Indexed OCR Text

Pages 701-720

٧٠١
سورة الأنبياء
أنَّ دونَ غدِ الليلةَ لما حدَّثْه به من الحديثِ الذي لا يحتملُ غيرَ الحقِّ والصدقِ.
وقد كانتِ الصحابةُ تعرفُ في زمانِ عُمَرَ أنَّ بقاءَ عُمَرَ أمانٌ للناسِ من
الفتن .
وفي ((مسندِ الإمامِ أحمدَ)(١) أنَّ خالدَ بنَ الوليدِ لَّا عزَلَه عُمَرُ، قالَ لهُ
رجلٌ: اصبرْ أيها الأميرُ، فإنَّ الفتنَ قد ظهرتْ، فقال خالدٌ: وابنُ الخطّاب
حيٌّ، إنَّما يكون بعدَهُ فَِه.
وقد رُويَ من حديث عثمانَ بن مَظْعونٍ، أنَّ النبيَّ وَِّ سمَّى عمر: غلق
الفتنة وقال: ((لا يزال بينكم وبينَ الفتنةِ بابٌ شديدُ الغلقِ ما عاشَ هذا بين أظهركم)).
خرَّجه البزار(٢).
ورُوي نحوه من حديث أبي ذر(٣).
ورَوَى كعبٌ، أنه قال لعمرَ: أجدُكَ مِصْراعَ الفتنةِ، فإذا فُتح لم يغلق
أبدًا (٤) .
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم
بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ
فأمَّا خشية الله في الغيبِ والشهادةِ فالمعنيّ بهما: أن العبدَ يخْشَى اللَّه سرًّاً
وعلانيةً وظاهرًا وباطنًا، فإنَّ أكثر الناسِ يرى أنه يخشَى اللَّهَ في العلانيةِ وفي
(١) أحمد (٤/ ٩٠).
(٢) (٢٥٠٦) ((كشف الأستار)).
(٣) أخرجه: الطبراني في ((الأوسط)) (١٩٤٥).
(٤) ((فتح الباري)) (٣٤/٣ - ٣٧).

٧٠٢
سورة الأنبياء
الشهادة، ولكن الشأنَ في خشية الله في الغيبِ إذا غابَ عن أعينِ الناسِ،
وقد مدحَ اللَّهُ من يخافُهُ بالغيبِ قالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ
السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩]، وقال: ﴿مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِبٍ﴾
[ق: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿لَيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤] وقال: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [الملك: ١٢].
وقد فُسِّرِ الغيبُ في هذه الآياتِ بالدنيا لأن أهلها في غيبٍ عمَّا وعِدُوا به
في الآخرة، وأما في هذا الحديثِ فلا يتأتَّى ذلكَ، كما ترى لمقابلتِهِ بالشهادةِ،
كان بعضُ السلفِ يقول لإخوانِهِ: زهدنا اللَّهُ وإيَّكُم في الحرامِ زهادةَ من قدرَ
عليهِ في الخلوةِ فعلِمَ أنَّ اللَّهَ يراهُ فتركَهُ.
ومن هذا قول بعضهم: ليسَ الخائفُ من بَكَى وعصر عينيه، إنَّما الخائفُ
من تركَ ما اشتَهى من الحرامِ إذا قدرَ عليه، ومن هنا عَظُمَ ثوابُ من أطاعَ
اللَّهَ، سرًّا بينه وبينه، ومن تركَ المحرماتِ التي يقدرُ عليها سرًّا.
فأمَّا الأولُ فمثلُ قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ إلى قولهِ:
ـدة: ١٦، ١٧] قال بعضُ السلفِ:
﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾
أخفوا للَّهِ العملَ فأخفى لهم الأجر.
وفي حديثِ السبعةِ الذين يظلهم اللَّهُ في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه، ((رجلٌ
ذكر اللَّهَ خاليًا ففاضتْ عيناه، ورجلٌ تصدَّقَ بصدقة، حتى لا تعلمَ شمالُهُ ما تنفق
يمِينُ))(١).
وفي الحديثِ: ((إذا صلَّى العبدُ في العلانية فأحسنَ وصلَّى في السرِّ فأحسنَ، قال
(١) البخاري (١٣٨/٢)، مسلم (٩٣/٢).

٧٠٣
سورة الأنبياء
اللَّهُ: هذا عبدي حقا)).
وفي حديث آخرَ: ((من أحسن صلاتَهُ حيثُ يراهُ الناسُ وأساءها حيثُ لا يراه أحدٌ
فتلك استهانةٌ يستهينُ العبدُ بها ربَّه))(١) .
وأما الثاني: فمثلُ قولِهِ نَّه في السبعةِ الذينَ يظلُّهم اللَّهُ في ظلّه يوم لا
ظلَّ إلا ظلُّه ((ورجلٌ دعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ حسنٍ وجمال فقال: إنِّي أخافُ اللَّهَ ربَّ
العالمين)). ومثلُ الحديث الذي جاء فيمن أدَّى دَينًا خفيًا أنه يخيَّرُ في أي الحورِ
العينِ شاء، والموجب لخشيةِ اللَّه في السر والعلانية أمورٌ.
منها: قوةُ الإيمانِ بوعدِهِ ووعيدِهِ على المعاصِي.
ومنها: النظرُ في شدَّةِ بطشِهِ وانتقامِهِ وقوتِهِ وقهرِهِ، وذلك يوجبُ للعبد
تركَ التعرضِ لمخالفتِهِ، كما قال الحسنُ: ابنَ آدمَ، هل لكَ طاقةً بمحاربة اللَّه،
فإنَّ من عصَاهُ فقدْ حاربَهُ.
وقال بعضُهم: عجِبْتُ من ضعيفٍ يعصِي قويًّا.
ومنها: قوةُ المراقبة له، والعلمُ بأنَّه شاهدٌ ورقيبٌ على قلوب عباده
وأعمالِهِم وأنَّه مع عباده حيثُ كانُوا، كما دلَّ القرآنُ على ذلكَ في مواضعَ
كقولِهِ تعالى: ﴿إِلَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، وقولُهُ تعالى: ﴿ وَمَا تَكُونُ
فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ﴾ الآية [يونس: ٦١] وقولُهُ: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ
إِلَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧]، وقولُهُ تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ
مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ الآية: [النساء: ١٠٨]، وكما في الحديثِ الذي خرَّجهُ
(١) أخرجه: عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣٧٣٨)، وأبو يعلى في «مسنده)) (٥١١٧).

