Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ سورة الحديد قال أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ: إنيِّ لأقرأُ القرآنَ، فأنظرُ في آيَةِ آيَةٍ، فيحارُ فيها عَقْلي، وأعجبُ من حُفَّاظِ القرآنِ، كيف يهنيهمُ النّومُ، ويسعُهُم أن يشْتَغِلُوا بشيءٍ من الدُّنْيا، وهم يتلونَ كلامَ اللَّهِ !! أمَا لو فهِمُوا ما يتلونَ، وعَرَفُوا حقَّه، وتلذَّذُوا بِهِ، واستحلوا المناجاةَ بِهِ، لذهبَ عنهم النومُ، فَرحًا بما قدْ رُزِقوا. قال ابنُ مسعود: لا يسألُ أحدٌ عن نفسِهِ غيرَ القرآنِ، فمن كانَ يحبُّ القرآنَ فُهُوَ يحبُّ اللّهَ ورسولَهُ. قال سهلٌ التستريُّ: علامةُ حُبِّ اللَّهِ، حُبُّ القرآنِ. وقال أبو سعيد الخراز: مَن أحبَّ اللَّهَ أحبَّ كلامَ اللَّهِ، ولم يشبَع من تلاوته . ويُروى عن معاذ قالَ: سيبلى القرآنُ في صدُورِ أقوامٍ، كما يَبْلِى الثوبُ، فيتهافتُ، فيقرءونه لا يجدون له شهوةً. وعن حذيفةَ قالَ: يوشكُ أن يدْرُسَ الإسلامُ، كما يدرسُ وشيُ الثوبِ؛ ويقرأُ الناسُ القرآنَ لا يجدونَ له حلاوةً. وعن أبي العَاليةَ قالَ: سيأتي على الناسِ زمانٌ، تخربُ فيه صدورُهم من القرآن، وتبلَى كما تبْلى ثيابُهم، وتهافَت فلا يجدُون له حلاوةً، ولا لذاذةً. ٠٠ قال أبو محمد الجريريَّ - وهو من أكابرِ مشايخِ الصوفيّةِ - : من استولْت عليهِ النفسُ، صارَ أسيرًا في حكمِ الشَّهواتِ، محصُورًا في سجنِ الهوَى، فحرَّمَ اللَّهُ على قلبِهِ الفوائدَ، فلا يستلذُّ بكلامِهِ، ولا يستحلِيهِ، وإنْ كثُرَ تردادُه على لسانِهِ. وذُكِرَ عند بعضِ العارفينَ أصحابُ القصائدِ، فقالَ: هؤلاء الفرارُونَ من اللَّهِ عز وجل، لو ناصحُوا اللَّهَ، وصدَّقُوه، لأفادَهُم في ٣٨٢ سورة الحديد سَرائرِهِم، ما يشغلُهم عن كثرةِ التلاقِي. واعلمْ أن سماعَ الأغانِي يضادُ سماعَ القرآنِ، مِنْ كلِّ وجهِ. فإنّ القرآنَ كلامُ اللَّهِ، ووحيُهُ ونوُرُهُ، الذي أحيا اللَّهُ به القُلوبَ الميتةَ، وأخرجَ العبادَ به من الظلماتِ إلى النّورِ . والأغاني وآلاتُها مزاميرُ الشيطان. فإنَّ الشيطانَ قرآنهُ الشعرُ، ومؤذّنُه المزمارُ، ومصائدُه النّساءُ. كذا قالَ قتادةُ وغيرُهُ من السَّف. وقد رُوي ذلك مرفوعًا، من روايةٍ عبيدِ اللَّهِ بن زحْرٍ، عن عليٍّ بنِ يزيدَ عن القاسمِ، عن أبي أمامةَ، عن النبيِّ ◌َِّ (١) وقدْ سبقَ ذكرُ هذا الإسنادِ. والقرآنُ تُذكر فيه أسماءُ اللَّه، وصفاتُهُ وأفعالُهُ، وقدرتُهُ وعظمتُهُ، وكبرياؤه وجلالُهُ، ووعدُه ووعيدُه. والأغاني إنما يُذكرُ فيها: صفاتُ الخمرِ والصورُ المحرّمُةُ، الجميلةُ ظاهرُها المستقذرُ باطنُها التي كانتْ تُرابًا، وتعُود ترابًا. فمن نزّل صفاتِها على صفاتٍ من ليس كمثلِهِ شيءٌ وهوَ السَّمِيعُ البصيرُ، فقد شَبَّه، ومرقَ من الإسلامِ، كما يمرُقُ السهمُ من الرميةِ. وقد رُئِّيَ بعضُ مشايخِ القومِ في النَّومِ بعدَ موتِهِ، فسْئِلَ عن حالِهِ فقالَ: أوقفني بينَ يديه، ووبَّخني، وقالَ: كنتَ تسمعُ وتقيسُني بسُعْدى ولُبْنَى. وقد ذكرَ هذا المنامَ أبو طالبِ المكيّ، في كتابٍ ((قوتِ القلوبِ)). وإن ذُكِرَ في شيءٍ من الأغانِي التوحيدُ، فغالبُه من يسوقُ ظاهرُه إلى الإلحادِ: من الحلول والاتحادِ، وإن ذُكِرَ شيءٌ من الإيمانِ والمحبةِ، أو توابعِ (١) أخرجه: الطبراني في ((الكبير)) (٢٤٥/٨). ٠٠ ٣٨٣ سورة الحديد ذلكَ، فإنَّما يُعبَّرُ عنه بأسماء قبيحة، كالخمرِ وأوعيتِهِ ومواطنِهِ وآثارهِ، ويُذكر فيه الوصلُ والهجرُ، والصدودُ والتجنِّي. فيطربُ بذلكَ السامعونَ، وكأنَّهم يشيرون، إلى أنَّ اللَّه تعالى، يفعل مع عباده المحبينَ له المتقربينَ إليه، كما يذكرونَهُ. فيبعدُ ممن يتقربُ إليه، ويصدُّ عمّن يحبُّه ويُطيعُهُ، ويُعرِضُ عمن يُقبلُ عليه . وهذا جهلٌ عظيمٌ فإنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ، على لسان رسُوله الصادق المصدوقِ وَلّ: ((من تقرّبَ منّي شِبْرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرَّب مني ذراعا تقرَّبتُ منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولةً))(١) . وغايةُ ما تحرِّكُه هذه الأغاني: ما سكنَ في النفوسِ من المحبّةِ، فتتحركُ القلوبُ إلى محبوباتها، كائنةٌ ما كانتْ، من مباحٍ ومحرّمٍ وحقٌّ وباطلٍ . والصّادقُ من السامعينَ، قد يكونُ في قلبهِ محبّةُ اللَّهِ، مع ما ركزَ في الطباعِ من الهَوى، فيكونُ الهَوى كامِنَا، لظهورِ سُلطانِ الإيمانِ. فتحرِّكُه الأغاني، مع المحبّةِ الصحيحةِ. فيقْوى الوجدُ، ويظنُّ السامعُ، أنْ ذلكَ كلَّه محبّةُ اللَّه، وليسَ كذلك. بل هي محبّةٌ ممزوجةٌ ممتزجةٌ، حقُّها بباطلها. وليسَ كلُّ ما حرك الكامنَ في النفوسِ، يكونُ مُبَاحًا في حكمِ اللَّهِ ورسولِهِ . فإنّ الخمرَ تحركُ الكامنَ في النُّفُوسِ، وهي محرمةٌ في حكمِ اللَّهِ ورسولهِ كما قيلَ : الرّحُ كالريح إِن هَبَّتْ على عِطْرٍ طابتْ وتخبثُ إِنْ مَرَّتْ على الحِفِ وهذا السماعُ المحظورُ، يُسكرُ النفوسَ، كما يسكرُ الخمرُ أو أشدُّ، ويصدُّ (١) أخرجه: البخاري في ((الصحيح)) (١٤٧/٩ - ١٤٨)، ومسلم (٦٢/٨). ٣٨٤ سورة الحديد عن ذكرِ اللَّهِ، وعن الصَّلاة، كالخمر والميسرِ فإن فُرِضَ وجُودُ رجلٍ يسمعُه، وهو ممتلئٌّ قلبُهُ بمحبّةِ اللَّهِ، لا يؤثرُ فيه شيءٌ من دَوَاعِي الهوى بالكليةِ، لم يُوجبْ ذلك له خصوصًا، ولا للنّاسِ عمومًا. لأنّ أحكام الشريعةِ، تناطُ بالأعمِّ الأغلبِ. والنَّادِرُ ينسحبُ عليه حكمُ الغالبِ، كما لو فُرض رجلٌ تامُّ العقلِ، بحيثُ لو شرِبَ الخمرَ، لم يُؤثرْ فيه ولم يقعْ فيه فسادٌ، فإنَّ ذلك لا يوجبُ إباحةَ الخمر له، ولا لغيرهِ. على أنَّ وجودَ هذا المفروضِ في الخارجِ، في الصُّورتين: إما نادرٌ جدًّا أو ممتنعٌ متعدِّرٌ. وإنما يظهرُ هذا السَّمَاعُ، على هذا الوجهِ، حيث جرّد كثيرٌ من أهلِ السلوكِ الكلامَ في المحبةِ ولهجوا بها، وأعرضُوا عن الخشيةِ. وقد كانَ السلفُ الصالحُ يُحذِّرون منهمُ، ويفسِّقُون من جرَّدَ، وأعرضَ عن الخشيةِ إلى الزندقة. فإنَّ أكثرَ ما جَاءتْ به الرّسُلُ، وذكرَ في الكتابِ والسنةِ: هو خشيةُ اللَّه وإجلالِهِ وتعظيمِهِ، وتعظيمٍ حرماتِهِ وشعائِرِهِ، وطاعتِهِ. والأغاني لا تحرّكُ شيئًا من ذلكَ، بلْ تُحدِثُ ضدَُّ من الرعُونَةِ والانبساطِ والشطحِ، ودعوى الوصُولِ والقُربِ، أو دعوى الاختصاصِ بولايةِ اللَّهِ التي نسب اللَّهُ في كتابِهِ دعواها إلى اليهود. فأمَّا أهلُ الإيمانِ، فقد وصفهُم بأَنَّهم ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] وفسَّر ذلكَ النبيُّ ◌َثّل بأنَّهم: (يصومونَ ويتصدقونَ، ويصلُّون ويخشونَ أن لا يُتقبلَ مِنْهُم))(١). وقد كانَ الصَّحابةُ ﴿و ◌ّع، يخافونَ النفاقَ على نفوسهم، حتَّى قالَ الحسنُ: ما أمِنَ النفاقَ إلا منافقٌ، ولا خشِيَهُ إلا مؤمنٌ. (١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) عن عائشة (١٥٩/٦)، والترمذي في ((الجامع)) (٣١٧٤)، والحاكم (٣٩٤/٢). ٣٨٥ سورة الحديد ويوجبُ أيضًا سماعُ الملاهي: النفرةَ عن سماعِ القرآنِ، كما أشارَ إليه الشافعيُّ رحمه الله. وعدمَ حضورِ القلبِ عند سماعِهِ، وقلّةَ الانتفاع بسماعِهِ. ويوجبُ أيضًا قلّةَ التعظيم لحرماتِ اللَّهِ، فلا يكادُ المدمِنُ لسماعٍ الملاهِي، يشتدّ غضبُهُ لمحارمِ اللَّهِ تعالَى إذا انتُهكَتْ، كما وصفَ اللَّهُ تعالى المحبّينَ لهُ بأنَّهم ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة : ٥٤]. ومفاسدُ الغناء كثيرةٌ جدًّا . وفي الجملةِ فسماعُ القرآنِ ينبتُ الإيمانَ في القلبِ، كما ينبِتُ الماءُ البقلَ. وسماعُ الغناءِ ينبتُ النفاقَ، كما ينبتُ الماءُ البقلَ. ولا يستويان حتى يستوي الحقُّ والبُطلانُ ﴿َمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴿١٩﴾ وَلَا الظُّلُّمَاتُ وَلَا النُّورُ حِ﴾﴾ وَلا الظّلُّ وَلَا الْحَرُورُ ﴿٣١﴿ وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلَا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ١٨ - ٢٢] واللَّهُ تعالى المسئولُ أن يهدِيَنَا وسائرَ إخوانِنَا المؤمنينَ إلى صراطٍ مستقيمٍ، صراطِ الذين أنعمَ عليهم غيرِ المغضوبِ عليهِم، ولا الضالين آمين والحمدُ لله ربِّ العالمينَ، وصلَّى اللَّه على سيدنا محمدٍ، وآلهِ وصحبه أجمعين (١). قوله تعالى: ﴿أَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنَا﴾ وقد قال طائفة من السَّف في قولِ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿أَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنَا﴾ [الحديد: ١٨]: إنَّ القرضَ الحسنَ قولُ: سبحانَ اللَّه، والحمدُ اللَّه، ولا إلهَ إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ. وفي ((مراسيلِ الحسنِ))، عن النبيِّ وَّةِ، قالَ: ((ما (١) ((نزهة الأسماع)) (٨٠ - ٩٣). ٣٨٦ سورة الحديد أنفقَ عبدٌ نفقةً أفضلَ عندَ اللَّه عزَّ وجلَّ من قول ليس من القرآن وهو من القرآن: سبحان اللَّه، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر))(١). قوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وقال بعضُ السلفِ في قولِ اللَّه تعالى: ﴿السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠]: إِنَّهم أوَّلُ الناسِ خروجًا إلى المسجدِ وإلى الجهادِ. وفي قوله: ﴿سَابِقُوا إِلَىْ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِكُمْ﴾ [الحديد: ٢١] قال مكحولٌ: التكبيرةُ الأولى مع الإمامِ. وقال غيره: التكبيرة الأولى والصفُّ الأول (٢). (١) ((اللطائف)) (ص ٤٣٨). (٢) ((الفتح)) (٥٣٣/٣). سُورَةُ الْمُجَادِلَة /٥ /٩,٥ قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَأَتُوا الزَّكَاةَ﴾ وخرَّج محمد بنُ نصر المروزيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ جدًّا عن أنسٍ قالَ: لم يكنِ النبيُّ وَلَه يقبل مَنْ أجابه إلى الإسلامِ إلا بإقامِ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكانتا فريضتين على مَنْ أقرَّ بمحمَّدٍ نَّهِ وبالإسلامِ، وذلك قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: ﴿ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَأَتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المجادلة: ١٣]. وهذا لا يثبتُ، وعلى تقديرِ ثبوتِهِ، فالمرادُ منه: أنه لم يكن يُقُرُّ أحدًا دخلَ في الإسلامِ على تركِ الصَّلاةِ والزكاةِ؛ وهذا حقٌّ فإنه وَِّ أمر معاذًا لما بعثَهُ إلى اليمنِ أن يدعُوَهُم أوَّلاً إلى الشهادتينِ، وقالَ: ((إِنْ هُمْ أطاعوك لذلكَ، فأعلمهُم بالصلاة ثم بالزكاة) ومُرادُه أن من صارَ مسلمًا بدخولِهِ في الإسلامِ أُمِرَ بعدَ ذلكَ بإقامِ الصلاةِ، ثم بإيتاءِ الزكاةِ، وكانَ من سألُهُ عن الإسلامِ يذكرُ له مع الشهادتين بقيةَ أركانِ الإسلامِ، كما قالَ لجبريلٍ عليه السلامُ لما سألهُ عن الإسلامِ، وكما قال للأعرابيِّ الذي جاءَهُ ثائرَ الرأسِ يسألُ عن الإسلامِ(١). (١) ((جامع العلوم والحكم)) (٢١٨/١ - ٢١٩). ورو سُورَةُ الحَشْرِ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِطُ رُسْلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الأرضُ المعنوةُ هل هي داخلٌ في آيةِ الغنائمِ المذكورةِ في سورة الأنفال وهي قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١] أمْ هي داخلةٌ في آيةِ الفيءِ المذكورةِ في سورةِ الحشرِ وهي قوله تعالى: ﴿مَا أَقَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر:٧] الآية ثم ذكر ثلاثة أصناف المهاجرين والأنصارَ ومن جاء بعدَهم؟ فقالتْ طائفةٌ: الأرضُ داخلٌ في آية الغنيمة، فإنه تعالى قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنْ شَيْءٍ﴾ الأنفال: ٤١] وشيءٌ نكرةٌ في سياقِ النَّفيِّ فيعمهُ كلَّ ما يُسمى شيئًا، قالوا: وآيةُ الفيءُ لم يدخل فيها حكمُ الغنيمة كما أنَّ آيةً الغَنِيْمَةِ لم يَدْخِلْ فيها الفيءُ بلْ الغنيمةُ والفيءُ لكل واحدٍ منهما حمٌ يختصُّ به، وهذا قولُ مَنْ قالَ من الفقهاءِ: إنَّ الأرضَ تتعينُ قسمتُها بينَ الغائمينَ. وقالت طائفةٌ: بل الأرضُ داخلةٌ في آيةِ الفيءِ، وهذا قولُ أكثرِ العلماءِ صرَّحوا بذلك، وممن روي عنه عمر بن عبد العزيز، وقد سبق ذكر من قال من السلف: إن السَّوادَ فيءٌ ونصَّ عليه الإمامُ أحمد. ٣٨٩ سورة الحشر ووجه دخولِ الأرض في الفيءِ أنَّ اللَّه تعالى قالَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولُه مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ الآية [الحشر: ٧ -١٠] فجعل الفيءَ لثلاثة أصنافٍ؛ المهاجرينَ والأنصارَ والذين جاءوا من بعدهم ولذلك لما تلا عمرُ خِنَّه هذه الآية قال: ((استوعبتُ هذه الآيةُ الناسَ فلم يبقَ أحدٌ من المسلمين إلا له فيها حقٌ إلا بعضَ من تملكون من أرقائكم)) خرَّجه أبو داود(١) من طريق الزُّهْري عن ◌ِّه منقطعًا، وروي من وجهٍ آخرَ عن الزهري موصولاً، ورواه هشامُ بنُ سعدٍ عن زيدِ بنِ أسلمَ عن أبيه عن عمر ◌ِّه أيضًا . ثُمَّ إِنَّ عمرَ بِّه جعل أرضَ العنوة فيئًا وأرصدَها للمسلمين إلى يومٍ القيامة، فدلَّ على أنَّه فهِمَ دخولَها في آيَاتِ الفيءٍ ولذلك قرَّرَه أميرُ المؤمنين عمرُ بنُ عبد العزيز في رسالتِهِ المشهورةِ التي بَيِّنَ فيها أحكام الفيءٍ وقد اعتمدَ علها مالكٌ وأخذَ بها، كما ذكر ذلك القاضي إسماعيل في كتاب ((أحكام القرآن)) وساقها بتمامها بإسناده، وذكرَ البخاريَّ في ((صحيحه)) بعضها تعليقًا وبَيَّنَ دخولَ الأرضِ في الفيءِ وأنَّ هذه الآياتِ ليستْ بسببِ بني النضيرِ . وبنو النَّيرِ أجَلَاَهم النبيُّ وَ ◌َّ من المدينة بعدَ أن حاصرَهم قال الزهريُّ: حاصر رسولُ اللهِ وَ له بني النضير وهم سبطٌ من اليهودِ بناحية من المدينة حتى نَزَلُوا على الجلاءِ وعلى أنهَ لهم ما أقلَّت الإبل من الأمتعة إلا الحلقةَ فأنزلَ الله فيهم يعني أول سورة الحشرِ . خرَّجه أبو عبيدٍ وخرَّجه أبو داود(٢) مطولاً من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن رجلٍ من أصحابٍ (١) ((السنن)) (٢٩٦٦). (٢) ((السنن)) (٣٠٠٤). ٣٩٠ سورة الحشر النبيِ وَّ فذكر حديثًا طويلاً وفيه أنَّ النبي ◌ِِّ غزا على بني النضير بالكتابِ فقاتَلَهَم حتى نزلوا على الجلاء فجلَتْ بنو النضير واحتملوا ما أقلَّت الإبلُ من أمتعتِهم وأبوابِ بيوتهم وخشِها، فدلَّ أنَّ نخلَ بني النضير لرسول اللَّهُ وَه خاصةً أعطاه اللَّه إِيَّاها وخصَّه بها فقال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] يقول: فأعطى النبيُّ بِّ أكثرَها للمهاجرين وقسّمها بينهم وقسّم منها لرجلين من الأنصار كانا ذوي حاجة، وبقي منها صدقة رسول اللَّه وَ لّ التي في أيدي بني فاطمةَ فِرَّها، وهذا الكلام أكثر مدرجٌ من قولِ الزهري والله أعلم. وخرَّج أبو داود من قوله: ((كانتْ بنو النَّضيرِ للنبيِّ وَّ) إلى آخرِهِ من قول الزهريِّ. وثبت في ((الصحيحين))(١) عن ابنِ عمرَ بِّه: أن النبيَّ وَّ حرَّقَ نخل بني النضير وقطَّع وهي البويْرَة فنزلتْ فيهم هذه الآيةُ: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّنِ لَيْنَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ [الحشر: ٥] الآية، وفي ((الصحيحين))(٢) أيضًا عن عمر خِيّه أنه قال: ((كانت أموالُ بني النضير مما أفاء اللَّه على رسولِهِ مما لم يوجفْ المسلمون عليه بخيلٍ ولا ركابٍ وكانتْ لرسول اللّهِ وَلَّ خاصةً فكان ينفقُ منها على أهلِهِ نفقةَ سنةٍ ثمَّ ما بقي جعلَه في الكُرَاعِ والسلاحِ عدةً في سبيل الله عزَّ وجلَّ. وإذا عُلِمَ أنَّ الآيةَ نزلتْ بسببٍ بني النضير فبنو النضير بما