Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١
سورة الزخرف
أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾
[فاطر: ٣٧].
وفي حديثِ الأعمشِ عن شمرِ بنِ عطيةً عن شهرِ بنِ حوشبٍ عن أمِّ
الدَّرداءِ عن أبي الدَّرداءِ عن النبيِّ وَِّ: في ذكرِ أهلِ النَّارِ قال: ((فِيقُولونَ:
ادعُوا خزنةَ جهنمَ، فيقولون: ﴿أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبِنَاتِ قَالُوا بَلَىْ قَالُوا فَادْعُوا
وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّ فِي ضَلالٍ﴾ [غافر: ٥٠])). قال: ((فيقُولونَ ادعُوا مالكًا فيقُولُونَ:
﴿وَنَادَوْاْ يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧].))
قال الأعمشُ: نُبْتُ أنَّ بينَ دُعائِهم وبين إجابةِ مالكِ لهم ألفَ عامٍ، قال:
فيقُولُون: ادعُوا ربَّكم فإنَّه ليس أحدٌ خيرًا من ربكم فيقُولُون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ
· رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾
عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَاِينَ
[ المؤمنون: ١٠٦، ١٠٧]، قال فيُجِيبُهم: ﴿قَالَ اخْسَعُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونٍ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
قال: ((فعندَ ذلك يئسُوا من كلِّ خيرٍ وعندَ ذلك يأخذونَ في الحسرةِ والزفيرِ
والويلٍ)).
خرَّجه الترمذيُّ مرفوعًا وموقوفًا على أبي الدرداء.
وروى أبو معشرٍ عن محمدِ بن كعبِ القُرظيِّ قال: لأهلِ النارِ خمسُ
دعواتٍ يُكلَّمونَ في أربعٍ منها ويُسكتُ عنهم في الخامسةِ فلا يُكلَّمونَ
يقولون: ﴿قَالُوا رَبَّا أَمَتََّا اثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَ اثْنَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذْنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن
سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١].
فيردُّ عليهم: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾
[غافر: ١٢ ].
٢٤٢
سورة الزخرف
ثمّ يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢].
فيردُّ عليهم: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] إلى آخر الآيتين.
ثمَّ يقولون: ﴿رَبََّا أَخِرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَّعِ الرَّسَلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤].
فيردُّ عليهم: ﴿أَوَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّنَ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤].
ثمَّ يقولُون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِ جْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧].
فيردُّ عليهم: ﴿أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُم مَّ يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧].
ثُمَّ يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًّاً ضَالِينَ ﴿١:٢﴾ وَبَّنَا أَخْرِ جْنَا مِنْهَا فَإِنْ
عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦، ١٠٧].
فيردُّ عليهم: ﴿اخْسَتُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿وَكُنتُم مِنْهُمْ
تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٨ - ١١٠].
قال: فلا يتكلَّمونَ بعدَ ذلك، خَرَّجَه آدمُ بنُ أبي إياسٍ وابنُ أبي حاتمٍ.
وخرَّجَ ابنُ أبي حاتمٍ من روايةٍ قتادةَ عن أبي أيوبَ العتكيِّ، عن عبدِ اللَّهِ
ابنِ عمرٍ قال: نادَى أهلُ النَّارِ: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] قال:
فخلَّى عنهم أربعين عامًا ثمَّ أجابهم: ﴿قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فقالُوا:
﴿رَبَّنَا أَخْرِ جْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] قال: فخلَّى عنهم مثلَ
الدُّنْيا ثمَّ أجابَهم: ﴿قَالَ اخْسَُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونٍ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] قال: فأُطبِقَتْ
عليهم فبئسَ القومُ بعدَ تلك الكلمةِ، وإنْ كان إلا الزفيرُ والشهيقُ.
وعن عطاءِ بنِ السائبِ عن أبي الحسنِ عن ابنِ عباسٍ في قولهِ تعالى:
﴿وَنَادَوْ يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبِّكَ﴾ قال: فيتركُهم ألفَ سنةٍ ثم يقولُ: ﴿إِنَّكُمْ
مَّاكِئُونَ﴾، وخرَّجَهُ البيهقيُّ وعندَه عن عطاء عن عكرمةَ عن ابنِ عباسٍ.
٢٤٣
سورة الزخرف
وقال سُنَيَدٌ في ((تفسيرِهِ)): حدثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قال: نادَى أهلُ
النَّارِ خزنةَ جهنمَ أنْ ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فلم
يجيبُوهم ما شاءَ اللَّهُ، ثمَّ أجابُوهم بعدَ حينٍ وقالُوا لهُم: ﴿فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ
الْكَافِرِينَ إِلَّ فِي ضَلالٍ﴾ [غافر: ٥٠].
