Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١
سورة آل عمران
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
والرشدُ: هو طاعةُ اللَّهِ ورسولِهِ، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ
الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾
[ الحجرات : ٧] .
وكان النبيّ وَّهُ يقولُ في خطبتِهِ: ((من يطعِ اللَّهَ ورسولَهُ فقدْ رَشَد، ومن يعصِ
اللَّهَ ورسولَهُ فقد غَوَى)) .
والرشدُ ضِدُّ الغَيِّ، قال تعالى: ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. فمن
لم يكنْ رشيداً فهوَ إمَّا غاوِ وإمَّا ضالٌ، كما قالَ تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا
غَوَى﴾ [النجم: ٢]. فالغاوي: من تعمَّدَ خلافَ الحقِّ، والضالُّ: من لم يتعمَّدْ.
والعزمُ نوعانِ: أحدُهما: عزمُ المريدِ على الدخولِ في الطريقِ، وهو من
البدايات .
والثاني: العزمُ على الاستمرارِ على الطاعاتِ بعدَ الدخولِ فيها، وعلى
الانتقالِ من حالٍ كاملٍ إلى حالٍ أكملَ منهُ، وهو مِنَ النهاياتٍ، ولهذا سمَّى
اللَّهُ تعالى خواصَّ الرسلِ وهم أُولُو العزمٍ، وهم خمسةٌ، وهم أفضلُ
الرسلِ، فالعزمُ الأولُ يحصِّلُ للعبدِ الدخولَ في كلِّ خيرٍ والتباعُد من كلِّ شرِّ
إذْ به يحصلُ للكافرِ الخروجُ من الكفرِ والدخولُ في الإسلامِ، وبه يحصلُ
للعاصِي الخروجُ من المعصيةِ والدخولُ في الطاعةِ، فإذا كانتِ العزيمةُ صادقةً،
وصمَّمَ عليها صاحبُها، وحملَ على هَوَى نفسِهِ وعلى الشيطان حملةً صادقةً
ودخلَ فيما أُمِرَ به من الطاعاتِ؛ فقد فازَ.
وعونُ اللَّهِ للعبدِ على قدرِ قوةٍ عزيمتِهِ وضعفِهَا، فمن صمَّمَ على إرادة
٢٢٢
سورة آل عمران
الخيرِ أعانَهُ وثبته؛ كما قيل :
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتى العزائمُ وتأتِي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
قال أبو حازمٍ: إذا عَزَمَ العبدُ على تركِ الآثامِ أتتْهُ الفتوح. يشيرُ إلى ما
يفتحُ عليه بتيسيرِ الإنابةِ والطاعةِ ومقاماتِ العارفينَ، سُئِلَ بعضُ السلفِ: متى
ترتحلُ الدُّنيا من القلبِ؟ قال: إذا وقعتِ العزيمةُ، ترحلتِ الدُّنيا من القلبِ
ودرجَ القلبُ في ملكوتِ السماءِ، وإذا لم تقعِ العزيمةُ اضطربَ القلبُ ورجعَ
إلى الدُّنْيَا، مَنْ صدقَ العزيمةَ يئسَ منه الشيطانُ، ومتى كانَ العبدُ مترددًا طمعَ
فيه الشيطانُ وسوَّفَهُ ومنَّه، يا هذا، كلَّما راَكَ الشيطانُ قد خرجتَ من مجلسٍ
الذكر كما دخلتَ، وأنت غيرُ عازمٍ على الرشدِ فِرِحَ بك إبليسُ، وقال:
فديتُ من لا يفلحُ (١) .
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ
رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِبِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
إنَّ أعظم نعمِ اللَّهِ على هذه الأُمَّة إظهارُ محمدٍوَخَّه لهم وبعثتُهُ وإرسالُهُ
إليهم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ
أَنفُسهِمْ ﴾ [آل عمران : ١٦٤].
فإنَّ النِّعْمةَ على الأُمَّةِ بإرسالِهِ أعظمُ من النِّعْمةِ عليهم بإيجادِ السماءِ،
والأرضِ، والشَّمسِ، والقمرِ، والرِّيَاحِ، والليلِ، والنّهارِ، وإنزالِ المطرِ،
(١) راجع رسالة: ((شرح حديث شداد بن أوس)) باختصار (ص ٢٨ - ٣٠).
٢٢٣
سورة آل عمران
وإخراجِ النباتِ، وغير ذلك؛ فإنَّ هذه النِّعمة كلَّها قد عمَّتْ خلْقًا من بني آدمَ
كَفَرُوا باللَّهِ وبرُسُلُه وبلقائه، فبدَّلُوا نعمةَ الله كفراً.
وأمَّا النِّعْمةُ بإرسال محمد وَلَّه، فإنَّ بها تَمَّتْ مصالحُ الدنيا والآخرةِ،
وكَمُلَ بسببها دينُ اللَّهِ الذي رَضيَهُ لعبادِه، وكان قبولُه سببَ سعادَتِهِم في
دُنياهم وآخرتِهِم، فصيامُ يومٍ تجدَّدَتْ فيه هذه النِّعمُ من اللَّهِ على عباده
المؤمنينَ حسنٌ جميلٌ، وهو من بابِ مقابلةِ النِّعمِ في أوقاتٍ تجدُّدِها بالشكر.
ونظيرُ هذا صيامُ يومِ عاشوراءَ حيث أنجَى اللَّهُ فيه نوحًا من الغرقِ، ونَجَّى فيه
موسى وقوْمَه من فرعون وجنودِهِ، وأغرقهم في اليمِّ، فصامَهُ نوحٌ وموسى
شكرًا للّه، فصامَهُ رسولُ اللَّهِ وَّ متابعةً لأنبياءِ اللَّه، وقال لليهود: «نحنُ
أحقُّ بموسى منكم)) (١) فصامه وأمَرَ بصيامه.
/
وقد رُوي أنَّ النبيَّ وَ لِ﴿ كان يتحرَّى صيامَ يومِ الاثنينِ ويومِ الخميس، رُوي
ذلك عنه من حديث عائشةً(٢)، وأبي هريرةً(٣)، وأسامةَ بن زيد (٤). وفي
حديث أُسامةَ أنَّه سأله عن ذلك، فقال ◌َ: «إِنَّهما يومان تُعرَضُ فيهما الأعمالُ
على رَبِّ العالمين، فأُحِبُّ أنْ يُعْرَضَ عمَلِي وأنا صائمٌ). وفي حديث أبي هريرةَ،
أَنَّه سُئِلَ عن ذلك، فقال: ((إنَّه يُغْفَرُ فيهما لكلِّ مسلم، إلا مُهْتَجِرَيْنِ، يقولُ: دعْهُما
حتى يصطلحا)).
