Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
سورة النساء
سبحانَهُ أهلٌ أن يُخشى ويُهابَ، ويُجلَّ ويُعَظَّمَ في صدورِ عبادِهِ حتَّى يعبدوهُ
ويُطيعوهُ، لما يستحقُّه من الإجلالِ والإكرامِ، وصفاتِ الكبرياءِ والعظمةِ وقوَّةً
البطشِ، وشدَّةِ البأسِ .
وفي الترمذيِّ عن أنس عن النبيِّ وَّ في هذه الآيةِ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ
الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] قال: ((قال اللَّهُ تعالى: أنا أهلٌ أنْ أُنَّقى، فمنْ اتَّقاني فلم يَجْعَل
معِي إلهًا آخرَ، فأنا أَهْلٌ أن أغْفِرَ له)(١).
وتارةً تُضافُ التقوى إلى عقابِ اللَّهِ وإلى مكانِهِ، كالنارِ، أو إلى زمانه،
كيومِ القيامةِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل
عمران: ١٣١]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعدَّتْ
لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾
[البقرة: ٢٨١]، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨، ١٢٣].
ويدخلُ في التقوى الكاملةِ فعلُ الواجباتِ وتركُ المحرَّماتِ والشبهاتِ،
وربما دخلَ فيها بعدَ ذلكَ فعلُ المندوباتِ، وتركُ المكروهاتِ، وهيَ أعْلى
درجات التَّقوى، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿الَمَ ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدَّی
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
٢
لِلْمُتَّقِينَ
٣
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١ -٤].
وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِينَ
وَأَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ إلى قولِهِ: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
(١) أخرجه: الترمذي (٣٣٢٨).

٣٦٢
سورة النساء
قال معاذُ بنُ جبلٍ: يُنادَى يومَ القيامةِ: أين المتقونَ؟ فيقومون في كَنَفٍ من
الرحمنِ لا يحتجِبُ منهُم ولا يستترُ، قالُوا لَهُ: مَن المتَّقونَ؟ قال: قومٌ اتَّقوا
الشِّركَ وعبادة الأوثان، وأخلصُوا للَّهِ بالعبادةِ.
وقالَ ابنِ عباسٍ : المَنَّقونَ الذين يحْذَرون من اللَّهِ عقوبتَه في تركِ ما يعرِفُون
من الهُدى، ويَرجونَ رحمته في التصديقِ بما جاء به.
وقال الحسنُ: المتقونَ اتَّقَوْا ما حُرِّم عليهِم، وأدَّوا ما افْتُرِضَ عليهم.
وقال عُمرُ بنُ عبد العزيزِ: ليسَ تقوى اللَّهِ بصيامِ النهارِ، ولا بقيامِ الليلِ،
والتخليط فيما بيْنَ ذلكَ، ولكنَّ تقوى اللَّه تركُ ما حرَّمَ اللَّهُ، وأداءُ ما افترضَ
اللَّه، فمن رُزِقَ بعدَ ذلك خيرًا، فهو خيرٌ إلى خيرٍ.
وقال طلقُ بن حبيب: التَّقوى أن تعملَ بطاعةِ اللَّهِ على نورٍ من اللَّهِ ترجُو
ثوابَ اللَّه، وأن تتركَ معصيةَ اللَّهِ على نورٍ من اللَّهِ تخافُ عقابَ اللَّهِ .
وعن أبي الدرداءِ قالَ: تمامُ التقوى أن يتقيَ اللَّهَ العبدُ حتى يتقيَهُ من مثقال
ذَرَّةٍ، حتى يترك بعضَ ما يرى أنه حلالٌ خشيةَ أن يكونَ حرامًا يكونَ حجابًا
بينه وبين الحرامِ، فإنَّ اللَّهَ قد بيَّنَ للعبادِ الذي يُصيرِهم إليه فقال: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٢﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧-٨]، فلا تحقرنَّ
شيئًا من الخيرِ أن تفعلَهُ، ولا شيئًا من الشرِّ أن تتقيَهُ.
وقال الحسنُ: ما زالت التَّقوى بالمتقينَ حتَّى تركُوا كثيرًا من الحلال مخافةً
الحرامِ.
وقال الثوريُّ: إنَّما سُمُّوا متقينَ، لأنهم اتقوا ما لا يُتْقَى.
وقال موسى بنُ أعْينَ: المتقونَ تنزَّهوا عن أشياءَ من الحلال مخافةَ أن يقعُوا

٣٦٣
سورة النساء
في الحرامِ، فسماهُم اللَّهُ متقينَ.
وقد سبقَ حديثُ: ((لا يبلغُ العبدُ أن يكونَ من المتقينَ حتَّى يدعَ ما لا بأسَ به حذرًاً
مما به بأس))(١) وحديث: ((من اتَّقى الشُّبهات استبرأ لدينه وعِرْضه))(٢).
وقال ميمونُ بنُ مِهرانُ: الْمَّقِي أشدُّ محاسبةً لنفسِهِ، من الشريكِ الشحيحِ
لشریکه.
وقال ابنُ مسعودٍ في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]،
قال: أن يُطاعَ، فلا يُعصَى، ويُذكرُ فلا يُنْسَى، وأن يُشكرَ، فلا يُكفر.
وخرَّجه الحاكمُ مرفوعًا (٣)، والموقوفُ أصحُ، وشكرُه يدخلُ فيه جميعُ
فعلِ الطاعاتِ .
ومعنى («ذكرِهِ فلا يُنْسى)): ذكرُ العبدِ بقلبِهِ لأوامرِ اللَّه في حركاته وسكناته
وكلماته فيمثلها، ولنواهِيهِ في ذلكَ كلِّه فيجتنبهَا .
وقد يغلبُ استعمالُ التقوى على اجتنابِ المحرَّماتِ، كما قالَ أبو هريرةَ
وسئلَ عن التَّقوى، فقالَ: هلْ أخذتَ طريقًا ذا شوْكِ؟ قالَ: نعم، قالَ:
فكيف صنعت؟ قالَ: إذا رأيتُ الشوكَ عدلتُ عنه، أو جاوزتُه، أو قصرتُ
عنه، قال: ذاك التَّقوى.
وأخذ هذا المعنى ابنُ المعتز فقال:
خلِّ الذُّنوب صَغيرَها وكبيرَها فهوَ التُّقَى
(١) أخرجه: الترمذي (٢٤٥١)، وابن ماجه (٤٢١٥).
(٢) أخرجه: البخاري (١/ ٢٠)، ومسلم (٥٠/٥ - ٥١).
(٣) الحاكم (٢٩٤/٢) موقوفًا .

