Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
سورة محمد
٢٧ - ومن فضائلها: أنَّها تفتحُ لقائلها أبوابَ الجنة الثمانيةَ، يدخلُ من أيِّها
شاءَ :
كما في حديث عمرَ عن النبيِّ وَلَ فِيمَنْ أَتَى بالشهادتينِ بعد الوضوءِ،
وقدْ خِرَّجهُ مسلم (١) .
وفي (الصحيحين))(٢) عن عبادة بن الصامتِ ◌ُِّه عن النبيِّ وََّ قالَ: ((من
قالَ: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وأنَّ عيسى
عبدُ اللَّه ورسوله وكلمتُهُ ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه، وأنَّ الجنةَ حقٌّ، والنارَ حقٌّ، أدخلَهُ
اللَّهُ من أيِّ أبوابِ الجنَّةِ الثمانية شاء)).
وفي حديثِ عبد الرحمنِ بنِ سمرةً عن النَّبِيِّ وَِّ فِي قصةِ منامِهِ الطويل،
وفيه قالَ: ((ورأيتُ رجلاً من أُمَّتِي انتهى إلى أبواب الجنة، فأُغلقتِ الأبوابُ دونَهَ،
فجاءتْه شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ، فتحتْ له الأبوابَ، وأدخلتْهُ الجنةَ)(٣) .
٢٨ - ومن فضائلها أنَّ أهلَها وإنْ دخلُوا النارَ وبتقصيرِهم في حقوقِها فإنهم
لابد أن يخرجُوا منها.
وفي (الصحيحينِ))(٤) عن أنسٍ عن النبيِّ وَّه قالَ: ((يقولُ اللَّهُ عز وجلَّ:
وعِزَّتَي وجلالِي وكبريائِي وعظمتِي لأُخرجنَّ منها منْ قالَ: لا إله إلا اللَّهُ)).
وأخرج الطبراني(٥) عن أنس عن النبيِّ وَّ قالَ: ((إنَّ ناسًا منْ أهل لا إلهَ إلا اللَّهُ
(١) أخرجه: مسلم (١/ ١٤٤).
(٢) أخرجه: البخاري (٢٠١/٤)، ومسلم (٤٢/١).
(٣) أخرجه: الطبراني في الأحاديث الطوال (٣٩)، كما قال محقق رسالة ((كلمة الإخلاص)).
(٤) أخرجه: البخاري (١٧٩/٩ - ١٨٠).
(٥) أخرجه: الهيثمي في ((المجمع)) (٣٧٩/١٠)، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه من لم
أعرفهم.

٢٨٢
سورة محمد
يدخلونَ النارَ بذنوبهم، فيقولُ لهم عبدةُ اللات والعزَّى: ما أغْنِى عنكُم قولُ: لا إله إلا
اللَّه، فيغضبُ اللَّهُ لهم فيخرِجُهُم من النارِ، فيدخلونَ الجنةَ)).
ومن كان في سخطه يُحسنُ فكيفَ يكونُ إذا ما رضي؟
لا يسوي بين من وحَّدَه وإن قصَّر في حقوقِ توحيدهِ، وبينَ من أشركَ به .
قال بعضُ السلفِ: كان إبراهيم - عليه السلامُ - يقولُ: اللهمَّ لا تشركْ من
كان يشركُ بكَ شيئًا بمن كانَ لا يشركُ بكَ.
كان بعضُ السلفِ يقولُ في دعائِه: اللهمَّ إِنَّك قلتَ عن أهلِ النارِ: إِنَّهم
أقسمُوا باللّهِ جهدَ أَمانِهم لا يبعثُ اللَّه من يموتُ، ونحنُ نقسمُ باللهِ جَهْدَ
أيماننا ليبعثنَّ اللَّهُ من يموتُ، اللهمَّ لا تجمع بينَ أهلِ القَسَمَّيْنِ في دارٍ واحدةٍ .
كان أبو سليمانَ يقولُ: إن طالَبِنِي ببخلِي طالبتُهُ بجودِهِ، وإن طالَبني
بذنوبي طالبتُه بعفوِهِ، وإن أدخلَنِي النارَ أخبرتُ أهلَ النارِ أَنِّي أُحِبُّه .
ما أطيبَ وصلَه وما أعذبَه! وما أثقلَ هجرَه وما أصَعبَه!
وفي السخطِ والرِّضى ما أهيبَه! القلبُ يحبُّ وإنْ عذَّبَه
وكان بعضُ العارفينَ بِبْكِي طولَ ليلِهِ ويقولُ: إن تعذّبْني فإِنِّي لك محبٌّ ،
وإنْ ترحمْني فإِنِّي لك محبٌّ .
العارفونَ يخافونَ من الحجابِ أكثرَ مما يخافونَ من العذابِ .
قال ذو النونِ: خوفُ النارِ عند خوفِ الفراقِ كقطرةٍ في بحرٍ لُجي.
كان بعضُهم يقولُ: إلهي وسيدِي ومولاي! لو أنَّك عذبْتِنِي بعذابِكَ كلِّه،
كانَ ما فاتَني من قربِكَ أعظمُ عنْدِي من العذابِ.