ثمَّ نادَوا: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ فيسكُتُ عنهم مالكٌ خازنُ جهنمَ
أربعينَ سنةً ثمَّ أجابَهم: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ ثمَّ نادَى الأشقياء ربَّهم: ﴿رَبَّا
غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتْنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] الآيتين، فسكتَ عنهم مثلَ مقدارِ الدُّنيا ثمَّ
أجابَهم بعدُ ﴿اخْسَنُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
ورَوَى صفوانُ بنُ عمرو قال: سمعتُ أيفعَ بنَ عبدِ الكُلاعي يقولُ: قال
رسولُ اللَّهِ وَله: «إذا دخلَ أهلُ الجَنَّة الجنةَ وأهلُ النَّارِ النارَ، قالَ اللَّهُ: يا أهلَ الجنَّة:
﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١٢) قَالُوا لَبِغْنَا يَوْمًّا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٢،
١١٣] قال: نعم ما اتَّجرتُم في يومٍ أو بعضِ يومٍ رحمتي ورضواني وجَّتي امكُثُوا فيها
خالدين مخلدينَ. ثم يقولُ لأهلِ النَّارِ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ﴿١٢﴾ قَالُوا
◌َبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فيقول: بئسَ ما انَّجرتُم به في يومٍ أو بعضِ يومٍ سخطِي
ومعصيتي ونارِي، امكُثُوا فيها خالدين مخلدينَ فيقولون: ﴿رَبََّا أَخْرِ جْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا
فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ فيقولُ: ﴿اخْسَنُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونٍ ﴾، فيكونُ ذلك آخرُ عهدهِم بكلامٍ
ربِّهم عزَّ وجلَّ) خرَّجه أبو نعيمٍ(١) . وقال: كذا رواه أيفعُ مرسلاً.
وقال أبو الزَّعْراءِ عن ابن مسعودٍ: إذا أرادَ اللَّهُ أن لا يُخرِجَ منها أحدًا غيرَ
وجوهِهِم وألوانِهم، فيجيءُ الرجلُ من المؤمنين فيشفعُ فيقولُ: يا ربِّ،
(١) أخرجه: أبو نعيم في ((الحلية)) (١٣٢/٥).
. .
٢٤٤
سورة الزخرف
فيقالُ: من عرفَ أحدًا فليُخرِجْهُ، قال: فيجيءُ الرجلُ من المؤمنينَ فينظرُ فلا
يعرفُ أحدًا فينادَيَهُ الرجلُ فيقولُ: يا فلانُ، أنا فلانٌ، فيقولُ: ما أعرفك
قال: فعندَ ذلك يقولون في النَّارِ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾
فيقولُ عندَ ذلك: ﴿اخْسَُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ فإذا قال ذلك أُطبِقَتْ عليهم فلم
يخْرجْ منهم أحدٌ.
وفي روايةٍ قال ابنُ مسعودٍ: ليسَ بعدَ هذه الآيةِ خروجٌ: ﴿اخْسُوا فِيهَا وَلَا
تُكَلِمُون ﴾.
وذكَرَ عبدُ الرزاقِ في ((تفسيرِه)) عن عبدِ اللهِ بنِ عيسى عن زيادِ الخُرسانيِّ
أسندَهُ إلى بعضِ أهلِ العلمِ: قال: إذا قيلَ لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُون﴾
سكتُوا فلا يُسمَعُ لهم فيها حسٌّ إلا كطنينِ الطّستِ (١).
(١) ((التخويف من النار)) (١٦٢ - ١٦٥).
ورو ءُ
سُورَةُ الدُّخَانِ
قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾
وقد رُوي عن عكرمةَ وغيرِهِ من المفسِّرِين في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ
أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤] أنَّها ليلةُ النَّصْفِ من شعبانَ. والجمهورُ على أنَّها ليلةٌ
القدْرِ، وهو الصحيحُ.
وقال عطاءُ بنُ يسار: إذا كان ليلةُ النِّصْفِ من شعبانَ دُفْعَ إلى ملكِ الموتِ
صحيفةٌ، فيُقالُ: اقبض من في هذه الصحيفةِ، فإنَّ العبدَ لَيَغْرِسُ الغِرَاسَ،
وينكحُ الأزواجَ، ويبني البُنيانَ، وإنَّ اسمَه قد نُسِخَ في الموتى ما ينتظرُ به
ملَكُ الموتِ إلا أن يُؤْمَرَ به فيقبضَه ..
يا مغروراً بطول الأمل، يا مسرورًا بسوءِ العملِ، كُنْ مِن الموتِ على
وَجَلٍ، فما تدري متى يهجُمُ الأجَلُ.
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَحٌ فِي أَهْلِهِ
والَوْتُ أدْنَى من شِراكِ نَعْلِهِ
قال بعضُ السلفِ: كم من مُستقبلٍ يومًا لا يستكملُهُ، ومن مُؤمِّلٍ غدًا لا
يدركُه، إنَّكم لو رأيتمُ الأجَلَ ومسيرَهُ لأبغضتُمُ الأمَلَ وغُرورَهُ.
