Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
سورة الواقعة
تعبِ الزراعِ، واجتماعِ الدّينِ عليهِ، لرجاء القضاءِ بعدَ الحصاد مع فراغٍ
البيوتِ من الأقواتِ.
وأمَّا في الماء، فقالَ: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] أي: الآنَ؛ لأنَّا لو
أخَّرْنا ذلك لشربَ العطشانُ، وادَّخَرَ منه الإنسانُ(١).
قوله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ:
وكان من السلف من إذا رأَى النارَ اضطربَ وتغيرتْ حالُه، وقد قالَ تعالىَ
﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً ﴾ [الواقعة: ٧٣] قال مجاهدٌ وغيرُهُ: يعني أن نارَ الدنيا تذكرُ
بنارِ الآخرةِ .
وقال أبو حيانَ التيميّ: سمعتُ منذُ ثلاثين سنة أو أكثرَ من ثلاثينَ سنة أنَّ
عبدَ اللَّه بن مسعودٍ مَرَّ على الذينَ ينفخُونَ على الكيرِ فسقَطَ، خرجه الإمامُ
أحمدُ.
١
وخرج ابنُ أبي الدنيا من روايةِ سعدِ بنِ الأخرمِ، قالَ: كنتُ أمشِيَ معَ ابنِ
مسعود فمرَّ بالحدادينَ وقد أخرجُوا حديدًا من النارِ، فقامَ ينظرُ إليه ويبكِي.
وعن عطاء الخراسانيٌّ قال: كانَ أويس القرنيُّ يقفُ على موضع الحدادينَ
فينظرُ إليه كيفَ ينفخونَ الكيرَ، ويسمعُ صوتَ النارِ فيصرحُ ثم يسقطُ.
وعن ابن أبي الذبابِ: أن طلحةَ وزيدًا مرَّاً بكيرِ حدادٍ فوقَفَا ينظرانِ إليه
ویبکیان.
(١) ((طبقات الحنابلة)) (٣/ ٢٧٢).

٣٤٢
سورة الواقعة
قال الأعمشُ: أخبرني من رأَى الربيعَ بن خثيمٍ مرّ بالحدادينَ فنظر إلى
الکیرِ وما فيه فخرًّ.
وقال مطر الوراقُ: كان حممةُ وهرمُ بنُ حيانَ إذا أصبحَا غدَيَا فمرَّاً بأكْوِرَةِ
الحدادينَ، فنظراً إلى الحديدِ كيفَ ينفخُ، فيقفانِ ويبكيانِ، ويستجيرانِ من
النار.
وقال حمادُ بنُ سلمةَ عن ثابتٍ: كانَ بشيرُ بنُ كعبٍ وقراءُ البصرةِ يأتونَ
الحدادينَ فينظرونَ إلى شهيقِ النارِ فيتعوذونَ باللَّهِ من النارِ.
وعن العلاءِ بنِ محمدٍ قالَ: دخلتُ على عطاء السلميِّ فرأيتُه مغشيًّا عليه،
فقلتُ لامرأته: ما شأنُه؟ قالتْ: سجرتْ جارةٌ لنا التنورَ فلمَّا نظرَ إليه غُشِيَ
علیهِ.
وعن معاويةَ الكنديِّ قالَ: مرَّ عطاءٌ السلميُّ على صبيِّ معهُ شعلةُ نارٍ
فأصابت النارَ الريحُ، فسمعَ ذلك منها، فغشِيَ عليهِ.
وقال الحسنُ: كان عمرُ خُِّهُ ربَّما توقدُ له النارُ ثم يدْني يديه منها، ثم
يقولُ: يا ابنَ الخطابِ هلْ لكَ على هذا صبرٌ.
وكان الأحنفُ بنُ قيسِ يجئُ إلى المصباحِ بالليلِ فيضعُ أصبعهُ فيه، ثم
يقولُ: حِس حِس، ثم يقولُ: يا حنيفُ ما حملكَ على ما صنعتَ يومَ كذا،
ما حملكَ على ما صنعتَ يومَ كذا؟ .
وقال البختريُّ بنُ حارثةَ: دخلتُ على عابد، فإذا بين يديهِ نارٌ قد أجْجَهَا،
وهوَ يعاتبُ نفسهُ ولم يزلْ يعاتِبُها حتى ماتَ.
وكانَ كثيرٌ من الصالحينَ يذكرُ النارَ وأنواعَ عذابِها برؤيةِ ما يشبههُ بها في

٣٤٣
سورة الواقعة
الدُّنيا، أو يذكرُهُ بِهَا كرؤيةِ البحرِ وأمواجِهِ والرؤوسِ المشويةِ، وبكاءِ الأطفالِ،
وفي الحرِّ والبردِ، وعند الطعامِ والشرابِ وغيرِ ذلكَ، وسنذكرُ ما تيسرَ من
ذلكَ مفرَّقًا في مواضِعِهِ إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
وأنَّ منهم من كانَ يذكرُ النارَ بدخولِ الحمامِ، وروى ليثٌ عن طلحة قال:
انطلقَ رجلٌ ذاتَ يومٍ فنزعَ ثيابَهُ وتمرغَ في الرمضاءِ وهو يقولُ لنفسِهِ: ذوقي
نارَ جهنمَ ذوقي ﴿نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُ حَرًّا ﴾ [التوبة: ٨١] جيفةٌ بالليلِ بطالةٌ بالنهارِ، فبينا
هو كذلك إذا أبصرَ النبيَّ وَّ في ظلِّ شجرةٍ فأتاهُ، فقالَ: غلبتِنِي نفسِي،
فقالَ له النبيُّ وَّ: ((ألم يكنْ لك بدٌّ من الذي صنعتَ؟ لقد فُتحتْ لك أبوابُ
السماء، ولقد باهَى اللَّهُ بكَ الملائكةَ)) خرجهُ ابنُ أبي الدنيا وهو مرسلٌ، وخرجَ
الطبرانيُّ نحوَّهُ من حديثِ بريدةَ موصولاً، وفي إسناده من لا يعْرفُ حالُه،
واللهُ أعلم (١) .
ومِن أعظمِ ما يُذكِّرُ بنارِ جهنمَ: النَّارُ التي في الدنيا، قال الله تعالى:
﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةُ وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣]، يعني أنَّ نارَ الدُّنْيا جعلها اللَّه
تذكرةً تذكِّرُ بنارِ الآخرةِ. مرَّ ابنُ مسعودٍ بالحدَّدين وقد أخرجُوا حديدًا من
النارِ، فوقفَ ينظرُ إليه ويبكي.
ورُوي عنه: أنَّه مرَّ على الذين ينفُخُون الكيرَ فسقطَ.
وكان أويس يقفُ على الحدَّدين فينظرُ إليهم كيف ينفخونَ الكيرَ، ويسمعُ
صوتَ النَّار، فيصرخُ، ثم يسقُطُ. وكذلك الرَّبيع بنُ خُثيم. وكان كثيرٌ من
(١) ((التخويف من النار)) (٢٤ - ٢٥).

٣٤٤
سورة الواقعة
السَّلف يخرجونَ إلى الحدَّدينَ ينظرونَ إلى ما يصنعونَ بالحديد، فييكونَ
ويتعوَّذون باللّهِ من النَّارِ .
ورأى عطاءٌ السَّليمي امرأةً قد سجرت تنورَها، فغُشي عليه. قال الحسنُ:
كانَ عمرُ رُبَّمَا تُوقدُ له النَّارُ، ثم يُدني يدَه منها، ثم يقول: يا ابنَ الخطاب!
هل لك على هذا صبرٌ؟
كانَ الأحنفُ بنُ قيسٍ يجيءُ إلى المصباحِ فيضعُ أُصبعَه فيه، ويقول:
حسِّ، ثمَّ يُعاتبُ نفسه على ذنوبهِ .
أجَّجَ بعضُ العبَّادِ نارًا بين يديه وعاتبَ نفسه، فلم يزلْ يعاتبُها حتى مات.
نارُ الدنيا جُزْءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنّم، وغُسلَت بالبحر مرتين حتى
أشرقت وخفَّ حرُّها، ولولا ذلك ما انتفعَ بها أهلُ الدُّنْيا، وهي تدعو اللَّهَ
ألا يعيدَها إليها. قال بعضُ السَّلْف: لو أُخرجَ أهلُ النار منها إلى نار الدنيا
لقالُوا فيها ألفَي عام. يعني أنهم كانُّوا ينامُون فيها ويرونها بردًا.
كان عمرُ يقول: أكثروا ذكرَ النَّارِ؛ فإنَّ حرَّها شديدٌ، وإنَّ قعرها بعيدٌ،
وإنَّ مقامعها حديدٌ.
كان ابنُ عمر وغيرُهُ من السَّلْف إذا شربوا ماءً باردًا بكوا وذكروا أمنّيَّةَ أهل
النار وأنَّهم يشتهون الماء الباردَ، وقد حيلَ بينهم وبينَ ما يشتهونَ، ويقولون
لأهل الجنة: ﴿أَفِضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]، فيقولُونَ
لهم: إنَّ اللَّهَ قد حرمَهما على الكافرينَ. والمصيبةُ العُظْمى حينَ تطبُقُ النَّارُ
على أهلِها، وييأسونَ من الفرجِ، وهو الفزعُ الأكبرُ الذي يأمنُهُ أهلُ الجنةِ ﴿إِنَّ
الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ [الأنبياء: ١٠١].

٣٤٥
سورة الواقعة
لو أبصرتْ عيْنَاكَ أهلَ الشَّقَا سِيقوا إلى النَّارِ وَقَدْ أُحْرِقُوا
شرابُهُمُ الْمُهْلُ في قَعْرِها إذ خالَفُوا الرُّسْلَ وما صَدَّقُوا
تقولُ أخراهُمْ لأولاهُمُ فِي لُججِ المُهْلِ وقد أُغْرِقوا
قد كُنْتُمُ خُوِّفْتُمُ حَرَّها لكن مِن النِّيران لم تَفْرُّقُوا
وَجِيءٌ بالنِّيران مَذْمُومَةٌ شَرَارُها مِنْ حَوْلِها مُحْدِقُ
وقيلَ للنِّيران أَنْ أَحْرِقِي وقيلَ للخُزَّان أن أَطْبقُوا(١)
قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
[قال البخاري](٢): قَوْل اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
[الواقعة: ٨٢] قَالَ ابنُ عبَّاسٍ: شُكرِكُمْ.
قالَ آدمُ بنُ أبي إياسٍ في ((تفسيره)): نا هشيمٌ، عن جعفرِ بنِ إياسٍ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ، عنِ ابنِ عباسٍ، في قولِهِ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي: شكركم
﴿أَنَّكُمْ تُكَذِبُونَ﴾ قال: هو قولُهم: مُطرنَا بنوءِ كذا وكذا.
قال ابنُ عباسٍ: وما مُطْرَ قومٌ إلا أصبحَ بعضُهَم به كافرًا، يقولونَ: مُطرنا
بنوء كذا وكذا.
ثُمَّ خرَّج في سببِ نزولها من روايةِ الكلبيِّ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ
عباسٍ.
وقد خرَّجه مسلمٌ في ((صحيحه))(٣) من روايةِ عكرمةَ بنِ عمارٍ: حدثني
(١) ((لطائف المعارف)) (٥٥٦ - ٥٥٧).
(٢) أخرجه: البخاري (٤١/٢).
(٣) أخرجه: مسلم (١/ ٦٠).