٢٨٣
سورة محمد
قيلَ لبعضِهم: لو طردكَ ما كنتَ تفعلُ؟
قالَ:
إِذَا أنا لم أجْد من الحبِّ وصْلاً رمتُ في النارِ مُنْزِلاً ومقِيلا
ثم أزعجتُ أهلَهَا بندَائِي بكرةً في عرصَاتِها وأصيلا
معشرَ المشركينَ ناحُوا على منْ يدَّعِي أَنَّه يحبُّ الجليلا
لم يكنْ في الذي ادَّعاه محقًّا فجزاهُ به العذابَ الطَّوِيلا!
إخواني!
اجتهدُوا اليومَ في تحقيقِ التوحيدِ، فإنَّه لا يُنجي من عذابِ اللَّه إلا إِيَّاه،
وما نطقَ الناطقونَ إذْ نطقُوا أحسنَ من: لا إلهَ إلا اللَّه.
ما نطقَ الناطقونَ إِذْ نطقُوا أحسنَ من لا إلهَ إلا هُو
تباركَ اللَّهُ ذو الجلالِ ومنْ أشهدُ أن لا إِلهَ إِلا هُو
مَنْ لذنوبِي ومنْ يمحّصُها غيرُك يَا مِنْ لا إِلهَ إِلا هُو
جنان خلد لمنْ يوحِّدُه أشهدُ أن لا إلهَ إلا هُو
نيرانُهُ لا تحرقُ منْ يشهدُ أن لا إلهَ إلا هُو
أشهدُ أن لا إلهَ إلا هُو
أقولُها مخلِصًا بِلا بُخلِ
والحمد لله رب العالمين(١)
(١) ((كلمة الإخلاص)) (٥٦ - ٨١).

سُورَةُ الْفَتْحِ
قوله تعالى: ﴿وَمَثْلَهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ
شَطْأَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَىْ سُوقِهِ﴾
إن الزرعَ وإنْ كانَ له طاقةً منه ضعيفةٌ ضئيلةٌ إلا أنه يتقوَّى بما يخرجُ معه
وحولَهُ ويعتضدُ به، بخلافِ الشجرةِ العظامِ فإنَّ بعضَها لا يشدُّ بعضًا .
وقد ضربَ اللَّهُ تعالى مثلَ النبيِّ وََّ وأصحابِهِ بالزرعِ لهذا المعنى قال:
﴿وَمَثْلَهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩].
قوله: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أي: فِرَاخَهُ.
﴿فَآزَرَهُ﴾ أي: ساواه وصارَ مثلَ الأمِّ وقوي به.
﴿فَاسْتَغْلَظَ ﴾ أي: غَلُظَ.
فالزرعُ مثلُ النبيِّ بَله إذ خرجَ وحدهُ فأمدَّه بأصحابِهِ وهُم شطأُ الزرعِ كما
قَوَّى الطاقةَ من الزرعِ بما نَبَتَ منها حتَّى غلظتْ واستحكمتْ.
﴿فَاسْتَوَى عَلَىْ سُوقِهِ﴾ : جمعُ ساقٍ.
وفي الإنجيلِ: ((سَيَخْرُجُ قَوْمٌ يَنْبُتُونَ نَبَاتَ الزَّرِعِ)).
وقد قالَ عزَّ وجلّ: ﴿الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بعضٍ﴾ [التوبة: ٧١].
وقال: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧].

٢٨٥
سورة الفتح
فالمؤمنونَ بينَهُم ولايةٌ وهي مودةٌ ومحبةٌ باطنةٌ.
ثم قالَ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
لأن المؤمنينَ قلوبُهم على قلبِ رجلٍ واحدٍ فيما يعتقدونَهُ من الإيمان وأما
المنافقونَ فقلوبُهم مختلفةٌ.
كما قالَ: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤].
فأهواؤُهُم مختلفةٌ .. إلخ. ولا ولايةَ بينَهُم في الباطنِ وإنما بعضُهم من
جنس بعض في الكفر والنفاقِ.
وفي (الصحيحينِ)) عن النبيِّ بَطِّ: ((المؤمِنُ للمُؤْمِنِ كالبُنْيَانِ يَشُدُّ بعضُهُ بعضًا)»
وشبَّكَ بينَ أصابعه(١) .
وفيهما أيضًا عن النبيِّ بََّ: ((مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهمْ وتعاطُفُهم
كمثَلِ الجَسَدِ الوَاحدِ، إِذَا اشْتَكَى منهُ عضوٌ تداعَى سَائِرُهُ بالْحُمَّى والسَّهَرِ))(٢).(٣)
(١) أخرجه: البخاري (١٢٩/١)، (١٦٩/٣)، (١٤/٨)، ومسلم (٢٠/٨) من حديث أبي موسى
الأشعري .
(٢) أخرجه: البخاري (١١/٨)، ومسلم (٨/ ٢٠) من حديث النعمان بن بشير.
(٣) ((غاية النفع في شرح حديث: تمثيل المؤمن بخامة الزرع)) (ص ٣٢ - ٣٤).

سُورَةُ الْحُجُرَات
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدّمُوا بَيْنَ
يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
وقال الحسنُ في قولهِ تعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ
ورسوله﴾ [الحجرات: ١] قالَ: لا تذبَحُوا قبلَ الإمامِ. خرّجه ابنُ أبي حاتم(١).
٠٠٠
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ
الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ
وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ
فإن علامةَ محبَّةِ اللَّه ورسوله محبةُ ما يحبُّهُ اللَّهُ ورسولُه، وكراهةُ ما
يكرهُهُ اللَّهُ ورسولُه - كما سبقَ -، فإذا رسخَ الإيمانُ في القلبِ وتحققَ بِهِ،
ووجدَ حلاوتَهُ وطعمَه، أحبَّه وأحبَّ ثباتَهُ ودوامَهُ، والزيادَةَ منه، وكرهَ
مفارقتَه، وكانَ كراهتُه لمفارقته أعظمَ عندَه من كراهة الإلقاءِ في النارِ .
قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيْمَانَ وَزَيََّهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرََّ إِلَيْكُمُ
الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧].
والمؤمنُ يحبُّ الإيمانَ أشدَّ من حبِّ الماء الباردِ في شدَّةِ الحرِّ للظمآنِ،
(١) ((رسالة: في رؤية الهلال)) (ص ٣٠، ٣١).

