Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
سورة فاطر
وكذا قال أبو صالحٍ وغيرُهُ من السلفِ في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ
بِاللّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: ٢٨]، فدلَّ
على أنَّ الحياةَ الأولى هي القبرُ للسؤالِ، وإنْ كانَ الأكثرونَ خالفُوا في ذلك.
فهؤلاء السلفُ كلُّهم صرَّحُوا بأنَّ الروح تعادُ إلى البدنِ عند السؤالِ،
وصرَّح بمثلِ ذلك طوائفُ من الفقهاءِ والمتكلمينَ من أصحابِنا وغيرِهِم،
كالقاضي أبي يعلى وأصحابِهِ، وأنكر ذلك طائفةٌ منهم ابنُ حزمٍ وغيرُهُ،
وذكرَ أن السؤال للروحِ خاصةً، وكذلك سماعُ الخطابِ، وأنكر أن تعادَ الروحُ
إلى الجسدِ في القبرِ للعذابِ وغيرِهِ، وقالُوا: لو كان ذلك حقًّا للزمَ أن يموتَ
الإنسانُ ثلاثَ مراتٍ ويحيى ثلاثَ مراتٍ، والقرآنُ دلَّ على أنَّهما موتتان
وحياتان فقط، وهذا ضعيفٌ جدًّا، فإنَّ حياةَ البرزخ ليستْ حياةً تامةً مستقلة
كحياة الدنيا وكالحياة الآخرةِ بعدَ البعثِ، وإنَّما فيها نوعُ اتصالِ الروحِ في
البدن بحيثُ يحصلُ بذلكَ شعورُ البدنِ وإحساسٌ بالنعيمِ والعذابِ وغيرِهما،
وليستْ هي حياةً تامةً حتى يكونَ انفصالُ الروحِ به موتًا تامًّا، وإنَّما هو شبيهٌ
بانفصالِ روحٍ النائمِ عنه، ورجوعِها إليه، فإنَّ ذلك يسمَّى موتًا وحياةً.
كما كان النبيُّ نَّهِ يقولُ إذا استيقظَ من منامِهِ: ((الحمدُ للَّهِ الذي أحيانًا بعد ما
أماتنا، وإليه النشور))(١) وسماه اللَّهُ تعالى وفاةً، لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى
الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ
الأُخْرَى﴾ الآية [الزمر: ٤٢]، مع هذا فلا ينافي ذلكَ أن يكونَ النائمُ حيًّا،
وكذلك اتصالُ روح الميتِ ببدنه وانفصالها عنه لا يوجبُ أن يصيرَ للميت
(١) البخاري (٨٥/٨، ٨٨)، (١٤٦/٩)، وأبو داود (٥٠٤٩)، وابن ماجه (٣٨٨٠)، والترمذي
(٣٤١٧).

١٠٢
سورة فاطر
حياةً مطلقةً.
وممن رجَّح هذا القولَ - أعني السؤالَ والنعيمَ والعذابَ للروحِ خاصةً - من
أصحابِنا ابنُ عقيلٍ وأبو الفرج ابن الجوزيِّ في بعضِ تصانيفِهما، واستدلَّ ابنُ
عقيلٍ بأنَّ أرواحَ المؤمنينَ تنعمُ في حواصلٍ طيرٍ خضرٍ، وأرواحُ الكافرينَ
تعذَّب في حواصلِ طيرٍ سودٍ، وهذه الأجسادُ تَبْلَى فدلَّ ذلك على أنَّ الأرواحَ
تعذبُ وتنعمُ في أجساد أخرَ، وهذا لا حجةَ فيه لأنَّه لا ينافي اتصالَ الروحِ
ببدنها أحيانًا مع بقائِهِ واستحالته.
واستدل طائفةٌ ممن ذهبَ إلى هذا القول بما روى منصورُ بنُ عبدِ الرحمنِ،
عن أبي أمامة قال: دخلَ ابنُ عمرَ المسجدَ، وابنُ الزبيرِ قد قتلَ وصلِبَ،
فقيلَ له: هذه أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ في المسجدِ، فقال لها: اصبري فإنَّ هذه
الجثث ليستْ بشيءٍ، وإنَّما الأرواحُ عند اللَّهِ، فقالت: وما يمنعني من الصبرِ،
وقد أُهدِيَ رأسُ يحيى بنِ زكريا إلى بغيٌّ من بَغايا بني إسرائيلَ.
وروى ابنُ أبي الدنيا، من طريقِ ابنِ عمرَ - صاحبِ السقيا - قال: نزلَ ابنُ
عمرَ إلى جانبٍ قبورِ قد درستْ، فنظرَ إلى قبرِ منها، فإذا بجمجمة بادية،
فأمرَ رجلاً فواراهَا، ثم قال: إنَّ هذه الأبدانَ ليست يضرُّها هذا الثرى شيئًا،
وإنَّما الأرواح التي تُعاقَبُ وتثابُ إلى يوم القيامةِ .
وروى محمدُ بنُ سعدٍ، عن الواقديِّ، حدثني ثورُ بنُ يزيدَ، عن خالدِ بنِ
معدانَ قال: لما انهزمتِ الرومُ يومَ أجنادينَ، انتهَوا إلى موضعٍ لا يعبرُه إلا
إنسانٌ، فجعلت الروم تقاتل عليه، فتقدَّم هشام بن العاصِ فقاتلهم حتى
قُتِل، ووقع على تلك الثلمة فسدَّها، فلما انتهى المسلمون إليها، هابوا أن

١٠٣
سورة فاطر
يوطئه الخيل، فقال عمرو بنُ العاص: إنَّ اللَّهَ قد استشهدَهُ ورفعَ روحَهُ وإنما
هو جثةٌ فأوطئوهُ الخيلَ، ثم أوطأه وتبعَهُ الناسُ حتى قَطَّعوهُ.
وهذه الآثارُ لا تدلُّ على أنَّ الأرواح لا تتصلُ بالأبدانِ بعد الموتِ، وإنَّما
تدلُّ على أنَّ الأجسادَ لا تتضررُ بما ينالها من عذابِ الناسِ لها ومن أكل
الترابِ لها، وهذا حقٍّ، فإنَّ عذابَ القبرِ ليسَ من جنسِ عذابِ الدنيا، وإنَّما
هو نوعٌ آخرُ يصلُ إلى الميتِ بمشيئةِ اللَّهِ وقدرته.
وقولهم: إنَّ الأرواحَ عندَ اللَّهِ تعالى تعاقَبُ وتثابُ لا ينافي أنْ تتصلَ
بالبدنِ أحيانًا، فيحصلُ بذلكَ إلى الجسد نعيمٌ أو عذابٌ، وقد تستقلُّ الروحُ
أحيانًا بالنعيمِ والعذابِ، إما عند استحالةِ الجسدِ أو قبلَ ذلك.
وقد أثبتَ طائفةٌ أخرى النعيمَ والعذابَ للجسدِ بمجرَّدِهِ، من غيرِ اتصالٍ
الروحِ به، وممن ذكرَ ذلك من أصحابنا : ابنُ عقيلٍ في كتابِ ((الإرشادِ)) له
وابنُ الزاغوني، وحُكي عن ابنِ جرير الطبريِّ - أيضًا - وذكرَ القاضي
أبو يعلى أنه ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، فإنه قال في روايةِ حنبلٍ: أرواح
المؤمنينَ في الجنةِ، وأرواحُ الكفارِ في النارِ، والأبدانُ في الدنيا يعذِّب اللَّهُ من
يشاءُ، ويرحمُ من يشاءُ منها بعفوِهِ.
قال القاضي : ظاهرُ هذا أن الأرواحَ تعذَّبُ وتنعمُ على الانفراد وكذلكَ
الأبدانُ إذا كانتْ باقيةً أدَّى إلى الأجزاء التي استحالتْ، قال: فلا يمتنعُ أن
يُخلقَ في الأبدانِ إدراكٌ تحسُّ به النعيم والعذابَ، كما خُلقَ في الجبلِ لما تجلَّى
له ربُّه ثم جعلَهُ دكًا.
وقال ابنُه القاضي أبو الحسين: ولأنه لَّا لم يستحِلْ نطقُ الذراعِ المسمومةِ،