٧٠٤
سورة الأنبياء
الطبرانيّ: ((أفضلُ الإيمانِ: أن يعلمَ العبدُ أنَّ اللَّه معه حيثُ كان))(١) فيوجبُ ذلكَ
الحياءَ منه في السرِّ والعلانيةِ، قال بعضُهُم: خفِ اللَّهَ على قدر قدرته عليكَ،
واسْتَحِ منه على قدرِ قربِهِ منكَ.
وقال بعضُهم لمن استوصَاهُ: اتَّقِ اللَّهَ أن يكونَ أهونَ الناظرين إليكَ، وفي
هذا المعنى يقولُ بعضُهم :
يا مدمنَ الذنبِ أما تستَحِي واللَّهُ في الخلوةِ ثانيكَا
غرَّك من ربِّكَ إمهالُهُ وسترُهُ طولَ مساويكا
وفي حديثِ أبي ذرِّ ◌ِثُه عن النبيِّ وَّهِ: ((ثلاثةٌ يحبُّهم اللَّهُ: رجلٌ أتى قومًا
فسألهم باللّهِ ولم يسألُهُم لقرابة كانتْ بينه وبينَهُم، فتخلفَ رجلٌ فأعطاهُ سرًّاً، لا يعلمُ
بعطيته إلا اللَّهُ والذي أعطاهُ، وقومٌ سارُوا ليلَهُم حتى إذا كانَ النومُ أحبَّ إليهم مما يعدلُ
به، فوضَعُوا رءوسهم فقامَ رجلٌ يتملقُنِي ويتْلُو كتابي، ورجلٌ كانَ في سرية فخلفُوا
العدوَ، فهُزِمُوا، فأقبلَ بصدْرِهِ حتى يقتلَ أو يفتحَ له)(٢) .
فهؤلاء الثلاثة قد اجتمعَ لهم معاملةُ اللَّهِ سرًّا بينَهُم وبينَهُ، حيثُ غَفَل
الناسُ عنهُم، فهُوَ تعالى يحبُّ من يعامُلُهُ سرًّاً بينه وبينَهُ، حيثُ لا يعامله
حينئذ أحدٌ، ولهذا فُضِّلَ قيامُ وسطِ الليلِ على ما سواه من أوقاتِ الليلِ،
والمحبونَ يحبونَ ذلك أيضًا علمًا منهم باطلاعه عليهم ومشاهدته لهم، فهم
يكتفون بذلك لأنهم عرفوه فاكتفوا به من بين خلقه، وعاملُوه فيما بينَهُ وبينَهُم
(١) أخرجه: الطبراني في ((الأوسط)) (٨٧٩٦) عن عبادة بن الصامت بلفظ: ((إن أفضل الإيمان: أن تعلم
أن الله معك حیثما کنت».
(٢) أخرجه: الترمذي (٢٥٦٨)، والنسائي (٨٤/٥)، وأحمد (١٥٣/٥)، والحاكم (٤١٦/١)، وابن
حبان (٣٣٤٩)، (٣٣٥٠).

٧٠٥
سورة الأنبياء
معاملةَ الشاهدِ غيرَ الغائبِ، وهذا مقامُ الإحسان، قال بعض العارفين: من
عرفَ اللَّهَ اكتفى به من خلقِهِ .
وكان بعضُ المخلصينَ يقولُ: لا أعتدُّ بما ظهرَ من عملِي.
اطلعَ على بعضِ أحوالِ بعضِهِم، فدَعَى لنفسِهِ بالموت وقال: إنما كانتْ
تطيبُ الحياةُ إذا كانتِ المعاملةُ بيني وبين اللَّه سرًّا، وقيلَ لبعضهم: ألا
تستوحشُ وحدَكَ؟ قالَ: وكيفَ أستوحشُ وهو يقولُ: أنا جليسُ من ذكرني.
آنستني خلواتِي بكَ عن كلِّ أنيسي وتفردتُ فعاينتُكَ في الغيبِ جليسِي(١)
قوله تعالى: ﴿ لا يَحْزَنَهُمَ الْفَزَعَ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّهُمُ
الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾
كَمْ بَيْنَ الذينِ: ﴿لا يَحْزْنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي
كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، وبينَ الذينَ: ﴿يُدَعُونَ إِلَىْ نَارِ جَهَنَّمَ دَعَّا﴾
[الطور: ١٣]، قال: عليَّ ◌ِّه: تتلقَّاهُم الملائكةُ على أبوابِ الجنة: ﴿سَلامٌ
عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. ويلْقَى كُلُّ غلمان صاحبَهم يُطِيُفون به
فِعْلَ الوِلْدان بالحميم جاء من الغيبةِ، ويقولون: أبشِرْ فقدْ أعدَّ اللَّهُ لك من
الكرامة كذا وكذا، وينطلقُ غُلامٌ من غِلْمانِهِ إلى أزواجه من الحُور العينِ،
فيقولُ: هذا فلان - باسمه في الدنيا -، فيقلْنَ: أنتَ رأيتَه؟ فيقولُ: نعم،
فيستخفُّهُنَّ الفرحُ حتى يخرُجْنَ إلى أُسْكُفَّةِ البابِ(٢) .
(١) ((شرح حديث اللهم بعلمك الغيب)) (٢٥ - ٢٨).
(٢) ((لطائف المعارف)) (١٣٤ - ١٣٥).