٣٦٤
سورة النساء
واصْنَع كماشٍ فَوْقَ أرْ ضِ الشَّوْكِ يحْذَرُ ما يرَى
لا تحْقِرَنَّ صغيرةً إنَّ الجبالَ من الحَصَى
وأصلُ التَّقوى: أن يعلمَ العبدُ ما يُتَّقَى ثم يتَّقِي، قال عونُ بنُ عبدِ اللَّهِ:
تمامُ التقوى أن تبتغيَ علمَ ما لم تعلمْ منها إلى ما علمتَ منها.
وذكر معروفٌ الكرخِيُّ عن بكر بن خُنيسٍ، قال: كيف يكون متقيًّا من لا
يدري ما يَتَّقي؟ ثم قال معروفٌ: إذا كنتَ لا تحسنُ تتقي أكلتَ الرِّبًا، وإذا
كنتَ لا تُحسن تتقي لقيتك امرأةٌ فلم تَغُضَّ بصرَك، وإذا كنتَ لا تُحسنُ تتقي
وضعتَ سيفَكَ على عاتقِكَ، وقد قالَ النبيُّ وَّ لمحمدِ بنِ مسلمةَ: ((إذا رأيتَ
أُمَّتَي قد اختلفَتْ، فاعمدْ إلی سیفكَ فاضْرِبْ به أُحُد)».
ثم قال معروفٌ: ومجلسِي هذا لعلَّهُ كان ينبغي لنا أن نتَّقَيَهْ، ثم قالَ:
ومجيتُكم معِي من المسجدِ إلى هَاهُنا كان ينبغي لنا أن نتقيَهُ، أليسَ جاءَ في
الحديثِ: ((إنه فتنةٌ للمَتْبُوعِ، مذلةٌ للتابع)) (١)؟
يعني: مشىَ الناسِ خلفَ الرجلِ .
وفي الجملةِ، فالتقوى هي وصيةُ اللَّهِ لجميع خلْقِهِ، ووصيةُ رسول اللَّه وَّ
لأمته، وكانَ بَّ إذا بَعَثَ أميرًا على سَرِيَّةٍ أوصاهُ في خاصةِ نفسهِ بتقوى
اللَّه، وبمن معهُ من المسلمينَ خيراً(٢).
(١) الخبر في ((الحلية)) (٣٦٥/٨).
وحديث محمد بن مسلمة: أخرجه ابن ماجه (٣٩٦٢). وحديث ((إنه فتنة للمتبوع، ومذلة
للتابع)» إنما هو من قولِ عمر، أخرجه: الدارمي (٥٢٣)، وخرج - أيضًا - (٥٢٧) نحوه عن
سعيد بن جبير.
(٢) أخرجه: مسلم (١٣٩/٥) من حديث بريدة.

٣٦٥
سورة النساء
ولما خطبَ رسولُ اللّهِ وَه فِي حَجَّةِ الوداعِ يومَ النَّحرِ وصَّى الناسَ بتقوى
اللَّهِ وبالسمعِ والطاعةِ لأئمتِهِم (١) .
ولما وعَظَ الناسَ، وقالوا له: كأنَّها موعظةُ مودِّع فأوصنَا، قالَ: ((أُوصيكم
بتقْوَى اللَّهِ والسَّمْعِ والطّاعةِ))(٢) .
وفي حديثِ أبي ذرِّ الطويلِ الذي خرَّجهُ ابنُ حبانَ وغيرُهُ: قلتُ: يا
رسولَ اللَّهِ، أوصني، قالَ: ((أوصيكَ بتقوى الله، فإنَّه رأسُ الأمرِ كلِّه))(٣).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ من حديث أبي سعيد الخدريِّ، قالَ: قلتُ: يا
رسولَ اللَّهِ، أوصنى، قال: ((أوصيكَ بتقوى اللَّهِ، فإنَّه رأسُ كلِّ شيء، وعليكَ
بالجهاد، فإنَّه رهبانيةُ الإسلام))(٤) .
وخرَّجه غيرُهُ ولفظُهُ: قالَ: ((عليكَ بتقوى الله، فإنها جماعُ كلِّ خير)) (٥).
وفي الترمذيِّ عن يزيدَ بنِ سلمةَ: أنه سألَ النبيَّ بَِّ قال: يا رسولَ اللَّهِ،
إني سمعتُ منكَ حديثًا كثيرًا فأخافُ أن ينسَنِي أوَّلَه آخرُهُ، فحدَّثني بكلمةٍ
تكونُ جماعًا، قالَ: ((اتَّقِ اللَّه فيما تعْلَمُ)) (٦) .
ولم يزلِ السلفُ الصالحُ يَتَواصَوْنَ بِهَا، كان أبو بكر الصديقُ فَِه، يقولُ
في خطبتِهِ: أما بعدُ، فإنِّي أُوصيكُم بتقْوَى اللَّه، وأن تُثْنُوا عليه بما هو أهلُهُ،
(١) السابق (٧٩/٤ - ٨٠)، (١٤/٦ - ١٥) عن أم الحصين.
(٢) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (١٢٦/٤)، وأبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه
(٤٣) عن العرباض بن سارية.
(٣) أخرجه: ابن حبان (٣٦١).
(٤) أخرجه: أحمد في «المسند» (٨٢/٣).
(٥) أخرجه: الطبراني في ((الصغير)) (٩٢٩)، وأبو يعلى (١٠٠٠).
(٦) أخرجه: الترمذي (٢٦٨٣).