٣٤٦
سورة الواقعة
صَلىالله
وسير ،
أبو زميلٍ: حدثني ابنُ عباسٍ، قال: مُطْرَ الناسُ علَى عهد رسول اللَّه
فقالَ رسولُ اللَّهِ وَالَ: ((أصبحَ مِنَ الناسِ شاكرٌ، ومنهم كافرٌ، قالوا: هذا رحمة
وضعَها اللَّهُ، وقال بعضهم: لقد صدقَ نوءُ كذا وكذا))، فنزلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَلا
أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ حتَّى بلغَ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:
وروى عبدُ الأعلَى الثعلبيُّ، عن أبي عبد الرحمنِ السلميِّ، عن عليٍّ، عن
النبيِّ وَلَّ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال: ((شكُرَكم، تقولُون: مُطرْنا بنوءِ
كذا وكذا، ونجمٍ كذا وكذا)».
خرجه الإمامُ أحمدُ والترمذيُ (١) .
وقال: حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه - مرفوعًا - إلا من حديث إسرائيلَ، عن
عبد الأعلى.
ورواه سفيانُ عن عبدِ الأعلَى - نحوَهَ -، ولم يرفَعْه.
ثم خرَّجه من طريقِ سفيانَ - موقوفًا على عليّ(٢).
وكان سفيانُ ينكرُ علَى مَن رفعَه.
وعبدُ الأعلَى هذا، ضعَّفَه الأكثرونَ. ووثقه ابنُ معينٍ.
وخرجَ القاضِي إسماعيلُ في كتابه «أحكامُ القرآن)» كلامَ ابنِ عباسٍ بالإسنادِ
المتقدمِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أن ابنَ عباسٍ كان يقرؤها: ﴿وتجعلون
شكركم﴾، تقولونَ: على ما أنزلْتُ من الغيثِ والرحمةِ، تقولونَ: مُطرْنا بنوْءِ
كذا وكذا. قال: فكان ذلك كفرًا منهم لِمَا أنعمَ اللَّهُ عليهم.
(١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٨٩/١، ١٠٨)، والترمذي (٣٢٩٥).
(٢) السابق (١٠٨/١).

٣٤٧
سورة الواقعة
نا إسماعيلُ: حدَّثْني مالكٌ، عن صالحِ بنِ كيسانَ، عنْ عُبَيْدِ اللَّه بن عبد
اللَّه بنِ عُتْبَةَ بنِ مسعُودٍ، عن زيدِ بنِ خالدِ الْجُهنيٌّ، أنَّهُ قالَ: صلَّى لنا
رسولُ اللهِ بَ له صلاةَ الصُّبْح بالحديبيةِ علَى إِثْرِ سماءٍ كانتْ من اللَّيلِ، فلمَّا
انصرفَ النَّبِيُّنَّهِ أَقبلَ عَلَى النَّاسِ، فقالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمُ؟)) قَالُوا:
اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافرٌ، فأمَّ من قالَ: مُطرْنَاً
بفضلِ اللَّهِ ورحمتِهِ، فذلكَ مُؤْمِنٌ بِي كافرٌ بالكوكَبِ، وأَمَّا مِنْ قالَ: بِنَوءِ كذا وكذا،
فذلك كافرٌ بِي مُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ))(١) .
قولُه: ((على إثرِ سماءٍ))، أي: مطرٍ كانَ منَ الليلِ .
والعربُ تسمِّي المطرَ سماءً؛ لنزولِهِ منَ السماءِ، كما قالَ بعضُهم:
رَعَيْنَاهُ، وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا
إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ
وقولُهُ وَّه: ((هَلْ تدرونَ ماذَا قَالَ ربكمْ؟)) - وفي بعضِ الرواياتِ: ((الليلةَ)) -
وهي تدلُّ على أن اللَّه تعالى يتكلَّمُ بمشيئَتِهِ واختيارِهِ.
كما قالَ الإمامُ أحمدُ: لم يزلِ اللَّهُ متكلِّمًا إذا شاءَ.
وقولُه: ((أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافرٌ، فأمَّا من قالَ: مُطُرْنَا بفضل اللَّه
ورحمتِهِ، فذلكَ مُؤْمِنٌ بِي كافرٌ بالكوكَبِ، وأمَّا مِنْ قالَ: بِنَوءِ كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي
مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ)).
يعني: أنَّ مَن أضافَ نعمةَ الغيثِ وإنزالهِ إلى الأرضِ إلى اللَّهِ عز وجل
وفضله ورحمتهِ، فهو مؤمنٌ باللَّهِ حقًّا، ومَن أضافَه إلى الأنْواءِ، كما كانتِ
الجاهليةُ تعتادُه، فهو كافرٌ باللّهِ، مؤمنٌ بالكوكبِ.
(١) أخرجه: البخاري (٤١/٢).

٣٤٨
سورة الواقعة
قال ابنُ عبد البرِّ: النوءُ في كلامِ العربِ: واحدُ أنْواءِ النجومِ، وبعضهم
يجعلُهُ الطالعَ، وأكثرهُم يجعلُه الساقطَ، وقد تسمَّى منازلُ القمر كلُّها أنواءً،
وهي ثمانيةٌ وعشرونَ.
وقال الخطابيُّ، النوْءُ واحدُ الأنواءِ، وهي الكواكبُ الثمانيةُ والعشرونَ التي
هي منازلُ القمرِ، كانوا يزعمونَ أنَّ القمرَ إذا نزل ببعضِ تلكَ الكواكبِ
مُطِروا، فجعل النبيُّ نَل﴿ سقوطَ المطرِ من فعلِ اللَّهِ دونَ غيرِهِ، وأبطل
قولهم. انتهى.
وقال غيرُهُ: هذه الثمانيةُ وعشرونَ منزلاً تطلعُ كلَّ ثلاثةَ عشرَ يومًا منزلَ
صلاة الغداةِ بالمشرقِ، فإذا طلعَ رقيبُهُ منَ المغربِ؛ فسمِيت أنواءً لهذا المعنى.
وهو من الأضدادِ، يقال: ناءَ إذا طلعَ، وناء إذا غربَ، وناءَ فلانٌ إذا
قربَ، وناء إذا بعدَ.
وقد أجرى اللَّهُ العادة بِمَجيء المطر عند طلوعٍ كلِّ منزلٍ منها، كما أجرى
العادة بِمجيءِ الحرِّ في الصيف، والبردِ في الشتاءِ .
فإضافةُ نزول الغيثِ إلى الأنْواءِ، إن اعتقدَ أنَّ الأنواءَ هي الفاعلةُ لذلك،
المدبرةُ له دونَ اللَّه عز وجل، فقد كفرَ باللَّهِ، وأشركَ به كفرًا ينقله عن ملةٍ
الإسلامِ، ويصيرُ بذلك مرتدا، حكمُهُ حكمُ المرتدينَ عن الإسلامِ، إن كان
قبل ذلك مسلمًا .
وإن لم يعتقدْ ذلكَ، فظاهرُ الحديث يدلُّ على أنه كفرُ نعمةِ اللَّه.
وقد سبقَ عنِ ابنِ عباسٍ، أنه جعلَه كفرًا بنعمة اللَّهِ عزَّ وجلَّ.
وقد ذكرنا في (كتابِ الإيمان)) أن الكفرَ كفرانٍ: كفرٌ ينقلُ عن الملة، وكفرٌ