٧٠٦
سورة الأنبياء
قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ
قال ابن الجوزي في ((المقتبس)): سمعت الوزير(١) يقول في قوله تعالى:
٥
٠٥٠٠
و
[الأنبياء: ١١٠] المعنى: أنه إذا اشتدت الأصوات
من القول
إنه يعلم الجهر
وتغالبت فإنها حالة لا يسمع فيها الإنسان. والله عز وجل يسمع كلام كل
شخص بعينه، ولا يشغله سَمْعٌ عن سَمْعٍ(٢).
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبِّنَا
الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾
قال ابن الجوزي في ((المقتبس)): سمعت الوزير(١) يقول في قوله تعالى:
﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢]: المراد منه: كن أنت أيها القائل على الحق؛
ليمكنك أن تقول: احكم بالحق، لأن المبطل لا يمكنه أن يقول: احكم
بالحق(٢).
(١) هو: يحيى بن محمد بن هبيرة.
(٢) ((طبقات الحنابلة)) (٢٦٦/٣).

و رو
سُورَةُ الحَجّ
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا
خَلَقْنَاكُمْ مِّنِ تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ
وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لَّنْبَيّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمَّى﴾
وقولُه: ((ثُمَّ يكونُ علقةً مثلَ ذلك))(١) يعني: أربعين يومًا، والعلقةُ: قطعةٌ من
دمِّ.
((ثم يكون مضعةً مثلَ ذلك)) يعني: أربعين يومًا، والمضغةُ: قطعةٌ من لحم.
(ثُمَّ يُرسلُ اللَّهُ إليه الملك، فينفخُ فيه الرُّوحَ، ويؤمرُ بأربع كلماتٍ: بكتبِ رزقِهِ وعملِهِ
وأجله وشقيٌّ أو سعيدٌ).
فهذا الحديثُ يدلُّ على أنه يتقلبُ في مائةٍ وعشرينَ يومًا، في ثلاثةِ
أطوارٍ، في كلِّ أربعينَ منها يكونُ فِي طَوْرٍ، فيكونُ في الأربعينَ الأُولى
نطفةً، ثم في الأربعينَ الثانية علقةً، ثم في الأربعينَ الثالثةِ مضغةً، ثم بعدَ
المائةٍ وعشرينَ يومًا ينفخُ الَلَكُ فيه الرُّوحَ ويكتبُ لهُ هذه الأربعَ الكلماتِ .
وقد ذكرَ اللَّهُ في القرآن في مواضعَ كثيرةٍ تقلُّبَ الجنينِ في هذه الأطوارِ،
كقولهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّنْ تَرَابٍ ثُمَّ مِن
نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى
(١) أخرجه: البخاري (١٣٥/٤ - ١٦١)، (١٥٢/٨) (١٦٥/٩)، ومسلم (٤٤/٨) من حديث عبد=

٧٠٨
سورة الحج
أَجَلٍ مُّسَمَّى﴾ [الحج:٥].
وذكرَ هذه الأطوارَ الثلاثةَ: النُّطفةَ والعلقةَ والمضعةَ في مواضعَ متعددةٍ من
القرآنِ، وفي موضع آخرَ ذكرَ زيادةً عليها، فقالَ في سورة المؤمنين ﴿وَلَقَدْ
خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّنِ طِينٍ { ١، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ { ثُمَّ خَلَقْنَا
النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمَا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ
خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].
فهذه سبعُ تاراتٍ ذكرَها اللَّهُ في هذه الآيةِ لخلقِ ابنِ آدمَ قبلَ نفخِ
الروحِ فيه. وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: خُلِقَ ابنُ آدَمَ منْ سبعٍ، ثم يتلُو
هذه الآيةَ، وسئلَ عن العزلِ، فقرأ هذه الآيةَ ثمَّ قالَ: فهل يخلقُ أحدٌ حتى
تجري فيه هذه الصفةُ؟ وفي رواية عنه قال: فهلْ تموتُ نفسٌ حتى تمرَّ على
هذا الخلقِ؟(١) .
ورُوي عن رفاعةَ بنِ رافعٍ قالَ: جلسَ إلى عمرَ عليٌّ والزبيرُ وسعدٌ في نفرٍ
منْ أصحاب رسولِ اللَّهِ وَ له فتذاكرُوا العزل، فقالُوا: لا بأس به، فقالَ
رجلٌ: إنَّهم يزعمونَ أنَّها الموءودةُ الصُّغرى، فقالَ عليٌّ: لا تكون موءودةً
حتى تمرَّ على الثَّاراتِ السَّعِ: تكونُ سلالةً من طينٍ، ثمَّ تكونُ نطفةً، ثم
تكونُ علقةً، ثم تكونُ مضغةً، ثم تكونُ عظامًا، ثم تكونُ لحمًا، ثم تكونُ
خلقًا آخرَ، فقال عمرُ: صدقتَ؛ أطال اللَّهُ بقاءَك.
رواه الدارقطنيَّ في ((المؤتلف والمختلف))(٢) (٣) .
= اللّه بن مسعود ◌ِ ه.
(١) أخرجه: عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٤١/٧ - ١٤٥).
(٢) ((المؤتلف والمختلف)) (٢/ ٨٧٧).
(٣) ((جامع العلوم والحكم)) (١٣٨/١ - ١٣٩).