٣٦٦
سورة النساء
وأن تَخلطُوا الرغبةَ بالرهبة، وتجمعُوا الإلحافَ بالمسألة، فإنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ أثنى
على زكريا وأهلِ بيتِهِ، فقالَ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًّا
وَرَهَبَّا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (١) [الأنبياء: ٩٠].
ولمَّا حضرتهُ الوفاةُ، وعهدَ إلى عمرَ، دعاهُ فوصَّاهُ بوصيّة، وأوَّلُ ما قالَ
لهُ: اتَّقِ اللَّهَ يا عُمرُ.
وكتبَ عُمَرُ إلى ابنِهِ عبدِ اللَّهِ: أمَّا بعدُ، فإني أوصيك بتقوى الله عزَّ
وجلَّ، فإنَّه من اتَّقاه وقاهُ، ومنْ أقرضَهُ جزاه، ومنْ شكرهُ زاده، فاجعلِ
النَّقوی نصب عينيك وجلاء قلبك .
واستعمل عليّ بنُ أبي طالبٍ رجلاً على سَرِيَّةٍ، فقالَ لَهُ: أُوصيكَ بتقوى
اللَّه عزَّ وجلَّ الذي لا بُدَّ لك من لقائه، ولا مُنْتهى لك دونَه، وهو يَمِلكُ
الدنيا والآخرة.
وكتبَ عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى رجلٍ: أُوصيكَ بتقْوَى اللَّهِ عزَّ وجلَّ التي
لا يقبلُ غيرَها، ولا يرحَمُ إلا أهلَها، ولا يُثيبُ إلا عليها، فإنَّ الواعظينَ بها
كثيرٌ، والعاملينَ بها قليلٌ، جعلنا اللَّهُ وإِيَّك من المتقينَ.
ولما وُلِّي خطبَ، فحَمِد اللَّهَ، وأثنى عليه، وقالَ: أُوصيكم بتقوى الله عزَّ
وجلَّ، فإنَّ تقوى الله عزَّ وجلَّ خلفٌ من كلِّ شيءٍ، وليس من تقوى الله
خلَفٌ.
وقالَ رجلٌ ليونسَ بنِ عُبيدٍ: أوصِنِي، فقالَ: أُوصيك بتقوى الله
والإحسان. فإنَّ اللَّهَ مع الذين اتَّقُوا والذين هم محسِنُون.
(١) أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٥٨/١٣)، والحاكم (٢٨٣/٢).

٣٦٧
سورة النساء
وقال له رجلٌ يُريدُ الحَجَّ: أوصِنِي، فقالَ له: اتَّقِ اللَّهَ، فمن اتَّقِ اللَّهَ
فلا وحشةً علیه.
وقيل لرجلٍ من التابعينَ عندَ موتِهِ: أوصِنَا، فقالَ: أوصيكُم بخاتمة سورةٍ
النحلِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨].
وكتبَ رجلٌ من السلفِ إلى أخٍ له: أوصيكَ بتقْوَى اللَّهِ، فإنَّها أكرمُ ما
أسررتَ، وأزينُ ما أظهرتَ، وأفضلُ ما ادَّخرتَ، أعاننَا اللَّهُ وإِيَّاكِ عليها،
وأوجبَ لنا ولكَ ثوابَها .
وكتبَ رجلٌ إلى أخٍ لهُ: أُوصيكَ وأنفسَنا بالتقْوى، فإنَّها خيرُ زادِ الآخرةِ
والأُولى، واجعلْهَا إلى كلِّ خيرٍ سبيلكَ، ومنْ كلِّ شرٍّ مهرَبَك، فقدْ توكل
اللَّهُ عزَّ وجلَّ لأهلِهَا بالنجاة مما يحذرُون، والرزق من حيثُ لا يحتسبُونَ.
وقال شعبةُ: كنتُ إذا أردتُ الخروجَ، قلتُ للحكم: ألك حاجةٌ؟ فقال:
أوصيكَ بما أوصَى به النبيُّ نَّهِ معاذَ بنَ جبلٍ: «اتَّقَ اللَّهَ حيثُما كنتَ، وأتْبعِ السيئةَ
الحسنةَ ثَمْحُها، وخالقِ الناسَ بخُلُقٍ حسنٍ)) (١).
وقد ثبتَ عن النبيِّ وَّ أنه كان يقولُ في دعائِهِ: ((اللَّهُمَّ إني أسألُك الهُدى
والتُّقى والعقَّة والغني)(٢). (٣).
(١) أخرجه: الترمذي (١٩٨٧).
(٢) أخرجه: مسلم (٨/ ٨١).
(٣) ((جامع العلوم والحكم)) (١ /٤١١ - ٤٢٠).

٣٦٨
سورة النساء
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ
الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾
[ النساء: ١٤٥]،
قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾
وقد قرئ ((الدركُ)) بسكونِ الراءِ وتحريكِها وهيَ لغتانٍ، قال الضحاكُ: الدرْكُ
إذا كان بعضُها فوقَ بعضٍ، والدرَكُ إذا كان بعضُها أسفلَ من بعضٍ، وقال
غيرُهُ: الجنةُ درجاتٌ والنارُ دركاتٌ.
وقد تسمَّى النارُ درجات أيضًا، كما قالَ تعالى بعد أن ذكر أهل الجنة
وأهلَ النارِ: ﴿وَلِكُلِّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢]، وقال: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ
اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ٠ ٠١٢٢ هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ﴾
[آل عمران: ١٦٢ -١٦٣]، قال عبدُ الرحمن بن زيدِ بنِ أسلمَ: درجاتُ الجنةِ تذهبُ
علوًّا ودرجاتُ النارِ تذهبُ سُفُولاً .
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن عكرمةَ في قولِهِ تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ
أَبْوَابٍ﴾ [الحجر:٤٤]، قالَ: لها سبعةُ أطباق.
وعن قتادةَ: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَّفْسُومٌ}
[الحجر: ٤٤]، قال: هي واللَّهِ
منازلٌ بأعمالهم.
وعن يزيدَ بنِ أبي مالكِ الهمدانيِّ، قال: لجهنَّمَ سبعةُ نيران تأتلق ليس
منها نارٌ إلا وهي تنظرُ إلى التي تحتَه مخافةَ أن تأكلَها.
وعن ابنِ جريجٍ في قولِهِ: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ [الحجر: ٤٤] قال: أوَّلُها جهنّمُ،
ثُمَّ لظَى، ثم الحطمةُ، ثم السعيرُ، ثم سقر، ثم الجحيمُ، ثم الهاويةُ، وفيها
أبو جهل.
وروى سلامُ المدائنيُّ - وهو ضعيفٌ - عن الحسنِ عن أبي سنانَ عن