(١) أخرجه البخاري (٥٧/٣)، (١٨٦/٤)، (٨٩/٥)، (٩١/٦ - ١٢٠)، ومسلم (١٤٩/٣ -
١٥٠) من حديث عبد الله بن عباس فظ يها .
(٢) أخرجه أحمد (٨٠/٦ - ٨٩ - ١٠٦)، والترمذي (٧٤٥)، والنسائي (١٥٢/٤ - ٢٠١ - ٢٠٢ -
٢٠٣ - ٢٠٤).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٧٤٠).
(٤) أخرجه أحمد (٢٠٠/٥ - ٢٠٤ - ٢٠٨)، وأبو داود (٢٤٣٦).
٢٢٤
سورة آل عمران
وفي ((صحيح مسلمٍ)) (١) عن أبي هريرة مرفوعًا: ((تفتح أبوابُ الجنة يوم الاثنين
والخميس، فيُغْفَرُ لكلِّ عبد لا يُشْركُ باللَّه شيئًا، إلا رجلٌ كانتْ بينه وبين أخيه شحناءُ،
فيقالُ: أنظرُوا هذين حتَّى يصطلحا)).
ويُروى من حديث أبي أمامة مرفوعًا: ((تُرْفِع الأعمالُ يومَ الاثنينِ والخميسِ،
فِيُغْفَرُ للمستغْفِرينَ، ويُتركُ أهلُ الحِقْدِ بحقدِهِم)) .
وفي ((المسندِ))(٢) عن أبي هريرةَ، عن النبيِّنَّهِ: ((إنَّ أعمالَ بني آدمَ تُعْرَضُ
على اللَّه تبارك وتعالى عشيّةَ كلِّ خميس، ليلة الجمعة، فلا يُقْبَل عَمَلُ قاطعِ رَحِم)).
كان بعضُ التابعينَ يَبْكي إلى امرأته يومَ الخميسِ وتبكي إليه، ويقول:
اليومَ تُعْرَضُ أعمالُنا على اللَّه عزَّ وجلَّ.
يا من يُهْرِجُ بعمِلِهِ، على مَنْ تُبَهْرِجُ، والناقدُ بصيرً؟ يا منْ يُسوِّفُ بتطويلٍ
أَمَلِهِ، إلى كمْ تسوُِّ والعُمُرُ قصير؟
صرُوُفُ الحَتْفِ مُتْرَعَةُ الكؤوسِ تُدارُ على الرَّعايا والرُّؤُوسِ
فلا تتْبَعْ هواك فكلُّ شَخْصٍ يصيرُ إلى بِلَى وإلى دُرُوسِ
وخَفْ مِن هوْلِ يومٍ قمطريرٍ مَخُوفٍ شرُّهُ ضِنْكِ عبُوسِ
فما لَكَ غيرُ تقوى اللهِ زادًا وفِعْلُكَ حين تُقْبَرُ من أنيسٍ
فحَسَنْهُ ليُعْرضَ مُستقيمًا ففي الاثنينِ يُعرَضُ والخميسِ (٣)
(١) ((صحيح مسلم)) (١١/٨ - ١٢).
(٢) («المسند» (٤٨٤/٢).
(٣) ((اللطائف)) (١٨٩ - ١٩١).
٢٢٥
سورة آل عمران
قوله تعالى: ﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عندَ
رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ {َ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ
لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّ خَوْفٌ عَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْنُونَ ﴾
أما الأنبياءُ عليهمُ الصلاةُ والسلامُ، فليسَ فيهم شكٌّ أنَّ أرواحَهم عندَ اللَّه
في أعلى عليين.
وقد ثبتَ في ((الصحيح))(١) أنَّ آخرَ كلمةٍ تكلَّم بها النبيِّ وَلَّ عند موته أنّ
ئے
قالَ: ((اللَّهُمَّ الرفيقُ الأعلى)) وکرَّرها حتى قبض.
وقال رجلٌ لابن مسعودٍ: قُبضَ رسولُ اللهِ وَ لّ فأينَ هُو؟ قال: في الجنةِ.
وأمَّا الشهداءُ فأكثرُ العلماءِ على أنهم في الجنةِ، وقد تكاثرتِ الأحاديثُ
بذلك.
ففي ((صحيحِ مسلمٍ)) (٢) عن مسروق، قالَ: سألنا عبدَ اللَّه بن مسعودَ
◌ُوثه، عن هذه الآية: ﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ
رَبِّهِمْ يَرَزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، فقالَ: أما إنا قدْ سألنا رسولَ اللَّه وَلّ عن
ذلكَ، فقال: ((أرواحُهُم في جوف طير خضرٍ، لها قناديلُ معلقةٌ بالعرشِ، تسرحُ
في الجنةِ حيثُ شاءتْ، ثم تأوي إلى تلكَ القناديلِ، فاطّلع إليهم ربُّهم اطلاعةً، فقالَ:
هل تشتهونَ شيئًا؟ قالُوا: أيَّ شيءٍ نشتهي ونَحنُ نسرحُ من الجنةِ حيثُ شئنا، ففعلَ ذلكَ
بهم ثلاثَ مرات، فلمَّا رأوا أنَّهم لم يُتركوا من أنْ يُسألوا، قالُوا: يا ربَّ نريدُ أن
تردَّ أرواحَنا في أجسادنا حتى نقتلَ في سبيلكَ مرةً أُخرى، فلمَّا رأى أنْ ليسَ لهم
(١) أخرجه البخاري (١٥٧/٧ - ١٧١ - ١٧٣)، ومسلم (١٥/٧ - ١٦) من حديث عائشة فيه.
(٢) (٣٨/٦).
٢٢٦
سورة آل عمران
حاجةً تُرُوا)).