٣٤٩
سورة الواقعة
دون ذلكَ، لا ينقلُ عن الملة، وقد بوَّب البخاريُّ عليه هنالك.
فإضافةُ النِّعَم إلى غيرِ المنعمِ بها بالقولِ كفرٌ للمنعمِ في نعمِهِ، وإن كان
الاعتقادُ يخالف ذلك.
والأحاديثُ والآثار متظاهرةٌ بذلك.
وفي ((صحيحِ مسلمٍ)) (١)، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ بَّةِ، قال: ((ألمْ تروا
إلى ما قالَ ربُّكم؟ قال: ما أنعمتُ عَلَى عبادِي من نعمةٍ إلا أصبحَ فريقٌ منهم بها
کافرین، یقولون: الکو کب وبالکو کب».
وروي من وجه آخر (٢)، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّهِ، قال: ((إن اللَّهَ عزَّ
وجلَّ لُيُبَيِّتُ القومَ بالنعمةِ، ثم يُصبحُونَ وأكثرُهم بها كافرٌ، يقولون: مُطْرْنا بنوْء كذا
و کذا)).
وروى أبو سعيد الخدريّ، عن النبيِ وََّ، قال: «لو أمسكَ اللَّهُ القَطْرَ عن
الناسِ سبعَ سنينَ، ثم أرسلَه، كفرتْ طائفةٌ منهم، فقالوا: هذا من نوْءِ المِجْدَحِ))(٣).
وروى أبو الدرداء، قال: مُطرنا على عهد رسول اللَّهِ وَّجله ذات ليلة،
فأصبحَ رسولُ اللَّهِ وَ لَّهِ ورجلٌ يقولُ: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فقال رسولُ اللَّه
وَله: (قَلَّمَا أنعمَ اللَّهُ عَلَى قومٍ نعمةً، إلا أصبحَ كثيرٌ منهم بِها كافرين) (٤) .
وفي ((صحيح مسلمٍ)(٥)، عن أبي مالك الأشعريِّ، عن النبيِّ ◌َِّةِ، قال:
(١) مسلم (٥٩/١).
(٢) أخرجه: أحمد في («المسند» (٥٢٥/٢).
(٣) أخرجه: أحمد في «المسند» (٣/ ٧٠)، والنسائي (١٦٥/٣).
(٤) عزاه في ((الكنز)) للطبراني.
(٥) مسلم (٤٥/٣).

٣٥٠
سورة الواقعة
((أربعٌ في أمتِي مِن أمرِ الجاهلية، لا يتركونَهنُّ: الفَخْر في الأحساب، والطعنُ في
الأنسابِ، والاستسقاءُ بالنجومِ، والنياحةُ)).
وخرج البخاريُّ في (صحيحه)) (١) ، من روايةِ ابنِ عيينةً، عن عبيدِ اللَّهِ:
سمِعَ ابنَ عباسٍ يقول: «خلالٌ من خلالِ الجاهليةِ: الطعنُ في الأنسابِ،
والنياحةُ))، ونَسِيَ الثالثةَ: قال سفيان: ويَقُولون: إنها «الاستسقاءُ بالأنواءِ)).
وروي عن ابنِ عباسٍ - مرفوعًا - من وجه آخر ضعيف.
وخرج ابنُ حبانَ في (صحيحه))(٢) - معناه - من حديث أبي هريرةَ -
مرفوعًا .
وروى ابنُ عيينَةَ، عن إسماعيلَ بنِ أمية، أنَّ النبي ◌َّ سمع رجلاً في
بعضِ أسفارِهِ يقول: مُطِرْنا ببعضِ عَثانين الأسدِ، فقالَ رسولُ اللَّهِ وَلَهُ:
((كذبتَ، بل هو سقي اللَّه عزَّ وجلَّ، ورزقُ))(٣).
وذكر مالكٌ (٤)، أنه بلغَه عن أبي هريرةَ، أنه كانَ يقولُ: مُطِرْنا بنوْءِ
الفتحِ، ثم يتلو هذه الآية: ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا ﴾
[فاطر : ٢].
وذكر الشافعيُّ (٥) أنه بلغه، أن عمرَ سمع شيخًا يقول - وقد مطرَ الناسُ -:
أجَادَ مَا أَقْرَى المِجْدَحِ الليلةَ، فأنكر ذلك عمرُ عليه.
(١) البخاري (٥٦/٥).
(٢) أخرجه: ابن حبان (٣١٤١).
(٣) أخرجه: ابن جرير في ((التفسير)) (٢٧/ ١٢٠).
(٤) («الموطأ)) (ص ١٣٦).
(٥) ((الأم)) (٢٢٣/١).