٣٦٩
سورة النساء
الضحاك، قالَ: للنارِ سبعةُ أبوابٍ هي سبعةُ أدراكِ بعضُها على بعضٍ،
فأعلاَها فيه أهلُ التوحيد يعذَّبون على قدرِ أعمالهم وأعمارهم في الدنيا ثم
يخرجون منها، وفي الثاني اليهودُ، وفي الثالثِ النَّصَارى، وفي الرابعِ
الصابتُون، وفي الخامسِ المجوسُ، والسادسُ فيه مشركُو العربِ، وفي السابعِ
المنافقونَ، وهو قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].
وروى العلاءُ بنُ المسيبِ عن أبيهِ وخيثمةُ بنُ عبدِ الرحمن قالا: قالَ ابنُ
مسعود: أيُّ أهلِ النارِ أشدُّ عذابًا؟ قالُوا: اليهودُ والنصارَى والمجوسُ، قال:
لا ولكنَّ المنافقينَ في الدركِ الأسفلِ من النارِ في توابيت من نارٍ مطبقة عليهم
ليسَ لها أبوابٌ.
ورَوى عاصمٌ عن أبي صالحٍ عن أبي هريرةَ في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ
فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] قال: الدركُ الأسفلُ بيوتٌ لها أبوابٌ
تطبقُ عليها فيوقدُ من فوقِهم ومن وتحتِهم، قال تعالى: ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ
مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦].
وقال ابنُ المباركِ، عن يحيى بن أيوبَ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ زحرٍ، عن أبي
يسارِ قال: الظلةُ من جهنَّمَ فيها سبعونَ زاويةً، في كلِّ زاويةٍ صنفٌ من
العذابِ لیسَ في الأخرى.
وروى ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادِهِ عن كعبٍ، قال: اقتحامُ العقبةِ في كتابٍ
اللّهِ، يعني قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١]، سبعينَ درجةً في النار.
وعن ضمرةَ قالَ: سمعتُ أبا رجاءِ قال: بلغَنِي أنَّ العقبةَ التي ذكرَ اللَّهُ في
كتابِهِ مطلعها سبعةُ آلاف سنة ومهبطُهَا سبعةُ آلافٍ سنةٍ .

٣٧٠
سورة النساء
وعن عطيةَ عن ابنِ عمرَ، قال في العقبةِ: جبلٌ في جهنّم، أفلا أجاوزه
بعتقِ رقبةٍ؟ !!
وعن مقاتلٍ بنِ حيَّانَ قالَ: هيَ عقبةٌ في جهنَّم، قيلَ: بأيِّ شيءٍ تُقطعُ؟
قالَ: رقبةٌ.
وفي ((الصحيحينِ)) ولفظُه للبخاريِّ عن ابنِ عمرَ، قال: رأيتُ في المنامِ أنه
جاءني ملكانِ في يدِ كلِّ واحدٍ منهما مقمعةٌ من حديد، ثم لقيني ملكٌ في
يده مقمعةٌ من حديدٍ، قالُوا: لنْ تُرع، نعمَ الرجلُ أنتَ لو كنتَ تكثرُ الصلاةَ
٠٠
من الليلِ، فانطلقُوا بي حتَّى وقفُوا بي على شفير جهنَّم، فإذا هي مطويةٌ
كطي البئر لها قرونٌ كقرونِ البئر، بين كلِّ قرنينِ ملكٌ بيدِهِ مقمعةٌ من حديد،
وإذا فيها رجال معلقون بالسلاسلِ رءوسُهُم أسفلُهم، وعرفت رجالاً من
قريشٍ فانصرفُوا بي عن ذاتِ اليمين، فقصصتُها على حفصةَ، فقصتها حفصةٌ
على رسول اللّهِ وَّه فقالَ: ((إنَّ عبدَ اللَّه رجلٌ صالحٌ)(١) .
عن خالدِ بنِ عميرٍ، قال: خطبنا عتبةُ بنُ غزوانَ فقالَ: إنَّه ذُكرلنا أنَّ
الحجرَ يُلقى من شفةٍ جهنَّم فيهوِي فيها سبعينَ عامًا ما يدركُ لها قعْرًا، واللَّهِ
النملأنَّه، أفعجبْتُم؟ خرَّجهُ هكذا مسلمٌ موقوفًا، وخرَّجه الإمامُ أحمدُ موقوفًا
ومرفوعًا والموقوفُ أصحُ(٢) .
وخرَّج الترمذيُّ من حديثِ الحسنِ، قالَ: قالَ عتبةُ بن غزوانَ على منبرِنَا
هذا - يعني منبرَ البصرة - عن النبيِّبَّ قالَ: ((إنَّ الصخرة العظيمةَ لتُلْقَى من
شفيرِ جهنّم فتهوِي سبعينَ عامًا وما تفضي إلى قعرها)) قالَ: وكان عمرُ يقولُ:
(١) أخرجه: البخاري (١٢٠/١)، ومسلم (١٥٨/٧، ١٥٩).
(٢) مسلم (٢١٥/٨ - ٢١٦)، وأحمد (١٧٤/٤)، (٦١/٥).

