Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
سورة آل عمران
المكروهات، قالَ عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ
وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَ فْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم
مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾
[آل عمران: ٣١]، قال الحسنُ: قال أصحاب النبيِّ وَّهِ: يا رسولَ اللَّه، إنَّا نُحبُّ
ربَّنا حبًّا شديدًا، فأحبَّ اللَّه أن يجعلَ لحبُّه علمًا، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآية (١).
وفي ((الصحيحين))(٢) عن النبيِّ وَّ، قال: ((ثلاثٌ مِنْ كُنَّ فيه وجَدَ حلاوةَ
الإيمان: أنْ يكونَ اللَّهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه تَمَّا سواهُمَا، وأنْ يُحبَّ المرءَ لا يُحبُّه إلا للَّهِ،
وأنْ يكره أن يرْجِعَ إلى الكُفرِ بعد إذْ أنقذَهُ اللَّهُ منه كَما يكرَهُ أَنْ يُلقَى في النارِ)).
فمنْ أحبَّ اللَّهَ ورسولَهُ محبةً صادقةً من قلبِهِ، أوجبَ له ذلكَ أنْ يحبَّ
بقلبه ما يُحبُّ اللَّهُ ورسولُهُ، ويكرهُ ما يكرههُ اللَّهُ ورسولُهُ، ويرضَى بما يَرْضَى
اللَّهُ رسولُهُ، ويسخطُ ما يسخطهُ اللَّهُ ورسولُهُ، وأنْ يعملَ بجوارحه بمقتضى
هذا الحبِّ والبغضِ، فإنْ عملَ بجوارِحِهِ شيئًا يخالفُ ذلكَ، بأن ارتكبَ
بعض ما يكرههُ اللَّهُ ورسولُه، أو تركَ بعضَ ما يحبهُ اللَّهُ ورسولُهُ مع وجوبِهِ
والقدرة عليه، دلَّ ذلكَ على نقصِ محبَّتَه الواجبةِ، فعليهِ أن يتوبَ من ذلكَ
ويرجعَ إلى تكميلِ المحبةِ الواجبةِ .
قال أبو يعقوب النَّهْرُ جُوريُّ: كلُّ من ادَّعى محبةَ اللَّه عزَّ وجلَّ ولم يوافقٍ
اللَّهَ في أمرِهِ، فدعواهُ باطلةٌ، وكلُّ محبٍّ ليسَ يخافُ اللَّهَ، فهو مغرورٌ.
(١) أخرجه الطبري في ((التفسير)) (١٥٦/٣).
(٢) أخرجه البخاري (١٠/١ - ١٢)، (١٧/٨)، (٢٥/٩)، ومسلم (٤٨/١) من حديث أنس بن
مالك فىقه .

٢٠٢
سورة آل عمران
وقالَ يحيى بنُ معاذ: ليسَ بصادق من ادَّعى محبةَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ ولم
يحفظْ حدودَهُ.
وسُثُلَ رُويمٌ عن المحبةِ، فقالَ: الموافقةُ في جميعِ الأحوالِ، وأنشدَ:
ولو قُلتَ لي مُتْ مِتُّ سمعًا وطاعةً وقُلتُ لداعي الموتِ أهلاً ومرْحَبًا
ولبعضِ المتقدمينَ:
تعصي الإلهَ وأنت تزعُمُ حُبَّه هذا لعَمْرِي في القياسِ شَنِيعُ
لو كانَ حُبُّك صادقًا لأطعتَه إنَّ الُحبَّ لمن يُحبُّ مُطيعُ
فجميعُ المعاصِي تنشأُ من تقديمٍ هوى النفوسِ على محبةِ اللَّهِ ورسوله،
وقد وصفَ اللَّهُ المشركينَ باتِّباعِ الهَوى في مواضعَ منْ كتابِهِ، وقال تعالى:
﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهَ بِغَيْرِ هُدَى
مِّنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠].
وكذلكَ البدعُ إِنَّما تنشأُ من تقديمِ الهَوى على الشَّرعِ، ولهذا يُسمَّى أهلُها
أهلَ الأهواءِ .
وكذلكَ المعاصي إنَّما تقعُ من تقديمِ الهوى على محبةِ اللَّه، ومحبة ما
يحبه .
وكذلك حبُّ الأشخاصِ: الواجبُ فيه أنْ يكونَ تبعًا لما جاءَ بهِ الرسولُ
وَهُ. فيجبُ على المؤمنِ محبةُ اللَّهِ ومحبةُ من يحبُّهُ اللَّهُ من الملائكةِ والرسلِ
والأنبياء والصديقينَ والشهداء والصالحينَ عمومًا، ولهذا كانَ من علاماتِ
وجودٍ حلاوة الإيمانِ أن يُحبَّ المرءَ لا يحبُّه إلا للَّه، ويحرِّمَ موالاةَ أعداء اللَّه
ومن يكرهُهُ اللَّهُ عمومًا، وقد سبقَ ذلكَ في موضعٍ آخرَ، وبهذا يكونُ الدِّينُ