٣٥١
سورة الواقعة
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ، عن سلمٍ العلويِّ، قال: كنا عند أنسٍ،
فقال رجل: إنها لمخيلة للمطرِ، فقال أنس: إنها لربِّها لمطيعةٌ.
يشير أنسٌ إلى أنه لا يضافُ المطرُ إلى السحابِ، بلْ إلى أمرِ اللَّهِ ومشيئته.
وذكر ابنُ عبدِ البرِّ، عن الحسنِ، أنه سمعَ رجلاً يقولُ: طلع سهيلٌ، وبردَ
الليلُ، فكره ذلكَ، وقال: إن سهيلاً لم يأت قطُّ بِحَرِّ ولا بردٍ.
قال: وكره مالكٌ أن يقولَ الرجلُ للغيمِ والسحابة: ما أخلقَها للمطرِ.
قال: وهذا يدلُّ على أن القومَ احتاطُوا، فمنعوا الناسَ منَ الكلامِ بما فيه
أدنى متعلَّق مِن كلامِ الجاهليةِ في قولِهم: مُطرنا بنوءِ كذا وكذا. انتهى.
واختلف الناسُ في قول القائل: «مُطِرِنًا بنوْءٍ كذا وكذا)) مِن غيرِ اعتقاد
أهلِ الجاهليةِ: هو هو مكرُوه، أو محرَّمٌ؟
فقالت طائفةٌ: هو محرمٌ، وهو قولُ أكثرِ أصحابنا، والنصوصُ تدلُّ عليه،
كما تقدم.
وقال طائفة: هل مكرُوه، وهو قولُ الشافعيِّ وأصحابِه، وبعضٍ أصحابنا .
فأما إن قالَ: ((مُطرْنا في نوء كذا وكذا))، ففيه لأصحابنا وجهان:
أحدهما: أنه يجوزُ، كقوله: ((في وقت كذا وكذا)»، وهو قولُ القاضي أبي
یعلَى وغیرِه.
ورُوي عن عمرَ فِالله، أنه قال للعباسِ ◌ُِّه، وهو يستسقي: يا عباسُ،
كم بقيَ مِن نوْءِ الثريًّا؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، إن أهلَ العلمِ بها يزعمونَ أنها
تعترض بالأفقِ بعدَ وُقُوعِهَا سبعًا، فما مضتْ تلك السبعُ حتى أغيثَ الناسُ.

٣٥٢
سورة الواقعة
رواه ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ، عن ابنِ المسيبِ،
قال: حدثني من لا أتهمُ، عن عمرَ - فذكره.
والوجهُ الثاني: أنه يُكْرَه، إلا أن يقولَ مع ذلك: ((برحمةِ اللَّه عزَّ وجلَّ)،
وهو قولُ أبي الحسن الآمديِّ مِن أصحابِنا.
واستدلَّ للأول بما ذكرَ مالكٌ في ((الموطٍ))(١)، أنه بلغَه، أنَّ النبيَّ وَِّ كانَ
يقولُ: ((إذا نشأتْ بحريَّتُها فَشَاءَمَتْ، فتلك عينٌ غَديقةٌ)).
وهذا من البلاغاتِ لمالكِ التي قيل: إنه لا يعرَفُ إسنادُها.
وقد ذكرَهَ الشافعيّ(٢)، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ أبي يحيى، عنْ إسحاقَ
بنِ عبدِ اللَّهِ، عنِ النبيِّبِّهـــ مرسلاً -، قال: ((إذا نشأتْ بَحْرِيَّةً، ثم استحالتْ
شامیةً، فهو أمطرُ لها)).
قال ابنُ عبدِ البرِّ: ابنُ أبي يحيى، مطعونٌ عليه متروكٌ.
وإسحاقُ، هو: ابن أبي فروةَ، ضعيفٌ - أيضًا - متروكٌ.
وهذا لا يَحْتَجُّ به أحدٌ من أهل العلمِ.
قلت: وقد خرجه ابنُ أبي الدنيا من طريقِ الواقديِّ: نَا عبدُ الحكيمِ بنُ
عبد اللَّهِ بن أبي فروةَ: سمعتُ عوفَ بنَ الحارث: سمعتُ عائشةَ تقولُ:
سمعتُ النبيَّ ◌َِّهِ يقولُ: ((إذا أنشات السحابةُ بحريةٌ، ثم تشاءَمت، فتلك عينٌ» - أو
قالَ: ((عامٌ غديقةٌ)(٣).
يعني: مطرًا كثيرًا.
(١) ((الموطأ)) (ص ١٣٦).
(٢) ((الأم)) (٢٢٥/١).
(٣) أخرجه: الطبراني في «الأوسط» (٧٧٥٧).

٣٥٣
سورة الواقعة
والواقديُّ: متروك - أيضًا.
والمعنى: أنَّ السحابةَ إذا طلعتْ بالمدينةِ من جهةِ البحرِ، ثمَّ أخذتْ إلى
ناحيةِ الشامٍ، جاءتْ بمطرٍ كثيرٍ، وهو الغدَقُ.
قال تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًّا﴾ [الجن: ١٦].
وقَّده ابنُ عبدِ البرِّ: ((غُدَيقةٌ)) بضمِّ الغينِ بالتصغيرِ .
[ الذاريات: ٢ ]،
ومن هذا المعنى: قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: ﴿فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا﴾
وفسََّه عليٌّ بنُ أبي طالبٍ وابنُ عباسٍ ومَنْ بعدَهُما بالسحابِ.
قال مجاهدٌ: تحملُ المطر (١) .
وَأَنتُمْ حينئذ
٨٣
قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ
تَنظُرُونَ ﴿﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ
٨٥
تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِين
٨٦
فَلَوْلا إِن كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ
٨٩
فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةَ نَعِيمٍ ﴾
AM
فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ
فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَاب
وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمين
، وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِبِينَ الضَّالِّينَ ﴿٥٧، فَتُؤُلٌ مِّنْ
٩١
الْيَمِينِ ﴿ـ
٥ , و
إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِين﴾
وَتَصْلِيَةٌ جَحِيمٍ
حَمِيمٍ ﴿
قال آدمُ بنُ أبي أياسٍ: حدثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن
عبد الرحمنِ بنِ أبي ليلى، قالَ: تلا رسولُ اللَّهِ وَ ليهِ هذه الآيات: ﴿فَلَوْلا إِذَا
بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ﴿٨﴾ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾، إلى قوله: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ
(١) ((فتح الباري)) (٣٣٤/٦ - ٣٤١).