تركُوا أرضَهم ونخْلَهم وسلاحَهم وقد جعلَه اللَّه فيئًا وخصَّه برسوله إمَّا لأنَّه كانَ يملكُ الفيء في حياتِهِ، أو لأنه كان يُقسِّمه باجتهاده ونظره بخلاف الغنيمة ولا ريبَ أنَّ (١) أخرجه: البخاري (١٣٦/٣)، (٧٦/٤)، (١١٣/٥)، (١٨٤/٦)، ومسلم (١٤٥/٥). (٢) أخرجه: البخاري (٤٦/٤)، (١٨٤/٦). ٣٩١ سورة الحشر بني النضير لم يتركُوا أرضَهم إلا بعد حصار ومحاربةٍ ولم ينزلوا من حصونهم إلا خشيةَ القلتِ ومع هذا فقد جعلَ اللَّه أرضَ بني النضير فيئًا، وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] تذكيرُ بنعمة الله عليهم في أنَّهم لم يحتاجوا في أخذِ ذلك إلى كثير عملٍ ولا مشقةٍ، وقال مجاهدٌ في قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] قال: يذكرُهم ربُّهم أنَّه نصرَهم بغيرِ كراعٍ ولا عدةٍ في بني قريظةَ وخيبرَ. خرَّجه آدم بن أبي إياسٍ عن ورقاءَ عن أبي نجيحٍ عنه، ومعلومٌ أنَّ خيبرَ وقِعَ فيها قتال لكن يسير فتكون الآيةُ كقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾ [آل عمران: ١٢٣] وحينئذ فإِمَّا أن تكونَ الأرضُ تُستثنى من عمومٍ قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١] فيكونُ ذلك تخصيصًا من العامِّ، وإمَّا أن يكونَ هذا ناسخًا لحكمِ الأرضِ من آيةِ الغنيمةِ فإنَّ قصةَ بني النضير بعدَ قصةٍ بدرٍ بالاتفاق والأشبهُ التخصيصُ إلا أنْ يقالَ: إنَّ قصةَ بدرٍ لم يدخُلْ فيها إلا المنقولات إذ لم يكن في غنيمةٍ بدرِ أرضٌّ، وهذا على قول من يَرى التخصيصَ بالسبب ظاهرٌ، ومما يدلَّ على تخصيصِ آيةِ الغنيمةِ بالمنقولاتِ، أنَّ اللَّه تعالى خصَّ هذه الأمة بإباحة الغنيمة كما ثبتَ ذلك عن النبي وَّ من وجوه كثيرة، والذي خصتْ بإباحته هو المنقولاتُ دونَ الأرضِ، فإنَّ اللَّه تعالى أورثَ بني إسرائيل أرضَ الكفارِ وديارَهُم ولم يكن ذلك ممتنعًا عليها، لأنَّ الأرضَ ليستْ بداخلة في مطلقِ الغنيمةِ وإنَّما كان ممتنعًا عليهم المنقولات، ولهذا كانُوا يحرِّقُونها بالنار وإنَّما خصَّ الغانمون من هذه الأمة بالمنقولاتِ دون الأرضِ، لأنَّ قتالَهم وجهادَهُم للَّهِ عزَّ وجلَّ لا للغنيمةِ، وإنَّما الغنيمةُ رخصةٌ من اللَّه تعالَى ورحمةٌ بهم فخصُّوا بما ليسَ له أصلٌ يبقى، وأما ما له أصلٌ يبقَى فإنه ٣٩٢ سورة الحشر يكونُ مشتركًا بين المسلمينَ كلِّهم، من وُجِدَ منهم ومن لم يوجدْ بعد ذلك، ويبينُ هذا أنَّ اللَّه تعالى نسبَ الغنيمةَ للغانمين، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] فأمَّا الأرضُ فأضافها إلى الرسول لقولِهِ: ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] إشارةً إلى أنَّ كلَّ قريةٍ يفيتُها اللَّهُ على أمتِهِ إلى يومِ القيامةِ، فهي مضافةٌ إلى الرسول غيرُ مختصة بالغانمين، والإمامُ يقومُ مقامَ الرسول في قسمتِها بالاجتهاد. وقولُهُ: ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] من الأرض خاصة وقد صحَّ عن عطاء بن السائب والحسنِ البصري وغيرِهما من السلفِ أنهم قالُوا: الأرضُ فيءٌ وإن أخذتْ بقتال وتقدَّم ذكرُ ذلك عن جماعة من العلماءِ يدلُّ على ذلك أنَّه جعلها لثلاثة أصنافِ المهاجرين والأنصارِ ومن جاء بعدَهم من المسلمين، وهذا لا يمكنُ في المنقولاتِ قطعًا، لأنَّ المنقولات تستهلكُ ويختصُّ به من يأخذُهُ فلا يمكنُ اشتراكُ جميعِ المسلمينَ فيه، وقد قيلَ: إنَّ هذه الآية نزلت في قرى عرينةَ التي فتحتْ على النبيِّ وَّ، أو فيها وفي قرى بني قريظة والنضير وحنينٍ، وقيل: بل الآيةُ تعمُّ كلَّ ما فتحَ إلى آخر الدهر، وهو أصحُ، وإن كانَ سببُ نزولها في قرى عرينة، فإنَّ سبب النزول لا يختصُّ الحكمَ العامَّ. قال معمرٌ: بلغنا أنَّ هذه الآيةَ نزلتْ في الجزيرةِ والخراجِ، وخراجِ القُرى، يعني القُرى تؤدِّي الخراجُ ذكرُهُ ابنُ أبي حاتمٍ وكذا قال الحسنُ بنُ صالحٍ: أنَّ الفيءَ ما أُخذَ من