أؤمِّلُ أنْ أُخَلَّدُ والمنايا تدُورُ عليَّ من كُلِّ النَّواحِي
وما أدرِي وإنْ أمْسَيْتُ يومًا لَعلِّي لا أعيشُ إلى الصباحِ
كمْ تَمَّن راحَ في طلبِ الدنيا أو غداً أصبَحَ مِنْ سكانِ القُبورِ غداً
٢٤٦
سورة الدخان
كأنكَّ بالمضيِّ إلى سبيلِكْ وقدْ جدّ المُجَهِّزُ في رحِيلِكْ
بقولِهِم لهُ افْرغْ من غَسيلِكْ
إليهم من كثيركَ أو قليلكْ
وجيءَ بِغاسِلٍ فاسْتَعْجَلُوهُ
ولم تحمِلْ سِوَىَ كفَنٍ وقُطْنٍ
وقد مدَّ الرِّجالُ إليكَ نَعْشًا فأنْتَ عليه مَمْدُودٌ بطولِك
وصلَّوا ثمَّ إِنَّهم تدَعَوا لحمْلِكَ من بُكورِكَ أو أصيلِكْ
فلمَّا أسْلَمُوك نزَلْتَ قِبْرًا ومن لكَ بالسَّلامةِ في نُزُولِكْ
أعانَكَ يومَ تدَخُلُهُ رحيمٌ رءوفٌ بالعبادِ على دُخُولِكْ
فسَوفَ تُجاوِرِ الْمَوْتَى طويلاً فذَرْني مِن قَصيركَ أو طويلِكْ
وباللَّهِ اسْتَعَنْتُ على قبولِكْ
أُخَيَّ لقَدْ نَصحتُكَ فَاسْتَمِعْ لِي
ألسْتَ تَرى المنايا كُلَّ حينٍ تُصيبُكَ في أخِيكَ وفي خَلِيلِكُ (١)
إِنْ هِيَ إِلَّ مَوْتَتْنَا الأُولَى
٣٤
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ
و
﴿ أَهُمْ
٣
وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ﴿٢٥﴾ فَأُتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ :
قال ابن الجوزي في ((المقتبس)): سمعت الوزير (٢) يقول في قوله تعالى:
﴿إِن هِيَ إِلَّ مَوْتَتْنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ﴿٢﴾ فَأُتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٣٦
أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبِّعٍ﴾ [الدخان: ٣٤ -٣٦] قال: رُبَّما تَوهَّم جاهلٌ أنهم لم يُجَابُوا عما
سألوا، وليسَ كذلك؛ فإن الذين سألوا لا يصلح أن يكون دليلاً على البعثِ؛
لأنهم لو أُجيبوا إلى ما سألوا لم يكُنْ ذلك حجةً على مَنْ تقدَّم، ولا على
(١) ((اللطائف)) (ص ٢٦٨ - ٢٦٩).
(٢) هو: محمد بن يحيى بن هبيرة.
٢٤٧
سورة الدخان
من تأخَّر، ولم يَزد على أنْ يكونَ لمن تقدَّم وعدًا، ولمن تأخر خبراً، اللهم إلا
أن يجيء لكل واحد أبوه، فتصير هذه الدارُ دارَ البعثِ. ثُمَّ لو جازَ وقوع
مثل هذه كان إحياءُ ملكٍ يُضْرَب به الأمثالُ أولى، كـ: تُبَّع، لا أنتم يا أهلَ
مكَّةَ، فإنكم لا تُعرفون في بقاع الأرض(١).
طَعَامُ الأَثِيمِ
٤٣
قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ
٤٥
كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ
كَغَلَى الْحَمِيمِ﴾
ھے
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ ()
طَعَامُ الأَثِيمِ هِ
كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي
الْبُطُونِ
· كَغَلَى الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٦]. وقال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ
٥
الزَّقُومِ ﴿ ٢٢٨٢ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فَتْنَةً لَّلظَّالِمِينَ ﴿
◌َ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ
طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِنِ
فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ عِ نْ ثُمَّ إِنَّ
٦٥
لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ ﴿٧يله ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لِإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٢ -٦٨]،
لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُومٍ
وقال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُونَ الْمُكَذِبُونَ
فَشَارِبُونَ شَرْبَ الْهِيمِ
فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ 0g.
فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ
نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدَّقُونَ﴾ [الواقعة: ٥١ -٥٧]،
٥٦
هَذَا نُزْلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ﴿
وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ
وَنُخَوِفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠].
وخرَّجَ الترمذيُّ وابنُ ماجهَ وابنُ حبانَ في ((صحيحِهِ))(٢) من حديثِ ابنِ
(١) ((طبقات الحنابلة)) (٢٦٩/٣).
(٢) أخرجه: أحمد (٣٠٠/١)، وابن ماجه (٤٣٢٥)، والترمذي (٢٥٨٥)، والنسائي في ((الكبرى))
كما في ((تحفة الأشراف)) (٦٣٩٨).
٤٤
٢٤٨
سورة الدخان
عباسٍ أنَّ النبيَّ وَِّ قرأ هذه الآيةَ: ﴿ اَتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم
مَّسْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. فقال رسولُ اللَّهِ وَالّ: ((لو أنَّ قطرةً من الزقومِ قُطِرَتْ في
دار الدنيا لأفسدتْ على أهلِ الدنيا معايشَهُم، فكيفَ بَمَن تكونُ طعامَهُ؟!)).
وقال الترمذيُّ: صحيح، ورُوي موقوفًا على ابنِ عباسٍ .
وقال ابنُ إسحاقَ: حدثني حكيمُ بنُ حكيم، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ،
قال: قال أبو جهلٍ لَّا ذكرَ رسولُ اللَّه وَّهِ شجرة الزقومِ: يُخوِّفُنا بها محمدٌ،
يا معشر قريشِ أتدرُون ما شجرةُ الزقومِ التي يُخوِّفُكم بها محمدٌ؟ قَالُوا: لا،
قال: عجوةُ يثربَ بالزبدِ، واللَّه لئنِ اهتمكنا منها لنتزقمنَّها تزقمًا، فأنزلَ الله
فيه: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ ﴿٤﴾. طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ الآية [الدخان: ٤٣، ٤٤]، أي ليس
كما تقول، وأنزلَ اللَّه ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ
طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠].
