Indexed OCR Text
Pages 321-340
و رؤ ٣
سُورَةُ النَّجْمِ
قوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَديثِ تَعْجَبُونَ
٥٩
وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾
وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ
وقدْ أفْتَى قاضي القضاةِ أبو بكرٍ محمدُ بنُ المظفرِ الشاميُّ الشافعيُّ - وكانَ
أحدَ العُلماءِ الصَّالِحِينَ الزُّهادِ، الحاكمينَ بالعدلِ وكانَ يُقَالُ عنْهُ: لو رُفِعَ
مذهبُ الشافعيِّ من الأرضِ لأمْلاهُ من صدرِه - بتحريمِ الغناءِ، وهذه صورةٌ
فُتِياهُ بحروفِهَا، قالَ: لا يجُوزُ الضربُ بالقضيبِ ولا الغناءُ ولا سماعُهُ، ومن
أضافَ هذا إلى الشافعيِّ فقدْ كذبَ عليهِ. وقد نصَّ الشافعيَّ في كتابِ ((أدبِ
القضاء)): أنَّ الرجلَ إذا داوَم على سماعِ الغناءِ، رُدّتْ شهادتُه، وبطلتْ
( وَتَضْحَكُونَ وَلَا
عدالتُه. وقالَ اللَّه تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ
تَبْكُونَ ﴿٣٠﴿ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٩٥ -٦١] قالَ ابنُ عباسٍ: معناه تُغَنُّون بلغة
حمير. وقال اللَّهُ عزَّ جلَّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُشْتَرِيَ لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٦] جاءَ في التفسير: أنه الغناءُ والاستماعُ إليهِ. ورُوي عن
رسُول اللَّهِ وَلّهِ أَنَّه قالَ: ((إنَّ اللَّهَ كَرِهَ صوتينِ أحمقَينِ فَاجِرَينٍ: صوتٌ عند نعمة،
وصوتٌ عندَ مصيبة))(١). يُريد بذلكَ الغناءَ والنوحَ. وقالَ ابنُ مسعود: الغناءُ
خطبةُ الزِّنا. وقال مكحولٌ: الغناءُ ينبتُ النفاقَ في القلبِ، كما ينبتُ السَّيْلُ
ے
البقْلَ. والله أعلم.
(١) أخرجه: الترمذي (١٠٠٥).
٠
٣٢٢
سورة النجم
هذا جوابُ محمدِ بنِ المظفرِ الشاميِّ الشافعيِّ. ثم كتبَ بعدَهُ موافقةً له
على فُتياه، جماعةٌ من أعيانٍ فقهاءِ بغدادَ: من الشافعيةِ والحنفيّةِ والحنبليّةِ في
ذلكَ الزَّمان، وهو عصرُ الأربع مئةَ. وهذا يخالفُ قولَ كثيرٍ من الشافعيَّةِ،
في حمل كلامِ الشافعي على كراهةِ التنزيهِ.
والمعنى المقتضي لتحريمِ الغناءِ: أنَّ النفوسَ مجبولةٌ على حُبِّ الشهوات،
كما قالَ تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٤] فجعلَ
النساءَ أوَّلَ الشهواتِ المزينةِ. والغناءُ المشتملُ على وصفِ ما جُبلتِ النفوسُ
على حُبِّه، والشَّغف به - من الصُّوَر الجميلةِ - يُثِيرُ ما كمنَ في النفوسِ من
تلك المحبّةٍ ويُشوِّقُ إليها، ويُحرِّكُ الطبعَ ويزعجُه، ويخرجُه عن الاعتدال،
ويؤُزَّه إلى المعاصِي أزًّا. ولهذا قيل: إنه رقيةُ الزنا.
وقد افتُتْنَ بسماع الغناء، خلقٌ كثيرٌ فأخرجهُم استماعُه إلى العشقِ، وفُتنوا
في دينهِم. فلو لم يرد نصُّ صريحٌ في تحريمِ الغناءِ بالشعرِ الذي تُوصفُ فيه
الصُّورُ الجميلة لكانَ محرّمًا بالقياسِ على النظرِ إلى الصُّورِ الجميلةِ التي يحرمُ
النظرُ إليها بالشهوةِ، بالكتابِ والسنة وإجماعٍ من يُعتدُّ به من علماءِ الأمةِ .
فإنَّ الفتنةَ كَما تحصُلُ بالنظرِ والمشاهدةِ، فكذلك تحصُلُ بسماعِ الأوصافِ،
واجتلائها من الشعرِ الموزونِ المحرّك للشهواتِ .
ولهذا نهى النبيَّ وََّ أن تصفَ المرأةُ المرأةَ لزوجها، كأنّه ينظرُ إليها(١).
لِمَا يُخشى من ذلكَ من الفتنةِ. وقد جعلَ النبيِّ نَّهِ زِنا العينينِ النظرَ، وزنا
الأذنينِ الاستماعَ (٢). وقالَ أبو هريرةَ مِنَّه: ثلاثٌ فاتناتٌ مُفتناتٌ يُكببنَ في
(١) أخرجه: البخاري (٤٩/٧)، وأبو داود (٢١٥٠)، والترمذي (٢٧٩٣).
