Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
سورة القيامة
اللَّه في موضعه.
وقيل: هو إشارةٌ إلى أنَّ دخولَ الجنةِ إنَّما يحصلُ بالصلاةِ مع الإيمانِ، فمنْ
لا يصلّي فليس بمسلم، ولا يدخلُ الجنةَ بلْ هو من أهل النارِ، ولهذا قال
قَالُوا لِمْ نَكُ مِنَ
٤٢
أهلُ النارِ لما قيل لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ
الْمُصَلّينَ﴾ [المدثر: ٤٢، ٤٣].
ويظهرُ وجْهٌ آخرُ في ذلك، وهو: أنّ أعْلى أهلِ الجنَّة منزلةً من ينظر في
وجْهِ اللَّه عزَّ وجلَّ مرتين بُكْرة وعشيا، وعُمُومُ أهلِ الجنَّة يرونه في كلِّ جمعةٍ
في يومِ المزيدِ، والمحافظةُ على هاتين الصلاتينِ على ميقاتِهِمَا ووضوئِهِمَا
وخشوعهما وآدابهما يُرجى به أن يوجبَ النظرَ إلى اللَّه عزَّ وجلَّ في الجنَّة في
هذین الوقتین.
ويدلُّ على هذا ما رَوَى ثُوَيْرُ بنُ أبي فاختَة، قال: سمعتُ ابنَ عمرَ،
يقول: قالَ رسولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((إنَّ أدنى أهلِ الجنَّة منزلةً لمنْ ينظرُ إلى جنانه وأزْواجه
ونعيمه وخدَمه وسرُره مسيرةَ ألفَ سنة، وأَكْرَمُهُمْ على اللَّه منْ ينظرُ إلى وجهه غدْوَةً
وعشيا)) ثم قرأ رسولُ اللّهِ وَلَهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿﴿ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ﴾
[القيامة: ٢٢، ٢٣].
خرَّجه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ(١) وهذا لفظُهُ. وخرَّجه - أيضًا - موقوفًا
على ابنِ عمرَ. وتُوَيْرٌ فيه ضعفٌ.
وقد رُوي هذا المعنى من حديث أبي بَرْزة الأسلميِّ مرفوعًا - أيضًا - وفي
إسناده ضعفٌ.
٠٠
(١) أخرجه: أحمد (١٣/٢ - ٦٤)، والترمذي (٢٥٥٣ - ٣٣٣٠).

٥٢٢
سورة القيامة
وقاله غيرُ واحد من السَّلْف منهم: عبْدُ اللَّه بنُ بُريدةَ وغيرُه.
فالمحافظةُ على هاتين الصلاتينِ تكون سببًا لرؤية اللَّه في الجنَّةِ في مثلِ
هذين الوقتين، كما أنَّ المحافظةَ على الجمعةِ سببٌ لرؤية اللَّه في يومِ المزيدِ
في الجنَّة، كما قال ابن مسعود: سارعُوا إلى الجُمُعات؛ فإنَّ اللَّه يبرز لأهل
الجنَّة في كلِّ جمعةٍ على كثيبٍ من كافورٍ أبيضَ، فيكونونَ منه في الدنو على
قدْرِ تبكيرهم إلى الجُمُعَاتِ.
ورُوي عنه مرْفُوعًا. خرَّجه ابنُ ماجه(١).
ورُوي عن ابن عباسٍ، قال: مَنْ دخلَ الجنةَ من أهلِ القُرى لم ينظر إلى
وجْهُ اللَّه؛ لأنَّهم لا يشهدون الجمعة.
خرَّجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب ((الشافي)) بإسناد ضعيف.
وقد رُوي من حديث أنس مرفوعًا: ((إنَّ النساءَ يرِيْنَ ربّهنَّ في الجنّة في يومي
العیدین)).
والمعنى في ذلك: أنّهنَّ كُنَّ يشاركن الرجال في شهود العيدين دون
الجُمع.
وقولُه: ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٩]
الظاهر أن القارئ لذلكَ هو النبيُّ ◌َد.
وقد رُوي من روايةٍ زيدٍ بن أبي أُنَيْسة، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن
جريرِ البَجَلي في هذا الحديثِ: ثم قرأ رسولُ اللَّهُ وَّهِ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾
الآية.
(١) ((السنن)) (١٠٩٤).

٥٢٣
سورة القيامة
خرَّجِه أبو إسماعيلَ الأنصاريَّ في كتابِ ((الفاروقٍ)).
وقد قيل: إنَّ هذه الكلمةَ مدرجةٌ، وإنَّما القارئُ هو جرير بن عبد الله
البَجَلي .
وقد خرَّجه مسلمٌ في ((صحيحِهِ)) (١) عن أبي خيثمة، عن مروان بن معاوية
فذكر الحديثَ، وقال في آخره: ثم قرأ جريرٌ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعٍ
الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩].
وكذا رواه عَمْرُو بنُ زُرارة وغيرُهُ، عن مروان بن معاويةً، وأدرجه عنه
آخرون (٢) .
(٢٨٦) (١١٣/٢ - ١١٤).
(٢) ((فتح الباري)) (١٣٣/٣ - ١٣٨).