روى الإمام أحمدُ، وأبو داودَ، والحاكمُ (١)، من حديثِ سعيدِ بنِ جبيرٍ،
عن ابنِ عباسٍ بِاثْ، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ وَهُ: (لَّ أصيبَ إخوانكم بأحدٍ جعلَ
اللَّهُ أرواحَهم في أجوافٍ طير خضرٍ، تردُ أنهار الجنةِ، وتأكلُ من ثمارِها، وتأوِي إلى
٥
قناديلَ من ذهب، معلقة في ظلِّ العرشِ، فلمَّا وجدُوا طيبَ مأكلهِم ومشربهم ومقيلِهم،
قالُوا: من يبلغُ عنَّا إِخوانَنا أنا أحياءٌ في الجنةِ نرزقُ، لئلا ينكُلُوا عن الحربِ، ولا يزهدُوا
في الجهاد؟)) قال: ((فقال اللَّهُ عزَّ وجلّ: أنا أبلّغُهم عنكُم، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]).
وخرَّج أبو عبد الله بن منده وغيرُهُ، حدثنا إسماعيلُ بنُ المختارِ عن عطيةَ،
عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ بَّه قال: ((أرواحُ الشهداءِ في طيرِ خضرٍ، نزعى في
۔
رياضِ الجنةِ، ثم يكونُ مأواها إلى قناديلَ معلقة بالعرشِ، فيقولُ لهم الربُّ عزَّ وجلَّ:
هلْ تعلمونَ كرامةً أكرمَ مِنْ كرامةٍ أَكْرَ مَتُكُموها؟ فيقولون: لا، إنَّا وَدَدْنا أنك رددتَ
أرواحَنا في أجسادنا حتى نقاتلَ مرةً أخرى، فنقتلَ في سبيلِكَ)).
وخرَّج أبو الشيخِ الأصبهانيُّ وغيرُهُ، من طريقِ عبدِ اللَّهِ بنِ ميمونَ، عن
عمِّه مصعبِ بنِ سليمٍ، عن أنسٍ ◌ِالَّتُه، أنَّ النبيَّ نَّهِ قالَ: ((يبعثُ اللَّهُ الشهداءَ
من حواصلٍ طيرٍ بيضٍ كانُوا في قناديلَ معلقة بالعرشِ)).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ، والترمذيُّ وصححه(٢)، من حديث عمرو بنِ دینارٍ،
عن الزهريِّ، عن عبد الرحمن بن كعبِ بنِ مالكٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللَّه
(١) أخرجه أحمد (٢٦٦/١)، وأبو داود (٢٥٢٠)، والحاكم (٨٨/٢).
(٢) أخرجه أحمد (٣٨٦/٣ - ٤٥٥ - ٤٥٦)، والترمذي (١٦٤١).
٢٢٧
سورة آل عمران
مِّ قالَ: ((إنَّ أرواح الشهداءِ في طيرٍ خضرٍ، تعْلُقُ من شجرِ الجنة)). كذا رواه
عمرُو، عنِ الزهريِّ، ورواه سائرُ أصحابِ الزهريِّ عنه، ولم يذكرُوا:
الشهداءَ، إنَّما ذكروا نسمةَ المؤمنِ وسيأتِي حديثُهم إن شاءَ اللَّهُ.
وقد ذكرنا فيما تقدمَ حديثَ أبي عبادةَ عيسى بنِ عبدِ الرحمنِ، عن
الزهريِّ، عن عامرِ بنِ سعدٍ، عن إسماعيلَ بنِ طلحةَ بنِ عبيدِ اللَّهِ، عن
أبيه، عن النبيِّ وَّ في شهداء أحدٍ، وهو منكرٌ، وأبو عبادةَ هذَا: ضعيفٌ
جدًّا.
وخرَّج ابنُ مُنده، من طريقِ معاويةَ بنِ صالحٍ، عن سعيدِ بنِ سويدٍ، أنّه
سألَ ابنَ شهابٍ عن أرواحِ المؤمنينَ فقالَ: بلغني أن أرواحَ الشهداءِ كطيرٍ
خضرِ معلقة بالعرشِ، تغدُو ثم تروحُ إلى رياضِ الجنةِ، تأتي ربَّها عزَّ وجلَّ
في كلِّ يومٍ تسلِّمُ عليه، وهذا أشبهُ.
وكذا قال الضحاكُ، وإبراهيمُ التيميُّ، وغيرُهما من السلفِ، في أرواحٍ
الشهداء .
وخرَّج ابنُ منده، من طريقِ عبدِ الرحمن بن زيادِ بنِ أنعمَ، عن حِبَّنَ بنِ
أبي جبلةَ، قالَ: بلغني أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ قالَ: ((إنَّ الشهداءَ إذا استشهدُوا أنزلَ
اللَّهُ جسدًا كأحسنٍ جسد، ثم يقالُ لروحه: ادخلي فيه، فينظر إلى جسده الأول ما يُفْعلُ
به، ويتكلمُ فيظنُ أنهم يسمعونَ كلامَه، وينظرُ بهم، فيظنُّ أنهم ينظرونَهُ، حتى تأتيَه
أزواجُهُ - يعني الحور العينِ - فيذهبْنَ بِهِ».
ويشهدُ لهذه النصوصِ - أيضًا - ما في ((الصحيحينِ))(١) عن جابرٍ، قالَ:
(١) أخرجه البخاري (١٢١/٥)، ومسلم (٤٣/٦).
٢٢٨
سورة آل عمران
قالَ رجلٌ يومَ أُحُد: أين أنا إنْ قتلتُ يا رسولَ اللَّه؟ قال: ((في الجنة))، فألقى
تمراتٍ كنَّ في يدهِ، ثم قاتلَ حتى قُتْلَ.
وفي (صحيحِ مسلمٍ)(١) عن أنسٍ ◌ِاثْتُه، أنَّ النبيَّ ◌َّ قال لأصحابِهِ يومَ
بدرٍ: ((قومُوا إلى جنة عرضُها السماواتُ والأرضُ))، وذكر قصةَ عميرِ بن الحمامِ.
وفي ((صحيح البخاريِ)(٢) عن المغيرة بن شعبةَ، قالَ: أخبرنا نبيًّا وَّ عن
رسالةِ ربِّنا أنه من قُتِلَ صارَ إلى الجنةِ.
و((فيه)» - أيضًا (٣) - عن المسورِ بنِ مَخْرَمَةَ، ومروانَ بنِ الحكمِ، أنَّ عمرَ
◌ِّه، قال للنبيِّ وَّهِ يومَ الحديبيةِ: أليسَ قتلانا في الجنةِ وقتلاهُم في النارِ؟
قال: ((بلَی)).