٢٠٣
سورة آل عمران
كلُّه لله. و ((منْ أحبَّ اللَّهِ وأبغضَ للَّهِ، وأعطَى للَّهِ، ومنعَ للَّهِ، فقدِ استكملَ الإيمان)(١).
ومن كانَ حُبُّه وبُغضُه وعطاؤه ومنعُهُ لِهَوى نفسِهِ، كانَ ذلك نقصًا في
٠٠
إيمانِهِ الواجبِ، فيجبُ عليه التَّوبةُ من ذلكَ والرُّجوعُ إلى اتِباعِ ما جاء به
الرسولُ نَّهِ من تقديمِ محبةِ اللَّهِ ورسولِهِ، وما فيهِ رضا الله ورسولِهِ على
هوى النفوسِ ومراداتِهَا كلِّها .
قال وهيبُ بنُ الوردِ: بلغَنَا - واللهُ أعلمُ - أنَّ موسى - عليهِ السلامُ - قالَ:
يا ربِّ أوصِني؟ قالَ: أوصيكَ بي، قالَهَا ثلاثًا، حتَّى قالَ في الآخرةِ:
أوصيكَ بي أن لا يعرضَ لكَ أمرٌ إلا آثرتَ فيه محبَّتِي على ما سواها، فمن
لم يفعلْ ذلكَ لم أزكِّهِ ولم أرحمُهُ.
والمعروفُ في استعمالِ الهَوى عند الإطلاقِ أنَّه الميلُ إلى خلاف الحقِّ، كما
في قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقالَ:
ـج، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى
[ النازعات: ٤٠ - ٤١ ].
وقد يُطلقُ الهوى بمعنى المحبةِ والميلِ مطلقًا، فيدخلُ فيه الميلُ إلى الحقِّ
وغيرِهِ، وربَّما استُعْمِلَ بمعنى محبةِ الحقِّ خاصةً والانقيادِ إليه.
وسئلَ صفوانُ بنُ عسَّالِ: هل سمعتَ من النبيِّ نَّهِ يذكرُ الهَوى؟ فقال:
سأله أعرابيّ عن الرجل يُحبُّ القومَ ولم يلحقْ بِهِم، فقال: ((المرءُ مَعَ مَنْ
أحبَ))(٢) .
(١) أخرجه أحمد (٤٤٠/٣)، والترمذي (٢٥٢١) من حديث سهل بن معاذ الجهني ضُ الثُّه.
(٢) أخرجه أحمد (٢٣٩/٤ - ٢٤٠ - ٢٤١)، والترمذي (٩٦، ٢٣٨٧، ٣٥٣٥، ٣٥٣٦)، والنسائي
(٨٣/١ -٩٨).

٢٠٤
سورة آل عمران
ولَّا نزلَ قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾
[الأحزاب: ٥١]، قالتْ عائشةُ للنبيِّ وَّ: ما أرَى رَبَّك إلا يُسارعُ في هواكِ(١).
وقال عمرُ في قصة المشاورةِ في أُسارَى بدرِ: فهوَىَ رسولُ اللَّهُ وَّهِ ما قالَ
أبو بكرٍ، ولم يَهْوَ ما قلتُ، وهذا الحديثُ مما جاء استعمالُ الهَوى فيه بمعنى
المحبةِ المحمودةِ. وقد وقعَ مثلُ ذلكَ في الآثارِ الإسرائيليةِ كثيراً، وكلامٌ
مشايخِ القومِ وإشاراتُهم نظمًا ونثرًا يكثُر فيها هذا الاستعمال.
وعمّا يناسبُ معنى الحديثِ من ذلكَ قولُ بعضهم:
إنَّ هواكَ الَّذي بقلْبِي صَيَّرِنِي سامِعًا مطِيعًا
أخذتَ قلْبي وغَمْضَ عيني سَلَيْتِي النَّمَ والهُجُوعا
فذَرْ فؤادِي وخُذْ رُقَادِي فقالَ: لا بلْ هُمَا جميعًا(٢)
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا
فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٣٥؛ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا
أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا
بِكَ وَذُرِيََّهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٠)، فَتَبَلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْتَهَا فَاتًا
حَسَنَّا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا
مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
[قال البخاريُ]: وقال ابنُ عباسٍ: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل
(١) أخرجه البخاري (١٤٧/٦)، ومسلم (٤/ ١٧٤).
(٢) ((جامع العلوم والحكم)) (٤٣٥/٢ - ٤٣٩).

٢٠٥
سورة آل عمران
عمران: ٣٥]: للمسجد يخدمُها .
هذا من رواية عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ .
وقاله - أيضاً -: مُجاهدٌ، وعكرمةٌ، وقتادةُ، والربيعُ بنُ أنسٍ وغيرُهُم(١) .
وقال قتادةُ والربيعُ وغيرُهما: كانوا يُحَرِّرُونَ الذكورَ من أولادِهِم للكنيسةِ
يخدُمُها، فكانتْ تظنُّ أنَّ ما في بطنِهَا ذكرًا، فلمَّا وضعتْ أنثى اعتذرتْ من
ذلكَ إلى اللَّهِ، وقالتْ: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، لأنَّ الأنثى لا
تقْوى على ما يقْوَى عليه الذكرُ من الخدمةِ، ولا تستطيعُ أن تلازمَ المسجدَ في
حيضها، فقالَ اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] - يعني:
أنَّ اللَّهَ قِبِلَ نَذْرَها، وإنْ كان أنثَى، فإنه أعلمُ بما وضعتْ، وهذا كان في دينِ
بني إسرائيلَ.
وقد ذكَرَ طائفةٌ من المفسرينَ: أنَّ هذا كانَ شرعًا لهُم، وأنَّ شرْعَنَا غيرَ
موافقٍ له.
وخالفهُم آخرونَ :
قال القاضي أبو يَعْلَى في ((كتاب أحكام القرآن)): هذا النذرُ صحيحٌ في
شريعتنا، فإنَّه إذا نذَرَ الإنسانُ أن ينَشِّئَ ولدَهُ الصغيرَ على عبادةِ اللَّهِ وطاعتِهِ
وأنْ يعلمَه القرآنَ والفقهَ وعلومَ الدِّينِ صَحَّ النذرُ.
وهذا الذي قالَهُ حقٌّ، فقدْ قالَ النبيُّ نَّهِ: ((من نذَرَ أن يطيعَ اللَّهَ فليطعْه))(٢)،
فلو نذرَ أحدٌ أن يخدُمَ مسجدًا للَّهِ عزَّ وجلَّ لزِمَه الوفاءُ بذلكَ مع القدرةِ،
(١) راجع: ((التفسير)) لابن جرير (٢٣٦/٣ - ٢٣٧).
(٢) أخرجه البخاري (١٧٧/٨) من حديث عائشة فريقها.