ورو
سُورَةَ الإنْسَان
قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾
قال اللَّه عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] وفسر
13
طائفةٌ من السَّلَفِ أمشاجَ النُّطفةِ بالعُرُوقِ التي فيها. قال ابنُ مسعود:
أمشاجُها: عروقُها(١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيرًا﴾
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان: ٤]،
وقال اللَّهُ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ:٣٣]، وقال اللَّهُ
فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ
VI
تعالى: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ ﴿
يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١، ٧٢]، وقال: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴿٠﴾ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴿﴿؛ ثُمَّ
فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠ - ٣٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا
أَنْكَالاً وَجَحِيمًا ﴿١٢﴾ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١٣،١٢].
وقرأ ابنُ عباسٍ: ((وَالسلاسِلَ يُسْحَبُونَ) بنصب السلاسل وفتحِ ياءِ
يسحبونَ، قال: هو أشدُّ عليهم هم يسحبون السلاسلَ. خرَّجه ابنُ أبي
حاتم .
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (١٤٢/١).

٥٢٥
سورة الإنسان
فهذه ثلاثةُ أنواعٍ:
أحدها: الأغلالُ: وهي في الأعناقِ، كما ذكر سبحانه.
قال الحسنُ بنُ صالح: الغلُّ تغلُّ اليدُ الواحدةُ إلى العنق، والصفدُ: اليدان
جميعًا إلى العنقِ. خرجه ابنُ أبي الدنيا.
وقال أسباط عن السُّديِّ: الأصفادُ تجمعُ اليدينِ إلى العنق.
وقال معمرٌ عن قتادةَ في قوله: ﴿مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ [إبراهيم: ٤٩]، قال:
مقرنين في القيودِ والأغلالِ .
قال عيينةُ بنُ الغصنِ عن الحسنِ: إنَّ الأغلالِ لم تُجعلْ في أعناقِ أهلِ
النارِ لأنَّهم أعجزُوا الربَّ عزَّ وجلَّ، ولكنها إذا طُفِيءَ بهم اللهبُ أرستُهُم،
قال: ثم خرَّ الحسنُ مغشيًّا عليه.
وقال سيَّارُ بنُ حاتم: حدثنا مسكينُ عن حوشبِ عن الحسنِ أنه ذكرَ النارَ
فقالَ: لو أنَّ غلاً منها وُضِعَ على الجبالِ لقصمَهَا إلى الماءِ الأسودِ، ولو أنَّ
ذراعًا من السلسلة وُضِعَ على جبلٍ لرضَّه.
ورَوى ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادِهِ عن موسى بنِ أبي عائشةَ أنَّه قرأ قولَهُ تعالى:
﴿ أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤]، قال: تشدُّ أيديهم
بالأغلالِ في النارِ، فيستقبلونَ العذابَ بوجوهِهِم قد شدتْ أيدِيهم، فلا
يقدرون على أن يتَّقوا بها، كلما جاء نوعٌ من العذابِ يستقبلونَ بوجوهِهِم.
وبإسنادِهِ عن فيضِ بنِ إسحاقَ عن فضيلِ بنِ عياضٍ : إذا قال الربُّ تباركَ
وتعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] تبدَّرَهُ سبعون ألف ملكِ كلُّهم يتبدرُ أيهم
يجعلُ الغلَّ في عنقِهِ .

٥٢٦
سورة الإنسان
النوع الثاني: الأنكالُ: وهي القيودُ، قال مجاهدٌ والحسنُ وعكرمةُ وغيرُهم،
قال: الحسنُ: قيودٌ من نارٍ، قال أبو عمرانَ الجونيُّ: قيودٌ لا تحلُّ واللَّه أبدًا،
وواحدُ الأنكال: نكلٌ، وسميت القيودُ أنكالاً لأنه ينكلُ بها، أي يمنعُ.
وروى أبو سنانَ عن الحسنِ: أما وعزَّتِهِ ما قيدَهُم مخافةَ أن يعجزُوه،
ولكن قيدَهُم لترسَى في النارِ.
وقال الأعمشُ: الصفدُ: القيودُ، وقولُهُ تعالى: ﴿مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾
[إبراهيم: ٤٩] القيودُ، وقد سبقَ عن أبي صالحٍ قولُهُ: ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾
[الهمزة: ٩]، قال: القيودُ الطوالُ.
النوع الثالثُ: السلاسلُ: خرجَ الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ من طريقِ أبي السمحِ
عن عيسى بنِ هلالِ الصدفيِّ عن عبد الله بن عمرو، قال: قالَ رسولُ اللَّه
وَه : ( لو أنَّ رصاصةً مثلَ هذه - وأشار إلى مثل الجمجمةِ - أُرْسِلت من السماء
إلى الأرضِ وهي مسيرةُ خمسمائةٍ عامٍ لبلغتِ الأرض قبل الليلِ، ولو أنَّها أُرْسلتْ من
رأسِ السلسلةِ لسارتْ أربعينَ خرِيفًا الليلَ والنهارَ قبل أن تبلغَ أصولَها)» غريبٌ، وفي
رفعه نظرٌ، والله أعلم.
٠٠
وفي حديثٍ عديٌّ الكنديِّ عن عمرَ أنَّ جبريلَ قال للنبيِّ وَّ: (لو أن حلقةً
من سلسلةِ أهلِ النارِ التي نعتَ اللَّهُ في كتابهِ وُضعَتْ على جبال الدنيا لانقضتْ ولم
يردَّها شيءٌ حتى تنتهي إلى الأرضِ السابعةِ السفلى)) خرَّجه الطبرانيُّ، وسبق الكلامُ
على إسناده.
وروى سفيانُ عن بشيرٍ عن نوف الشامي في قولِهِ تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ
ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢]، قال: إن الذراعَ سبعونَ باعًا، والباعُ