وفي ((صحيحِ مسلمٍ)) (٤) عن أبي مُوسى، عن النبيِّ نَّ قالَ: ((إنَّ أبوابَ
الجنة تحت ظلال السيوف».
وفي ((صحيحِ البخاريِ)(٥) عن أنسٍ ◌ِثَّتُه، قالَ: أصيبَ حارثةُ يومَ بدرٍ -
وهو غلامٌ - فجاءتْ أمُّه إلى النبيِّنَّ فقالتْ: يا رسولَ اللَّه، قد عرفتَ
منزلةَ حارثةَ مِنِّي، فإن يكنْ في الجنةِ صبرتُ واحتسبتُ، وإن تكن الأُخرى
ترى ما أصنعُ؟ قالَ: ((ويحك أو هبلت؟ جنةٌ واحدةٌ هي؟ إنها جنانٌ كثيرةٌ، وإنهُ في
جنة الفردوسِ».
(١) (٦ /٤٤) .
(٢) (١١٨/٤)، (١٨٩/٩).
(٣) ((صحيح البخاري)) (١٢٥/٤)، (١٧٠/٦)، ولكن هذا اللفظ من حديث سهل بن حنيف ضِّه.
(٤) (٦ / ٤٥).
(٥) (٩٨/٥)، (١٤٢/٨ - ١٤٥).
٢٢٩
سورة آل عمران
صَلى الله
وسلم
وخرَّج الترمذيُّ، والحاكمُ(١) ، من حديث أبي هريرةَ خِرَُّه، عن النبيُّ
قالَ: ((رأيتُ في الجنةِ جعفرًاً يطيرُ مع الملائكة)).
وخرَّج الحاكمُ(٢) من حديثِ ابنِ عباسٍ ◌ُِّ، عن النبيِّ ◌َِّ قالَ: ((دخلتُ
البارحةَ الجنةَ فنظرتُ فيها، فإذا جعفرُ يطيرُ مع الملائكة، وإذا حمزةُ متكئٌّ على سرير)).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ، وأبو يَعْلِى(٣)، وابنُ أبي الدنيا، من حديثِ ثابتٍ،
عن أنسٍ ◌ِوَثَّثُه، قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ وَ لَّهِ تعجبُهُ الرؤيا الحسنةُ، فكانَ فيما
يقولُ: ((هل رأى أحدٌ منكم رؤيا؟)) فإذا رأى الرجلُ الذي لا يعرفُه الرؤْيا، سألَ
عنه، فإن أخبرَ عنه بمعروفٍ كان أعجبَ لرؤياه، قال: فجاءت امرأةٌ فقالتْ:
يا رسولَ اللَّهِ، رأيتُ في المنامِ كأنِّي خرجتُ فأُدْخِلتُ الجنةَ، فسمعتُ وجبةً
ارتجتْ لها الجنةُ، فإذا أنا بفلان وفلان وفلان، حتى عدَّتْ اثني عشرَ رجلاً -
وبعثَ رسولُ الله - نَّه سريّة قبل ذلك فجيءَ بهم عليهم ثيابٌ طلس تشخبُ
أوداجُهم، فقالَ: ((اذهبوا بهم إلى نهرِ البيذخ، فغمسُوا فيه، فأخرجُوا ووجوهُهم
كالقمر ليلة البدرِ، وأُتوا بكراسي من ذهب فأُقعدوا عليها، وجيءَ بصحفة من ذهب فيها
بسر، فأكلوا من بُسره ما شاءُوا فما يقلِبونَها لوجه إلا أكلوا من فاكهة ما شاءُوا»،
قالتْ: وأكلتُ معهُم، قال: فجاءَ البشيرُ من تلك السريةِ، فقال: يا
رسول الله! كان كذا وكذا، وأصیبَ فلان وفلان حتى عدَّ اثني عشر رجلاً،
فقالَ: عليَّ بالمرأة)) فقال: ((قصِّي رؤياكَ على هذا)) فقال الرجلُ: هو كما قالتْ،
أصیب فلانٌ وفلانٌ.
(١) أخرجه الترمذي (٣٧٦٣)، والحاكم (٢٠٩/٣).
(٢) ((المستدرك)) (١٩٦/٣ - ٢٠٩).
(٣) أخرجه أحمد (١٣٥/٣ - ٢٥٧)، وأبو يعلى في «مسنده)) (٣٢٨٩).
٢٣٠
سورة آل عمران
وروى ابن عيينةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي يزيدَ، سمعَ ابنَ عباسٍ، يقولُ:
أرواحُ الشهداءِ تجولُ في حواصلِ طيرٍ خضرٍ، تَعْلُقُ في ثمرِ الجنةِ .
وروى معمرٌ، عن قتادةَ، قالَ: بلغنا أن أرواحَ الشهداءِ في حواصلِ طيرٍ
بيضٍ، تأكلُ من ثمارِ الجنةِ .
وروى أبو عاصمٍ، عن ثورِ بنِ يزيدَ، عن خالدِ بنِ معدانَ، عن عبد اللَّه
ابنِ عمرِو، قال: أرواح الشهداءِ في أجوافِ طيرٍ كالزرازيرِ، يتعارفونَ
ويرزقونَ من ثمرِ الجنةِ .
وروى ابنُ المباركِ، عن زائدةَ، حدَّثَنا ميسرةُ الأشجعيُّ، عن عكرمةَ، عن
ابنِ عباسٍ، عن كعب ◌ِوَّهُ، قال: جنةُ المأوَى: جنةٌ فيها طيرٌ خضرٌ، ترعى
فيها أرواحُ الشهداءِ .
كذا رواه عطيةُ، عن ابنِ عباسٍ، قالَ: قلت لكعبٍ: إني أسألُك عن أشياءَ
فإنْ كانتْ في كتابِ اللَّهِ فحدِّثْني، وإن لم يكنْ في كتابِ اللَّهِ فلا تحدِّني،
فذكرَ مسائلَ، فقال كعبٌ: ما سألْتَني عن شيءٍ إلا وهوَ في كتابِ اللَّهِ، قال:
وأمَّا جنةُ المأوى فإنَّها جنةٌ فيها أرواحُ الشهداءِ، في أجوافِ طيرٍ خضرٍ، تأوي
إلى قناديلِ الجنةِ .