٣٧١
سورة النساء
أكثرُوا ذكرَ النار، فإنَّ حرَّها شديدٌ، وإن قعرَهَا بعيدٌ، وإن مقامعَها حديدٌ(١)،
ثم قالَ: لا يعُرُفُ للحسنِ سماعٌ من عتبةَ بنِ غزوانَ.
وخرَّج مسلمٌ أيضًا من حديث أبي هريرةَ، قالَ: كُنَّا عندَ النبيَّنَظله يومًا
فسمعنا وجبةً، فقالَ النبيِّ وَّهِ: «أتدرونَ ما هذا؟)) فقلنا: اللَّه ورسولُه أعلمُ،
قالَ: ((هذا حجرٌ أرسلَ في جهنّم منذ سبعينَ خرِيفًا، فالآنَ انتهَى إلى قعرِهَا))(٢).
وخرَّج أيضًا عن أبي هريرةَ قالَ: والذي نفسُ أبي هريرةَ بيدِهِ، إنَّ قعرَ
جهنّم لسبعين خرِيفًا (٣).
وخرَّج الحاكمُ منْ حديثِ أبي هريرةَ أيضًا عن النبيِّ ◌ِِّ قالَ: ((لو أُخذَ سبعُ
خلفات بشحومهنَّ فألقينَ من شفيرِ جهنم ما انتهينَ إلى آخرِهَا سبعينَ عامًا)» (٤).
وخرَّج البزارُ والطبرانيُّ من حديثِ بريدةً عن النبيِّ وَّةِ قالَ: ((إنَّ الحجرَ ليزنُ
سبعَ خلفاتٍ يُرُمى به في جهنَّمَ فيهوِي سبعينَ خرِيفاً، وما يبلغُ قعرَهَا)(٥).
وخرَّجَ ابنُ حبانَ في ((صحيحِهِ)) من حديث أبي موسى الأشعريِّ عن
النبيِّ وَّةِ قالَ: ((لو أنَّ حجرًا قُذفَ به في جهنّم لهوَى سبعينَ خرِيفًا قبل أن يبلغَ
قعرَهاَ))(٦).
وقد سبقَ من حديث أنسٍ وأبي سعيدٍ مَعنى حديثِ أبي هريرةَ في سماعٍ
الهدَّة .
(١) أخرجه: الترمذي (٢٥٧٥).
(٢) أخرجه: مسلم (١٥٠/٨).
(٣) أخرجه: مسلم (١٢٩/١).
(٤) أخرجه: الحاكم (٦٠٦/٤).
(٥) أخرجه: الطبراني في «الأوسط)) (٥٤٥٩)، وأخرجه البزار بلفظ مقارب (٣٤٩٣ - كشف).
(٦) أخرجه: ابن حبان (١٦ / ٧٤٦٨).

٣٧٢
سورة النساء
وقال ابنُ المبارك: أنبأنا يونسُ عن الزهريِّ، قالَ: بلغنا أنَّ معاذَ بنَ جبلٍ
كانَ يحدِّثُ عن النبيِّ وَِّ قالَ: ((والذي نفْسِي بيدِهِ إنَّ ما بينَ شفة النارِ وقعرها
كصخرة زنةُ سبعٍ خلفاتٍ بشحومهنَّ ولحومِهِنَّ وأولادِهِنَّ، تهوي من شفة النارِ قبلَ أن
تبلغُ قعرَها سبعينَ خريفًا)(١) .
قال ابنُ المبارك: وإنَّ هُشيْمًا قالَ: أخبرني زكريا بنُ أبي مريمَ الخزاعيّ،
قال: سمعتُ أبا أمامةَ يقولُ: إنَّ ما بين شفيرٍ جهنّم مسيرةَ سبعينَ خرِيفًا من
حجرٍ يهوي أو صخرةٍ تهوي عظَمُها لعِظَمُ عشرِ عُشراواتٍ عظامٍ سمانٍ، فقال
له رجلٌ: هلْ تحتَ ذلك منْ شيءٍ يا أبا أمامةً؟ قالَ: نعمْ، غيٌّ وَآَتَامٌ(٢)
وقد رُوي هذا بإسنادٍ فيه ضعفٌ من طريقِ لقمانَ بنِ عامرٍ عن أبي أمامةَ
عن النبيِّ وََّ، وزادَ فيه قلتُ: وما غيُّ وما آتامٌ؟ قال: ((بئرٌ يسيلُ فيهما صديدُ
أهلِ النارِ))، وهما اللتانِ ذكرَهُما اللَّهُ تعالى في كتابهِ ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًَّ﴾
[مريم: ٥٩] وفي الفرقان: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]. والموقوفُ أصحّ.
وقد رُوي من وجهِ آخرِ، قالَ حريزُ بنُ عثمانَ: حدَّثَنِي عبدُ الرحمنِ بنُ
ميسرةَ الحضرمِيُّ عن أبي أمامةَ أنه كانَ يقولُ: إنَّ جهنّم ما بينَ شفتيها إلى
قعرِها سبعون، أو قالَ: خمسونَ خرِيفًا للحجرِ المتردِّي، والحجرُ مثلُ سبعٍ
خلفات مملوءة شحمًا ولحمًا.
خرّجه الجوزجانيٌّ.
وروى مجالدٌ عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ، عن النبيِّ وَهُ
قالَ: ((ما منْ حاكمٍ بحكمُ بينَ الناسِ إلا يُحبسُ يومَ القيامةِ وملكٌ آخذٌ بقفاهُ حتى يقفَهُ
(١) أخرجه: ابن المبارك في ((الزهد)) (ص ٨٦).
(٢) المصدر السابق.

٣٧٣
سورة النساء
على جهنّم، ثم يرفعُ رأسَهُ إلى اللَّه عزَّ وجلَّ، فإنْ قالَ له: ألقه ألقاهُ في مَهوى أربعينَ
خريفًا))(١) خرَّجه الإمامُ أحمدُ.
وروى عبدُ اللَّهِ بنُ الوليدِ الوصافيُّ، حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عبيدِ بنِ عميرٍ عن
أبيه، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ وَله: ((يجاءُ بالوالي يومَ القيامةِ فينبذُ على جسرِ جهنمَ
فيرتجُّ ذلك الجسرُ به ارتجاجةً لا يبقى منه مفصلٌ إلا زالَ عن مكانه، فإن كان مُطيعًا للَّه
٠٠
في عملِهِ مَضَوا به، وإنْ كانَ عاصيًا للَّه في عملهِ انخرقَ به الجسرُ، فيهوي في جهنّم
مقدارَ خمسينَ عامًا)» فقال له عمرُ: من يطلبُ العملَ بعدَ هذا؟ قال أبو ذرٍ: من
سلتَ اللَّه أنفه وألصق خدَّه بالترابِ، فجاء أبو الدرداءِ فقال له عمرُ: يا
أبا الدرداءِ هلْ سمعتَ من النبيِّمَّ حديثًا حدَّثَني به أبو ذرٍ، قالَ: فأخبره
أبو ذرِ فقال: نعمْ ومع الخمسينَ خمسونَ عامًا يهوِي به إلى النارِ، الوصافيُّ
لا يحفظُ الحديثَ، كان شيخًا صالحًا رحمه اللَّهُ.
وروى سويدُ بنُ عبد العزيزِ وفيه ضعفٌ شديدٌ عن سيار عن أبي وائلٍ أنَّ
أبا ذرِ قالَ لعمرَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَلهَ يقولُ فذكرَ معناه، وفي حديثه:
((وإنْ كان مسيئًا انخرقَ به الجسرُ فهوَى في قعرِهَا سبعينَ خرِيفًا».
وفي موعظة الأوزاعيِّ للمنصورِ، قالَ: أخبرني يزيدُ بنُ جابرٍ، عن عبد
الرحمنِ بنِ أبي عمرةَ الأنصاريِّ أن أبا ذرٍ وسلمانَ قالا لعمرَ: سمعنا
رسولَ اللَّهِ وَ لَّهِ يقولُ، فذكراه بمعناهُ، وقالَ: ((هَوَى به في النارِ سبعينَ خرِيفًا)).
وفي (الصحيحين)) عن أبي هريرةَ عن النبيِّ وَّ قالَ: ((إنَّ العبدَ ليتكلّمُ
بالكلمة ما يتبينُ فيها، يزلُّ بها في النارِ أبعدَ ما بين المشرق والمغربِ)(٢).
(١) أخرجه: أحمد (٤٣٠/١).
(١) أخرجه: البخاري (١٢٥/٨)، ومسلم (٢٢٣/٨ - ٢٢٤).

