Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ سورة البقرة وهذا كلُّه يدلُّ على أن قربَ اللَّهِ من خَلْقِهِ شاملٌ لهم، وقربُهُ من أهلِ طاعته فيه مزيدُ خصوصيةٍ، كما أنَّ معيّنَّهُ مع عبادِهِ عامَّة حتى ثمَّن عصاهُ، قالَ تعالَى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيْتُونَ مَا لا يَرْضَىْ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، ومعيّتُه مع أهلِ طاعتهِ خاصةً لهُم، فهو سبحانه مع الذين اتقَّوا والذين هم محسنونَ. وقال لموسى وهارونَ: ﴿إِنِّي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وقال موسى: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينٍ﴾ [الشعراء: ٦٢]، وقال في حقِّ محمدٍ وصاحبِهِ: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعْنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. ولهذا قالَ النّبِيُّ نَّهِ لأبي بكرٍ في الغارِ: «ما ظنُّك باثنينِ اللَّهُ ثالثُهما)). فهذه معيةٌ خاصةٌ غيرَ قولِهِ: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّ هُوَ رَابِعُهُمْ. [المجادلة: ٧] الآية، فالمعيَّةُ العامَّةُ تقتضِي التحذير من علمِهِ واطلاعِهِ وقدرتِهِ وبطشه وانتقامه، والمعيةُ الخاصةُ تقتضي حسن الظنِّ بإجابِتِهِ ورضَاه وحفظه ٠٠ وصيانته، فكذلك القربُ. وليسَ هذا القربُ كقربِ الخلقِ المعهودِ منهم، كما ظنّه من ظنَّه من أهلِ الضلال، وإنَّما هو قربٌ ليسَ يشبهُ قربَ المخلوقينَ، كما أنَّ الموصوفَ به ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وهكذا القولُ في أحاديث النزولِ إلى سماءِ الدنيا، فإنّه من نوعٍ قربِ الرب من داعیه وسائلیهِ ومستغفریهِ. وقد سئلَ عنه حماد بنُ زيدٍ، فقالَ: هو في مكانِهِ يقربُ من خلقِهِ كما يشاءُ. ١٤٢ سورة البقرة ومرادُهُ أنَّ نزولَهُ ليس هو انتقال من مكانٍ إلى مكانٍ كنزولِ المخلوقينَ. وقال حنبل: سألتُ أبا عبد اللَّه: ينزلُ اللَّهُ إلى سماءِ الدُّنْيا؟ قال: نعم، قلتُ: نزولُهُ بعلمه أو بِمَاذا؟ قال: اسكتْ عن هذا، مالكَ ولهذَا؟ أمْضِ الحديثَ على ما رُوي بلا كيفِ ولا حَدِّ، إلا بما جاءتْ به الآثارُ، وجاءَ به الكتابُ، قالَ اللَّهُ: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، ينزلُ كيفَ شاءَ، بعلمه وقدرتِهِ وعظمتِهِ، أحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا، لا يبلغُ قَدْرَه واصفٌ، ولا ينأَى عنه هَرَبُ هارب، عزَّ وجلَّ. ومرادُهُ: أنَّ نزولَهُ تعالى ليس كنزولِ المخلوقينَ، بل هو نزولٌ يليقُ بقدرته ٠٠ وعظمتهِ وعلمِهِ المحيطِ بكلِّ شيءٍ، والمخلوقونَ لا يحيطونَ به علمًا، وإنَّما ٠٠ ينتهونَ إلى ما أخبرهم به عن نفسِهِ، أو أخبرَ به عنه رسولُهُ. فلهذا اتفقَ السلفُ الصالحُ على إمرارِ هذهِ النصوصِ كما