وروى أبو المغيرةِ عبدُ القدوسِ بنُ الحجاجِ، حدثنا عمرُو بنُ عمرَ
الأحموسي، عن السفرِ بنِ نسيرٍ، قالَ: سئلَ أبو الدرداء عنْ أرواحِ الشهداءِ
فقالَ: هي طيرٌ خضرٌ، معلقةٌ في قناديلَ تحت العرشِ، تسرحُ في الجنةِ حيثُ
شاءتْ، ثم ترجعُ إلى قنادیلها.
وروى ليثٌ عنِ أبي قيسٍ، عن هذيلٍ، عن ابنِ مسعودٍ، قالَ: أرواحُ
٢٣١
سورة آل عمران
الشهداء طيرٌ خضرٌ في قناديلَ تحتَ العرشِ تسرحُ في الجنةِ حيثُ شاءتْ، ثم
تأوي إلى قناديلها .
ورُوي عن مجاهد، أنه قالَ: ليس الشهداءُ في الجنة، ولكنَّهم يرزقونَ
منها(١).
فروى آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في
قولِهِ تعالى: ﴿وَلا تَحْسَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ
يُرْزَقُونَ ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩]. قالَ: يقولُ: أحياءٌ عندَ ربِّهم يرزقونَ من ثمرِ
الجنة، ويجدونَ ريحَها وليسُوا فيها(١).
وروى ابنُ المباركِ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قالَ: ليس هم في
الجنة، ولكنَّهم يأكلونَ من ثمارِهَا، ويجدونَ ريحَهَا(١) .
وقد يستدلّ لقولِهِ بما رواه ابنُ إسحاقَ، عن عاصمٍ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ، عن
محمودِ بنِ لبيدٍ، عن ابن عباسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما، قالَ: قالَ رسولُ اللَّه
وَّ: «الشهداءُ على بارق نهر ببابِ الجنةِ، في قبَّةِ خضراءَ، يخرجُ علیھم رزقُهم من
الجنة بكرةً وعشيًّا))(٢).
وخرَّجه ابنُ منده، ولفظُه: ((على بارقِ نهرٍ في الجنةِ)).
وهذا يدلُّ على أنَّ النهرَ خارجٌ من الجنةِ، وابنُ إسحاقَ مدلسٌ، وليس
يصرحُ بالحديثِ هنا، ولعلَّ هذا في عمومِ الشهداءِ، والذينَ في القناديلِ التي
تحتَ العرشِ خواصَّهم، ولعلَّ المرادَ بالشهداءِ هنا من هو شهيدٌ من غيرِ قَتْلٍ
(١) «الطبري)) (٣٩/٢).
(٢) أخرجه أحمد (٢٦٦/١)، والحاكم (٧٤/٢)، والطبري (٤٠/٢)، (١٧١/٤).
٢٣٢
سورة آل عمران
في سبيلِ اللَّهِ، كالمطعونِ والمبطون والغريقِ وغيرِهم ممن وردَ النصُّ بأنه
شهید.
والأحاديثُ السابقةُ كلُّها فيمن قُتِلَ في سبيلِ اللهِ، وبعضُها صريحٌ في
ذلكَ. وفي بعضِها أنَّ الآيةَ نزلتْ في ذلك، وهو قولُهُ تعالى: ﴿ وَلا تَحْسَنَّ
الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ﴾ الآية، والآية نصٌّ في المقتولِ في سبيلِ اللَّهِ.
وقد يطلقُ الشهيدُ على من حقَّقَ الإيمانَ وشهدَ بصحته بقوله، كما قال
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِّيَقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عندَ رَبِّهِمْ﴾
[الحديد : ١٩].
قال ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في هذه الآيةِ يقولُ: يشهدونَ على
أنفسِهِم بالإيمانِ باللّهِ(١).
وروى سفيانُ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ، قالَ: كلُّ مؤمنٍ صدِّيقٌ وشهيدٌ،
ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِيْقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِهِمْ﴾(١)
[ الحديد : ١٩].
وخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ، من روايةِ رِشدينَ بنِ سعدٍ، عن ابنِ عقيلٍ، عن
أبيه عن أبي هريرةَ ◌ِثَّهِ، قالَ: كلُّكم صدّقٌ وشهيدٌ، قيل له: ما تقولُ يا
أبا هريرة؟ قال: اقرأوا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيَقُونَ وَالشُّهَدَاءُ
عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ .
وخرَّجَ ابنُ جريرٍ (٢)، من طريقِ إسماعيلَ بنِ يحيى التيميِّ، عن ابنِ
(١) أخرجه ابن جرير في ((التفسير)) (٢٣١/٢٧).
(٢) ((التفسير)» (٢٣١/٢٧).
(٣) التون بن سعد هذا متروك
٢٣٣
سورة آل عمران
عجلانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن البراء بن عازبٍ، عن النبيِّ وَلِ قالَ: ((مؤمنو
أمَّتِي شهداءً) ثم تلا رسولُ اللَّهِ هذه الآيةَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ
الصّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩]، وإسماعيلُ هذا: ضعيفٌ جداً.
ويَعضَدُ هذا ما وردَ في تفسير قولِه تعالى: ﴿لَّتَكُونُوا شُهَدَاءٍ عَلَى النَّاسِ
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] من شهادة هذه الأمةِ للأنبياءِ عليهم
السلامُ بتبليغِ رسالاتِهم.
وبكلِّ حال فالأحاديثُ المتقدمةُ كلُّها في الشهيدِ المقتولِ في سبيلِ اللهِ عزّ
وجلَّ لا تحتملُ غيرَ ذلكَ، وإنَّما النظرُ في حديثِ ابنِ إسحاقَ هذا واللَّهُ
أعلمُ.
وأما بقيةُ المؤمنينَ سوى الشهداءِ؛ فينقسمونَ إلى: أهلِ تكليفٍ، وغيرِ أهلِ
تكلیف؛ فهذان قسمان :
أحدُهما: غيرُ أهل التكليفِ: كأطفال المؤمنينَ.
فالجمهورُ على أنهم في الجنة، وقد حكى الإمامُ أحمدُ الإجماعَ على
ذلك.
وقال - في روايةِ جعفرِ بنِ محمدٍ -: ليسَ فيهم اختلافٌ، يعني أنهم في
الجنة .