(٢) أخرجه: البخاري (٦٧/٨)، ومسلم (٥٢/٨).
٣٢٣
سورة النجم
النارِ: رجلٌ ذُو صورة حسنةٍ، فاتنٌ مفتونٌ به يُكِبُّ في النار، ورجلٌ ذو شعرٍ
حسنٍ، فاتن مفتونٌ به يُكَبُّ في النارِ. ورجلٌ ذو صوتٍ حسنٍ، فاتنٌ مفتون
به يُكبُّ في النارِ. خرّجه حميد بن زنجويه في ((كتابِ الأدبِ))(١).
(١) ((نزهة الأسماع)) (ص ٦٤ - ٦٧).
سُورَةُ الْقَمَرِ
و .
٠٠٠
یوم
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسَعَرِ Ti﴾.
يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَجُ
ومن أنواعٍ عذابِهِم سحبُهم في النَّارِ على وجوهِهم، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ
الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسَعُرٍ ﴿٤٧: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ
إِذِ الأَغْلالُ فِي
سقر﴾ [القمر: ٤٧، ٤٨]، وقالَ تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ﴾ [غافر: ٧٠ .
٧١
أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُّونَ
٧٢] قالَ قتادةُ: يسحبُونَ في النارِ مرةً وفي الحميمِ مرةً، وقالَ تعالى: ﴿يَوْمَ
تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاً﴾ [الأحزاب: ٦٦].
وقالَ قتادةُ: قالَ ابنُ عباسٍ ﴿صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧]: صخرةٌ في جهنمَ يُسحَبُ
عليها الکافرُ علی وجهِه.
وقالَ كعبٌ: يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ للإمامِ الجائرِ: ﴿خُذُوهُ فَعُلُّوهُ .
ثَمَّ
الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠، ٣١] فيُسحَبُ على وجهه في النَّارِ، فينتثرُ لحمهُ
وعظامُهُ ومخُّهُ.
وقالَ ثابتٌ أبو زيدِ القيسيَّ، عن عاصم الأحول، عن أبي منصورِ مَولى
سليم أنَّ ابنَ عباسٍ قالَ: ﴿يُسْحَبُونَ ﴿٧١]» فِي الْحَمِيمِ﴾ [غافر: ٧١، ٧٢]. قالَ أبو
زيد: أُراء قالَ: ينسلخُ كلُّ شيءٍ عليه من جلدٍ ولحمٍ وعروقٍ وأعصابٍ حَتَّى
٣٢٥
سورة القمر
يصيرَ في عقبيهِ جسدٌ من لحمِهِ مثلُ طوِلِهِ، وطولُهُ ستونَ ذراعًا، ثمَّ يُكسَى
جلدًا آخرَ، ثمَّ يسجرُ في الحميمِ. خرَّجُهُ كلَّه ابنُ أبي حاتمٍ (١).
(١) ((التخويف من النار)) (ص ١٤٧ - ١٤٨).
سُورَةُ الرَّحْمَنِ
قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾
إنَّ الشتاء له مشرقٌ ومغربٌ، والصيفَ كذلك، ولهذا ثَنَّاهما اللَّه تعالى في
قولِهِ: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] وجمعَهما في قولِهِ: ﴿بِرَبِّ
الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] باعتبار مشارق الشتاء والصيفِ والخريفِ
والربيعِ؛ فإنَّ لكلِ يومٍ من السنةِ مطلعًا مشرقًا خاصا ومغربًا خاصا، وأفردَهما
في قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء: ٢٨] باعتبار الجنس(١).
قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنََّانِ﴾
وقد ضمنَ اللَّهُ سبحانَهُ الجنةَ لمن خافَهُ من أهلِ الإيمانِ، فقالَ تعالَى:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنََّانٍ﴾ [الرحمن: ٤٦] قال مجاهدٌ: في هذهِ الآيةِ: اللَّهُ قائمٌ
على كلِّ نفسٍ بما كسبتْ، فمن أرادَ أن يعملَ شيئًا فخافَ مقامَ ربِّه عليه، فله
جنتان .
وعنه أنه قالَ: هو الرجلُ يذنبُ فيذكرُ مقامَ اللَّه فيدعهُ. وعنه قالَ: هو
الرجلُ يهمُّ بالمعصيةِ فيذكرُ اللَّهَ فيترُكُها.
(١) ((فتح الباري)) (٢/ ٢٩٣).
٣٢٧
سورة الرحمن
وقال عليّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ: وعد اللَّهُ المؤمنينَ الذين خافُوا
مقامَهُ وأدَّوا فرائضَهُ الجنةَ.
وعن الحسنِ، قالَ: قالتِ الجنةُ: يا ربِّ لمنْ خلقْتني، قالَ: لمن يعبدُني
وهو يخافُني .