٢٠٦
سورة آل عمران
وأمَّا إنْ نذَرَ أن يجعلَ ولده للَّهِ ملازمًا لمسجدٍ يخدُمُه ويتعبَّدُ فيه، فلا يبعد أن
يلزمَهُ الوفاءُ بذلكَ، فإنَّه نذرُ طاعة فيلزمه أن يجرِّد ولدَه لما نذرَهُ له، ويجبُ
على الولد طاعةُ أبيه إذا أمرَهُ بطاعةِ الله عزَّ وجلَّ.
وقد نصَّ الإمامُ أحمدُ على أنَّ الكافرينِ إذا جعَلا ولدهُمَا الصغيرَ مسلمًا
صار مسلمًا بذلكَ.
ولو وقفَ عبْدَهُ على خدمةِ الكعبةِ صحَّ - نصَّ عليه أحمدُ - أيضًا.
ونصَّ في عبدٍ موقوفٍ على خدمةِ الكعبةِ أنَّه إذا أبَى أن يخدُمَ بيعَ واشتُري
بثمِنِهِ عبدٌ يخدمُ مكانَهُ.
ورَوَى سعيدُ بنُ سالمٍ القداحُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن أبيهِ، أنَّ معاويةَ
أخدَمَ الكعبةَ عبيدًا بعثَ بهم إليها، ثم اتَّبعتْ ذلك الولاةُ بعدَهُ. خرَّجه
الأزْرقى(١) .
قوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾
قال اللَّهُ تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. قالَ أبو هريرةَ مُوَّه في هذه الآيةِ:
يجيئونَ بِهِم في السَّلاسلِ حتَّى يُدخلونَهُم الجنَّةَ.
وفي الحديثِ المرفوعِ: ((عجبَ ربُّك من قومٍ يُقَادُون إلى الجنَّةِ بِالسّلاسلِ))(٢) .
(١) ((فتح الباري)) (٥٣٥/٢، ٥٣٦).
(٢) أخرجه البخاري (٧٣/٤) من حديث أبي هريرة خطته.

٢٠٧
سورة آل عمران
فالجهادُ في سبيلِ اللَّهِ دعاءُ الخلْقِ إلى الإيمان بالله ورسوله بالسَّيف
واللسان، بعدَ دعائهِم إليه بالحجَّةِ والبرهانِ. وقد كانَ النبيُّ وَّهِ فِي أولِ الأمرِ
لا يقاتلُ قومًا حتى يدعُوهم.
فالجهادُ به تعلُو كلمةُ الإيمانِ، وتتسعُ رُقْعَةُ الإسلامِ، ويكثُرُ الداخلون فيه.
وهو وظيفةُ الرُّسل وأتباعهم، وبه تصيرُ كلمةُ اللَّهِ هي العُليا. والمقصودُ منه
أن يكونَ الدِّينُ كلُّه للَّهِ، والطاعةُ له، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ
فِيَْةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]. والمجاهدُ في سبيلِ اللَّه هو المقاتلُ لتكونَ
كلمةُ اللَّهِ هي العُليا خاصَّةٍ (١)
قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
وقد وصفَ اللَّهُ في كتابِهِ أهلَ الجنةِ ببذلِ النَّدى وكفِّ الأذى ولو كانَ
الأذَى بحقٍّ فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ
°٣X
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
فهذا حالُ معاملتِهِم للخلقِ، ثم وصفَ قيامَهُم بحقِّ الحقِّ فقالَ: ﴿وَالَّذِينَ
إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُّنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ
اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٢٥]﴿ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ
(١) ((اللطائف)» (٤٠٣).

(٢٠٨
سورة آل عمران
تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٥ - ١٣٦].
فوصفَهُم اللَّهُ عندَ الذنوبِ والاستغفارِ وعدمِ الإصرارِ وهو حقيقةُ التوبة
النصوح.
وقريبٌ من هذه الآيةِ قولُهُ تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴿1﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا
الْعَقْبَةُ :{١٧ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿٣ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴿١٤: يَتِيمَّا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿﴿ أَوْ
مِسْكِينًا ذَا مَتْرَةٍ ﴿١٦° ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصِّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ
أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمِنَةِ ﴾ [البلد: ١١ - ١٨].
١٧١
والعقبةُ قد فسَّرَها ابنُ عباسٍ بالنارِ. وفسَّرِها ابنُ عمرَ بعقبةٍ في النارِ كما
تقدَّم، فأخبرَ سبحانَهُ أنَّ اقتحامَهَا، وهو قطعُها ومجاوزتُها يحصلُ بالإحسانِ
إلى الخلقِ، إما بعتقِ الرقبةِ وإما بالإطعامِ في المجاعة، والمطعَمُ إما يتيمٌ من
ذوي القُربى أو مسكينٌ قد لصِقَ بالترابِ فلم يبقَ له شيءٌ ، ولا بدَّ مع
الإحسانِ أن يكونَ من أهلِ الإيمانِ، والآمرُ لغيرِهِ بالعدلِ والإحسانِ، وهو
التواصِي بالصبرِ والتواصي بالمرحمةِ، وأخبرَ سبحانَهُ أنَّ هذه الأوصافَ:
أوصافُ أصحابِ الميمنةِ (١).
قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
١٣٣٣
وَالأَرْضُ أُعدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِينَ﴾
[ قال البخاريُّ] (٢): ((بابُ: خوفِ المؤمنِ أنْ يَحْبَطَ عملُهُ وهو لا يَشْعُرُ)):
(١) (التخويف من النار)) (٢٢٣، ٢٢٤).
(٢) ((صحيح البخاري)) (١٩/١).