١٠٤
سورة فاطر
لم يستحلْ عذابُ الجسدِ البالي وإيصالُ العذابِ إليه بقدرةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ.
وقد يستدلُّ لهذا أيضًا بأنَّ عمرَ بن الخطابِ قال للنبيِّ وَلِّ يوم كلَّم أهلَ
القليب: كيف تكلِّمُ أجسادًا لا أرواحَ فيها؟ فلم ينكر النبيُّ نَِّ ذلك، وإنَّما
قالَ: ((ما أنتُم بأسمعَ لما أقولُ مُنهم)) فدلَّ على أنَّ سماعَهُم حصل مع أجسامِهِم
والأرواح فيها .
وقد دلَّ القرآنُ على سجودِ الجماداتِ وعلى تسبيحها للَّهِ عزَّ وجلَّ،
وخشوعها له، فدلَّ على أنَّ فيها حياةً وإدراكًا، فلا يمتنعُ مثلُ ذلك في جسدِ
ابنِ آدمَ بعد مفارقة الروحِ له، واللهُ أعلم.
ويدلُّ على ذلكَ: ما أخبرَ اللَّهُ عن شهاداتِ الجلودِ والأعضاءِ يومَ القيامةِ
وما رُويَ عن ابن عباسٍ في اختصامِ الروحِ والجسدِ يومَ القيامةِ، فيدلُّ على
أنَّ الجسدَ يخاصمُ الروحَ ويكلِّمها وتكلِّمُهُ، ومما يدلُّ على وقوعِ العذابِ على
الأجساد، الأحاديثُ الكثيرةُ في تضييقِ القبرِ على الميتِ، حتى تختلفَ
أضلاعُهُ، ولأنه لو كانَ العذابُ على الروحِ خاصّةً لم يختصَّ العذابُ بالقبرِ
ولم يُنسبْ إليه(١) .
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَاده الْعَلَمَاءَ.
م
في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] دلَّتْ هذه الآيةُ
على إثباتِ الخشيةِ للعلماءِ بالاتفاقِ وعلى نفْيِها عن غيرِهم على أصح
القولينِ، وعلى نفْي العِلْمِ عنْ غيرِ أهلِ الخشيةِ أيضًا.
(١) ((أهوال القبور)) (١٠٠ - ١٠٨).

١٠٥
سورة فاطر
أما الأول: فلا ريبَ فيه فإنَّ صيغة ((إنما)) تقتضِي تأكد ثبوتِ المذكورِ
بالاتّفاق؛ لأنَّ خصوصيةَ ((إنَّ) إفادةُ التأكيد وأمَّا ((ما)): فالجمهورُ على أنَّها
كافةٌ، ثُمَّ قالَ جمهورُ النحاةِ: هيَ الزائدةُ التي تدخلُ على إنَّ، وأنَّ، وليتَ،
ولعلَّ، وكأنَّ، فتكفُّها عن العملِ لأنَّ الأصلَ في الحروفِ العاملة أن تكونَ
محضةً فإذا اختصتْ بالاسمِ أو الفعلِ ولم يكنْ كالجزءِ منهُ عملتْ فيه، وإنَّ
وأخواتُها مختصةٌ بالاسم فتعملُ فيه فإذا دخلتْ عليها ((ما)) زالتْ اختصاصُها
فصارَتْ تدخلُ على الجملة الإسميةِ والفعليةِ فَبَطلَ عملُها وإنَّما عملتْ ((ما))
النافيةُ على اللغةِ التي نَزَلَ بها القرآنُ وهي لغةُ أهل الحجازِ استحْسانًا
لمشَابَهتِها لـ (ليس)) وذهبَ بعضُ الكوفيينَ، وابنُ درستويه إلى أنَّ ((ما)) مع
هذهِ الحروفِ اسمٌ مبهمٌ بمنزلةٍ ضميرِ الشأنِ في التفخيمِ والإبهامِ وفي أنَّ
الجملةَ بعدَهُ مفسرةٌ له ومخبَرٌ بها عنْهُ، وذهبتْ طائفةٌ من الأصوليينَ وأهلِ
البيان إلى أنَّ ((ما)) هذه نافيةٌ واستدلُّوا بذلكَ على إفادتها الحصرَ.
وأنَّ ((إنَّ)) أفادت الإثباتَ في المذكورِ، و((ما)) النفيَ فيما عداهُ وهذا باطلٌ
باتفاقِ أهلِ المعرفةِ باللسان فإنَّ ((إنَّ) إنما تفيدُ توكيدَ الكلامِ إثباتًا كان أو نفيًا
لا يفيدُ الإثباتَ.
و ((ما)) زائدةٌ كافةٌ لا نافيةٌ وهي الداخلةُ على سائر أخوات إنَّ: لكنَّ وكأنَّ
وليتَ ولعلَّ، وليستْ في دخولها على هذه الحروف نافيةً بالاتفاق فكذلكَ
الداخلةُ على إنَّ وأنَّ، وقد نُسِبَ القولُ بأنها نافيةٌ إلى أبي علي الفارسي
لقولِهِ في كتابِ ((الشيرازيات)): إنَّ العربَ عاملُوا ((إنما)) معاملةَ النفيِّ و((إلا))
في فصلِ الضميرِ لقولِهِ :
((وإنَّما يدافعُ عن أحسابِهِم أنا أو مِثْلِي)).

