Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ سورة فاطر قال: عالمٌ باللّهِ عالمٌ بالعلم، حمادُ بنُ سلمةَ، عالمٌ باللَّه ليس بعالمٍ بالعلمِ مثل أبي الحجاج العابدِ، عالمٌ بالعلمٍ ليسَ بعالمٍ باللَّه فلانٌ وفلانٌ وذكر بعضَ الفقهاءِ. وروى الثوريُّ عن أبي حيَّن التميمي سعيدِ بنِ حيَّانَ عن رجلٍ قال: كانَ يُقال : العلماءُ ثلاثةٌ: ((فعالمٌ باللَّه ليس عالمًا بأمرِ اللَّهِ، وعالمٌ بأمرِ اللَّهِ ليس عالمًا باللّهِ، وعالمٌ باللَّه عالمٌ بأمرِ اللَّه)). فالعالمُ باللَّهِ وبأوامر اللَّه: الذي يخشى اللَّهَ ويعلمُ الحدودَ والفرائضَ. والعالمُ باللَّه ليس بعالمٍ بأمرِ اللَّه: الذي يخشى اللَّهَ ولا يعلمُ الحدودَ والفرائضَ . والعالمُ بأمرِ اللَّهِ ليس بعالمٍ باللَّهَ: الذي يعلمُ الحدودَ والفرائضَ، ولا يخشى اللَّهَ عزَّ وجلَّ. وأما بيانُ أنَّ انتفاءَ الخشيةِ ينتفي مع العلمِ، فإنَّ العلمَ له موجبٌ ومقتضى، وهو اتباعُهُ والاهتداءُ به وصدُّه الجهلَ، فإذا انتفتْ فائدتُهُ ومقتضاهُ، صارَ حالُهُ كحاله عند عدمهِ وهو الجهلُ، وقد تقدَّم أن الذنوبَ إنَّما تقعُ عن جهالة، وبيَّنَا دلالةَ القرآن على ذلكَ وتفسيرَ السلفِ له بذلكَ، فيلزمُ حينئذ أن ينتفي العلمُ ويثبتُ الجهلُ عند انتفاءِ فائدة العلم ومقتضاهُ وهو اتباعُهُ، ومن هذا البابِ قولُهُ تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقولُ النبيِّ نَّهِ: ((إذا كان أحدُكُم صائمًا فلا يرفثْ ولا يجهلْ فإن امرؤٌ شاتَمَه أو قاتَلُهُ فليقل: إني امرؤٌ صائمٌ) (١) وهذا كما يوصفُ من لا ينتفعُ بسمْعِهِ وبصرِهِ وعقلِهِ (١) أخرجه: البخاري (٣٤/٣)، (١٧٥/٩)، ومسلم (١٥٧/٣ - ١٥٨) من حديث أبي هريرة ضِىاله. ١٤٢ سورة فاطر في معرفة الحقِّ والانقيادِ له بأنه أصمُ أبكمُ أعْمَى قالَ تعالى: ﴿صُمِّ بُكْمٌ عَمّيّ فَهُمْ لا يَعْقُلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، ويُقال أيضًا: إنه لا يسمعُ ولا يبصرُ ولا يعقلُ كما قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ ◌ِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] فسَلْبُ العلمِ والعقلِ والسمعِ والبصرِ وإثباتُ الجهلِ والبكمِ والصمِ والعَمَى في حقِّ مَنْ فقدَ حقائقَ هذه الصفات وفوائدها من الكفَّارِ أو المنافقينَ أو مَنْ يشركُهم في بعضِ ذلك كلِّه؛ من باب واحد وهو سلْبُ اسمِ الشيءٍ أو مسمَّاهُ لانتفاءِ مقصوده وفائدته وإنْ كان موجودًا، وهو بابٌ واسعٌ وأمثلته كثيرةٌ في الكتاب والسنةٍ (١) . قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَعظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا للَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى قال ابن الجوزي في ((المقتبس)): سمعت الوزير(٢) يقول: في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [فاطر: ٤٦] قال: المعنى: أن يكون قيامكم خالصًا لله عزَّ وجلّ، لا لغلبة خصومكم، فحينئذ تفوزون بالهدى(٣). (١) رسالة ((إنما يخشى الله من عباده العلماء)). (٢) هو: يحيى بن محمد بن هبيرة. (٣) ((طبقات الحنابلة)) (٢٦٨/٣ - ٢٦٩). ورو سورة يس قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَأَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [ قال البخاري]: ((باب احتساب الآثار)): حدثنا محمد بن عبد الله بن حوشب: ثنا عبد الوهاب، قال: حدثني حميد عن أنس، قال: قال النبي وَله: ((يا بني سلمة، ألا تحتسبون آثاركم؟». وقال ابن أبي مريم: أنا يحيى بن أيوب: حدثني حميد: حدثني أنس، أن بني سلمة أرادوا أن يتحولوا عن منازلهم فينزلوا قريبًا من النبي وَلخلّ قال: فَكَرِهَ النبيِ نَّ أَن يُعْرُوا مَنَازِلَهم، فقال: ((ألا تحتسبون آثاركم؟))