٥٢٧
سورة الإنسان
من هاهنا إلى مكة ! - وهو يومئذ بالكوفةِ .
وقال ابنُ المبارك: أنبأنا بكَّارُ عن عبدِ اللَّه سمعَ ابنَ أبي مليكةَ يحدِّثُ أنَّ
كعبًا قال: إنَّ حلقة من السلسلة التي قال اللَّهُ: ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾
[الحاقة: ٣٢]: إن حلقةً منها أكثرُ من حديد الدُّنْيا.
وقال ابنُ جريجٍ في قولِهِ: ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ قال: بذراعِ الملكِ.
وقال ابنُ المنكدرِ: لو جُمعَ حديدُ الدنيا كلُّه ما خلا منها وما بقي ما عدلَ
حلقةً من الحلقِ التي ذكرَ اللَّهُ في كتابِهِ تعالى فقال: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ
ذِرَاعًا﴾ أخرجه أبو نعيم.
قال ابنُ المباركِ عن سفيانَ في قوله: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ قال: بلَغنا أنها تدخلُ
في دبره حتى تخرج منه.
وقال ابنُ جريجٍ: قال ابنُ عباسٍ : السلسلةُ تدخلُ في إستِهِ ثمّ تَخرجُ من
فِيه، ثم يُنْظمونَ فيها كما ينظمُ الجرادُ في العودِ حتَّى يُشْوَى. خرَّجه ابنُ أبي
حاتم. وخرَّجه أيضًا من روايةِ العوفيِّ عن ابن عباسٍ، قال: تسلكُ في دُبُرِهِ
حتَّى تخرج من منخريهِ حتى لا يقوم على رجليه.
وخرَّج ابنُ أبي الدنيا من طريقِ خلفِ بنِ خليفةَ عن أبي هاشمٍ قال:
يجعلُ لهم أوتادٌ في جهنّم فيها سلاسلٌ فتلقَى في أعناقِهِم، فتزفرُ جهنّمُ زفرةً
فتذهبُ بهم مسيرة خمسمائة سنةٍ، ثم تجيءُ بهم في يومٍ، فذلك قوله:
﴿وَإِنَّ يَوْمَّا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧].
ومن طريقِ أشعثَ عن جعفرٍ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: لو انفلتَ رجلٌ
من أهلِ النارِ بسلسلةٍ لزالت الجبالُ.

٥٢٨
سورة الإنسان
وقال جويبرٌ عن الضحاكِ في قوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾
[الرحمن: ٤١]، قال: يجمعُ بين ناصيتِهِ وقدميهِ في سلسلةٍ من وراء ظهره.
وقال السديَّ في هذه الآيةِ: يجمعُ بين ناصيةِ الكافرِ وقدميه ، فتربطُ
ناصيتُهُ بقدمِهِ وظهره ويقتلُ.
وذكر الأعمشُ عن مجاهدٍ عن ابنِ عباسٍ، قال: يؤخذَ بناصيته وقدميه
ويكسر ظهرُهُ، كما يكسرُ الحطبُ في التنورِ .
وقال سيارُ بنُ حاتمٍ: حدثنا مسكينُ عنْ حوشبٍ عن الحسنِ، قال: إنّ
جهنمَ ليَغلي عليها من الدهرِ إلى يومِ القيامةِ يُحمى طعامُها وشرابُها
وأغلالُها، ولو أنَّ غلاًّ منها وُضِعَ على الجبالِ لقصَمَهَا إلى الماء الأسودِ، ولو
أنَّ ذراعًا من السلسلةِ وضعَ على جبلٍ لرضَّه، ولو أنَّ جبلاً كان بينه وبين
عذاب الله عزَّ وجلَّ مسيرةَ خمسمائة عامٍ لذابَ ذلك الجبلُ، وإنَّهم ليُجمعونَ
في السلسلةِ من آخرِهِم فتأكلُهُم النارُ وتبقى الأرواحُ.
ورواه ابنُ أبي الدنيا عن عبدِ الله بن عمرَ الجشميِّ، عن المنهال بن عيسى
العبديِّ، عن حوشبٍ، عن الحسنٍ، عن النبيِّ وََّ فذكرَهُ بمعناهُ، وزادَ في
آخرِهِ: ((تبقى الأرواحُ في الحناجرِ تصرخُ) والموقوفُ أشبهُ.
وقال عبدُ الله بنُ الإمامِ أحمدَ: أخبرت عن سيَّرِ عن ابنِ المعزِّي - وكان
من خيارِ الناسِ. قال: بلغني أنَّ الأبدانَ تذهبُ وتبقى الأرواحُ في السلاسلِ .
وخرَّج الطبرانيُّ(١) وابنُ أبي حاتمٍ من طريقِ منصورِ بنِ عمار، حدثنا بشيرُ
ابنُ طلحةَ، عن خالد بن الدريكِ، عن يعْلَى بنِ منيةَ رفعَ الحديثَ إلى النبيِّ
(٢٨٧) ((المعجم الأوسط)) (٤١٠٣).