٧٠٩
سورة الإنهاء
[قال البخاريُّ](١): ((بابُ: مُخَلَّقة وغير مُخَلَّقَةٍ)):
حدثنا مسدد: ثنا حماد، عن عبيد الله بنِ أبي بكرٍ، عن أنس بنِ مالكٍ،
عن النبيِّ نَّه قالَ: ((إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ وكَّلَ بالرَّحم ملكًا، يقولُ: يا ربِّنُطفةٌ، يا ربِّ
عَلَقةٌ، يا ربِّ مُضْغَةٌ، فإذا أراد أن يقْضي اللَّهُ خلْقَهُ قال: أَذَكَرٌ أم أُنْثى؟ أشقيٌّ أم سعيدٌ؟
فما الرزقُ؟ فما الأجلُ؟ فيُكْتَبُ في بطْنِ أَمِّه)).
اختلف السََّفُ في تأويلِ قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: ﴿ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُّخَلَقَةٍ وَغَيْرٍ
مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج:٥].
فقال مجاهد: هي المضغةُ التي تسقطُها المرأةُ، منها ما هو مُخَلَّقٌ فيه
تصويرٌ وتخطيطٌ، ومنها ما ليسَ بمخلَّقٍ ولا تصويرَ فيه، أرَى اللَّهُ تعالى ذلك
عبادَه لِيُبَيِّنَ لهم أصْلَ ما خُلِقُوا منه، والذي يُقِرُّ في الأرحامِ هو الذي يتمُّ
0 و م
خلْقُهُ ويُولَدُ.
وقالتْ طائفةٌ: المخلقةُ: هي التي يتمُّ خلْقُها، وغيرُ مخلقةٍ: هي التي
تَسقُطُ قبلَ أن تكونَ مضغةً.
روى الشَّعْبِيُّ، عن عِلْقَمَةَ، عن ابن مسعودٍ، قال: النطفةُ إذا استقرتْ في
الرَّحِمِ حَمَلَها ملَكُ بكفُّه، وقال: أي ربِّ، مخلقةٌ أم غيرُ مُخلقة؟ فإنْ قِيلَ:
غير مخلقةٍ: لم تَكُنْ نسمةً، وقذفَتْها الأرحامُ، وإن قيلَ: مخلقةٌ، قالَ: أي
ربِّ، أذكرٌ أم أنثى؟ أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ ما الأجلُ؟ ما الأثرُ؟ وبأيِّ أرضٍ تموتُ؟
قال: فيقالُ للنطفة: من ربُّك؟ فتقولُ: اللَّهُ، فيقالُ: من رازقُك؟ فتقولُ:
اللَّهَ، فيقولُ اللَّه عزَّ وجلّ: اذهبْ إلى الكتابِ، فإنَّكَ ستجدُ فيه قصةَ هذه
(١) البخاري (٨٧/١).

٧١٠
سورة الحج
النطفة، قال: فتُخلقُ، فتعيشُ في أجلها، وتأكلُ رزقَها، وتطأُ في أثَرِها،
حتى إذا جاء أجلُها ماتتْ، فدُفنتْ في ذلكَ، ثم تلا الشعبيُّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ
إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ﴾ إلى قولهِ: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]، فإذا
بلغتْ مضغةً نُكِسَتْ في الخَلْقِ الرابعِ، فكانتْ نسمةً، فإنْ كانتْ غيرَ مخلقة
قذفَتْها الأرحامُ دمًا، وإن كانتْ مخلقةً نُكِسَتْ نسمةً.
خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُه، وآخرُهُ هو من قولِ الشعبيِّ.
وقد يستأنسُ بهذا من يقولُ: إنَّ الحاملَ لا تحيضُ ولا ترى دمَ الحيضِ في
حالٍ حَمْلِها، وأنَّها لا ترَى إلا دمَ النَّفَاسِ خاصةً، وفي ذلكَ نظرٌ.
وقد قيلَ : إنَّ هذا هو مرادُ البخاريِّ بتبويِهِ هذا.
وقد رُويَ عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ
ء
أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢]، أنَّ النطفةَ مُشجتْ - أي: خُلِطَتْ بدمِ الحيضِ - ، فإذا
حَمَلتِ المرأةُ ارتفعَ حيضُها.
وحديثُ أنسِ الذي خرَّجه البخاريُّ يدلُّ على أنَّه لا يُخلقُ إلا بعدَ أن
يكونَ مضغةً، وليسَ فيه ذِكْرُ مدةِ ذلكَ، وذكرُ المدةِ في حديثِ ابنِ مسعودٍ -
وقد خرَّجه البخاريُّ في مواضعَ أُخَرَ - قال: حدثنا رسولُ اللَّهِ مَلَه - وهو
الصادقُ المصدوقُ -: ((إنَّ خلْقَ أحدِكُمْ يُجْمَع في بطنِ أمِّه أربعينَ يومًا نطفة،
ثم يكون علقةً مثلَ ذلك، ثم يكونُ مضغةً مثلَ ذلك، ثم يُبعثُ إليه الملكُ، فَيُؤْمَرُ بأربع
كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيُّ أو سعید؟، ثم يُنفخُ فيه الرُّوح)) - وذكر
الحديثَ.
وقد رُويَ هذا المعنى عن ابن مسعودٍ موقوفًا عليه، وعن ابنِ عباسٍ،

