Indexed OCR Text
Pages 681-700
٦٨١ سورة طه وقد رواه قتادةُ - مرّةً -، فقال: ((للذكرى)) [طه: ١٤] ومرَّةً، قال: ﴿لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، كما هو القراءة المتواترةُ. وكان الزهريَّ - أيضًا - يقرؤها: ((للذكرى)) [طه: ١٤]. وهذه القراءةُ أظهرُ في الدِّلالة على الفورِ؟ لأنَّ المعنى: أدِّ الصلاةَ حينَ الذِّكْرَى، والمعنى: أنَّه يصلِّي الصلاةَ إذا ذكرها. وبذلك فسَّرها أبو العالية والشعبيُّ والنخعيّ. وقال مجاهد: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]: أي تذكُرُني. قال: فإذا صلَّى عبدٌ ذكَرَ ربَّه. ومعنى قوله: أنَّ قولَهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]: أي: لأجلِ ذكرِي بها . والصلاةُ إنَّما فُرِضَتْ ليُذكر اللَّهُ بها، كما في حديث عائشةَ المرفوعِ: ((إنَّما جُعَل الطوافُ بالبيتِ وبَيْنَ الصَّفا والمروة ورمي الجمارِ لإقامة ذكرِ اللَّه)). خرَّجه الترمذيُّ وأبو داود(١) . فأوجب اللَّهُ على خلْقِهِ كلَّ يومٍ وليلةٍ أنْ يذكُرُوه خمس مرارِ بالصلاةِ المكتوبةِ، فمن تركَ شيئًا من ذكر الله الواجب عليه سهوًا فلْيعد إليه إذا ذكرَهَ، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، فقد أمرَهُ إذا نسيَ ربَّه أنْ يذكُرُه بعد ذلك، فمنْ نسي الصلاة فقد نسي ذكْرَ ربِّه، فإذا ذكر أنَّه نسي فَلْيَعُد إلى ذِكْرِ ربِّه بعد نسيانه(٢). (١) الترمذي (٩٠٢)، وأبو داود (١٨٨٨). (٢) ((فتح الباري)) (٣/ ٣٥٠ - ٣٥٣). ٦٨٢ سورة طه قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتَيَّةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ قال ابن الجوزي في ((المقتبس)): سمعت الوزير (١) يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَّةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥]. قال: المعنى: أنَّي قد أظهرتُها حينَ أعلمت بكونها، لكنْ قاربتُ أنْ أخفيها بتكذيب المشركِ بها، وغفلة المؤمنِ عنها، فالمشركُ لا يُصدِّقُ كونَها، والمؤمنُ يهملُ الاستعدادَ لها(٢) . قَالَ هِيَ عَصَايَ قوله تعالى: ﴿ وَمَا تُلْكَ بَيَمينكَ يَا مُوسَى أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشِىُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى﴾ وذكر صاحب سيرة الوزير (١) قال: سمعته يقول في قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَلَّكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى: ﴿١٧]﴾ قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ [طه: ١٧، ١٨]. قال: في حمل العصا عظة؛ لأنها من شيء قد كان ناميًا فقطع، فكلما رآها حاملها تذكَّر الموتَ. قال: ومن هذا قيل لابن سيرين - رحمه الله -: رجل رأى في المنام أنه يضرب بطبل؟ فقال: هذه موعظة؛ لأن الطبل من خشب قد كان ناميًا فقطع، ومن أغشية كانت جلود حيوان قد ذبح. وهذا أثر الموعظة(٣). قوله تعالى: ﴿هُمْ أُوْلاءٍ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ قال ابن الجوزي في ((المقتبس)): سمعت الوزير (١) يقول: قرأ عندي قارئ، (١) هو: يحيى بن محمد بن هبيرة. (٣) ((طبقات الحنابلة)) (٣/ ٢٧٢). (٢) ((طبقات الحنابلة)) (٢٥٦/٣ - ٢٦٦). ٦٨٣ سورة طه قال: ﴿هُمْ أُوْلَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ [طه: ٨٤] فأفكرتُ في معنى اشتقاقها، فنظرتُ فإذا وضعها للتنبيه، والله لا يجوزُ أن يخاطبَ بهذا، ولَم أر أحداً خاطبَ اللَّه عز وجل بحرف التنبيه إلا الكفار، كما قال اللَّه عز وجل ﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِن دُونِكَ﴾ [النحل: ٨٦]، ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضْلُّونَا﴾ [الأعراف: ٣٨] وما رأيت أحدًا من الأنبياء خاطبَ ربَّه بحرف التنبيه، والله أعلم. فأما قوله: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبَ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لَّ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨] فإنه قد تقدم 13 الخطاب بقوله: يا رب، فبقيت ((ها)) للتمكين، ولما خاطب الله عز وجل المنافقين، قال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَنْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ١٠٩] وكرّم المؤمنين بإسقاط ((ها)) فقال: ﴿هَا أَنْتُمْ أَوْلَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] وكان التنبيه للمؤمنين أخف(١). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذكّرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ﴾ روى حمَّدُ بنُ سلمةَ، عن محمدِ بنِ عمرو بنِ علقمةَ، عن أبي سلمةَ عن أبي هريرة ◌ِّه، عن النبيِّ بَّه قال: ((والَّذِي نفسِي بيدِهِ؛ إنه لَيَسْمَعُ خفْقَ نعالِكُم حين تولّون عنه، فإنْ كانَ مؤمنًا، كانت الصلاةُ عندَ رأسه، والزكاةُ عن يمينه، والصومُ عن شماله، وفعلُ الخيراتِ والمعروف والإحسان إلى الناسِ من قِبَلِ رِجْليْهِ، فيؤتى من قِبل رأسه، فتقولُ الصلاةُ: ليْس من قِبَلي مدْخلٌ، ثم يؤتى عن يمينه فتقول الزكاة: ليس من قِبَلَي مدخلٌ، ثم يُؤتى عن شماله، فيقولُ الصومُ: ليس مِنْ قبلي مدخلٌ؛ ثم يُؤْتِى قِبل رجْليه، فيقولُ فعلُ الخيراتِ والمعروفِ والإحسان إلى الناسِ: ليس من قِبَلي مدخلٌ، ٠ (١) ((طبقات الحنابلة)) (٢٦٦/٣). ٦٨٤ سورة طه فيقالُ له: اجلسْ، فيجلسُ، وقد مثِّلَتِ الشَّمسُ للغروب، فيقولُ له: ما تقولُ في هذا الرجلِ الذي كان بعثَ فيكم؟)) - يعني النبيَّ،وَله ــ («فيقولُ: أشهد أنّه رسولُ الله، جاءنا بالبيِّنْات من عند ربِّنا فصدَّقْناه، واتَّبعناه، فيقالُ له: صدقتَ، وعلى هذا حييتَ، وعلى هذا متّ، وعليه تُبعثُ إن شاء اللَّهُ، فيفسحُ له في قبره مدَّ بصره، فذلكَ قولُهُ سبحانه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الآية: [إبراهيم: ٢٧]. يقالُ: افتحُوا له بابًا إلى النارِ، فيُفتحُ له بابٌ إلى النارِ، فيقالُ: هذا منزلُكَ لو عصيتَ اللَّهَ، فيزدادُ غبطةً وسرورًا، ويُقال: افتحُوا له بابًا إلى الجنة، فيفْتح له، فيقالُ: هذا منزلُكَ وما أعدَّ اللَّهُ لك، فيزدادُ غبطةً وسرورًا، ويعادُ الجسدُ إلى ما بديء منه، وتجعلُ روحُهُ نسَمَ طيرٍ معلقِ في شجرِ الجنة. وأمَّا الكافرُ فُيُؤْتِى في قبرِهِ من قِبلِ رأسِهِ، فلا يُوجدُ شيءٌ، فَيُؤتى من قِبِلِ رجليهِ فلا يُوجد شيءٌ، فيجلسُ خائفًا مرعوبًا، فيقالُ له: ما تقولُ في هذا الرجلِ الذي كان فيكم؟ وما تشهدُ به؟ فلا يهتدي لاسمه، فيقالُ: محمدٌ رسولُ اللَّهَوَله، فيقولُ: سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئًا، فقلتُ كما قالُوا، فيقالُ له: صدقتَ، على هذا حييتَ، وعليه متَّ، وعليه تبعثُ إن شاء اللَّهُ تعالى، فيُضيَّق عليه قبرُهُ حتى تختلفَ أضلاعُهُ، فذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: ١٢٤] فيقال: افتحُوا له بابًا إلى الجنة، فيفتحُ له بابٌ إلى الجنة، فيُقال: هذا منزلُكَ وما أعدَّ اللَّه لكَ لو كنتَ أطعتَهُ، فيزدادُ حسرةً وثُبوراً، ثم يقالُ: افتحُوا له بابًا إلى النارِ، فيفتحُ له بابٌ إليها، فيُقالُ له: هذا منزلُكَ، وما أعدَّ اللَّه لك، فيزدادُ حسرةً وثُبُورًا)). قال أبو عمر الضريرُ: قلتُ لحمَّادِ بنِ سلمةَ: كان هذا من أهلِ القبلة؟ قال: نعم، قال أبو عمر: كأنَّه كان يشهدُ بهذه الشهادة على غيْرِ يقينٍ يرجعُ ٦٨٥ سورة طه ◌ُ(١) إلى قلبه، كأن يسمعَ الناسَ يقولونَ شيئًا، فيقولُه. خرَّجه الطبراني( . وخرَّجه الخلالُ في كتابِ ((السنة))، وزادَ فيه بعد قولِهِ: ((وقد مثِّلْت الشمسُ له قد دنتْ للغروبِ، فيقال له: هذا الرجلُ الذي كانَ فيكُم ما تقولُ فيه؟ فيقولُ: دعونِي حتَّى أصلِّي، فيقولونَ: إنك ستفعلُ، أخبرْنا عمَّا نسألك عنه))، وذكر الحديثَ. وخرَّجه ابنُ حبان في ((صحيحِهِ))(٢)، من طريقِ معتمرٍ، عن محمّدِ بنِ عمرو - به. ورواه جماعةٌ عن محمدِ بنِ عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرةَ - موقوفًا . وقد رُوي من حديثِ أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، نحوه أيضًا مع الاختلافِ في رفعِهِ ووقفِهِ. وخرَّجه ابنُ منده، من طريقِ محمدِ بنِ جُحادةَ، عن طلحةَ بن مُصَرِّف، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ قال: ((إذا وُضِعَ المؤمنُ في قبرِهِ، أتاه شيطانٌ من قِبَلِ رأسِهِ، فيحولُ بَيْنَه وبينه سجودُهُ، ثم يأتِيَه من قِبَلٍ يديه، فيحول بينه وبينه صدقتُه، ثم يأتيه من قِبَلِ بطنِهِ، فيحولُ بينه وبينه صومُه، ثم يأتِيه من قبلِ رِجْليه، فيحولُ بينه وبينه قيامُه عليها في الصلاةِ، ثم يُفتحُ له بابٌ من أبوابِ الجنةِ فيقول: ربي بلِّغْنِي منزلَتِي، فيقولُ: إن لكَ إخوةٌ وأخواتٌ لم يلحَقُوا، فَتَمْ قريرَ العيْنِ لا تفزعْ بعدَها». وخرَّجه ــ أيضًا - من طريقِ محمدِ بن الصلْتِ، عن ابنِ عيينةَ، عن طلحةَ (١) الطبراني في ((الأوسط)) (٢٦٣٠/٣)، وكذلك رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٧٩/١ - ٣٨٠). (٢) ابن حبان (٣١١٣/٧). ٦٨٦ سورة طه ابنِ مُصرِّفٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ - يرفعُهُ قال: ((يؤتَى الرَّجلُ من قبلٍ رأسِهِ في قبرِهِ، فإذا أُنِيَ دفعه تلاوةُ القرآنِ، فإذا أُنَيَ من قبل يديه دفعتْهُ الصدقةُ، فإذا أُتي من قِبلِ رجليه دفعَه مشيُه إلى المساجد))، فذكره نحوه، كذا في هذه الرواية السابقة، إنَّ الذي يأتيه في قبرِهِ شيطانٌ. وفي حديثِ الأعمشِ، عن المنهالِ، عن زاذان، قال: قلتُ للبراء: أمَلَكٌ هو أم شيطانٌ؟ قال: فغضب غضبًا شديدًا، ثم قال: نحن كنَّا أشدَّ هيبةً لرسول اللَّهِ وَ ل﴿ أن نسأله أملكٌ هو أم شيطانٌ، إنما نحدًّكم ما سمعنا. وخرَّج الإمامُ أحمدُ (١) ، من حديثِ محمدِ بنِ المنكدرِ، قال: كانتْ أسماءُ تحدِّثُ عن النبيِّ وَّ قال: ((إذا أدْخِلَ الإنسانُ في قبرِهِ فإن كانَ مؤمنًا أحفَّ به عملُهُ: الصلاةُ والصيامُ؛ قال: فيأتيه الملكُ من نحوِ الصلاةِ فيردَّه ومن نحوِ الصيامِ فيردُّه، فيناديه اجلسْ، فيجلسُ، فيقولُ: ما تقولُ في هذا الرجل؟- يعني النبي صَلِ لّه؟ ((قال: منْ؟ قال: محمدٌ أَّله. قال: أشهدُ أنه رسول اللَّه ◌َلَه قال: يقولُ له: وما يدريك، أدركتَهُ؟ قال: يقول: إنَّه رسولُ اللَّه ◌َلِّ، قال: يقولُ: على ذلك عشتَ، وعليه متَّ، وعليه تبعثُ، قال: إنْ كان فاجراً أو كافرًا قال: جاءهُ المَلَكُ ليسَ بينه وبينه شيءٌ يردّه، فأجلسه قال: يقول: اجلسْ، ما تقولُ في هذا الرجلِ؟ قال: أي رجلٍ؟ قال: محمدٌ . قال: يقولُ: والله ما أدري، سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئًا فقلتُّه، قال: فيقولُ له الملَكُ: على ذلكَ عشتَ، وعليه متَّ، وعليه تبعثُ. قال: يسلّط عليه دابَّةٌ في قبره، معها سوطٌ ثمرتُهُ جمرةٌ مثل غرب البعير، تضربُهُ ما شاء اللَّه، صمَّاءٌ لا تسمعُ صوتَهُ فترحمُهُ)) . (١) ((المسند)) (٣٥٢/٦ - ٣٥٣). ٦٨٧ سورة طه قلتُ: قولُه: ((ويسلَّطُ عليه دابَّةٌ .. )) إلى آخره، وقد رُوي من وجه آخرَ عن ابن المنكدرِ، أنه بلغه ذلكَ، فلعلَّه مُدْرَجٌ في الحديثِ . وفي حديثِ زاذانَ، عن البراء بن عازبٍ، عن النبيِّ نَّهِ، وقد سبق ذكرُ بعضِهُ، قال في المؤمن: ((ويأتيه رجلٌ حسنُ الوجهِ، حسنُ الثيابِ، طيبُ الريحِ، فيقولُ: أبْشرْ بالذي يسرُّكَ، هذا يومُك الذي كنتَ تُوعدُ. فيقولُ له: من أنت؟ فوجْهُكَ الوجهُ الذي يجيءُ بالخير، فيقولُ: أنا عملُكَ الصالحُ، فيقولُ: ربِّ أقم الساعةَ حتَّى أرجع إلى أهلِي ومالي)). وقال في حقِّ الكافرِ: ((ويأتيه رجلٌ قبيحُ الوجهِ، قبيحُ الثيابِ، منتنُ الريح، فيقولُ: أبْشِر بالذي يسوءُك، هذا يومُك الذي كنتَ توعدُ، فيقولُ: ومن أنتَ؟ فوجُهُك الوجهُ الذي يجيءُ بالشر، فيقولُ: أنا عملُكَ الخبيثُ، فيقولُ: ربِّ لا تقم الساعةَ)) خرَّجه الإمامُ أحمدُ وغيرُه(١). وروى ابنُ أبي الدنيا، بإسنادِهِ عن أبي بكر بن عياشٍ، عن المقْبُريِّ، عن أبيه، عن عائشة ◌ِّها، قالتْ: إذا خرج سريرُ المؤمنِ، نادى: أنشدكُم اللَّهَ لما أسرعتُم بي، فإذا أُدخلَ قبره حفَّه عملُه، فتجيءُ الصلاةُ فتكونُ عن يمينِهِ، ويجيءُ الصومُ فيكون عن يسارِهِ، ويجيء عملُهُ بالمعروفِ فيكونُ عند رجليْهِ، فتقولُ الصلاةُ: ليس لكم قبلي مدخلٌ، كان يُصلِّي، فيأتونَ من قبل يسارِهِ، فيقولُ الصومُ: إنه كان يصومُ ويعطشُ، فلا يجدونَ موضعًا، فيأتونَهُ من رجلَيْه، فتخاصمُ عنه أعمالُهُ فلا يجدونَ مسْلكًا . وبإسناده عن ثابت البنانيِّ قالَ: إذا وُضِعَ الميتُ في قبرهِ احتوشَتْهُ أعمالُهُ (١) ((المسند)) (٢٨٧/٤ - ٢٨٨، ٢٩٥ - ٢٩٦)، وأبو داود (٤٧٥٣، ٤٧٥٤). ٦٨٨ سورة طه الصالحةُ، وجاء ملكُ العذاب، فيقولُ له بعضُ أعماله: إليك عنه، فلو لم يكنْ إلا أنا لما وصلتَ إليه. وعنه أيضًا، قال: إذا وُضِعَ العبدُ الصالحُ في قبرِهِ، أُتِي بفراشٍ من الجنةِ، وقيل له: نَمْ هنيئًا لك قُرَّةً العينِ، فرضي اللَّه عنك، قالَ: ويُفْسَحُ له في قبرِهِ مدَّ بصرِهِ، ويفتحُ له بابٌ إلى الجنةِ، فينظرُ إلى حسنها، ويجدُ ريحَها، وتحتوشُه أعمالُهُ الصالحةُ: الصيامُ، والصلاةُ، والبرُّ؛ فتقولُ له: نحنُ أنصبْنَاكَ وأظمأناك وأسهرناك فنحنُ لك اليومُ بحيث تحبُّ، نحنُ نؤنسُكَ حتى تصيرَ إلى منزِلِكَ من الجنةِ . وبإسناده عن كعبٍ، قالَ: إذا وُضِعَ العبدُ الصالحُ في قبرِهِ، احتوشته أعمالُهُ الصالحةُ: الصلاةُ والصيامُ والحجُّ والجهادُ والصدقةُ. قال: وتجيءُ ملائكةُ العذابِ من قبل رجليهِ، فتقولُ الصلاةُ: إليكُم عنه فلا سبيلَ لكُم، فقدْ أطال القيامَ للَّه عزَّ وجلَّ عليهما ، قال: فيأْتُونَهُ من قبلٍ رأسِهِ، فيقولُ الصيامُ: لا سبيلَ لكم عليه، فقد أطال ظمأه للَّه تعالى في الدنيا؛ قال: فيأتونَهُ من قِبلِ جسدِهِ، فيقولُ الحجُّ والجهادُ: إليكم عنه، فقد أنصبَ نفسَهُ، وأتعبَ بدنَه، وحجَّ وجاهدَ للَّهِ - عزَّ وجلَّ - لا سبيلَ لكُم عليه، قال: فيأتُونه من قِبلِ يدَيْه، فتقولُ الصدقةُ: كُفّوا عن صاحِبِي، فكمْ من صدقَةِ خرَجَتْ من هاتّيْنِ اليدينِ حتَّى وقعتْ في يدِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ ابتغاءَ وجهه، فلا سبيلَ لكم عليه؛ قال: فيُقالُ له: هنيئًا طبتَ حيًّا وطبت ميِّنًا. قال: ويأتيه ملائكةُ الرحمةِ، فتفرشُهُ فِراشًا من الجنةِ، ودِثارًا من الجنةِ، ويفسحُ له في قبرِهِ مدَّ البصرِ، ويؤتَى بقنديلٍ من الجنةِ، فيستضِيءُ بنورِهِ إلى يومٍ يبعثُهُ اللَّهُ من قبره. ٦٨٩ سورة طه وبإسنادِهِ عن يزيدَ الرَّقَاشيِّ، قال: بلغني أنَّ الميتَ إذا وُضِعَ في قبره احتشوته أعمالُهُ، ثم أنطقَها اللَّهُ تعالى، فقالتْ : أيها العبدُ المفردُ في حفرتِهِ، انقطعَ عنك الأخلاءُ والأهلونَ، فلا أنيسَ لك اليومَ غيرَنَا، قال: ثمَّ يبكي ويقولُ: طوبى لمن كان أنيسُهُ صالِحًا، والويلُ لمن كان أنيسُهُ وبالاً . وبإسناده عن يزيدَ الرقاشيِّ - أيضًا - أنه كانَ يقولُ في كلامه: أيها المنفردُ في حفرِتِه، المُخَلَّى في القبرِ بوحدتِهِ، المستأنسُ في بطنِ الأرضِ بأعمالِهِ، ليتَ شِعْرِي بأيِّ أعمالك استبشرتَ، وبأيِّ إخوانك اغتبطتَ، قال: ثمَّ يَبْكي حتى يبلَ عمامَتَهُ، ويقول: استبشر واللَّهِ بأعماله الصالحة، واغتبطَ والله ٠٠ بإخوانِهِ المتعاونينَ على طاعةِ اللَّه. وبإسنادِهِ عن الوليد بنِ عمرِو بنِ ساجٍ، قال: بلغني أن أولَ شيءٍ يجدُه الميتُ حولَهُ عندَ رجلَيْه، فيقولُ: ما أنتَ؟ فيقولُ: أنا عملُكَ. وقد ورد في شفاعة القرآن لقارئه ودفعِهِ عندَ عذاب القبرِ خصوصًا: سورةُ تبارك (١). وخرَّج النسائيُّ في ((عمل اليومِ والليلة))(٢) بإسنادِهِ عن ابن مسعودٍ مُِّه، قالَ: من قرأ: ((تباركَ الذي بيده الملكُ)) كلَّ ليلة منعهُ اللَّهُ بها من عذابٍ القبرِ، وكنَّا في عهد رسول اللَّه وَل نسمِيها المانعةَ. وخرَّجه خلفُ بنُ هشامٍ في كتابِ ((فضائل القرآنِ)) عن ابنِ مسعودٍ، ولفظُهُ أنه ذكرَ («تباركَ))، فقال: هي المانعةُ، تمنعُ من عذابِ القبرِ، توفِّيَ رجلٌ فَأُتِي (١) راجع: الترمذي (٢٨٩٠). (٢) النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٧١٦). ٦٩٠ سورة طه من قبل رجليه، فتقولُ رجلاه: لا سبيلَ لكُم على ما قِبَلي، إنه كان يقرأ عليَّ سورةَ تبارك، ويُؤتَى من قِبلٍ بطنِهِ، فيقولُ بطنُه: لا سبيلَ لكُم على ما قبلي، إنَّه كانَ أوعَى فيه سورةَ الملكِ، ويُؤتى من قِبلِ رأسِهِ فيقولُ رأسُهُ: لا سبيلَ لكم على ما قبلي إنه كان يقرأ سورةَ الملك. وأخرجَ أبو عبيدٍ في كتابِ ((فضائلِ القرآنِ)» (١) بإسنادِهِ عن ابنِ مسعود ◌ِالّثه، قال: إنَّ الميْتَ إذا ماتَ أوقدتْ له نيرانٌ حولَهُ، فتأكلُ كلُّ نار ما يليها إنْ لم يكنْ له عملٌ يحولُ بينه وبينَها، وإنَّ رَجُلاً ماتَ ولم يكنْ يقرأ من القرآنِ إلا سورةً، ثلاثينَ آيةٍ، فأتته من قِبَلِ رأسِه، فقالتْ: إنه كانَ يقرأ بي، فأتته من قِبلِ رجليهِ، فقالتْ: إنه يقومُ بي، فأتتْه من قبل جوفِهِ، فقالتْ: إنه كان وعائِي، قالَ: فأنجتْهُ. قال زرّ: فنظرتُ أنا ومسروقٌ في المصحفِ فلم نجد سورةً ثلاثينَ آيةً إلا تباركَ. وروى عبدُبُنُ حميدٍ في ((مسندِهِ)) عن إبراهيمَ بنِ الحكمِ بنِ أبان، عن أبيه، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: اقرأْ تباركَ الَّذي بيده الملكُ، احفظْها، وعلمْها أهلَك، وولدَك، وصبيانَ بيتك، وجيرانَك، فإنها المُنجِية والمجادلةُ، تجادلُ أو تخاصمُ عن صاحبِهَا عند اللَّه لقارِئِهَا، وتطلبُ أن ينجيه من عذابِ النارِ إذا كانت، في جوفِهِ، وينجِِّ اللَّهُ بها صاحبَها من عذاب النارِ . وروى سوارُ بنُ مصعب - وهو ضعيفٌ جدا -، عن أبي إسحاقَ، عن (١) أبو عبيد في ((فضائل القرآن)) (ص ٢٦٠). ٦٩١ سورة طه البراء، يرفعُه: ((من قرأَ: ألم السجدةَ، وتباركَ، قبلَ النومِ، نجا من عذابِ القبرِ، ووُفِيَ فَتَّانا القبر)). وسنذكرُ حديثَ عبادةَ في نزولِ القرآنِ مع الميتِ في قبرِهِ فيما بعدُ - إن شاء اللَّه تعالى. وروى هشامُ بنُ عمَّار، حدَّثْنا عبدُ اللَّه بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابٍ، عن أبيه، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، قال: إذا وُضِعَ الميتُ في لحدِهِ، فأولُ شيءٍ يأتِه عملُهُ، فيضربُ فخذَه الشمالَ، فيقول: أنا عملُكَ، فيقولُ: أين أهلِي، وولدِي، وعشيرِتِي، وما خوَّلَني اللَّهُ تعالى؟ فيقولُ: تركتَ أهلَك، وولدَك، وعشيرتَك، وما خوََّك اللَّه وراءَ ظهرِك، فلم يدخلْ قبرَك معكَ غيرِي، فيقولُ: يا ليتني آثرتُك على أهلِي، وولدِي وعشيرتي، وما خوَّني اللَّه تعالى إذ لم يدخل معِي غيرُك. قال أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ: حدثنا يحيى بنُ سليمٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِه تعالى: ﴿فَلَأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤] قال: في القبرِ. قال أحمد: فحدثتُ به يحيى بن معينٍ، فقال: طوبى لمن كان له عملٌ صالحٌ، يكون وطأهُ في القبرِ . ويشهدُ لهذا كلِّ ما في ((الصحيحينِ))(١) عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ ◌َِله قالَ: ((يُتْبَعُ الميْتَ ثلاثةٌ، فيرجعُ اثنانِ ويبقَى واحدٌ، يتبعه: أهلُه ومالُهُ وعملُهُ، فيرجعُ أهلُهُ ومالُهُ، ويبقَى عملُهُ)). (١) البخاري (١٣٤/٨)، ومسلم (٢١١/٨). ٦٩٢ سورة طه وخرَّجه البزَّارُ والطبرانيُّ والحاكمُ (١) بسياقِ مطوَّلٍ، من حديثِ أنسٍ - أيضًا - عن النبيِّ وََّ قالَ: ((ما من عبد إلا له ثلاثةُ أخلاء، وأما خليلٌ فيقول له: ما أنفقتَ فلكَ، وما أمسكتَ فليسَ لك، فذلك مالُهُ، وأما خليلٌ فيقول: أنا معك، فإذا أتيتَ بابَ الملك رجعتُ وتركتُكَ، فذلكَ أهلُهُ وحشَمُه، وأمَّ خليلٌ فيقولُ: أنا معكَ حيثُ دخلتَ، وحيثُ خرجتَ، فذلكَ عملُهُ، فيقولُ: إن كنتَ لأهونُ الثلاثة عليَّ». صَلى الله وسلم وخرَّج البزَّارُ والحاكمُ أيضًا(٢) من حديثِ النعمانِ بن بشيرٍ عن النبيِّ معناه وقد اختلفَ في رفعِهِ ووقفهِ. وقد رُوي هذا من حديث عائشةَ ضِرَّتُها عن النبي ◌َُّّ بسياق مبسوط، وأنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ كرزِ قالَ في هذا المعنى شعرًا، وأنشده للنبيِّ وَّهِ ولكنْ إسنادُهُ ضعيفٌ جدا. وخرَّج البزَّارُ هذا المعنى - أيضًا - من حديث أبي هريرةَ، وسمُرَةَ بن جندبٍ، عن النبيِّ ◌َلِّ . وخرَّجه الطبرانيُّ من حديثِ سمُرَةً عن النبيِّبَّهِ أيضًا . وروَى إبراهيمُ بنُ بشارٍ، عن إبراهيمَ بنِ أدْهَمَ، أنه كان ينشدُ شعرًا: في قبرِهِ أعمالُهُ تُؤْنِسُه ما أحدٌ أكرَمُ من مُفْرَدٍ زيَّنها اللَّهُ فهِيَ مجْلِسُه مُنَعَّمُ الجْمِ وفي رَوْضَةٍ (١) الحاكم (١/ ٧٤)، والطبراني في ((الأوسط)) (٢٥١٨/٣). وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٥٢/١٠): رواه البزار والطبراني في «الأوسط)). (٢) الحاكم (٧٤/١ - ٧٥)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٥٢/١٠): رواه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، والبزار. ٦٩٣ سورة طه وأمَّا العارفون باللَّه، المحبُّونَ له، المنقطعونَ إليه في الدنيا، والمستأنسونَ به دونَ خلقه: فإنَّ اللَّهَ بكرمِهِ وفضلِهِ لا يخذُلُهم في قبورِهِم، بل يتولاَّهم، ويؤنسُ وحشتَهُم فـ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]. وقد جاء في بعضِ ألفاظِ حديثِ يومِ المزيدِ: أنهم يقولونَ لربِّهم في ذلك اليومٍ: أنت الذي أنستَ منا الوحشةَ في القبورِ . وكتبَ محمدُ بنُ يوسفَ الأصبهانيُّ العابدُ إلى أخيه: إنّي محذِّرُكَ متحوّلَك من دارِ مُهلِتِكَ إلى دارِ إقامتِك وجزاءَ أعمالِك، فتصيرُ في قرارِ باطنِ الأرضِ بعدَ ظاهرِها، فيأتيكَ منكرٌ ونكيرٌ، فيقعدانكَ وينتهرانِكَ، فإن يكنِ اللَّهُ معك فلا بأسَ عليكَ، ولا وحشةً ولا فاقةَ، وإن يكنْ غيرُ ذلكَ فأعاذني اللَّهُ وإِيَّاك من سوءِ مصرعٍ، وضيقِ مضجعٍ . ورُئِّيَ ابنُ أبي عاصمٍ في المنامِ فسُئِل عن حالِه فقالَ: يؤنسني ربِّي عزَّ رجلَّ. وأمَّا من كانَ في الدنيا مشغولٌ عن اللَّهِ - عزَّ وجلَّ - وكان يخافُ غيرَهُ، فإنه يُعذبُ في قبرِهِ بذلكَ. قالَ أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ: حدثنا إبراهيمُ بنُ الفضلِ، عن أبي المليحِ الرقي، قالَ: إذا دخلَ ابنُ آدَمَ قبرَهُ لم يبقَ شيءٌ كان يخافُه في الدنيا من دونِ اللَّه - عزَّ وجلَّ - إلا تمثّل له يفزِّعه في قبرِهِ، لأنه في الدنيا كان يخافُه دون الله تعالى . وروى عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه، عن ابنِ عمرَ ◌ِنَّه عن النبيِّ وَّلَّ قالَ: (ليسَ على أهلِ لا إله إلا اللَّهُ وحشةً في قبورِهِم، ولا يومَ نشورِهِم، ٦٩٤ سورة طه وكأنِّي بأهلِ لا إله إلا اللَّهُ ينفضونَ الترابَ عن رءوسهم، يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ (١) [فاطر: ٣٤])) (٢) ٠ قوله تعالى: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ قولُهُ: ((وكان رزقُهُ كَفَافًا فصبرَ على ذلك))(٣) هذا خيرُ الرزقِ كما سبقَ في حديثٍ ((خيرُ الرزقِ ما يكفِي))(٤). وفي ((الصحيحِ(٥) أنَّ النبيَّ ◌ٍَّ كان يقول: ((اللهمّ اجعلْ رزقَ آلِ محمد قُوتًا)). ء وقد فسَّر طائفةٌ من المفسرينَ قولَهُ تعالى: ﴿ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [طه: ١٣١] بهذا، وقالُوا: المرادُ: رزقُ يومٍ بیومٍ . في ((صحيحِ مسلمٍ)(٦) عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو عن النبيِّ نَّةِ قالَ: ((قد أفلحَ من هُدِيَ إلى الإسلامِ، وكان عيشُهُ كفافًا وقَّعهُ اللَّهُ به)). وخرَّج الترمذيُّ والنسائيُ (٧) من حديث فضالةَ بنِ عبيدٍ عن النبيِّ وَّة قالَ: ((طُوبى لمنْ هُديَ للإِسلامِ وكانَ عيشُهُ كفافًا وقِنِعَ)). (١) رواه الطبراني في «الأوسط)) (٩٤٧٨/٩). (٢) ((أهوال القبور)) (٣٩ - ٤٨). (٣) أحمد في «المسند)) (٢٥٢/٥، ٢٥٥)، الترمذي (٢٣٤٧)، ابن ماجه (٤١١٧). (٤) أخرجه: أحمد (١٧٢/١، ١٨٠، ١٨٧) عن سعد بن مالك، ورواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٨٠٩)، وأبو يعلى (٧٣١). (٥) مسلم (١٠٢/٣ - ١٠٣) من حديث