وقال يزيدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الشخيرِ: كنَّا نحدَّثُ أنَّ صاحبَ النارِ الذي لا
تمنعُهُ مخافةُ اللَّهِ من شيءٍ خفي له.
وعن وهبِ بنِ منبهِ، قال: ما عُبُدَ اللَّهُ بمثلِ الخوفِ.
وقال أبو سليمانَ الدارانيُّ: أصلُ كلِّ خيرٍ في الدنيا والآخرةِ الخوفُ من
اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وكلُّ قلبٍ ليسَ فيه خوفُ اللَّهِ فهو قلبٌ خربٌ.
وقال وهيبُ بنُ الورد: بلغنا أنَّه ضُرب لخوفِ اللَّهِ مثلٌ في الجسدِ، قيلَ:
إنما مثلُ خوفِ اللَّهِ، كمثلِ الرجلِ يكونُ في منزِلِهِ فلا يزالُ عامِرًا ما دامَ فيه
ربِّه، فإذا فارقَ المنزلَ ربُّه وسكنَهُ غيرُهُ خربَ المنزلُ، وكذلكَ خوفُ اللَّه
تعالَى، إذا كانَ في جسدٍ لم يزلْ عامِرًا ما دامَ فيه خوفُ اللَّهِ، فإذا فارقَ
خوفُ اللَّهِ الجسدَ خربَ، حتى إنَّ المارَّ يمرُّ بالمجلسِ من الناسِ فيقولونَ: بِئْسَ
العبدُ فلانٌ، فيقولُ بعضُهم لبعضٍ: ما رأيتم منه؟ فيقولونَ: ما رأينا منه شيئًا
غيرَ أنَّا نبغضه، وذلك أن خوفَ اللَّهِ فارقَ جسده، وإذا مرَّ بهم الرجلُ فيه
خوفُ اللَّهِ، قالُوا: نعمَ واللَّهِ الرجلُ، فيقولونَ: أيَّ شيءٍ رأيتم منه؟
فيقولونَ: ما رأينا منه شيئًا غيرَ أنَّا نحبُّه.
وقال الفضيلُ بنُ عياضٍ: الخوفُ أفضلُ من الرجاءِ ما كانَ الرجلُ
صحيحًا، فإذا نزلَ الموتُ فالرجاءُ أفضلُ.
٣٢٨
سورة الرحمن
وسئلَ ابنُ المبارك عن رجلين، أحدُهما خائفٌ والآخرُ قتيلٌ في سبيلِ اللَّهِ
عز وجل، قال: أحبُّهما إلىَّ أخوفُهُما(١).
(١) ((التخويف من النار)) (ص ٤ - ٥).
٠
ورو
سُورَةُ الوَاقِعَةِ
قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ
خَافِضَةٌ رَّافعَةً
٢١
لَيْسَ لوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ
وقال محمدُ بن كعبِ القُرظِيُّ في قولِهِ تَعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ
لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴿٣﴾، خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ١ -٣]، قال: تخفضُ رجالاً كانُوا
في الدُّنيا مرتفعينَ، وترفعُ رجالاً كانوا في الدُّنيا مخفوضين(١).
قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشّمَالِ مَا أَصْحَابُ
الشَّمَالِ ﴿4﴾ فِي سَمُوْمٍ وَحَمِيمٍ ﴿٤﴾ وَظِلٍ
لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾
٤٣
مِّنْ يَحْمُومِ
قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ: ﴿٤١» فِي سَمَوْمٍ وَحَمِيمٍ
وَظِلٍ مِّنْ يَحْمُومِ ﴿٤٣﴾، لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤١ - ٤٤].
* ٤٢
قالَ ابنُ عباسٍ: ظلٌّ من دخان، وكذا قالَ مجاهدٌ وعكرمةُ وغيرُ واحد،
وعن مجاهد قالَ: ظلُّ من دخانِ جهنمَ، وهو السَّمُومُ؛ وقالَ أبو مالك:
اليحمومُ: ظلٌّ من دخان جهنمَ، قالَ الحسنُ وقتادةُ في قولهِ: ﴿لا بَارِدٍ وَلا
• [الواقعة: ٤٤] لا باردُ المدخلِ، ولا كريمُ المنظرِ؛ والسَّمُومُ: هو الريحُ
كَرِيمٍ﴾
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (٢٩٦/٢).
٣٣٠
سورة الواقعة
الحارةُ، قالَه قتادةُ وغيرُه.
وهذه الآيةُ تضمنتْ ذكرَ ما يُتْبردُ به في الدُّنْيا من الكربِ والحرِّ وهو ثلاثةٌ:
الماءُ والهواءُ والظلُّ، فهواءُ جهنمَ: السمومُ وهو الريحُ الحارَّةُ الشديدةُ الحرِّ،
وماؤُها الحميمُ الذي قدْ اشتدَّ حرُّهُ، وظلُّها اليحمومُ وهو قطعُ دخانِها، أجارَنَا
اللَّهُ من ذلك كلِّه بکرمِه ومنِّه.