٧١١
سورة الحج
وغيرهما من الصحابةِ .
وقد أخذَ كثيرٌ من العلماءِ بظاهرٍ حديثِ ابنِ مسعودٍ، وقالُوا: أقلُّ ما يتبيّنُ
فيه خلْقُ الولد أحدٌ وثمانونَ يومًا؛ لأنه لا يكونُ مضغةً إلا في الأربعينَ
الثالثة، ولا يتخلَّقُ قبلَ أن يكونَ مضغةً.
قال الإمامُ أحمدُ: ثنا هُشَيْمٌ: أنْبَاً داودُ، عن الشعبي، قال: إذا نُكِسَ
السَّقْطُ الخلْقَ الرابعَ وكان مخلقًا عُتُقَت به الأَمَةُ، وانقضتْ به العدَّةِ.
قال أحمدُ: إذا تبيَّنَ الخلْقُ فهو نفاسٌ، وتُعْتَقُ به إذا تبيّن.
قال: ولا يُصَلَّى على السَّقْطِ إلا بعد أربعة أشهرٍ. قيلَ له: فإنْ كان أقلَّ
من أربعة؟ قالَ: لا ، هو في الأربعة يتبيَّنُ خلقُه. وقال: العلقةُ: هي دمٌ لا
ے
يتبيَّنُ فيها الخلقُ.
وقال أصحابُنا وأصحابُ الشافعيِّ - بناءً على أن الخلقَ لا يكونُ إلا في
المضغةِ -: أقلّ ما يُتُبَّنُ فيه خلْقُ الولدِ أحدٌ وثمانونَ يومًا، في أولِ الأربعين
الثالثةِ التي يكونُ فيها مضغةٌ، فإن أُسقطتْ مضغةً مخلقةً انقضتْ بها العدةُ
وعُتْقَتْ بها أمُّ الولد، ولو كان التخليقُ خفيًّا لا يَشهدُ به إلا من يعرفُهُ من
النساءِ فكذلكَ.
فإنْ كانتْ مضغةً لا تَخْليقَ فيها: ففي انقضاءِ العدةِ وعتقِ الأمَّةِ به روايتان
عن أحمدَ.
وهل يعتبرُ للمضغة المخلقةِ أن يكونَ وضعُها بعدَ تمامٍ أربعة أشهر؟ فيه
قولانٍ، أشهرُهُما: لا يُعتبرُ ذلكَ، وهو قولُ جمهورِ العلماءِ، وهو المشهورُ
عن أحمدَ، حتى قالَ: إذا تبيَّنَ خلقُهُ: ليسَ فيه اختلافٌ، أنها تُعْتَقُ بذلكَ.

٧١٢
سورة الحج
ورويَ عنه ما يدلُّ على اعتبارِ مُضِيِّ الأربعةِ أشهُرٍ، وعنه روايةٌ أُخْرى في
العلقة إذا تبيَّنَ أنها ولدٌ: أنَّ الأَمَةَ تُعْتَقُ بها، ومن أصحابِنا من طرَّد ذلك في
انقضاءِ العدَّةِ بها - أيضاً - وهذه الروايةُ قول النَّخْعِي، وحُكيَ قولاً للشافعي.
وهذا يدلُّ على أنَّه يمكنُ التخليقُ في العلقةِ، وقد رُويَ ما يدلُّ عليه،
والأطباءُ تعترفُ بذلكَ.
فأمَّا الصلاةُ على السَّقْط: فالمشهورُ عن أحمدَ أنه لا يُصلَّى عليه حتى يُنفخَ
فيه الرُّوحُ، ليكون ميْتًا بمفارقةِ الروحِ لهُ، وذلك بعد مُضِيِّ أربعةِ أشهرٍ، وهو
قولُ ابنِ المسيبِ، وأحدُ أقوالِ الشافعيِّ، وإسحاقَ.
وإذا ألْقَتْ ما يتبيَّن فيه خلْقُ الإنسانِ فهيَ نُفُساءُ، ويلزمُها الغُسْلُ، فإنْ لم
يتبيَّنْ فيه خلقُ الإنسانِ وكانَ مضغةً فلا نفاسَ لها، ولا غُسلَ عليها في
المشهورِ عن أحمدَ، وعنه روايةٌ: أنها نفساءُ .. نقلها عنه الحسنُ بنُ ثوابٍ،
ولم يشترطْ شيئًا، لأن المضغة مظنَّةُ تبيّنِ التَّخَلُّقِ والتصويرِ غالبًا.
وإنْ ألقَتْ علقةً: فلا نفاسَ لها فيه، ولأصحابنا وجهٌ ضعيفٌ: أنها نفساءُ،
بناءً على القولِ بانقضاءِ العدَّةً به.
ومذهب الشافعيةِ والحنفيّةِ: أنَّ الاعتبارَ في النفاسِ بما تنقضي به العدةَ،
وتصيرُ به الأمَةُ أمّ ولدٍ، فحيثُ وُجد ذلكَ فالنفاسُ موجودٌ، وإلا فلا،
والاعتبارُ عندهُم في ذلكَ كلِّه بما يتَبيَّنُ فيه خلقُ الإنسانِ.
وقال إسحاقُ: إذا استتمَّ الخلقُ فهو نفاسٌ - : نقلَهُ عنه حرب(١)
(١) ((فتح الباري)) (٤٨٤/١ - ٤٨٨).