٢٨٧
سورة الحجرات
ويكره الخروجَ منه أشدَّ من كراهةِ التحريقِ بالنيرانِ .
كما في ((المسندِ))(١) عن أبي رزينِ العقيلي، أنه سألَ النبيَّ وَّ عن الإيمانِ،
فقالَ: ((أنْ تشهَدَ أنْ لا إله إلا اللَّهُ، وحدَه لا شريكَ لَهُ، وأَنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأنْ
يكونَ اللَّهُ ورسولُه أحبَّ إليكَ مما سواهُما، وأن تحرَّقَ في النَّارِ أحبُّ إليكَ من أنْ تشركَ
باللّهِ، وأن تحبَّ غير ذي نسب لا تحبه إلا للَّه، فإذا كنتَ كذلكَ فقد دخلَ حبُّ الإيمانِ في
قلبك، كما دخلَ حبُّ الماءِ للظمآنِ في اليوم القائظ)».
وفي ((المسند))(٢) - أيضًا -: أن النبيَّ وَّهِ وصَّى معاذ بن جبل، فقال له -
فيما وصاه به -: ((لا تشركْ باللَّه شيئًا، وإن قُطِّعْتَ وحُرَّقْت))(٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ
وقوله وَّه: ((المسلمُ أخو المسلم، لا يظلِمُهُ ولا يَخذُلُه، ولا يكذبُهُ، ولا يَحقرُ)) (٤).
هذا مأخوذٌ من قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}
[الحجرات: ١٠]، فإذا كانَ المؤمنونَ إخوةً أُمروا فيمَا بينَهُم بما يُوجَبُ تَأَلُفَ
القلوب واجتماعَها، ونُهوا عمَّا يوجبُ تنافرَ القلوبِ واختلافَها، وهذا من
ذاكَ .
وأيضًا: فإنَّ الأخَ مِنْ شأنِهِ أن يوصِلَ إلى أخيه النَّفْعَ، ويكفَّ عنه الضَّرَرَ،
ومن أعظمِ الضرِّ الذي يجبُ كَفُّه عَنِ الآخِ المسلم الظُّلم، وهذا لا يختصُّ
(١) ((المسند)) (١١/٤ - ١٢).
(٢) («المسند» (٢٣٨/٥).
(٣) ((فتح الباري)) (٥١/١، ٥٢).
(٤) جزء من حديث أخرجه: مسلم (٨/ ١١/١٠).

٢٨٨
-
سورة الحجرات
بالمسلمٍ، بل هو محرَّمٌ في حقِّ كلِّ أحدٍ، وقد سبق الكلامُ على الظُّلْمِ
مستوفيًا عند ذكرٍ حديث أبي ذرِّ الإلهي: ((يا عبادي، إنِّي حرَّمتُ الظُّلم على
نفسِي، وجعلتُهُ بينَكُم مُحرَّمًا فلا تَظَالَمُوا))(١).
ومِنْ ذلكَ: خِذْلانُ المسلم لأخيهِ، فإنَّ المؤمنَ مأمورٌ أن يَنْصُرَ أخاهُ، كما قالَ
النبيِّ وَّهِ: ((انصُرْ أخاكَ ظالما أو مظلومًا))، قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أَنصُرُهُ مظلومًا،
فكيفَ أنصرُهُ ظالمًا؟ قالَ: (تمنعُهُ عَنِ الظُّلم، فذلكَ نَصْرُك إِيَّاهُ). خرجهُ البخاريّ
بمعناهُ من حديث أنسٍ. وخرَّجهُ مسلمٌ(٣) بمعناه من حديث جابرٍ.
وخرّج أبو داود(٤) من حديث أبي طلحةَ الأنصاريِّ وجابرِ بنِ عبدِ اللهِ،
عن النبيِّ وَّةِ، قالَ: ((ما مِنْ امرئ مسلم يَخذُلُ امْرءًا مُسلمًا في موضعٍ تُنتهكُ فيه
حُرمتُه، ويُنتقصُ فيه من عِرضهِ إلا خذلهُ اللَّهُ في موطنٍ يُحبُّ فيه نُصرتهُ، وما من امرئ
ينصُرُ مُسلمًا في موضع يُنتقصُ فيه من عرضه، ويُنْتهكُ فيه من حُرمته إلا نصرَهَ اللَّه في
موطن يُحبُّ فيه نُصرتَهُ).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ(٥) من حديث أبي أمامةَ بنِ سهلٍ، عن أبيهِ عنِ النَّبِيِّ
إنَّهِ قالَ: ((مَنْ أُذلَّ عندُهُ مؤمنٌ فلم ينصُرْه وهو يَقْدِرُ على أنْ ينصُره أذلَّهُ اللَّهُ على
رءوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ».
وخرَّج البزارُ (٦) من حديثِ عمرانَ بنِ حُصينٍ، عن النَّبِيِّ بَِّ قال: ((مَنْ نصرَ
(١) جزء من حديث أخرجه: مسلم (١٦/٨ - ١٧).
(٢) أخرجه: البخاري (٩٨/٥).
(٣) أخرجه: مسلم (١٩/٨).
(٤) ((السنن)) (٤٨٨٤).
(٥) («المسند» (٤٨٧/٣).
(٦) ((كشف الأستار)) (٣٣١٥، ٣٣١٧).