وقالَ تعالى: ﴿انطَلِقُوا إِلَى ظِلَّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ﴾ [المرسلات: ٣٠] قالَ مجاهدٌ:
هو دخانُ جهنمَ: اللهبُ الأخضرُ والأسودُ والأصفرُ الذي يعلو النَّارُ إذا
أُوقدتْ.
قالَ السديُّ في قولهِ: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢] قال: زعمُوا أن
شررَها ترمي به، كأصولِ الشجرِ ثمَّ يرتفعُ فيمتدُ، وقالَ القرظيَّ: على جهنمَ
سورٌ فما خرج من وراءِ سورِها يخرجُ منها في عظمِ القصورِ ولونِ القارِ.
وقال الحسنُ والضحاكُ في قوله: ﴿كَالْقَصْرِ﴾ هو كأصولِ الشجرِ العظامِ،
وقالَ مجاهدٌ: قطعُ الشجرِ والجبلِ. وصحَّ عن ابنِ مسعودِ قالَ: شررٌ
كالقصورِ والمدائنِ. ورَوى عليَّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ قالَ: ﴿بِشَرَرٍ
كَالْقَصْرِ﴾ يقولُ: كالقصرِ العظيمِ.
وفي ((صحيح البخاريِّ)(١) عن ابنِ عباسٍ، قالَ: كنا نرفعُ من الخشبِ
بقصرِ ثلاثةَ أذرعٍ أو أقلَّ نرفعُه للشتاءِ، نُسميه القصرَ.
وقولُهُ: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ ﴾ [المرسلات: ٣٣] قالَ ابنُ عباسٍ: حبالُ السفنِ
يُجمَعُ بعضُها إلى بعضِ تكونُ كأوساطِ الرجالِ، وقالَ مجاهدٌ: هي حبالٌ
(١) البخاري (٢٠٤/٦).
٣٣١
سورة الواقعة
الجسورِ، وقالتْ طائفةٌ: هي الإبلُ، منهم الحسنُ وقتادةُ والضحاكُ، وقالوا:
الصفرُ هي السودُ. ورُوي عن مجاهد أيضًا.
وقالَ عليّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ في قولهِ: ﴿جِمَالَتْ صُفْرٌ﴾ قالَ:
يقولُ: قِطَعُ النحاسِ .
قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] قال
عليُّ بنُ أبي طلحةً عن ابنِ عباسٍ ﴿شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ ﴾ يقولُ: لهبُ النَّار
﴿وَنُحَاسٌ﴾ يقولُ: دخانُ النَّارِ.
وكذا قالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ وأبو صالحٍ وغيرُهُما إنَّ النحاسَ: دخانُ النَّار،
وقالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ عن ابنِ عباسٍ ﴿شُوَاظٌ مِّنِ نَّارٍ﴾ قالَ: دخانٌ، وقال أبو
صالحٍ: الشواظُ: اللهبُ الذي فوقَ النَّارِ ودونَ الدخان. قالَ منصورٌ عن
مجاهد: الشواظُ: هو اللهب الأخضرُ المتقطعُ. وعنه قالَ: الشواظُ: قطعةٌ من
النَّارِ فيها خُضرةٌ.
قالَ الحسينُ بنُ منصور: أخرج الفضيلُ بنُ عياضٍ رأسه من خوخة فقالَ
منصورٌ عن مجاهد: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّنِ نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ﴾
[الرحمن: ٣٥] ثمَّ أدخلَ رأسَه فانتحَب ثم أخرجَ رأسَه، فقالَ: هو اللهبُ المنقطعُ
ولم يستطعْ أنْ يجيزَ الحديثَ.
وخرَّجَ النسائيُّ والترمذيُ (١) من حديث أبي هريرةَ عن النبيِّ وَِّ قالَ: ((لا
يجتمعُ غبارٌ في سبيلِ اللَّهِ ودخانُ جهنمَ في جوفِ امرئٍ أبدً»، وخرَّج الإمامُ
(١) أخرجه: الترمذي (١٦٣٣)، (٢٣١١)، والنسائي (١٢/٦)، وأحمد (٥٠٥/٢)، وابن ماجه
(٢٧٧٤) .
٣٣٢
سورة الواقعة
أحمد(١) من حديثٍ أبي الدرداءَ عن النبيِّ وَله نحوَهَ(٢)
.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ
لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّنَ زَقُومٍ ﴿ فَمَالِئُونَ مِنْهَا
٥١
٥٤
فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ
الْبُطُونَ
- هَذَا نُزْلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾
٥٥
فَشَارِبُونَ شَرْبَ الْهِيمِ .
قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ٥١» لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ
مِّنْ زَقُّومِ ﴿ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ { فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ {08ِ فَشَارِبُونَ
شُرْبَ الْهِيمِ {
٥٥﴾ هَذَا نُزْلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥١ -٥٦].
والنُّزلُ هو ما يعُدُّ للضيفِ عندَ قدومهِ، فدلتْ هذه الآياتُ على أنَّ أهلَ
النَّارِ يتحفُونَ عند دخولها بالأكلِ من شجرةِ الزقومِ والشربِ من الحميم، وهم
إنَّما يُساقُونَ إلى جهنمَ عِطاشًا، كما قالَ تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَّمَ
وردًا﴾ [مريم: ٨٦]. قال أبو عمرانَ الجوني: بلغنا أنَّ أهلَ النَّارِ يبعثُون عِطاشًا ثمَّ
يقفُونَ مشاهدَ القيامةِ عِطَاشًا، ثمَّ قَرأَ: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَّمَ وِرْدًا﴾ قال
مجاهدٌ في تفسيرِ هذه الآيةِ: متقطعةٌ أعناقُهم عَطَشًا؛ وقالَ مطرٌ الوراق:
عِطَاشًا: ظِمَاءً.
وفي ((الصحيحين)) (٣) عن النبيُّ وَّ في حديث الشفاعة الطويل: ((إنَّه يقالُ
(١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٤٤٣/٦).
(٢) )) التخويف من النار)) (ص ٨٥ - ٨٧).
(٢) أخرجه: البخاري (٥٦/٦، ١٩٨)، (١٥٨/٩)، ومسلم (١١٧/١) عن أبي سعيد الخدري.
٣٣٣
سورة الواقعة
اليهود والنصارى: ماذا تبغُون؟ فيقولُون: عَطشْنا ربَّنا فاسقنا، فيُشارُ إليهم ألا تردِونَ
فُيُحشرونَ إلى جهنمَ كأَنَّهما سرابٌ يحطمُ بعضُها بعضًا، فيتساقطُونَ في النَّارِ)).
وقالَ أيوبُ عن الحسنِ: ما ظنَّكَ بقومٍ قاموا على أقدامِهم خمسينَ ألفَ
سنةٍ لم يأكُلُوا فيها أكلةً ولم يشربُوا فيها شربةً حتَّى انقطعتْ أعناقُهم عطشًا
واحترقتْ أجوافُهم جُوعًا، ثمَّ انصرفَ بهم إلى النَّارِ فَيُسْقَونَ من عينِ آنيةٍ قَدْ
آنَ حرُّها واشتدَّ نضجُها.
ورَوى ابنُ المبارك بإسناده عن كعبٍ، قالَ: إنَّ اللَّهَ ينظرُ إلى عبده يومَ
القيامة وهو غضبانٌ، فيقولُ: خذُوه، فيأخذه مائة ألف ملك أو يزيدُون،
١
فيجمعُون بينَ ناصيتهِ وقدميه غضبًا لغضبِ اللَّهِ، فيسحبونه على وجههِ إلى
النَّارِ، قالَ: فالنَّارُ أشدُّ عليه غضبًا من غضبهم سبعينَ ضعفًا، قال: فيستغيثُ
بشرْبَةٍ، فيُسقى شربةً يسقطُ منها لحمُهُ وعصبُه، ثمَّ يركسُ - أو يدكسُ - في
النَّارِ، فويلٌ لها من النَّارِ.
قال ابنُ المباركِ: حُدثتُ عن بعضِ أهلِ المدينةِ أنَّه يتفتتُ في أيديهم إذا
أخذُوه فيقولُ: ألا ترحمُوني، فيقولُون: كيفَ نرحمُك ولمَ يرحمك أرحمُ
الراحمينَ.
وروى الأعمشُ عن مالكِ بن الحارثِ، قال: إذا طُرحَ الرجلُ في النارِ
هوى فيها، فإذا انتهى إلى بعضِ أبوابها قيلَ: مكانَك حتَّى تُتْحَفَ، قال:
فيسُقى كأسًا من سُمِّ الأساودِ والعقاربِ، فيتميزُ الجلدُ على حدةٍ، والشعرُ
على حدة، والعصبُ على حدة، والعروقُ على حدة. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ.
وروى محمدُ بنُ سليمانَ بنِ الأصبهانيِّ، عن أبي سنانَ ضرار بنِ مرة،
٠
٣٣٤
سورة الواقعة
عن عبدِ الله بنِ أبي الهذيلِ، عن أبي هريرة ◌ُِّه، عن النبيِّ وَّةِ، قالَ: ((إنَّ
جهنمَ لما سِيقَ إليها أهلُها تلقتهُم فلفحتهُم لفحةً، فلم تدع لحمًا على عظمٍ إلا ألقته على
العرقوبِ)) خرَّجَه الطبراني(١) ورفْعُه منكرٌ، فقد رواه ابنُ عيينة عن أبي سنانَ
عن عبدِ اللهِ بنِ أبي الهذيلِ أو غيرهِ من قولِهِ لم يرفعْه. ورواه محمدُ بنُ
فضيلٍ عن أبي سنانَ عن عبدِ اللهِ بنِ أبي الهذيلِ عن أبي هريرةَ من قولِهِ في
قولهِ تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩] قالَ: تلقاهُم جهنمُ يومَ القيامةِ فتلفحُهم
لفحةً، فلا تتركُ لحمًا على عظمٍ إلا وضعتْهُ على العراقيب(٢).