٢٠٩
سورة آل عمران
وقال إبراهيمُ التَّيْميُّ: ما عرضتُ قوْلِي على عملي إلا خشيتُ أن أكُونَ
مُكَذَبًا .
وقال ابنُ أبي مليكةَ: أدركتُ ثلاثينَ منْ أصحابِ النبيِّ ◌َِِّ، كلُّهم يخافُ
النِّفاقَ على نفسِهِ، ما منهم أحدٌ يقولُ: إنَّه على إيمان جبريلَ وميكائيلَ.
ويذكَرُ عنِ الحسنِ: ما خافَهُ إلا مُؤْمِنٌ، ولا أَمنَهُ إلا مُنافقٌ.
وما يحذّرُ منَ الإصرارِ على النفاق والعصيانِ من غيرِ توبةٍ؛ لقول اللَّه
تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
مرادُ البخاريِّ بهذا الباب: الردُّ على المرجئة، القائلين بأنَّ المؤمنَ يقطعُ
لنفسهِ بكمالِ الإيمانِ، وأنَّ إيمانَهُ كإيمان جبريل وميكائيلَ، وأَنَّه لا يخافُ على
نفسهِ النفاقَ العمليَّ ما دام مؤمنًا .
٠٠
فذكر عن إبراهيمَ التيميِّ، أنَّه قال: ما عرضتُ قولي على عملي إلا
خشيتُ أن أكونَ مكذبًا.
وهذا معروفٌ عنه.
وخرَّجه جعفر الفريابيَّ، بإسنادٍ صحيحٍ عنه، ولفظُه: ما عرضتُ قولى
على عملي إلا خشيتُ أن أكون كذابًا .
ومعناهُ: أنَّ المؤمنَ يصفُ الإيمانَ بقوله، وعمَلُهُ يقصرُ عن وصفه، فيخشى
على نفسه أن يكونَ عملُهُ مكذّبًا لقولهِ.
كما رُوي عن حذيفةَ، أَنَّه قال: المنافقُ الذي يصفُ الإسلامَ، ولا يعملُ
له.
وعن عمرَ، قالَ: إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكمُ المنافقُ العليمُ. قالُوا: وكيفَ

٢١٠
سورة آل عمران
يكونُ المنافقُ عليمًا؟ قالَ: يتكلمُ بالحكمة، ويعملُ بالجورِ - أو قالَ: بالمنكرِ .
وقالَ الجعدُ أبو عثمانَ: قلتُ لأبي رجاء العطارديِّ: هل أدركتَ منْ
أدركتَ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ وَّهِ يخشَونَ النفاق؟ قالَ: نعم، إنِّي أدركتُ
- بحمد اللَّهِ - منهم صدرًا حسنًا، نعم، شديداً ، نعم، شديدًا - وكان قد
أدركَ عمرَ .
وثمّن كان يتعوذُ من النفاقِ ويتخوَّفه من الصحابةِ: حذيفةُ وأبو الدرداء
وأبو أيوب الأنصاريّ.
وأما التابعونَ، فكثيرٌ:
قال ابنُ سيرينَ: ما علىَّ شيءٌ أخوفُ من هذه الآية: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ
آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨].
وقالَ أيوبُ: كلُّ آيَةٍ في القرآنِ فيها ذكرُ النفاقِ، فإنّي أخافُها على نفسِي.
وقال معاويةُ بنُ قرَّةً: كان عُمَرُ يَخْشَاهُ، وآمنُهُ أنا؟!
وكلامُ الحسنِ في هذا المعنى كثيرٌ جدا، وكذلك كلامُ أئمةِ الإسلامِ
بعدهم.
قال زيدُ بنُ أبي الزرقاء، عن سفيانَ الثوريِّ: خلافُ ما بيننا وبينَ المرجئة
ثلاثٌ: نقولُ: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، وهم يقولونَ: الإيمانُ قولٌ ولا عملٌ.
ونقولُ: الإيمانُ يزيدُ وينقصُ، وهم يقولونَ: لا يزيدُ ولا ينقصُ. ونحنُ
نقولُ: النفاقُ، وهمْ يقولونَ: لا نفاقَ.
وقال أبو إسحاقَ الفزاريُّ، عن الأوزاعيِّ: قد خاف عمرُ على نفسه
٠٠
النفاقَ، قالَ : فقلتُ للأوازعيِّ، إنهم يقولون: إن عمرَ لم يخف أن يكون