٢٨٩
سورة الحجرات
أخاهُ بالغَيبِ وهو يستطيعُ نصرَه نصرهُ اللَّهُ في الدُّنيا والآخرةِ».
ومن ذلك: كذبُ المسلم لأخيه، فلا يُحلُّ له أن يُحدِّثْه فيكذبهُ، بل لا يُحدِّثُه
إلا صدقًا. وفي ((مسند الإمام أحمدَ)(١) عن النَّوَّاس بنِ سَمعانَ، عن النبيِّ
مَالَّ قالَ: ((كُبُرَت خيانةً أنْ تُحدِّثَ أخاكَ حديثًا هو لك مُصدِّقٌ وأنتَ به كاذبٌ».
ومن ذلكَ: احتقارُ المسلم لأخيهِ المسلم، وهو ناشئٌ عن الكِبْرِ، كما قالَ النبيُّ
وَجَه: (الكَبْرُ بَطَرُ الحقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)). خرَّجه مسلمٌ من حديثِ ابنِ مسعودٍ مِثْتُه،
وخرَّجهُ الإمامُ أحمدُ، وفي روايةٍ لهُ: ((الكِبْرُ سَفَهُ الحَقِّ، وازدراءُ الناسِ))، وفي
روايةٍ: ((وغمصُ الناسِ))، وفي روايةٍ زيادةٌ: ((فلا يَراهم شيئًا))(٢).
وغمصُ النَّاسِ: الطَّعْنُ عليهم وازدراؤهُم، وقالَ اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَن
يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]، فالمتكبرُ ينظرُ إلى نفسِهِ بعينِ الكمالِ، وإلى
غيرِهِ بعينِ النَّقصِ، فيحتقرُهُم ويزدريهِم، ولا يراهمُ أهلاً لأنْ يقومَ
بحقُوقِهِم، ولا أن يقبلَ مِنْ أحدٍ منهمُ الحقَّ إذا أوردَهُ عليهِ (٣).
قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا
قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنِ قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾
[ قَال البخاريُّ]: بَابٌ إذا لم يكُنِ الإسلامُ علَى الحقيقةِ وكان على
(١) («المسند» (١٨٣/٤).
(٢) مسلم (٦٥/١)، وأحمد (٣٨٥/١ - ٣٩٩ - ٤٢٧)، والترمذي (١٩٩٩).
(٣) ((جامع العلوم والحكم)) (٢٩٠/٢ - ٢٩٤).

٢٩٠
سورة الحجرات
الاستسلامِ أوِ الخوْفِ مِنَ القَتْلِ:
لقولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾
[ الحجرات : ١٤].
فَإِذَا كانَ على الحقيقةِ فهُوَ عَلَى قولِهِ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل
عمران: ١٩]، وَقولِهِ: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
وُ
معنى هذا الكلامِ: أن الإسلامَ يُطلقُ باعتبارينِ .
أحدُهما: باعتبارِ الإسلامِ الحقيقيِّ، وهو دينُ الإسلامِ الذي قالَ اللَّهُ فيه:
﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَن
يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].
والثاني: باعتبارِ الاستسلامِ ظاهرًا، مع عدمٍ إسلامِ الباطنِ إذا وقَع خوفًا،
كإسلامِ المنافقينَ.
واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا
يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].
وحملَهُ على الاستسلامِ خوفًا وتقيةً.
وهذا مرويٌّ عن طائفةٍ من السلفِ، منهم: مجاهدٌ وابنُ زيدٍ ومقاتلُ بنُ
حیانَ وغيرهم .
وكذلك رجَّحه محمدُ بنُ نصرِ المروزيُّ، كما رجَّحه البخاريّ؛ لأنهما لا
يفرقانِ بينَ الإسلامِ والإيمانِ، فإذا انتفى أحدُهما انتفَى الآخرُ.
وهو اختيارُ ابنِ عبدِ البرِّ، وحكاهُ عن أكثرِ أهلِ السنةِ من أصحابِ مالكِ

٢٩١
سورة الحجرات
والشافعيِّ وداودَ.
وأما من يفرقُ بين الإسلام والإيمان، فإنه يستدلَّ بهذه الآية على الفرق
بينهما، ويقول: نفيُ الإيمانِ عنهم لا يلزمُ منه نفيُ الإسلامِ، كما نَفَى الإيمانَ
عن الزاني والسارقِ والشاربِ، وإن كان الإسلامُ عنهم غيرَ منفيٌّ.
وقد وردَ هذا المعنى في الآيةِ عن ابنِ عباسٍ وقتادَة والنخَعيِّ.
ورُوي عن ابنِ زيدٍ - معناه - أيضًا.
وهو قولُ الزهريِّ وحمادِ بنِ زيدٍ وأحمدَ.
ورجَّحه ابنُ جريرٍ وغيرُهُ.
واستدلُّوا به على التفريقِ بينَ الإسلامِ والإيمانِ .
وكذا قال قتادةُ في هذه الآيةِ، قال: ﴿قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾: شهادة أن لا إله إلا
اللَّهُ، وهو دينُ اللَّهِ، والإسلامُ درجةٌ، والإيمانُ تحقيقٌ في القلب. والهجرةُ
في الإيمانِ درجةٌ، والجهادُ في الهجرةِ درجةٌ، والقتلُ في سبيل اللَّه درجةٌ.
خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ .
فجعل قتادة الإسلام الكلمة، وهي أصلُ الدينِ، والإيمان ما قام بالقلوبِ
من تحقيقِ التصديقِ بالغيبِ، فهؤلاء القومُ لم يحقّقُوا الإيمانَ في قلوبِهِم،
وإنما دخلَ في قلوبِهِم تصديقٌ ضعيفٌ، بحيثُ صحَّ به إسلامُهم.
ويدلُّ عليه: قوله تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾
[ الحجرات: ١٤ ].
واختلفَ مَنْ فَرَّق بين الإسلامِ والإيمانِ، في حقيقة الفرقِ بينهما:

٢٩٢
سورة الحجرات
فقالت طائفةٌ: الإسلامُ كلمةُ الشهادتينِ، والإيمانُ العملُ.
وهذا مرويٍّ عن الزهريِّ وابنِ أبي ذئبٍ، وهوَ روايةٌ عن أحمدَ، وهي
المذهبُ عند القاضي أبي يعلَى وغيرِه من أصحابهِ .
ويشبه هذا: قولَ ابنِ زيدٍ في تفسير هذه الآية، قال: لم يصدّقُوا إيمانَهم
بأعمالهم، فردَّ اللَّه عليهم، وقال: ﴿لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]،
فقال: الإسلامُ إقرارٌ والإيمانُ تصديقٌ.
وهو قولُ أبي خيثمةَ وغيرِه من أهلِ الحديثِ .
وقد ضعَّفَ ابنُ حامدٍ من أصحابِنا هذا القولَ عن أحمدَ، وقال: الصحيحُ
أن مذهَبَه أن الإسلامَ قولٌ وعملٌ، روايةً واحدةً، ولكن لا تدخلُ كلُّ
الأعمالِ في الإسلامِ كما تدخلُ في الإيمانِ .
وذكر: أنَّ المنصوصَ عن أحمدَ، أنه لا يكفرُ تاركُ الصلاة، فالصلاةُ من
خصالِ الإِيمانِ دونَ الإسلامِ، وكذلك اجتنابُ الكبائرِ من شرائطِ الإيمانِ دونَ
الإسلامِ.
كذا قالَ، وأكثرُ أصحابنا: أن ظاهرَ مذهبِ أحمدَ تكفيرُ تارك الصلاة، فلو
لم تكنِ الصلاةُ من الإسلامِ، لم يكنْ تاركُها عندَه كافرًا.
والنصوصُ الدالةُ على أن الأعمالَ داخلٌ في الإسلامِ كثيرة جدًّا.
وقد ذهَب طائفةٌ إلى أن الإسلامَ عامٌّ، والإيمانَ خاصٌّ، فمنِ ارتكبَ
الكبائرَ خرجَ من دائرةِ الإيمانِ الخاصةِ إلى دائرةِ الإسلامِ العامَّةِ.
هذا مرويٌّ عن أبي جعفرٍ محمدِ بنِ عليٍّ.
وضعفه ابنُ نصرِ المروزيّ، من جهة راويه عنه، وهو فضيلُ بنُ يسارِ،

٢٩٣
سورة الحجرات
وطعن فیه .
ورُوي عن حمادِ بنِ زيدٍ نحو هذا - أيضًا.
وحُكي روايةً عن أحمدَ - أيضًا -؛ فإنه قال - في رواية الشالنجيّ - في
مرتكبِ الكبائرِ: يخرجُ من الإيمانِ، ويقعُ في الإسلامِ.
ونقل حنبلٌ، عن أحمدَ - معناه.
وقد تأولَ هذه الروايةَ القاضي أبو يعلَى، وأقرَّها غيرَه، وهي اختيارُ أبي
عبدِ اللهِ ابن بطةَ وابنِ حامدٍ، وغيرِهما من الأصحابِ.
وقالت طائفةٌ: الفرقُ بينَ الإسلامِ والإيمانِ: أن الإيمانَ هو التصديقُ،
تصديقُ القلبِ، فهو علمُ القلبِ وعملُه، والإسلامُ الخضوعُ والاستسلامُ
والانقيادُ، فهو عملُ القلبِ والجوارحِ.
وهذا قولُ كثيرٍ من العلماءِ، وقد حكاهُ أبو الفضلِ التميميّ عن أصحابٍ
أحمدَ، وهو قولُ طوائفَ منَ المتكلمينَ.
لكن المتكلمونَ عندَهُم أن الأعمالَ لا تدخلُ في الإيمانِ، وتدخلُ في
الإسلامِ، وأما أصحابُنا وغيرُهم من أهلِ الحديثِ، فعندهم أن الأعمالَ تدخل
في الإيمانِ، مع اختلافِهم في دخولِها في الإسلامِ، كما سبق.
فلهذا قالَ كثيرٌ من العلماءِ: إن الإسلامَ والإيمانَ تختلفُ دلالتُهما بالإفراد
والاقتران، فإن أُفردَ أحدُهما دخلَ الآخرُ فيه، وإن قُرنَ بينهما كانا شيئينِ
حينئذ.
وبهذا يجمعُ بينَ حديثِ سؤالِ جبريلَ عن الإسلامِ والإيمانِ، ففرَّق النبي
بَّ بينهما، وبينَ حديثِ وفدِ عبدِ القيسِ حيث فسَّر فيه النبيُّ ◌ِ لهِ الإيمانَ