وقالَ - في روايةِ الميمونيِّ -: لا أحدَ يشكُّ أَنَّهم في الجنةِ.
وذكر الخلالُ من طريقِ حنبلٍ، عن أحمدَ، قالَ: نحن نقرُّ بأنّ الجنةَ قد
خلقتْ، ونؤمنُ بها، والجنةُ والنار مخلوقتان، قال اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿النَّارُ
يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، لآل فرعونَ، وقالَ: أرواحُ ذراري
٢٣٤
سورة آل عمران
المسلمينَ، في أجوافِ طيرٍ خضرٍ، تسرحُ في الجنةِ، يكفلُهم أبوهم إبراهيم،
فيدلُّ هذا على أنهما قد خلقتا.
وكذلكَ نصَّ الشافعيُّ على أن أطفال المسلمينَ في الجنةِ .
وجاء صريحًا عن السلفِ على أنَّ أرواحهم في الجنةِ كما روى الليثُ، عن
أبي قيسٍ، عن هذيلٍ، عن ابنِ مسعودٍ، قالَ: إنَّ أرواحَ الشهداءِ في أجوافِ
طيرٍ خضرٍ، تسرحُ بهم في الجنةِ حيث شاءُوا، وإن أرواحَ ولدانِ المسلمينَ
في أجوافِ عصافيرَ في الجنةِ، تسرحُ بهم في الجنة حيثُ شاءتْ فتأوِي إلى
قناديلَ معلقةٍ في العرشِ. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ .
ورواه الثوريَّ والأعمشُ، عن أبي قيسٍ، عن هذيلٍ، من قولِهِ، لم يذكرِ
ابنَ مسعودٍ.
وخرَّج البيهقيَّ، من طريقِ عكرمة، عن ابنِ عباسٍ، عن كعبٍ، نحوه.
وخرَّج الخلالُ، من طريقِ ليثٍ، عن أبي الزبيرِ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ،
قالَ: إنَّ في الجنةِ لشجرةً لها ضروعٌ كضروعِ البقرِ، يغذَّى به ولدانُ أهلِ
الجنةِ، حتَّى إِنَّهم ليستنونَ استنانَ البكارةِ .
وخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادِهِ، عن خالدٍ بن معدانَ، قالَ: إنَّ في الجنة
شجرةً يقال لها: طُوبى ضروعٌ كلُّها، تُرْضِعُ صبيانَ أهلِ الجنةِ، وإنّ سقْطَ
المرأةِ يكونُ في نهرٍ من أنهارِ الجنةِ، يتقلبُ فيه حتى تقومَ الساعةُ، فيبعثُ ابنَ
أربعينَ سنة .
ويدلُّ على صحة ذلك ما في ((صحيحِ مسلمٍ)) (١) عن أنس قالَ: لما تُوفِّي
(١) (٦ / ٧٦ - ٧٧) .
٢٣٥
سورة آل عمران
إبراهيمُ عليه السلامُ، قالَ النبيِّ ◌ِّهِ: ((إنَّ إبراهيمَ ابني، وإنه ماتَ في الندْي، وإنَّ
له لظئرَيْنِ فيكمِّلانِ رِضاعَهُ في الجنةِ)) وخرَّجَ ابنُ ماجه(١) نحوَهَ من حديثِ ابنِ
عباسٍ فِوالها.
وخرَّج الإمامُ أحمدُ(٢) نحوَهَ من حديثِ البراءِ بن عازبٍ.
وروى سعيد بن منصورٍ، عن إسماعيلَ بنِ عياشٍ، عن عبدِ اللهِ بن عثمانَ
بِنِ خُثَيْمٍ، عن مكحولٍ، أن رسولَ اللَّهِ وَلَ قالَ: ((إن ذرارِي المؤمنينَ أرواحُهم
في عصافيرَ في شجرِ في الجنةِ، يلقاهُم أبوهُم إبراهيمُ عليه السلامُ)) .
وكذا رواه عليٌّ بنُ عثمانَ اللاحقيُّ، عن حمَّدِ بنِ سلمةَ، عن ابنِ خُثِيْمٍ،
عن مكحول، إلا أنه قالَ: عصافيرُ خضرٌ في الجنةِ. وهذا مرسلٌ، ولفظه
يشبُهُ لفظَ الحديثِ الذي احتجَ به الإمامُ أحمدُ على خلقِ الجنةِ، كما تقدَّم.
وقد رُويَ متصلاً من وجه آخرَ، من روايةِ عبدِ الرحمنِ بنِ ثابتِ بنِ
ثوبانَ، عن عطاءِ بنِ قُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ ضمرةً، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ
وَخِّ قالَ: ((ذرارِي المؤمنينَ يكفلُهم إبراهيمُ عليه السلامُ في الجنة)) خرَّجه ابنُ حبانَ
في ((صحيحِه) والحاكمُ وقالَ: صحيحُ الإسنادِ(٣).
وخرّجهُ الإمامُ أحمدُ(٤) ، عن موسى بن داودَ، عن ابنِ ثوبانَ، إلا أنَّه ذكرَ
أنَّ موسى شكَّ في رفعهِ. ولكنْ رواهُ غيرُ واحدٍ، عن ثوبانَ، ولم يشكُّوا في
رفعه .
(١) ((السنن)) (١٥١١).
(٢) ((المسند)) (٢٨٤/٤ - ٢٨٥ - ٢٩١ - ٣٠٠ - ٣٠٢ - ٣٠٤).
(٣) أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٧٤٤٦)، والحاكم (٢/ ٣٧٠).
(٤) ((المسند)) (٣٢٦/٢).
٢٣٦
سورة آل عمران
ورُويَ من وجهٍ آخرَ، من روايةِ مؤملٍ، عن سفيانَ، عن ابنِ الأصبهانيِّ،
عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّبٍَّ قال: («أولادُ المسلمين في جبلٍ في
الجنة، يكفلُهم إبراهيمُ وسارةُ - عليهما السلامُ - فإذا كان يوم القيامةِ دُفعوا إلى
آبائهم)»(١) .
وكذا رواه محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ نميرٍ، عن وكيعٍ، عن سفيانَ مرفوعًا.
ورواهُ ابنُ مهدي وأبو نعيمٍ، عن سفيانَ، موقوفًا، قال الدار قطنيُّ:
والموقوفُ أشبهُ.