وأما شرابُهم فقالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤]، وقال
تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءَ حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥]، وقال تعالى: ﴿لا
يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ﴿٤﴾ إِلَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤، ٢٥]، وقال تعالى:
﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ﴿٥٧﴾ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٧، ٥٨]، وقالَ
تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ {[١٤] يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيِغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٦، ١٧]،
وقالَ تعالى: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ
مرتفقا ﴾ [الكهف: ٢٩].
فهذه أربعةُ أنواعٍ ذكرناها من شرابهم، وقد ذكرَها اللَّهُ في كتابهِ :
النوعُ الأولُ: الحميمُ - قال عبدُ اللَّهِ بنُ عيسى الخراز، عن داودَ، عن
عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ : الحميمُ الحارُّ الذي يحرق.
(١) أخرجه: الطبراني في ((الأوسط)) (٢٧٨)، (٩٣٦٥) عن أبي هريرة فخّه.
(٢) ((التخويف من النار)) (١٥٧، ١٥٨).
٣٣٥
سورة الواقعة
ھو
وقال الحسنُ والسديُّ: الحمیمُ الذي قد انتھی حره.
وقال جويبر عن الضحاكِ: يُسقى من حميمٍ يُغلى من يومٍ خلقَ اللَّهُ
السماواتِ والأرضَ إلى يومٍ يُسقَونَه ويُصبُّ على رؤوسِهِم.
وقالَ ابنُ وهب عن ابن زيدٍ: الحميمُ دموعُ أعينِهِم في النارِ يجتمعُ في
حياض النارِ فُيُسْقَونَه.
وقال تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن : ٤٤].
قال محمدُ بنُ كعبٍ: حميم آن: حاضرٌ، وخالفَه الجمهورُ، فقالوا: بل
المرادُ بالآن: ما انتهى حره.
وقال شبيبٌ، عن عكرمَة، عن ابنِ عباسٍ: حميمٍ آنٍ: الذي قد انتهى
غلیُه.
وقال سعيدُ بنُ بشير عن قتادةَ: قد آنَ طبخُه، منذُ خلقَ اللَّهُ السماوات
والأرضَ، وقال تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] قال مجاهدٌ: قد بلغَ
حرُّها، وحانَ شربُها.
وعن الحسنِ، قالَ: كانت العربُ تقولُ للشيءٍ إذا انتهى حرَّهُ حتى لا
يكون شيءٌ أحرَّ منه: قد آنَ حرُّهُ، فقالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾
يقول: قد أوقدَ اللَّهُ عليها جهنمَ منذُ خُلقتْ، وآنَ حرُّها. وعنه قال: آنَ
طبخُها منذُ خلقَ اللَّهُ السمواتِ والأرضَ.
وقال السديُّ: انتهى حرُّها، فليس بعدَه حرٌّ. وقد سبقَ حديثُ أبي
الدرداء، في دفعِ الحميمِ إليهم بكلاليبِ الحديدِ.
النوع الثاني: الغسَّاقُ - قال ابنُ عباسٍ: الغسَّاقُ: ما يسيلُ من بینِ جلدِ
٣٣٦
سورة الواقعة
الكافرِ ولحمهِ. وعنه قال: الغسَّاقُ: الزمهريرُ الباردُ، الذي يحرقُ من بردهِ.
وعن عبدِ الله بن عمرو قالَ: الغسَّاقُ: القيحُ الغليظُ، لو أنَّ قطرةً منه
تُهرقُ في المغربِ، لأَنتنتْ أهلَ المشرقِ؛ ولو أُهرِقَتْ في المشرقِ، لأَنتنتْ أهلَ
المغربِ.
وقال مجاهدٌ: غسَّاق: الذي لا يستطيعُون أنْ يذوقُوه من بردِهِ.
وقال عطيةُ: هو ما يغسِقُ من جلودِهِم - يعني يسيلُ من جلودِهم.
وقال كعبٌ: غسَّاقُ: عينٌ في جهنم يسيلُ إليها حمة كلُّ ذاتٍ حمةٍ، من
حيةٍ وعقربٍ وغيرِ ذلك، فيستنقعُ؛ فيؤتَى بالآدَمي، فيُغمسُ فيها غمسةً
واحدةً، فيخرجُ وقد سقطَ جلدُه ولحمُه عن العظامِ؛ ويتعلقُ جلدُه ولحمُه في
عقبيهِ وكعبيهِ، ويجر لحمَه، كما يجر الرجلُ ثوبَه.
وقال السديُّ: الغسَّاق: الذي يسيلُ من أعينهِم من دموعِهم، يُسقونَه معَ
الحمیمِ.
وروى دراجٌ، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ نَّه قالَ: ((لو
أنَّ دلوا من غسَّاق، يُهرَقُ في الدُّنيا، لأنتنَ أهلَ الدُّنيا» خرَّجَه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ
والحاكمُ وصححه(١).
وقال بلالُ بنُ سعد: لو أنَّ دلوًا من الغسَّاقِ، وُضعَ على الأرضِ، لماتَ
مَنْ عليها. وعنه قالَ: لو أَنَّ قطرةً منه، وَقَعتْ على الأرضِ، لأنتنَ مَن فيها.