جاءتْ من غيرِ زيادة ولا نقصٍ، وما أشكلَ فهمُهُ منها، وقصرَ العقلُ عن إدراكِهِ وُكِلَ إلى عالمه (١) . ٠٠٠ قوله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وقد قال طائفةٌ من السَّلْفِ في تفسيرِ قولِهِ تعالَى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]: إنه طلبُ ليلة القدرِ(٢). والمعنى في ذلكَ أنَّ اللَّهَ تعالى لما أباحَ مباشرةَ النِّساءِ في ليالي الصيامِ، إلى (١) ((فتح الباري)) (٣٣٠/٢ - ٣٣٤). (٢) وهو مرويّ عن عبد اللَّه بن عباس، راجع: ((تفسير الطبري)) (٢/ ١٧٠). ١٤٣ سورة البقرة أنْ يتبيَّنَ الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ، أمَرَ مَعَ ذلك بطلبِ ليلةِ القَدْرِ؛ لئلا يشتغلَ المسلمونَ في طولِ ليالي الشهرِ بالاستمتاعِ المباحِ، فيفوتُهم طلبُ ليلةِ القَدْرِ، فأمرَ مع ذلكَ بطلبِ ليلةِ القَدْرِ بالتهجَّدِ من الليلِ، خصوصًا في الليالي المرجُوِّ فيها ليلةُ القَدْرِ، فمن هاهُنَا كانَ النبيُّ ◌َّ يصيبُ من أهلِهِ في العشرينَ من رمضانَ، ثم يعتزلُ نساءَه ويتفرَّغ لطلب ليلةِ القَدْرِ في العشر الأواخر(١) . قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وقولُهُ بَّهِ: ((كالراعِي يرعَى حولَ الحِمَى يُوشِكُ أن يرتَعَ فيه، ألاَ وإنَّ لكلِّ ملك حِمَى، وإنَّ حِمَى اللَّهِ محارمُهُ)(٢): هذا مَثَلٌ ضربَهُ النبيُّ ◌َ لَّ لَمِنْ وقع في الشُّبهات، وأَنَّه يقرُبُ وقوعُهُ في الحرامِ المحضِ، وفي بعضِ الرواياتِ أنَّ النبيَّ نَّه قالَ: ((وسأضربُ لَكُم مثلاً) ثم ذكرَ هذا الكلامَ، فجعلَ النبيَّ ◌َِله مثلَ المحرَّمات كالحمى الَّذي تحميه الملوكُ، ويمنعونَ غيرَهم من قُربانِهِ، وقد جعلَ النبيُّ بَّهُ حولَ مدينتِهِ اثني عشرَ ميلاً حِمى محرَّمًا، لا يُقُطعُ شجرُهُ، ولا يُصادُ صِيدُه، وحَمَى عمرُ وعثمانُ أماكنَ ينبتُ فيها الكلأ لأجلِ إبلِ الصدقةِ . واللَّهُ عزَّ وجلَّ حَمَى هذه المحرَّماتِ، ومنعَ عبادَهُ من قربانِهَا، وسمَّاها حدودَه، فقالَ تعالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ (١) ((لطائف المعارف)) (٣٤٢ - ٣٤٣). (٢) أخرجه البخاري (٣/ ١٨٢) من حديث النعمان بن بشير ضياته. ١٤٤ سورة البقرة لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهذا فيه بيانُ أَنَّه حدَّ لهم ما أحلَّ لهُم وما حرَّم عليهمٍ، فلا يقربُوا الحرامَ، ولا يتعدَّوْا الحلالَ، ولذلكَ قالَ في آيةٍ آخرى: ﴿تَلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وجعلَ من يرعى حولَ الحِمى وقريبًا منه جديرًا بأن يدخُلَ الحِمى ويرتعَ فيه، فكذلكَ منْ تعدَّى الحلالَ، ووقعَ في الشبهاتِ، فإنَّه قد قاربَ الحرامَ غايةً المقاربة، فما أخلقَهُ بأن يُخالِطَ الحرامَ المحضَ، ويقعَ فيهِ، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّه ينبغي التباعدُ عن المحرَّماتِ، وأنْ يجعلَ الإنسانُ بينه وبينها حاجزًا . وقد خرَّج الترمذيُّ وابنُ ماجه(١) مِنْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ يزيدَ عن النبيِّ وَهِ، قالَ: ((لا يبلغُ العبدُ أن يكونَ من الثَّقين حتى يدَعَ ما لا بأسَ به حذرًا مما به أسٌ). وقال أبو الدرداء: تمامُ التقوى أن يتقي اللَّهَ العبدُ، حتَّى يتقيَه منْ مثقال ذرَّةً، وحتى يتركَ بعضَ ما يرى أنَّه حلالٌ، خشية أن يكون حرامًا، حجابًا بينه وبينَ الحرامِ. وقال الحسنُ: ما زالت التقوى بالمتقينَ حتى تركُوا كثيرًا من الحلال مخافة ٠ الحرامِ. وقال الثوريُّ: إنَّما سُموا (المتقين)) لأنَّهم اتَّقوا ما لا يُتَّقَى. ورُوي عن ابنِ عمرَ قالَ: إِنِّى لأحبُّ أن أدعَ بيني وبين الحرامِ سترةً من الحلالِ لا أخرقُها. وقال ميمونُ بنُ مهرانَ: لا يسْلَمُ للرجلِ الحلالُ حتى يجعلَ بينه وبين الحرامِ حاجزًا من الحلال. وقال سفيانُ بن عيينةَ: لا يصيبُ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ حتى يجعلَ بينه وبين (١) أخرجه الترمذي (٢٤٥١)، وابن ماجه (٤٢١٥). ١٤٥ سورة البقرة الحرامِ حاجزًا من الحلالِ، وحتى يدعَ الإثمَ وما تشابَهَ منه . ويَستدلُّ بهذا الحديث مَنْ يذهبُ إلى سدِّ الذرائعِ إلى المحرَّماتِ وتحريمِ الوسائلِ إليها، ويدُلُّ على ذلكَ أيضًا من قواعد الشَّريعةِ تحريمُ قليلٍ ما يُسكر كثيرُهُ، وتحريمُ الخلوةِ بالأجنبيةِ، وتحريمُ الصَّلاةِ بعدَ الصِّبْحِ وبعدَ العصرِ سدًّا لذريعةِ الصَّلاةِ عند طلوعِ الشمسِ وعندَ غروبِهَا، ومنعُ الصَّائمِ من المباشرةِ إذا كانت تحرِّكُ شهوتَهُ، ومنعُ كثيرِ من العلماءِ مباشرةَ الحائض فيما بين سرّتها ورُكُبِتِهَا إلا مِنْ وراءِ حائلٍ، كما كان النبيِّ وَّ يأمرُ امرأتَه إذا كانت حائضًا أن تَتَّزر، فيباشِرُها من فوق الإزارِ(١) . ومن أمثلةِ ذلكَ وهو شبيهٌ بالمثلِ الذي ضربَهُ النبيُّنَّهِ مِن سَيَّبَ دابْتَه ترعى بقُرْبِ زرعٍ غيرِهِ، فإنَّه ضامنٌ لما أفسدتْهُ من الزرعِ، ولو كانَ ذلك نهارًا، هذا هو الصحيحُ، لأنَّه مفرط بإرسالِهَا في هذه الحالِ. وكذا الخلافُ لو أرسلَ كلبَ الصَّيدِ قريبًا من الحرمٍ، فدخل الحرمَ فصادَ فيه، ففي ضمانِهِ روايتانِ عن أحمدَ، وقيل: يضمنُهُ بكلِّ حال(٢). قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة وَأَحْسنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحبُّ الْمُحْسِنِينَ : ١٥﴾ وَأَتمُّوا الْحَجَّ وَالْعَمْرَةَ للَّه﴾ ٩ وفي ((مسندِ الإمامِ أحمدَ)(٣) عن بُرَيْدَةَ بِّه، عن النبيِّ،وَلِّ، قالَ: ((النفقةُ (١) أخرجه البخاري (٨٢/١)، ومسلم (١٦٦/١) من حديث عائشة ظِريتها. (٢) ((جامع العلوم والحكم)) (١٩٥/١ - ١٩٧). (٣) («المسند» (٣٥٥/٥). ١٤٦ سورة