Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ سورة المؤمنون كان ذو النون - رحمه اللَّهُ تعالى - يقولُ في وصفِ العُبَّاد: لو رأيتَ أحدَهُم وقد قامَ إلى صلاتهِ فلمَّا وقفَ في محرابِهِ واستفتحَ كلامَ سيِّده، خطرَ على قلبهِ أنَّ ذلكَ المقامَ هو المقامُ الذي يقومُ الناسُ فيه لربِّ العالمينَ، فانخلعَ قلبه وذهلَ لبُّه. خرَّجه أبو نعيم - رحمه اللّه تعالى(١). ومن ذلكَ: إقبالُه على اللَّه عز وجل، وعدمُ التفاتهِ إلى غيرِهِ، وهو نوعان : أحدهما: عدمُ التفاتِ قلبهِ إلى غيرِ منْ هو مناجٍ لهُ، وتفريغُ القلب للربِّ عزَّ وجل. وفي ((صحيح مسلمٍ))(٢) عن عمرٍو بن عبسةَ ◌ِّتُه عن النَّبِيِّ بَلَ أنه ذكرَ فضلَ الوضوءِ وثوابَه، ثم قالَ: «فإنْ هو قامَ فصلَّى فحمدَ اللَّهَ وأثنى عليه ومجدَه بالذي هو أهلُهُ، وفرَّغَ قلبَهَ للَّهِ، إلا انصرفَ من خطيئتهِ كيوم ولدته أمُّه)). والثاني: عدمُ الالتفاتِ بالبصرِ يمينًا وشمالاً، وقَصرُ النظرِ على موضعِ السجودِ، وهو من لوازمِ الخشوعِ للقلبِ وعدمِ التفاتهِ، ولهذا رأى بعضُ السَّلْف مصليًا يعبثُ في صلاتهِ فقالَ: لو خشعَ قلبُ هذا لخشعتْ جوارحُه، وقد سبق ذكره. وخرَّج الطبرانيُّ(٣) من حديثِ ابنِ سيرينَ عن أبي هريرةَ بِثََّه قال: ((كان النبيُّ ◌َلَهَ، يلتفتُ في الصلاةِ عن يمينه وعن يسارِهِ، ثُمَّ أنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿قَدْ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢] فخشعَ رسولُ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ اللَّهِ وَلَّهِ فلم يكنْ يلتفتُ يمنةً ولا يسرةً» . (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٣٩/٩ - ٣٤٠)، وهو جزء من أثر طويل. (٢) مسلم (٢٠٨/٢)، وأحمد في («المسند» (١١١/٤، ١١٢)، والنسائي (٩١/١، ٩٢). (٣) الطبراني في «الأوسط)) (٤٠٨٢). ٢٢ سورة المؤمنون ورواه غيرُه عن ابن سيرينَ - رحمه اللّه تعالى - مرسلاً، وهو أصحٌ(١) وخرَّجَ ابنُ ماجه(٢) من حديثٍ أمِّ سلمةَ أمِّ المؤمنين ◌ِئها قالتْ: كان الناسُ في عهد النبيِّ وَّ إذا قامَ أحدُهم يصلِّي لم يعدُ بصرُه موضعَ قدميه، فتوِّي النبيِّ نَّهِ، فكانَ الناسُ إذا قامَ أحدُهم إلى الصلاةِ لم يعدُ بصرهُ موضعَ جبهتهِ، فتوفي أبو بكرٍ، فكانَ عمرُ فِيَُّه، فكانَ الناسُ إذا قام أحدُهم يصلِّي لم يَعْدُ بَصَر أحدِهِم موضع القبْلةِ، وكان عثمانُ بنُ عفانَ فِوَتَه، فكانت الفتنةُ، فتلفتَ الناسُ يمينًا وشمالاً)) . وفي ((صحيح البخاري))(٣) عن عائشةَ فُِّه): سألتُ النبيَّ نَّهَ عنِ الالتفاتِ في الصلاة فقال: «هو اختلاسٌ يختلسُهُ الشيطانُ من صلاة العبدِ». وخرّج الإمام أحمد - رحمه اللَّه تعالى - وأبو داودَ والنسائيّ(2) (٤) من حديث أبي ذرِّ ◌ِالَّتُه عن النبيِّمَ قال: ((لا يزالُ اللَّهُ مقبلاً على العبد في صلاتهِ، ما لم يلتفتْ، فإذا التفتَ انصرفَ عنهُ)). وخرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ(٥) من حديثِ الحارثِ الأشعريِّ عن النبيِّ وَ لَهُ: ((إنَّاللَّهَ أمرَ يحيى بن زكريا بخمس كلماتٍ أن يعملَ بهنَّ، ويأمرَ بني إسرائيل أن يعملوا بهنَّ) فذكر منها: ((وآمرُكُم بالصلاة، فإنَّ اللَّه ينصبُ وجههُ لوجه عبده ما لم يلتفتْ، فإذا صليتُم فلا تلتفتُوا)). (١) أخرجه: أبو داود في ((المراسيل)) (ص ٨) عن ابن سيرين مرسلاً. (٢) أخرجه: ابن ماجه (١٦٣٤). (٣) البخاري (١٩١/١). (٤) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (١٧٢/٥)، وأبو داود (٩٠٩)، والنسائي (٨/٣). (٥) أخرجه: أحمد في «المسند)» (٤/ ١٣٠، ٢٠٢)، والترمذي (٢٨٦٣)، وابن حبان (٦٢٣٣). ٢٣ سورة المؤمنون وفي المعنى أحاديثُ أُخَرُ متعدِّدةٌ. وقال عطاءٌ: سمعتُ أبا هريرة يقول: ((إذا صلَّى أحدكُم فلا يلتفتُ؛ فإنه يناجِي ربَّه، إنَّ ربَّه أمامه، وإنه يناجيه فلا يلتفتُ)(١). قال عطاءٌ - رحمه الله تعالى -: وبلغنا أن الربَّ عز وجل يقولُ: ((يا ابنَ آدمَ، إلى مَنْ تلتفت؟ أنا خيرٌ لكَ ممَّن تلتفتَ إليه)). وخرَّجه البزَّارُ (٢) وغيرُه مرفوعًا، والموقوفُ أصحُ(٣) . وقال أبو عمران الجونيُّ - رحمه اللَّه تعالى -: أَوحى اللَّهُ عز وجلَّ إلى موسى - عليه السلامُ - يا موسى، إذا قمتَ بين يديَّ فقمْ مقامَ العبدِ الحقيرِ الذليلِ، وذُمَّ نفسَكَ، فهي أَوْلَى بالذمِّ، وناجِني بقلبٍ وجلٍ ولسانٍ صادقٍ . ومن ذلك: الركوعُ، وهو ذلُّ بظاهرِ الجسدِ . ولهذا كانت العربُ تأنَفُ منهُ ولا تفعلهُ حتى بايعَ بعضُهم النبيِّ بَُّلّ على أن لا يخرَّ إلا قائمًا (٤) يعني: أن يسجدَ من غيرِ ركوعٍ. كذا فسره الإمامُ أحمدُ - رحمه اللَّه تعالى - والمحققونَ من العلماءِ. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، وتمامُ الخضوعِ في الركوعِ: أن يخضعَ القلبُ للَّهِ ويذلَ له، فيتمُّ بذلكَ خضوعُ العبدِ بباطنهِ وظاهره لله عزَّ وجلَّ. (١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣٢٧٠). (٢) أخرجه: البزار (٥٥٣) ((كشف الأستار)). (٣) ومن الموقوف ما رواه: عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٥٥/٢ - ٢٥٦). (٤) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٤٠٢/٣) عن حكيم بن حزام بلفظ: ((بايعت رسولَ اللَّهُ وَظَلَه على أن لا أخرَّ إلا قائمًا، قال: قلتُ: يا رسول اللَّه، الرجل يسألني البيع وليس عندي، أفأبيعه؟ قال: لا تبع ما ليس عندك))، رواه النسائي (٢٠٥/٢). ٢٤ سورة المؤمنون ولهذا كان النبيّ وَُّلّ يقولُ في ركوعِهِ: ((خشع لك سمْعي وبصري ومُخِّي ءِ وعظامي وما استقلَّ به قدمي)). إشارةً إلى: أن خشوعَهُ في ركوعِهِ قد حصلَ بجميعِ جوارحِهِ ومن أعظمها القلبُ الذي هو مَلِكُ الأعضاءِ والجوارحِ فإذا خشعَ خشعتِ الجوارحُ والأعضاءُ كلُّها تبعًا لخشوعِهِ . ومن ذلك: السجودُ وهو أعظمُ ما يظهَرُ فيه ذلُّ العبد لربِّه عز وجلَّ حيثُ جعلَ العبدُ أشرفَ ما له من الأعضاء وأعزَّها عليه وأعلاها حقيقة؛ أوضعَ ما يُمكنه، فيضعُه في الترابِ مُتَعَفَّراً، ويتبعُ ذلك انكسارُ القلب وتواضعُهُ وخشوعُه لله عز وجل. ولهذا كان جزاءُ المؤمنِ إذا فعلَ ذلك أن يُقَربه اللَّهُ عز وجل إليه فإن: ((أقربَ ما يكونُ العبدُ من ربِّه وهو ساجدٌ) كما صحَّ عن النبيِّ وَلَ(١). وقال الله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: والسُّجودُ أيضًا مما كانَ يأنَفُ منه المشركونَ المستكبرونَ عَنْ عبادة اللَّه عز وجل. وكان بعضُهم يقولُ: أكرهُ أنْ أسجدَ فتعلُوني إسْتي، وكان بعضُهم يأخذُ كفَّا من حصى فيرفعُه إلى جبهتِهِ، ويكتفي بذلك عن السُّجود. وإبليسُ إنما طَردَهُ اللَّه لَّا استكبرَ عن السجودِ لمن أمَرَهُ اللَّهُ بالسجود له، ولهذا يبكي إذا سجدَ المؤمنُ ويقولُ: ((أُمرَ ابنُ آدم بالسجود ففعل فله الجنة، وأمرتُ (١) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٤٢١/٢)، ومسلم (٤٩/٢)، وأبو داود (٨٧٥)، والنسائي (٢٢٦/٢). ٢٥ سورة المؤمنون بالسُجودِ فِعصيتُ فليَ النارُ))(١) ومن تمامٍ خشوعِ العبدِ للَّهِ عزَّ وجلَّ وتواضعِه له في ركوعِهِ وسجودِهِ: أنه إذا ذلَّ لربه بالركوعِ والسجودِ وصفَ ربَّه حينئذٍ بصفاتِ العزّ والكبرياء والعظمة والعلوِّ، فكأنه يقولُ: الذلُّ والتواضعُ وصفي، والعلوُّ والعظمةُ والكبرياءُ وصفُكَ، فلهذا شُرع للعبدِ في ركوعِهِ أن يقولَ: ((سبحان ربي العظيم»، وفي سجودِهِ: ((سبحان ربي الأعلى)) (٢). وكانَ النبيِّ نَ ◌ّ أحيانًا يقولُ في سجودِهِ: ((سُبحان ذي الملكوت والجبروت والكبرياءِ والعظمةِ»(٣). ورُوي عنه وَِّ أنه قالَ ليلة في سجودِهِ: ((أقولُ كما قالَ أخي داودُ - عليه السلامُ: أُعَفِّر وجهِي في الترابِ لسيِّدي، وحُقَّ لسيدي أن تُعَفَّر الوجوهُ لوجهه)). قال الحسنُ - رحمه اللَّه تعالى -: ((إذا قُمتَ إلى الصلاةِ فقُمْ قائِتًا كما