أبي هريرة. (٦) مسلم (١٠٢/٣). (٧) أحمد في ((المسند)) (١٩/٦)، والترمذي (٢٣٤٩)، والنسائي في ((الكبرى)) ((تحفة الأشراف)) (١١٠٣٣/٨). ٦٩٥ سورة طه وفي ((المسند)) و((سنن ابن ماجه))(١) عن أنسٍ مرفوعًا: ((ما منْ غني ولا فقير إلا وَّيومَ القيامةِ أَنَّ أُوِيَ قُرًا». وفي الترمذي (٢) عن أبي أُمامةَ - مرفوعًا: ((عرض عليَّ ربي أن يجعلَ لي بطحاء مكة ذهبًا، فقلتُ: لا يا ربِّ، ولكن أجوعُ يومًا وأشبعُ يومًا، فإذا جعتُ تضرعتُ إليكَ ودعوتُكَ، وإذا شبعْتُ حمدتُكَ وشكرتُكَ). وفي ((سنن ابن ماجه))(٣) أنَّ النبيَّ وَِّ بعثَ إلى رجلٍ يستمنحُهُ ناقةً فردَّهُ ثم بعث إلى آخرَ فبعثَ إليه بناقةٍ، فقالَ النبيِّ نَّهِ: ((اللهمَّ أكثرْ مالَ فلان. للمانعِ الأولِ - واجعلْ رزقَ فلانٍ يومًا بيومٍ - للذي بعثَ بالناقةِ)). وخرَّج ابنُ أبي الدنيا من حديث أبي هريرةَ - مرفوعًا: ((اللَّهُمَّ منْ أحبَّني فارزقْهُ العفافَ والكفافَ، ومن أبغَضَنِي فأكثر مالَهُ وولدَهُ». وفي الترمذيِّ وابن ماجه (٤) عن النبيِّ بَِّ قال: ((من أصبح منكُم آمنًا في سِرْبِهِ معانّى في بدنهِ عندَهُ قُوتُ يومه؛ فكأنَّما حيزت له الدنيا» . وخرَّجه الطبرانيُّ(٥) وزادَ في أوَّلِهِ: ((ابنَ آدمَ، جمعتُ عندَك ما يكفيكَ وأنتَ تطلبُ ما يطغيكَ، لا بقليلِ تقنعُ ولا منْ كثيرٍ تشبعُ)) وزادَ في آخرِهِ: ((فعلَى الدُّنْيا العفاءُ). وقال عمرُ: كونُوا أوعيةَ الكتابِ، ينابيعَ للعلمِ، وسلُوا اللَّهَ رزقَ يومٍ (١) أحمد (١١٧/٣)، (١٦٧/٣)، وابن ماجه (٤١٤٠). (٢) أحمد (٢٥٤/٥)، الترمذي (٢٣٤٧). (٣) ابن ماجه (٤١٣٤). (٤) الترمذي (٢٣٤٦)، وابن ماجه (٤١٤١). (٥) الطبراني في «الأوسط)) (٨٨٧٥). ٦٩٦ سورة طه بيوم، وعدَّوا أنفسكم في الموتى، ولا يضرُّكم أن لا يكثرَ لكُم. والكفافُ من الرزقِ: هو ما ليسَ فيه فضلٌ - بأن يكتَفي به صاحبه من غیرِ فضلٍ . ئے وجاء من حديث ابنِ عباسٍ - مرفوعًا: ((إنَّما يكْفِي أحدُكُم ما قنعتْ به نفسَهُ)) خرَّجِه ابنُ أبي الدنيا. والمرادُ أنَّ من اكتفى من الدنيا باليسيرِ وقنعتْ به نفسُهُ فقدْ كفاهُ ذلكَ واستغْنَى به وإنْ كان يسيراً. قال أبو حازمٍ: إنْ كان يغنيكَ ما يكفيكَ فإنَّ أدْنَى ما في الدنيا يكفيكَ - وإنْ كان لا يغنيكَ ما يكفيكَ فليسَ في الدنيا شيءٌ يكفيكَ. قال بكرٌ المزنيُّ: يكفيكَ من الدُّنْيا ما قنعْتَ به ولو كفُ تمرٍ وشربةُ ماءٍ. وقال الإمامُ أحمدُ: قليلُ الدنيا يكفِي وكثيرُ ما يكفِي يُغْنِي، إنَّ من اكتفى من الدنيا كفاهُ منها القليلُ، ومن لم يكتفِ لم يكفِهِ الكثيرُ، كما قالَ بعضَهُم، شعر: حقيقٌ بالتواضعِ منْ يموتُ ويكفي المرءَ من دنْيَاه قوتٌ وقال آخرُ : يكفي الفتى خلق وقوتُ ما أكثرَ القوتَ لمن يموتُ وقد مدحَ في هذا الحديثِ من صبرَ على كفافِ عيشِهِ وقنعَ بهِ، فأما الراضِي بذلكَ: فهو أعْلَى منزلةً من الصابرِ القانِعِ. وقد قيلَ: إنَّ الفقيرَ الراضي أفضلُ من الفقيرِ الصابرِ والغنيِّ الشاكرِ بالاتفاق . ٦٩٧ سورة طه وفي الحديثِ أنه - عليه السلامُ - كان يقولُ في دعائه: ((رضِّنْي بما قسمتَ لي)». وفي حديث آخرَ: ((إذا أرادَ بعبده خيراً رضَّاهُ بما قسَمَ له، وبارَكَ لهُ فیه))(١) ٠ (١) ((شرح حديث إن أغبط أوليائي عندي)) (ق ٩/ أ - ق ١٠/ ب). ١٠ ورو سُورَةُ الأَنْبَيَاء سور [ قال البخاريُّ](١): قوله تعالى: ﴿وَنَبلُوكُم بالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فتنة ٩ حدثنا مُسدَّدٌ، ثنا يحيى، عن الأعمشِ، حدَّثَني شقيقٌ، حدَّثَني حذيفةُ، قال: كنَّا جُلُوسًا عند عُمرَ، فقال: أيُّكُم يحفظُ قولَ رسولِ اللَّهِ مِّال في الفتْنَة؟ قلتُ: أنا كما قاله. قال: إنَّك عليه - أو عليها - لجريءٌ. قُلْتُ: ((فتنةُ الرَّجل في أهله وماله وولده وجاره، تُكفِّرُها الصلاةُ والصومُ والصَّدقةُ والأمْرُ والنَّهْيُ))، قال: ليس هذا أُرِيدُ، ولكن الفتْنَةَ التي تُمُوجُ كما يُوجُ البحرُ، قال: ليس عليك منها بأسٌ يا أمير المؤمنين، إنَّ بينك وبينها بابًا مُغْلقًا، قال: يُكْسَرُ أمْ يُفْتْحُ؟ قال: يُكْسرُ. قال: إذن لا يُغْلقُ أبدًا. قُلنا: أكان عُمرُ يعلَمُ البابَ؟ قال: نعمْ، كما أنَّ دونَ غدِ الليلةَ، إنِّي حدَّثْتُهُ حديثًا ليس بالأغاليطِ، فَهِبْنَا أن نسأل حذيفةً، فأمرْنا مسرُوقًا فسألَهُ، فقال: البابُ عمرُ. أصلُ الفتنة: الابتلاءُ والامتحانُ والاختبارُ، ويكون تارةً بما يسوء، وتارةً بما يَسرُّ، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وقال: ﴿وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]. (١) البخاري (١٤٠/١). ٦٩٩ سورة الأنبياء وغلبَ في العُرفِ استعمالُ الفتنةِ في الوقوعِ فيما يسوءُ. والفتنةُ نوعان: أحدهما: خاصة، تختص بالرجلِ في نفسِهِ، والثاني: عامَّة، تعمُّ الناسَ. فالفتنة الخاصة: ابتلاءُ الرجلِ في خاصةِ نفسِهِ بأهله ومالهِ وولده وجاره، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، فإنَّ ذلك غالبًا يُلهي عن طلبِ الآخرةِ، والاستعدادِ لها، ويشغل عن ذلك. ولَّا كان النبيُّنَّهِ يخطبُ على المنبرِ، ورأى الحسن والحسينَ يمشيان ويعثُرانِ وهما صغيرانٍ، نزلَ فحملَهُمَا، ثمَّ قال: ((صدق الله ورسولُهُ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، إني رأيتُ هذين الغُلامينِ يمشيانِ ويعْثرانٍ فلم أصبر)) (١) . وقد ذمَّ اللَّهُ تعالى منْ ألهاهُ مالُهُ وولدُهُ عن ذكرِهِ، فقال: ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالْكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. فظهرَ بهذا: أنَّ الإنسانَ يُبْتَلَى بمالِهِ وولدِهِ وأهلِهِ وبجارِهِ المجاور له، ويُفتتن بذلك، فتارةً يُلهيه الاشتغالُ به عمَّا ينفعه في آخرتِهِ، وتارةً تحملُهُ محبتُه على أنْ يفعلَ لأجله بعضَ ما لا يحبُّه اللّه، وتارةً يقصِّر في حقِّه الواجبِ عليه، وتارةً يظلمه ويأتي إليه ما يكرهُه اللَّهُ من قول أو فعلٍ، فيسألُ عنه ويطالب به . فإذا حصل للإنسان شيءٌ من هذه الفتن الخاصة، ثم صلَّى أو صامَ أو تصدَّقَ أو أمرَ بمعروف أو نهى عن منكرٍ كان ذلك كفَّارةٌ له، وإذا كان الإنسانُ (١) أحمد (٣٥٤/٥)، وأبو داود (١١٠٩)، والترمذي (٣٧٧٤)، وابن ماجه (٣٦٠٠)، وابن خزيمة (١٨٠١) (١٤٥٦)، وابن حبان (٦٠٣٩). ٧٠٠ سورة الأنبياء تسوؤه سيئتُه، ويعمل لأجلها عملاً صالحًا، كان ذلك دليلاً على إيمانه. وفي ((مسندِ بَقِيِّ بنِ مَخْلٍ) عن رجلٍ سأل النبيَّ ◌َّ: ما الإيمانُ يا رسولَ اللَّه؟ قال: ((أن تؤمنَ باللَّه ورسوله))، فأعادَهَا ثلاثًا، فقالَ له في الثالثةِ: ((أتحبُّ أن أخبرك ما صريحُ الإيمان؟)) فقالَ: ذلك الذي أردتُ، فقالَ: ((إن صريحَ الإيمان إذا أسأت أو ظلمتَ أحدًا، عبْدَك أو أَمَتَكَ، أو واحدًا من الناسِ، صُمْتَ أو تصدَّقَتَ وإذا أحسنتَ استبشرتَ)). وأمَّ الفتن العامةُ: فهي التي تموجُ موجَ البحر، وتضطربُ، ويتبعُ بعضُها بعضًا كأمواجِ البحرِ، فكانَ أوَّلُها فتنةَ قتلِ عثمانَ خِتَّه وما نشأ منها من افتراقِ قلوبِ المسلمينَ، وتشعبِّ أهوائهم وتكفيرِ بعضهم بعضًا، وسفك بعضِهم دماءَ بعضٍ، وكانَ البابَ المغلقَ الذي بين الناسِ وبين الفتنِ عُمَرُ - ضِ الَّهِ - وكان قتلُ عُمَرَ کسْرًا لذلكَ البابِ، فلذلكَ لم يُغْلَق ذلكَ البابُ بعدَه أبدًا . وكان حذيفةُ أكثرَ الناسِ سؤالاً للنبيِّ وَّهِ عن الفتنِ، وأكثرَ الناسِ علمًا بها، فكانَ عندَهُ عن النبيِّ رَّ علمٌ بالفتنِ العامةِ والخاصةِ، وهو حدَّث عُمَرَ تفاصيلَ الفتن العامَّة، وبالبابِ الذي بينَ الناسِ وبينَها، وأنه هو عمرُ، ولهذا قالَ: إِنِّي حدثتُهُ حديثًا ليس بالأغاليطِ، والأغاليطُ: جمع أغْلُوطة، وهي التي يُغَالطُ بها، واحدها: ((أُغْلُوطَةٌ)) و((مَغْلَطَةٌ))، والمعنى: أنه حدَّثْه حديثًا حقًّا، ليس فيه مرية، ولا إِنْهَامٍ. وهذا مما يُستدلُّ به على أنَّ روايةً مثلٍ حذيفةَ يحصلُ بها لِمَنْ سمعَها العلمُ اليقينيُّ الذي لا شكَّ فيه، فإنَّ حذيفةَ ذكرَ أن عُمرَ عِلِمَ ذلك وتيقنه كما تيقنَ