٣٧٤
سورة النساء
وخرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجه من حديث أبي هريرةَ عن النبيِّ
وَِّ قالَ: ((إنَّ الرجلَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ لا يَرى بها بأسًّا يهوِي بها في النارِ سبعينَ
خريفًا)(١) وخرَّج البزارُ نحوَهَ من حديثِ ابنِ مسعودٍ عن النبيِّ ◌َثِّر .
وفي ((تفسيرِ ابنِ جريرٍ)) من روايةِ العوفيِّ عن ابنِ عباسٍ، في قولِهِ تعالى:
﴿وَقَالُوا لَن تَمَسََّا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةَ﴾ [البقرة: ٨٠] ..
قالَ: ذُكرَ أنَّ اليهودَ وجدُوا في التوراةِ مكتوبًا أن ما بينَ طرفي جهنّم مسيرةُ
أربعينَ سنةً إلى أن ينتهوا إلى شجرةِ الزقومِ ثابتة في أصل الجحيم.
وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: إنَّ الجحيمَ سقرٌ وفيها شجرةُ الزقومِ، فزعمَ أعداءُ
اللَّه أنه إذا خَلا العددُ الذي وجدُوا في كتابِهِم أيامًا معدودةً، وإنما يعني بذلكَ
السيرَ الذي ينتهي إلى أصلِ الجحيمِ، فقالُوا: إذا خلا العدد انقضى الأجلُ فلا
عذابَ، وتذهبُ جهنمُ وتهلكُ، فذلك قولُهُ: ﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾
[البقرة: ٨٠] يعنون بذلكَ الأجلَ، فقالَ ابنُ عباسٍ: لما اقتحمُوا من بابِ جهنّم
سارُوا في العذابِ حتى انتهَوا إلى شجرةِ الزقومِ آخرُ يومٍ من الأيامِ المعدودة،
وهي أربعونَ سنةً، فلمَّا أكلُوا من شجرة الزقومِ وملؤوا البطونَ آخرَ يومٍ من
الأيامِ المعدودةِ، قالَ لهمْ خزنةُ سقر: زعمتُم أنكم لن تمسَّكُمَ النارُ إلا أيامًا
معدودةً وقد خلا العددُ وأنتم في الأبدِ، فأخذَ بهم في الصعودِ في جهنم
يرهقونَ .
ففي هذه الروايةِ عن ابنِ عباسٍ أنَّ قعرَ جهنَّمَ ومسافةَ عمقها أربعونَ عامًا،
وأنَّ ذلك هو معنى ما في التوراة، ولكنَّ اليهودَ حرَّفُوه فجعلوهُ مسافةَ ما بين
طرفيَها، وزعمُوا أنه إذا انقضتْ هذه المدةُ أنَّ جهنّم تخربُ وتهلك، فإنَّ ذلك
(١) أخرجه: أحمد (٢٣٦/٢، ٢٩٧)، والترمذي (٢٣١٤)، وابن ماجه (٣٩٧٠).

٣٧٥
سورة النساء
من كذبِهِم على اللَّهِ، وتحريفهم التوراةَ(١).
قوله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ
الْقَوْلِ إِلَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَليمَا
و
وروي عنِ ابنِ عباسٍ، في قولِهِ تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ
إِلَّ مَنْ ظُلِم﴾ [النساء: ١٤٨]، قال: لا يحبُّ اللَّه أن يدعُو أحدٌ على أحد، إلا أنْ
يكونَ مظلومًا، فإنَّه قد رُخِّصَ لهُ أن يدعُوَ على من ظلَمَهُ، وذلكَ قولُهُ
تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ ظُلِمٍ﴾ [النساء: ١٤٨] ومن صَبَرَ فهوَ خيرٌ.
وقال الحسنُ: قد أرخصَ له أن يدعوَ على من ظَلَمَهُ، وذلكَ قولُهُ تعالى:
﴿إِلاَّ مَن ظَلِم﴾ [النساء: ١٤٨] ومن صبر فهو خيرٌ.
وقال الحسنُ: قد أرخصَ له أن يدعوَ على من ظلَمَه، من غيرِ أن يعتَدِي
عليهِ. وروي عنه قالَ: لا تدعُ عليه، ولكنْ قُل: اللَّهُمَّ أعني عليه،
واستخرِجْ حقِّي منه(٢).
قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي
الْكَلالَةِ إِن امْرُؤْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا
نصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن
كَانَتَ اثْنَيْنٍ فَلَهُمَا الثُّلْنَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً
(١) ((التخويف من النار)) (٥٠ - ٥٦).
(٢) مختصر فيما روي عن أهل المعرفة والحقائق في معاملة الظالم السارق (ص ٤٢).