٣٥٤
سورة الواقعة
نَعِيمٍ﴾، إلى قوله: ﴿فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ ﴿4﴾ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٣ -٩٤]،
قال: ((إذا كانَ عندَ الموت قيلَ له هذا، فإن كانَ من أصحاب اليمين أحبَّ لقاءَ اللَّه
وأحبَّ اللَّهُ لقاءَهُ، وإن كانَ من أصحابِ الشمالِ كَرِهَ لقاءَ اللَّه وكرهَ اللَّهُ لقاءَه)).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ، من طريقِ همّامٍ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، سمعتُ
عبدَ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى - وهو يتبعُ جنازةً يقولُ: حدثني فلانُ بن فلان،
سمعَ رسولَ اللَّهِ وَلَه يقولُ: ((مَن أحبَّ لقاءَ اللَّه أحبَّ اللَّهُ لقاءَهُ، ومن كره لقاءَ اللَّه
كرهَ اللَّهُ لقاءَهُ». فأكبّ القوم يبكونَ. قال: ((ما يبكيكُم؟)) قالوا: إنا نكرهُ الموتَ.
﴾ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ
قال: ((ليسَ ذاك، ولكنَّه إذا حُضِرَ: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ
وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ فإذا بشرَ بذلكَ أحبَّ لقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ للقائه أحبُّ. ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ
فَتُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ ﴿4﴾ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾. وفي قراءة ابن
٩٢
الْمُكَذِبِينَ الضَّالِّينَ ﴿
مسعود: ﴿ثُمَّ تَصْلِيةُ جَحِيمٍ﴾. فإذا بشرَ بذلكَ كرهَ لقاءَ اللَّه واللَّهُ للقائه أَكْرَهُ)(١).
خرَّج ابنُ البراءِ في كتابِ ((الروضةِ)) من حديث عمرو بن شَمِر - وهو
ضعيف جدًّا - عن جابر الجعفي، عن تميم بن حَذْلم، عن ابنِ عباس، عن
النبي وَلّ: ((ما من ميِّت يموتُ إلا وهو يعرفُ غاسلَه، ويناشدُ حاملَه، إن كان بُشِّر
بروحٍ وريحان وجنة نعيمٍ أن يعجِّلَه، وإن بُثِّرَ بنزلٍ من حميمٍ وتَصْليةٍ جحيمٍ أن
یحبسە)).
وفي ((صحيح البخاريِ)(٢)، عن عبادةَ بنِ الصامتِ، عن النبيِّ وَلَّه قال:
((من أحبَّ لقاءَ اللَّه أحبَّ اللَّهُ لقاءَهُ، ومن كره لقاءَ اللَّه كرهَ اللَّهُ لقاءَهُ))، فقالتْ عائشةُ،
أو بعضُ أزواجه: إنا نكرهُ الموتَ. قالَ: ((ليس ذلكَ، ولكنَّ المؤمنَ إذا حضرَه
(١) أخرجه: أحمد في («المسند» (٢٥٩/٤).
(٢) البخاري (١٣٢/٨)، ومسلم (٦٥/٨).

٣٥٥
سورة الواقعة
الموتُ بُشِّرِ برضوانِ اللَّه وكرامته، فليسَ شيءٌ أحبَّ إليه ممَّا أمامَهُ، فأحبَّ لقاءَ اللَّه
وأحبَّ اللَّهُ لقاءَه، وإنَّ الكافرَ إذا حُضر، بُشِّرِ بعذاب الله وعقوبته، فليسَ شيءٌ أكرهَ إليه
مَّا أمامَهُ، فكرهَ لقاءَ اللَّه وكرهَ اللَّهُ لقاءَهُ».
وقد رُوِيَ هذا المعنى عن النبيِّ نَُّلِّ من وجوه متعددة.
وفي حديث زاذن، عن البراء بن عازبٍ، عن النبيِّ نَّهِ: ((إنَّ نفسَ المؤمنِ
يقالُ لها: اخْرجي أيتها النفسُ المطمئنةُ إلى مغفرة من اللَّهِ ورضوان، فتخرجُ وتسيلُ كما
تسيلُ القطرةُ من فيِّ السقاءِ، وإنَّ نفسَ الكافرِ يُقال لها: اخرجي أيتها النفسُ الخبيثةُ إلى
غضب اللَّهِ وسخطه، فتفرقُ في جسدِهِ، وتأبى أن تخرج، فيجذبونَها، فتنقطعُ معها
العروقُ والعصبُ))(١) .
وفي روايةِ عيسى بنِ المسيبِ عن عديِّ بن ثابتٍ، عن البراءِ، عن النبيِّ
وَّ قال: «فتتفرق روحُهُ في جسدِهِ، كراهةَ أن تخرجَ لما ترى وتعاين، فيستخرجُها،
كما يستخرجُ السفودَ من الصوفِ المبلولِ».
وقد دلّ القرآنُ على عذابِ القبرِ في مواضعَ أُخرَ كقولهِ تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى
إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِ جُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ
عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾
[ الأنعام: ٩٣].
وخرَّج الترمذي بإسناده(٢) ، عن عليّ قالَ: مازِلْنا في شكِّ من عذابِ
القبرِ حتى نزلتْ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴿﴿ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ -٢].
(١) أخرجه: أحمد في المسند)) (٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨).
(٢) الترمذي (٣٣٥٢).

٣٥٦
سورة الواقعة
وخرّج ابن حبانَ في ((صحيحِهِ))(١)، من حديثِ حمّادِ بنِ سلمة، عن
محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّة، في قوله
سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]،
قال: ((عذابُ القبرِ)).
وقد روي موقوفًا، وروي من وجهِ آخر عن أبي هريرةَ مرفوعًا.
وروي من وجه آخرَ من حديث أبي سعيد الخدريِّ، مرفوعًا وموقوفًا،
وسيأتي ذلك كلُّه إن شاءَ اللَّه تعالى.
وقال آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدثنا المسعوديُّ، عن عبدِ اللهِ بن المخارق، عن
أبيه، عن ابن مسعودٍ مِثُه، قالَ: إذا ماتَ الكافرُ أُجلس في قبرِهِ، فيقالُ له:
من ربك؟ وما دينُك؟ فيقولُ: لا أدري، فيضيَّقُ عليه قُبُره، ثم قرأ ابنُ
مسعودٍ: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾، قال: المعيشة الضنكُ: عذابُ القبرِ.
وروى شريك، عن ابنِ إسحاقَ، عن البراءِ، في قولهِ عزَّ وجلّ: ﴿عَذَابًا
دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور:٤٧]. قال: عذابُ القبرِ.
وكذا رُوي عن ابنِ عباسٍ، في قولِه سبحانه وتعالى: ﴿لَنَذِيقَنَّهُم مِنَ الْعَذَاب
الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١] أنه عذابُ القبرِ.
وكذا قال قتادةُ، والربيعُ بنُ أنسٍ، في قولِه عز وجل: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتِيْنٍ﴾
[التوبة: ١٠١]، إحداهما في الدنيا، والأُخرى هي عذاب القبرِ.
وقد تواترت الأحاديثُ عن النبيِّ وَّ في عذابِ القبرِ والتعوّذِ منه.
(١) ابن حبان (٣١١٩).