(١). قال مجاهد: خطاهم: آثار المشي في الأرض بأرجلهم. ساقه أولاً من حديث عبد الوهاب الثقفي، عن حميد مختصرًا، ثم ذكر من رواية يحيى بن أيوب المصري - وهو ثقة، عن حميد مختصرًا، ثم ذكر من رواية يحيى بن أيوب المصري وهو ثقة، لكنَّه كثير الوهم - مطوَّلاً، وزاد فيه تصريح حميد بالسماع له من أنسٍ فإن حميدًا قد قيل: إنه لم يسمع من أنس إلا قليلاً وأكثر رواياته عنه مرسلة، وقد سبق ذكر ذلك، وما قاله الإسماعيلي في تسامح المصريين والشاميين في لفظة ((حدثنا)) وأنهم لا يضبطون ذلك. (١) أخرجه: البخاري (١٦٧/١)، (٢٩/٣). ١٤٤ سورة يس وقد خرّجه في ((كتاب الحج)) من طريق الفزاري، عن حميد، عن أنس، قال: أراد بَنُو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، فكره رسول اللَّه وَّل أن تعرى المدينة، فقال: ((يا بني سلمة، ألا تحتسبون آثاركم؟». وبنو سلمة: قوم من الأنصار، كانت دورهم بعيدة من المسجد، فأرادوا أن يتحولوا إلى قرب المسجد، فأمرهم النبي وَّ بملازمة دورهم، وأخبرهم أنَّ خطاهم يُكتب لهم أجرها في المشي إلى المسجد. وخرَّج مسلم في ((صحيحه)) (١) من حديث أبي الزبير، عن جابر، قال: كانت دارنا نائيةً من المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتَنَا فنقترب من المسجد، فنهانا رسول اللّه وَ له، فقال: ((إن لكم بكل خطوة درجةً)). ومن حديث أبي نضرة، عن جابر، قال: أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، والبقاع خالية. قال: فبلغ ذلك رسول اللَّه وَّ، فقال: ((يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم)). فقالوا: ما يسرنا أنا كنَّا تحولنا. وقوله: ((دياركم)) بفتح الراء على الإغراء، أي الزموا دياركم. وخرَّجه الترمذيُّ(٢) من حديث أبي سُفيانَ السعدي، عن أبي نضرةَ عن أبي سعيد، قالَ: كانتْ بنو سَلمةَ في ناحيةِ المدينةِ، فأرادوا النَّقلةَ إلى قُرْب المَسْجِد، فنزلتْ هذه الآيةُ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْبِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ بس: ١٢] فقال رسولُ اللَّهِ وَ له: ((إنَّ آثارَكُمْ تُكْتَبُ))، فلَمْ ينتقْلُوا. وأبو سفيانُ، فيه ضعْفٌ. (١) ((صحيح مسلم)) (١٣١/٢). (٢) ((الجامع)) (٣٢٢٦). ١٤٥ سورة يس والصحيحُ: رواية مسلمٍ، عن أبي نضْرةَ عن جابرٍ، وكذا قالَهُ الدار قطنىَّ وو وغيره . وخرَّج ابنُ ماجه(١) من روايةٍ سِماكِ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت الأنصارُ بَعِيدً منازلُهم مِنَ المسجدِ، فأرادوا أنْ يَقْربوا، فنزلتْ : ﴿َنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] قال: فَثَبَتُوا. وقد ذكرَ البخاريُّ عن مجاهد، أنه فسَّر الآثار - يعني: في هذه الآيةِ بالخُطا، وزاد - أيضًا - بقوله: آثارُ المَشْي في الأرضِ بأَرْجُلهم. وفي حديثِ أنسٍ: ((فكَرِهَ رسولُ اللّهِ بِ لّهِ أَنْ يُعُرُوا المدينةَ أو منازلَهم)). يَعني: يُخلوها فتصيرُ عراةً منَ الأرضِ . والعَرَاءُ: الفضاءُ الخالي مِنَ الأرضِ، ومنه: قوله تعالى: ﴿فَتَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ 2 [ الصافات: ١٤٥ ]. وروى يحيى بن سعيد الأنصاريُّ هذا الحديثَ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، وقال: ((فَكَرِهَ أن يُعروا المسجدَ). قال الإمامُ أحمدُ: وَهِمَ فيه، إنما هو: ((كرِهَ أن يُعرُوا المدينةَ)) (٢). (١) ((السنن)) (٨٧٥). (٢) «فتح الباري)) (٤٢/٤ - ٤٤). ـ رو سُورَةَ الصَّافَات قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ. واعلمْ أنَّ الصفوفَ في الصلاة ممّا خصَّ اللَّهُ به هذه الأمةَ وشرَّفها به؛ فإنهم أشَبْهوا بذلك صُفوفَ الملائكة في السَّماءِ، كما أخبر اللَّهُ عنهم أنَّه [الصافات: ١٦٥]، وأَقْسَمَ بالصافّاتِ صفًّا، وهُم الملائكة . قالوا: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ﴾ وفي ((صحيحٍ مسلمٍ)) (١) عن حذيفةَ عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعلت صُفُوفُنا كصفوف الملائكة)) الحديث. وفيه - أيضًا (٢) - عن جابرِ بنِ سَمُرةً، قال: خرَجَ علينا رسولُ اللَّهِ وَلَه فقال: ((ألا تصفُّون كما تصفُّ الملائكةُ عندَ ربِّها؟)) فقلنا: يا رسولَ اللَّه، وكيف تصفُّ الملائكةُ عندَ ربِّها؟ قال: ((يُمُّون الصفوفَ الأولَى، ويتراصُون في الصفِ). وروى ابنُ أبي حاتمٍ من رواية أبي نضرةَ، قال: كان ابنُ عمرَ إذا أُقيمت الصلاةُ استقبلَ الناسُ بِوَجْهِهِ، ثم قال: أقيموا صُفُوفَكم، استَوُوا قِيَامًا، يريدُ اللَّهُ بِكُمْ هذْيَ الملائكةِ. ثم يقول: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥]، تأخّر فُلانٌ، تقدَّمْ فلانٌ، ثم يتقدَّمُ فَيُكبِّرُ. (١) (٢/ ٦٣). (٢) (٢٩/٢). ٠ ١٤٧ سورة الصافات وروى ابنُ جُريجٍ، عن الوليدِ بنِ عبدِ اللَّهِ بن أبي مغيثٍ، قال: كانوا لا يَصُفُّون في الصلاةِ، حتَّى نزلتْ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ﴾(١) [الصافات:( وقد رُوي أن مِنْ صِفَةِ هذه الأُمَّةِ في الكتبِ السالفةِ: صفَّهم في الصلاةِ، كصفِّهم في القتالِ(٢) . (١) أخرجه: عبد الرزاق في ((المصنف)) (٤٣/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٢٥٠/٤ - ٢٥١). و رو سورة ص قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلأِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ خرَّج الإمامُ أحمدُ (١) رحمه اللَّه تعالى منْ حديث معاذِ بنِ جبلٍ فِيَّه قال: ((احتبسَ عنَّا رسولُ اللَّهِ وَلِّ ذاتِ غداةٍ في صلاةِ الصبحِ، حتى كدنا نتراءى قرن الشمسِ، فخرج رسولُ اللّهِ وَله سريعًا، فثوبَ بالصلاةِ وصلَّى وتجوّزَ في صلاته، فلما سلَّم قال: ((كما أنْتُم على مَصَافِّكم)) ثم أقبلَ إلينا فقال: ((إني ٠٠ سأحدّثُكُم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمتُ مِنَ الليلِ فصليتُ ما قُدِّر لي، فنعستُ في صلاتي حتى استثقلتُ فإذا أنا بربِّي عزَّ وجلَّ في أحسن صورة فقال: يا محمدٌ أتدري فيم يختصمُ الملأُ الأعلى؟. قلتُ: لا أدري ربِّ، قال: يا محمدُ فيم يختصم الملأُ الأعلى؟. قلتُ: لا أدري ربِّ، قال: يا محمدُ فيم يختصمُ الملأُ الأعلى؟. قلتُ: لا أدري ربِّ فرأيتُهُ وضعَ كفَّ بينَ كتفي حتى وجدتُ بَرَدَ أنامِلِهِ في صدرِي وتجلَّى لي كلُّ شيءٍ وعرفتُ، فقال: يا محمد فيم يختصمُ الملأُ الأعلى؟. قلتُ: في الكفَّاراتِ والدرجات، قال: وما الكفَّارات؟. قلتُ: نقْلُ الأقدامِ إلى الجمعاتِ، والجلوسُ في المساجد بعدَ الصلواتِ، وإسباغُ الوضوءِ عند الكربهات، قال: وما الدرجاتُ؟. قلتُ: إطعامُ الطعامِ، ولينُ الكلامِ، والصلاةُ والناسُ نيامٌ، قال: سَلْ؟. قلتُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلكَ إطعامُ الطعامِ، ولينُ الكلامِ، والصلاةُ والناسُ نيامٌ، قال: سَلْ؟ قلت: قلتُ: اللَّهم إنِّي (١) ((المسند)) (٢٤٣/٥). ١٤٩ سورة ص أسْأَلكَ فعْلَ الخيرات، وتركَ المنكرات، وحبَّ المساكينِ، وأنْ تَغْفِرَ لي وترْحمني، وإذا أردتَ فتنةً في قومٍ فتوقَّي غيرَ مفتون، وأسألك حُبَّكَ وَحبَّ مَنْ يحبُّك، وحبَّ عمل يُقَرِّبُني إلى حبِّكَ) وقال رسولُ اللَّهِ وَلّهِ: ((إنها حقٌّ فادرسوها وتعلَّمُوها)) وخرَّجه الترمذيُّ(١)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، قال: وسألتُ محمدَ بنِ إسماعيلٍ البخاريَّ عَنْ هذا؟ فقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. قلتُ: وفي إسناده اختلافٌ، وله طرقٌ متعددةٌ، وفي بعضها زيادةٌ وفي بعضها نُقصانٌ، وقد ذكرتُ عامةَ أسانيده وبعضَ ألفاظه المختلفةِ في كتابي ((شرح الترمذي))، وفي بعض ألفاظه عند الإمامِ أحمدَ، والترمذي أيضًا: (المشيُّ على الأقدامِ إلى الجماعات)) بدل: (الجُمُعات)) وفيه أيضًا عندهما بعد ذكْر الكفَّارات زيادةُ: ((ومَنْ فعلَ ذلك عاشَ بخير، وماتَ بخيرٍ، وكان مِنْ خطيئْتِهِ كيوم ولدتْه أُمُّهُ)، وفيه أيضًا عندهما: ((والدرجاتُ إنشاءُ السلام)) بدل: ((لين الكلامِ)) وفي بعض رواياتِهِ: ((فعلمتُ ما في السماءِ والأرضِ، ثم تلا: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥])) وفي رواية أخرى: ((فتجلَّى لي ما بيْنَ السماءِ والأرضِ))، وفي