Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١ سورة الإسراء وقال سعيدُ بنُ المسيب: أحدثَ الناسُ الصوتَ عندَ الدعاءِ. وکرِهَه مجاهدٌ وغیرُهُ. وروى وكيعٌ، عن الربيعِ، عن الحسنِ - والربيع، عن يزيدَ بنِ أبانٍ، عن أنسٍ -: أنهما كرِها أن يُسمعَ الرجلُ جليسَهُ شيئًا من دعائه(١). (١) (فتح الباري)) (٢٣٨/٥ - ٢٣٩). ورو سورةَ الكَهْف قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لَيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّه حقٍّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ﴾ [ قال البخاريُّ] (١): ((بابُ: هل تُنْبَشُ قُبُورُ مُشركي الجاهليّة، ويُتخذُ مكانُها مساجدَ لقولِ النبيِّ نَّهِ: ((لعن الله اليهودَ، اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجدَ)(٢) وما يكرَهُ من الصلاةِ في القُبُورِ)): ورأى عمرُ أنسَ بنَ مالكٍ يُصلِّي عندَ قبرٍ، فقال: القبرَ القبرَ، ولم يأمرهُ بالإعادةِ. مقصودُ البخاريِّ بهذا البابِ: كراهةُ الصلاةِ بين القبورِ وإليها، واستدلَّ لذلكَ بأن اتَّخاذَ القبور مساجدَ ليسَ هو من شريعةِ الإسلامِ، بل من عملٍ اليهودِ، وقد لعنَهُمُ النبيُّ نَّهِ على ذلكَ. وقد دلَّ القرآنُ على مثلِ ما دلَّ عليه هذا الحديثُ، وهو قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ في قصةِ أصحابِ الكهفِ: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]، فجعل اتخاذَ القبورِ على المساجدِ من فعلِ أهلِ الغلبةِ على الأمورِ، وذلك يشعرُ بأنَّ مستندَهُ القهرُ والغلبةُ واتباعُ الهوى، وأنَّه ليس من فعلِ أهلِ العلمِ والفضلِ المتبعينَ لما أنزلَ اللَّهُ على رسله من الهُدَى. (١) ((صحيح البخاري)) (١١٦/١). (٢) أخرجه: البخاري (١١١/٢ - ١٢٨)، (١٣/٦)، ومسلم (٦٧/٢) من حديث عائشة خيراتها. ٦٤٣ سورة الكهف وإذا كرهت الصلاةُ إلى القبورِ وبينَها، فإن كانتِ القبورُ محترمةً اجتنْبَت الصلاةُ فيها، وإن كانتْ غيرَ محترمةِ كقبورِ مشركي الجاهليةِ ونحوِهِم ثَمَّن لا عهدَ له ولا ذمَّةً مع المسلمينَ، فإنه يجوزُ نبشُها ونقلُ ما يوجدُ فيها من عظامِهِم، والصلاةُ في موضعِها، فإنها لم تبقَ مقبرةٌ ولا بقيَ فيها قبورٌ، وقد نصَّ الإمامُ أحمدُ على ذلكَ في روايةِ المروذيِّ. وأمَّا ما ذكرَهُ عن عُمرَ بِّهِ، فمن روايةٍ سفيانَ، عن حميد، عن أنسٍ، قالَ: رآني عمرُ وأنا أصلِّي إلى قبرٍ، فجعلُ يشيرُ إليَّ: القبرَ القبرَ. ورواه إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، حدَّثه أنه قامَ يصلِّي إلى قبرٍ لا يشعرُ به، فناداه عمرُ: القبرَ القبرَ، قالَ: فظننتُ أنَّه يقولُ: القمرُ، فرفعتُ رأسي، فقال رجلٌ: إنَّه يقول: القبرُ، فتنحيتُ. وروي عن أنسٍ، عن عمرَ من وجوهِ أُخر. وروى همامٌ: ثنا قتادةُ، أنَّ أنسًا مرَّ على مقبرةٍ وهم يبنونَ مسجدًا، فقالَ أنسٌ: كان يكرهُ أن يبنى مسجدٌ في وسطِ القبورِ . وقال أشعثُ: عن ابنٍ سيرينَ: كانُوا يكرهونَ الصلاةَ بين ظهرانيِّ القبورِ. خرَّجِ ذلكَ كلَّه أبو بكرِ الأثرمُ. وقال: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ - يعني: أحمدَ - يُسألُ عن الصلاةِ في المقبرةِ؟ فكرَهَ الصلاةَ في المقبرةِ. فقيلَ له: المسجدُ يكونُ بين القبورِ، أيصلَّى فيه؟ فكره ذلك، قيل له: إنه مسجدٌ وبينه وبينَ القبورِ حاجزٌ؟ فكره أن يصلَّى فيه الفرضُ، ورخصَ أن يصلَّى فيه على الجنائزِ، وذكر حديثَ أبي مَرْتَدِ الغَنويِّ، عن النبيِّ وَّ ◌ِيهِ، قالَ: ((لا تصلُّوا إلى القبور))، وقال: إسنادٌ جيد. ٦٤٤ سورة الكهف وحديثُ أبي مَرْئد هذا: خرَّجه مسلمٌ(١)، ولفظُهُ: أنَّ النبيَّ وَلَّه قالَ: ((لا تجلسُوا على القبور، ولا تصلُّوا إليها)). ورُويَ عن عمرو بنِ يحيى المازنيِّ، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ، عن النبيّ وَّهِ، قالَ: ((جعلتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهوراً، إلا المقبرةُ والحمامُ)). خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجهَ والترمذيُّ، وابنُ حبانَ والحاكمُ حَهُ (٢). وصححَهُ(٢ وقد اختلفَ في إرسالِهِ ووصلِهِ بذكرِ ((أبي سعيدٍ)) فيه، ورجَّحَ كثيرٌ من الحفاظِ إرسالَهُ: عن عمرو بنِ يحيى، عن أبيه، ومنهم: الترمذيُّ والدارقطنيّ. وفي البابِ أحاديثُ أُخرُ، قد استوفيناها في ((كتابِ شرحِ الترمذيِ). وأمَّا ما ذكره البخاريُّ: أنَّ عمرَ لم يأمر أنسًا بالإعادةِ. فقد اختلفَ في الصلاةِ في المقبرةِ: هل تجبُ إعادتُها، أم لا؟ وأكثرُ العلماءِ على أنه لا تجبُ الإعادةُ بذلكَ، وهو قولُ مالك، والشافعيِّ، وأحمد في رواية عنه. والمشهورُ عن أحمدَ الذي عليه عامةُ أصحابِهِ: أنَّ عليه الإعادةَ؛ لارتكاب النهيِّ في الصلاة فيها. وهو قولُ أهلِ الظاهرِ - أو بعضِهِم - وجعلُوا النهي هاهنا لمعنى يختص 93 (١) ((صحيح مسلم)) (٦٢/٣). (٢) أخرجه: أحمد (٩٦/٣)، وأبو داود (٤٩٢)، وابن ماجه (٧٤٥)، والترمذي (٣١٧)، وابن حبان (١٦٩٩)، والحاكم (٢٥١/١). ٦٤٥ سورة الكهف بالصلاة من جهة مكانها، فهو كالنهيِّ عن الصلاةِ المختصِّ بها لزمانِها كالصلاةِ في أوقاتِ النهي، وكالصيامِ المنهي عنه لأجلِ زمنِهِ المختصِّ به كصيامٍ العیدین . حتى إن من أصحابنا من قالَ: متى قُلنا: النهيَّ عن الصلاةِ في المقبرةِ والأعطانِ ونحوِها للتحريمِ، فلا ينبغي أن يكونَ في بطلانِ الصلاةِ فيها خلافٌ عن أحمدَ، وإنما الخلافُ عنه في عدمِ البطلانِ مبنيٌّ على القولِ بأنه مكروهٌ کراهةُ تنزيهِ. وأكثرُ العلماءِ على أن الكراهةَ في ذلكَ كراهةُ تنزِيهِ، ومنهُم من رخَّص فيه . قال ابنُ المنذرِ: اختلفُوا في الصلاةِ في المقبرةِ، فرُوِّينا عن عليِّ وابنِ عباسٍ وعبدِ اللهِ بنِ عمرٍو وعطاءٍ والنخعي أنهم كرهُوا الصلاةَ فيها، واختلفَ عن مالك فيه، فحكى ابنُ القاسم عنه أنه قال: لا بأسَ به، وحكَى أبو مصعبٍ عنه أنه قال: لا أحبُّ ذلكَ. قال ابنُ المنذرِ: ونحنُ نكرهُ من ذلكَ ما كرههُ أهلُ العلم استدلالاً بالثابتِ عن النبيِّ وََّ، أنّه قال: ((اجعلُوا في بيوتِكُم من صلائِكُم، ولا تتخذُوها قبورًا))(١)، ففي هذا دليلٌ على أنَّ المقبرةَ ليستَ بموضعٍ للصلاةِ. قلتُ: قد استدلَّ البخاريُّ بذلكَ - أيضًا - وعقدَ له بابًا مفردًا، وسيأتي في موضعِهِ - إن شاء الله تعالى. قالَ ابنُ المنذرِ: وقد قالَ نافعٌ مولى ابنِ عمرَ: صلينا على عائشةَ وأمِّ سلمةَ (١) أخرجه: البخاري (١١٨/١)، (٧٦/٢)، ومسلم (١٨٧/٢). ٦٤٦ سورة الكهف وسطَ البقيعِ، والإمامُ يومئذٍ أبو هريرةَ، وحضرَ ذلك ابنُ عمرَ. قلتُ: صلاةُ الجنازة مستثناةٌ من النهيِّ عندَ الإمامِ أحمدَ وغيرِهِ، وقد سبقَ قولُ أحمدَ في ذلكَ. وقالَ - أيضًا - : لا يصلَّى في مسجدٍ بين المقابرِ إلا الجنائزُ؛ لأنَّ الجنائزَ هذه سنتُها. يشيرُ إلى فعلِ الصحابةِ لِّم . قال ابنُ المنذر: ورُوِّينا أنَّ وَاَثلةَ بن الأسْقَع كان يصلِّي في المقبرةِ، غير أنه لا يستترُ بقبرِ . قلتُ: لأنه هو روى عن أبي مرثدٍ حديثَ النهيِّ عن الصلاةِ إلى القبورِ، فكانَ يخصُّ النهي بحالةِ استقبالِ القبرِ خاصةً. قال ابنُّ المنذرِ: وصلَّى الحسنُ البصريَّ في المقابر. قلتُ: لعلَّه صلَّى على جنازة، فإنه روى عنه أنه أمرَ بهدمِ المساجدِ المبنيةِ في المقابرِ . قال: وكره عمرُ بنُ الخطاب وأنسُ بنُ مالك الصلاةَ إلى المقابرِ. انتهى ما ذكره. واختلفَ القائلونَ بالكراهةِ في علة النهي : فقال الشافعيُّ: علةُ ذلكَ النجاسةُ، فإن ترابَ المقابرِ يختلطُ بصديد الموتى ولحومِهِم، فإن كانتْ طاهرةً صحت الصلاةُ فيها مع الكراهة. وقسم أصحابه المقبرة إلى ثلاثة أقسام: ما تكرَّر نبشُها، فلا تصحّ الصلاةُ فيها، لاختلاط ترابها بالصَّديدِ. وجديدة لم تُنْبش، فتصحّ الصلاةُ فيها مع ٦٤٧ سورة الكهف الكراهة؛ لأنها مدفن للنجاسة. وما شُكَّ في نبشِها، ففي صحة الصلاة فيها قولان. واختلفَ أصحابُنا في علةِ النهي عن الصلاةِ، فمنهم من قالَ: هو مظنةُ النجاسةِ، ومنهم من قالَ: هو تعبِّد لا يُعْقِلُ. وقالُوا مع هذا: لا فرقَ بين أن تكونَ قديمة أو حديثةً، نُبشَتْ أو لم تُنْشُ، إذا تناولها اسمُ مقبرةٍ. قالُوا: فإن كان في بقعةٍ قبرٌ أو قبرانِ فلا بأسَ بالصلاةِ فيه، ما لم يصلِّ إلى القبرِ. وأنكرَ آخرونَ التعليلَ بالنجاسةِ، بناءً على طهارةِ ترابِ المقابرِ بالاستحالةِ، وعللوا: بأنَّ الصلاةَ في المقبرةِ وإلى القبور، إنَّما نَهَى عنه سدا لذريعة الشِّرْك، فإن أصلَ الشركِ وعبادة الأوثانِ كانتْ من تعظيمِ القبورِ، وقد ذكرَ البخاريَّ في ((صحيحِهِ)) في (تفسيرِ سورة نوحٍ)) عن ابنِ عباسٍ، معنى ذلك . وفي (صحيحِ مسلمٍ)) (١) عن جندب، سمعَ النبيُّ وَّ قبل أن يموتَ بخمسٍ يقولُ: ((إنَّ من كانَ قبلَكُمْ كانُوا يتخذونَ قبور أنبيائهِم وصالحيهم مساجدَ، ألا فلا تتخذُوا القبورَ مساجدَ، فإِنِّي أنهاكم عن ذلك)). وهذا يعمُّ كلَّ القبورِ . وخرَّج الإمامُ أحمدُ وابنُ حبانَ في ((صحيحِهِ))(٢) من حديثِ ابنِ مسعودٍ، (٢) أخرجه: أحمد (٤٠٥ - ٤٣٥)، وابن حبان (٦٨٤٧). (١) (٦٧/٢ - ٦٨). ٦٤٨ سورة الكهف عن النبيِّ نَّهِ، قالَ: ((إنَّ من شرارِ الناسِ من تدركُهُم الساعةُ وهم أحياءٌ، ومن يتخذُ القبور مساجد». وخرَّج الإمام أحمدُ وأبو داود والنسائيُّ(١) من حديثِ أبي صالحٍ، عن ابنٍ عباسٍ، عن النبيِّ وَِّ: ((لعنَ اللَّهُ زائرات القبور، والمتخذينَ عليها المساجدَ والسَّرُج)». وقال الترمذيُّ: حسنٌ - وفي بعضِ النُّخِ : صحيحٌ. وخرَّجهُ ابنُ حبانَ في ((صحيحِهِ)) والحاكمُ وصحَّحَهُ (٢). واختلفَ في أبي صالحٍ هذا، من هو؟ فقيلَ: إنه السمانُ - قاله الطبرانيُّ، وفيه بعدٌ، وقيلَ: إنه ميزانٌ البصريُّ، وهو ثقةٌ؛ قاله ابنُ حبانَ. وقيلَ: إنه باذَان مولى أمِّ هانئ؛ قاله الإمامُ أحمدُ والجمهورُ. وقد اختلفَ في أمرِهِ. فوثقه العجليّ. وقالَ ابنُمُعينٍ: ليس به بأسٌ، وقال أبو حاتم: يُكْتَبُ حديثُهُ ولا يحتجَّ به. وقال النسائيّ: ليس بثقةٍ، وضعفه الإمامُ أحمدُ وقالَ: لم يصحَّ عندي حديثُهُ هذا. وقال مسلمٌ في ((كتابِ التفصيلِ)): هذا الحديثُ ليسَ بثابتٍ، وأبو صالحٍ باذام قد اتقى الناسُ حديثَهُ، ولا يثبتُ له سماعٌ من ابنِ عباسٍ . (١) أخرجه: أحمد (٢٢٩/١ - ٢٨٧ - ٣٢٤ - ٣٣٧)، وأبو داود (٣٢٣٦)، والنسائي (٤ / ٩٤ - ٩٥). (٢) أخرجه: ابن حبان (٣١٧٩)، والحاكم (٣٧٤/١). ٦٤٩ سورة الكهف وروي عن زيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّه نهى أن يُبْنَى عند قبرِ أبيه مسجد. خرَّجه حربٌ الكرْمانيُّ . وقال أبو بكرِ الأثرمُ في كتابِ ((الناسخِ والمنسوخ)): إنما كرهتِ الصلاةُ في المقبرةِ للتشبهِ بأهلِ الكتابِ؛ لأنهم يتخذونَ قبورَ أنبيائِهِم وصالحِيهم مساجدَ. ووجدنا في كتابٍ مصنفٍ على مذهبِ سفيان الثوريِّ: وإذا صلَّى الرجلُ وبين يديه ميتٌ تنحَّى عنه. إنما كره الصلاةَ إلى القبورِ من أجلِ الميتِ، فإنْ صلَّى إليها فلا بأسَ. وفيه - أيضًا - : قال سفيانُ: ويكرهُ أن يصلِّي الرجلُ إلى القبورِ أو ما بينَ القبورِ. ثم قالَ: ومن صلَّى إلى القبورِ فلا إعادةَ عليهِ. وفيه: قال: ولا تعجبني الصلاةُ على الجنازةِ في