٣٥٧
سورة الواقعة
وفي ((الصحيحين)) (١) عن مسروقٍ عن عائشةَ فِّها، أنها سألتِ النبيّ وَّه
عن عذابِ القبرِ، قال: (نَعمْ، عذابُ القبر حقٌّ) قالتْ عائشةُ فُِّها: فما رأيتُ
رسولَ اللّهِ وَ لَّهِ بعدَ ذلكَ صلَّى صلاةً إلا تعوَّذ من عذابِ القبرِ.
وفيهما عن عَمْرةً (٢)، عن عائشةَ فِيَّها، أنَّ النبيَّ وَِّ قال: «إنّي رأيتكم
تفتنونَ في القبورِ كفتنة الدَّجَّال))، قالتْ عائشةُ فِوَُّها: فكنتُ أسمعُ رسولَ اللَّهِ
وَّ بعدَ ذلكَ يتعوّذُ من عذابِ القبرِ .
وفي ((صحيح مسلمٍ) (٣) عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ بَّهِ أنه كان يعلِّمُهم هذا
الدعاءَ كما يعلِّمُهُم السورةَ من القرآنِ: («اللهُمّ إنِّي أعوذُ بكَ من عذابٍ جهَّمَ،
وأعوذُ بكَ من عذابِ القبرِ، وأعوذُ بكَ من فتنةِ المسيحِ الدجالِ، وأعوذُ بكَ من فتنة المحيا
والممات)).
وفيه (٤) - أيضًا -، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ وَ﴿ قال: «إذا فرغَ أحدُكم من
التشهدِ الآخرِ، فليتعوَّذْ باللَّهِ من أربعٍ: من عذابِ جهنّم، ومن عذابِ القبر، ومن فتنة
المحيا والمماتِ، ومن فتنة المسيحِ الدَّجال)).
وفي ((صحيح مسلمٍ)(٥) عن زيد بن ثابتٍ، قال: بينما النبيّ بَّه في حائطِ
93
بني النجارِ على بغلةٍ له، ونحن معهُ، إذ حادتْ به، فكادتْ أن تلقيَهُ، وإذا
أَقْبُرٌ سنةٌ أو خمسةٌ أو أربعةٌ، فقال: ((من يعرفُ أصحابَ هذه الأَثْبُر؟)) فقال
ءِ
رجلٌ: أنا، فقالَ: ((متى ماتَ هؤلاء؟» فقال: ماتُوا في الإشراكِ، فقالَ النبيّ
(١) أخرجه: البخاري (١٢٣/٢)، (٩٧/٨)، ومسلم (٩٢/٢).
(٢) لم أجده في ((الصحيحين))، وهو عند النسائي (١٠٥/٤)، و(٢٧٤/٨)، وابن خزيمة (٨٥١).
(٣) مسلم (٩٤/١)، وكذلك أخرجه: البخاري (١٢٤/٢).
(٤) مسلم (٩٣/١).
(٥) مسلم (١٦٠/٨)، وأحمد في ((المسند)) (١٩٠/٥).

٣٥٨
سورة الواقعة
وَلَّهُ: ((إن هذه الأمةَ تُبتلى في قبورها، فلولا أن لا تَدافَنُوا لدعوتُ اللَّهَ أن يسمعَكُم من
عذابِ القبرِ الذي أسمعُ منه))، ثم أقبلَ علينا بوجهِهِ فقال: ((تعوّذوا بالله من عذابٍ
النار))، فقالوا: نعوذُ باللَّهِ من عذابِ النارِ، فقالَ: ((تعوّذوا باللَّهِ من عذاب القبر))،
قالوا: نعوذُ باللهِ من عذاب القبرِ، فقال: ((تعوّذُوا باللّهِ من الفتنِ ما ظهر منها وما
بطَنَ))، قالوا: نعوذ باللّهِ من الفتنِ ما ظهر منها وما بطنَ، قال: ((تعوّذوا بالله من
فتنة الدجال))، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال.
وفي ((صحيح مسلم)) (١) عن أنسٍ، عن النبيِّ وَّ قالَ: ((لولا أن لا تدافنوا
لدعوتُ اللَّهَ أن يسمعَكمُ من عذابِ القبرِ)).
وفي (الصحيحينِ))(٢)، من حديث أبي أيوب الأنصاريِّ، قالَ: خرجَ علينا
النبيّ وَّ وقد وجبتِ الشمسُ، فسمعَ صوتًا، فقالَ: ((يهودُ تعذّبُ في قبورِهَا)).
وخرّج الإمامُ أحمدُ، وأبو داود(٣)، من حديث البراءِ بنِ عازبٍ، قال:
خرجْنَا معَ رسولِ اللهِ وَّ في جنازةِ رجلٍ من الأنصارِ فانتهيْنَا إلى القبرِ ولمْ
يُلْحَدَ، فجلسَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ وجلسْنَا حولَهُ، كأنّا على رؤوسِنَا الطيرُ، وفي
يده عودٌ ينكتُ به الأرضَ، فرفعَ رسولُ اللَّهِ وَه رأسَهُ، فقالَ: ((استعيذُوا بِاللَّه
من عذابِ القبرِ))، مرتين أو ثلاثًا، وذكرَ الحديثَ بطولهِ.
وخرّجَ الإمامُ أحمدُ، من حديث أبي الزبيرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قالَ:
دخلَ النبيُّ ◌َّهِ نَخْلاً لبني النجارِ، فسمعَ أصوات رجالٍ من بني النجارِ،
ماتُوا في الجاهليةِ، يعذَّبونَ في قبورِهم، فخرجَ رسولُ اللَّهِ نَّه فَزْعًا فأمَرَ
(١) مسلم (١٦١/٨).
(٢) أخرجه: البخاري (١٢٣/٢)، ومسلم (١٦١/٨).
(٣) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٢٨٧/٤)، وأبو داود (٣٢١٢)، و(٤٧٥٣)، و(٤٧٥٤).