٢٩٤
سورة الحجرات
المنفرد بما فسَّر به الإيمانَ المقرونَ في حديثِ جبريلَ.
وقد حكى هذا القولَ أبو بكرِ الإسماعيليُّ عن كثيرٍ من أهلِ السنةِ
والجماعة. ورُويَ عن أبي بكرِ بنِ أبي شيبة ما يدلُّ علیهِ .
وهو أقربُ الأقوالِ في هذه المسألةِ وأشبهُها بالنصوصِ. واللهُ أعلمُ.
والقولُ بالفرقِ بين الإسلام والإيمانِ مرويٍّ عن الحسنِ وابنِ سيرينَ وشريكِ
وعبدِ الرحمنِ بنِ مهديٌّ ويحيى بنِ معينٍ، ومؤمَّلِ بنِ إهابٍ، وحكي عن
مالك - أيضًا .
وقد سبقَ حكايتُهُ عن قتادةَ، وداودَ بنِ أبي هندٍ، والزهريِّ، وابنِ أبي
ذئب، وحمادِ بنِ زيدٍ، وأحمدَ، وأبي خيثمةَ.
وكذلك حكاهُ أبو بكرٍ بنُ السمعانيِّ عن أهلِ السنةِ والجماعةِ جملةً.
فحكايةُ ابنِ نصرٍ وابنِ عبدِ البرِّ عن الأكثرينَ التسويةَ بينهما غيرُ جِّد.
بل قد قيلَ: إن السلفَ لم يُروَ عنهم غيرُ التفريقِ. واللَّهُ أعلمُ.
وخرج البخاريُ(١) في هذا البابِ :
حديثَ: الزُّهريِّ، عن عامِر بن سعدٍ، عَن أبيهِ، أنَّ النبيَّ بَّهِ أُعطَى
رهطًا، وسعدٌ جَالسٌ، فتركَ رسولُ اللّهِ وَّهِ رِجُلاً، هُو أعجبُهُم إليَّ،
فقلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لكَ عن فُلانٍ، فواللَّهِ، إنِّي لأراهُ مُؤمنًا؟ فقالَ: ((أَو
مسلمًا))، فسكتُّ قليلاً، ثمَّ غلبني ما أعلمُ منهُ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، ما لك
عن فلان؟ فواللَّهِ إِنِّي لأراهُ مُؤْمنًا؟ قالَ: ((أَو مُسلمًا))، فسكتُّ قليلاً، ثمَّ غلبني
ما أعلمُ منهُ، فعدتُ لمقالتِي، وعادَ رسولُ اللّهِ وَ لَه، ثمَّ قالَ: ((يا سعدُ، إِنِّي
(١) (١/ ١٣) (١٥٣/٢).

٢٩٥
سورة الحجرات
لأُعطي الرَّجُل، وغيرهُ أعجبُ إلي منهُ، خشيةَ أن يكبُّ اللَّهُ في النَّارِ)).
خرجه من طريقٍ: شعيبٍ، عن الزهريِّ.
ثم قال: رواهُ يُونسُ وصالِحٌ ومعمرٌ وابنُ أخي الزُّهريِّ، عن الزُّهريِّ.
وقد رواهُ ابنُ أبي ذئبٍ - أيضًا -، عن الزهريِّ - كذلك(١) .
ورواه العباسُ الخلالُ، عن الوليدِ بنِ مسلمٍ، عن ابنِ وهب ورشدينَ بنِ
سعدٍ، عن يونُسَ، عن الزهريِّ، عن إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، عن
أبيه، عن النبيِّ ◌َلّ.
وأخطأ في ذلكَ -: نقلَه ابنُ أبي حاتمِ الرازيُّ، عن أبيهِ(٢) .
فهذا الحديثُ محمولٌ عند البخاريِّ على أن هذا الرجلَ كانَ منافقًا، وأن
الرسولَ وَّ نفى عنه الإيمانَ، وأثبتَ له الاستسلامَ دونَ الإسلامِ الحقيقيِّ،
وهو - أيضًا - قولُ محمدِ بنِ نصرِ المروزيِّ.
وهذا في غايةِ البعدِ، وآخرُ الحديثِ يردُّ على ذلك، وهو قولُ النبيِّ ◌َِّهِ:
((إني لأعطي الرجلَ وغيرُهُ أحبُّ إليَّ منه)؛ فإن هذا يدلُّ على أن النبيَّ نَّهِ وكَلَه
إلى إيمانه، كما كان يعطي المؤلفةَ قلوبُهم، ويمنعُ المهاجرين والأنصارَ.
وزعمَ عليّ بنُ المدينيِّ في كتابِ ((العللِ)) له: أن هذا من بابِ المزاحِ منَ
النبيِّ وَّهَ فإنه كانَ يمزحُ ولا يقولُ إلا حقًّا، فأوهم سعدًا أنه ليس بمؤمنٍ بل
مسلمٌ، وهما بمعنَى واحدٍ، كما يقول لرجلٍ يمازحُه - وهو يدَّعي أنه أخٌ
لرجلٍ -، فيقول: إنما أنتَ ابنُ أبيه، أو ابنُ أمِّه، وما أشبه ذلكَ، مما يوهمُ
(١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (١/ ١٨٢) من حديث يزيد، أبنا ابن أبي ذئب، عن الزهري - به.
(٢) ((العلل)) لابن أبي حاتم (١٩٤٦).