المقبرةِ. وهذا قولُ الشافعيِّ وإسحاقَ ورواية عن أحمدَ؛ لعمومِ النهيِّ عن الصلاةِ في المقبرةِ. واستدلَّ من رخَّصَ في صلاة الجنازةِ في المقبرةِ: بأنَّ الصلاةَ على القبر جائزةٌ بالسنة الصحيحةِ، فعلم أنَّ الصلاةَ على الميتِ في القبورِ غير منهي عنها . [ قال البخاريُّ](١): ثنا محمد بنُ المثنى: ثنا يحيى، عن هشام: أخبرني أبي، عن عائشة، أن أمَّ حبيبةَ وأم سلمةَ ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاويرُ، فذكرتا ذلك للنبيِّ وَّهِ، فقال: ((إنَّ أولئك إذا كان فيهم الرَّجلُ الصالحُ فمات بنو على قبره مسجدًا، وصوَّرُوا فيه تلك الصُّور، وأولئك شرار الخلق عندَ اللَّه (١) ((صحيح البخاري)) (١١٦/١ - ١١٧). ٦٥٠ سورة الكهف يوم القيامة)). هذا الحديثُ يدلُّ على تحريمٍ بناءِ المساجدِ على قبورِ الصالحِينَ، وتصويرِ صورِهم فيها كما يفعلُهُ النصارَى، ولا ريبَ أنَّ كلَّ واحدٍ منهما محرمٌ على انفراده: فتصويرُ صورِ الآدميينَ محرمٌ، وبناءُ القبورِ على المساجدِ بانفرادِهِ محرمٌ، كما دلتْ عليه نصوصٌ أُخرُ يأتِي ذكرُ بعضِها. وقد خرَّج البخاريَّ في ((تفسيرِ سورةِ نوحٍ)) من ((كتابِهِ)) (١) هذا من حديث ابنِ جريرِ، فقالَ: عطاءٌ، عن ابنِ عباسٍ: صارتِ الأوثانُ التي كانتْ في قومٍ نوحٍ في العربِ تُعْبد، أما ((ودٌّ)): كانت لكلب بدومَةِ الجندَلِ، وأما ((سُواعٌ)): كانت لهذيلٍ، وأما ((يَغُوثُ)): فكانت لمراد، ثم لبني غُطيف بالجرفِ عند سبٍ، وأمَّا (يعُوقُ): فكانتْ لهمدانَ، وأمَّا ((نسْرٌ): فكانت لحمْيَر لآل ذي الكلاعِ : أسماء رجال صالحينَ من قومِ نوحٍ، فلما هلكُوا أوحى الشيطانُ إلى قومِهِم أن انصبُوا إلى مجالسِهِم التي كانُوا يجلسَون أنصابًا، وسمُّوها بأسمائهم، ففعلُوا، فلم تُعبد، حتى إذا هلكَ أولئك ونُسخَ العلمُ عُبدتْ. وقد ذكرَ الإسماعيليَّ: أن عطاءً هذا هو الخراسانيّ، الخراسانيّ لم يسمع من ابنِ عباسٍ. والله أعلمُ. فإن اجتمعَ بناءُ المسجدِ على القبورِ ونحوِها من آثارِ الصالحِينَ مع تصويرِ صورِهِم، فلا شكَّ في تحريمِه، سواءٌ كانتْ صورًا مجسدةً كالأصنامِ أو على حائطٍ ونحوِه، كما يفعلُه النصارى في كنائسهم، والتصاويرُ التي في الكنيسةِ التي ذكرتها أمَّ حبيبة وأمَّ سلمة أنهما رأتاها بالحبشة كانت على الحيطان (١) ((صحيح البخاري)) (١٩٩/٦). ٦٥١ سورة الكهف ونحوِها، ولم يكنْ لها ظلٌّ، وكانتْ أمُّ سلمةَ وأمَّ حبيبة قد هاجرتا إلى الحبشة. فتصويرُ الصورِ على مثل صورِ الأنبياءِ والصالحينَ، للتبركِ بها والاستشفاعِ بها محرَّمٌ في دينِ الإسلامِ، وهو من جنسِ عبادة الأوثانِ، وهو الذي أخبر النبيُّ وَلِّ أن أهلَه شرارُ الخُلقِ عندَ اللَّهِ يومَ القيامةِ. وتصوير الصورِ للتآنسِ برؤيتها أو للتنزهِ بذلك والتَّلهي محرَّم، وهو منَ الكبائرِ وفاعلُه من أشدِّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ، فإنه ظالمٌ ممثِّلٌ بأفعال اللَّه التي لا يقدرُ على فعِلهَا غيرُهُ، واللَّهُ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] لا في ذاتِهِ ولا في صفاتِهِ ولا في أفعاله سبحانه وتعالى(١) . قوله عز وجل: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًّا ﴿2﴾ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدَا﴾ وسببُ نزولِهَا: أنّ قومًا سألُوا النبيَّ نَّه عن قصةٍ، قال: غدًا أخبرُكُم، ولمْ يقلُ إنْ شاء اللَّهُ. فاحتبس الوحيُ عنه مدةً، ثم نزلت هذه الآيةُ. وفي الحديثِ الصحيح(٢): أنَّ سليمانَ - عليه السلامُ - قال: ((لأطوفِنَّ الليلةَ على مائة امرأة)) الحديث . (١) ((فتح الباري)) (٣٩٧/٢ - ٤٠٥). (٢) أخرجه البخاري (٢٧/٤)، ومسلم (٨٧/٥). ٦٥٢ سورة الكهف وفي