٥٢٩
سورة الإنسان
وَله قال: ((ينشيءُ اللَّهُ سبحانه لأهل النارِ سحابة سوداءَ مظلمةً، فيقالُ: يا أهلَ النار،
أيّ شيءٍ تطلبون؟ فيذكرون بها سحابة الدنيا، فيقولون: يا ربَّنا الشرابُ، فتمطرُهم
أغلالاً تزيدُ في أغلالهم، وسلاسلَ تزيدُ في سلاسلهم، وجمراً يلتهبُ عليهم)) .
وخرَّجه ابنُ أبي الدنيا موقوفًا لم يرفعُهُ.
ورَوى أبو جعفر الرازيَّ عن الربيعِ بنِ أنسٍ عن أبي العاليةَ وغيرُه عن أبي
هريرة، فذكرَ قصةَ الإسراء بطولها وفيها قال: ((ثم أتى على وادٍ - يعني النبي
وَلَّه - فسمعَ صوتًا منكراً ووجدَ ريحًا منتنةً، فقال: ما هذا يا جبريلُ؟» فقال: هذا
صوتُ جهتَّم تقولُ: ربِّ آتني ما وعدتني، فقدْ كثُرَتْ سلاسلي وأغلالي وسعيري
ءِ
وحميمي وغساقي وعذابي، وقد برد قعري واشتدّ حرّي فآتني ما وعدتني، قال: لكِ كلّ
مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم
الحساب))(١) .
قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ
لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾
قال بعضُ السلف: إنَّ اللَّه تعالى وصفَ الجنَّة بصفةِ الصَّيف لا بصفة
الشتاءِ، فقال تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ { وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ﴿ وَظِلَّ مَّمْدُودٍ
وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ ﴿﴿٢﴾ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴾ [الواقعة: ٢٨ - ٣٢]. وقد قال اللَّهُ تعالى
٣٠١
في صفةِ أهل الجنة: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾
[الإنسان: ١٣] فَنفَى عنهم شدة الحرِّ والبرْدِ. قال قتادةُ: عِلمَ اللَّهُ أنَّ شدَّةَ الحرِّ
(١) ((التخويف من النار)) (٩٧ - ١٠٢).

٥٣٠
سورة الإنسان
تؤذي، وشدة البردِ تؤذي، فوقاهم أذاهما جميعًا(١).
جاء في حديث مرفوعٍ: ((إنَّ زمهريرَ جهنَّمَ بيت يتميزُ فيه الكافرُ من برده))
يعني: يتقطع ويتمزعُ.
ورَوَى ابنُ أبي الدنيا من طريقِ الأعمشِ عن مجاهدٍ، قال: إنَّ في النارِ
لزمهريراً يغلونَ فيه فيهربون منها إلى ذلك الزمهريرِ، فإذا وقعوا فيه حطمَ
عظامَهم حتى يُسمعَ لها نقيضٌ.
وعن ليث عن مجاهد، قالَ: الزمهريرُ الذي لا يستطيعون أن يذوقُوه من
برده .
٠٠
وعن قابوسِ بنِ أبي ظبيانَ عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: يستغيثُ أهلُ
النارِ من الحرِّ فيغوثونَ بريحٍ باردةٍ يصدعُ العظامَ بردُها فيسألون الحرّ.
وعن عبدِ اللهِ بنِ عميرٍ، قالَ: بلغني أنَّ أهلَ النارِ يسألون خازنَها أن
يخرجَهُم إلى جانبِهَا، فيخرجُهم فيقتلَهُم البردُ والزمهريرُ حتى يرجعُوا إليها
فيدخلوها مما وجدوا من البردِ .
وروى أبو نعيمٍ بإسنادِهِ عن ابنِ عباسِ أنَّ كعبًا قال: إنَّ في جهنّم بردًا هو
الزمهريرُ يسقطُ اللحمَ حتى يستغيثُوا بحرِّ جهَّمَ.
ورُويَ عن ابنِ مسعودٍ قال: الزمهريرُ: لونٌ من العذابِ.
وعن عكرمةً، قال: هو البردُ الشديدُ.
(١) ((لطائف المعارف)) (٥٦٥).