٢١١
سورة آل عمران
يومئذ منافقًا حين سألَ حذيفةً(١)، لكن خافَ أن يُبْتَلَى بذلك قبلَ أن يموتَ
قال: هذا قولُ أهلِ البدعِ.
وقالَ الإمامُ أحمدُ - في روايةِ ابنِ هانئٍ(٢) - وسئلَ: ما تقولُ فيمن لا
يخافُ النفاقَ على نفسِه؟ فقال: ومن يأمنُ على نفسه النفاقَ؟
وأصلُ هذا: يرجعُ إلى ما سبقَ ذكْرُهُ من أن النفاقَ أصغرُ وأكبرُ، فالنفاقُ
الأصغرُ هو نفاقُ العملِ، وهو الذي خافه هؤلاءِ على أنفسهم، وهو بابُ
النفاقِ الأكبرِ، فيُخْشى على من غلبَ عليه خصالُ النفاقِ الأصغرِ في حياتِهِ
أن يخرِجَه ذلك إلى النفاقِ الأكبرِ، حتى ينسلخَ من الإيمانِ بالكليةِ. كما قالَ
اللَّهُ تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال: ﴿وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ
وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠].
والأثرُ الذي ذكرَهُ البخاريُّ عن ابنِ أبي مليكةَ، هو معروفٌ عنه، من رواية
ے
الصلتِ بنِ دینارٍ، عنه.
وفي الصلتِ ضعفٌ.
وفي بعضِ الرواياتِ عنهُ، عنِ ابنِ أبي مليكةَ، قالَ: أدركتُ زيادةً على
خمسمائةٍ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ بَّهِ، ما ماتَ أحدٌ منهم إلا وهو يخافُ
النفاق على نفسِهِ .
وأما الأثرُ الذي ذكرَهُ عن الحسنِ، فقالَ: ويُذْكَر عنِ الحسنِ، قال: ما
خافَه إلا مؤمنٌ، ولا أَمنَهُ إلا منافقٌ (٣).
(١) هذه القصة أخرجها الفسوي في ((تاريخه)) (٧٦٩/٢)، وأنكرها إنكارًا شديدًا على زيد بن وهب.
(٢) ((المسائل)) (١٧٦/٢).
(٣) راجع ((تغليق التعليق)) للحافظ ابن حجر (٥٣/٢ - ٥٤).

٢١٢
سورة آل عمران
فهذا مشهورٌ عن الحسنِ، صحیحٌ عنه.
والعجبُ من قولِه في هذا: ((ويُذْكَرُ)). وفي قولِهِ في الذي قبلَهُ: ((وقالَ
ابنُ أبي مليكةَ)) جزمًا.
قال الإمامُ أحمدُ في ((كتاب الإيمان)) له: حدثنا مؤملٌ، قال: سمعتُ
حمَّدَ بنَ زيدٍ، قال: ثنا أيوبُ، قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ: واللَّهِ، ما أصبحَ
على وجهِ الأرض مؤمنٌ، ولا أمسَى على وجهها مؤمنٌ، إلا وهو يخافُ
النفاقَ على نفسه، وما أمِنَ النفاقَ إلا منافقٌ(١) .
حدثنا روحُ بنُ عبادةَ، قالَ: ثنا هشامٌ، قالَ: سمعتُ الحسنَ يقولُ: واللَّه،
ما مضى مؤمنٌ ولا بقي إلا يخافُ النفاقَ، ولا أمنَهُ إلا منافقٌ(٢).
وروى جعفرُ الفريابيُّ في (كتاب صفة المنافقِ))(٣) من حديثِ جعفرِ بنِ
سليمانَ، عن معلَّى بنِ زيادِ، قال: سمعتُ الحسنَ يحلفُ في هذا المسجد
باللَّه الذي لا إله إلا هو، ما مضى مؤمنٌ قطُّ ولا بقي إلا وهو من النفاقِ
مشفقٌ، ولا مضى منافقٌ قطُّ ولا بقيَ إلا وهو منَ النفاقِ آمِنْ.
قال: وكانَ يقولُ: من لم يخفِ النفاقَ فهو منافقٌ.
وعن حبيبِ بنِ الشهيدِ، عنِ الحسنِ، قال: إنَّ القومَ لما رأوا هذا النفاقَ
يُغُولُ الإيمانَ لم يكن لهم همٌّ غيرَ النفاقِ .
والرواياتُ في هذا المعنى عن الحسنِ كثيرةٌ.
وقولُ البخاريِّ بعدَ ذلكَ: ((وما يحذرُ من الإصرارِ على النفاقِ والعصيانِ
(١) أخرجه الحافظ في ((تغليق التعليق)) (٥٤/٢).
(٢) انظر: ((التغليق)) (٥٤/٢).
(٣) رقم (٨٧).

٢١٣
سورة آل عمران
من غيرِ توبةٍ، لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل
عمران: ١٣٥])).
فمرادُه: أنَّ الإصرار على المعاصِي وشعبِ النفاق من غيرِ توبةٍ؛ يُخشى
منها أن يعاقبَ صاحبُها بسلبِ الإيمانِ بالكليّة، وبالوصولِ إلى النفاقِ الخالصِ
وإلى سوء الخاتمةِ، نعوذُ بالله من ذلكَ، كما يقال: إنَّ المعاصي بريدُ الكفرِ.
وفي ((مسندِ الإمامِ أحمدَ)(١) من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، عنِ النبيَ
وَه، قال: ((ويلٌّ لأقْماع القول، ويلٌ للذين يُصرَّون على ما فعلوا وهم يعلمون)).
وأقماعُ القولِ: الذين آذانهم كالقمع، يدخلُ فيه سماعُ الحقِّ من جانبٍ،
ويخرجُ من جانبٍ آخرَ، لا يستقرُّ فیه.
وقد وصفَ اللَّهُ أهلَ النارِ بالإصرارِ على الكبائرِ، فقال: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ
عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦].
والمرادُ بالحنثِ: الذنبُ الموقِعُ في الحَنْثِ، وهوَ الإثمُ.
وتبويبُ البخاريِّ لهذا البابِ يناسبُ أن يذكرَ فيه حبوطَ الأعمال الصالحة
ببعضِ الذنوبِ، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ
صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا
تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢].
قال الإمامُ أحمدُ: حدثنا الحسنُ بنُ موسى، قالَ : ثنا حمادُ بنُ سلمةَ،
عن حبيبِ بنِ الشهيدِ، عن الحسنِ، قالَ: ما يرى هؤلاء أن أعمالاً تحبطُ
أعمالاً، واللَّهُ عزَّ وجلَّ يقولُ: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَن تَحْطَ
(١) ((المسند)) (١٦٥/٢، ٢١٩).