ومما يستدلُّ لهذا - أيضًا - ما خرَّجه البخاريُّ (٢) عن سمرةَ بنِ جندبٍ،
عن النبيِّ وَّ أنَّه رأى في منامِهِ جبرائيل وميكائيل أتياه فانطلَقًا بهِ، وذكر
حديثًا طويلاً، وفيه: «فإذا روضةٌ خضراءُ فيها شجرةٌ عظيمةٌ وإذا شيخٌ في أصلِها
حولَهُ صبيانٌ، فصعدَا بي الشجرةَ وأدخلاني دارًا لم أرَ قط أحسنَ منها، فإذا فيها رجالٌ
وشيوخٌ وشبابٌ وفيها نساءٌ وصبيانٌ))، وذكرَ الحديثَ وفيه: ((قالا: فأمَّا الشيخُ الذي
رأيتَ في أصلِ الشجرةِ فذاك إبراهيمُ، وأمَّ الصبيانُ الذي رأيتَ حولَه فأولادُ الناسِ»،
وفي روايةٍ: ((فكل مولود ماتَ على الفطرة، وأمَّا الدارُ التي دخلتَ أولاً فدارُ عامة
المؤمنينَ، وأمَّ الدارُ الأخرى فدار عامة الشهداء)).
ورواه ابنُ خلدةَ، عن أبي رجاء العطارديِّ، عن سمرةَ، وفي حديثِه:
((قلتُ: فالذينَ في الروضة؟ قال: أولئكَ الأطفالُ، وُكِّلَ بهم إبراهيمُ عليه السلامُ، يربِّيهم
إلى يوم القيامة)).
(١) أخرجه الحاكم (٣٨٤/١).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٦٥/٢)، (١٧٠/٤)، (٨٦/٦)، (٥٥/٩).
٢٣٧
سورة آل عمران
وخرَّج الطبرانيَّ، والحاكم (١) ، من حديثِ سليمٍ بنِ عامرٍ، عن أبي أمامةً،
عن النبيِّ وَّ قال: ((بينا أنا نائمٌ انطلقَ بي إلى جبلٍ وعرِ))، فذكرَ الحديثَ، وفيه:
((ثُمَّ انطلقَ بي حتى أشرفتُ على غلمان يلعبونَ بين نهرين، قلتُ: مَنْ هؤلاء؟ قال:
ذراري المؤمنينَ يحضنُهم أبوهم إبراهيمُ - عليه السلامُ - ثمَّ انطلقَ بي حتى أشرفتُ على
ثلاثة نفر، قلتُ: من هؤلاء؟ قال: إبراهيمُ وموسى وعيسى - عليهم السلام - وهم
ينتظرونك)».
وذهبتْ طائفةٌ إلى أنَّه يشهدُ لأطفال المؤمنينَ عمومًا أنهم في الجنةِ ولا
يُشهد لآحادهم، كما يُشهدُ للمؤمنينَ عمومًا أنهم في الجنةِ، ولا يشهد
لآحادهم وهو قولُ إسحاقَ بن راهويه، نقله عنه إسحاقُ بنُ منصورٍ وحربٌ
في مسائلِهما، ولعلَّ هذا يرجعُ إلى الطفل المُعَيَّنِ لا يُشْهَد لأبيه بالإيمانِ، فلا
يُشْهدُ له حينئذ أنه من أطفال المؤمنين، فيكونُ الوقفُ في آحادهم كالوقفِ في
إيمان آبائهم.
وحكى ابنُ عبد البرِّ عن طائفةٍ من السلفِ القولَ بالوقفِ في أطفالِ
المؤمنينَ، وسمَّى منهم حمادَ بنَ زيدٍ، وحمادَ بنَ سلمةَ، وابنَ المباركِ،
وإسحاقَ، وهذا بعيدٌ جدًا، ولعله أخذَ ذلكَ من عموماتِ كلامٍ لهم، وإنما
أرادوا بها أطفالَ المشركين.
وكذلكَ اختارَ القولَ بالوقفِ طائفةٌ منهُم: الأثرمُ، والبيهقيُّ، وذُكرَ أنَّ ابنَ
عباسٍ رجعَ إليه والإمامُ أحمدُ ذكر أن ابنَ عباسٍ إنما قالَ ذلك في أطفال
المشركينَ، وإنما أخذه البيهقيُّ من عمومٍ لفظِ رُويَ عنه، كما أنه رُوي في
(١) أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٨٢/٨)، والحاكم (٢/ ٢١٠).
٢٣٨
سورة آل عمران
بعضِ ألفاظِ حديث أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ ◌َّ سُثُلَ عن الأطفال، فقالَ: ((اللَّهُ
أعلمُ بما كانُوا عاملينَ) (١)، ولكن الحفَّاظَ الثقات ذكرُوا أنه سئلَ عن أطفالِ
المشركينَ .
واستدلَّ القائلونَ بالوقفِ، بما أخرجهُ مسلمٌ (٢) ، من حديثِ فضيلِ بنِ
عمرٍو، عن عائشةَ بنتِ طلحةَ، عن عائشةَ أمِّ المؤمنينَ تِالَُّها، قالتْ: توفِّي
صبيّ، فقلتْ: طُوبى له، عصفورٌ من عصافير الجنةِ. فقالَ رسولُ اللَّهِ وَخَّ:
((أو لا تدرينَ أنَّ اللَّهَ خلقَ الجنةَ وخلقَ النارَ، فخلقَ لهذه أهلاً ولهذه أهلاً)).
وخرَّجه مسلمٌ - أيضًا - من طريقِ طلحةَ بنِ يحيى، عن عمّتِهِ عائشةَ بنتِ
طلحةَ، عن عائشةَ أمِّ المؤمنينَ رضيَ اللَّهُ عنها، قالتْ: دُعِيَ رسولُ اللَّهِ وَل
إلى جنازةٍ صبيٍّ من الأنصارِ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ طُوبى لهذا، عصفورٌ من
عصافيرِ أهلِ الجنةِ، لم يعملِ السوءَ ولم يدركْه، قال رسولُ اللَّهِ وَخلَّ: ((أو غيرَ
ذلكَ يا عائشةَ، إنَّ اللَّهَ خلق للجنَّةِ أهلاً، خلقَهُم لها وهمْ في أصلابِ آبَائِهِم)).