١٠٦
سورة فاطر
وهذا لا يدلُّ على أنَّ ((ما)) نافيةٌ على ما لا يخفَى وإنَّما مرادُه أنَّهم أجرَوا
((إنما)) مَجْرى النفي و((إلاَّ) في هذا الحكم لما فيها معنى النفىِ ولم يصرِّحْ بأنَّ
النفيَ مستفادٌ منْ ((ما)» وحْدَهَا، وقيلَ: إنه لا يمتنعُ أنْ يكون (ما)) في هذه
الآيةِ بمعنى الذي والعلماءُ خبرٌ والعائدُ مستترٌ في يخشى.
وأُطلقتْ ((ما)) على جماعة العقلاءِ كما في قولهِ تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، و﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].
وأما دلالةُ إلا على التأكيد وهو نفيُ الخشيةِ عنْ غيرِ العلماءِ فمِن صيغةٍ
((إنَّما)) أمَّا على قولِ الجمهورِ وأنَّ ((ما)) هي الكافةُ فيقولُ إذا دخلتْ ((ما))
الكافةُ على ((إنَّ) أفادت الحصرَ هذا هو الصحيحُ، وقدْ حكاهُ بعضُ العلماء
عن جمهورِ الناسِ وهو قولُ أصحابِنا كالقاضي، وابنِ عقيلٍ، والحلواني،
والشيخِ موفق الدين، وفخرِ الدِّين إسماعيلَ بنِ عليٌّ صاحبِ ابن الِنِّي، وهوَ
قولُ أكثرِ الشافعيةِ كأبي حامدٍ وأبي الطيّب، والغزالي والهرَّاسي، وقولُ طائفة
من الحنفيةِ كالجرجاني، وكثيرٌ من المتكلمينَ كالقاضي أبي بكرٍ، وغيرِهِ، وكثيرٌ
من النحاةِ وغيرِهِم، بلْ قدْ حكاهُ أبو عليٍّ فيما ذكرَهُ الرازيَّ عن النحاة
جملةً، ولكن اختلفُوا في دلالتها على النفي هلْ هُوَ بطريقِ المنطوقِ، أو
بطريقِ المفهوم؟ فقال كثيرٌ من أصحابِنا، كالقاضي في أحدِ قوليه وصاحبُ ابنِ
المنّي والشيخُ موفَّقُ الدِّين: إنَّ دلالَتَها على النفي بالمنطوقِ كالاستثناءِ سواء
وهو قولُ أبي حامدٍ، وأبي الطيّب منَ الشافعية، والجرجاني من الحنفية،
وذهبتْ طائفةٌ من أصحابِنا كالقاضي في قولِهِ الآخرِ وابنِ عقيلٍ والحلوانيِّ،
إلى أنَّ دلالتها على النفي بطريقِ المفهومِ وهُوَ قولُ كثيرٍ من الحنفية،

١٠٧
سورة فاطر
والمتكلمينَ، واختلفُوا أيْضًا هلْ دلالتُها على النفي بطريقِ النَّصِ، أَوْ الظاهر؟
فقالتْ طائفةٌ: إنَّما تدلُّ على الحصرِ ظاهِرًا، أو يحتملُ التأكيد، وهذا الذي
حكاهُ الآمديُّ عن القاضي أبي بَكْرٍ، والغزاليِّ، والهرَّاسيِّ، وغيرِهم من
الفقهاء وهُوَ يشبهُ قولَ من يقولُ إنَّ دلالتَها بطريقِ المفهومِ فإنَّ أكثرَ دلالات
المفهومِ بطريقِ الظاهرِ لا النَّص، وظاهرُ كلامِ كثيرٍ من أصحابنا وغيرِهِم، أنّ
دلالتها على النَّفي والإثباتِ كليهما بطريقِ النَّصِ لأنَّهم جعلُوا ((إنَّما)) كالمسْتَثْنِى
والمستثنى منه سواء وعندهم أنَّ الاستثناءَ منَ الإثباتِ نفْيٌ ومنَ النفيِّ إِثْباتٌ،
نصًّا لا محلاً.
وأمَّا من قالَ: إنَّ الاستثناءَ ليسَ لإثباتِ النقيضِ بَلْ لرفعِ الحُكْمِ إما مطلقًا
أوْ في الاستثناءِ منَ الإثباتِ وحده كما يُذُكرُ عن الحنفيةِ وجعلُوه من بابٍ
المفهومِ الذي ينفونَهُ، فَهُوَ يقولُ ذلكَ في ((إنَّما)» بطريقِ الأوْلَى فَظَهَرَ بهذا أنَّ
المخالفَ في إفادَتِهَا الحصرَ هوَ من القائلينَ بأنَّ دلالتها على النفيِّ بالمفهومِ وهم
قسمان :
أحدهما: مَنْ لا يَرى كونَ المفهومِ حُجَّةً بالكليةِ كالحنفيةِ، ومَنْ وافقَهُمْ منَ
المتكلمينَ.
والثاني: مَنْ يراهُ حجةً من الجملةِ، ولكنْ ينفيه هَاهُنَا لقيامِ الدليلِ عندَهُ على
أَنَّه لا مفهومَ لها، واختارَهُ بعضُ المتأخرينَ منْ أصحابِنا، وغيرِهم، وبيانُ
ذلكَ أنَّ((إِنَّما)) مركبٌ منْ ((إنَّ) المؤكدةِ و((ما)) الزائدةِ الكافةِ فُيُستفادُ التوكيدُ منْ
((إنَّ) والزائدُ لا معنى له نعم أكثرُ ما يُقالُ ((إنَّ)) تفيدُ تقويةَ التوكيدِ كما في
الباءِ الزائدةِ ونحوها، فأمَّا أنْ يُحدثَ معنّى آخرَ فلا، وقد يعدم بيان بطلانِ

١٠٨
سورة فاطر
قول منْ ادَّعى أنَّ ((ما) نافية وأنَّ النفيَ فيمَا عدا المذكورِ مُستفادٌ منها.
وأيضًا فورودُها لغيرِ الحصرِ كثيرٌ جدًا كقولهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ
إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾
[الأنفال: ٢]، وقول النبيِّ وَّهِ: ((إنَّما الرِّبًا في النسيئةِ))(١) وقوله: ((إنَّما الشهرُ تسعٌ
وعشرون)(٢) وغيرِ ذلكَ منَ النصوصِ ويُقالُ: ((إنَّما العالِمُ زيدٌ) ومثلُ هذا لو
أُرِيدَ به الحصرُ لكانَ هذا، وقد يُقالُ: إنَّ أغلبَ مواردهَا لا تكونُ فيها للحصرِ
فإنَّ قولَهَ تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] لا تفيدُ الحصرَ مُطْلقًا فإنَّه
سبحانَهُ وتعالَى لهُ أسماءٌ وصفاتٌ كثيرةٌ غيرَ توحُّدُه بالإلهيةِ، وكذلك قولُهُ:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [فصلت: ٦] فإنَّه لم ينحصر
الوحيُ إليه في هذا وحده، وكذلكَ قوله: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد:٧] ومثلُ
هذا كثيرٌ جدًّا ومَّا يُبيِّنُ عدمَ إفادتِها للحصرِ قولُهُ وَّهِ: ((ما مِنْ نبيٌّ من الأنبياء إلا
قد أُوتِيَ منَ الآياتِ ما آمنَ على مثله البشرُ، وإنَّما كان الذي أوتيتُهُ وحيًا أوحاهُ اللَّهُ إليَّ،
فأرجُو أنْ أكونَ أكثرُهُمْ تَابِعًا يومَ القيامةِ))(٣) فَلَوْ كانتْ ((إنَّما)) للحصرِ لبَطَلَتْ أنْ
تكونَ سائرُ آيَاتِ النّبِيِّ بَّهِ ومعجزاتِهِ سوى القرآن آياتٍ لهُ تدلُّ على صدقه
٠٠
الاعترافِهِ بنَفي ذلكَ وهذا باطلٌ قطْعًا فدلَّ على أنَّ ((إنَّما)) لا تفيدُ الحصرَ في
والصوابُ: أَنَّها تدلُّ على الحصرِ، ودلالَتها عليه معلومٌ بالاضطرارِ من لغةٍ
العربِ، كما يُعلمُ منْ لغتِهِم بالاضطرارِ معانِ حروفِ الشرطِ والاستفهامِ
٥
مثلِ هذا الكلامِ وشبهِهِ .
(١) مسلم (٤٩/٥)، والنسائي (٢٨١/٧)، وأحمد في ((المسند)) (٢٠٤/٥).
(٢) أخرجه: البخاري (٣٤/٣)، ومسلم (١٢٢/٣) من حديث عبد الله بن عمر زوق).
(٣) البخاري (٢٢٤/٦)، (١١٣/٩)، ومسلم (٩٢/١) من حديث أبي هريرة ضخّه.