٢١٤
سورة آل عمران
أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ [الحجرات: ٢].
وما يدلُّ على أن هذا - أيضًا - قولُ اللَّه عزَّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا
تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ الآية [البقرة: ٢٦٤]. وقال: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ
جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٦].
وفي ((صحيح البخاريِ)(١)، أنَّ عمر سألَ الناسَ عنها، فقالُوا: اللَّه أعلمُ.
فقال ابنُ عباسٍ : ضربتْ مثلاً لعملٍ. قال عمرُ: لأيِّ عملٍ؟ قال ابنُ عباسٍ:
لعملٍ. قال عمرُ: لرجلٍ غنيٌّ يعملُ بطاعةِ اللَّهِ، ثم يبعثُ اللَّهُ إليه الشيطان
فيعملُ بالمعاصي، حتى أغرقَ أعمالَه.
وقال عطاءٌ الخراسانيُّ: هو الرجلُ يختمُ له بشركِ أو عملٍ كبيرةٍ، فيحبطُ
عملَه كلَّه.
وصحَّ عن النبيِّ وََّ، أَنَّه قال: ((من ترك صلاةَ العصرِ حبطَ عملُهُ)(٢).
وفي (الصحيح))(٣) - أيضًا -: ((أنَّ رجلاً قال: واللَّهِ، لا يغفر اللهُ لفلان، فقالَ
اللَّهُ: من ذا الذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفرَ لفلان، قد غفرتُ لفلان وأحبطتُ عملَك)).
وقالتْ عائشةُ: أَبْلِغِي زيدًا، أنه أحبطَ جهادَه مع رسول اللَّهِ وَلَه، إلا أن
يتوب (٤) .
وهذا يدلُّ على أن بعضَ السيئات تحبطُ بعضَ الحسناتِ، ثم تعودُ بالتوبةِ
منها .
(١) (٣٩/٦).
(٢) أخرجه البخاري (١٤٥/١ - ١٥٤) من حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي.
(٣) ((صحيح مسلم)) (٣٦/٨) من حديث جندب بن عبد الله البجلي.
(٤) أخرجه الدارقطني في ((السنن)) (٥٢/٣).

٢١٥
سورة آل عمران
وخرّج ابنُ أبي حاتمٍ في «تفسيرِه))(١)، من روايةِ أبي جعفرَ، عن الربيعِ بنِ
أنسٍ، عن أبي العالية، قال: كانَ أصحابُ رسول اللَّهِ وَ لَه يرونَ أنه لا يضرّ
مع الإخلاص ذنبٌ، كما لا ينفعُ مع الشركِ عملٌ صالحٌ، فأنزلَ اللَّه عزَّ
وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾
[ محمد: ٣٣]، فخافُوا الكبائرَ بعدُ أن تحبطَ الأعمالَ.
وبإسنادهِ، عن الحسنِ، في قولِهِ: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، قال: بالمعاصي.
وعن معمر، عن الزهري، في قولهِ تعالى: ﴿ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ قال:
بالكبائر .
وبإسناده، عن قتادةَ، في هذه الآيةِ، قال: من استطاعَ منكم أن لا يبطلَ
عملاً صالحًا عملَه بعملِ سئٍ فليفعلْ، ولا قوةَ إلا باللّهِ، فإن الخير ينسخُ
الشرَّ، وإن الشرَّ ينسخُ الخير، وإن مِلاكَ الأعمالِ خواتيمُها .
وعن السُّدِّيِّ، قال في هذه الآية: يقول: لا تعصوا الرسولَ مَلّ فيما
يأمرُكم به من القتالِ، فتبطل حسناتكم
وعن مقاتلِ بنِ حيان، قال: بلغَنَا أنها نزلتْ فشقَّت على أصحابِ النبيّ
وَّله وهم يومئذٍ يرونَ أنه ليس شيءٌ من حسناتِهِم إلا هي مقبولةٌ، فلما نزلتْ
هذه الآيةُ، قال أبو بكر: ما هذا الذي يبطلُ أعمالنا؟ فبلغني - واللهُ أعلمُ .
أنهم ذكروا الكبائرَ التي وجبتْ لأهلها النارُ، حتى جاءت الآيةُ الأخرى: ﴿إِنَّ
اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. فقال ابنُ عمرَ:
لما جاءتْ هذه الآيةُ، كفَفْنا عن القولِ في ذلك، وردَدْنا إلى اللَّه عزَّ وجلَّ،
(١) وأخرجه أيضًا عن محمد بن نصر في ((الصلاة)) (٦٧٨) مختصراً.