٣٧٦
سورة النساء
رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأُنثَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ
لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
وقد اختلف العلماءُ في معنى قولِهِ بَالَ: ((الحقُوا الفرائضَ بأهلِهَ)(١):
فقالتْ طائفةٌ: المرادُ بالفرائضِ الفروضُ المقدَّرةُ في كتابِ اللَّه تعالى،
والمرادُ: أعطُوا الفروضَ المقدرةَ لمن سمَّها اللَّهُ لهم، فما بقِيَ بعدَ هذه
الفروضِ، فيستحقّه أوْلى الرجال، والمرادُ بالأوْلى: الأقربُ، كما يقالُ: هذا
يلي هذا، أي: يَقرُّبُ منه، فأقربُ الرجال هو أقربُ العَصَباتِ، يستحقَّ
الباقي بالتعصيبٍ، وبهذا المعنى فسَّر الحديثَ جماعةٌ من الأئمة، منهم: الإمام
أحمدُ، وإسحاقُ بنُ رَاهويه، نقله عنهما إسحاقُ بنُ منصورٍ.
وعلى هذا، فإذا اجتمعَ بنتٌ وأختٌ وعمِّ، أو ابنُ عمِّ، أو ابنُ أخٍ،
فينبغي أن يأخذَ الباقي بعدَ نصفِ البنتِ العصبةُ، وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، وكان
يتمسَّكُ بهذا الحديث، ويقرُّ بأنَّ النَّاسَ كلَّهم على خلافِهِ، وذهبتْ الظاهريةُ
/
إلى قولِهِ أيضًا .
وقال إسحاقُ: إذا كانَ مع البنتِ والأختِ عصبةٌ، فالعصبةُ أوْلَى، وإن لم
يكن معَهُمَا أحدٌ، فالأختُ لها الباقى، وحُكي عن ابن مسعودٍ، أنه قالَ:
البنتُ عصبةُ مَنْ لا عصبَةَ له ، ورَدَّ بعضُهم هذا، وقال: لا يصحّ عن ابنٍ
مسعود .
وكان ابنُ الزبيرِ ومسروقٌ يقولانِ بقولِ ابنِ عباسٍ، ثم رجعًا عنه .
وذهب جمهورُ العلماءِ إلى أن الأختَ مع البنتِ عصبةٌ لها ما فضلَ،
(١) أخرجه: البخاري (١٨٧/٨ -١٨٨ - ١٨٩) ومسلم (٥٩/٥) من حيث عبد الله بن عباس خوقتها.

٣٧٧
سورة النساء
منهم: عمرُ، وعلىٌّ، وعائشةُ، وزيدٌ، وابنُ مسعود، ومعاذُ بنُ جبلٍ،
وتابعهم سائرُ العلماءِ.
وروى عبدُ الرزاقِ (١)، أخبرنا ابنُ جريجٍ: سألتُ ابنَ طاووس عن ابنةٍ
وأختِ، فقالَ: كانا أبي يذكرُ عن ابنِ عباسٍ، عن رجلٍ، عن النبيِّ مَّ فيها
ے
شيئًا، وكان طاووسُ لا يرضَى بذلكَ الرجلِ، قالَ: وكان أبي يشكّ فيها،
ولا يقولُ فيها شيئًا، وقد كانَ يسأل عنْهَا.
والظاهرُ - واللَّهُ أعلمُ -: أن مرادَ طاووس هو هذا الحديث، فإنَّ ابنَ عباسٍ
لم يكنْ عندَهُ نصٌّ صريحٌ عن النبيِّ نَّ في ميراثِ الأختِ مع البنتِ، إنما
كان يتمسك بمثلٍ عمومِ هذا الحديث.
وما ذكره طاووسٌ أن ابنَ عباسٍ رواه عن رجل وأنه لا يرضاه، فابنُ
عباسٍ أكثرُ رواياته للحديثِ عن الصحابةِ، والصحابةُ كلُّهم عدولٌ قد رضي
الله عنهم، وأثنى عليهم، فلا عبرةَ بعد ذلك بعدمِ رضا طاووس .
وفي ((صحيحِ البخاريِ)(٢) عن أبي قَيْسِ الأوْديِّ، عن هُزيلِ بنِ شُرحبيلَ،
قالَ: جاءَ رجلٌ إلى أبي مُوسى، فسألَهُ عن ابنةٍ وابنةِ ابنٍ وأختِ لأبٍ وأمِّ،
فقالَ: للابنةِ النصفُ، وللأختِ ما بَقِيَ وائتَ ابنَ مسعودٍ فسيُتابعني، فأتى
ابنَ مسعودٍ، فذكر ذلك له، فقال: لقد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين،
لأقضينَّ فيها بقضاءِ رسولِ اللهِ وَّهِ: للابنةِ النَّصفُ، ولابنةِ الابنِ السُّدُسُ
تكْمِلَةُ الثلثين، وما بَقِيَ، فللأخت، قال: فأتينا أبا مُوسى، فأخبرناه بقول
ابنِ مسعودٍ، فقالَ: لا تسألوني ما دامَ هذا الحَبْرُ فِيكُم.
وفيه - أيضًا - عن الأعمش، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ بنِ يزيدَ، قال:
(١) في ((المصنف)) (٢٦٠/١٠).
(٢) ((الصحيح)) (١٨٨/٨).

٣٧٨
سورة النساء
قَضى فينا معاذُ بنُ جبل على عهد رسول اللّهِ وَّل: النصفُ للابنة، والنصفُ
للأختِ، ثم تركَ الأعْمِشُ ذِكْرَ عهُدِ رسولِ اللَّهِ وَّهِ، فلم يذكره(١).
وخرَّجه أبو داود(٢) من وجه آخرَ عن الأسودِ، وزادَ فيه: ونبيُّ اللّهِ وَ ال
يومئذٍ حيٌّ.
واستدلَّ ابنُ عباسٍ لقولِهِ بقولِ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِكُمْ فِي الْكَلاَةِ إِنِ
امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، وكان يقولُ:
أنتم أعلمُ أمِ اللَّهُ؟ يعني أن اللَّهَ لم يجعلْ لها النصفَ إلا مع عدمِ الولدِ،
وأنتم تجعلونَ لها النصفُ مع الولدِ وهو البنتُ(٣).
والصوابُ: قولُ عمرَ والجمهورِ، ولا دلالةَ في هذه الآيةِ على خلافٍ
ذلكَ، لأن المرادَ بقوله: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] بالفرضِ، وهذا
مشروطٌ بعدمِ الولدِ بالكليةِ، ولهذا قال بعدَهُ: ﴿فَإِن كَانَتَ اثْنَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلْتَانِ مِمَّاً
ترك﴾ [النساء: ١٧٦]، يعني بالفرضِ، والأخت الواحدة إنَّما تأخذُ النصفَ مع
عدمِ وجودِ الولدِ الذكر والأنثى، وكذلك الأختان فصاعدًا إنَّما يستحقُّون
الثُّلثين مع عدمٍ وجودِ الولدِ الذكرِ والأنثى، فإن كان هناك ولدٌ، فإن كان
ذكرًا، فهو مقدَّمٌ على الإخوةِ مطلقًا ذكورُهم وإناثُهم، وإن لم يكنْ هناكَ ولدٌ
ذكرٌ، بل أنثى، فالباقي بعد فرضِها يستحقُّهُ الأخُ مع أختِهِ بالاتفاقِ، فإذا
كانت الأختُ لا يُسقطُها أخوها، فكيفَ يُسقطها من هو أبعدُ منه من
العَصَبَاتِ كالعمِّ وابنِهِ؟ وإذا لم يكن العصبةُ الأبعدُ مسقطًا لها، فيتعيَّنُ تقديمُها
عليه، لامتناعٍ مشاركتِهِ لها.
(١) أخرجه: البخاري (١٨٩/٨).
(٢) («السنن)) (٢٨٩٣).
(٣) أخرجه: عبد الرزاق (٢٥٤/١٠ - ٢٥٥).