وقد ضعَّف الإمامُ أحمدُ رضيَ اللَّهُ عنه هذا الحديثَ من أجلِ طلحةَ بنِ
يحيى، وقالَ: قد رَوى مناكيرَ، وذكر له هذا الحديثَ، وقال ابنُ معينٍ فيه:
ليس بالقويِّ.
وأما روايةُ فضيلِ بنِ عمرٍو له عن عائشةَ، فقال أحمدُ: ما أراه سمعهُ إلا
من طلحةَ بنِ يحيى، يعني أنه أخذه عنه، ودَّسهُ، حيثُ رواه عن عائشةَ بنتِ
طلحةَ .
(١) أخرجه: البخاري (١٢٥/٢)، ومسلم (٥٣/٨).
(٢) (صحيح مسلم)) (٥٤/٨ - ٥٥).
٢٣٩
سورة آل عمران
وذكر العقيليُّ أنه لا يُحفظُ إلا من حديثٍ طلحةَ.
ويعارِضُ هذا ما خرَّجه مسلمٌ(١)، من حديثِ أبي السليلٍ، عن أبي
حسانَ، قالَ: قلتُ لأبي هريرةَ: إنه قد مات لي ابنتانِ، فما أنتَ محدِّي عن
رسول اللّهِ وَ له بحديث تطيبُ به أنفسنا عن موتانًا، قالَ: نعم، صغارُهم
دعاميصُ أهلِ الجنة، يتلقَّى أحدُهم أباه - أو قالَ أبويه - فيأخذُ بثوبِهِ، أو قالَ
بيدهِ - كما آخذُ أنا بصنفة ثوبكَ هذا فلا يتباهى أو قال: فلا ينتهي حتّى
يدخلَه اللَّهُ وأباهُ الجنة)).
وفي ((الصحيحينِ))(٢) عن أنسٍ رضيَ اللَّه عنه، عن النبيِّ وَّلَ قالَ: ((ما من
الناسِ مسلمٌ يموتُ له ثلاثةٌ من الولد لم يبلغوا الحنْثَ إلا أدخلَهُ اللَّهُ الجنةَ بفضلٍ رحمته
إياهُم)). ولهذا قالَ الإمامُ أحمدُ: ((هو يُرجى لأبويه، فكيف يُشكّ فيه؟))
يعني أنه يُرجى لأبويه بسببه دخول الجنةِ .
ولعلَّ النبيَّ بَّهِ نهى أولاً عن الشهادة لأطفالِ المسلمينَ بالجنةِ قبل أن يطلع
على ذلك، لأن الشهادةَ على ذلك تحتاجُ إلى علمٍ به، ثم اطلعَ على ذلك
فأخبرَ بهِ، واللهُ أعلمُ.
القسم الثاني: أهل التكليف من المؤمنين سوى الشهداء:
وقد اختلف العلماءُ فيه قديمًا وحديثًا والمنصوصُ عن الإمامِ أحمدَ: أنَّ
أرواحَ المؤمنينَ في الجنةِ، ذكرَ ذلك الخلالُ في كتابِ ((السنةِ)) عن غيرِ واحدٍ
و
عن حنبلٍ، قالَ: سمعتُ أبا عبد الله يقولُ: أرواحُ الكفارِ في النارِ، وأرواح
(١) ((صحيح مسلم)) (٤٠/٨).
(٢) هو من أفراد البخاري دون مسلم، أخرجه (٩٢/٢ - ١٢٥).
٢٤٠
سورة آل عمران
المؤمنينَ في الجنةِ، وقال حنبل في موضعٍ آخرَ: قال: عمومُ أرواحِ المؤمنينَ في
الجنةِ، وأرواحُ الكفارِ في النارِ، والأبدانُ في الدنيا يعذِّبُ اللَّهُ من يشاءُ،
ويرحمُ من يشاءُ بعفوهِ.
قال أبو عبد اللَّهِ: ولا نقولُ إنهما يفنيانِ، بلْ هُما على علم اللّه باقيتانِ،
يبلغُ اللَّهُ فيهما عملَه، نسأل اللَّهَ التثبيتَ وأن لا يُزِيغَ قلوبنا بعد إذ هدانا.
وقولُهُ: ولا نقولُ: هما يفنيانِ، يعني الجنةَ والنارَ، فإن في أولِ الكلامِ عن
حنبلٍ، أن أبا عبدِ اللَّهِ حكى قصةَ ضرارِ، وحكايتَه اختلافَ العلماءِ في خلقِ
الجنةِ والنارِ، وأن القاضيَ الجمعي أهدر دمَ ضرارٍ، فلذلكَ استخْفَى إلى أن
ماتَ. وأن أبا عبدِ اللَّه، قالَ: هذا كفرٌ، يعني القولَ بأنهما لم يُخْلَقَا بعدُ.
قال حنبل: وسألتُ أبا عبد اللَّه، عمَّن قالَ: إنْ كانتا خلقَتَا فإنهما إلى
فناء، ثمَّ ذكرَ هذا الجوابَ عن أحمدَ.
ولا يصحُّ أن يقال: إنَّ أحمدَ إنما نفى الفناءَ عنهُما معًا، فيصدق ذلك بأن
تكونَ الجنةُ وحدها لا تَفْنى لأنَّ ما بعدَ هذا مبطلٌ لهذا التأويلِ، وهو قوله:
بلْ هما على علم اللَّهِ باقيتانٍ. فإنَّ هذا ينفي ذلك الاحتمالَ والتوهمَ، ويثبتُ
لهما البقاءُ معًا، وهذا كما تقولُ: زيدٌ وعمرُ ولا يعلمان، فهذا قد يحتمل أن
يرادَ به نفيُ العلمِ عنهُما جميعًا دونَ أحدهما، فإذا قلتَ بعدَ ذلك: بل هُما
جاهلان، زالَ ذلك الاحتمالُ، وأثبتَ الجهلَ لهما جميعًا، وأيضًا فلا يقعُ
استعمالُ نفي عن شيئينِ والمرادُ نفيُ اجتماعهما خاصةً، إلا معَ ما بَّنَ ذلك
في سياقِ الكلامِ، أو عن لفظ يدلُّ عليه، فأمَّا مع الإطلاقِ فلا يقعُ ذلكَ، بل
لا يجوزُ استعمالُهُ مع الإيهامِ، كما لا يُقالُ: الجنةُ والنارُ لا يفنيان، وكما لا