الحديث: أنَّ بني إسرائيلَ، لو لمْ يقولُوا: ((إنْ شاء اللَّه)) ما اهتدُوا أبدًا يعني إلى البقرة التي أُمروا بذبحها . وفي الحديثِ الذي في ((المسندِ)) و(السننٍ)) (١): أنَّ يأجوجَ ومأجوجَ يحفرونَ كلَّ يومٍ السدَّ حتى يكادُوا يروا منه شُعَاعَ الشمسِ، ثم ينصرفونَ ويقولونَ غدًا نفتحُهُ فإذا رجعُوا من الغد وجدُوه كما كان أولاً حتى يأذنَ اللَّهُ في فتحِهِ، فيقولونَ: غدًا نفتحُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، فيرجعونَ فيجدونَهُ كما تركوه فیفتحونه . قال إبراهيمُ بنُ أدهمَ: قال بعضُهم: ما سألَ السائلونَ مسألةً هي أنجحُ من أن يقولَ العبدُ: ما شاء اللَّهُ قال: يعني بذلك: التفويضَ إلى اللّهِ. وكان مالكُ بنُ أنسِ كثيرًا يقولُ: ما شاءَ اللَّهُ ما شاءَ اللَّهُ. فعاتبه رجلٌ على ذلكَ. فرأى في منامِهِ قائلاً يقولُ: أنت المُعاتبُ لمالك على قوله ما شاء اللَّه، لو شاءَ مالكٌ أنْ يثقبَ الخردلَ بقوله ما شاءَ اللَّهُ فعلَ. قال حمادُ بنُ زيدٍ: جعلَ رجلٌ لرجلٍ جُعلاً على أنْ يعبرَ نهرًا، فعبرَ حتى إذا قربَ من الشطِّ، قال: عبرتُ واللَّهِ، فقالَ له الرجلُ: قلْ إن شاء اللَّهُ. فقال: شاءَ اللَّهُ أو لم يشأ، قال: فأخذَتْهُ الأرضُ. فلا ينبغي لأحدٍ أن يُخبر بفعلٍ يفعله في المستقبلِ إلا أنْ يُلحقَهُ بمشيئة الله، فإنَّه ما شاءَ اللَّهُ كان وما لم يشأ لم يكنْ. والعبدُ لا يشاءُ إلا أنْ يشاءَ اللَّهُ له. فإذا نسِيَ هذه المشيئةَ ثم تذكَّرِها فقالَهَا عند ذكرها ولو بعدَ مدة، فقد امتثلَ ما أُمِرَ به، وزالَ عنه الإثمُ، وإنْ كان لا يرفعُ ذلك عنه الكفارةَ، ولا (١) أخرجه: أحمد (٥١٠/٢ - ٥١١)، والترمذي (٣١٥٣)، وابن ماجه (٤٠٨٠) من حديث أبي هريرة ضِى له. ٦٥٣ سورة الكهف الحِنثَ في يمينِهِ، ولهذا في كلامٍ أبي الدرداءِ: اللَّهُمَّ اغفرْ لي وتجاوزْ عنِّي. فلم يسألُ إلا رفعَ الإثمِ دونَ رفعِ الكفارةِ. رُوي عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، في قولِهِ تعالي: ﴿وَاذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، قال: يقولُ: إذا حلفتَ فنسيتَ الاستثناءَ فاستثنٍ إذا ذكرتَ، ولو بعدَ خمسة أشهرٍ أو ستةَ أشهرٍ؛ فإنَّه يجزئك ما لم تحنثْ. خرَّجه آدمُ بنُ أبي إياسٍ في ((تفسيرِهِ)). وعلى هذا حَملَ قولَ ابنِ عباسٍ وأصحابِهِ طائفةٌ من العلماءِ، منهم: أبو مسعودِ الأصبهانيُّ الحافظُ وابنُ جريرِ الطبريُّ. وكذا يُقال في هذا الحديثِ من تقدُّم الاستثناء؛ فإنَّ تقديمَه أبعدُ من تأخيره عن اليمينِ، فإنَّ اليمينَ لم تُوجد بالكليّة وفي تأخيرِهِ وجدتْ. وقد قالَ مالكٌ في الاستثناءِ في اليمينِ: إنْ ذكرَ المشيئةَ يريدُ بها الاستثناءَ نفعَهُ ذلك في منعِ الحنثِ، وإنْ كانَ إنَّما أراد امتثالَ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدََّ ﴿٣٢: إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ -٢٤] ثم حنثَ، فإنِّي أرى الكفارةَ نقلَهُ ابنُ المنذرِ وغيرُهُ وكذلك حكاهُ أبو عُبيد عن بعضِ العلماءِ. وترددَ بعضُ العلماء في وجوبِ الكفارةِ في هذا القسمِ؛ لترددِّ نظرِهِ بين اللفظ والمعْنَى. فلفظُهُ معلَّقٌ بالمشيئةِ، ومعناهُ الجزمُ بالفعلِ غير معلقٍ، وإنَّما ذكرَ الاستثناء تحقيقًا وتأكيدًا للفعلِ. وفي الجملةِ: فينبغي حملُ حديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ(١) هذا على هذا المعنى، وأنْ تُقدَّم المشيئةُ على كلِّ قولٍ يقولُه وحلفٍ يحلفُهُ ونذرِ ينذرُهُ، ليخرجَ بذلكَ (١) أخرجه: أحمد (١٩١/٥)، والحاكم (٥١٦/١). ٦٥٤ سورة الكهف من عهدة استقلال العبد بفعله، وليحققَ العبدُ أَنَّه لا يكونُ مما يعزم عليه العبدُ ٩ ويقولُه