوا ذلكَ، حتى يأتُوا به إلى أرواح الكفار)) خرَّجه ابنُ حبانَ والحاكمُ وغيرُهما(٢). وقال عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو بنِ العاصِ ظُّ: أرواحُ الكفارِ في الأرضِ السابعة(٣). (١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٢٨٧/٤، ٢٨٨، ٢٩٧)، وأبو داود (٣٢١٢)، وابن ماجه (١٥٤٨). (٢) أخرجه: النسائي (٨/٤)، وكذلك في ((الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) (١٤١٢٩٠)، وابن حبان (٣٠١٤)، والحاكم (٣٥٣/١). (٣) ((التخويف من النار)) (٤٤ - ٤٥). : ٥٤٨ سورة المطففين قوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ١٤ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا ١٥ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِه تُكَذَّبُونَ ﴾ الْجَحِيمِ Did وأعظمُ عذابِ أهلِ النارِ حجابُهم عن اللَّه عزَّ وجلَّ، وإبعادُهم عنه، وإعراضُهُ عنهم، وسخطُه عليهم، كما أنَّ رضوانَ اللَّه على أهلِ الجنةِ أفضلُ من كلِّ نعيم الجنة، وتجليه لهم ورؤيتهم إيَّهُ أعظمُ من جميعِ أنواع نعيمٍ الجنة، قال اللَّه تعالى: ﴿كَلَّبَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿١٤- كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴿١٥، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ (١٨٤، ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٤ -١٧]، فذكر اللَّهُ تعالى ثلاثةَ أنواعٍ من العذابِ: حجابُهم عنه، ثم صليهم الجحيمَ، ثم توبيخُهم بتكذييهِم به في الدنيا، ووصفَهُم بالرانِ على قلوبِهِم، وهو صدأُ الذنوبِ الذي سوَّد قلوبَهُم، فلم يصلْ إليها بعدَ ذلك في الدنيا شيءٌ من معرفةِ اللَّهِ ولا منْ إجلالِهِ ومهابِتِهِ وخشيتهِ ومحبتهِ، فكما حجبتْ قلوبُهم في الدنيا عن اللَّهِ حجبوا في الآخرةِ عن رؤيتهِ، وهذا بخلافِ حالِ أهلِ الجنةِ . قال اللّه تعالى: ﴿لَّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، والذي أحسنوا هم أهلُ الإحسانِ، والإحسانُ أن يعبدَ العبدُ ربَّهُ كأنّه يراهُ، كما فسَّرَه النبيُّ وَِّ لما سأله عنه جبريلُ عليه السلامُ(١)، فجعلَ جزاء الإحسان الحسنى: وهو الجنَّةُ، والزيادةُ: وهي النظرُ إلى وجهِ اللَّه عزَّ وجلَّ، كما فسَّرَهُ بذلك رسولُ اللّه وَّلِ في حديثِ صهيبٍ(٢) وغيرِهِ. (١) أخرجه: مسلم (٢٨/١)، وأحمد (٢٨/١). (٢) أخرجه: مسلم (١١٢/١)، وأحمد (٣٣٢/٤)، وابن ماجه (١٨٧). ٥٤٩ سورة المطففين قال جعفرُ بنُ سليمانَ: سمعتُ أبا عمرانَ الجونيَّ قال: إنَّ اللَّه لم ينظرْ إلى إنسان قطُّ إلا رحِمَهُ، ولو نظرَ إلى أهلِ النارِ لرحمَهُم، ولكن قضَى أن لا ينظر إليهم. وقال أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ: حدثنا أحمدُ بنُ موسى عن أبي مريمَ، قال: يقولُ أهلُ النارِ: إِلهَنَا ارضَ عنَّاً وعذِّبْنا بأيِّ نوعٍ شئتَ من عذابِكَ، فإن غضبَك أشدُّ علينا من العذابِ الذي نحنُ فيه، قال أحمدُ: فحدثتُ سليمانَ ابنَ أبي سليمانَ، فقال: ليس هذا كلامُ أهلِ النارِ، هذا كلامُ المطيعينَ للَّه، قال: فحدثتُ به أبا سليمانَ، فقال: صدق سليمانُ بنُ أبي سليمانَ - وسليمانُ وهو ولدُ أبي سليمانَ الدرانيِّ، وكان عارفًا كبيرَ القدرِ رحمه اللَّهُ - وما قاله حقٌّ، فإنَّ أهلَ النارِ جهالٌ لا يتفطنونَ لهذا، وإن كان في نفسِهِ حقًّا، وإنَّما يعرفُهذا مَنْ عرفَ اللَّهَ وأطاعَهُ، ولعلَّ هذا يصدرُ من بعضٍ من يدخلُ النارَ من عصاةٍ الموحدينَ، كما أن بعضَهُم يستغيثُ باللّهِ لا يستغيثُ بغيرِهِ، فيخرجُ منها، وبعضُهم يخرجُ منها برجائه للَّه وحدَهُ، وبعضُ من يؤمرُ به إلى النارِ يتشفع إلى اللَّه بمعرفتِهِ فينجيهِ منها. قال أبو العباس بنِ مسروقٍ: سمعتُ سويدَ بنَ سعيد يقولُ: سمعتُ الفضيلَ بنَ عياضٍ، يقولُ: يوقفُ رجلٌ بين يدي الله عزَّ وجلَّ، لا يكونُ معه حسنةٌ، فيقولُ اللَّهُ عزَّ وجلّ: اذهبْ هل تعرفُ أحدًا من الصالحينَ أغفرُ لكَ بمعرفتهِ، فيذهبُ فيدورُ مقدارَ ثلاثين سنة فلا يرى أحدًا يعرفُهُ، فيرجعُ إلى الله عزَّ وجلَّ، فيقولُ: يا ربِّ لا أرى أحدًا، فيقولُ اللَّه عزَّ وجلّ: اذهبوا به إلى النارِ، فتتعلقُ به الزبانيةُ يجرُّونه، فيقولُ: يا ربِّ إن كنتَ تغفر لي بمعرفة المخلوقينَ فإني بوحدانيتِكَ أنت أحقُّ أن تغفرَ لي، فيقولُ اللَّهُ .٠ ٥٥ سورة المطففين للزبانية: ردُّوا عارفي لأنه يعرفني واخلعُوا عليه خلعَ كرامتي، ودعُوه يتبحبح في رياضِ الجنَّةِ، فإنه عارفٌ بي وأنا له معروفٌ(١). قال اللَّه تعالى في حقِّ الفجارِ: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴿٤٥، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ (80؛ ثُمَّ ١٤ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِبُونَ﴾ فوصفَهُم بأنَّ كسبَهُمْ رانَ على قلوبِهِم، والرانُ هو ما يعلُو على القلبِ من الذنوبِ من ظلمةِ المعاصي وقسوتِها، ثمَّ ذكرَ جزاءَهُم على ذلكَ وهو ثلاثةُ أنواعٍ: الحجابُ عن ربِّهم، ثم صَلَّيُ الجحيمِ، ثم التوبيخُ. فأعظم عذابِ أهلِ النارِ حجابُهم عن ربِّهم عزَّ وجلَّ، ولَّا كانتْ قلوبُهم في الدنيا مظلمةٌ قاسيةٌ لا يصلُ إليها شيءٌ من نورِ الإيمانِ وحقائقُ العرفانِ كان جزاؤهم على ذلكَ في الآخرةِ حجابَهم عن رؤية الرحمنِ. قال بعضُ العارفين: (( من عرفَ اللَّهَ في الدنيا، عرِفَهُ بقدرِ تعرَّفِهِ إليه، وتجلَّى له في الآخرةِ بقدرِ معرفتِهِ إياه في الدَّنيا فرأوه في الدنيا رؤيةَ الأسرارِ، ورأَوه في الآخرةِ رؤيةَ الأبصارِ، فمنْ لا يراهُ في الدنيا بسرهِ لسرِهِ، لا يراه و في الآخرة بعينه)) انتهى. فخوفُ العارفينَ في الدنيا من احتجابِهِ عن بصائرِهِم، وفي الآخرةِ من احتجابهم عن أبصارِهِم ونواظرِهِم. وكتبَ الأوزاعيَّ إلى أخ له: ((أما بعد: فإنَّه قدْ أحيطَ بك من كلِّ جانبٍ، (١) ((التخويف من النار)) (١٥٥ - ١٥٦). ٥٥١ سورة المطففين واعلمْ أنّه يسَارُ بك في كلِّ يومٍ وليلةٍ، فاحذرِ اللَّهَ والمقامَ بين يديه، وأن يكونَ آخرَ عهدكَ به السلامُ» . وكان عتبةُ الغلامُ يبكي بالليلِ ويقولُ: ((قطعَ ذكرُ العرضِ على اللَّهِ أوصالَ المحبينَ) ثم يحشرجُ البكاء حشرجةَ الموتِ ويقولُ: ((تراك مولاي تعذِّبُ محبَّك وأنتَ الحِيُّ الكريمُ) وباتَ ليلةً بالساحل قائمًا يردِّدُ هذه الكلمات لا يزيدُ عليها ويبكي حتى أصبح: ((إن تعذّبني فإِنِّي محبٌّ لكَ، وإن ترحمْني فإني محبٌّ لك)). وكان كهمسُ يقولُ في الليلِ : ((أتراكَ تعذُّبني وأنت قرةُ عيني يا حبيبَ قلبَاهُ» . وكان أبو سليمانَ يَبْكي ويقولُ: (لئنْ طالبني بذنوبي لأطالبنَّهُ بعفوِهِ، ولئنْ طالبَني ببخلي لأطالبنَّه بجودِهِ، ولئنْ أدخلنِي النارَ، لأخبرنَّ أهل النارِ أنَّى کنت أحبه)». ومما يخافُه العارفونَ فواتَ الرِّضا عنهم، وإن وجَدُوا العفوَ أو تركَ العقوبة، فإنَّ الرِّضا أحبُّ إليهم من نعيمِ الجنةِ كلِّه مع الإعراضِ وعدمِ التقريب والزُّلَفى، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيَِّةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] يعني: أكبرَ من نعيمِ الجنةِ. وفي ((الصحيح)) (١) عن النبيِّ بَّه قال: ((إنَّ اللَّهَ يقولُ لأهلِ الجنةِ: ألا أُعْطِيكُمْ أفْضَلَ من ذلكَ، قالوا: وما أفْضَلُ من ذلك؟ قال: أُحِلُّ عليْكُمْ رِضْواني فلا أَسْخطُ عليكم بعده أبدًا))(٢). (١) أخرجه: البخاري (١٤٢/٨)، وملم (١٤٤/٨). (٢) ((استنشاق نسيم الأنس)) (١٦٢ - ١٦٧) باختصار. ٥٥٢ سورة المطففين قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿خِتَمُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦) إِنَّ الْمُرادَ بالختامِ ما يَبْقى، في سُفْلِ الشرابِ منَ الثُّفْلِ، وهذا يدلُّ على أنَّ أنهارَها تجْرِي على المسْكِ، ولذلك يرسُبُ منه في الإناءِ في آخرِ الشَّرابِ، كما يرسُبُ الطَّيْنُ في آنيةِ الماءِ في الدُّنْيا(١) . (١) ((لطائف المعارف)) (٦٦). سُورَةُ الْبُرُوجِ ـ رو وو ٨٥٠٠ قوله تعالى: ﴿ وَشَاهدٍ وَمَشهودٍ﴾ يوم عرفة له فضائل متعددة: منها: أنه قد قيلَ: إنَّه الشَّفْعُ الذي أقسَمَ اللَّه به في كتابِهِ، وأَنَّ الوتْرَ يومُ النَّحْرِ، وقد رُوي هذا عن النبيِّ وَّ من حديث جابرٍ، خرَّجَهُ الإمامُ أحمدُ(١) والنسائيُّ في ((تفسيرِهِ)) وقيل: إنَّه الشاهدُ الذي أقسمَ اللَّهُ به، في كتابه، فقال تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج:٣] وفي ((المسندِ))(٢) عن أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا: ((الشَّاهدُ يومُ عَرَفَةَ، والمشهودُ: يومُ الجُمُعة)) وخرَّجه الترمذيّ(٣) مرفوعًا. ورُوي ذلك عن عليٌّ من قولِهِ. وخرَّجه الطبرانيُّ(٤) من حديثِ أبي مالكِ الأشعريِّ مرفوعًا: ((الشاهد: يومُ الجُمُعة، والمشهودُ: يومُ عرفَة)) وعلى هذا فإذا وقعَ يومُ عرفة في يومٍ جُمُعة فقد اجتمع في ذلك اليوم شاهدٌ ومشهودٌ(٥) . (١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٣٢٧/٣). (٢) ((المسند)» (٢٩٨/٢). (٣) ((الجامع)) (٣٣٣٦). (٤) أخرجه: الطبراني في ((الكبير)) (٢٩٨/٣). (٥) «لطائف المعارف)) (٤٨٧ - ٤٨٨) بتصرف. ٥٥٤ سورة البروج و قوله تعالى: ﴿الْوَدُودَ﴾ قال عليّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ في قولِهِ تعالى: ﴿الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] قال: يقولُ: ((الحبيبُ)). خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ في «تفسيرِه))، وفي حديثِ أبي جعفر الرازيِّ عن الربيعِ بنِ أنسٍ عن أبي العاليةَ أو غيرِه عن أبي هريرةَ في قصةِ الإسراءِ الطويلةِ في ذكرِ سدرة المنتهى، قال(١): ((فغشاها نورُ الخالقِ وغشيتها الملائكةُ مثلُ الغربانِ حينَ يقعْنَ على الشجرةِ من حبِّ اللَّه جلَّ ثناؤهُ). قال الجوزجانيَّ: حدثنا أبو صالح أنَّ معاويةَ حدَّثْه عن يزيد بن ميسرةَ أنه سمعَ أبا الدرداءِ يقولُ: لما أهبطَ اللَّهُ آدَمَ إلى الأرضِ قال له: ((يا آدمُ أحِبّني وحبِّبني إلى خلقِي ولا تَسْتَطِيعُ ذلك إلا بي ولكنِّي إذا رأيتُك حريصًا على ذلك أعنتُك عليه، فإذا فعلتَ ذلك فخُذْ به اللذةَ و النضرة وقرةَ العينِ والطمأنينة . قال خليدٌ العصريُّ: ((يا إخوتَاهُ، هلْ منكُم من أحدٍ لا يحبُّ أن يلَقى حبيبه؟ ألا فأحبُّوا ربَّكم عزَّ وجلَّ وسيرُوا إليه سيْرًا جميلاً لا مصعدًا ولا مميلاً)) . وخرَّج ابنُ أبي الدنيا من طريقِ ابن لهيعةَ حدَّثني عبدُ الحميدِ بنُ عبد الله و ابنِ إبراهيمَ القرشيَّ عن أبيه قالَ: لما نزلَ بالعباسِ بنِ عبدِ المطلبِ الموتُ قال لابنهِ عبدِ اللَّه: ((إنِّي موصيكَ بحبِّ اللَّهِ وحبِّ طاعتِهِ، وخوفِ اللَّهِ وخوف معصيته، وإنَّك إذا كنتَ كذلك لم تكره الموتَ متى أتاك)). قال أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ: حدثنا أبو صالح الخراسانيّ، قال: حدثنا (١) أخرجه: الطبري في ((التفسير)) (٦/١٥ - ١٠)، وهو جزء من أثرٍ طويل. ٥٥٥ سورة البروج إسحاقُ بنُ نجِيحٍ عن إسماعيلَ الكنديِّ قال: جاءَ رجلٌ من البصرةِ إلى طاووسَ ليسمعَ منه فوافاهُ مريضًا فجلسَ عند رأسِهِ يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: ((واللَّهِ ما أبْكي على قرابةٍ بيني وبينك ولا على دُنيا جئتُ أطلبُها منكَ، ولكنْ على العلمِ الذي جئتُ أطلبُهُ منكَ يفوتُني)) . قال له طاووسُ: ((إنِّي موصيكَ بثلاثِ كلماتٍ إِنْ حفظتَهُنَّ علمتَ علمَ الأولينَ، وعلمَ الآخرينَ، وعلمَ ما كانَ، وعلمَ ما يكونُ: خَفِ اللَّهَ حتى لا يكونَ عندكَ شيءٌ أخوفَ منه، وارْجُ اللَّهَ حتى لا يكونَ عندكَ شيءٌ أرجا منه، وأحبَّ اللَّهَ حتى لا يكونَ شيءٌ أحبَّ إليك منه))، فإذا فعلتَ ذلك علمتَ علمَ الأولين والآخرِينَ، وعلمَ ما كانَ وعلمَ ما يكون)) فقال: ((لا جرم لا سألتُ أحدًا بعدك عن شيءٍ بقيتُ). وعن إبراهيم بن الأشعث قال: ((سمعتُ الفضيلَ بنَ عياضٍ يقولُ: مرَّ عيسى عليه السلامُ بثلاثةٍ من الناسِ نحلتْ أجسامُهم وتغيرتْ ألوانُهم، فقال: ما الذي بلغَ بكُم ما أرى؟ قالوا: الخوفُ من النيرانِ. قال: مخلوقًا خِفْتُم وحقٌّ على اللَّهِ أن يؤمِّنَ الخائفَ، ثم جاوزَهُم إلى ثلاثةِ أُخر، فإذا هُم أشدُّ تغيراً وأنحلُ أجسامًا، فقال: ما الذي بلغَ بكُم ما أري؟ قالوا: الشوقُ إلى الجنَّةِ، قال: مخلوقًا اشتقْتُم وحقٌّ على اللَّهِ أن يعطيكم ما رجوتُم، ثم جاوزَهُم إلى ثلاثةِ أُخر فإذا هم أشدُّ تغيرًا وأنحل أجسامًا، كأنَّ على وجوهِهِم المرايا من النُّور، فقالَ: ما الذي بلغَ بكُم ما أرى؟ قالوا: حبُّ اللَّه عزَّ وجلَّ، قال: أنتم المقربونَ، أنتم المقرَّبونَ، أنتُم المقربون)). وروى إبراهيمُ بنُ الجنيدِ بإسنادِهِ عن كعبٍ قال: أوحى اللَّهُ إلى موسى ٥٥٦ سورة البروج عليه السلام: ((إن إبراهيم عليه السلامُ لم يحبّني أحدٌ من خلقي كحبِّه إياي)). ءِ وعن أبي حازمٍ القيساريِّ قال: مكتوبٌ في الإنجيلِ: ((يا عيسى، الحق والحقَّ أقولُ: إنِّي أحَبُّ إلى عبدِي من نفسِهِ التي بين جنبيه)). وعن ابنِ عيينةَ عن رجلٍ: عن يحيى بن أبي كثيرِ اليمانيِّ، قال: نظرنا فلم نجدْ شيئًا يتلذذُ به المتلذذون أفضلَ من حِّ اللَّه عزَّ وجلَّ وطلبٍ مرضاته . وعن سعيد بن عامرٍ عن محمدِ بنِ ليثٍ عن بعضِ أصحابِهِ قال: كان حكيمُ بنُ حزامٍ يطوفُ بالبيتِ ويقولُ: لا إله إلا اللَّهِ، نعم الربُّ ونِعُمَ الإِلهُ، أحبه وأخشاه. وعن بكرِ المزنيِّ قال: ما فاقَ أبو بكرٍ أصحابَ محمدٍ بَّه بصومٍ ولا صلاة، ولكنْ بشيءٍ وقرَ في قلبِهِ. قال إبراهيمُ: بلغني عن ابنِ عُليّة أنه قال: في عقيبِ هذا الحديثِ: الذي كان في قلبِهِ الحبُّ للَّهِ عزَّ وجلَّ، والنصيحةُ في خلقِهِ. قال ابنُ أبي الدنيا حدَّنا هارونُ بن سفيانَ حدَّثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ أخبرني بعضُ أهلِ البصرةِ، قال: لَّا استَقضى سوَارٌ بالبصرة، كتبَ إليه أخٌ له كان يطلبُ العلمَ معه وكان ببعضِ الثغورِ: ((أمَّا بعدُ، أوصيك بتقوى الله الذي جعلَ التقوى عِوَضًا من كلِّ فائتٍ منَ الدنيا، ولم يجعلْ شيئًا من الدنيا يكونُ عوَضًا من التَّقوى، فإنَّ التقوى عقدةُ كلِّ عاقلٍ مستبصرٍ، إليها يستروحُ، وبها يستنُّ، ولم يظفرْ أحدٌ في عاجلِ هذه الدنيا وآجلِ الآخرِةِ بمثلٍ ما ظفرَ به أولياءُ اللَّه الذين شربُوا بكأس حبِّه، فكانتْ قرةَ أعينهم فيه، ٥٥٧ سورة البروج ولكنهم أعملُوا أنفسهم في جسيمِ الأدبِ وأراضوها رياضةَ الأصحاب الصادقينَ، فطلَّقُوها عن فضولِ الشهواتِ وألزمُوها القوتَ المقلق، وجعلُوا الجوع والعطشَ شِعارًا لها برهةً من الزمان، حتى انقادتْ وأذعنتْ وعزفتْ لهم عن فضولِ الحطامِ، فلمَّا ظعنَ حبُّ فضولِ الدنيا من قلوبهم، وزايلتها أهواءُهم وانقعطتْ أمانيهم وصارتِ الآخرةُ نصبَ أعينهم ومنتهى أملِهم، ورَّثَ اللُّه قلوبَهم نورَ الحكمة، وقلَّدها قلائدَ العصمةِ، وجعلَهم دعاةً لمعالمِ الدين يلمُّون منه الشعثَ، ويشعبون منه الصدعَ. لم يلبثُوا إلا يسيراً حتَّى جاءهم من اللَّهِ موعدٌ صادقٌ اختصَّ به العاملينَ له، والعاملينَ به دونَ من سواهم ، فإذا سرَّك أن تسمعَ صفةَ الأبرارِ الأتقياءِ، فصفةُ هؤلاءِ فاستمِعْ، وشمائلَهُم الطيبةَ فاتبعْ، وإياكَ يا سوارُ وبنياتِ الطريقِ والسلامُ)). وخرَّج أبو نعيمٍ بإسنادِهِ عن الربيعِ بنِ برةَ عن الحسنِ في قولهِ تعالى: ﴿یَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] قال: ((النفسُ المؤمنة اطمأنَّتْ إلى اللّه واطمأنَّ إليها، وأحبَّتْ لقاءَ اللَّه، وأحبَّ لقاءهَا، ورضيتْ عن اللَّهِ ورضي عنها، فأمرَ بقبضِ رُوحِهَا، فغفرَ لها وأدخلها الجنةَ، وجعلها من عباده الصالحين)). وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن مسمعِ بنِ عاصمٍ عن نعيمٍ بنِ صبيحٍ السعديِّ قال: ((هممُ الأبرارِ متصلةٌ بمحبةِ الرحمنِ، وقلوبُهم تنظرُ إلى مواضعِ العزِّ من الآخرةِ بنورِ أبصارِهم)). وقال مسمعٌ: سمعتُ عابدًا من أهلِ البحرينِ يقول في جوفِ الليل: ((قرةَ عيني وسرورَ قلبي، ما الذي أسقطنِي من عينِكَ يا مانحَ العصمِ، ثم صرخَ وبكى، ثمَّ نادَى: طوبى لقلوب ملأتْهَا خشيتُكَ، واستولتْ عليها محبّئُكَ، فمحبتُكَ مانعةٌ لها من كُلِّ لذَّةَ غيرَ مناجاتِكَ، والاجتهادِ في خدمتكَ، ٥٥٨ سورة البروج وخشيتُك قاطعةٌ لها عن سبيل كُلِّ معصيةٍ خوفًا لحلول سخطكَ، ثم بكى وقال: يا إخوتاهُ، ابكوا على فوت خير الآخرةِ، حيث لا رجعةً ولا حيلة. وبإسناده عن أيوبَ بن حوطِ عن قتادةَ قال: كان في حضرةٍ عتتْ، شيخٌ يقال له: سوادُ بنُ محمدٍ كان لا يقدر أن يسمعَ القرآنَ من شدةِ خوفه وكان يقولُ: سيدُ الأعمالِ التقوى. ثم البذلُ، ثم بعدَ البذلِ الشكرُ، ثم بعدَ الشكرِ الرِّضا، ثم بعدَ الرِّضا التعظيمُ، ثم بعد التعظيم الحبُّ للَّه والإجلالُ له)). ومعنى هذا أن درجة الحبِّ المستحبةَ التي ذكرناها في أوَّلِ الكتابِ متأخرةٌ عن درجةِ الشكرِ والرِّضا والتعظيمِ والبذلِ. أما الواجبةُ فإنها تدخلُ في التقوى كما سبقَ بيانُه(١). (١) ((استنشاق نسيم الأنس)) (١٧٩ - ١٨٥). و روُ سُورَةُ الْفَجْرِ قوله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ في حديثِ ابنِ عُمَرَ المرفوعِ: ((ما مِنْ أيامٍ أعظمُ عندَ اللَّهِ ولا أحبُّ إليه العمَلُ فيهنَّ من هذه الأيامِ العَشْرِ))(١) وفي ((صحيح ابن حبان))(٢) عن جابرِ عن النبيِّ وَّ قال: «ما مِنْ أيامٍ أفضلُ عندَ اللَّهِ من أيامٍ عشْرِ ذي الحجَّةِ))، ورويناه من وَجه آخرَ بزيادةٍ، وهي: ((ولا لياليَ أفْضَلُ من لياليهنَّ)، قيل: يا رسول الله، هُنَّ أفضْلُ منَ عِدتهنَّ جهاداً في سبيل اللَّه؟ قال: ((هُنَّ أفضلُ من عِدتهنَّ جهاداً في سبيلِ اللَّهِ، إلا من عُقِّرَ وجهُهُ تعْفيرًا، وما منْ يَومٍ أفضلُ من يومٍ عرفة)) خرّجه الحافظُ أبو موسى المدينيُّ منْ جهةِ أبي نُعيمِ الحافظِ بالإسنادِ الذي خرَّجه به ابنُ حبَّانَ. وخرَّجه البزار(٣) وغيرُهُ من حديث جابرٍ أيضًا عن النبيِّمَِّ، قال: (أفضَلُ أيامِ الدنيا أيامُ العشْرِ))، قالُوا: يا رسول اللَّه، ولا مثلُهُنَّ في سبيلِ اللَّه؟ قال: ((ولا مثْلُهُنَّ في سبيلِ اللَّهِ، إلا مَنْ عُفِّرَ وجهُهُ بالترابِ)). ورُوي مرْسَلاً وقيل: إِنَّه أصحُّ، وقد سبق ما رُوي عن ابنٍ عُمرَ: قال: ليس يومٌ أعْظمُ عندَ اللَّهِ من يومِ الجمعة، ليْسَ العشْرَ، وهو يدلُّ على أنَّ أيامَ العشْرِ أفضَلُ من يومٍ الجُمُعة الذي هو أفضَلُ الأيامِ. (١) أخرجه: أحمد (٧٥/٢، ١٣١). (٢) أخرجه: ابن حبان (٣٨٥٣). (٣) (١١٢٨ - كشف الأستار). ٥٦٠ سورة الفجر وقال سهيلُ بنُ أبي صالحٍ، عن أبيه، عن كعبٍ، قال: اختارَ اللَّهُ الزمانَ، فأحبُّ الزَّمان إلى اللَّه الشهرُ الحرامُ، وأحبُّ الأشهرِ الحُرُمِ إلى اللَّهِ ذو الحجَّةِ، وأحبُّ ذي الحجَّةَ إلى اللَّه العشرُ الأُوَّلِ. ورواه بعضُهم عن سُهِيلٍ عن أبيه، عن أبي هريرة، ورفعه، ولا يصحُّ ذلك، وقال مسروقٌ في قولهِ تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:٢]: هي أفضلُ أَيَّامِ السَّنَةِ. خرَّجه عبدُ الرزاق(١) وغيرُهُ، وأيضًا فأيَّامُ هذا العشْرِ يشْتملُ على يوم عرفة. وقد رُوي أنه أفضَلُ أَيَّامِ الدنيا، كما جاء في حديثِ جابرِ الذي ذكرناه وفيه: ((يومُ النَّحْر)). وفي حديثِ عبدِ اللَّه بنِ قُرْطٍ، عن النبيِّ بَّهِ، أنه قال: ((أعظمُ الأيامِ عندَ اللَّه يومُ النَّحْرِ، ثمَّ يومُ القَرِّ). خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود وغيرُهما(٢)، وهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ عشْرَ ذي الحجَّةِ أفْضلُ من غيرِهِ من الأيَّامِ منْ غيرِ اسْتثناءِ، هذا في أیامِهِ . فأمَّا لياليه فمنَ المتأخِّرِينَ منْ زعمَ أنَّ ليالي عشْرِ رمضانَ أفضلُ منْ لياليه، لاشْتمالِهَا على ليلة القدرِ، وهذا بعيدٌ جدًّا. ولو صحَّ حديثُ أبي هريرة: ((قيامُ كلِّ ليلةٍ منها بقيامٍ ليلة القدر)) لكان صريحًا في تفضيلٍ لياليه على ليالي عشْرِ رمضانَ، فإنَّ عشْرَ رمضانَ فُصِّلَ بليلة واحدة فيه، وهذا جميعُ لياليه متساويةٌ لها في القيام على هذا الحديثِ. ولكنَّ حديثَ جابرِ الذي خرَّجه أبو موسى صريحٌ في تفضيلِ لياليه كتفضيلِ أيَّامِهِ أيضًا، والأيَّامُ إذا أُطلقَتْ دخلتْ فيها الليالي تبعًا، وكذلك الليالي تدخَلَ (١) ((المصنف)) (٣٧٦/٤). (٢) ((المسند)» (٣٥٠/٤)، وأبو داود (١٧٦٥)، وابن خزيمة (٢٨٦٦، ٢٩١٧، ٢٩٦٦)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) (١٩٧٧).