٢٩٦
سورة الحجرات
الفرقَ، والمعنَى واحدٌ.
وهذا تعسفٌ شديدٌ.
والظاهرُ - واللَّهُ أعلمُ -: أن النبيَّ ◌َّ زجرَ سعدًا عن الشهادةِ بالإيمانِ؛
لأن الإيمانَ باطنٌ في القلبِ لا اطلاعَ للعبدِ عليه، فالشهادةُ به شهادةٌ على
ظنِّ، فلا ينبغي الجزمُ بذلك، كما قال: ((إن كنتَ مادحاً لا محالةَ، فقل: أحسبُ
فلانًا كذا، ولا أزكِّي على اللَّه أحدًا))(١).
وأمرَه أن يشهدَ بالإسلامِ؛ لأنه أمرٌ مطّلع عليه.
كما في ((المسندِ))(٢) عن أنسٍ - مرفوعًا -: ((الإسلامُ علانيةٌ، والإيمانُ في
القلب».
ولهذا كرِه أكثرُ السلفِ أن يطلقَ الإنسانُ على نفسه أنه مؤمنٌ، وقالوا: هو
صِفةُ مدحٍ، وتزكيةٌ للنفسِ بما غابَ من أعمالِها، وإنما يشهدُ لنفسِهِ بالإسلامِ؛
لظهوره.
فأما حديثُ: ((إذا رأيتمُ الرجلَ يعتادُ المسجدَ، فاشهدُوا له بالإيمان)».
١
فقد خرجهُ أحمدُ والترمذيُ وابنُ ماجه(٣) من حديثِ درََّجٍ، عن أبي الهيثمِ
عن أبي سعيدٍ - مرفوعًا .
وقال أحمد: هو حديثٌ منكرٌ.
ودراجٌ له مناكيرُ. واللهُ أعلمُ.
(١) البخاري (٢٣١/٣)، ومسلم (٢٢٧/٨) من حديث أبي بكرة.
(٢) (١٣٤/٣ - ١٣٥).
(٣) أحمد في ((المسند)) (٦٨/٣، ٧٦)، والترمذي (٢٦١٧)، و(٣٠٩٣)، وابن ماجه (٨٠٢).

٢٩٧
سورة الحجرات
وهذا الذي ذكره البخاريّ في هذا البابِ، من الآية والحديثِ، إنما يطابق
التبويبَ، على اعتقادِهِ: أنه لا فرقَ بين الإسلامِ والإيمانِ.
وأما على قولِ الأكثرينَ بالتفريقِ بينهما، فإنما ينبغي أن يُذكرَ في هذا البابِ
قولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا﴾ [آل عمران: ٨٣].
فإنَّ الجمهورَ على أنه أرادَ استسلامَ الخلقِ كلِّهم له وخضوعَهم، فأما المؤمنُ
فيستسلمُ ويخضعُ طوعًا، وأما الكافرُ فإنه يضطرُ إلى الاستسلام عند الشدائد
ونزولِ البلاءِ به كرهًا، ثم يعودُ إلى شركِه عندَ زوال ذلك كلِّه، كما أخبرَ اللَّهُ
عنهم بذلكَ في مواضعَ كثيرةٍ من القرآنِ.
والحديثُ الذي يطابقُ البابَ - على اختيارِ المفرقينَ بينَ الإسلام والإيمانِ -
قولُ النبيِّ بَّهِ - في ذكر قرينهِ من الجنِّ -: ((ولكنَّ اللَّهَ أعانني عليه، فآسلَمُ))(١).
وقد رُوي بضمِّ الميمٍ وفتحِها:
فمن رواهُ بضمِّها، قال: المرادُ: أي: أنا أسلمُ من شرِّه.
ومن رواه بفتحها، فمنهم من فسَّرِه بأنه أسلمَ من كفرِهِ، فصار مسلمًا.
وقد وردَ التصريحُ بذلكَ في روايةٍ خرَّجها البزارُ في ((مسندِه))(٢)، بإسناد
فيه ضعفٌ.
ومنهم من فسَّرِه بأنه استسلمَ وخضعَ وانقادَ كرهًا. وهو تفسير ابنِ عيينة
وغيرهِ. فيطابقُ على هذا ترجمةَ البابِ. واللَّهُ أعلمُ (٣).
(١) أخرجه: مسلم في ((صحيحه)) (١٣٩/٨).
(٣) ((فتح الباري)) (١١٦/١ - ١٢٣).
(٢) (٢٥٤/٥).

٢٩٨
سورة الحجرات
قال المحقِّقون مِنَ العُلماءِ: كلُّ مؤمِنِ مُسلمٌ، فإنَّ من حقَّق الإيمانَ، ورسخَ
في قلبِهِ، قام بأعمالِ الإسلامِ، كما قالَ بَّهِ: ((ألا وإنَّ في الجسد مضغةً، إذا
صلحتْ، صلَّحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فسدتْ، فسدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهيَ القلبُ))(١) ، فلا
يتحقَّقُ القلبُ بالإيمانِ إلا وتنبعِثُ الجوارحُ في أعمالِ الإسلامِ، وليسَ كلّ
مسلمٍ مؤمنًا، فإنَّه قد يكونُ الإيمانُ ضعيفًا، فلا يتحقَّقُ القلبُ به تحقُّقًا تامًّا،
معَ عملِ جوارحِهِ بأعمالِ الإسلامِ، فيكونُ مسلمًا وليس بمؤمنِ الإيمانَ التامَّ
كما قالَ تعالَى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنِ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ
الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، ولم يكونُوا مُنافقينَ بالكُلِيَّةِ على أصحٌ
التفسيرينِ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ وغيرِهِ، بل كانَ إيمانُهم ضعيفًا، ويدلُّ عليه
قوله تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤]،
يعني: لا ينقُصُكُم من أجورِها، فدلَّ على أنَّ معهم من الإيمانِ ما تُقبلُ به
أعمالُهم.
وكذلك قولُ النبيِّ بَّ لسعد بن أبي وقَّاص لَّا قال له: لمْ تعطِ فلانًا وهو
مؤمنٌ، فقالَ النبيُّ ◌ِّهِ: ((أو مسلمٌ؟)) (٢) يُشيرُ إلى أنَّه لم يُحقِّق مقامَ الإيمانِ،
وإنما هو في مقامِ الإسلامِ الظَّاهرِ، ولا ريبَ أنَّه متى ضعفَ الإيمانُ الباطنُ،
الزمَ منه ضعفُ أعمالِ الجوارحِ الظاهرةِ أيضًا، لكن اسمَ الإيمانِ يُنفى عمَّن
تركَ شيئًا مِن واجباتِهِ، كَمَا في قوله: ((لا يزني الزََّنِي حينَ يزني وهو مؤمنٌ)(٣).
وقد اختلفَ أهلُ السَّنَةِ: هل يُسمَّى مؤمنًا ناقصَ الإيمانِ، أو يقالُ: ليسَ
(١) جزء من حديث أخرجه: البخاري (١/ ٢٠)، ومسلم (٥٠/٥).
(٢) أخرجه: البخاري (١٣/١)، ومسلم (١٠٤/٣).
(٣) البخاري (١٧٨/٣)، ومسلم (٥٤/١).