٢١٦
سورة آل عمران
وكنا نخافُ على من رَكبَ الكبائرِ والفواحشَ أنها تهلكُه.
والآثارُ عن السلفِ في حبوطِ بعضِ الأعمالِ بالكبيرةِ كثيرةٌ جدًا، يطولُ
استقصاؤها .
حتَّى قالَ حذيفةُ: قذفُ المُحْصنةِ يَهدِمُ عملَ مائة سنةٍ.
وخرّجه البزار عنه مرفوعًا(١) .
وعن عطاء، قال: إنَّ الرجل ليتكلَّمُ في غضبِهِ بكلمةٍ، يهدِمُ بها عملَ
ستينَ سنةٍ، أو سبعينَ سنةٍ .
وقال الإمامُ أحمدُ - في روايةِ الفضلِ بنِ زيادٍ، عنه - : ما يؤمنُ أحدُكم
أن ينظرَ النظرةَ، فيحبطَ عملُه.
وأمَّا مَن زعم أن القولَ بإحباطِ الحسناتِ بالسيئاتِ قولُ الخوارجِ والمعتزلةِ
خاصةً، فقد أبطلَ فيما قال، ولم يقف على أقوالِ السلفِ الصالحِ في ذلك.
نعم، المعتزلةُ والخوارجُ أبطلُوا بالكبيرةِ الإيمانَ كلَّه، وخلَّدُوا بها في النارِ،
وهذا هو القولُ الباطلُ، الذي تفرَّدُوا به في ذلك.
ثم خرَّج البخاريُّ في هذا البابِ حديثينِ :
أحدهما:
حديث: شُعْبةَ، عن زُبيدِ، قالَ: سألتُ أبا وائلٍ عن المُرْجئة؟ فقالَ:
حدَّثْني عبدُ اللَّهِ، أنَّ النبيَّ ◌َ قالَ: ((سبابُ المسلمِ فُسُوقٌ، وَقِتالُهُ كفرًا(٢).
فهذا الحديثُ ردَّ به أبو وائلٍ على المرجئةِ، الذي لا يُدخلون الأعمالَ في
(١) رقم (١٠٥ - كشف).
(٢) أخرجه البخاري (١٩/١)، (١٨/٨)، (٦٣/٩)، ومسلم (٥٧/١ - ٥٨).

٢١٧
سورة آل عمران
الإيمان، فإن الحديثَ يدلُّ على أنَّ بعضَ الأعمالِ يسمَّى كفرًا، وهو قتالُ
المسلمينَ، فدلَّ على أنَّ بعضَ الأعمال يسمَّى كفراً، وبعضها يسمَّى إيمانًا.
وقد اتهمَ بعضُ فقهاءِ المرجئة أبا وائلٍ في روايةِ هذا الحديثِ .
وأما أبو وائلٍ، فليس بمتهمٍ، بل هو الثقةُ العدلُ المأمونُ.
وقد رواه معه ، عن ابن مسعودٍ - أيضًا - أبو عمرٍو الشيبانيُّ وأبو الأحوصِ
وعبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ.
لكن؛ فيهم من وقفَه .
ورواه - أيضًا - عن النبيِّ نَّهِ: سعدُ بنُ أبي وقاصٍ(١)، وغيرُه.
ومثلُ هذا الحديثِ: قولُ النبيِّ بَّهِ: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضربُ بعضُكم
رقابَ بعضٍ))(٢) .
وقد سبقَ القولُ في تسميةِ بعضِ الأعمالِ كفراً وإيمانًا مستوفَى في
مواضعَ.
قال أبو الفرجِ زينُ الدِّينِ ابنُ رجبٍ: وقد ظهرَ لي في القرآن شاهدٌ
لتسميةِ القتالِ كفراً، وهو قولُه تعالى - مخاطبًا لأهلِ الكتابِ - :
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتَمْ
وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴿٨ِ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِن دِيَارِهِمْ
تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوَكُمْ أُسَارَىْ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرِّمٌ عَلَيْكُمْ
(١) أخرجه أحمد (١٧٨/١)، وابن ماجه (٣٩٤١).
(٢) أخرجه البخاري (٤١/١) (٢١٦/٢) (٢٢٣/٥ -٢٢٤)، ومسلم (٥٨/١) من حديث جرير بن
عبد الله البجلي مِٹه .

٢١٨
سورة آل عمران
إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٤ -٨٥].
والمعنى: أنَّ اللَّهَ حرَّم على أهلِ الكتابِ أن يقتلَ بعضُهم بعضًا، أو يخرجَ
بعضُهم بعضًا من دارِهِ، وكان اليهودُ حلفاء الأوسِ والخزرجٍ بين المدينة، فكانَ
إذا وقعَ بينَ الأوسِ - أو الخزرجِ - وبينَ اليهودَ قتالٌ، ساعدَ كلٌّ فريقٍ من
اليهودِ بحلافه من الأوسِ والخزرجٍ على أعدائهم، فقتلوهم معهم،
وأخرجُوهم معهُم من ديارِهم، بعد أن حُرِّم عليهم ذلكَ في كتابهِم وأقرّوا
بهِ، وشهدُوا به، ثُمَّ بعدَ أن يؤسَرَ أولئكَ اليهودُ يفدوهُم هؤلاء الذين
قاتلُوهم، امتثالاً لما أُمِرِوا به في كتابِهم من افتداءِ الأسرى منهم.
فسمَّى اللَّهُ عزَّ وجلَّ فعلَهم للافتداءِ لإخوانهمِ إيمانًا بالكتابِ، وسمَّى
قتلَهم وإخراجَهم من ديارِهم كفرًا بالكتابِ، فدلتْ هذه الآيةُ على أنَّ القتالَ
والإخراجَ من الديارِ إذا كان محرَّمًا يسمَّى كفرًا، وعلى أن فعلَ بعضِ
الطاعاتِ يسمَّى إيمانًا؛ لأنه سمَّى افتداءهم للأسارى إيمانًا .
وهذا حسنٌ جدًا، ولم أرَ أحدًا من المفسرينَ تعرَّض له، ولله الحمدُ والمنّةُ.
والحديثُ الثاني:
حديث: عُبادةَ بنِ الصامتِ، أنَّ النبيَّ وَّهِ خِرَجَ يُخبرُ بليْلةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى
رَجُلانٍ من المسلمينَ، فقالَ: ((إنِّي خرجتُ لأخْبِرَكُم بليلةِ القَدْرِ، وإِنَّه تلاحَى فُلانٌ
وفُلانٌ فَرُفِعَتْ، فعسى أن يكون خيرًا لكُم، التمسُوها في السَّبْعِ والتِّسع والخَمْسِ))(١).
إنَّما خرَّج البخاريُّ هذا الحديثَ في هذا البابِ، لذكرِ التلاحي.
والتلاحي: قد فسِّرِ بالسبابِ، وفسِّرِ بالاختصامِ والمُمَاراةِ من دونِ سبابٍ.
(١) أخرجه البخاري (٩١/١)، (٦١/٣)، (١٩/٨).