وقالَ عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، في قوله: ﴿فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾
[الصافات: ٦٣] قال: زادتُهم تكذيبًا حينَ أخبرَهم أنَّ في النَّارِ شجرةً، قال:
يخبرُهم أنَّ في النَّارِ شجرةً والنَّارُ تحرقُ الشجرَ، فأخبرَهم أنَّ غذاءَها من
النارِ .
وقد تقدمَ عن ابنِ عباسٍ أنَّ شجرةَ الزقومِ نابتةٌ في أصلٍ سقرَ، ورُوي عن
الحسنِ أنَّ أصلَها في قعرِ جهنمَ وأغصانَها ترتفعُ إلى دركاتِها .
وقالَ سلامُ بنُ مسكينٍ: سمعتُ الحسنَ تلا هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ
( ٤٣
طَعَامُ الأَثِيِمِ ﴿٤ِ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ
٤٥
كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ قالَ: إنَّها
هناك قد حُميت عليها جهنم.
14%
سورة الدخان
٢٤٩
وقال مغيرةُ، عن إبراهيمَ وأبي رزينٍ: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾: قال:
الشجرُ يغلي.
قال جعفرُ بنُ سليمانَ: سمعتُ أبا عمرانَ الجوني يقولُ: بلغَنَا أَنَّه لا
ينهشُ منها نهشةً إلا نهشتْ منه مثلَها .
وقد دلَّ القرآنُ على أنَّهم يأكلونَ منها حتى تمتلئَ منها بطونُهم، فتغلي في
بطونِهم كما يغلي الحميمُ، وهو الماءُ الذي قدْ انتهى حرَّهُ، ثمَّ بعدَ أكلهم منها
يشربُونَ عليه من الحميمِ شربَ الهيمِ .
قال ابنُ عباسٍ في روايةِ علي بنِ أبي طلحة: الهيمُ: الإبلُ العطاشُ.
وقال: السديُّ: هو داءٌ يأخذ الإبلَ فلا تُروى أبدًا حتى تموت، فكذلك
أهلُ جهنم لا يُروونَ من الحميم أبدًا، وعن مجاهد نحوه.
وعن الضحاكِ في قولِهِ: ﴿شَرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥]، قال: من العربِ مَن
يقولُ: هو الرملُ، ومنهم مَنْ يقولُ: الإبلُ العطاشُ، وقد رُوي عن ابنِ
عباسٍ كلا القولين، ودلَّ قولُهُ سبحانَهُ: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ﴾
[الصافات: ٦٨] على أنَّ الحميمَ يشابُ به ما في بطونِهِم من الزَّقوم فيصيرُ شوبًا
له، وقال عطاءٌ الخراسانيُّ في هذه الآية: يقالُ: يُخلطُ طعامُهُم ويشابُ
بالحميم. وقال قتادةُ: ﴿لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ﴾: مِزاجًا من حميمٍ.
وعن سعيدِ بنِ جبيرِ قال: إذا جاعَ أهلُ النَّارِ استغاثُوا من الجوعُ فأُغيثُوا
بشجرةِ الزَّقُومِ فأكلوا منها فانسلختْ وجوهُهُم حتى لو أنَّ مارًا مرَّ عليهم
يعرفُهم لِعُرْفِ جلودِ وجوهِهِم، فإذا أكلُوا منها أُلقي عليهم العطشُ،
فاستغاثُوا من العطشِ فَأُغيثوا بماء كالمهلِ، والمهلُ: الذي قد انتهى حرّهُ، فإذا
٢٥٠
سورة الدخان
أدنَوه من أفواههم أنضجَ حرَّهُ الوجوهَ فيُصهرُ به ما في بطونِهِم، ويُضربُون
بمقامعَ من حديدٍ فيسقطُ كلُّ عضوٍ على حيالِهِ يدعُونَ بالثبورِ .
وقولُهُ تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لِإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨]. أي: بعدَ أكل
الزقومِ وشربِ الحميمِ عليه، ويدلُّ هذا على أنَّ الحميمَ خارجٌ من الجحيمِ فهم
يردُونَه كما تَرِدُ الإبلُ الماءَ، ثمَّ يَرِدُون إلى الجحيمِ، ويدلُّ على هذا أيضًا قولُه
تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ﴿٤﴾ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾
[الرحمن: ٤٣، ٤٤] والمعنى أنَّهم يتردَّدُون بينَ جهنمَ والحميمِ فمرةٌ إلى هذا، ومرةٌ
إلى هذا قالَهُ قتادةُ وابنُ جريجٍ، وغيرُهما.
وقال القرظيُّ في قولِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْتَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، قالَ:
إنَّ الحميمَ دونَ النَّارِ، فيُؤخذُ العبدُ بناصيتِه فيُجرُّ في ذلك الحميم حتى يذوبَ
اللحمُ ويبقى العظمُ والعينان في الرأسِ، وهذا الذي يقول اللَّهُ عزَّ وجلّ:
﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] .(١)
(١) ((التخويف من النار)) (١١٢ - ١١٤).
سُورَةُ الجَاثِيَة
ورو
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾
وجاء من مراسيلِ الحسنِ عن النبيِّ وَلِ: ((مَنْ قالَ: لا إله إلا اللَّه مخلصًا دخلَ
الجنَّةِ)) قيلَ: وما إخلاصُها؟ قال: ((أن تحجُزَك عمَّا حرَّمَ اللَّهُ) ورُوي ذلك مسندًا
من وجوه أُخرَ ضعيفةٍ.
ولعلَّ الحسنَ أشارَ بكلامِهِ الذي حكيناه عنه من قبلُ إلى هذا، فإنَّ تحقيقَ
٠٠
القلب بمعنى: ((لا إله إلا اللَّه)) وصدقَه فيها وإخلاصَهُ بها يقتضي أن يرسخَ
فيه تألُّه الله وحدَهُ، إجلالاً، وهيبةً، ومخافةً، ومحبَّةً، ورجاءً، وتعظيمًا،
وتوكُّلاً، ويمتلئَ بذلك، وينتفيَ عنه تألُّه ما سواه من المخلوقينَ، ومتى كانَ
كذلك لم يبقى فيه محبَّةٌ ولا إرادةٌ، ولا طلبٌ لغيرِ ما يُريدُهُ اللَّهُ ويحبُّه
ويطلبُه، وينتفي بذلك من القلبِ جميعُ أهواءِ النفوسِ وإرادتها ووساوسُ
الشيطان، فمَنْ أحبَّ شيئًا وأطاعَهُ، وأحبَّ عليه وأبغضَ عليه، فهو إلهُهُ،
فمن كان لا يحبُّ ولا يُبغضُ إلا للَّه، ولا يُوالي ولا يُعادي إلا له، فاللَّه
إلهُهُ حقًّا، ومن أحبَّ لهواه، وأبغضَ له ووالَى عليه، وعادَى عليه، فإلهه
هواه، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقال الحسنُ:
هو الذي لا يَهوى شيئًا إلا ركبَهُ، وقال قتادةُ: هو الذي كلما هَوِيَ شيئًا
ركبَهُ، وكلَّما اشتهى شيئًا أتاه، لا يَحجزُهُ عن ذلك ورعٌ ولا تقوى،
ويُروى من حديث أبي أمامةَ مرفوعًا: ((ما تحت ظلِّ السماء إلهٌ يُعبد أعظمَ عندَ
٢٥٢
سورة الجاثية
الله من هویّ منَّع)»(١)
وكذلك مَنْ أطاعَ الشيطانَ في معصيةِ اللَّه، فقد عبدَهُ كما قال عزَّ وجلّ:
﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينَ﴾ [يس: ٦٠].
فتبيَّن بهذا أنَّه لا يصحُّ تحقيقُ معنى قول: لا إله إلا اللَّه، إلا لمن لم يكنْ
في قلبِهِ إصْرارٌ على محبةٍ ما يكرهُهُ اللَّهُ، ولا على إرادة ما لا يُرِيدُ اللَّهُ،
ومتى كان في القلبِ شيءٌ منْ ذلك، كانَ ذلك نقصًا في التوحيدِ، وهو مِنْ
نوعِ الشِّرِكِ الخفيِّ، ولهذا قال مجاهدٌ في قولِهِ تعالى: ﴿َلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾
وُ
[النساء: ٣٦] قال: لا تحبّوا غيرِي.
وفي ((صحيحِ الحاكم)) (٢) عن عائشةَ فِّها، عن النبيِّنَّهِ قال: ((الشِّركُ
أخْفى من دبيب الذَّرِّ على الصَّفا في الليلة الظَّماءِ، وأدناهُ أنْ تُحِبَّ على شيءٍ منَ
الجوْرِ، وتُبغضَ على شيءٍ من العدل، وهل الدِّينُ إلا الحبُّ والبغض؟ قال اللَّهُ عزَّ
وجلّ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَِّعُونِي يُحْبَكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: ٣١].
وهذا نصٌّ في أنَّ محبةَ ما يكرهُه اللَّه، وبغضَ ما يُحبُه متابعةٌ للهوى،
والموالاةُ على ذلك والمعاداةُ عليه من الشركِ الخفيّ(٣).
وقد ورد إطلاقُ الإله على الهوى المتَّبع، قالَ اللَّه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ
إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣].
قال الحسنُ رحمه اللَّهُ: هو الذي لا يَهْوى شيئًا إلا ركبه. وقال قتادةُ: هو
(١) أخرجه: الطبراني (١٠٣/٨)، وابن عدي في ((الكامل)) (٣٠١/٢).
(٢) أخرجه: الحاكم (٢٩١/٢).
(٣) ((جامع العلوم والحكم)) (١/ ٥٥٤ - ٥٥٦).
٢٥٣
سورة الجاثية
الذي كلَّما هَويَ شيئًا ركبه، وكلَّما اشْتهى شيئًا أتاهُ، لا يحجزُهُ عن ذلك ورِعٌ
ولا تقوى.
ورُوي من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف: ((ما تحت ظلِّ سماء إلهٌ يعبدُ
ے
أعظمُ عند اللَّهِ من هوى مشَّبع))(١) .
وفي حديث آخرَ: ((لا تزالُ لا إله إلا اللَّهُ تدْفَعُ عن أصحابها حتَّى يؤثِرُوا دنياهم
على دينهم، فإذا فعلُوا ذلكَ رُدَّتْ عليهم، ويقالُ لهم: كذبْتُم))(٢).
ويشهدُ لهذا: الحديث الصحيحُ عن النبيِّ بَّهِ: ((تَعِسَ عبدُ الدينارِ، تعِسَ عبد
الدرهم، تعسَ عبدُ القطيفة، تعسَ عبدُ الخميصة، تعسَ وانتكسَ، وإذا شيكَ فلا
انتقشَ)(٣) فدلَّ هذا على أنَّ كلَّ من أحبَّ شيئًا وأطاعه وكانَ غايةَ قصده
٠٠
ومطلوبِهِ، ووالى لأجله، وعادى لأجله، فهو عبدُهُ، وكان ذلك الشيءُ
معبودَهُ وإِلهَهُ.
ويدلُّ عليه أيضًا أنَّ اللَّه تعالى سمَّى طاعةَ الشيطانِ في معصيتِهِ عبادةً
للشيطان، كما قال اللَّهُ تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾
[يس: ٦٠] وقال تعالى حاكيًا عن خليلِهِ إبراهيمَ عليه السلامُ لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لا
تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤]، فمنْ لم يتحققُ بعبودية
الرحمنِ وطاعتِهِ فإنَّه يعبدُ الشيطانَ بطاعتِهِ له، ولم يخلُصْ من عبادةِ الشيطانِ
إلا من أخلصَ عبوديةَ الرحمنِ، وهم الذين قال فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ
لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]. فهم الذين حقَّقُوا قولَ: ((لا إله إلا اللَّه))،
(١) سبق تخريجه قريبًا.
(٢) أخرجه: أبو يعلى في («مسنده)) (٤٠٣٤/٧).
(٣) أخرجه: البخاري (١١٥/٨).
٢٥٤
سورة الجاثية
وأخلصُوا في قولِها، وصدَّقُوا قولَهم بفعلِهِم، فلم يلتفتوا إلى غيرِ اللَّهِ محبةً
ورجاءً وخشيةً وطاعةٌ وتوكَّلاً، وهم الذين صدَقُوا في قولٍ: ((لا إله إلا اللَّه))
وهم عبادُ اللَّه حقًا، فأمَّا من قالَ: ((لا إله إلا اللَّه)) بلسانِهِ، ثم أطاعَ الشيطانَ
وهواه في معصية اللَّه ومخالفته فقدْ كذَّبَ فعلُه قولَهُ، ونقصَ من كمالٍ
توحيدِهِ بقدرِ معصيةِ اللَّهِ في طاعةِ الشيطانِ والهوى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمْنِ اتََّعَ هَوَاهُ
بِغَيْرِ هُدَى مِّنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]، ﴿وَلا تَتَّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].
فيا هذا كنْ عبدًا للَّه لا عبدًا للهوى، فإنَّ الهوى يهوِي بصاحبِهِ في النارِ :
﴿ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩].
تعسَ عبدُ الدرهمِ! تعسَ عبدُ الدينارِ! واللَّهِ لا ينجُو غدًا من عذاب الله
إلا من حقَّقَ عبوديةَ اللَّه وحدَهُ، ولم يلتفتْ إلى شيءٍ من الأغيارِ، من عَلِمَ
أنَّ إلهه فردٌ، فليُفْرِدْهُ بالعبوديةِ ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا﴾ [الكهف:١١٠].
كان بعضُ العارفينَ يتكلّم على أصحابِهِ على رأسِ جبلٍ، فقالَ في كلامِهِ:
لا ينالُ أحدٌ مرادَه حتى ينفردَ فردًا بفردِ، فانزعجَ واضطربَ، حتى رأى
أصحابُهُ أنَّ الصخورَ قد تدكْدكتْ، وبقي على ذلك ساعةً، فلمَّا أفاقَ فكأنَّه
نُشِرَ من قِبرِهِ.
قولُ: ((لا إله إلا اللَّهُ) تقتَضِي أنْ لا يُحبَّ سواهُ، فإنَّ الإلهَ هو الذي
يُطاعُ، فلا يعصى محبةً وخوفًا ورجاءً، ومن تمام محبته محبَّةُ ما يحبُّه،
وكراهة ما يكرَهُهُ، فمن أحبَّ شيئًا مما يكرهُهُ اللَّهُ، أو كرهَ شيئًا مما يحبُّه اللَّهُ
لم يكملْ توحيدُه وصدقه في قولٍ: ((لا إله إلا اللَّهُ))، كان فيه من
الشركِ الخفيِّ بحسب ما كرههُ مما يحبُّه اللَّه، وما أحبَّه مما يكرهُهُ اللَّهُ،
٢٥٥
سورة الجاثية
قال اللَّهُ تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضَوَانَهُ فَأَحْبَطَ
أعمالهم ﴾ [محمد :٢٨].
قال الليث عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]. قال: لا
يحبون غيري.
وفي ((صحيحِ الحاكم))(١) عن عائشة ◌ِّها عن النبيِّ وَّ قال: ((الشركُ في
هذه الأُمَّةِ أخْفَى من دبيبِ النملِ على الصَّفا في الليلةِ الظلماء، وأدناهُ أن تحبَّ على
شيءٍ من الجورِ، أو تُبغضَ على شيءٍ من العدل، وهل الدِّينُ إلا الحبُّ والبغضُ؟ قال
الله عزَّ وجلّ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١])).
وهذا نصٌّ في أنَّ محبةَ ما يكرهُهُ اللَّه، وبغضَ ما يحبُّهُ متابعةٌ للهَوَى،
والموالاةُ على ذلك والمعاداةُ فيه من الشِّركِ الخفِيِّ.
وقال الحسنُ: اعلمْ أنَّكَ لن تحبَّ اللَّهَ حتَّى تحبَّ طاعتَهُ.
وسُئل ذو النونِ: متى أُحبُّ ربِّي؟ قال: إذا كان ما يبغضه عندَكَ أمرَّ من
الصبر.
وقال بشرُ بنُ السريِّ: ليس من أعلامِ الحبِّ أن تحبَّ ما يبغضُ حبيبُك.