من حلفٍ ونذرِ وغيرِهما إلا ما شاءَ اللَّهُ وأرادَهُ، ولهذا قال بعدَهُ: ((ما شئتَ كان وما لم تشأ لم يكنْ، ولا حول ولا قوَّةً إلا بكَ، إِنَّك على كلِّ شيء قديرٌ) (١). فتبرأ من حولِهِ وقوتِهِ ومشيئته بدون مشيئة الله وحوله وقوته، وأقرَّ لربِّه بقدرتِهِ على كلِّ شيءٍ وأنَّ العبدَ عاجزٌ عن كلِّ شيءٍ إلا ما أقدرَهَ عليه ربُّه. ففي هذا الكلامِ: إفرادُ الربِّ تعالى بالحولِ والقوة والقُدرة والمشيئة، وأنَّ العبدَ غيرُ قادرٍ من ذلكَ كلِّه إلا على ما يقدره مولاهُ، وهذا نهايةُ توحيد الربوبية . وللشافعيِّ من أبياتٍ شعر: ما شئتَ كانَ وإنْ لم أشأْ وما شئتُ إنْ لم تشأ لم يكنْ وقد حملَ طائفةٌ منهُم الإمامُ أحمدُ كلامَ ابنِ عباسٍ في تأويلِ الآيةِ على وجهٍ آخرَ، وهو: أنَّ الرجلَ إذا قال: لا أفعلُ كذا وكذا، ثم أرادَ فعلَهُ فإنَّه يستثني، ويقولُ: إن شاءَ اللَّهُ، ثم يفعلُهُ ويتخلَّصُ بذلكَ من الكذبِ إذا لم يكنْ حلف على يمين. وكان يحيى بنُ سعيد القطانُ، إذا قالَ: لا أفعلُ كذا. لا يفعلُه أبدًا، فإذا قيلَ له: لم تحلفْ؟ يقولُ: هذا أشدُّ - يعني الكذبَ - لو كنتُ حلفتُ كان أهونُ، كُنتُ أكفِّرُ يميني وأفعلُهُ. وسُئل الإمامُ أحمدُ عمَّن يقولُ: لا آكلُ ثم يأكلُ، قال: هو كذبٌ، لا ينبغي أنْ يفعلَ ذلك. (١) جزء من حديث زيد بن ثابت المتقدم تخريجه. ٦٥٥ سورة الكهف ونقل الوليدُ بنُ مسلمٍ - في ((كتابِ الأيمان والنذورِ) عن الأوزاعيِّ، في رجلٍ كُلِّم في شيءٍ فيقول: نعمْ، إن شاءَ اللَّهُ، ومن نيتِهِ أن لا يفعلَ. قال: هذا الكذبُ والخُلف. قال: إنَّما يجوزُ المُستثنى في اليمينِ، قيلَ لهُ: فإنَّه قالَ: نعم إنْ شاءَ اللَّهُ ومن نيتِهِ أنْ يفعلَ، ثم بدا لهُ أن لا يفعلَ. قال: له ثُنْياه. وهذا يدلُّ على أنَّ الاستثناءَ بالمشيئةِ في غيرِ اليمينِ إنَّما ينفعُ لمن لم يكن مصممًا على مخالفة ما قالَهُ من أولِ كلامِهِ(١) . قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ ◌ِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيْثُوا يُغَثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ ١١ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقَا﴾ قال الزجاجُ: السرادقُ: كلُّ ما أحاطَ بشيءٍ نحو الشقة في المضربِ والحائطِ المشتملِ على الشيءِ، وقال ابنُ قتيبةَ: السرادقاتُ: الحرةُ التي تكونُ حولَ الفسطاطِ، قيلَ: هو الدهليزُ، معربٌ، وأصلُهُ بالفارسية: سرادارُ، وقالَ ابنُ عباسٍ : هو سرادقُ من نارٍ . وروى ابنُ لهيعةَ عن درَّاجِ عن أبي الهيثمَ عن أبي سعيد الخدريِّ عن النبيِّ وَلِّ قالَ: ((سرادقُ أهلِ النارِ أربعةُ جدر، كثفُ كلِّ جدار مسيرةَ أربعين سنةً)) خرّجه الترمذيُ (٢) . وإحاطةُ السرادقِ بهم قريبٌ من المعنى المذكورِ في غلقِ الأبوابِ، وهو شبهُ (١) شرح حديث: (لبيك اللهم لبيك)) (٣٦ - ٤٤). (٢) في ((الجامع)» (٢٥٨٤). (٦٥٦ سورة الكهف قولٍ من قالَ: إنه حائطٌ لا بابَ لهُ. ولما كانَ إحاطةُ السرادِق بهم موجبٌ لهمِّهِم وغمِّهِم وكربِهِم وعطشِهِم لشدةِ وهجِ النارِ عليهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَهُم ﴿ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمَّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ (٢١ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢١- ٢٢]. قال أبو معشرٍ: كنا في جنازةٍ مع أبي جعفرِ القاري فبكى أبو جعفرٍ، ثم قالَ: حدَّثني زيدُ بنُ أسلمَ، أنَّ أهل النارِ لا يتنفسونَ، فذلك الذي أبكاني. خرَّجه الجوزجانيّ. وخرَّجُ ابنُ أبي حاتمٍ من طريقِ إبراهيمَ بنِ الحكمِ بنِ أبانَ عن أبيهِ عن عكرمةَ، قال: على كلِّ بابٍ من أبوابِ النارِ سبعونَ ألفَ سرادقٍ من نارٍ، في كلِّ سرادقٍ منها سبعون ألفَ قبةٍ من نارٍ، في كلِّ قبةٍ منها سبعون ألفَ تنورِ من نارٍ، في كلِّ تنورٍ منها سبعون ألفَ كوةٍ من نارٍ، في كلِّ كوةٍ منها من نار. على كلِّ صخرةٍ سبعونَ ألفَ صخرةٍ منها سبعون ألفَ حجرٍ من نارٍ، على كلِّ حجرٍ منها سبعونَ ألفَ عقربٍ من نارٍ، لكلِّ عقربٍ منها سبعون ألفَ ذنبٍ من نارٍ، لكلِّ ذنبٍ منها سبعونَ ألفَ فقارةٍ من نارٍ، في كلِّ فقارة منها سبعونَ ألفَ قلةٍ من سمٌّ وسبعونَ ألفَ موقدٍ من نارِ يوقدونَ تلك النارَ، وذكر تمامَ الحديثِ، وسيأتي فيما بعد إن شاء اللَّهُ تعالى؛ وفيه: ((إنهم يهوونَ من بابٍ إلى بابٍ خمسمائةَ سنةٍ» وهو غريبٌ ومنكرٌ، وإبراهيمُ بنُ الحكمِ بنِ أبانَ صَعيف تركه الأئمةُ. ٦٥٧ سورة الكهف وأبوابُ جهنّم قبلَ دخولِ أهلِها إليها يومَ القيامةِ مغلقةٌ كما دلَّ عليه ظاهرٌ قولهِ تعالى: ﴿وَسِيْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًّا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [ الزمر: ٧١]. وفي حديثِ أبي هارونَ العبدي وهو ضعيفٌ جداً عن أبي سعيد الخدريِّ عن النبيِّ وَّ في قصة الإسراءِ، قال: ((ثم عُرضتْ عليَّ النارُ، فإذا فيها غضبُ اللَّه وزجره ونقمته، لو طرحَ فيها الحجارةُ والحديدُ لأكلتْها، ثم أغلقتْ دونِي)). وقد رُويَ أن أبوابَها تفتحُ كلَّ يومٍ نصفُ النهارِ، وسنذكرُهُ فيما بعدُ - إن شاء اللّه تعالى. وروى الإمامُ أحمدُ عن إسحاقَ الأزرقيِّ عن شريكِ عن الركينِ عن أبيه، قال: رأى خبابُ بنُ الأرتِّ رجلاً يصلِّي نصفَ النهارِ فنهاه، وقال: إنها ساعةٌ تفتحُ فيها أبوابُ جهنَّمَ فلا تصلٌّ فيها . وقد وردَ ما يستدلُّ به على أنها مفتحةٌ، ففي ((الصحيحينِ))(١) عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ قالَ: ((إذا جاءَ رمضانُ فتحتْ أبوابُ الجنة وغلِّقَتْ أبوابُ النارِ وصفدتِ الشياطينُ ومردةُ الجنِّ). وخرَّج الترمذيُّ(٢) من حديث أبي هريرةَ عنِ النبيِّ بَِّ قالَ: ((إذا كان أولُ ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطينُ ومردةُ الجنِّ وأغلقتْ أبوابُ النارِ، فلم يفتح منها بابٌ، وفتحتْ أبوابُ الجنة فلم يغلق منها بابٌ)). ولكنْ قد قيلَ: إن إغلاقَ أبواب النارِ إنَّما هو عن الصائمينَ خاصةً، (١) أخرجه: البخاري (٣٢/٣)، (١٤٩/٤)، ومسلم (١٢١/٣). (٢) ((الجامع» (٦٨٢). ٦٥٨ سورة الكهف وكذلك فتحُ أبوابِ الجنةِ هو لهم خاصةً. وفي حديثِ القاسمِ العربيِّ عن الضحاكِ عن ابنِ عباسٍ عنِ النبيِّ بَّ في فضلِ رمضانَ، قالَ فيه: ((فيفتحُ فيها)) أي في أولِ ليلةٍ منه: ((أبوابُ الجنة للصائمينَ من أمة محمد ◌َّ، فيقولُ اللَّهُ: يا رضوانُ، افتحْ أبوابَ الجنانِ، ويا مالكُ، أغلِقْ أبوابَ الجحيمِ عن الصائمينَ من أمَّةِ محمد ◌َِّله)) وهذا منقطعٌ، فإن الضحاكَ لم يسمعْ من ابنِ عباسٍ (١) . قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًّا﴾. قال ابن الجوزي في ((المقتبس)): سمعت الوزير(٢) يقولُ: في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٣٩]، قال: ما قالَ: ما شاءَ اللَّه كانَ ولا يكونُ، بلْ أطلقَ اللَّفْظَ؛ ليعمَّ الماضي والمستقبلَ والراهنَ. و وسمعته يقول: وتدبرتُ قولَه تعالى: ﴿لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]، فرأيت لها ثلاثةَ أوجه. أحدُها: أن قائلَها يتبرأُ من حولِهِ وقوتِهِ، ويسلِّمُ الأمرَ إلى مالكه. والثاني: أنه يعلمُ أنْ لا قوةً للمخلوقينَ إلا باللّه، فلا يخافُ منهم؛ إذ قُواهُم لا تكونُ إلا باللّهِ، وذلك يوجبُ الخوفَ من اللَّهِ وحدَهُ. والثالثُ: أَنَّه ردَّ على الفلاسفة