٢١٩
سورة آل عمران
ويؤيدُ هذا: أنه جاء في روايةٍ في ((صحيح مسلمٍ)) (١): ((فجاء رجلان
يحتقَّان)) أيْ: يطلبُ كلُّ واحدٍ منهما حقَّه من الآخرِ، ويخاصمُه في ذلكَ.
فمن فسَّرِه بالسبابِ احتملَ عنده إدخال البخاريِّ للحديثِ في هذا البابِ:
أنَّ السباب تُعجَّلُ عقوبتُه حتى يُحرمَ المسلمونَ بسبِهِ معرفةَ بعضِ ما يحتاجُون
إليه من مصالح دینھم .
وإنما رجا النبيّ ◌َّ أن يكون ذلك خيرًا، لأنَّ إبهامَ ليلةِ القَدْرِ أدْعى إلى
قيام العشر كلِّه - أو أوْتَارِه - في طلبِها، فيكونُ سببًا لشدةِ الاجتهادِ وكثرتِه،
ولكنَّ بيانَ تلك الليلةِ ومعرفتَهم إياها بعينِها له مزيةٌ على إبهامِها، فرُفِع ذلك
بسبب التلاحي.
فدلَّ هذا الحديثُ على أن الذنوبَ قد تكون سبًا لخفاءِ بعضِ معرفةٍ ما
یحتاجُ إلیه في الدِّينِ .
وقال ابنُ سيرينَ: ما اختلفَ في الأهلِ (٢) حتى قُتلَ عثمانُ.
فكلَّما أحدثَ الناسُ ذنوبًا أوجب ذلك خفاءَ بعضِ أمورِ دينِهِم عليهم .
وقد يكونُ في خفائه رخصةٌ لمن ارتكبَه، وهو غيرُ عالمٍ بالنهي عنه، إذ لو
عِلِمَه ثم ارتكبَه لاستحقَّ العقوبةَ.
ومَن فسَّرِ التلاحي بالاختصامِ، قال: مرادُ البخاريِّ بإدخاله هذا الحديثَ
في هذا البابِ: أنَّ التلاحِي من غيرِ سبابٍ ليس بفسوق، ولا يترتَّبُ عليه
حكمُ الفسوقِ، لأنه كان سببًا لما هو خيرٌ للمسلمينَ.
(١) (١٧٣/٣) من حديث أبي سعيد الخدري وُلَّه.
(٢) كذا بالأصلِ، ولعلها: ((الأهلة)).

٢٢٠
سورة آل عمران
وهذا هو الذي أشارَ إليه الإسماعيليّ.
وُ
وفيه نظرٌ. واللهُ أعلمُ.
ويحتملُ أن يكونَ مرادُ البخاريِّ: أن السبابَ ليس بمخرجٍ عن الإسلامِ،
مع كونِه فسوقًا، ولهذا قالَ في الحديثِ: ((فتلاحى رجلان من المسلمين»،
فسمَّاهُما مسلمينِ مع تلاحِيهما .
وفي ((مسندِ البزارِ))(١) من حديث معاذٍ، عن النبيِّ وَّةِ، أَنَّه قالَ: ((إنَّ أولَ
شيء نهاني عنه ربِّي بعد عبادة الأوثانِ شربُ الخمرِ، وملاحاةُ الرِّجال)).
وفي إسنادِهِ: عمرُو بنُ واقدِ الشاميُّ، وهو ضعيفٌ جداً.
وإنما حُرُمتِ الخمرُ بعدَ الهجرةِ بمدةٍ.
ولكن رواه الأوزاعيُّ، عن عروةَ بنِ رُوَيْمٍ - مرسلاً.
خرَّجه أبو داودَ في ((مراسيلِه)(٢). (٣).
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّه لنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ
الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهَمْ وَشَاوِرهم فِي
الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكَّلِينَ﴾
فالعبدُ يحتاجُ إلى الاستعانة باللّهِ والتوكلِ عليهِ في تحصيلِ العزمِ، وفي
العملِ بمقتضَى العزمِ بعدَ حصولِ العزمِ، قالَ اللَّهُ: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه
(١) (٣٥١/٣ - كشف).
(٢) ((المراسيل)) (٥٠٦).
(٣) ((فتح الباري)) (١٧٧/١ - ١٨٨).