٢٩٩
سورة الحجرات
بمؤمنٍ، لكنَّهُ مسلمٌ، على قولينٍ، وهمَا روايتانِ عن أحمدَ.
وأمَّا اسمُ الإسلامِ، فلا ينتفِي بانتفاءِ بعضِ واجباتِهِ، أو انتهاكِ بعضِ
محرَّماته، وإنما يُنْفَى بالإتيانِ بما يُنَافِيهِ بالكُلِيَّةِ، ولا يُعرَفُ في شيءٍ من السّنّةِ
الصَّحيحةِ نفيُ الإسلامِ عمَّن تركَ شيئًا من واجباتِهِ، كما يُنْفَى الإيمانُ عمَّن
تركَ شيئًا من واجباتِهِ، وإنْ كانَ قد وردَ إطلاقُ الكُفرِ على فعلِ بعضِ
المحرَّمات، وإطلاقُ النِّفاقِ أيضًا.
واختلفَ العلماءُ: هل يُسمَّى مرتكبُ الكبائرِ كافرًا كفرًا أصغر أو منافقًا
النِّفاق الأصغرَ، ولا أعلمُ أنَّ أحدًا منهم أجازَ إطلاقَ نفي اسمِ الإسلامِ عنهُ،
إلا أنه رُوي عن ابن مسعودٍ أَنَّه قالَ: ما تاركُ الزَّكاةِ بمسلم (١) . ويُحتملُ أنَّه
كان يراه كافرًا بذلكَ، خارجًا عنِ الإسلام.
وكذلكَ رُوي عن عمرَ فيمن تمكَّن مِنَ الحجِّ، ولم يحجَّ أنهم ليسُوا
بمسلمينَ، والظَّاهرُ أنَّه كانَ يعتقدُ كفرَهم، ولهذا أرادَ أن يضربَ عليهمُ
الجزيةَ، يقولُ: لم يدخُلُوا في الإسلامِ بعدُ، فهُم مستمرُّونَ على كتابيتِهِم(٢).
وإذا تبيَّن أنَّ اسمَ الإسلامِ لا ينتفي إلا بوجودِ ما ينافيهِ، ويُخرجُ عن الملّة
بالكلّةِ، فاسمُ الإسلامِ إذا أُطلِقَ أو اقترنَ به المدحُ، دخلَ فيهِ الإيمانُ كلُّه منَ
التَّصدیقِ وغيرِهِ.
وخرَّجِ النَّسائيُّ(٣) مِن حديثِ عقبةَ بنِ مالكِ أنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ بعثَ سرِيَّةً،
(١) أخرجه: ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١١٤/٣).
(٢) ذكره ابن كثير في ((مسند الفاروق)) (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣).
(٣) أخرجه: النسائي في ((الكبرى)) (١٠٠١٣ - تحفة الأشراف) وأحمد في ((المسند)» (٤/ ١١٠)،
(٢٨٨/٥ - ٢٨٩).

٣٠٠
سورة الحجرات
فغارت على قومٍ، فقالَ رجلٌ منهم: إنِّي مُسلمٌ، فقتلُه رجلٌ منَ السَّرِيَّة،
فنُمي الحديثُ إلى رسول اللَّهِ وَّهِ، فقالَ فيه قولاً شديدًا، فقالَ الرجلُ: إنَّما
قالها تعوُّذًا مِنَ القتلِ، فقالَ النبيُّ بَّهِ: ((إنَّ اللَّه أَبَى عليَّ أن أقتلَ مؤمنًا)) ثلاثَ
مرَّاتٍ.
فلولا أنَّ الإسلامَ المطلقَ يدخُلُ فيه الإيمانُ والتَّصديقُ بالأصولِ الخمسةِ، لم
يصِر من قالَ: ((أنا مسلمٌ) مؤمنًا بمجرَّدٍ هذا القول، وقد أخبرَ اللَّهُ تعالى عن
ملكة سبأٍ أنَّها دخلتْ في الإسلامِ بهذهِ الكلمةِ وقالت: ﴿رَبِ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]، وأخبرَ عن يوسفَ عليه السَّلامُ
أنه دعا بالموتِ على الإسلام. وهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ الإسلامَ المطلقَ يدخُلُ
فيهِ ما يدخلُ في الإيمان مِنَ التَّصديق.
وفي (سنن ابن ماجه))(١) عن عديِّ بنِ حاتمٍ؛ قالَ: قال لي رسولُ اللَّهِ
وَلَه : (يا عديّ، أسلمْ تسلمُ)، قلتُ: وما الإسلامُ؟ قال: («تشهدُ أنْ لا إله إلا اللَّه،
وتشهدُ أَنِّي رسولُ اللَّه، وتؤمنُ بالأقدارِ كلِّها، خيرها وشرِّها حلوها ومرِّها)).
فهذا نصٌّ في أنَّ الإيمانَ بالقدرِ مِنَ الإسلامِ(٢).
(١) أخرجه: ابن ماجه (٨٧).
(٢) ((جامع العلوم والحكم)) (٨٢/١ - ٨٦).