وقال أبو يعقوب النَّهْر جوْرِي: كلُّ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ ولم يوافقِ اللَّهَ في
أمرِهِ فدعواه باطلةٌ .
وقال يحيى بن معاذ: ليس بصادق من ادَّعى محبةَ اللَّه ولم يحفظ
حدوده.
وقال رويمٌ: المحبةُ: الموافقةُ في جميعِ الأحوالِ، وأنشد:
(١) أخرجه: الحاكم (٢٩١/٢).
٢٥٦
سورة الجاثية
ولو قلتَ لي: مُتْ، قلتُ: سمعًا وطاعةً وقلتُ لداعي الموتِ: أهلاً ومرحبا
ويشهدُ لهذا المعنى أيضًا قولُهُ تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
قال الحسنُ: قالَ أصحابُ رسول اللَّهِ وَظِلّهِ: إنَّا نحبُّ رَبَّنَا حبًّا شديدًا،
فأحبَّ اللَّهُ أن يجعلَ لحبِّه عَلَمًا، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ.
ومن هاهُنَا يُعلم أنه لا تتمُّ شهادةُ أن لا إله إلا اللَّهُ إلا بشهادة أن محمدًا
رسولُ اللَّه، فإنَّه إذا علمَ أنه لا تتمُّ محبةُ اللَّهِ إلا بمحبَّةٍ ما يحبُّه، وكراهةٍ ما
يكرهُه، فلا طريقَ إلى معرفة ما يحبُّه وما يكرَهُهُ إلا من جهةِ محمدِ المبلِّغِ
عن اللَّهِ ما يحبُّه وما يكرهُهُ باتِّباعِ ما أمرَ به، واجتنابِ ما نَهى عنه، فصارتْ
محبةُ اللَّه مستلزمةٌ لمحبةِ رسولِهِ وَّه وتصديقِهِ ومتابعته، ولهذا قرَنَ اللَّهُ بين
محبتِهِ ومحبةِ رسولِهِ في قولِهِ تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ ﴾
إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤].
كما قرنَ طاعتَهُ وطاعةَ رسولِهِ نَّهِ في مواضعَ كثيرةٍ .
وقال {وَلَهُ: ((ثلاثٌ من كنَّ فيه وجدَ بهنَّ حلاوة الإيمان: أن يكونَ اللَّهُ ورسولُهُ
أحبَّ إليه مما سواَهُمَا، وأنْ يحبَّ الرجلَ لا يحبُّه إلا للَّه، وأنْ يكرهَ أن يرجعَ إلى الكفر
بعد أن أنقذه اللَّهُ منه كما يكرهُ أن يُلقَى في النارِ))(١).
هذه حالُ السحرةِ لَّا سكنتِ المحبةُ قلوبَهُم سمحُوا ببذلِ النفوسِ وقالُوا
الفرعون: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] ومتى تمكنتِ المحبةُ في القلبِ لم
(١) أخرجه: البخاري (١/ ١٠، ١٢)، ومسلم (٤٨/١).
٢٥٧
سورة الجاثية
تنبعثِ الجوارحُ إلا إلى طاعةِ الربِّ، وهذا هو معنى الحديثِ الإلهيِّ الذي
خرَّجه البخاريُّ في ((صحيحه)) وفيه: ((ولا يزالُ عبدِي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافلِ حتَّى
أحبَّه، فإذا أحببتُهُ كنتُ سمعَهُ الذي يسمعُ به وبصرَهُ الذي يبصرُ به، ويدَهُ التي يبطشُ
بها، ورِجْلَهُ التي يمشي بها)) وقد قيل: إنَّ في بعض الرواياتِ: ((فبي يسمعُ وبي
ـو
يبصرُ وبي يبطشُ وبي يمشي))(١) .
والمعنى: أن محبةَ اللَّه إذا استغرقَ بها القلبُ واستولتْ عليه لم تنبعثِ
الجوارحُ إلا إلى مراضِي الربِّ، وصارتِ النفسُ حينئذٍ مطمئنةً بإرادة مولاها
عن مرادها وهواها.
يا هذا، اعبدِ اللَّهَ لمرادِه منكَ لا لمرادِكَ منه، فمنْ عبدَهُ لمرادِه منه فهوَ ممن
يعبدُ اللَّهَ على حرْف، إن أصابَهُ خيرٌ اطمأنَّ به، وإن أصابتْهُ فتنةٌ انقلبَ على
وجهه خسرَ الدنيا والآخرةَ، ومتى قويتِ المعرفةُ والمحبةُ لم يُرِدْ صاحبُها إلا ما
یریدُ مولاهُ.
وفي بعضِ الكتب السالفةِ: من أحبَّ اللَّهَ لم يكنْ شيءٌ عندَهُ آثرُ من
رضاهُ، ومن أحبَّ الدنيا لم يكنْ شيءٌ عندَه آثرُ من هوى نفسِهِ.
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن الحسنِ قال: ما نظرتُ ببصرِي ولا نطقتُ
بلساني، ولا بطشتُ بيدي، ولا نهضتُ على قدمِي، حتى أنظر على طاعةِ
اللَّهِ أو على معصيتِهِ، فإنْ كانتْ طاعةً تقدمتُ، وإن كانتْ معصيةً تأخَّرْتُ.
هذا حالُ خَوَاصِّ المحبينَ الصادقينَ، فافهمُوا رحمكُمُ اللَّهُ هذا، فإنَّه من
دقائق أسرارِ التوحيدِ الغامضةِ .