٣٧٩
سورة النساء
فمفهومُ الآيةِ: أن الولدَ يمنعُ أن يكون للأختِ النصفُ بالفرضِ، وهذا
حقٌّ، ليس مفهومُها أنَّ الأختَ تسقطُ بالبنت، ولا تأخذُ ما فضل من
ميراثِهَا، يدلُّ عليه قولُهُ تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِن ◌َّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدْ﴾ [النساء: ١٧٦]،
وقد أجمعت الأُمَّةُ على أنَّ الولدَ الأُنثى لا يمنعُ الأخَ أن يرثَ من مال أخته ما
٠٠
فضلَ عن البنتِ أو البناتٍ، وإنَّما وجودُ الولدِ الأُنثى يمنعُ أنْ يحُوزَ الأخُ
ميراثَ أخته كُلَّه، فكما أنَّ الولدَ إن كانَ ذكرًا، منعَ الأخَ من الميراثِ، وإن
كان أنثى، لم يمنعْهُ الفاضلَ عن ميراثِهَا، وإن منعَهُ حيازةَ الميراثِ، فكذلك
الولدُ إن كان ذكراً منَعَ الأختَ الميراثَ بالكليّةِ، وإن كانَ أنثى، منعت الأختَ
أن يفرضَ لها النصفُ، ولم تمنعْهَا أن تأخذَ ما فَضَلَ عن فرضها، واللَّهُ
أعلمُ.
وأمَّا قولُهُ: ((فما أبقت الفرائضُ، فلأوْلِى رَجُل ذكر))، فقد قيل: إنَّ المرادَ به
العَصَبةُ البعيدُ خاصَّةً، كبني الإخوةِ والأعمامِ وبنيهم، دون العصبةِ القريبِ،
بدليلٍ أنَّ الباقي بعدَ الفروضِ يشتركُ فيه الذكرُ والأنثى إذا كانَ العصبةُ قريبًا،
كالأولادِ والإخوةِ بالاتفاقِ، فكذلك الأختُ مع البنتِ بالنصِّ الدالِّ عليهِ.
وأيضًا فإنه يُخَصُّ منه هذه الصورُ بالاتفاقِ، وكذلك يُخصُّ منه المُعْتَقَةُ
مولاة النعمة بالاتفاق، فتخصُّ منه صورةُ الأختِ مع البنتِ بالنصِّ .
وقالتْ طائفةٌ آخرونَ: المرادُ بقولِهِ: ((ألحقُوا الفرائضَ بأهلِهَا)): ما يستحقُّه ذوو
الفروضِ في الجملةِ، سواءٌ أخذُوه بفرضِ أو بتعصيبِ طرأ لهُم، والمرادُ
بقولِهِ: ((فما بَقِيَ، فلأوْلى رجلٍ ذكر)) العصبةُ الذي ليس له فَرْضٌ بحال.
ويدلُّ عليه أنه قد رُوي الحديثُ بلفظ آخرَ، وهو : ((اقسموا المالَ بينَ أهلِ

٣٨٠
سورة النساء
الفرائضِ على كتابِ اللَّه))، فدخلَ في ذلكَ كلُّ من كانَ مِنْ أهلِ الفروضِ بوجهٍ
من الوجوهِ.
وعلى هذا، فما تأخذُهُ الأختُ مع أخيها، أو ابنٍ عمِّها إذا عصبَهَا هو
داخلٌ في هذه القسمةِ، لأنها من أهلِ الفرائضِ في الجملة، فكذلكَ ما تأخذُه
الأختُ مع البنتِ .
وقالتْ فرقةٌ أخرى: المرادُ بأهلِ الفرائضِ في قولِهِ: ((ألحقُوا الفرائضَ
بأهلها»، وقولُهُ: ((اقسموا المالَ بين أهلِ الفرائضِ»، جملةُ من سمَّه اللّهُ في كتابه
من أهلِ المواريثِ من ذوي الفروضِ والعصباتِ كلِّهم، فإنَّ كلَّ ما يأخذهُ
الورثةُ، فهو فرضٌ فرضَهُ اللَّهُ لهُم، سواءٌ كان مقدَّراً أو غيرَ مقدّر، كما قالَ
بعدَ ذكرِ ميراثِ الوالدينِ والأولادِ:
﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]، وفيهم ذو فرْضٍ وعصبةٍ، وكما قال:
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكِ الْوَالِدَانِ
وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]، وهذا يشملُ العَصَبَاتِ
وذوي الفروضِ، فكذلكَ قولُهُ: ((اقسمُوا الفرائضَ بين أهلها على كتاب اللَّه)) ،
يشملُ قسمتَهُ بينَ ذوي الفروضِ والعصباتِ على ما في كتابِ اللَّهِ، فإنْ قَسَمَ
على ذلكَ ثمَّ فضَلَ منه شيءٌ، فيختصُّ بالفاضلِ أقربُ الذكورِ من الورثةِ،
وكذلكَ إن لم يُوجدَ في كتابِ اللَّهِ تصريحٌ بقسمِتِهِ بين من سمَّه اللَّهُ من
الورثة، فيكونُ حينئذِ المالُ لأوْلى رجلٍ ذَكَرٍ منهم (١) .
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (٢ /٤٦٤ - ٤٦٩).