١٠٩
سورة فاطر
والنفىِ والنَّهْي وغيرِ ذلكَ ولهذا يَتواردُ ((إنَّما)) وحروفُ الشرط والاستفهامُ
والنَّفْيُ الاستثناء كما في قولهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]
وقولُه: ﴿إِنَّمَا إِلهكم إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] وقوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
[النساء: ١٧١]، ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّ هُوَ ﴾ [طه: ٩٨]. فإنَّه كقولِهِ: ﴿وَمَا مِنْ
إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [ص:٦٥] وقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، ونحوِ ذلكَ،
ولهذا كانتْ كُلُّها واردةً في سياقِ نفي الشركِ وإبطالِ إلهيةٍ سوى الله
سبحانَهُ، وأمَّا أنَّها مركبةٌ من ((إِنَّ) و((ما)) الكافة فمُسلَّمٌ، ولكنَّ قولَهُم إنَّ ((ما))
الكافةَ أكثرُ ما تفيدُهُ قوةُ التوكيدِ لا تُثْبتُ مَعْنى زائدًا، يجابُ عنهُ مِنْ وجوهِ:
أحدها: أنَّ ((ما)) الكافَّةَ قدْ تُثبتُ بدخولِهَا على الحروفِ معْنىَ زائدًا، وقدْ
ذكرَ ابنُ مالكِ أنَّها إذا دَخَلَتْ على الباءِ أحدَثَتْ معنى التقليلِ، كقولٍ
الشاعر :
فالآن صِرْتَ لا تَحِيدُ جَوَابًا
بما قدْ يُرى وأنتَ حَطِيبُ
قالَ: وكذلك تُحدثُ في ((الكافِ)) معنَى التعليلِ، في نحوِ قولِهِ تعالى:
﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، ولكِنْ قد نُوزِعَ في ذلك وادَّعى أنَّ ((الباءَ))
و(الكافَ)) للسببية، وأنَّ ((الكاف)) بمجردِهَا تفيدُ التعليلَ.
والثاني: أن يُقالَ: لا ريبَ أنَّ ((إنَّ) تفيدُ توكيدَ الكلامِ، و((ما)) الزائدةُ تُقَوِّي
هذا التوكيدَ وتثبتُ مَعْنى الكلامِ فتفيدُ ثبوتَ ذلكَ المعْنى المذكورِ في اللفظِ
خاصةً ثبوتًا لا يشاركه فيه غيرُهُ واختصَاصُهُ به، وهَذا منْ نوعِ التوكيدِ
والثبوتِ ليسَ معنىَ آخرَ مغايراً لهُ وهوَ الحصرُ المدَّعى ثبوتُهُ بدخول ((ما))
يخرجُ عنْ إفادةٍ قوَّةِ معنى التوكيدِ وليسَ ذلكَ بُنْكرٍ إذ المستنكرُ ثبوتُ مَعْنى
آخرَ بدخولِ الحرفِ الزائدِ منْ غيرِ جنسِ ما يُفيدُهُ الحرفُ الأوَّلُ.

١١٠
سورة فاطر
الوجه الثالث: أنَّ ((إنَّ) المكفوفةُ ((بما)) استُعْملتْ في الحصرِ فصارتْ حقيقةً
عرفيَّةً فيه، واللفظُ يصيرُ لَهُ بالاسْتعمالِ مَعْنى غيرَ مَا كانَ يقْتَضِيهِ أصلُ
الوضعِ، وهكذا يُقالُ في الاستثناءِ فإنَّه وإنْ كانَ في الأصلِ للإخراجِ منَ
الحُكْمِ لكنْ صارَ حقيقةً عرفيَّةً في مناقضةِ المستَثْنِى فيه، وهذا شبيهٌ بنقلِ اللفظِ
عنِ المعنى الخاصِ إلى العامِ إذا صارَ حقيقةً عرفيةً فيه لِقَوْلِهِم («لا أشربُ له
شربةَ ماءِ)) ونحوِ ذلكَ، ولنقلِ الأمثالِ السائرةِ ونحوِهَا مما ليسَ هذا موضعُ
بَسْطِه، وهذا الجوابُ ذكرَهُ أبو العباسِ ابنِ تيميةَ في بعضِ كلامِهِ القديمِ وهُوَ
٠٠
يقتضي أنَّ دلالةَ ((إنَّما)) على الحصرِ إنَّما هوَ بطريقِ العُرفِ والاستعمالِ لا
بأصلِ وضْعِ اللغةِ، وهو قولٌ حكاهُ غيرُهُ في المسألةِ .
وأمَّا قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢].
وقولُهُ وَله: ((إنَّما الرِّبًا في النسيئة))، و((إنَّما الشهرُ تِسعٌ وعشرونَ) وقولُهُم: ((إنَّما
العالِمُ زيدٌ) ونحوُ ذلك، فيُقالَ: معلومٌ منْ كلامِ العربِ أنَّهم ينفونَ الشيءَ في
صِيغِ الحصرِ وغيرِهَا تارةً لانتفاءِ ذاتِهِ وتارةً لانتفاءِ فائدتِهِ ومقصودِهِ،
ويحصرونَ الشيءَ في غيرِه تارةً لانحصارِ جميعِ الجنسِ فيه وتارةً لانحصارِ
المفيدِ أو الكاملِ فيه، ثمَّ إنَّهم تارةً يعيدونَ النفيَ إلى المسمَّى وتارةً إلى الاسمِ
وإنْ كان ثابتًا في اللغةِ إذا كان المقصودُ الحقيقيُّ بالاسْمِ منتَفِيًا عنه ثابتًا لغيرِهِ
لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا النَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا
أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]، فَنَفَى عنهُم مسمَّى الشيءٍ معَ أنَّه في الأصلِ
شاملٌ لكلِّ موجودٍ مِنْ حقٍّ وباطلٍ كما كانَ ما لا يفيدُ ولا منفعةَ فيه يَؤُولُ
إلى الباطلِ الذي هو العدمُ فيصيرُ بمنزلةِ المعدومِ بلْ قَدْ يكونُ أولَى بالعدمِ منْ
المعدَمِ المستمرِ عدمُهُ لأَنَّه قدْ يكونُ فيه ضررٌ فمنْ قال الكذبَ فلم يَقُل شيئًا