٥٣١
سورة الإنسان
ورُويَ عن زبيدِ الياميِّ أنه قامَ ليلةً للتهجدِ فعمدَ إلى مطهرةٍ له قد كان
يتوضأ فيها، فغسلَ يده ثم أدخلها في المطهرةِ، فوجدَ الماءَ الذي فيها باردًا
بردًا شديدًا، قد كاد أن يجمد، فذكرَ الزمهريرَ ويدَه في المطهرةِ، فلم يخرج
يدَهُ من المطهرةِ حتى أصبحَ فجاءتْهُ الجاريةُ وهو على تلك الحالِ، فقالتْ: ما
شأنُكَ يا سيِّدِي لم تصلِّ الليلةَ كما كنتَ تصلِّي، قال: ويحكِ إني أدخلتُ
يدي في هذه المطهرةِ فاشتدَّ عليَّ بردُ الماءِ فذكرتُ به الزمهريرَ، فوالله ما
شعرتُ بشدةِ بردِهِ حتَّى وقفتٍ عليَّ، انظري لا تخبري بهذا أحدًا ما دمتُ
حيًّا، فما علمَ بذلك أحدٌ حتى مات رحمه اللَّه(١).
(١) ((التخويف من النار)) (٧٣ - ٧٤).

سُورَةُ المُرْسَلات
سور
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ
أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا
کفاتا
أي: نكفتُهم ونضمَّهم ونجمعُهم وهم أحياءٌ على ظهرِها، وإذا ماتُوا ففي
بطنها (١) .
(١) ((فتح الباري)) (١١٧/٥).

ورو سكر
سورة النبأ
K
قوله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا
جَزَاءً وَفَاقًا ﴾
٢٥ x
٢٤
إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا
١
وروي عن ابنِ عباسٍ، قالَ: يستغيثُ أهلُ النارِ من الحَرُّ فيُغاثون بريحِ
باردةٍ يُصَدِّعُ العِظامَ بَرْدُها، فيسألون الحَرَّ. وعن مجاهد، قال: يهربون إلى
الزمهريرِ، فإذا وقعُوا فيه حطّمَ عِظامهم حتى يُسمع لها نَقيضٌ، وعن كعْبٍ،
قال: إنَّ في جهنَّم بردًا هو الزَّمهريرُ، يُسقِطُ اللحمَ حتى يستغيثوا بِحَرِّ
جهنّم .
وعن عبدِ الملكِ بنِ عُميرٍ، قال: بلغني أنَّ أهلَ النارِ سألوا خازنَها أن
يخرجَهُم إلى جانبها فأُخْرِجوا فقتلَهُمُ البَرْدُ والزمهريرُ، حتى رجعُوا إليها
فدخلُوها ممّا وجدُوا من البَرْد، وقد قال الله عزَّ وجلّ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا
جَزَاءً وَفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٤ -٢٦]، وقال اللَّه
وَلَا شَرَابًا ﴿٤﴾ إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَاقًا
تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص: ٥٧].
قال ابنُ عباسٍ: الغسَّاقُ: الزَّمْهريرُ البارِدُ الذي يُحرِقُ من بَرْدِه. وقال
مجاهدٌ: هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من بردِهِ. وقيلَ: إنَّ الغسَّاقَ الباردُ
المنتنُ؛ أجارنا اللَّهُ تعالى من جهنّم بفضله وكرمه(١).
(١) ((لطائف المعارف)) (٥٦٨).

٥٣٤
سورة النبا*
اعلم أن تفاوتَ أهلِ النارِ في العذابِ هو بحسبِ تفاوتِ أعمالِهِم التي
دخلُوا بها النارَ، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢]،
وقال تعالى: ﴿جَزَاءٌ وِفَاقًا﴾ [النباء: ٢٦]، قال ابنُ عباسٍ: وافقَ أعمالَهُم، فليسَ
عقابُ من تغلظ كفرُهُ وأفسدَ في الأرضِ ودعا إلى الكفرِ كمن ليس كذلك.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا
كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨].
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
وكذلك تفاوتُ عذابِ عصاةِ الموحدينَ في النارِ بحسبِ أعمالِهِم، فليس
عقوبةُ أهلِ الكبائرِ كعقوبةِ أصحابِ الصغائرِ، وقد يخفف عن بعضِهِم
العذابُ بحسناتٍ أُخرَ له أو بما شاءَ اللَّهُ من الأسبابِ، ولهذا يموتُ بعضُهم
في النارِ، كما سيأتي ذكرُهُ فيما بعدُ، إن شاء الله تعالى.
وأما الكفار إذا كانَ لهم حسناتٌ في الدنيا من العدلِ والإحسانِ إلى الخلقِ
فهل يخففُ عنهم بذلكَ من العذابِ في النارِ أم لا؟
هذا فيه قولان للسلفِ وغيرِهم: أحدُهُما: أنه يخففُ عنهم بذلك أيضًا،
ورَوى ابنُ لهيعةَ عن عطاءِ بنِ دينارٍ عن سعيد بن جبيرٍ معنى هذا القول،
واختارَهُ ابنُ جريرِ الطبريُّ وغيرُهُ.
وروى الأسودُ بنُ شيبانَ عن أبي نوفلِ قال: قالتْ عائشةُ: يا رسول اللَّه
أينَ عبدُ اللَّهِ بنُ جدعان؟ قال: ((في النار)) فجزعتْ عائشةُ واشتدَّ عليها، فلمَّا
رأى رسولُ اللَّهُ وَِّ ذلك قال: ((يا عائشةُ ما يشتدُّ عليك من هذا؟)) قالت: بأبي
أنتَ وأمِّي يا رسولَ الله، إنه كان يطعمُ الطعامَ ويصلُ الرَّحمَ، قال: ((إنه يهونُ

٥٣٥
سورة النبا*
عليه بما قلتِ)) خرَّجه الخرائطيُّ في كتابِ ((مكارمِ الأخلاقِ)) وهو مرسلٌ.
وروى عامرُ بنُ مدركِ الحارثيُّ عن عتبةَ بنِ اليقظانَ عن قيسِ بنِ مسلمٍ،
عن طارقِ بنِ شهابٍ، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قالَ رسولُ اللَّهِ وَلَه: ((ما
أحسنَ من محسنٍ كافرِ أو مسلمٍ، إلا أثابَهُ اللَّه عزَّ وجلَّ في عاجلِ الدنيا أو ادخرَ له في
الآخرة)) قلنا: يا رسول اللَّه، ما إثابَةُ الكافرِ في الدنيا؟ قال: ((إن كان قد وصلَ
رحمًا أو تصدَّقَ بصدقة أو عملَ حسنةً أثابَهُ اللَّه المالَ والولدَ والصِّحة وأشباهَ ذلك»
قلنا: فما إثابةُ الكافرِ في الآخرةِ، قال: ((عذابًا دونَ العذابِ)) ثم تلا: ﴿ أَدْخِلُوا آلَ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، خرَّجِه ابنُ أبي حاتمٍ، والخرائطيَّ والبزارُ في
((مسنده)) والحاكمُ في ((المستدرك)) وقالَ: صحيح الإسنادِ، وخرَّجهُ البيهقيُّ في
كتابٍ ((البعث والنشور))(١) وقال: في إسناده نظرٌ انتهى، وعتبةُ بنُ يقظانَ
تكلّم فيه بعضهم .
وقد سبقتِ الأحاديثُ في تخفيف العذابِ عن أبي طالبٍ بإحسانِهِ إلى
النبيِّ وََّ. وخرَّج الطبرانيُّ(٢) بإسنادٍ ضعيفٍ عن أمِّ سلمة أنَّ الحارثَ بن
هشامٍ أتى النبيِّ وَّهِ يومَ حجة الوداعِ: فقال: إنَّكَ تحثُّ على صلة الرحمِ،
والإحسانِ وإيواءِ اليتيم وإطعامِ الضعيفِ والمسكينِ، وكلُّ هذا كان يفعلُهُ هشامُ
ابنُ المغيرة، فما ظنُّك به يا رسول اللَّه؟ قال: ((كلُّ قبر لا یشهدُ صاحبُه أن لا إله
إلا اللَّه فهو حفرةٌ من حفر النارِ، وقد وجدتُ عمِّي أبي طالبٍ في طمطامٍ من النارِ،
فأخرجه اللَّه بمكانه منِّي وإحسانِهِ إليَّ فجعله في ضحضاحٍ من النارِ)).
والقولُ الثاني: أن الكافرَ لا ينتفعُ في الآخرةِ بشيءٍ من الحسناتِ بحالٍ،
(١) أخرجه: البيهقي في ((البعث والنشور)) (١٥)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٥٣/٢).
(٢) أخرجه: الطبراني في «الأوسط)) (٧٣٨٩).

٥٣٦
سورة النبا
ومن حجةِ أهلِ هذا القول قولُهُ تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ
هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
وقولُهُ تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ
عَاصِفٍ لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]. ونحوُ هذه الآياتِ.
وفي ((صحيحِ مسلمٍ))(١) عن أنس عن النبيِّ بَ ◌ّه قال: ((إنَّ اللَّه لا يظلم مؤمنًا
حسنةً يعطَى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرةِ، وأمَّا الكافرُ فيطْعَمُ بحسنات ما عملَ
بها للَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إذا أفضَى إلى الآخرةِ لم تكنْ له حسنةٌ يُجزى بِهَا))، وفي روايةٍ
له أيضًا (٢): ((إنَّ الكافر إذا عملَ حسنةً أطعمَ بها طعمةً في الدنيا، وأما المؤمن فإنَّ اللَّه
يدخرُ له حسناته في الآخرةِ، ويعقبُ له رزقًا في الدنيا على طاعته)) (١).
٠
(١) أخرجه: مسلم (١٣٥/٨).
(٢) السابق.
(٣) ((التخويف من النار)) (١٤٢ - ١٤٤).