الكفارِ بصلحٍ من جزيةٍ أو خراجٍ، وكذا فسر أحمدُ الفيءَ بأنه ما صولح عليه من الأرضين وجزيةِ الرؤوس وخراج الأرضِ، وقال: فيه حقٌّ لجميع المسلمين، ولم يذكر في هذه الآيةِ بغيرِ إيجافٍ، كما ذكرهُ في ٣٩٣ سورة الحشر الآية الأولى، وقد تقدَّم عن مجاهد أنه حمل الآية الأولى على خيبر وقريظةً مع ما فيها من نفي الإيجافِ، فما لم يذكرْ فيه نفيُ الإيجافِ أوْلى أن يحملَ على حالةِ القتالِ، فمن هنا قالتْ طائفةٌ من السلف : المرادُ به ما أخذَهُ المسلمونَ بقتالِ من الأرضِ . ذكرَ إسماعيلُ بن إسحاقَ عن أبيه عن المغيرة بنِ عبد الرحمن، قال ابنُ إسحاقَ: وحدَّثني عبد الله بن أبي بكرِ دخلَ حديثُ أحدُهما في الآخر، قال: أنزلَ اللهُ تعالى في بني النضير سورة الحشرِ، فكانتْ أموالُ بني النضير مما لم يوجفِ المسلمونَ عليه خيلاً ولا ركابًا، فجعل اللَّهُ أموالَهم لنبيِّه وَله يضَعُها حيثُ شاءَ، ثم قالَ: ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧]، ما أوجفَ المسلمون عليه بالخيل والركابِ، وفُتْحَ بالحربِ فللَّه وللرسول ولذي القربى، فهذا قسمٌ آخرُ بينَ المسلمين على ما وضَعَهُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ فقسم الفيءَ لمن سمَّى من المهاجرين والأنصارِ، لمن جاء بعدهم، خرّجه القاضي إسماعيلُ. ونحو هذا قالَ قتادةُ ويزيد بن رومانَ: وأنَّ هذه القرى مما أخذ بالقتال لكنَّهم قالوا: نُسخ ذلك بآيةِ الأنفالِ، فإن أرادوا النسخَ الاصطلاحي، وهو رفعُ الحكمِ، فلا يصحُّ؛ لأنَّ آيَةَ الأنفالِ نزلت عقبَ بدرٍ قبلَ بني النضير، وإن أرادُوا أنها بينت أمرَهَا وأنَّ المرادَ بآيةِ الحشرِ خُمسُ الغنيمةِ خاصةً، وهذا قولُ عطاءِ الخراسانيِّ ذكرهُ آدمُ بنُ أبي إياسٍ في ((تفسيرِهِ) عن أبي شيبةَ عنه على تقديرٍ أن يكونَ المرادُ الخمسَ خاصة بآيةِ الحشر أنها بينتْ أنَّ خُمسَ الغنيمةِ لا يختصُّ بالأصنافِ الخمسِ، بل يشتركُ فيها جميعُ المسلمين كان متوجِّها، ويستدلُّ بذلك على أن مصرف الخمسِ كلَّه مصرفُ الفيء، وهو ٣٩٤ سورة الحشر أقوى الأقوالَ، وهو قولُ مالك وقرره عمرُ بنُ عبد العزيزِ في رسالتِهِ في الفيءِ تقريراً بليغًا شافيًا فِقَّه . فهذه ثلاثة أقوال في الآية إذا قلنا: إنَّ الفيءَ هنا ما أخذَ بقتال، هل هي منسوخةٌ أو أن المرادَ بها خمسُ الغنيمة أو أنَّ المرادَ بها الأرضُ خاصةً، وهذا الثالثُ أصحُّ ويقررُ هذا أنَّ الفيءَ يستعملُ كثيرًا فيما أخذ بقتال. وروى إبراهيمُ بنُ طهمانَ عن أبي الزبير عن جابر ◌ُوَّه قال: ((أفاءَ اللَّه على رسولِهِ خيبرَ فأقرَّهم رسولُ اللَّهِ وَلِّ كما كانُوا))، وذكرَ الحديث. وروى يحيى بن سعيدٍ عن بشير بن يسارِ أنَّ رسول اللّهِ وَلِّ لما أفاء اللَّهُ ے عليه خيبرَ قسمَها ستةً وثلاثينَ سهمًا، وذكرَ الحديث. خرَّجه أبو داود(١) . وإذا تقرَّرَ هذا فمن رأى دخولَ الأرضِ في آية الغنيمةِ خاصةً أوجبَ قسمتَها بين الغانمينَ، ومن رأى دخولَها في آية الفيءِ خاصةً فمنهم من أوجب إرصادَهَا للمسلمينَ عمومًا، كقول مالكِ وأصحابِهِ، ومنهم من خير بين ذلك وبين قسمتِها، وهو قولُ الأكثرين، ثمَّ إنَّ أبا عبيدِ زعمَ أنَّ الصحابةَ ظِلّه رأوا دخولَها في كلتا الآيَتَيْنِ، فلذلكَ منهم من أشارَ بقسمتِها ومنهُم من أشارَ بحبسها، وردَّ ذلك أصحابُ مالكٍ، وقالُوا: لو دخلتْ في آيةِ الغنيمةِ لكانت حقًّا للغائمينَ كالمنقولات، فكيف يخيرُ الإمامُ بين إعطائها لأهلها المستحقين لها وبين منعِهم حقُّهم. وقد يقالُ: إنَّ من رأى قسمتَها كالزبير وبلالِ ظُوًَّا، وهو أولُ اختيارَيِّ عمرَ ظِلَّه لم يكنْ مأخذُهُ في ذلك دخولَها في آيةِ الغنيمة، وإنما يكونُ (١) ((السنن)) (٣٠١٢). ٣٩٥ سورة الحشر ..! مأخذُهُم في ذلكَ أنها لما كانت فيئًا لجميع المسلمين، وحقًّا مشتركًا بينم جاز تخصيصُ الغانمينَ بها لأنهم من جملةِ المسلمين، ولهم خصوصيةٌ على غيرِهم