١١١
سورة فاطر
ولم يعملْ ما ينفعُهُ بلْ ما يضرُّه، ولهذا لَّا سُئِلَ النبيُّ ◌َلِّ عن الكفارِ فقالَ:
((ليسُوا بشيء)(١) ، ويقولُ أهلُ الحديثِ عنْ بعضِ الرواةِ المجروحينِ والأحاديثِ
الواهيةِ: ((ليسَ بشيءٍ)) إذا لم يكنْ مما يُنتفعُ بِهِ في الروايةِ لظهورِ كذبِهِ عمدًا
أوْ خطأ، ويقال أيضًا لمن خرجَ عنْ موجب الإنسانيةِ في الأخلاقِ ونحوِهَا:
هذا ليسَ بآدميِّ ولا إنسانٍ وما فيه إنسانية، ومنه قولُ النِّسوَةِ في يوسفَ عليه
السلامُ: ﴿مَا هَذَا بَشَرًّا إِنْ هَذَا إِلَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]، وكذلكَ قولُ اللَّه
تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنِ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]
وقولُ النبيِّ وَّهِ: ((ليس المسكينُ بهذا الطوَّافُ الذي تردُّ اللقمةُ واللقْمتان والتمرةُ
والتمرتان إنَّما المسكينُ الذي لا يجد ما يُغنيه ولا يُفْطَنُ له فيُتصدَّقُ عليه ولا يسْأَلُ الناسَ
إلحاقًا)(٢) وكذلك قال: ((ما تعدُّونَ المفلِسَ فِيكُمْ؟)) قالُوا: الذي لا دِرْهَم له ولا
دينار قالَ: ((ليس ذلكَ بالمفلِسِ، ولكنَّ المفلِسَ من يأتي يومَ القيامةِ بحسنات أمثال
ء
الجبالِ ويجيءُ وقد شتمَ هذا وضَرَبَ هذا وأخذَ مالَ هذا فيأخُذُ هذا منْ حسناته وهذا
مِنْ حِسَنَاتِهِ فإذا لم يتبقَّ لَهُ حسنةٌ أُخِذَ منْ سيئاتِهِم فَطُرِحَتْ عليه ثمَّ أُلقي في النار))(٣)
وقالَ: ((ما تعُدُّون الرقوبَ فيكُم؟)) قالُوا: الرقوبُ منْ لا يُولدُ لهُ. قال: ((الرقوبُ
مِنْ لم يُقدِّم منْ ولده شيئًا))(٤).
وكذلك قولُهُ وَّ: ((ليسَ الشديد بالصُّرعة ولكنَّ الشديدَ الذي يملكُ نفسَهُ عندَ
الغضب))(٥) وقولُهُ وَّهِ: (ليسَ الغِنَى عن كثْرةِ العَزَضِ وإِنَّمَا الغِنَى غِنَى النَّفْسِ))(٦).
(١) أخرجه البخاري (٥٨/٨)، ومسلم (٣٥/٧) من حديث عائشة ضِ يّها.
(٢) أخرجه: البخاري (١٥٣/٢)، ومسلم (٩٥/٣) من حديث أبي هريرة ضِ لّه.
(٣) أخرجه: مسلم (١٨/٨) من حديث أبي هريرة ظراته.
(٤) أخرجه: مسلم (٨/ ٣٠) من حديث عبد الله بن مسعود.
(٥) أخرجه: البخاري (٣٤/٦)، ومسلم (٨/ ٣٠) من حديث أبي هريرة فىاللّه.
(٦) أخرجه: البخاري (١١٨/٨)، ومسلم (١٠٠/٣) من حديث أبي هريرة فِىُّه.

١١٢
سورة فاطر
وأمثالُ ذلك، فهذا كلُّه نفيٌ لحقيقةِ الاسمِ منْ جهَةِ المُضِيِّ الذي يجب
اعتبارُه، فإنَّ اسمَ الرقوبِ والمفلسِ والغني والشديدِ ونحوِ ذلك إنَّما يتعارفُه
الناسُ فيمِنْ عَدِمَ مالَهُ وولدَهُ أوْ حصلَ له مالٌ أو قوَّةٌ في بدنِهِ، والنفوسُ تجزعُ
من الأوَلَيْن وترغب في الآخرَيْنِ، فيعتقدُ أنَّه هو المستحقُّ لهذا الاسمِ دونَ
غيرِهِ فبَيَّنِ نَّهِ أنَّ حقيقةَ ذلك المعْنَى ثابتةٌ لغير هذا المتوهمٍ على وجهٍ ينبغي
بعلو الاعتقاد والقصد بذلكَ الغيرِ فإنَّ مَنْ عدِمَ المالَ والولدَ يومَ القيامةِ حيثُ
يضرُّ عدمُهُ أحقُّ باسمِ المفلس والرقوبِ ممن يُعدمهُمَا حيثُ قدْ لا يتضرر بذلكَ
تضرراً معتبراً ولذلك وجودُ غنى النفسِ وقوتِها أحقُّ بالمدحِ والطلبِ منْ قوَّةٍ
البدنِ وغِنَى المالِ وهكذا قولُهُ وَله: ((إنَّما الرِّبَا في النسيئةِ)) أَوْ لا ((رِبَا إلا في
النسيئة». فإنَّ الرِّبًا العام الشاملُ للجنسين، والجنسُ الواحدُ المتفقةُ صفاتُهُ إِنَّما
يكونُ في النسيئةِ وأمَّا رِبَا الفضلِ فلا يكونُ إلا في الجنسِ الواحدِ ولا يفعلُهُ
أحدٌ إلا إذا اختلفت الصفاتُ، كالمضروب بالتِّبْرِ، والجيدِ بالرديءِ، فأمَّا مع
استواءِ الصفاتِ فلا يبيعُ أحد دِرْهمًا بدرهمينٍ، وأيضًا فرِبًا الفضلِ إنَّما حُرِّم
لأنه ذريعةٌ إلى ربا النسيئة كما في ((المسند))(١) عن النبيِّ بَّهِ أنه قال: ((لا تبيعُوا
الدرهمَ بالدرهمینِ؛ إنِّي أخافُ عليكُمُ الرِّبا».
فالرِّبًا المقصود بالقصد الأولِ هُوَ رِبَا النسيئةِ، فإذا بِيعَ مائةٌ بمائةٍ وعشرينَ
مع اتِّاقِ الصفاتِ ظهرتْ أن الزِّيادةَ قابلتِ الأجلَ الذي لا منفعة فيه وإنَّما
دخل فيه للحاجة، ولهذا لا يضمنُ الآجالَ باليد فلو بقيت العينُ في يَدِهِ، أو
المالُ في ذمتِهِ مدةً لم يضمن الأجلَ بخلافٍ زيادةٍ الصفةِ؛ فإنَّها مضمونةٌ في
الإتلافِ والغصبِ وفي المبيعِ إذا قابلتْ غيرَ الجنسِ، فلهذا قِيلَ: إنَّما الرِّبا في
(١) ((المسند)) (١٠٩/٢) من حديث عبد الله بن عمر زائر).

١١٣
سورة فاطر
النَّسيئةِ ولا رِبَا إلا في النسيئة، فإنَّ المستحقَّ لاسم الرِّبًا في الحقيقةِ هو رِبَا
النسيئة ولذلكَ نَفى الأسماءَ الشرعيةَ لانتفاءِ بعضِ واجباتِهَا لقولِهِ: ﴿إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ .. ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤] فهؤلاءِ همُ المستحقونَ لهذا الاسمِ على الحقيقةِ الواجبةِ دونَ
منْ أخلَّ بشيءٍ من واجباتِ الإيمانِ والإسلامِ عمن انتفَى عنهُ بعضُ واجباتهما
لقولِهِ: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) (١) الحديث، وقولِهِ: ((المسلمُ مَنْ سلِمَ
المسلمونَ من لسانه ويده، والمهاجرُ من هَجَرَ ما نهى الله عنه))(٢) وقوله: ((المؤمن من
٠٠
أمنَهُ الناس على دمائهم وأموالهم، والمجاهدُ من جاهدَ نفسَهُ في ذات اللَّه))(٣)، ومثلُ
هذا كثيرٌ، وكذلك قولُهُ وَّل: ((إنَّما الشهرُ تِسْعٌ وعشرون)) فإنَّ هذا هو عددُ
الشَّهرِ اللازمِ الدائمِ، واليومُ الزائدُ على ذلكَ أمر جائزٌ يكونُ في بعضِ
الشهورِ ولا يكونُ في بعضِها، بخلافِ التسعةِ والعشرين، فإنَّه يجبُ عددُها
واعتبارُها بكلِّ حالٍ، وهذا كما يُقال: الإسلامُ شهادةُ أن لا إله إلا اللَّهُ وأنَّ
محمداً رسولُ اللهِ .
فهذا هو الذي لا بدَّ منه، وما زاد على ذلك فقدْ يجبُ على الإنسان، وقد
يموتُ قبلَ التمكنٍ، فلا يكونُ الإسلامُ في حقِّه إلاما تكلّمَ به، وحاصلُ الأمرِ
أنَّ الكلامَ الخبريَّ هو إمَّا إثباتٌ أو نفيٌ فكما أنهم في الإثباتِ يثبتونَ للشيءٍ
اسمَ الشيءِ إذا حصلَ فيه مقصودُ الاسمِ وإن انتفتْ صورةُ المسمَّى، فكذلكَ
(١) أخرجه: البخاري (١٧٨/٣)، (١٣٦/٧)، (١٩٥/٨ - ١٩٧)، ومسلم (٥٥/١) من حديث أبي
هريرة ضِىّته .
(٢) أخرجه: البخاري (٩/١)، (١٢٧/٨) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ظِّئُه.
(٣) أخرجه: أحمد (٣٧٩/٢)، والترمذي (٢٦٢٧)، والنسائي (١٠٤/٨ - ١٠٥) من حديث
أبي هريرة فى .

١١٤
سورة فاطر
في النَّفي، فإنَّ أدواتِ النَّفي تدلُّ على انتفاءِ الاسم بانتفاء مسمَّاه فذلك، تارةً
لأنه لم يُوجدْ أصلاً، وتارةً لأنه لم توجد الحقيقةُ المقصودةُ بالمسمَّى، وتارةً
لأنه لم تكنْ تلكَ الحقيقةُ، وتارةً لأن ذلك المسمَّى مما لا ينبغي أنْ يكونَ
مقصودًا بل المقصودُ غيرُهُ، وتارةً لأسباب أُخرَ وهذا كلُّه إنَّما يظهرُ من سياقٍ
الكلامِ وما اقترنَ به من القرائنِ اللفظية التي لا تخرجُهُ عن كونِهِ حقيقةً عندَ
الجمهورِ ولكونِ المركبِ قد صارَ موضوعًا لذلكَ المعنى، أوْ مِنَ القرائنِ الحاليةِ
التي تجعلُه مجازًا عند الجمهور، وأمَّا إذا أطلقَ الكلامُ مجرَّدًا عن القرينتينِ
فمعناهُ السلبُ المطلقُ وهوَ أكثرُ الكلامِ وهذا الجوابُ ملَّخصٌ من كلامٍ شیخِ
الإسلام أبي العباسِ ابن تيمية - رحمه الله.
وأما قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، وقولُهُ: ﴿إِنَّمَا أَنتَ
مُنذِرٌ﴾ [الرعد: ٧]، ونحو ذلك، فالجواب عنهُ أن يُقال: الحصر تارةً يكونُ عامًا
كقوله: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّ هُوَ﴾ [طه: ٩٨] ونحو ذلك، وتارةً يكونُ
خاصًّا بما يدلُّ عليه سياقُ الكلامِ فليسَ الحصرُ أن ينفيَ عن الأوَّل كل ما سوى
الثاني مطلقًا، بلْ قد ينْفِي عنه ما يُتُوهَمُ أنه ثابتٌ لَهُ مِنْ ذلك النوعِ الذي
أثبتَ له في الكلامِ.
فقوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] فيه نفيُ تعددِ الإلهيّةِ في حقِّه
سبحانَهُ وأَنَّه لا إله غيره، ليسَ المرادُ أنه لا صفةً له سوى وحدانيةِ الإلهيةِ،
وكذلك قولُهُ: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ [الكهف:١١٠]
فإنَّ المرادَ به أنه لم يُوحَ إليَّ في أمرِ الإلهيةِ إلا التوحيدَ لا الإشراكَ.
والعجبُ أنَّ أبا حيَّان الأندلسيّ أنكر على الزمخشريِّ ادعاءَه الحصرَ في
هذه الآية لاستلزامهِ عندَهُ أنَّه لم يوحَ إليه غيرَ التوحيدِ، قالَ: لأنَّ الحصرَ إنما

١١٥
سورة فاطر
يلقى من جهة: ((أنما)) المفتوحة الهمزة، قالَ: ولا يُعرفُ القولُ بإفادتها الحصرَ
إلا عندَ الزمخشريِّ وحده.
وردَّ ذلك عليه شيخُنا أبو محمدِ بنِ هشامٍ بناءً على أنَّ (أنَّ) المفتوحةَ فرعٌ
عن ((إن)) المكسورة على الصحيحِ، قال: ولهذا صحَّ للزمخشريِّ أن يدَّعي أنها
تفيدُ الحصرَ ((إنَّما)) انتهى.
وهذا كلُّه لا حاجةَ إليه في هذه الآيةِ فإنَّ الحصرَ مستفادٌ فيها منْ ((إنما))
المكسورةِ التي في أولِ الآيةِ فلو فرض أن ((أنما)) المفتوحةَ لا تفيدُ الحصرَ لم
ينتفِ بذلكَ الحصرُ في الآيةِ على ما لا يخْفى، وكذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا
أَنتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد:٧] أي لستَ ربَّ لهم ولا مُجازِيًا ولا محاسِبًا، وليسَ عليكَ
أن تجبرَهُم على الإيمانِ، ولا أن تتكلفَ لهم طلبَ الآياتِ التي يقترحونَها
عليكَ ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] فليسَ عليكَ إلا الإنذارُ، كما قال: ﴿فَإِنَّمَا
عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقالَ: ﴿فَذَكَرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكَّرٌ {لِ لَسْتَ
عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢].
ومنْ هَا هُنَا يظهرُ الجوابُ عن قولِهِ: ((إنما كان الذي أوتيتُهُ وحيًا أو حاهُ اللَّهُ إليَّ)
فإنَّه قالَ: ((ما مِنْ نبيٍّ إلا وقد أُوتِي من الآياتِ ما آمنَ على مثلِهِ البشرُ، وإنَّما كانَ الذي
أوتيتُهُ وحيًا أوحاهُ اللَّهُ إليّ، فأرجُو أنْ أكونَ أكثرُهم تابعًا يومَ القيامةِ))(١) فالكلامُ إنما
سِيقَ لبيانِ آياتِ الأنبياءِ العظامِ الذي آمن لهم بسببها الخَلْقُ الكثيرُ، ومعلومٌ أن
أعظمَ آيَاتِ النبيِّ وَّ التي آمن عليها أكثرُ أُمَّتِهِ هي الوحيُ وهوَ الذي كان
يدعو به الخلقَ كلَّهم، ومنْ أسلمَ في حياتِهِ خوفًا فأكثرُهم دخلَ الإيمانُ في
قلبهِ بعد ذلك بسببِ سماعِ الوحي لمسلمي الفتحِ وغيرِهِم، فالنفيُ توجّه إلى
(١) تقدم تخريجه.