والطبائعيين الذين يدَّعونَ القُوى في الأشياءِ (١) ((التخويف من النار)) (٦٤ - ٦٧). (٢) هو : يحيى بن محمد بن هبيرة. ٦٥٩ سورة الكهف بطبيعتها، فإنَّ هذه الكلمةَ بَّنَتْ أنَّ القَويَّ لا يكُونُ إلا باللَّه (١). قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ وقولُهُ بَّهِ: ((أتبعِ السَّيِّئَةَ الحسنةَ تمحُها)) ظاهرُهُ أنَّ السّيئاتِ تُمحَى بالحسناتِ، وقد تقدَّم ذكرُ الآثارِ التي فيها أنَّ السيئةَ تمحى من صُحفِ الملائكةِ بالحسنةِ إذا عُمَلتْ بعدَهَا، قال عطيَةُ العوفيُّ: بلغنِي أَنَّه من بكى على خطيئتهِ مُحيتْ عنه، وكُتِبتْ له حسنةٌ، وعن عبدِ اللهِ بنِ عمرو، قالَ: من ذكرَ خطيئةٌ عمِلِهَا، فوَجِلَ قلبُهُ منها، فاستغفرَ اللَّهَ عزَّ وجلَّ لم يَحْبِسْها شيءٌ حتى يمحوها عنه الرَّحمنُ. وقال بِشْرُ بنُ الحارثِ: بلغني عن الفضيلِ بنِ عياضٍ، قالَ: بكاءُ النَّهارِ يمحُو ذنوبَ العلانيةِ: وبكاءُ الليلِ يمحُو ذنوبَ السِّرِّ، وقد ذكرَنَا قولَ النبيَّ وَلَهَ: ((ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفعُ به الدرجات)» الحدیث . وقال طائفةٌ: لا تُمحَى الذنوبُ من صحائفِ الأعمالِ بتوبةٍ ولا غيرِها، بل لابُدَّ من أن يُوقفَ عليها صاحبُها ويقرأُها يومَ القيامةِ، واستدلَّوا بقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيَلْتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، وفي الاستدلالِ بهذهِ الآيةِ نظرٌ، لأَنَّه إنَّما ذكرَ فيها حالَ المجرمينَ، وهم أهلُ الجرائمِ، والذنوبِ العظيمةِ، فلا يدخلُ فيهم المؤمنونَ التائبونَ من ذنوبِهِم، أو المغمورةِ ذنوبهم بحسناتِهِم. وأظهرُ من هذا، الاستدلالُ بقولِهِ تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَلَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٧ (١) ((طبقات الحنابلة)) (٢٦٥/٣). ٦٦٠ سورة الكهف وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، وقد ذكر بعضُ المفسرينَ أنَّ هذا القولَ هو الصحيحُ عند المحققينَ، وقد رُوي هذا القولُ عن الحسنِ البصريِّ، وبلالِ بنِ سعدِ الدمشقيِّ، قال: الحسنُ في العبدِ يذنبُ، ثم يتوبُ، ويستغفرُ: يُغفر له، ولكن لا يُمحاه من كتابِهِ دونَ أن يقِفَه عليه، ثم يسأله عنه، ثم بكى الحسنُ بكاءً شديداً، وقال: لو لم نبكِ إلا للحياءِ من ذلك المقامٍ، لكان ينبغي لنا أن نبكي. وقال بلالُ بنُ سعد: إنَّ اللَّهَ يغفر الذنوبَ، ولكن لا يمحُوها من الصحيفة حتى يُوقفه عليها يومَ القيامةِ وإن تابَ. وقال أبو هريرة: يُدني اللَّهُ العبدَ يومَ القيامةِ، فيضعُ عليه كنَفَهُ، فيستُرُهُ من الخلائقِ كُلِّها، ويدفعُ إليه كتابَهُ في ذلكَ السترِ، فيقولُ: اقرأ يا ابنَ آدمَ كتابَك، فيقرأُ، فيمرُّ بالحسنةِ، فيبيضُّ لها وجهُهُ، ويُسرُّ بها قلبُهُ، فيقولُ اللَّهُ: أتعرفُ يا عبدِي؟ فيقولُ: نعم، فيقولُ: إنِّي قبلتُها منكَ، فيسجدُ، فيقولُ: ارفع رأسكَ وعُدْ في كتابِك، فيمُّ بالسيَِّةِ، فيسودُّ لها وجههُ، ويُوْجَلُ منها قلبُه، وترتعدُ منها فرائصُهُ، ويأخذُه من الحياءِ من ربِّه ما لا يعلمُهُ غيرُهُ، فيقول: أتعرفُ يا عبدِي؟ فيقول: نعم يا ربِّ، فيقولُ: إنِّي قد غفرتُها لكَ، فيسجدُ، فلا يرى منه الخلائقُ إلا السُّجودَ حتى ينادِي بعضُهم بعضًا: طُوبى لهذا العبد الذي لم يَعصِ اللَّه قطُّ، ولا يدرونَ ما قد لقِيَ فيما بينه وبينَ ربِّه ثَمّا قد وقفَهُ عليه(١). وقال أبو عثمانَ النَّهْديُّ عن سلمانَ: يُعطَى الرجلُ صحيفتَهُ يومَ القيامةِ، فيقرأ أعلاها، فإذا سيئاتُهُ، فإذا كادَ يسوءُ ظنُّه، نظرَ في أسفلِهَا، فإذا (١) روى البخاري نحو ذلك عن ابن عباس مرفوعًا (٣٥٣/٨).