٧١٣
سورة الحج
قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ
م و
يَصْهَرَ بِهِ مَا فِي بَطُونِهِم
مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ
و ء
كُلَّمَا أَرَادُوا أَن
٢١
وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِیدٍ
وَالْجُلُودُ
يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمَّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾
م
قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطَعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾ [الحج: ١٩] وكان إبراهيم
التيميُّ إذا تلاَ هذه الآيةَ يقولُ: سبحانَ من خلَقَ من النارِ ثيابًا .
وروينا من طريقِ يحيى بن معينٍ، حدثنا أبو عبيدةَ الحدادُ، حدثنا عبدُ اللَّه
ابنُ بحيرِ، عن عباسِ الجريريِّ - أحسبُهُ عن ابنِ عباسٍ - قالَ: يُقطعُ للكافرِ
ثيابٌ من نارٍ، حتى ذكرَ القباءَ والقميصَ والكمةَ.
وخرَّج أبو داود وغيرُهُ(١) من حديث المستوردِ عن النبيِّوَّ قالَ: ((من أكل
برجلٍ مسلمٍ أكلةً في الدنيا أطعمَهُ اللَّهُ مثلها في جهنَّمَ، ومن كسَى أو اكتسَى برجلٍ
مسلمٍ ثوبًا كساهُ اللَّهُ مثلَهُ في جهنّم)).
وفي (مسندِ الإمامِ أحمدَ)(٢) عن هُبِيبُ بن مُغْفِل(٣)، عن النبيِّ ◌ِ لِ قالَ:
((من وطِيءَ إزارَهُ خيلاءَ وطئَهُ في النار)) وهو يبينُ معنى ما في ((صحيحِ
البخاريِ)(٤) عن أبي هريرة عن النبيِّ وَّ أنه قالَ: ((ما تحت الكعبين من الإزار
ففي النارِ))، أن المراد: ما تحتَ الكعبِ من البدنِ والثوبِ معًا، وأنه يسحبُ ثوبه
في النارِ كما يسحبُهُ في الدنيا خيلاءَ، وسيأتي حديثُ: ((أهونُ أهلِ النارِ عذابًا:
مَن في قدميهِ نعلانِ من نارٍ يغلي فيهما دماغُهُ))(٥) فيما بعدُ - إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
(١) أحمد (٢٢٩/٤)، وأبو داود (٤٨٨١)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٢٤٠).
(٢) أحمد (٤٣٧/٣)، (٢٣٧/٤).
(٣) في المطبوع: ((حبيب بن المغفل)) والصحيح: ((ما أثْبَنْنَاهُ».
(٤) البخاري (١٨٣/٧).
(٥) أحمد (١٣/٣)، وهو عند مسلم (١٣٥/١).

٧١٤
سورة الحج
وفي كتابٍ أبي داود والنسائيِّ والترمذيّ(١) عن بريدةَ: أنَّ النبيَّ بِّه رأى
على رجلٍ خاتمًا من حديدٍ فقالَ: ((ما لي أرَى عليكَ حليةَ أهلِ النارِ)).
وروى حمادُ بنُ سلمةَ عن عليٍّ بنِ زيدٍ عن أنسٍ عن النبيِّ وَِّ «أنَّ أولَ من
يُكسى حلةً من النارِ: إبليسُ، يضعُها على حاجبه ويسحبُها من خلفهُ ذريتُه وهو يقولُ: یا
ثبورهُ، وهم ينادونَ: يا ثبورَهُم، حتى يقفُوا على النار، فيقولُ: يا ثبورهُ ويقولونَ: يا
ثبورَهُم، فيقالَ: ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤])).
خرَّجه الإمامُ أحمدُ(٢).
وفي حديثِ عديِّ الكنديِّ عن عمرَ: ((أنَّ جبريلَ قالَ للنبيِّ ◌َّ: والذي
بعثك بالحقِّ، لو أنَّ ثوبًا من ثيابِ النارِ عُلِّق بين السماء والأرضِ لماتَ من في
الأرضِ جميعًا من حرِّ)). وخرَّجه الطبرانيُّ، وسبقَ ذكرُ إسنادِهِ.
وفي ((موعظةِ الأوزاعيِّ) للمنصورِ قالَ: بلغني أنَّ جبريل قالَ للنبيِّ ◌َِه -
(٣)
فذکر بنحوه
ومن أنواع عذابِهم: الصَّهْرُ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطَّعَتْ لَهُمْ
ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رَءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ {٨٩﴾ يُصْهَرَ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ
وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج: ١٩ - ٢١] قال مجاهدٌ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ
٢٠
وَالْجَلُودُ﴾ [الحج: ٢٠]: يذابُ به إذابةً. وقال عطاءُ الخراسانيَّ: يذابُ به ما في
ء
22 0
(١) أحمد (٣٥٩/٥)، وأبو داود (٤٢٢٣)، والترمذي (١٧٨٥)، والنسائي (٨/ ١٧٢)
(٢) أحمد (١٥٢/٣، ١٥٣، ٢٤٩).
(٣) ((التخويف من النار)) (١٦٣ - ١٦٤).

٧١٥
سورة الحج
بطونِهِم كما يذابُ الشحمُ.
وخرَّج الترمذيُّ(١) من حديث أبي هريرة عن النبيِّ بََّ قالَ: ((إن الحميمَ
ليصبَّ على رءوسهم، فينفذ الحميمُ حتى يخلصَ إلى جوفه، فيسلتُ ما في جوفه حتى
يمرقَ من قدميه وهو الصهرُ، ثم يعودُ كما كانَ) وقال: حسنٌ غريبٌ صحيحٌ.
وقال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴿٤٧؛ ثُمَّ صُبُوا فَوْقَ
رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ﴾ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾
[ الدخان : ٤٧ - ٤٩]. قال
كثيرٌ من السلفِ: نزلت هذه الآيةُ في أبي جهلٍ .
قال الأوزاعيّ: يؤخذ أبو جهل يوم القيامة فيخرق في رأسه خرق، ثم
يؤتى بسجل من الحميمِ فيصب في ذلك الخرق، ثم يقال له: ذق إنك أنت
العزيز الكريم.
قال مجاهدٌ في قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَتَصِرَانٍ﴾
[ الرحمن: ٣٥] قال: النحاس: الصَّفْر، يذاب فيصب على رءوسهم يعذبون به،
وقال عطاء الخراسانيُّ في قوله تعالى: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ قال: الصُّفْر، يذاب فيصب
على رءوسهم فيعذبون به (٢).
كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ
قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِید
غَمَّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج: ٢١ - ٢٢].
قال جويبرٌ عن الضحاك: ﴿مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١]: أي: مطارقُ.
(١) أخرجه: أحمد (٣٧٤/٢)، والترمذي (٢٥٨٢).
(٢) ((التخويف من النار)) (١٤٥ - ١٤٦).
لے ..