(١١٦
سورة فاطر
أنه لم تكنْ آياتُهُ التي أوجبتْ إسلامَ الخلقِ الكثيرِ من جنسِ ما كانِ لمن قبله
مثلَ ناقةِ صالحٍ وعصا موسى ويدِهِ وإبراءِ المسيحِ الأكمه والأبرصَ وإحياء
الموتى ونحو ذلك، فإنَّ هذه أعظمَ آياتِ الأنبياءِ قبلَه وبها آمن البشرُ لهم،
وأمَّا آَيْتُهُ هو ربَّ التي آمنَ البشرُ عليها في حياتِهِ وبعدَ وفاتِهِ فهيَ الوحيُ التي
أُوحِي إليه وهيَ التي توجبُ إيمانَ البشرِ إلى يومِ القيامةِ كما قال تعالى:
﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْأَنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] ولهذا قيل: إنَّ آيات
الأنبياءِ انقطعت بموتِهِم وآيَاتِهِ وَّه باقية إلى يومِ القيامةِ، ومما يبيِّنُ أنَّ الحصرَ
لم ينتفِ عنْ ((إنَّما)) في شيءٍ من هذه الأنواعِ التي توهمُوها، أنَّ الحصرَ قد
جاءَ فيها وفي مثلها بإلاَّ كما جاء بـ((إنَّما)) فإنه جاء ((لا ربا إلا في النسيئة)) كما
جاء ((إنما الربا في النسيئة)) وجاءَ في القرآن ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ
الرُّسُلُ [آل عمران: ١٤٤]، كما جاء: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] وكذلك قوله: ﴿مَا
الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسَلَ﴾ [المائدة: ٧٥] .
ومثلُ ذلك كثيرٌ فهذا وجهُ إفادتِهَا الحصر في هذهِ الآيةِ على القولِ المشهور
وهو ((إنما)) في قولِهِ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] هي الكافةُ،
وأما على قولِ منْ جعلَهَا موصولةً فتفيدُ الحصرَ منْ جهةٍ أُخرى وهو أنَّها إذا
كانتْ موصولةً فتقديرُ الكلامِ ((إن الذين يخشون الله هم العلماء)) وهذا أيضًا
يفيدُ الحصرَ؛ فإنَّ الموصولَ يقتضي العمومَ لتعريفِهِ، وإذا كان عامًّا لزمَ أنْ
يكونَ خبرُهُ عامًّا أيضًا لئلا يكونَ الخبرُ أخصَّ من المبتدأ، وهذا النوعُ من
الحصرِ يسمَّى حصرَ المبتدأ في الخبرِ، ومتى كان المبتدأ عامًّا فلا ريبَ إفادتهُ
الحصرَ، وأمَّ دلالة الآيةِ على الثالثِ، وهو نفي العلمِ من غيرِ أهلِ الخشيةِ،
فمن جهةِ الحصرِ أيضا فإنَّ الحصرَ المعروفَ المطردَ فهو حصرُ الأولِ في الثاني،

١١٧
سورة فاطر
وهو هَاهُنا حصرُ الخشيةِ في العلماءِ، وأما حصرُ الثاني في الأول فقد ذكره
الشيخُ أبو العباسِ ابنِ تيمية - رحمه الله - وأنه قدْ يكونُ مرادًا أيضًا فيصيرُ
الحصرُ من الطرفينِ ويكونانِ متلازمينٍ، ومثلُ ذلك كقولِهِ: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ
اتَّعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١]، و﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا ﴾
[النازعات: ٤٥]، و﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْد
رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿١٥﴾، تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٥، ١٦] قالَ:
وكذلك الحصرُ في هذه الآيةِ أعني قولِهِ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
فتقتضي أنَّ كلَّ من خشيَ اللَّهَ فهو عالِمٌ، وتقتضي أيضًا أنَّ العالِمَ منْ يخشى
اللَّهَ، وبيانُ الحصرِ الذي ذكره الشيخُ - رحمه الله - في هذهِ الآياتِ أنَّ قولَه:
﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١] فيه الحصرُ من
الطرفينِ، فإن اقتضى أن إنذارَهُ مختصٌّ بمن اتبع الذكر وخشيَ الرحمنَ
بالغيب فإن هذا هو المختصّ بقبولِ الإنذارِ، والانتفاعِ به فلذلك نفَى الإنذارَ
عن غيرِهِ، والقرآنُ مملوءٌ بأنَّ الإنذارَ إنما هو للعاقلِ له خاصةً، ويقتضي أنه لا
يتبعُ الذكرَ ويخشى الرحمنَ بالغيبِ إلا منْ أنذره أيْ مَنْ قَبِلَ إنذارَهُ وانتفعَ به
فإنَّ اتباعَ الذكرِ، وخشيةَ الرحمنِ بالغيبِ مختصةٌ بمن قَبِلَ الإنذارَ كما يختصُ
قبولُ الإنذارِ والانتفاعُ بأهلِ الخشيةِ واتباعِ الذكرِ .
وكذلك قولُه: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥] وقولُه: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ
بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة: ١٥] الآية فإن انحصارَ الإنذارِ في
أهلِ الخشيةِ، كانحصارِ أهلِ الخشيةِ في أهلِ الإنذارِ، والذين خرُّوا سجدًا في
أهل الإيمانِ ونحوِ ذلك فكذلكَ قولُه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وقد
فسَّرَها السلفُ بذلك أيضًا كما سنذكرُهُ - إن شاءَ اللَّهُ تعالى - ونذكرُ شواهدَهُ.