سُورَةُ النَّكْوِرِ
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجّرَتْ ﴾
روى الإمامُ أحمدُ (١) بإسناد فيه نظرٌ عن يَعْلى بنِ أمَيَّةَ، عن النبيِّ وَّل
قالَ: ((البحرُ هو جهنَّمُ)) فقالُوا لَيَعْلِى، قال: ألا ترون أنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يقول:
﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]، والذي نفسُ يعْلى بيده لا أدخلُها أبدًا
حتى أُعْرَضَ على اللَّهِ عزَّ وجلَّ، ولا يصيبني منها قطرةُ حتَّى ألقى اللَّهَ عزَّ
وجلَّ. وهذا إن ثبتَ فالمرادُ به أنَّ البحارَ تفجرُ يومَ القيامةِ فتصيرُ بحرًاً
واحدًا، ثم تسجرُ ويوقدُ عليها فتصيرُ نارًا وتزاد في نارِ جهنّم .
وقد فسَّر غيرُ واحدٍ من السلف قولَه تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجَرَتْ﴾
[التكوير: ٦] بنحو هذا.
وروى المباركُ بنُ فضالةَ عن كثيرٍ أبي محمدٍ عن ابنِ عباسٍ، قال: تسجرُ
حتى تصير نارًا.
وروى مجاهدٌ عن شيخٍ من بجيلةَ عن ابنِ عباسٍ ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجَرَتْ﴾
قال: تكورُ الشمسُ والقمرُ والنجومُ في البحرِ فيبعثُ اللَّهُ عليها ريحًا دبوراً
فتنفخه حتى يرجعَ نارًا. خرَّجه ابنُ أبي الدنيا وابنُ أبي حاتمٍ.
وخرَّج ابنُ أبي الدنيا وابنُ أبي حاتمٍ أيضًا من طريقِ مجالدٍ، عن الشعبيِّ،
(١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٢٢٣/٤).

٥٣٨
سورة التكوير
عن ابنِ عباسٍ في قولهِ تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩] قال:
هو هذا البحرُ تنتثرُ الكواكبُ فيه وتكوَّرُ الشمسُ والقمرُ فيكونُ هو جهنّمُ.
ورَوى ابنُ جريرٍ بإسنادِهِ عن سعيد بن المسيبِ عن عليٌّ أنه قال رجلٌ من
اليهودِ: أينَ جهنم؟ قال: البحرُ، قال عليٌّ: ما أراه إلا صادقًا، قال تعالى:
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] وقال: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجّرَتْ﴾ [التكوير: ٦].
ورواه آدمُ بنُ أبي إياسٍ في ((تفسيرِهِ)) عن حماد بن سلمةَ عن داودَ بنِ أبي
هندٍ عن سعيدِ بنِ المسيبِ، قال: قال عليٌّ ليهوديِّ: أين جهنم؟ قال: تحتَ
البحر، قال عليٌّ: صدق ثم قرأ: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجْرَتْ﴾ وخرَّجه في مواضعَ
أُخرَ منه، وفيه ثمَّ قرأ ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾.
وخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادِهِ عن أبي العاليةَ عن أبيِّ بنِ كعبٍ ﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ
سُجَرَتْ﴾ [التكوير: ٦] قال: قالتِ الجنُّ للإنسِ: نأتيكُم بالخبرِ، فانطلقُوا إلى
البحرِ فإذا هو نارٌ تأججُ.
وعن ابنِ لهيعةَ عن أبي قبيلٍ قال: إنَّ البحرَ الأخضرَ هو جهنّمُ.
وروى أبو نعيمٍ بإسنادِهِ عن كعبٍ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ
الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] قال: تبدلُ السماواتُ فتصيرُ جنانًا، وتبدلُ
الأرضُ فيصير مكانَ البحرِ النارُ. وقد سبق عن ابنِ عباس أنه قال: النارُ
سبعةُ أبحرِ مطبقةٌ .
وروى عن عبد الله بن عمرٍو ظلوثها أنه قال: لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبقُ
جهنَّمَ، وكذا قال سعيدُ بنُ أبي الحسنِ أخو البصريِّ: البحرُ طبقُ جهنَّمَ.