(١) أخرجه: البخاري (١٣١/٨).
٠
٢٥٨
سورة الجاثية
وإلى هذا المقامِ أشارَ النبيِ نَّهِ في خطبتِهِ لما قدِمَ المدينةَ حيثُ قال: ((أحبُّوا
اللَّهَ من كلِّ قلوبِكُم)» .
وقد ذكرها ابنُ إسحاقَ وغيرُهُ، فإنَّ من امتلأ قلبُهُ من محبةِ اللَّه، لم يكنْ
فيه فراغٌ لشيءٍ من إراداتِ النفسِ والهوى، وإلى ذلكَ أشارَ القائلُ، بقوله:
أروحُ وقدْ ختمتَ على فؤادِي بحبِّك أن يحلَّ بهِ سواكَا
فلو أنَّي استطعتُ غضضْتُ طرْفِي فلم أنظرْ به حتَّى أراكَا
أحبُّك لا ببعضِي بلْ بكلِّي وإنْ لم يُبقِ حُبُّكُ لِي حِرَاكَا
وفي الأحبابِ مخصوصٌ بوجدٍ وآخر يدَّعي معه اشْتِرَكَا
إذا اشتبكتْ دموعٌ في خدودٍ تبيَّن من بكى ممن تباكى
فأمَّا منْ بكَى فيذوبُ وجْدًا وينطقُ بالهوى من قِدْ تشَاكَا
متى بقي للمحبِّ حظٍّ من نفسِهِ فما بيدِهِ من المحبةِ إلا الدَّعْوى، إنما
المحبُّ من يفْنى عن هوى نفسِهِ كلِّه، ويبقى بحبيِهِ، فبي يسمعُ وبي يبصرُ.
وفي الإسرائيلياتِ يقولُ اللَّهُ: ((ما وسِعَنِي سمائي ولا أرضِي، ووسعنِي
قلبُ عبدِي المؤمنِ)) فمتى كان القلبُ فيه غيرُ اللَّهِ فاللَّهُ أغنى الأغنياءِ عن
الشِّرْكِ، وهو لا يَرضى بمزاحمة أصنامِ الهوى .. الحقُّ غيورٌ يغارُ على عبده
المؤمنِ أن يسكنَ في قلبِهِ سواهُ، أو يكنَّ فيه شيئًا ما يرضاه.
أردناكُمُ صِرْفًا فلمَّا مزجتُمُ بَعِدْتُم بمقدارِ التفاتِكُم عنَّا
وقلنا لكُم: لا تُسْكِنُوا القلبَ غيرَنَا فأسكنْتُم الأغيارَ، ما أنتُمُ مِنَّا
لا ينجو غدًا إلا من لقي اللَّهَ بقلبٍ سليمٍ ليسَ فيه سواه، قال الله تعالى:
﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بُنُونَ ﴿٨٨﴾ إِلَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩.٨٨].
٢٥٩
سورة الجاثية
القلبُ السليمُ: هو الطاهرُ من أدناسِ المخالفاتِ، فأمَّا المتلطخُ بشيءٍ من
المكروهاتِ فلا يصلُحُ لمجاورةِ حضرةِ القدوسِ إلا بعدَ أن يطهرَ في كيرِ
العذابِ، فإذا زالَ عنه الخبثُ صلَحَ حينئذ للمجاورةِ.
((إن الله طيِّب لا يقبلُ إلا طيًِّا)). فأما القلوبُ الطيبةُ فتصلحُ للمجاورةِ من
أولِ الأمرِ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ
طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّينَ يَقُولُونَ سَلامٌ
عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل: ٣٢].
من لم يُحرِق اليومَ قلبَهُ بنارِ الأسف على ما سلفَ أو بنار الشوق إلى لقاء
الحبيبِ فنار جهنَّمَ له أشدُّ حرًّا (١).
٠ ٠
(١) رسالة: ((كلمة الإخلاص وتحقيق معناها)) (ص ٣٥ - ٤٥).
سُورَةُ الأَحْقَاف
ورو
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿١٢﴿ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ
الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
قولُ سفيانَ بنِ عبدِ اللَّهِ للنبي وَّهِ: ((قُلْ لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحدًاً
بعدَك)) طلبَ منه أن يُعلِّمَه كلامًا جامعًا لأمرِ الإسلامِ كافيًا حتَّى لا يحتاجَ
بعدَه إلى غيرِهِ، فقال له النبيُّ ◌َِّ: ((قلْ: آمنتُ باللَّهِ، ثمَّ استقمْ) وفي الروايةِ
الأخرى: ((قلْ: ربيَّاللَّهُ، ثُمَّ استقمْ)) (١).
هذا منتزعٌ من قولهِ عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبِّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَغَامُوا تَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ
الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]،
وقوله عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ ﴿﴿ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[ الأحقاف: ١٣ - ١٤ ].
وخرج النسائيّ في ((تفسيرهِ)) من روايةٍ سهيلِ بنِ أبي حزمٍ: حدثنا ثابتٌ،
عن أنسٍ أن النبيِّ رَّ قِرَأَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ فقالَ: ((قدْ قالَها
الناسُ، ثمَّ كفرُوا، فمن ماتَ عليها فهو من أهلِ الاستقامةِ))(٢).
(١) أخرجه: مسلم (١/ ٤٧).
(٢) رواه النسائي في ((الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) (٤٣٣)، والترمذي (٣٢٥٠).