خرَّجَه أبو نعيمٍ.
(١) أخرجه: أحمد في «المسند)) (٢٨/٣، ٨٣)، والترمذي (٢٥٨٤)، والحاكم (٤/ ٦٠٢).
٣٣٧
سورة الواقعة
وقدْ صرحَ ابنُ عباسٍ في روايةٍ عنه، ومجاهدٌ، بأنَّ الغسَّاق ههنا هو الباردُ
الشديدُ البرد. ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ، إِلاَّ
حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴾ [النبأ: ٢٤، ٢٥].
فاستثنى من البردِ الغسَّقَ ومن الشرابِ الحميمَ.
وقد قيل: إن الغسَّاقَ هو الباردُ المنتنُ، وليس بعربيٍّ. وقيل: إنَّه عربيٍّ،
وإنه فَعّال من غسَقَ يَغسِقُ، والغاسقُ: الليلُ، وسُمِّيَ غاسقًا لبردِهِ.
النوع الثالث: الصَّدِيدُ : - قال مجاهدٌ في قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ
صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦].
قال: يعني القيحَ والدَّمَ، وقالَ قتادةُ: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ﴾ قال: ما
يسيلُ من بين لحمِه وجلدهِ؛ قالَ: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧] قالَ
قتادةُ: هلْ لكُم بهذا يدان، أم لكُم على هذا صبرٌ؟ طاعةُ اللَّهِ أهونُ عليكُم -
يا قوم - فأطيعُوا اللَّهَ ورسولَه.
وخرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ(١)، من حديث أبي أمامةَ، عن النبيِّ وََّ،
في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ ﴿١٦﴾، يَتَجَرَّعَهُ﴾ [إبراهيم: ١٦ - ١٧].
قال: يقربُ إلى فيه فيكرعُهُ، فإذا أُدني منه، شَوَى وجهَه، ووقعت فروةٌ
رأسِهِ؛ فإذا شَرِبِه قطَّعَ أمعاءَه، حتَّى يخرجَ من دبرِهِ، يقولُ اللَّهُ تعالى:
﴿ وَسُقُوا مَاءَ حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ..
وقال: ﴿وَإِن يَسْتَغِيُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ
(١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٢٦٥/٥)، والترمذي (٢٥٨٣)، والنسائي في ((الكبرى)) ((تحفة
الأشراف» (٤٨٩٤).
٣٣٨
سورة الواقعة
١ ٠٠٠٠
مرتفقا ﴾ [الكهف: ٢٩].
وروى أبو يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابنِ عباسٍ قالَ: في جهنّم
أوديةٌ من قیحِ تكتارُ ثُمَّ تُصبُّ في فِیهِ.
وفي ((صحيحٍ مسلمٍ)) (١) عن جابرٍ عن النبيِّ بَّهَ قالَ: ((إنَّ على اللَّه عهدًا
لمن شَرِبَ المسكراتِ ليسقِيَه من طينة الخبال))، قالوا: يا رسولَ اللَّه! وما طينةُ
الخَبَالِ؟ قال: ((عَرَقُ أهلِ النَّارِ أو عُصَارَةُ أهلِ النَّارِ)).
وخرَّج الإمامُ أحمدَ والنسائيُ وابنُ ماجه وابنُ حبانَ في ((صحيحه))(٢) من
حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو بنِ العاصِ عن النبيِّ وَّ نحوَهَ، إلا أنَّه ذكرَ ذلك
في المرةِ الرابعةِ، وفي بعضِ الرواياتِ ((مِنْ عينِ الخبالِ)).
وخرَّج الترمذيُّ (٣) من حديثِ عبدِ الله بن عمرَ نحوَهَ عن النبيِّ ◌َّ إلا
أَنَّه قال: ((من نهرِ الخبالِ))، قِيلَ: يا أبا عبد الرحمنِ ما نهرُ الخبال؟ قالَ: نهرٌ
من صديدِ أهلِ النَّارِ. وقالَ: حديثٌ حسنٌ.
وخرَّج أبو داودّ(٤) من حديثِ ابنِ عباسٍ عن النبيِّ وَّ نحوَه، وقالَ: ((من
طينة الخبالِ)) قِيلَ: يا رسولَ اللَّهِ ما طينةُ الخبال؟ قالَ: ((صديدُ أهلِ النَّارِ))، وفي
رواية أُخرى قالَ: ((ما يخرجُ من زهومةِ أهلِ النَّارِ وصديدِهم). وخرَّج الإمامُ
أحمدَ بمعناه أيضًا من حديث أبي ذرِ(٥) وأسماءَ بنتِ يزيدً (٦) عن النبيِّ وَلَ.
وخرَّج الإمامُ أحمدَ وابنُ حبانَ في «صحيحهِ)» (٧) من حديث أبي موسى
(١) أخرجه: مسلم (٦/ ١٠٠).