٥٣٩
سورة التكوير
وفي ((سنن أبي داود))(١) عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ◌ِّها عن النبيِّ وَلَّه قال:
((لا يركبُ البحرَ إلا حاجٌ أو معتمرٌ أو غاز في سبيلِ اللَّه، فإنَّ تحت البحرِ ناراً وتحتَ
النار بحرًا» .
وخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادِهِ عن معاويةَ بن سعيد، قال: إنَّ هذا البحرَ -
يعني بحر الروم - وسطَ الأرضِ، والأنهارُ كلّها تصبُّ فيه، والبحرُ الكبيرُ
يصبُّ فيه، وأسفلُهُ آبارٌ كلها مطبقةٌ بالنحاسِ، فإذا كان يوم القيامةِ أسجرَ .
وذكر ابنُ أبي الدنيا عن العباسِ بنِ يزيد البحراني، قال: سمعتُ الوليدَ
ابنِ هشامٍ وقلتُ له: عمن أخذتَ هذا؟ قال: عن رجل من أهلِ الكتابِ أسلمَ
فحسنَ إسلامُهُ، قال: لَّ التقم الحوتُ يونسَ عليه السلامُ جالَ به الأبحرَ
السبعة، فلمَّا كان آخر ذلك انتهى به الحوتُ إلى قعرِ البحر، موضعٌ يلَي قعرَ
جهنَّمَ، فسبحَ يونسُ في بطنِ الحوتِ، فسمعَ قارونُ تسبيحَهُ وهو في النارِ،
وذكرَ بقية الخبر.
وروى قيسُ بنُ الربيعِ عن عبيدِ المكتبِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عمرَ رُوَّا،
عن النبيِّ وَّ: ((إنَّ جهنّم محيطةٌ بالدنيا، وإنَّ الجنةَ منَ ورائه، فلذلك كان الصراطُ
على جهنّم طريقًا إلى الجنة)) غريبٌ منكرٌ.
وقد رُوي عن بعضِهم ما يدلُّ على أن النارَ في السماءِ، وروى مجاهدٌ قال
في قولهِ تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] قال: الجنةُ
والنارُ، وكذا قال جويبرٌ عن الضحاكِ.
٠
وروى عاصمٌ عن زر عن حذيفةَ أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((أوتيتُ بالبراقِ فلم نزايلْ
(١) أخرجه: أبو داود (٢٤٨٩).

٥٤٠
سورة التكوير
طرفَه أنا وجبريلُ حتَّى أتينا بيت المقدس، وفُتحتْ لنا أبوابُ السماء، ورأيتُ الجنةَ
والنارَ)) خرَّجه الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ(١)، قال في روايةِ المروذيِّ وفي حديثِ
حذيفةَ أنَّ النبيَّ بَّهِ قال: «رأيتُ ليلةَ أُسري بي الجنةَ والنارَ في السماءِ فقرأتُ هذه
الآية: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] فكأنِّي لم أقرأها قط)) وهو
تصديقٌ لما قاله حذيفةُ، نقله عنه الخلاَّلُ في كتابِ «السنة»، وهذا اللفظُ الذي
احتجَّ به الإمامُ أحمدُ لم نقفْ عليه بعدُ في حديثه وإنما رُوىَ عنه ما تقدَّم.
ورُوي عن حذيفةَ أنه قال: والله ما زال البراقُ حتَّى فُتحتْ لهما أبوابُ
السماء ورأيا الجنة والنارَ، ووعدَ اللَّهُ الآخرةَ أجمعَ ولم يرفعُهُ، وهذا كلُّه
ليسَ بصريحٍ في أنَّه رأى النارَ في السماءِ كما لا يَخْفِى.
وأيضًا فعلى تقدير صحة ذلك اللفظ لا يدلُّ على أنَّ النارَ في السماءِ،
وإنما يدلُّ على أنه رآها وهو في السماءِ والميتُ يرى في قبرِهِ الجنةَ والنارَ
وليستِ الجنةُ في الأرضِ.
وقد رأى النبيّ وَّ في صلاة الكسوفِ الجنةَ والنارَ وهو في الأرض(٢)،
وكذلك في بعضِ طرقِ حديثِ الإسراءِ - حديث أبي هريرة - أنَّه مرَّ على
أرضِ الجنة والنارِ في مسيرِهِ إلى بيتِ المقدسِ، ولم يدلَّ شيءٌ من ذلك على
أنَّ الجنةَ في الأرض، فحديثُ حذيفةَ إن ثبتَ أنه رأى الجنةَ والنارَ في السماءِ،
فالسماءُ ظرفٌ للرؤيةِ لا للمرئيِّ، والله أعلمُ.
وفي حديثِ أبي هارون العبديِّ، وهو ضعيفٌ جدا عن أبي سعيد،
(١) أخرجه: أحمد (٥/ ٣٩٠، ٣٨٧، ٣٩٤)، والترمذي (٣١٤٧)، والنسائي في ((الكبرى))، كما
في ((تحفة الأشراف)) (٣٣٢٤).
(٢) أخرجه: البخاري (١٤/١، ١١٨)، (٤٥/٢)، ومسلم (٣٤/٣).