١١٨
سورة فاطر
وهَاهُنَا نكتةٌ حسنةٌ، وهيَ أنَّ قولَهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
الْعُلَمَاءُ﴾ قد عُلِمَ أنه يقتضي ثبوتَ الخشيةِ للعلماءِ للرهلِ(١) يقتضِي ثبوتَها
لجنسِ العلماءِ، كما يُقال: إنما يحج المسلمونَ، أو: لا يحج إلا مسلم،
فيقتضي ثبوتَ الحجّ لجنسِ المسلمينَ لا لكلِّ فردٍ فردٍ منهم أو يقتضي ثبوتَ
الخشيةِ لكلِّ واحدٍ من العلماءِ، هذا الثاني هو الصحيحُ وتقريرُه من جهتين:
الجهة الأولى: أن الحصرَ هَاهُنا من الطرفينِ، حصرُ الأول في الثاني وحصرُ
الثاني في الأول، كما تقدَّم بيانُه، فحصْرُ الخشيةِ في العلماءِ يفيدُ أنَّ كلَّ من
خشيَ اللَّهَ فهو عالِمٌ وإنْ لم يُفِدْ لمجردِهِ أنَّ كلَّ عالِمٍ فهو يخشى اللَّهَ وتفيدُ أنَّ
من لا يخشى فليسَ بعالمٍ، وحصرُ العلماءِ في أهلِ الخشيةِ يفيدُ أنَّ كلَّ عالِم
فهو خاشٍ، فاجتمعَ من مجموعِ الحصرينِ ثبوتُ الخشيةِ لكلِّ فردٍ من أفرادِ
العلماء .
والجهة الثانية: أن المحصورَ هلْ هوَ مقتضٍ للمحصورِ فيه أوْ هوَ شرطٌ له؟
قال الشيخُ أبو العباس - رحمه الله -: وفي هذه الآيةِ وأمثالها هو مقتضٍ فهو
عامٌّ فإنَّ العلمَ بما أنذرتْ به الرسلُ يوجبُ الخوفَ، ومرادُه بالمقتَضي - العلة
المقتضيةَ - وهي التي يتوقفُ تأثيرُها على وجودِ شروطٍ وانتفاءِ موانعَ كأسبابِ
الوعدِ والوعيدِ ونحوِهما فإنها مقتضياتٌ وهي عامةٌ، ومرادهُ بالشرط ما
يتوقفُ تأثيرُ السببِ عليه بعد وجودِ السببِ وهو الذي يلزمُ من عدمِهِ عدمُ
المشروطِ ولا يلزمُ من وجودِهِ وجودُ المشروطِ، كالإسلامِ بالنسبةِ إلى الحجِّ،
والمانعُ بخلافِ الشرطِ، وهوَ ما يلزمُ من وجودِهِ العدمُ ولا يلزمُ من عدمه
الوجودُ وهذا الفرقُ بين السببِ والشرطِ وعدمِ المانعِ إنَّما يتمُ على قولٍ من
(١) كذا بالأصل، ولعل الصواب: ((للرب فهل)).

١١٩
سورة فاطر
يُجوُِّ تخصيصَ العلةِ وأما من لا يُسمِّي علةً إلا ما استلزمَ الحكمَ ولزمَ من
وجودها وجودُه على كلِّ حالٍ، فهؤلاءِ عندهم الشرطُ وعدمُ المانعِ من جملةِ
أجزاءِ العلةِ، والمقصودُ هنا أنَّ العلمَ إذا كان سببًا مقتضيًا للخشيةِ كان ثبوتُ
الخشيةِ عامًا لجميعِ أفرادِ العلماءِ لا يتخلفُ إلا لوجودِ مانعٍ ونحوهِ.
وقد تقدَّم بيانُ دلالة الآية على أنَّ منْ خَشِي اللَّهَ وأطاعه وامتثل أوامره
واجتنب نواهيه فهو عالِمٌ لأنه لا يخشاه إلا عالِمٌ، وعلى نفي الخشيةِ عن غيرِ
العلماءِ، ونفي العلْمِ عن غير أولي الخشيةِ أيضًا، وأنَّ من لم يخشَ اللَّهَ
فليسَ بعالِمٍ وبذلك فسَّرِها السلفُ.
فعنِ ابنِ عباسٍ قال: ((يريدُ: إنما يخافُنِي مِنْ خلقِي مَنْ عَلِمَ جبروتِي
وعزَّتَي وجَلالِي وسلْطَانِي)).
وعنْ مجاهدٍ والشعبيِّ: «العالِمُ من خافَ اللَّه)).
وعن ابن مسعودٍ قالَ: ((كفى بخشية اللَّه علمًا وكفَى بالاغترارِ باللَّهِ
جهلاً)) .
وذكرَ ابنُ أبي الدنيا عن عطاء الخراسانيِّ في هذه الآية: ((العلماءُ بالله
الذين يخافونَهُ)).
وعن الربيع بنِ أنسٍ في هذه الآيةِ قالَ: منْ لم يخشَ اللَّهَ فليسَ بعالِمٍ،
ألا ترى أنَّ داود قال: ذلكَ بأنَّك جعلتَ العلمَ خشيتَكَ، والحكمةَ والإيمانَ
بك وما عَلِمَ منْ لم يخشَكَ وما حكم من لم يؤمن بك .
وعن الربيعِ عن أبي العاليةِ في قولِهِ تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾
[البقرة: ٢٦٩]. قال: ((الحكمةُ الخشيةُ فإنَّ خشيةَ اللَّه رأسُ كلِّ حكمةٍ)).

١٢٠
سورة فاطر
وروى الدارميّ من طريقِ عكرمة عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِه
الْعُلَمَاءُ﴾ قال: ((مَنْ خشيَ اللَّهَ فهو عالِمٌ).
وعن يحيى بن جعدةَ، عن عليٍّ قالَ: ((يا حملةَ العلمِ، اعملُوا به فإنَّما
العالِمُ من عملَ بما علمَ فوافقَ علمُهُ عملَه، وسيكونُ أقوامٌ يحملونَ العلمَ ولا
يجاوزُ تراقيهم، يخالفُ علمُهم عملَهم، وتخالفُ سريرتُهم علانيتَهم،
يجلسونَ حِلَقًا فيُباهي بعضُهم بعضًا، حتَّى إنَّ الرجلَ ليغضبُ على جليسه أنْ
يجلسَ إلى غيرِهِ ويدعَهُ، أولئك لا تصعدُ أعمالُهم في مجالسِهِم تلكَ إلى
اللَّه عزَّ وجلَّ).
وعن مسروق قالَ: ((كفى بالمرء علمًا أن يخشى اللَّهَ عزَّ وجلَّ وكفى بالمرءِ
جَهْلاً أنْ يُعجبَ بعلمه)).
وعن ابنِ عمرَ اتِوَّ﴾ قال: ((لا يكونُ الرجلُ عالماً حتَّى لا يحسدَ من فوقَهُ
ولا يحقرَ من دونَهُ، ولا يبتغي بعلمِهِ ثمنًا»، وعن أبي حازمٍ نحوه.
منه قولُ الحسنِ: ((إنما الفقيهُ الزاهدُ في الدُّنيا، الراغبُ في الآخرةِ، البصيرُ
بدينِهِ، المداومُ على عبادةِ ربِّه)).
وعن عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ سألَ عبدَ اللهِ بنَ سلامٍ: ((مَنْ
أربابُ العلمِ؟ قال: الذين يعملونَ بما يعلمُونَ)).
وقال رجلٌ للشعبيِّ: أفتني أيها العالم فقال: ((إنما العالمُ من يخافُ اللَّه)).
وعن الربيعِ بنِ أنس عن بعضِ أصحابِهِ قال: («علامةُ العلم: خشيةُ اللَّه
عزَّ وجلّ).