أمركَ اللَّه، وإياكَ والسهرَ والالتفاتَ، أن ينظرَ اللَّهُ إليكَ وتنظرَ إلى غيرِهِ، وتسأل اللَّهَ الجنةَ وتعوذَ به مِنَ النارِ وقلبُك ساهِ لا تدري ما تقولُ بلسانكَ». خرَّجه محمدُ بنُ نصرِ المَرْوزيُّ - رحمه الله تعالى. ٠ وروى بإسناده عن عثمانَ بنِ أبي دَهْرَشٍ قالَ: بَلَغَني أنَّ رسولَ اللَّه صَلَّ اللَّه وَسـ (١) أخرجه: أحمد في «المسند» (٤٤٣/٢)، ومسلم (٦١/١)، وابن ماجه (١٠٥٢). (٢) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٣٨٢/٥، ٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٧)، ومسلم (١٨٦/٢)، وأبو داود (٨٧١)، وابن ماجه (٨٩٧)، (١٣٥١) مختصراً، والترمذي (٢٦٢)، (٢٦٣)، والنسائي (١٧٦/٢). (٣) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٢٤/٦) عن عوف بن مالك، وأبو داود (٨٧٣)، والنسائي (٢/ ١٩١). ٢٦ سورة المؤمنون صلَّى صلاةً جَهَر فيها بالقراءةِ فلما فرغ قال: ((هل أسْقَطْتُ من هذه السورة شيئًا؟)). قالوا: لا ندري، فقال أبيّ بن كعبٍ: نعم آيةَ كذا وكذا، فقالَ رسولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((ما بالُ أقوام، يُتْلَى عليهم كتابُ اللهِ عزَّ وجلَّ، فلا يدرونَ ما يُتلى منه ثمّاً تُركَ، هكذا خرجتْ عظمةُ اللَّهِ من قلوبٍ بني إسرائيلَ، شهدتْ أبداُهم وغابتْ قُلُوبُهُم، ولا يقبلُ اللَّهُ من عبد عملاً حتى يشهدَ بقلبه مع بدَنَه))(١) . والآثارُ في هذا المعنى كثيرةٌ جدًا. ومر عصامُ بن يوسفَ - رحمه اللّه تعالى - بحاتم الأصمِّ وهو يتكلمُ في مجلسِهِ، فقالَ: يا حاتمُ، تحسنُ تصلِّي؟ قال: نعم! قال: كيفَ تُصلي؟ قال حاتمٌ: أقوم بالأمرِ، وأمشي بالخشية، وأدخل بالنَّةِ، وأُكبِّر بالعظمة، وأقرأُ ٠٠ بالترتيلِ والتفكرِ، وأركعُ بالخشوعِ، وأسجدُ بالتواضعِ، وأجلسُ للتشهد بالتمامٍ وأسلِّمُ بالسبيلِ والسُّنةِ، أسلمها بالإخلاصِ إلى اللَّه عز وجل، وأرجع على نفسِي بالخوفِ، أخاف أن لا يُقبلَ منِّي، وأحفظُهُ بالجهدِ إلى الموتِ، قال: تكلّم؛ فأنت تحسنُ تصلِّي (٢). ومن أنواعِ العباداتِ التَّي يظهرُ فيها الذلُّ والخضوعُ للَّهِ عز وجلَّ: الدعاءُ، قالَ اللَّهُ عز وجلَّ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]. وقالَ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. فمما يظهر فيه الذلُّ من الدعاء رفعُ الیدینِ . ٠ (١) أخرجه: ابن نصر في ((قيام الليل)) (١٥٧). (٢) ((الحلية)) (٧٤/٨ - ٧٥). ٢٧ سورة المؤمنون وقد صحَّ عن النبيِّ وَّأنه رفعَ يديهِ في الدعاءِ في مواطنَ كثيرةٍ وأعظمُهَا: في الاستسقاءِ؛ فإنه كانَ يرفعُ فيه يديهِ حتَّى يُرى بياضُ إبطيه(١)، وكذلك كان يجتهدُ في الرفعِ عشية عرفةَ بعرفةَ. وخرَّج الطبرانيّ(٢) - رحمه اللّه تعالى - من حديث ابنِ عباسٍ ثُّها قالَ: ((رأيتُ رسولَ اللَّهُ وَ لّهِ يدعُو بعرفةَ ويداهُ إلى صدرِهِ كاستطعامِ المسكينِ)). وقد كان بعضُ الخائفينَ يجلسُ بالليلِ ساكنًا مُطْرِقًا برأسه، ويمدَّ يديه كحال السائلِ، وهذا من أبلغٍ صفاتِ الذلِّ وإظهارِ المسكنةِ والافتقارِ . ومن ذلك أيضًا افتقارُ القلبِ في الدعاءِ وانكسارِهِ للَّه عز وجل واستشعاره شدةُ الفاقَةِ إليه والحاجةِ. وعلى قَدرِ هذه الحرقةِ والفَافةِ تكونُ إجابةُ الدعاءِ . وفي ((المسندِ)) والترمذي(٣) عن النبيِّ،وَلَّ قال: ((إن الله لا يستجيبُ دُعاءً من قلبٍ غافلٍ لاِ). ومن ذلكَ: إظهارُ الذلِّ باللسانِ في نفسِ السؤالِ والدعاءِ والإلحاحِ فيه. قال الأوزاعيُّ - رحمه اللَّه تعالى -: كان يُقال: ((أفضلُ الدعاءِ الإلحاحُ على اللَّهِ والتضرعُ إليه)). وفي الطبراني(٤) عن ابنِ عباسٍ بِّها أن النبيِّ وَلَّ دعا يوْمَ عرفةَ فقالَ: ((اللهمّ إنَّك ترى مكاني وتسمعُ كلامِي ولا يخْفَى عليكَ شيءٌ من أمَرِي، أنا البائسُ (١) أخرجه: البخاري في ((الصحيح)) (٣٩/٢ - ٤٠)، ومسلم (٢٤/٢). (٢) أخرجه: الطبراني في ((الأوسط)) (٢٨٩٢). (٣) أحمد في «المسند» (١٧٧/٢)، والترمذي (٣٤٧٩). (٤) الطبراني في ((الصغير)) (٢٤٧/١). ٢٨ سورة المؤمنون الفقيرُ المستغيثُ المستجيرُ الوجلُ المُشْفقُ المُقرُّ المعترفُ بذنبه، أسألكَ مسألةَ المسكين وأبتهلُ إليكَ ابتهالَ المُذنب الذليل، وأدعوكَ دعاءَ الخائف الضرير، ومن خضعَتْ لك رقبتُهُ، وذلَّ لك جسدُهُ، ورغمَ لك أنفُهُ، وفاضتْ لك عيناه. اللهم لا تجعلُني بدعائكَ شقيًّا، وكنْ بي بارًّاً رؤوفًا رحيمًا، يا خيرَ المسئولينَ، ويا خيرَ المُعطِينَ)). وكان بعضُهم يقولُ في دعائِهِ: بعزِّكُ وذُلِّي وغِناكَ وفَقْري. وقال طاوسٌ - رحمه اللَّه تعالى -: دخلَ عليٌّ بْنُ الحسينِ - رحمه الله تعالى - ذاتَ ليلةٍ الحجرَ يصلِّي، فسمعتُهُ يقولُ في سجوده: عُبِيدُكَ بفنائكَ، مُسيكينُكَ بفنائك، فقيرُكَ بفنائك، سائلُك بفنائك، قال طاوس: فحفظتُهنَّ، فما دعوتُ بهِنَّ في كَرْبٍ إلا فُرِّجَ عنّي. خرَّجه ابنُ أبي الدُّنْيَا. وروى ابنُ باكَوَيْهِ الصوفِيُّ - رحمه اللَّه تعالى - بإسنادٍ له: أنَّ بعضَ العُبَّادِ حجَّ ثمانينَ حَجَّةً على قدَميِهِ، فبينما هو في الطوافِ وهو يقولُ: يا حبيبي، وإذا بهاتفٍ يهتفُ به: ليس ترضى أن تكون مسكينًا حتَّى تكونَ حبيبًا. قال: فغُشي عليَّ، ثم كنتُ بعد ذلك أقولُ: مسكينُكَ مسكينُكَ، وأنا تائبٌ عن قول: حبيبي(١) . قوله تعالى: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ كان السَّلْفُ الصَّالِحِ يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه، ثم يهتمُّون بعد ذلكَ بقبوله، ويخافونَ من رَدِّ، وهؤلاء الذينَ ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] رُويَ عن عليٍّ ◌ِّهِ قالَ: كونُوا لقبول العمل أشدَّ اهتمامًا (١) ((الذل والانكسار)) (٣١ - ٧٥). ٢٩ سورة المؤمنون منكمُ بالعمل، ألم تسمعُوا اللَّهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ من الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]؟ وعن فضالةَ بنِ عبيدٍ قالَ: لأن أكونَ أعلمُ أنَّ اللَّهَ قد تقبلَ منِّي مثقالَ حبة من خردل أحبَّ إليَّ من الدنيا وما فيها؛ لأنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿إِنَّمَا ے يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: وقال ابنُ دينارِ: الخوفُ على العملِ أن لا يتقبَّلَ أشدّ من العمل. وقال عطاءٌ السُّليميُّ: الحذرُ: الاتقاءُ على العملِ أن لا يكونَ للّهِ . وقالَ عبدُ العزيزِ بنُ أبي روَّاد: أدركتُهم يجتهدونَ في العملِ الصالحِ، فإذا فعلوه وقع عليهم الهمّ، أيقبلُ منهُم أم لا؟ قال بعضُ السَّلْف: كانوا يدعُون اللَّهَ سنَّةً أشهرِ أن يبلِّغهم شهرَ رمضانَ، ثم يدعونَ اللَّهَ ستَّةَ أشهرٍ أن يتقبَّلَهُ منهُم . خرجَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ - رحمهُ اللهُ - في يومِ عيدِ فطرٍ، فقالَ في خطبته: أيُّها الناسُ؛ إنَّكم صُمتم للَّهِ ثلاثين يومًا، وقُمتُم ثلاثين ليلةً، وخرجتُم اليومَ تطلبون من الله أن يتقبَّل منكم. كانَ بعضُ السَّلْف يظهرُ عليه الحزنُ يومَ عيدِ الفطر، فيقالُ له: إنَّه يومُ فرحٍ وسرور، فيقولُ: صدقتُم، ولكنِّي عبدٌ أمرِنِي مولاي أن أعملَ له عملاً، فلا أدري أيقبلُه منِّي أم لا؟ رأى وُهيبُ بنُ الورد قومًا يضحكونَ في يومٍ عيدٍ، فقالَ: إن كانَ هؤلاء تُقُبِّلَ منهم صيامُهم فما هذا فعلُ الشاكرينَ، وإن كانُوا لم يُتقبَّلْ منهم صيامهُم فما هذا فعلُ الخائفينَ. وعن الحسنِ قالَ: إنَّ اللَّه جعلَ شهرَ رمضانَ مضمارًا لخلقه يَسْتَبِقُون فيه بطاعتهِ إلى مرضَاتِهِ، فسبق قومٌ ففازُوا، وتخلَّف آخرونَ فخابُوا. فالعجَب من ٣٠ سورة المؤمنون اللاعِبِ الضَّاحِكِ في اليومِ الذي يفوزُ فيه المحسنونَ ويخسرُ فيه المبطلُونَ. لعلك غَضْبانُ وقلبي غافِلٌ سلامٌ على الدَّارَيْنِ إن كنتَ راضيًا رُويَ عن عليٍّ ◌ِّهِ أَنَّه كانَ ينادي في آخرٍ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ: ياليتَ شِعْرِي! مَن هذا المقبولُ فنهنِّيه؟ ومَن هذا المحرومُ فنُعَزِِّه؟ وعن ابنِ مسعودٍ أَنَّه كانَ يقولُ: مَن هذا المقبُولُ منَّا فنُهِنِّيه؟ ومَن هذا المحرومُ منَّا فنعزِِّه؟ أيُّها المقبولُ هنيئًا لكَ، أيُّها المردودُ جبرَ اللَّه مُصيبتك. ليتَ شِعْرِي مَنْ فيه يُقْبَلُ مِنَّا فيُهَنَّا يا خيبةَ المَرْدُودِ مَنْ تولَّى عنهُ بغيْرٍ قَبُولِ أَرْغَمَ اللَّهُ أنْفَهُ بِخِزىٍ شَديدِ(١) / ٩٥ وٌ ٥ قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجَا فَخَرَاجٌ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ في معنى الخراج قال بعضهم: هو المال الذي يجبى ويؤتى به لأوقات محدودة، ذكره ابن عطية قال: وقال الأصمعي: الخراج الجُعْل مرة واحدة، والخراج: ما ردد لأوقات ما، قال ابن عطية: هذا فرقٌ استعماليَ وإلا فَهُمَا في اللغة بمعنىّ. وقد ورد في كتاب الله ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبّكَ خَيْرٌ﴾ [المؤمنون: ٧٢] هذه قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم، وقرأ حمزة والكسائي ﴿أم تسألهم خراجا فخراج ربك خير﴾ وقرأ ابن عامر ﴿خرجا﴾ في الموضعين وقال تعالى في قصة ذي القرنين ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجَا﴾ [الكهف: ٩٤]، وقرئ ﴿ خراجا﴾ أيضًا. (١) ((لطائف المعارف)) (٣٧٤ - ٣٧٧). ٣١ سورة المؤمنون قال ابن عباس ◌ِرَته: ﴿خَرْجًا﴾ يعني: أجرًا، وقال أبو عبيد: الخراج في كلام العرب إنما هو الغلة، ألا تراهم يُسَمُّونَ غَلَةَ الأرضِ والدارَ والمملوكَ خراجًا؟ ومنه حديث النبي رَّ ((أنه قضي بالخراج بالضمان))، (١) وحديث: (٢) ((أن النبي (وَلّ لما حجمه أبو طيبة كلَّم أهله فوضعوا عنه من خراجه)) فسمى الغلة: خراجًا، وقال الأزهري: الخراج: اسم لما يخرج من الفرائض في الأموال، ويقع على القرية وعلى مال الفيء، ويقع على الجزية وعلى الغلة، والخراج المصدر. انتهى. والجزية تسمى خراجًا، وقد كتب النبي ◌َّ إلى قيصر كتابًا مع دِحْيَةَ يُخَيِّرَهُ بين إحدى ثلاث، منها: ((أن يقرّ له بخراج يجري عليه)) والحديث في مسند الإمام أحمد وغيره. قوله تعالى: ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىْ يَوْمٍ يَبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]. قال مجاهدٌ: البرزخُ: الحاجزُ بين الموتِ والرجوعِ إلى الدنيا، وعنه قالَ: هو ما بينَ الموتِ إلى البعثِ . قال الحسنُ: هي هذه القبورُ التي بينَكُم وبين الآخرةِ. وعنه قالَ: هي هذِهِ القبورُ التي تركضونَ عليها، لا يسمعونَ الصوتَ. وقال عطاءٌ الخراسانيُّ: البرزخُ: مدةُ ما بينَ الدُّنيا والآخرة. (١) أخرجه: أحمد (٤٩/٦ - ١٦١ - ٢٠٨ - ٢٣٧)، وأبو داود (٣٥٠٨ - ٣٥١٠)، والترمذي (١٢٨٦)، والنسائي (٢٥٤/٧) من حديث عائشة ضِ ها. (٢) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٣٥٣/٣) من حديث جابر بن عبد اللَّه فِوشه. ٣٢ سورة المؤمنون وصلَّى أبو أمامة الباهليُّ على جنازة فلمَّا وُضِعتْ في لحدها، قال أبو أمامةَ: هذا برزخٌ إلى يومٍ يبعثونَ. وقيل للشعبيِّ: ماتَ فلان، قال: ليسَ هو في الدُّنْيا ولا في الآخرةِ، هو في البرزخِ. وسمعَ رجلاً يقولُ: ماتَ فلانٌ أصبحَ من أهلِ الآخرةِ. قال: لا تقلْ: من أهلِ الآخرةِ، ولكنْ قل: من أهلِ القبورِ(١). قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾ قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]. و روى دراجُ عن أبي الهيثمٍ، عن أبي سعيدٍ عن النبيِّ صلى اللَّه عليه وآله وسلم قالَ: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] قالَ: (تَشْويه النارُ، فتقلصُ شفتُهُ العليا حتَّى تبلغَ وسطَ رأسهِ وتسترخي شفته السفلَى حتى تضربَ سرَّتَهُ). خرجه الإمام أحمدُ والترمذيُّ والحاكمُ(٢) وقالا: صحيحٌ. وعن ابن مسعودٍ أنه قالَ في قولِه: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] قال: كَكُلُوحِ الرأسِ النضيجِ، وعنه: كَكُلُوحِ الرأسِ المشيطِ بالنارِ -، قد بدتْ أسنانهم وتقلصتْ شفاهُهُم. وعنه قالَ: ألم ترَ إلى الرأسِ المشيطِ بالنارِ وقد تقلصتْ شفتاهُ وبدتْ أسنانُه(٣) . وخرجَ الخلالُ في كتابِ ((السنةِ)) من حديثِ الحكمِ بنِ الأعرجِ عن (١) ((أهوال القبور)) (١٠). (٢) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٨٨/٣)، والترمذي (٢٥٨٧)، (٣١٧٦)، والحاكم (٣٩٥/٢). (٣) الطبري في ((التفسير)) (٥٦/١٨). ٣٣ سورة المؤمنون و و أبي هريرةَ قال: يعظمُ الرجلُ في النارِ حتى يكونَ مسيرةَ سبع ليالٍ، ضرسَهُ مثلُ أحدٍ، شفاهُهُم على صدورِهِم، مقبوحينَ يتهافتونَ في النارِ. قال أبو بكرِ بنِ عياشٍ عن محمدِ بنِ سويدٍ، كانَ لطاوس طريقانِ إذا رجعَ من المسجدِ أحدُهُما فيها روَّاسٌ، وكان يرجعُ إذا صلَّى المغربَ، فإذا أخذَ الطريقَ الذي فيه الروَّاس لم يستطعْ أن يتعشَّى، فقيلَ لهُ: فقالَ: إذا رأيتُ الرؤوسَ كالحةً لم أستطعْ آكلُ؛ قال أبو بكرٍ: فذكرتُهُ لسريع المكيِّ. فقالَ: قد رأيتُهُ يقفُ عليها . وقالَ أبو غندرِ الدمشقيُّ: كان أويسٌ إذا نظرَ إلى الرؤوسِ المشويةِ يذكرُ هذه الآية: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] فيقعُ مغشيًا عليه حتى يظنّ الناظرون إليه أنه مجنونٌ. خرجهُما ابنُ أبي الدنيا وغيرُهُ. وقال الأصمعيُّ: حدثنا الصقرُ بنُ حبيبٍ قَالَ: مرَّ ابنُ سيرين بروَّاسٍ قَد أخرجَ رأسًا فغشي عليهِ(١). (١) ((التخويف من النار)) (١٣٤ - ١٣٥). ورو ء سُورَةُ النَّور قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ من كانَ مستورًا لا يُعرفُ بشيءٍ مِنَ المعاصِي، فإذا وقعتْ منه هفوةٌ، أو زلَّةٌ، فإنَّه لا يجوزُ كشفُها ولا هتكُها، ولا التَّحدُّثُ بها، لأنَّ ذلك غيبةٌ محرَّمَةٌ، وهذا هو الذي وردتْ فيه هذه النُّصوصُ، وفي ذلكَ قد قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَّةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخرَةِ ﴾ [النور: ١٩]. والمرادُ: إشاعةُ الفاحشةِ على المؤمنِ المستترِ فيمَا وقعَ منه، أو اتَّهِمَ به وهو بريءٌ منهُ، كما في قصَّةِ الإفْكِ. قالَ بعضُ الوزراءِ الصالحِينَ لبعضٍ من يأمرُ بالمعروفِ: اجتهدْ أن تستُرَ العُصَاةَ، فإنَّ ظهورَ معاصِيهم عَيْبٌ في أهلِ الإسلامِ، وأَوْلَى الأمورِ سترُ العيوب. ومثلُ هذا لو جاءَ تائبًا نادمًا، وأقرَّ بحَدٌّ لم يفسَّرَهُ، ولم يُستفسر، بل يُؤْمَر بأنْ يرجعَ ويستُرَ نفسَهُ، كمَا أمر النبيُّ ◌َِّ ماعزًا والغامديةَ، وكما لم يستفسرِ الذي قال له: ((أَصَبْتُ حدًا فأقمه عليّ)) . ومثلُ هذا لو أُخذَ بجريمتِهِ، ولم يبلغ الإمامَ، فإنه يُشفع له حتَّى لا يبلغَ الإمام. وفي مثلهِ جاءَ الحديثُ عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ: ((أَقِيلوا ذوي الهيئاتِ عَثَراتهم)). ٣٥ سورة النور خرَّجه أبو داودَ والنسائيُّ(١) من حديث عائشةَ فِئُها(٢) قوله تعالى: ﴿فِي بَيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وقد أمر النبي رَّ ببناء المساجدِ في الدُّورِ: أن تُنْظَّفَ وتُطَيِّبَ، وسنذكرُهُ في موضعٍ آخرَ - إن شاءَ اللَّهُ. وقد فُسِّر قولُ اللَّه عزَّ وجلّ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] ببنيانها وتطهيرها وتنزيههَا عمَّا لا يليقُ بها(٣) قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ تُقْسمُوا طَاعَةٌ مَّعْروفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. قال ابن الجوزي في ((المقتبس)): سمعتُ الوزير(٤) يقول في قوله تعالى: ﴿ قُل لاَ تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْروفَةٌ﴾ [النور: ٥٣] قال: وقع لي فيها ثلاثةُ أوجه: أحدُها: أن المعنى: لا تقسموا واخرجوا من غير قسم، فيكون المحرك لكم إلى الخروج الأمر لا القسم، فإن من خرج لأجل قسمه ليس كمن خرج لأمر ربه . والثاني: أنَّ المعنى: نحن نعلم ما في قلوبكم، وهل أنتم على عزم الموافقة (١) أخرجه: أبو داود (٤٣٧٥)، وأحمد (١٨١/٦)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) (١٢ /١٧٩٥٦). (٢) ((جامع العلوم والحكم)) (٣١٤/٢). (٣) (فتح الباري)) (٣٢٦). (٤) هو: يحيى بن محمد بن هبيرة. ٣٦ سورة النور للرسول في الخروج؟ فالقسم هاهنا: إعلام منكم لنا بما في قلوبكم. وهذا يدل منكم على أنكم ما علمتم أن اللَّه يطلع على ما في القلوب. والثالث: أنكم ما أقسمتم إلا وأنتم تظنون أنا نتهمكم، ولولا أنكم في محل تهمة ما ظننتم ذلك فيكم. وبهذا المعنى وقع المتنبي فقال: * (١) وفي يمينك ما أنتَ وَاعِدُهُ ما دَلَّ أنكَ في الميعادِ متهم (١) ((طبقات الحنابلة)) (٢٦٦/٣ - ٢٦٧). سُورَةُ الفُرْقَانِ ورؤ و٥ قوله تعالى: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَثِرٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَِّعُونَ إِلَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا﴾ قال ابن الجوزيِّ في ((المقتبس)): سمعتُ الوزير (١) يقولُ في قولِه تعالى: ﴿ أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [الفرقان: ٨] قال: العجبُ كلُّ العجبِ لجهلهِم حين أرادُوا أن يُلقى إليه كنزٌ أَوْ تَكُونَ لَهُ جنةٌ. ولو فهموا علموا أن كلّ الكنوزَ له وجميعَ الدنيا مِلْكُهُ. أو ليس قد قهرَ أرباب الكنوز، وحكم في جميع الملوك؟ وكان من تمام معجزته أن الأموال لم تفتح عليه في زمنه؛ لئلا يقول قائلٌ: قد جرت العادة بأن إقامة الدول، وقهرَ الأعداءِ بِكَثْرةِ الأَمْوَالِ، فتمت المعجزةُ بالغلبة والقهرِ مِنْ غَيْرِ مالٍ، ولا كَثْرةِ أَعوانٍ، ثم فتحت الدنيا على أصحابِهِ، ففرقُوا ما جمعهُ الملوكُ بالشَّرَهِ، فأخرجوه فيما خلق له، لم يمسكوه إمساك الكافرين، ليعلموا الناسَ بإخراجِ ذلك المالِ: أنَّ لنا دارًا سوى هذه، ومقرًّا غير هذا. وكان من تمام المعجزات النبيِّ وَّ: أنه لما جاءهم بالهدى فَلَمْ يقبلْ، سلَّ السيفَ على الجاحدِ، ليعلمهُ أن الذي ابتعثني قاهرٌ بالسيفِ بعد القهر بالحجج. ومما يقوي صدقَهُ أنَّ قيصرَ وكِبارَ الملوكِ لَم يوفقوا للإيمانِ به؛ لئلا (١) هو: يحيى بن محمد بن هبيرة. ٣٨ سورة الفرقان يقولَ قائلٌ: إنما ظهرَ لأنَّ فلانًا الملكَ تعصبَ له فتقوَّى به، فبانَ أن أمرَهُ من السماءِ لا بنصرةِ أهلِ الأرضِ (١). قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا: ﴿1﴾ إِذا وَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُظًّا وَزَفِيرًا﴾ 00 لا قالَ اللَّهُ تعالىَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّ الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ، يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢,١٠١]، وقال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ﴿١١: إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢,١١]، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿ إِذَا أَلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا ﴾ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٦، ٨] والشهيق الصوت لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ الذي يخرج من الجوف بشدة كصوتِ الحمارِ، قالَ الربيعُ بنُ أنسٍ : الشهيقُ في الصدرِ، وقالَ مجاهدٌ في قولهِ: ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] قال: تغلي بهم كما يغلي القدرُ، وقالَ ابنُ عباسٍ: تميزُ: تفرقُ، وعنه قال: يكادُ يفارقُ بعضُها بعضًا وتتفطرُ، وعن الضحاكِ: تميزُ. وقال ابنُ زيد: التميزُ: التفرقُ من شدةٍ الغيظِ على أهلِ معاصِي اللَّهِ عزَّ وجلَّ، غضبًا له عزَّ وجل وانتقامًا له. وخرج ابنُ أبي حاتمٍ من حديثِ خالدِ بنِ دريكِ عن رجلٍ من الصحابةِ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ وَجله: ((من تقوَّلُ عَلَيَّ ما لم أقل فليتبوء بين عيني جهنمَ مقعدً)) قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، وهل لها عينانٍ؟ قال: ((نعم، أو لم تسمع قول اللَّه عزَّ وجلَّ: (١) ((طبقات الحنابلة)) (٢٦٧/٣). ٣٩ سورة الفرقان ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]). وروى أبو يحيى القتاتُ عن مجاهدٍ عن ابنِ عباسٍ قالَ: إن العبدَ ليجرُّ إلى النارِ، فتشهقُ إليه شهقةَ البغلةِ إلى الشعير، ثم تزفرُ زفرةً لا يبقى أحدٌ إلا خافَ. خرجهُ ابنُ أبي حاتمٍ . وقال كعبٌ: ما خلقَ اللَّهُ من شيءٍ، إلا وهوَ يسمعُ زفيرَ جهنّم غدوةً وعشيةً، إلا الثقلينِ اللذينِ عليهما الحسابُ والعذابُ. خرجه الجوزجانيّ. ءُ وفي ((كتابِ الزهدِ))(١) لهنادِ بنِ السريِّ عن مغيثِ بنِ سمي، قالَ: إنَّ لجهنمَ كلَّ يومٍ زفرتين يسمعُهما كلّ شيءٍ، إلا الثقلينِ اللذينِ عليهما الحسابُ والعذابُ. وعن الضحاكِ قالَ: إن لجهنَّمَ زفرةٌ يومَ القيامةِ لا يبقى ملكٌ مقربٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ إلا خرَّ ساجدًا يقولُ: ربِّ نفسي نفسِي(٢). وعن عبيدِ بنِ عميرٍ قالَ: تزفرُ جهنمُ زفرةً لا يبقى ملكٌ ولا نبيٌّ إلا وقعَ لركبتيه، ترعدُ فرائسُهُ يقولُ: ربِّ نفسي نفسي(٣). وروى ابنُ أبي الدُّنْيا وغيرُه عن الضحاكِ قالَ: ينزلُ الملكُ الأعلَى في بهائِهِ وملكِهِ، مجنبته اليسرى جهنمُ، فيسمعونَ شهيقها وزفيرهَا فيندُّون(٤). وعن وهبِ بنِ مُنَبِّه قالَ: إذا سيرتِ الجبالُ فسمعتْ حسيسَ النارِ وتغيظَها وزفيرَها وشهيقَها، صرختِ الجبالُ كما تصرخُ النساءُ، ثم يرجعُ أوائلُها على أواخرِهَا، يدقُّ بعضُها بعضًا. خرجهُ الإمامُ أحمدَ. (١) أخرجه: هناد بن السّريِّ في ((الزهد)) (٢٥٣). (٢) السابق (٢٥٤). (٣) السابق (٢٥٥). (٤) ندَّ البعيرُ: نَفَرَ وشَرَد. ٤٠ سورة الفرقان وفي ((تفسيرِ آدمَ بنِ أبي إياسٍ)) عن محمدِ بنِ الفضلِ عن عليٍّ بنِ زيدٍ بن جدعان، عن أبي الضّحى، عن ابنِ عباسٍ قالَ: تزفرُ جهنمُ زفرةً، لا يَبْقَى ملكٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ إلا جثا على ركبتيهِ حولَ جهنّم، فتطيشُ عقولُهُم فيقولُ اللَّهُ عز وجلَّ: ماذا أجبتُمُ المرسلينَ؟ قالُوا: لا علمَ لنا، ثم تُردُّ عليهم عقولُهم فينطقونَ بحجتِهِم وينطقونَ بعذرِهِم. محمدُ بنُ الفضلِ هو ابنُ عطيةَ متروكٌ. قال آدمُ: وحدثنا أبو صفوانَ عن عاصمٍ بنِ سليمانَ الكوزيُّ عن ابنِ جریجٍ عن عطاءٍ عن ابنِ عباسٍ ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّنِ مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [ الفرقان: ١٢] المكانُ البعيدُ، مسيرة مائة عامٍ، وذلكَ أنه إذا أُتَيَ بجهنّمَ تقادُ بسبعينَ ألف زمامٍ يشدُّ بكلِّ زمامٍ سبعونَ ألفَ ملكٍ، ولو تركتْ لأتتْ على كُلِّ برٍ وفاجرٍ، ثم تزفرُ زفرةً لا يبقى قطرةٌ من دمع إلا بدرت، ثم تزفرُ الثانيةُ فَتَنْقَطِعُ القلوبُ من أماكنها تبلغُ اللهواتِ والحناجرَ وهو قولُه: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]. وعاصم الكوزيُّ ضعيفٌ جدًّا. وقال الليثُ بنُ سعدٍ عن عبيدِ اللهِ بن أبي جعفر: إنَّ جهنّم لتزفرُ زفرةً تنشقُّ منها قلوبُ الظلمةِ، ثم تزفرُ أخرى فيطيرونَ في الأرضِ حتى يقعُوا على رؤوسِهِم. خرجهُ عبدُ اللَّهِ ابنُ الإمامِ أحمدَ. ورَوَى أسدُ بنُ موسى عن إبراهيمَ بنِ محمدٍ عن صفوانَ بنِ سليمٍ عن عطاءِ بنِ يسارٍ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو بن العاصِ - مثلَه. وخرجَ أبو نعيم وغيرُهُ من روايةِ عبدِ الرحمنِ بنِ حاطبٍ، قالَ: قالَ عمرُ مِثُه لكعبِ: خَوِّفْنَا، قالَ: والذي نفسي بيده؛ إن النارَ لتقربُ يومَ القيامةِ لها زفيرٌ وشهيقٌ، حتى إذا دنتْ وقربتْ زفرت زفرةً، ما خلقَ اللَّهُ من نبيِّ ولا