(٢) أخرجه: أحمد في «المسند» (١٧٦/٢)، وابن ماجه (٣٣٧٧)، والنسائي (٣١٧/٨)، وابن حبان
(٥٣٥٧).
(٣) أخرجه: الترمذي (١٨٦٢)، وأحمد في («المسند» (٣٥/٢).
(٥) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (١٧١/٥).
(٤) أخرجه: أبو داود (٣٦٨٠).
(٦) السابق (٦/ ٤٦٠).
(٧) السابق (٣٩٩/٤)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٥٣٤٦).
٣٣٩
سورة الواقعة
عن النبيِّ وَّ قالَ: ((مَنْ ماتَ وهو مدمنُ خمر سقَاه اللَّهُ من نهرِ الغوطة)»، قِيلَ:
"وما نهرُ الغوطة؟ قال: ((نهرٌ يخرجُ من فروجِ المومساتِ يؤذي أهلَ النَّارِ نتنُ
فروجهم)).
وقد سبقَ حديثُ عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبيِّ وَل
في المتكبرين وفيه: ((يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال)).
النوعُ الرَّبِعُ: الماءُ الذي كالمهلِ، خرَّج الإمامُ أحمد والترمذيُ (١) من حديث
دراجٍ عن أبي الهيثمٍ عن أبي سعيدٍ عن النبيِّ وَّ في قولهِ: ﴿كَالْمُهْلِ﴾
[الكهف /٢٩ - الدخان /٤٥ - المعارج/٨] قال: ((كعكرِ الزيت، فإذا قربَ إلى وجهه سقطتْ
فروةُ وجهه فیه)).
قال عطيةُ: سُئِلَ ابنُ عباسٍ عن قولهِ: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ قال: غليظٌ كدردي
الزيتِ، قال عليّ بنُ أبي طالبٍ عن ابنِ عباسٍ: أسود كمهلِ الزيتِ؛ وكذا
قالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ وغیرُهُ.
قال الضحاكُ: أذابَ ابنُ مسعودٍ فضةً من بيتِ المالِ ثمَّ أرسلَ إلى أهلِ
المسجد، فقالَ: من أحبَّ أن ينظرَ إلى المهلِ فلينظر إلى هذا.
وقال مجاهدٌ: بماء كالمهلِ: مثلُ القيحِ والدمِ أسود كعكرِ الزيتِ .
وخرَّج الطبرانيُ (٢) من طريقِ تمامٍ بنِ نجيح عن الحسنِ عن أنسٍ عن النبيِّ
وَهُ: ( لو أنَّ غربًا جُعِلَ من حميمٍ جهنمَ وَجُعِلَ وسطُ الأرضِ لآذى نتنُ ريحه وشدَّةً
حرِّ ما بينَ المشرق والمغربِ)).
وفي موعظةِ الأوزاعيِّ للمنصورِ قال: بلغَني أنَّ جبريلَ قالَ للنبيِّ ◌َِله: (لو
(١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٣/ ٧٠)، والترمذي (٢٥٨١)، (٣٣٢٢).
(٢) أخرجه: الطبراني في «الأوسط)) (٣٦٨١).
٣٤٠
سورة الواقعة
أنَّ ذُنُوبًا من شرابٍ جهنمَ صُبَّفي ماءِ الأرضِ جميعًا لقتل من ذاقه)).
خرجَ بعضُ المتقدمينَ فمر بكرومٍ بقريةٍ يقالُ لها: طيزناباد، وكأنَّه كانَ
يُعصرُ فيها الخمرُ، فأنشدَ يقولُ:
بطیزناباد گرْمٌ ما مررتُ به
إلا تعجبتُ ممن يشربُ الماءَ
فهتف به هاتف يقول:
وفي جهنمَ ماءٌ ما تجرعهُ حلقٌ فأبقى له في البطنِ أمعاء (١)
أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ
قوله تعالى: ﴿أَفَرَ أَيْتُم مَّا تَحْرَثُونَ )
الزَّارِعُونَ ﴿٤﴾َ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ
إِنَّا لَمُغْرَمُونَ
أَفَرَ أَيْتُمُ الْمَاءَ
٦٧
( بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ
٦٦ X
٥,٥٠
أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنَ
٦٨
الَّذِي تَشْرَبُونَ
لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾
الْمُنْزِلُونَ
قال ابن الجوزي في ((المقتبس)): سمعت الوزير(٢) يقول في قوله تعالى:
﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥]، ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أَجَاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] ، قال:
تأملتُ دخولَ اللامِ وخروجَها فرأيتُ المعنى: أنَّ اللامَ تقعُ للاستقبال، تقولُ:
لأضربنَّك، أي: فيما بعدُ، لا في الحالِ، والمعنى: ﴿أَفَرَ أَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ
( ٦٣)
أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ { لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٥]، أي:
في مستقبلِ الزَّمان إذا تَمَّ فاستحصدَ، وذلك أشدُّ العذاب، لأنَّها حالةُ انتهاء
(١) ((التخويف من النار)) (١١٧ - ١٢١).
(٢) هو: يحيى بن محمد بن هبيرة.