٧١٦
سورة الحج
وروى ابنُ لهيعةَ عن دراجٍ عن أبي الهيثمٍ عن أبي سعيدٍ عن النبيِّ
صَلى الله
وَسِّهه
قالَ: ((لو أنَّ مقمعًا من حديد وُضِعَ في الأرضِ فاجتمعَ له الثقلانِ لما أقلوه من الأرضِ))
خرَّجه الإمامُ أحمدُ، وخرَّج أيضًا بهذا الإسنادِ عن النبيِّ وَّ: ((لو ضُرب
بمقامع من حدید لتفتت ثمّ عاد)).
قال الإمامُ أحمدُ في كتاب ((الزهد)): حدثنا سيارٌ، حدثنا جعفر، سمعت
مالكَ بنَ دينارٍ، قال: إذا أحسَّ أهلُ النارِ في النارِ بضربِ المقامعِ انغمسُوا في
حياضِ الحميمِ فيذهبونَ سفالاً ، كما يغرقُ الرجلُ في الماءِ في الدنيا،
ويذهبُ سفالاً سفالاً.
قال سعيدٌ عن قتادةَ: قالَ عمرُ بنُ الخطابِ: ذكِّروهم النارَ؛ لعلَّهم
يفرقُونَ، فإنَّ حرَّها شديدٌ، وقعرُها بعيدٌ، وشرابُها الصديدُ، ومقامعُها
الحديدُ.
وذكر ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن صالحِ المريِّ أنه قرأ على بعضِ العبادِ:
﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ ﴿٨﴾ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾
[غافر: ٧١، ٧٢].
قالَ: فشهقَ الرجلُ شهقةً، فإذا هو قدْ يبسَ مغشيًا عليه، قالَ: فخرجْنَا
من عنده وتركْنَاهُ.
وقرأ رجلٌ على يزيدَ الضبيِّ: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾
[إبراهيم: ٤٩]، فجعلَ يزيدُ يبكي حتى غشيَ عليه. خرَّجهُ عبدُ اللَّهِ ابنُ الإمام
أحمدَ .
وقد سبقَ عن مالكِ بنِ دينارٍ: أنه قامَ ليلةً في وسطِ الدارِ إلى الصباحِ،

٧١٧
سورة الحج
فقالَ: ما زالَ أهلُ النارِ يعرضُونَ عليَّ في سلاسلهم وأغلالِهِم حتى
(١)
الصباح (١) .
قوله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا
دِمَاؤُهَا وَلَكِنِ يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنكُمْ.
وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾ [ الحج: ٧
والمعنى: أنه تعالى يحبُّ من عباده أنْ يَتَّقُوه ويُطيعُوه، كما أنَّه يكره منهم
أن يعْصُوه، ولهذا يفرحُ بتوبةِ التائبينَ إليه أشدَّ من فرحٍ منْ ضلَّتْ راحلتُهُ
التي عليْهَا طعامُهُ وشرابُهُ بفَلاةِ من الأرضِ، وطلبَهَا حَتَّى أعيا وأيسَ منها،
واستسلَمَ للموتِ، وأيسَ من الحياةِ، ثم غلبتْهُ عينُه فنامَ فاستيقظَ وهي قائمةٌ
عندَهُ، وهذا أعْلَى ما يتصورُهُ المخلوقُ من الفرحِ، هذا كلُّه مع غناهُ عن
طاعاتِ عبادِهِ وتوباتِهِم إليه، وإنَّه إنَّما يعودُ نفعُها إليهم دونَهُ، ولكنْ هذا من
كمالِ جودِهِ وإحسانِهِ إلى عبادِهِ، ومحبتِهِ لنفعِهِم ودفعِ الضَّرَرِ عنهُم، فهو
يُحِبُّ من عباده أن يعرفُوه ويحبُّوه ويخافُوه ويتَّقوه ويطيعُوه ويتقرَّبوا إليه،
ويُحبُّ أن يعلمُوا أَنَّه لا يغفرُ الذنوبَ غيرُه، وأنَّه قادرٌ على مغفرةِ ذنوبِ
عبادِهِ، كما في روايةِ عبد الرحمنِ بنِ غنْمٍ عن أبي ذرٍّ لهذا الحديثِ: ((من علمَ
منكم أنّي ذو قُدرة على المغفرةِ، ثم استغفرني، غفرتُ له ولا أبالي)).
وفي (الصحيحِ)) عن النبيِّ وَّ: ((إنَّ عبدًا أذنبَ ذنبًا، فقالَ: يا ربِّ، إنِّي عملتُ
(١) ((التخويف من النار)) (١٠٢ - ١٠٣).