٣٥٩
سورة الواقعة
أصحابَهُ أن يتعوَّذوا باللهِ من عذابِ القبرِ (١).
وخرّجه - أيضًا - من حديث أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن أمِّ مبشرٍ، قالتْ:
دخلَ عليَّ رسولُ اللَّهِ إِ لهِ وأنا في حائطِ من حوائطِ بني النجارِ، فيه قبور
منهم، قد ماتُوا في الجاهليةِ، فسمعهم يعذبونَ، فخرجَ وهو يقولُ: (استعيذُوا
باللّهِ من عذاب القبرِ))، قلتُ: يا رسولَ اللَّه ليعذَّبُونَ في قبورِهم؟ قال: ((نعم
عذابًا تسمعُهُ البهائمُ)(٢) .
وفي (الصحيحينِ))(٣) عن ابنِ عباسٍ، أن النبيَّ نَّهِ مَرّ بقبرينٍ، فقالَ:
((إنهما ليَعذّانِ، وما يعذبان في كبيرٍ، أما أحدُهما فكانَ لا يستترُ من البول، وأما الآخرُ
فكانَ يمشِي بالنميمةِ))، ثم أخذ جريدةً رطبةً، فشقَّها باثنتينٍ، ثم غَرَز على كلِّ
قبر منهُما واحدةً، قالوا: لِمَ فعلتَ هذا يا رسولَ اللَّه؟ قال: ((لعلَّه يخففُ
عنھُما ما لم يَيْسا».
وقد رُوي هذا الحديثُ عن النبيِّ ◌ِِّ بهذا المعنى مِنْ وجوه متعددة، خرّجه
ابنُ ماجه (٤) من حديث أبي بكرةَ، وفي حديثهِ: ((وأمَّا الآخرُ يعذَّبُ في الغيبةِ)).
وخرّجه الخلالُ وغيرُهُ، من حديث أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّةِ، وفي بعضِ
رواياته: ((وأمَّا الآخرُ فكان يهْمِزُ الناسَ بلسَانِه، ويمشِي بِينَهُم بالنميمةِ».
وخرّجَّه الطبرانيُّ من حديث عائشةً(٥) ، وأنسِ بنِ مالكٍ، وابنِ عمرَ.
(١) أخرجه: أحمد في («المسند» (٢٩٥/٣ - ٢٩٦).
(٢) السابق (٣٦٢/٦)، وابن حبان (٣١٢٥).
(٣) أخرجه: البخاري (٦٥/١)، (١١٩/٢، ١٢٤)، (٢٠/٨)، ومسلم (١٦٦/١).
(٤) ابن ماجه (٣٤٩).
(٥) أخرجه: الطبراني في ((الأوسط)) (٦٥٦٥).

٣٦٠
سورة الواقعة
وخرّجه أبو يعلى الموصِليُّ(١) وغيرُهُ، من حديث جابرٍ، وفي حديثهِ: (أمّا
أحدُهما فكانَ يغتابُ الناسَ)).
وخرّجه الإمامُ أحمدُ (٢)، من حديث أبي أمامةَ، وفي حديثه قالوا: يا نبيّ
اللّهِ، وحتى متى يعذبان؟ قال: ((غَيْبٌ لا يعلَمُهُ إلا اللَّهُ، ولولا تمريجٌ في قلوبِكم
وتزيدُكُمْ في الحديثِ لسمعتُم ما أسمعُ). ورويَ من وجوهِ أُخرَ.
وخرَّج النسائيُّ (٣)، من حديث عائشةَ بِّه)، قالتْ: دخلَتْ عليَّ امرأةٌ
من اليهودِ فقالَتْ: إنْ عذابَ القبرِ من البولِ، قلتُ: كذبتِ، قالتْ: بلَى،
إنه ليقرظُ من الجلدِ والثوبِ، قالتْ: فخرجَ رسولُ اللَّهِ وَّه إلى الصلاة، وقد
ارتفعتْ أصواتُنا، فقالَ وَّ: «ما هذا؟)) فأخبرتُه بما قالتْ، فقالَ: ((صَدَقَتْ)).
وخرّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وابن ماجه(٤)، من حديثِ
عبدِ الرحمنِ بنِ حسنة، سمعَ النبيَّ رَ له يقولُ: (أَلَم تعلمُوا ما لقيَ صاحبُ بني
إسرائيلَ؟ كانُوا إذا أصابَهُم البولُ قطعُوا ما أصابَهُ البولُ، فتهاهُم فعُذِّبَ في قبرِهِ».
وخرّج الإمامُ أحمدُ، وابنُ ماجه(٥)، من حديث أبي هريرةَ، عن النبيِّ
مـك الله
وَسَلام
قال: ((أكثر عذاب القبر من البول))، وروي موقوفًا على أبي هريرة.
وخرّج البزارُ، والحاكمُ (٦)، من حديثِ ابنِ عباسٍ بِّها، عن النبيِّ وَّل
(١) أخرجه: أبو يعْلَى (٤/ ٢٠٥٠، ٢٠٥٥، ٢٠٦٦).
(٢) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٢٦٦/٥).
(٣) النسائي (١٠٤/٤ - ١٠٥).
(٤) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (١٩٦/٤)، وأبو داود (٢٢)، والنسائي (٢٦/١، ٢٨)، وابن ماجه
(٣٤٦) .
(٥) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٣٢٦/٢، ٣٨٨)، وابن ماجه (٣٤٨).
(٦) الحاكم (١٨٣/١ - ١٨٤)، وأخرجه: البزار والطبراني كما في ((المجمع)) (٢٠٧/١).