بحصولِ هذه الأرضِ بقتالِهم عليها، فإذا كانتِ المصلحةُ في تخصيصِهم بها جازَ، وهذا كما أقطع عثمانُ ◌ِتَّتُه جماعةً من الصحابة بعض أرضِ السوادِ إقطاعَ تمليكِ، ونظيرهُ وقفُ الإمامِ بعضَ أراضي بيتِ المالِ على بعضِ المسلمين، وقد أفتى بجوازِ ذلك ابنُ عقيلٍ من أصحابنا وطوائفُ من أصحاب الشافعيِّ وأبي حنيفةَ، ومن الشافعية من منع ذلك(١). قوله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمَفْلِحُون و من ملك نفسَهُ وقهرَهَا ودانَها: عزَّ بذلكَ؛ لأنه انتصرَ على أشدِّ أعدائه وقهرهُ وأسرهُ واكتفَى شرَّه قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]، فحصرَ الفلاحَ في وقايةِ شحِ نفسِهِ، وتطلُّعها إلى ما مُنعتْ منهُ، وحرصها على ما يُضيرُها مما تشتهيهِ: من علوٍّ وترفعِ، ومالٍ وجاهِ وأهلٍ ومسكنٍ، ومأكلٍ ومشربٍ وملبسٍ وغيرِ ذلكَ. فإنَّها تتطلعُ إلى ذلكَ كلِّه وتشتهيهِ، وهو عينُ هلاكِهَا ومنه ينشأُ البغيُ والحسدُ والحقدُ. فمن وقِيَ شحَّ نفسِهِ فقد قهرها وقصرَهَا على ما أُبِيحَ لها وأُذنَ لها فيه، وذلكَ عين الفلاحِ(٢) . (١) ((أحكام الخراج» (ص ١٢٨ - ١٢٩). (٢) ((شرح حديث: لبيَّك اللهم لبيك)) (ص ١٢٨ - ١٢٩). ٣٩٦ سورة الحشر قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلَإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَان وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلأَّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } فأفضلُ الأعمالِ: سلامةُ الصَّرِ من أنواع الشَّحناءِ كلِّها، وأفضلُها السَّلامةُ من شحناءِ أهلِ الأهواءِ والبدعِ التي تقتضِي الطَّعنَ على سلف الأمةِ، وبغضَهم والحِقدَ عليهم، واعتقادَ تكفيرِهم أو تبديعِهم وتضليلهم؛ ثم يلي ذلكَ سلامةُ القلبِ من الشَّحناءِ لعمومِ المسلمينَ، وإرادةُ الخيرِ لهُم، ونصيحتُهم، وأن يُحبَّ لهم ما يُحبُّ لنفسه. وقد وصفَ اللَّهُ تعالى المؤمنين عمومًا بأنَّهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلَإِخْوَانِتَا الَّذِينَ سَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّ لَّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. وفي ((المسندِ))(١) عن أنسٍ أنَّ النبيَّ بِّ، قال لأصحابِهِ ثلاثةَ أيامٍ: (يطلُعُ عليكم الآنَ رَجُلٌ مِن أهلِ الجنَّةِ)) فيطلُعُ رجلٌ واحدٌ، فاستضافهُ عبدُ اللَّه بن عمرٍو، فنامَ عنده ثلاثًا لينظرَ عملَه، فلم ير له في بيته كبيرَ عملٍ، فأخبرَهَ بالحال، فقال له: هو ما ترى، إلا أنِّي أبيتُ وليسَ في قلبي شيءٌ على أحدٍ من المسلمين. فقالَ عبدُ اللَّهِ: بهذا بلغَ ما بلغَ. وفي ((سُنْنِ ابنِ ماجه))(٢): عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو، قالَ: قيل: يا رسول اللَّهِ، أيُّ الناسِ أفضلُ؟ قال: ((كُلُّ مُخْمُومِ القلبِ، صدوقِ اللَّسانِ)). قالوا: صَدَوقُ اللسانِ نعرفُه، فما مَخْمُومُ القلبِ؟ قال: ((هو النَّقِيُّ النَِّيُّالذي لا إِثْمَ فيه، ولا بَغْيَ، ولا غلَّ، ولا حسدَ). (١) جزء من حديث طويل أخرجه: أحمد في ((المسند)) (١٦٦/٣). (٢) ابن ماجه (٤٢١٦). ٣٩٧ سورة الحشر قال بعضُ السَّلْفِ: أفضلُ الأعمالِ سلامةُ الصُّدُورِ، وسخاوةُ النُّفُوسِ، والنَّصيحةُ للأمَّةِ؛ وبهذه الخصالِ بلغَ منْ بلغَ، لا بكثرةِ الاجتهادِ في الصّومِ والصَّلاةِ(١). قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ ﴿١٧، وَلا تَكُونُوا ـ و لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ وأعظمُ الشدائدِ التي تنزلُ بالعبدِ في الدنيا الموتُ، وما بعده أشدَّ منه إن لم يكنْ مصيرُ العبدِ إلى خيرٍ، فالواجبُ على المؤمنِ الاستعدادُ للموتِ وما بعدَهُ في حال الصحةِ بالتقوى والأعمال الصالحةِ، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ وَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٨ -١٩]. فمن ذكرَ اللَّهَ في حالِ صحتِهِ ورخائه، واستعدَّ حينئذٍ للقاء اللَّه عزَّ وجلَّ بالموتِ وما بعدَهُ، ذكرَهُ اللَّهُ عندَ هذه الشدائد، فكانَ معهُ فيها، ولطفَ بهِ، وأعانَهُ، وتولاهُ، وثبّتَه على التوحيدِ، فلقيهُ وهو عنه راضٍ، ومن نسِيَ اللَّهَ في حالِ صحتهِ ورخائِهِ، ولم يستعدَّ حينئذٍ للقائِهِ، نسيهُ اللَّهُ في هذه الشدائد، بمعنى أنَّه أعرض عنهُ، وأهملَهُ، فإذا نزلَ الموتُ بالمؤمنِ المستعدِّ لهُ، أحسنَ الظنَّ بربِّهِ، وجاءتْهُ الْبُشْرَى مِنَ اللَّهِ فأحبَّ لقاءَ اللَّهِ، وأحبَّ اللَّهُ لقاءَه، والفاجرُ بعكسِ ذلكَ، وحينئذٍ يفرحُ المؤمنُ، ويستبشرُ بما قدَّمَهُ مما هو (١) ((اللطائف)) (٢٦٦ - ٢٢٧). ٣٩٨ سورة الحشر قادمٌ عليهِ، ويندمُ المفرطُ، ويقولُ: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنَبٍ الله ﴾ [الزمر: ٥٦]. قال أبو عبد الرحمنِ السُّلميُّ قبلَ موتِهِ: كيفَ لا أرجُو ربِّي وقد صُمْتُ له ثمانينَ رمضانَ؟ وقال أبو بكرٍ بنُ عياشٍ لابنه عندَ موتِهِ: أترى اللَّه يضيعُ لأبيكَ أربعينَ سنةً يختمُ القرآن كُلَّ ليلةٍ؟ وختمَ آدمُ بنُ أبي إياسِ القرآنَ وهو مسجّى للموتِ، ثم قالَ: بحُبِّي لكَ، إلا رفقتَ بي في هذا المصرعِ؟ كنتُ أُؤْمِّلُك لهذا اليومِ، كنتُ أرجوكَ، لا إله إلا اللَّه، ثم قُضِي. ولما احتُضِرَ زكريا بنُ عديٌّ، رفعَ يديهِ، وقالَ: اللهمّ إنِّي إليكَ لمشتاقٌ. وقال عبدُ الصمدِ الزاهدُ عند موتِهِ: سيِّدي لهذهِ الساعةِ خبَّأْتُكَ، ولهذا اليومِ اقتنيتُكَ، حقِّق حُسْنَ ظنِّي بكَ. وقال قتادةُ في قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجَا﴾ [الطلاق: ٢] قال: من الكربِ عندَ الموتِ . وقال عليّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ في هذه الآيةِ: يُنْجيهِ من كلِّ کربٍ في الدنيا والآخرةِ. وقال زيدُ بنُ أسلمَ في قولهِ عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠]. قال: يُبشر بذلكَ عند موتِهِ، وفي قبرِهِ، ويومَ يُبعثُ، فإِنَّه لفي الجنةِ، وما ذهبتْ فرحةُ البشارةِ من قلبهِ. ٣٩٩ سورة الحشر وقال ثابت البنانيُّ في هذه الآية: بلغنا أن المؤمنَ حيثُ يبعثه الله من قبره، يتلقاهُ ملكاهُ اللذان كانا معه في الدنيا، فيقولانِ لهُ: لا تخفْ ولا تحزنْ، فيؤْمِّنُ اللَّهُ خوقَه، ويُقُرُّ اللَّهُ عينَه، فما مِنْ عظيمة تغشى الناسَ يومَ القيامةِ إلا هي للمؤمنِ قرَّةُ عينٍ لما هداهُ اللَّهُ، ولما كانَ يعملُ في الدُّنْيا (١). (١) ((جامع العلوم والحكم)) (٤٩٩/١ - ٥٠١). سُورَةُ المُمْتَحَنَة و رو و قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فَتْنَةً لَّلَّذِينَ كَفَرُوا وَغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال ابن الجوزي في ((المقتبس)): سمعتُ الوزير (١) يقول في قوله تعالى: ﴿رَبََّا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: ٥] قال: المعنى: لا تَبْتِلِيْنا بأمرٍ يوجبُ افتانَ الكفارِ بِنَا، فإنَّه إذا خُذِلَ المتُقي ونُصِر العاصي فُتِنَ الكافرُ، وقال: لو كان مذهبُ هذا صحيحًا ما غُلب (٢). قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحْنُوهُنَّ و ء وقد رُويَ عن ابنِ عبَّاسِ رِوَُّها في قولهِ تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]، قالَ: كانتِ المرأةُ إذا أتتِ النَّبِيَّ وََّ﴾ حلَّفها باللّهِ: ما خرجتِ من بُغْضِ زوجٍ، وباللَّهِ: ما خرجتِ رغبةً بأرضٍ عن أرضٍ، وباللَّهِ: ما خرجتِ التماسَ دُنْيا، وباللَّهِ: ما خرجت إلا حُبًّا لله ورسولِهِ. خرجهُ ابنُ أبي حاتم، وابنُ جريرٍ، والبزََّرُ في ((مسنده)(٣)، وخرَّجه الترمذي في بعضِ نسخِ كتابهِ مختصراً(٤). (١) هو: يحيى بن محمد بن هبيرة. (٢) ((طبقات الحنابلة)) (٣/ ٢٧٢). (٣) أخرجه: البزار (٢٢٧٢ - كشف). (٤) ((جامع العلوم والحكم)) (٣٨/١).