٧١٨
سورة الحج
ذنبًا، فاغفر لي، فقالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: علمَ عبدِي أنَّ له ربَّ يغفرُ الذنب ويأخذُ بالذنب، قد
غفرتُ لعبدِي)(١) .
وفي حديثِ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ، عن النبيِّ وَّهِ: أنَّه لما ركبَ دابَّتَه حمدَ
اللَّهَ ثلاثًا، وكَبَّر ثلاثًا، وقالَ: ((سبحانَك إنِّي ظلمتُ نفسِي، فاغفرْ لِي، فإنَّه لا يغفرُ
الذنوبَ إلا أنتَ) ثم ضحكَ، وقال: ((إنَّ رَبَّك ليعجَبُ من عبده إذا قالَ: ربِّ اغفرْ
لي ذنوبي، يعلمُ أنه لا يغفرُ الذُّنُوبَ غيري)). خرَّجه الإمامُ أحمدُ والترمذيّ
وصححه(٢) .
وفي ((الصحيح)) (٣) عن النبيِّ،وَّ قالَ: ((واللَّه؛ للَّهُ أرحمُ بعباده من الوالدة
٠٠
بولدها».
كان بعضُ أصحابِ ذي النونِ يطوفُ وينادي: آهِ، أين قلبِي؟، مَنْ وجَدَ
قلبي؟ فدخلَ يومًا بعضَ السككِ، فوجدَ صبيًّا يبكي وأمُّه تضربُه، ثم
أخرجتُه من الدارِ، وأغلقتِ البابَ دونه، فجعل الصبيُّ يتلفَّتُ يمينًا وشمالاً لا
يدري أين يذهبُ ولا أين يقصِدُ، فرجعَ إلى بابِ الدارِ، فَجَعَلَ يبكي ويقولُ:
يا أمَّه منْ يفْتَحُ لي البابَ إذا أغلقتِ عِّي بابَك؟ ومن يُدنيني من نفسِهِ إذا
طردتيني؟ ومن ذا الذي يُدنيني بعد أن غضبتِ عليَّ؟ فرحمتْهُ أمُّه، فقامتْ
فنظرتْ من خَلَلِ البابِ، فوجدتْ ولدَهَا تجري الدموعُ على خدَّيهِ متمعِّكًا في
الترابِ، ففتحتِ البابَ، وأخذتُهُ حتى وضعتْهُ في حَجْرِها، وجعلتْ تُقُبِّله،
(١) البخاري (١٧٨/٩).
(٢) ((المسند)) (٩٧/١، ١١٥، ١٢٨)، والترمذي (٣٤٤٦)، وأبو داود (٢٦٠٢)، وابن حبان
(٢٦٩٨)، والبزار (٧٧١).
(٣) أخرجه: البخاري (٩/٨)، ومسلم (٩٧/٨) من حديث عمربن الخطاب فِر قه.

٧١٩
سورة الحج
وتقولُ: يا قُرَّةَ عيني، ويا عزيزَ نفسِي، أنت الذي حملتني على نفسِكَ،
وأنت الذي تعرَّضتَ لما حلَّ بك، لو كنتَ أطعتِنِي لم تلقَ منِّي مكروهًا،
فتواجدَ الفتى، ثم قام: فصاحَ، وقال: قد وجدتُ قلِي، قد وجدتُ قلبِي.
٠
وتفكَّروا في قولهِ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ
فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، فإنَّ فيه إشارةً إلى
أن المذنبينَ ليسَ لهُم من يلجئونَ إليه ويُعوِّلونَ عليه في مغفرةٍ ذنوبِهِم غيره،
وكذلك قولُهُ في حقِّ الثلاثة الذين خُلِّفوا: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا
رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ
اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]، فرتَّبَ توبتَه عليهم على ظنِّهم أنْ لا ملجأ
من اللَّه إلا إليه، فإنَّ العبدَ إذا خافَ من مخلوقٍ، هربَ منه، وفرَّ إلى غيرِهِ،
وأمَّا من خافَ من اللَّهِ، فما لهُ منْ ملجأ يلجأُ إليه، ولا مهرَب يهرَبُ إليه إلا
هو، فيهربُ منه إليهِ، كما كان النبيُّ ◌َله يقولُ في دعائِهِ: ((لا ملجأ، ولا منْجاً
منكَ إلا إليكَ))(١) ، وكان يقولُ: ((أعوذُ برضاك من سَخَطك، وبعفوك من عقوبتكَ،
وبك منك)) (٢) .
قال الفضيلُ بنُ عياضٍ - رحمه اللَّهُ -: ما مِنْ ليلة اختلطَ ظلامُها، وأرْخِى
الليلُ سِرْبَالَ ستْرِها، إلا نادَى الجليلُ - جلَّ جلالُهُ -: منْ أعظمُ منِّي جودًا،
والخلائقُ لي عاصونَ، وأنا لهُم مراقبٌ؟، أكلؤهُم في مضاجِعِهم، كأنهم لم
يعصوني، وأتولّي حفظَهم، كأنَّهم لم يُذنبوا فيما بيني وبينَهُم، أجودُ بالفضلِ
على العاصي، وأتفضّلُ على المسيء، من ذا الذي دعاني فلم أُلَبِّه؟ أم من ذا
(١) أخرجه: البخاري (٧١/١)، (٨٤/٨)، ومسلم (٧٧/٨) من حديث البراء بن عازب فُِّه.
(٢) أخرجه: مسلم (٤٩/٢) من حديث عائشة فِياللها.
:

٧٢٠
سورة الحج
الذي سألني فلم أعطِه؟، أم من ذا الذي أناخَ ببابي فنحَّيتُه؟ أنا الفضلُ، ومنِّي
الفضلُ، أنا الجوادُ، ومنِّي الجودُ، أنا الكريمُ، ومنِّي الكرمُ، ومِن كرَمِي أن
أغفرَ للعاصينَ بعدَ المعاصِي، ومن كرَمِي أن أُعطيَ العبدَ ما سألني، وأُعطيه
ما لم يسألْني، ومن كرمِي أن أُعطيَ النَّائبَ كأَنَّه لم يعصِني، فأين عنِّي يهربُ
الخلائقُ؟ وأين عن بابي يتنحَّى العاصونَ؟. خرَّجه أبو نعيمٍ.
ولبعضِهِم في المعنى:
أسأتُ ولم أُحْسِن وجئتُكَ تائبًا وأَنَّى لِعَبْدِ عن مواليه مهْرَبُ
يُؤْمِّلُ غُفْرَانًا فإنْ خابَ ظَنُّه فما أحدٌ منه على الأرضِ أخيبٌ(١)
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (١٨/٢ - ٢٢).