رواية: ((ما بَيْنَ المشرقِ))، وفي بعضها زيادة في الدعاء وهي: (وتتوب عليّ)، وفي بعضِها: ((إسباغُ الوضوءِ في السبرات)) وفي بعضها: ((وقال: يا محمد إذا صليتَ، فقُلْ: اللَّهُمَّ إني أسألك فِعْلَ الخيرات)) فذكره. والمقصودُ هنا شرحُ الحديثِ وما يُستنبطُ منه مِنَ المعارفِ والأحكامِ وغيرِ ذلك. ففي الحديث دلالةٌ على أنَّ النبيّ وَّهِ لم يكن من عادتِهِ تأخير صلاةٍ (١) ((الجامع)) (٣٢٣٥). ١٥٠ سورة ص الصبحِ إلى قريبِ طلوعِ الشمسِ، وإنَّما كانتْ عادتُهُ التغليسَ بها، وكان أحيانًا يُسْفِرُ بها عند انتشارِ الضوءِ على وجهِ الأرض، وأما تأخيرُها إلى قريب طلوعِ الشمسِ فلم يكنْ مِنْ عادتِهِ، ولهذا اعتذرَ لهم عَنْهُ في هذا الحديث. وقد قيل: إن تأخيرَها إلى هذا الإسْفارِ الفاحشِ لا يجوزُ لغيرِ عذرِ، وأَنَّه وقتُ ضرورةٍ، كتأخير العصر إلى بعد اصفرار الشمسِ وهو قولُ القاضي من أصحابِنا في بعضِ كتبه، وقد أوَمأَ إليه الإمامُ أحمدُ وقال: هذه صلاة مفرط، إنَّما الإسْفارُ أن ينتشرَ الضوءُ على الأرضِ . وفي الحديثِ دلالةٌ على أنَّ من أخَّرَ الصلاةَ إلى آخر الوقتِ لعذرٍ أو غيرِهِ وخافَ خروجَ الوقتِ في الصلاة إنْ طَوَّلها أنْ يخففها حتَّى يُدْركها كُلَّها في الوقت . وأمَّا قولُ أبي بكر الصدِّيق ◌ِوَتُه لَّا طوَّل في صلاةِ الفجرِ وقرأ بالبقرةِ فقيل له: كادت الشمسُ أنْ تطلعَ، فقال: لو طلعتْ لم تجدْنَا غافلين، فإن أبا بكر ◌ِالَُّ لم يتعمَّدِ التأخيرَ إلى طلوعِ الشمسِ ولا أنْ يمدَّها ويُطيلها حتَّى تطلعَ الشمسُ؛ لأنه دخلَ فيها بغلسٍ، وأطالَ القراءةَ، وربما كان قد استغرقَ في تلاوته، فلو طلعتِ الشمسُ حينئذٍ لم يضرّه، لأنه لم يكنْ متعمدًا لذلك، وهذا يدلُّ على أنَّه كان يرى صحةَ الصلاة لمن طلعتْ عليه الشمسُ وهو في صلاته كما أمر النبيُّ بَّهِ منْ طلعت عليه الشمسُ وقد صلَّى ركعة من الفجرِ أنْ يُضيفَ إليها أُخرى. وفي حديث معاذٍ دليلٌ على أنَّ من رأى رُؤيا تَسُرُّه فإنَّه يقَصُهُّا على أصحابِهِ وإخوانه المُحبينَ له، ولا سيَّما إنْ تضمنتْ رُؤياه بشارةً لهم وتعليمًا لما ١٥١ سورة ص ينفعهم، وقد كان النبيَّ نَّهِ إذا صلَّى الفجرَ يقولُ لأصحابِهِ: ((من رأى منكم الليلة رؤيا))(١) وفيه أيضًا: أن من استثقل نومه في تهجده بالليل حتَّى رأى رؤيا تَسُرُّه، فإنَّ في ذلك بُشْرِى له. وفي ((مراسيلِ الحسنِ)): ((إذا نامَ العبدُ وهو ساجدٌ باهى اللَّهُ الملائكةَ يقول: يا ملائكتي انظرُوا إلى عبدِي، جسَدُهُ في طاعتِي وروحهُ عندي))(٢) وفيه دلالةٌ على شرفِ النبيِّ نَّ وتفضيلِهِ بتعليمِهِ ما في السماواتِ والأرضِ، وتجلَّى ذلك له مما تختصمُ فيه الملائكةُ في السماء وغير ذلك كما أُري إبراهيمُ ملكوتَ السماواتِ، وقد وردَ في غيرِ حديثٍ مرفوعًا، وموقوفًا أَنَّهَ وَّهِ أُعْطِي عِلْمَ كلِّ شيءٍ خلا مفاتيح الغيبِ الخمسِ التي اختصَّ اللَّهُ عزَّ وجلَّ بعلمِها، وهي المذكورةُ في قولِهِ عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًّا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾[ لقمان: ٣٤]. وأمَّا وصفُ النبيِّ بِّ لربِّه عزَّ وجلَّ بما وصفَهُ به فكُلُّ ما وصف النبيُّ وَلِّ ربّه عزَّ وجلَّ به فهو حقٌّ وصدقٌ يجبُ الإيمانُ والتصديقُ به كما وصفَ اللَّه عزَّ وجلَّ به نفْسَهُ، مع نَفْي التمثيل عنه، ومَنْ أَشكِلَ عليه فهُمُ شيءٍ مِنْ ذلك واشتبه عليه فليقل كما مدحَ اللَّهُ تعالى به الراسخينَ في العلمِ وأخبرَ عنهم صَلىالله أنهم عند المتشابه ﴿ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبَِّا﴾ [آل عمران: ٧]، وكما قال النبي في القرآن: ((وما جهلتُمْ منه فَكِلُوهُ إلى عالمه)) خرَّجه الإمامُ أحمدُ (٣) والنسائيَّ وغيرُهُما، ولا يتكلَّفُ ما لا عِلْمَ له به، فإنه يخشى عليه مِن ذلك الهلكة. (١) أخرجه: البخاري (٢١٤/١)، (٦٥/٢ - ١٢٥)، (٧٧/٣)، (٨٦/٦)، (٣٠/٨)، (٥٥/٩)، ومسلم (٥٨/٧) من حديث سمرة بن جندب مفر ◌ّته. (٢) راجع: ((السلسلة الضعيفة)) (٩٥٣). (٣) أخرجه: أحمد (١٨١/٢ - ١٨٥ - ١٩٥) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فيها. ١٥٢ سورة ص سمِعَ ابنُ عباسِ يومًا من يروي عن النبيِّ بَّرَ شيئًا مِن هذه الأحاديث، فانتفضَ رجلٌ استنكارًا لذلك فقال ابنُ عباسٍ: ما فرقُ هؤلاءِ يجدونَ رِقَّةً عندَ مُحْكمه ويهلكونَ عندَ مُتَشابهه)) خرَّجه عبدُ الرزاقُ في كتابه عن معمرٍ عن ابنِ طاوسِ عن أبيه عن ابنِ عباسٍ ظُّها، كلما سمعَ المؤمنونَ شيئًا منْ هذه الكلامِ قالوا: هذا ما أخبرنا اللَّهُ ورسولُه وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليمًا . وفيه دلالةٌ على أنَّ الملأَ الأعْلِى وهُم الملائكةُ أو الْمُقَرَّبونَ منهم يختصمونَ فيما بينهم ويتراجعونَ القولَ في الأعمالِ التي تُقربُ بني آدمَ إلى اللَّهِ عزّ وجلَّ وتُكَفَّرُ بها عنهم خطاياهُم وقد أخبرَ اللَّهُ عنهم بأنهم يستغفرون للذين آمنوا ويدْعون لهُمْ. وفي الحديثِ الصحيحِ: ((إنَّ اللَّهَ إذا أحبَّ عبْدًا نادى إنِّي أحبُّ فلانًا فأحبَّه، فيحبُّه جبريلُ ثم ينادي في السماء أنَّ اللَّهَ يحبُّ فلانًا فأحبُّوه فيحبَّه أهلُ السماءِ، ثم يوضعُ له القَبولُ في الأرضِ)). وقال أبو هريرة ◌ِالثّله: إذا ماتَ ابنُ آدَمَ قال الناسُ: ما خلفَ؟ وقالتْ الملائكةُ: ما قدَّمَ؟ فالملائكةُ يسألون عن أعمالِ بني آدمَ ولُهُمْ اعتناءٌ بذلك واهتمامٌ به، وبقي الكلامُ على المقصودِ من الحديثِ، وهو ذِكْرُ الكفَّارات والدرجاتِ والدعواتٍ، ونعقدُ لكلِّ واحدة منها فصْلاً مُفْردًا. الفصل الأول: في ذكر الكفَّارات: وهو إسباغُ الوضوءِ في الكريهاتِ، ونقْلُ الأقدامِ إلى الجُمعات أو الجماعاتِ، والجلوسُ في المساجدِ بعدَ الصلواتِ، وسُميِّتْ هذه كفَّاراتٌ لأنها تُكَفِّرُ الخطايا والسيئاتِ، ولذلك جاء في بعضِ الرواياتِ: ((مَنْ فعل ذلك عاشَ ١٥٣ سورة ص بخير، وماتَ بخيرٍ، وكان مِنْ خطيئته كيوم ولدتْهُ أمُّ))(١) وهذه الخصالُ المذكورةُ الأغلبُ عليها تكفيرُ السيئات، ويحصلُ بها أيضًا رفعُ الدرجاتِ كما في ((صحيح مسلمٍ))(٢) عن أبي هريرة فيورثه عن النبيِّ وَلّ قالَ: ((ألا أدُلُّكم على ما يمحُو اللَّهُ به الخطايا ويرفعُ به الدرجات؟)) قالُوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: ((إسباغُ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة، فذلكُم الرباطُ فذلِكُم الرباط)» . وقد رُوي هذا المعنى عن النبيِّ وَلَّ من وجوه متعددة، فهذه ثلاثةُ أسبابُ يُكفِّرِ اللَّهُ بها الذنوبَ: أحدها: الوضوء، وقد دلَّ القرآنُ على تكفيره الذنوب في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنِ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فقولُهُ تعالى: ﴿لِيُطَهِرَكُمْ﴾ يشمل طهارةَ ظاهرِ البدنِ بالماءِ، وطهارةَ الباطنِ من الذنوبِ والخطايا، وإتمامُ النعمةِ إنما يحصلُ بمغفرة الذنوبِ وتكفيرها كما قال تعالى النبيِّهِ وَله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ [الفتح: ٢] وقد استنبط هذا المعنى محمدُ بنُ كعب القرظيُّ، ويشهدُ له الحديثُ الذي خرَّجه الترمذيُّ وغيرُهُ(٣) ، عن معاذٍ أن النبيَّ ◌َّهِ سمِعَ رجلاً يدْعو يقول: اللَّهُمَّ إني أسألك تمامَ النعمة، فقال له: «أتدري ما تمامُ النعمة؟)) قال: دعوةٌ دعوتُ بها أرْجو بها الخيرَ، فقال النبيُّنَله: ((إنَّ تمامَ النعمة: النجاةُ منَ النّارِ (١) أخرجه: أحمد (٦٦/٤). (٢) (١/ ١٥١). (٣) ((الجامع)) (٣٥٢٧). ١٥٤ سورة ص ودخولُ الجنة))، فلا تتم نعمةُ اللَّهِ على عبدِهِ إلا بتكفيرِ سيئاتِهِ. وقد تكاثرت النصوصُ عن النبيِّ وَّهِ بتكفيرِ الخطايا بالوضوءِ كما في (صحيح مسلم)(١) عن عُثمانَ بِّه: أنه توضّاً، ثم قال: رأيتُ رسولَ اللَّه وَّه توضَّأَ مِثْلَ وضوئي هذا، ثم قال: ((من توضَّأ هكذا غُفر له ما تقدَّمَ من ذنبه، وكانتْ صلاتُهُ ومَشْيُهُ إلى المسجد نافلةً))، وفيه أيضاً(٢) عن النبيِّ وَّهُ قال: ((منْ توضّا فأحْسنَ الوضوءَ خرجتْ خطاياهُ منْ جَسَدِه حتَّى تخرجَ منْ تحتِ أظْفارِهِ)) وفيه أيضًا(٣) عن أبي هريرة عن النبيِّ بَلّقال: ((إذا توضَّأَ العبدُ المسلمُ أو المؤمنُ، فَغَسَلَ وجهَهُ خرَجَ من وجههِ كلُّ خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخِرِ قَطْرِ الماءِ، فإذا غَسَلَ يديه خرجَ منْ يديه كلُّ خطيئةٍ بطشتْها يدَهُ مع الماءِ أو مع آخر قطرِ الماء، فإذا غَسَلَ رجْليه خرجتْ كلُّ خطيئة مشتْها رِجْلاه مع الماءِ أو مع آخر قطرِ الماءِ، حتى يخرجَ نقيًّا من الذنوب)) وفيه أيضًا(٤) عن عمرو بنَ عَبْسةَ عن النبيِّ وَّ قال: ((ما مِنكُم من رجل يقربُ وضوءه فيمضمضُ ويستنشقُ فینتشرُ إلا خرجتْ خطايا وجهه وفيه وخياشيمِهِ، ثُمَّ إذا غسلَ وجههُ كما أمره اللَّهُ إلا خرجتْ خطايا وجهه من أطرافٍ لحِيتِهِ مع الماءِ، ثم يغسلُ يديه إلى المرفقين إلا خرجتْ خطايا يديه من أنامِلِهِ مع الماءِ، ثم يمسح و رأسَهُ إلا خرجتْ خطايا رأسِهِ من أطرافِ شعرِهِ مع الماءِ ثم يغسلُ قدميهِ إلى الكعبين إلا خرجتْ خطايا رجليه من أنامِلِهِ مع الماءِ، فإنْ هو قامَ فصلَّى فحمدَ اللَّهَ وأثنى عليه ومجَّدهُ بالذي هو له أهلٌ، وفرَّغَ قلبَهُ للَّه إلا انصرفَ من خطيئته كهيئته يومَ ولدتْهُ أَمُّهُ). (١) (١ / ١٤٢). (٢) (صحيح مسلم)) (١٤٩/١) من حديث عثمان بن عفان طره. (٣) ((صحيح مسلم)) (١٤٨/١ - ١٤٩). (٤) ((صحيح مسلم)) (٢٠٨/٢) في حديث طويل. ١٥٥ سورة ص وفي ((الموطأ))، و((مسندِ الإمامِ أحمدَ) و((سننِ النسائيِ) وابن ماجه (١) عن الصنابحيِّ عن النبيِّ نَّهِ: ((إذا توضأ العبدُ المؤمنُ فمضمضَ خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنشقَ خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسلَ وجهَه خرجت الخطايا من وجهه حتَّى تخرجَ من تحتِ أشفارِ عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتَّى تخرجَ من تحتِ أظفارِ يديه، فإذا مسحَ برأسِهِ خرجتِ الخطايا من رأسِهِ حتَّى تخرجَ من أذنيه، فإذا غسلَ رجليهِ خرجتِ الخطايا من رجليْهِ حتَّى تخرجَ من تحتِ أظفارِ رجليه، ثمَّ كان مشيهُ إلى المسجد وصلاتُهُ نافلةً له)) . وفي ((المسندِ))(٢) عن أبي أمامة عن النبيِّ وَّ قالَ: ((ما من مسلمٍ يتوضأ فيغسلُ يديه ويمضمضُ فاه ويتوضأُ كما أُمرَ إلا حطَّ اللَّهُ عنه يومئذ ما نطقَ به فمُهُ، وما مسَّ بيده، وما مشى إليه، حتَّى إنَّ الخطايا تحادَرُ من أطرافه، ثم هو إذا مشى إلى المسجد فَرِجْلٌ تكتبُ حسنةً، وأُخرى تمحُو سيئة)). وفيه أيضًا (٣) عن النبيِّ وَِّ قال: ((أَيُّما رجلٍ قامَ إلى وضوئِهِ يريدُ الصلاةَ ثم غسلَ كَفَّيِهِ، نزلتْ خطئيتُهُ من كفيه مع أول قطرة، فإذا مضمض واستنشقَ واستنثرَ نزلتْ خطيئتهُ من لسانِهِ وشفتيهِ مع أول قطرة، فإذا غسلَ وجهَهُ نزلتْ خطيئْتُهُ من سمعه وبصره مع أول قطرة، فإذا غسل يديه إلى المرفقينِ ورجليه إلى الكعبينِ سلم من كلِّ ذنب هو له وكان من كلِّ خطيئة كهيئتهِ يومَ ولدتْهُ أمَّهُ فإذا قامَ إلى الصلاة رفعَ اللَّهُ درجتَهُ وإن قعدَ قعد سالمًا)). وفي المعنى أحاديثُ أُخرُ وفيما ذكرناه كفايةً ولله الحمدُ والمنة. (١) أخرجه: مالك في ((الموطأ)) (ص٤٥)، وأحمد (٣٤٨/٤، ٣٤٩)، والنسائي (١ /٧٤)، وابن ماجه (٢٨٢). (٢) (٢٦٣/٥). (٣) ((المسند)) (٢٥٢/٥ - ٢٥٦ - ٢٦٣ - ٢٦٤). ١٥٦ سورة ص وقد وردتِ النصوص أيضًا بحصول الثوابِ على الوضوء وهذا زيادةٌ على تكفيرِ السيئاتِ، ففي ((صحيح مسلمٍ)) (١) عن عمرَ فِالَّتُه عن النبيِّ وَّ قالَ: ((من توضَّأ فأحسنَ الوضوءَ ثم قالَ: أشهدُ أن لا إله إلا اللَّهُ وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، فتحت له أبوابُ الجنة الثمانية يدخلُ من أيُّها شاءَ)). وفيه أيضًا (٢) عن أبي هريرة عن النبيِّ وَّر يقولُ: ((تبلغُ الحليةُ من المؤمن حيث يبلغُ الوضوءُ)، وفيه أيضاً(٣) عن أبي هريرة عن النبيِّ وََّ قالَ: أنتم الغرُّ المحجلونَ يومَ القيامةِ من إسباغِ الوضوء)). وخرَّجه البخاريُّ(٤) ولفظُهُ: ((إن أمَّتَي يدعون يوم القيامةِ غرّاً محجلينَ من آثارِ الوضوء)). واعلم أن حديثَ معاذِ بنِ جبلٍ في المنامِ إنما فيه ذكرُ إسباغِ الوضوءِ على الكريهاتِ: وكذا في حديث أبي هريرةَ المبدوءِ بذكرهِ في هذا الفصلِ فههنا أمران : أحدهما: إسباغُ الوضوءِ، وهو: إتمامُهُ وإبلاغُهُ مواضعَهُ الشرعيةَ كالثوبِ السابغِ المغطي للبدنِ كلِّه. وفي ((مسند البزارِ))(٥) عن عثمانَ مرفوعًا: ((من توضَّأَ فأسبغَ الوضوءَ غفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّرَ) وإسنادُهُ لا بأس به وخرَّجه ابنُ أبي عاصمٍ من وجهٍ آخرَ عن عثمانَ، وخرجَ النسائيُّ وابنُ ماجه(٦) من حديثٍ أبي مالك الأشعريِّ عن النبيِّ وَِّ قالَ: ((إسباغُ الوضوءِ شطرُ الإيمان)) وخرَّجه (٢) ((صحيح مسلم)) (١٥١/١). (١) (١ / ١٤٤) . (٣) ((صحيح مسلم)) (١٤٩/١). (٤) ((صحيح البخاري)) (٤٦/١). (٥) ((البحر الزخار)) (٤٣٧) بلفظ: ((من توضأ فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى صلاة مكتوبة غفر له)). (٦) أخرجه: النسائي (٥/٥)، وابن ماجه (٢٨٠). ١٥٧ سورة ص مسلمٌ(١) ولفظُهُ: ((الطهورُ شطرُ الإيمان)). وثانيهما: أن يكونَ إسباغُهُ على الكريهاتِ، والمرادُ أن يكونَ على حالة تكرهُ النفسُ فيها الوضوءَ وقد فُسِّرَ بحالِ نزولِ المصائبِ فإن النفسَ حينئذٍ تطلبٌ الجزعَ فالاشتغالُ عنه بالصبرِ والمبادرةِ إلى الوضوءِ والصلاةِ من علامةِ الإيمانِ، كما قال عزَّ وجلّ: ﴿وَاسْتَعِنُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بْالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[البقرة: ١٥٣]. والوضوءُ مفتاح الصلاة وقد يُطفأ به حرارةُ القلبِ الناشئةِ عن ألمِ المصائبِ كما يُؤْمِرُ مَنْ غضِبَ بإطفاءِ غضبِهِ بالوضوءِ، وفسرتِ الكريهاتُ بالبردِ الشدیدِ ويشهدُ له أنَّ في بعضِ رواياتِ حديث معاذِ ((إسباغُ الوضوءِ على السبرات)) والسبرةُ: شدةُ البردِ، ولا ريبَ أنَّ إسباغَ الوضوءِ في شدةِ البردِ يشقُّ على النفسِ وتتألمُ به، وكلُّ ما يؤلمُ النفسَ ويشقُّ عليها فإنه كفارةٌ للذنوبِ وإنْ لم يكنْ للإنسان فيه صنعٌ ولا تسببٌ، كالمرضِ ونحوِه كما دلتِ النصوصُ الكثيرةُ على ذلك. وأما إن كان ناشئًا عن فعلِ هو طاعةٌ للَّه تعالى، فإنه يكتبُ لصاحبِهِ به أجرٌ وترفعُ به درجاتُهُ كالألمِ الحاصلِ للمجاهدِ في سبيلِ اللهِ تعالى قال اللَّهَ عزَّ وجلّ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأْ وَلا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍ فِيْلاً إِلَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] وكذلك ألم الجوع والعطشِ الذي يحصلُ (١) ((صحيح مسلم)) (١ / ١٤٠). ١٥٨ سورة ص للصائم، فكذا التألمُ بإسباغ الوضوءِ في البردِ، ويجبُ الصبرُ على الألم بذلك، فإن حصلَ به رضى، فذلك مقامُ خواصِّ العارفين المحبينَ، وينشأ الرضى بذلكَ عن ملاحظةِ أمورٍ : أحدها: تَذْكَّرُ فضلِ الوضوءِ من حطّه الخطايا ورفعِهِ الدرجاتِ، وحصول الغرة والتحجيل به وبلوغ الحلية في الجنّة إلى حيث يبلغ، وهذا كما انكسرَ ظفرُ بعضِ الصالحاتِ من السلفِ من عثرة عثرتْها فضحكتْ وقالتْ: أنساني حلاوةُ ثوابِهِ مرارةَ وجعِهِ. وقال بعضُ العارفينَ: من لم يعرفْ ثوابَ الأعمال ثقلتْ عليه في جميعِ الأحوالِ . الثاني: تَذَكُّرُ ما أعدَّ اللَّه عزَّ وجلَّ لمن عصاهُ من العذابِ بالبردِ والزمهريرِ في الآخرةِ، فإنَّ شدةَ بردِ الدنيا يذكرُ زمهريرَ جهنم، وفي الحديث الصحيحِ: ((إنَّ أشدَّ ما تجدونَ من البردِ من زمهريرِ جهنّم)»(١) فملاحظةُ هذا الألمِ الموعود يهونُ الإحساسَ بألمٍ بردِ الماءِ كما رُوي عن زبيد الياميِّ أنه قام ليلةً للتهجد وكان البردُ شديدًا، فلمَّا أدخلَ يده في الإناءِ وجدَ شدةً بردِهِ فذکر زمھریر جهنم، فلم يشْعُر ببردِ الماءِ بعد ذلك، وبقيتْ يدُه في الماءِ حتى أصبح، فقالتْ له جاريتُهُ: مالَكَ لم تصلِّ الليلةَ كما كنتَ تصلِّي؟ فقال: إني لما وجدتُ شدةً بردِ الماءِ ذكرتُ زمهريرَ جهنَّم فما شعرتُ به حتىَ أصبحتُ، فلا تخبري بهذا أحداً ما دمتُ حيًّا. الثالث: ملاحظةُ جلال مَنْ أمَرَ بالوضوءِ، ومطالعةُ عظمته وكبريائه، وتذكرُ التهيئ للقيامِ بين يديه ومناجاته في الصلاةِ، فذلك يهونُ كلَّ ألمٍ ينالُ العبدَ (١) أخرجه: البخاري (١٤٦/٤)، ومسلم (١٠٨/٢) من حديث أبي هريرة ضِىالله. ١٥٩ سورة صن في طلبِ مرضاتِهِ من بردِ الماءِ وغيرِهِ وربَّما لم يشعر بالماء بالكلية، كما قال مے بعضُ العارفين: بالمعرفةِ هانتْ على العاملينَ العبادةُ قال سعيدُ بنُ عامٍ: بلغَني أنَّ إبراهيم الخليلَ بَ ◌ّ كانَ إذا توضأ سُمِعَ لعظامِهِ قعقعةٌ. وكان عليّ بن الحسينُ إذا توضأ اصفرًّ، فيقال له: ما هذا الذي يعتريكَ عندَ الوضوء؟ فيقولُ: أتدرونَ بين يدي منْ أريدُ أن أقومَ له؟ . وكان منصورُ بنُ زاذانَ إذا فرغَ من وضوئِهِ يبكي حتَّى يرتفعَ صوتُهُ، فقيلَ له: ما شأنُك؟ فقالَ: وأيُّ شيءٍ أعظم من شأني إني أريد أن أقومَ بين يدي من لا تأخذُهُ سنةٌ ولا نومٌ، فلعله يرضى عنِّي. وكان عطاءٌ السلميُّ إذا فرغَ من وضوئِهِ ارتعد وانتفضَ وبكى بكاءً شديداً، فقيل له في ذلك، فقال: إني أريدُ أن أتقدَّمَ إلى أمرٍ عظيمٍ، إني أريدُ أن أقومَ بين يدي اللهِ عزَّ وجلّ. الرابع: استحضارُ اطلاعِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ على عبدِهِ في حالِ العملِ له، وتحملُ المشاقِ لأجلِهِ فمن تيقنَ أن البلاءَ بعينِ من يحبُّ هانَ عليه الألمُ كما أشارَ تعالى إلى ذلك بقوله عزَّ وجلَّ لنبيَّهِ وَّهِ: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] وقولُهُ تعالى لموسى وهارونَ عليهما السلامُ: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] وقال ◌َّ: ((اعبد اللَّه كأنك تراهُ فإن لم تكن تراهُ فإنه يراك)) قال أبو سليمانَ: قرأتُ في بعضِ الكتبِ، يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: بعيني ما تحمَّلَ المتحملونَ من أجلي، وكابدَ المكابدونَ في طلبِ مرضَاتِي، فكيفَ بهم وقد صارُوا في جوارِي وتبحبَحُوا في رياضِ خلدِي؟ فهنالك فليستبشرِ المصفونَ للَّه أعمالهم بالمنظرِ العجيبِ من الحبيبِ القريبِ، أترونَ أَنِّي أضيعُ لهم عملاً؟ فكيف وأنا أجود على المولِّين عنِّي فكيفَ بالمقبلينَ إليّ. ١٦٠ سورة ص فإسباغُ الوضوءِ في البردِ لاسيَّما في الليل يطلعُ اللَّهُ عليه ويرضَى به ويباهي به الملائكةَ، فاستحضارُ ذلك يهونُ ألم بردِ الماءِ . وفي ((المسندِ)) و((صحيحِ ابن حبانَ)(١) عن عقبةَ بنِ عامرٍ عن النبيِّ ◌َّ قال: ((رجلان من أمَّتي، يقومُ أحدُهُما من الليلِ يعالجُ نفسَهُ إلى الطهورِ وعليه عقدٌ فيتوضأ، فإذا وضًَّ يديه انحلتْ عقدةٌ، وإذا وضَّأَ وجهَهُ انحلت عقدةٌ، وإذا مسحَ رأسَهُ انحلتْ عقدةٌ، وإذا وضَّأ رجليه انحلتْ عقدةٌ، فيقول الربُّعزَّ وجلَّ للذي وراء الحجابِ: انظرُوا إلى عبدِي هذا يعالجُ نفسَهُ يسألني، ما سألني عبدِي هذا فهو لَهُ)) وذكرَ بقيةَ الحديثِ. وَرُوي عن عطيةَ عن أبي سعيدٍ عن النبيِّ نَّهِ: ((إن اللَّه يضحكُ إلى ثلاثة نفرٍ، رجلٌ قامَ من جوفِ الليلِ فأحسنَ الطهورَ فصلَّى))(٢) وذكر الحديث. كان بعضُ السلفِ له وِرْدٌ بالليلِ ففترَ عنهُ فهتفَ به هاتفٌ: ينظرُ اللَّه فى الليلِ لما يصنعُ خدامُهُ إذا قامُوا أوحشتهم على الخدمةِ أحكامُهُ. الخامس: الاستغراقُ في محبةٍ من أمرَ بهذه الطاعةِ وأنَّه يرضَى بهَا ويحبُّها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فمن امتلأ قلبُهُ من محبة الله عزَّ وجلَّ أحبَّ ما يحبُّهُ وإنْ شقَّ على النفسِ وتألَّمتْ به، كما يُقال: المحبةُ تهونُ الأثقالَ. وقال بعضُ السلفِ في مرضِهِ: أحبُّه إليَّ أحبُّه إليه. وكما قيل : فَمَا لِجُرْحٍ إِذَا أَرْضَاكُمْ أَلَمٌ (١) أخرجه: أحمد (١٥٩/٤ - ٢٠١)، وابن حبان فى ((صحيحه)) (١٠٥٢ - ٢٥٥٥). (٢) أحمد في ((المسند)» (٣/ ٨٠).