البقرة في الحَجِّ كالنَّفَقةِ في سبيلِ اللَّهِ بسبعمائةٍ ضعفٍ)). وخرَّجه الطبرانيُّ(١) من حديث أنسٍ رضيَ اللَّهُ عنه، عن النبيِّ وََّ، قالَ: ((النفقةُ في سبيلِ اللَّه؛ الدِّرْهَمُ فيه بسبعمائة)) ويُدلُّ عليه قولُهُ تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ١٩٥ وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥ ١٩٦]، ففيه دليلٌ على أنَّ النفقةَ في الحجِّ والعمرة تدخلُ في جملةِ النَّفْقة في سبيلِ اللَّهِ. وقد كانَ بعضُ الصحابةِ جعلَ بعيرَهُ في سبيلِ اللهِ، فأرادتْ امرأتُهُ أن تحجّ عليه، فقالَ لها النبيُّ ◌َّهُ: ((حجِي عليه؛ فإنَّ الحجَّ في سبيلِ اللَّهِ). وقد خرَّجه أهلُ المسانيد والسنن(٢) من وجوهِ متعدِّدة، وذكره البخاريُّ تعليقًا، وهذا يستدلُّ به على أنَّ الحجَّ يصرف فيه من سهمٍ سبيلِ اللَّهِ المذكورِ في آيةِ الزكاةِ، كما هو أحدُ قولي العلماءِ، فيعطى من الزَّكاةِ من لم يحجَّ ما يحجُّ به. وفي إعطائِهِ لحجِّ التطوُّعِ اختلافٌ بينهم أيضًا(٣). وقال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ. قالَ ابنُ عُمرَ: الفسوقُ: ما أصيبَ مِنْ معاصي الله صيدًا كانَ أو غيره، (١) «المعجم الأوسط)) (٥٢٧٤). (٢) أخرجه أحمد (٣٧٥/٦ - ٤٠٥ - ٤٠٦) وأبو داود (١٩٨٨ - ١٩٨٩) من حديث أم معقل (٣) ((لطائف المعارف)) (٤٠٩). ١٤٧ سورة البقرة وعنه قالَ: الفسوقُ إتيانُ معاصِي اللَّهِ في الحرمِ. وقال عزَّ وجلّ: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِلْحَادِ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. وكانَ جماعةٌ من الصحابةِ يتَّقون سُكْنى الحرمِ، خشيةَ ارتكابِ الذُّنُوبِ فيه: منهمُ ابنُ عباسٍ، وعبدُ اللَّهِ بن عمرو بنِ العاصِ، وكذلكَ كانَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يفعلُ، وكانَ عبدُ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصِ يقولُ: الخطيئةُ فيه أعظمُ. ورُويَ عن عمرَ بنِ الخطابِ ◌ِوثه قال: لأنْ أُخطئَ سبعينَ خطيئةً - يعني بغير مكةَ - أحبُّ إليَّ منْ أن أُخطئ خطيئةً واحدةً بمكةَ. وعن مجاهد قالَ: تُضاعفُ السيئاتُ بمكةَ كما تُضاعفُ الحسناتُ. وقال ابنُ جريجٍ: بلغني أن الخطيئةَ بمكةَ بمئةٍ خطيئةٍ، والحسنةَ على نحو ذلكَ. وقال إسحاقُ بنُ منصور: قلتُ لأحمدَ: في شيءٍ من الحديثِ أنَّ السيئةَ تُكتبُ بأكثرَ منْ واحدة؟ قالَ: لا، ما سمعْنا إلا بمكَّةَ لتعظيم البلد ((ولو أنَّ رجلاً بعدنِ أَبْيَنَ همَّ). وقال إسحاقُ بنُ راهويه كما قالَ أحمدُ، وقولُهُ: ((ولو أنَّ رجلاً بعدنِ أَبْنَ همّ))، هو من قولِ ابنِ مسعودٍ، وسنذكرُهُ فيما بعدُ إن شاءَ اللَّهُ تعالى(١) . وقد تضاعفُ السيِّئَاتُ بشرف فاعلها، وقوَّةً معرفته باللّهِ، وقُرْبِه منه، فإنَّ من عصى السُّلطانَ على بساطه أعظمُ جُرْمًا تَمَّن عصاهُ على بُعدٍ، ولهذا توعَّدَ اللَّهُ خاصَّةٌ عباده على المعصيةِ بمضاعفةِ الجزاءِ، وإن كانَ قد عصمَهُم منها، ليبيِّنَ لهُم فضلَهُ عليهم بعصمَتِهِم منْ ذلكَ، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْلا أَن (١) ذكره الحافظ ابن رجب في شرح الحديث السابع والثلاثين من ((جامع العلوم والحكم)) (٣٥١/٢). ١٤٨ سورة البقرة ثَّتْنَكَ لَقَدْ كَدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً ﴿٤﴾ إِذَا لِأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥]. وقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبِيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴿٠َ﴾ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا تُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنٍ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٠ - ٣١]. وكانَ عليّ بنُ الحسينِ يتأوَّلُ في آل النبيِّ وَّ من بني هاشم مثل ذلك لقربِهِم من النبيِّ وَّةَ(١). قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ وقد رُويَ عن ابنِ عباسٍ، قالَ: كانَ أهلُ اليمنِ يَحُجُون ولا يتزوَّدونَ، ويقولونَ: نحن متوكِّلون، فيحجُّونَ، فيأتونَ مكةَ، فيسألونَ الناسَ، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآيةَ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، وكذا قالَ مجاهدٌ، وعكرمةُ، والنخعيُّ، وغيرُ واحدٍ من السلفِ، فلا يُرخَّصُ في ترك الكَسْبِ بالكليةِ إلا لمنِ انقطعَ قلبُهُ عن الاستشرافِ إلى المخلوقينَ بالكليةِ . وقدْ رُويَ عن أحمدَ أنه سُئُلَ عن التوكُّلِ، فقالَ: قطعُ الاستشرافِ باليأسِ من الخلقِ، فسُئلَ عن الحجةِ في ذلكَ، فقالَ: قولُ إبراهيمَ عليه السلامُ لما عرضَ له جبريلُ وهو يُرْمَى في النارِ، فقالَ لهُ: ألكَ حاجةٌ؟ فقالَ: أمَّا إليكَ فلا . وظاهرُ كلامِ أحمدَ أنَّ الكسبَ أفضلُ بكلِّ حالٍ، فإنَّه سُئلَ عمَّن يقعدُ ولا يكتسبُ ويقولُ: توكَّلتُ على اللَّهِ، فقالَ: ينبغي للناسِ كُلِّهم يتوكَّلونَ على (١) ((جامع العلوم والحكم)) (٣٤٢/٢ - ٣٤٣). ١٤٩ سورة البقرة اللَّهِ، ولكنْ يعودونَ على أنفسِهِم بالكَسْبِ . ورَوَى الْخَلَّلُ بإسنادِهِ عن الفضيلِ بنِ عِياضٍ أَنَّهُ قيلَ لهُ: لو أنَّ رجلاً قعدَ في بيتِهِ زعمَ أَنَّه يثقُ بِاللَّهِ، فيأتيِهِ برزقِهِ، قالَ: إذا وثقَ باللَّهِ حتى يعلمَ منه أنَّه قدْ وثقَ به لم يمنعْهُ شيءٌ أرادَهُ، لكنْ لم يفعلْ هذا الأنبياءُ ولا غيرُهم، وقد كانَ الأنبياءُ يُؤْجِّرون أنفسَهم، وكانَ النبيُّ نَّهَ يُؤْجِّرُ نفْسَه وأبو بكر وعمرُ، ولم يقولوا: نقعدُ حتَّى يرزقُنا اللَّهُ عزَّ وجلَّ. وقالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، ولا بُدَّ من طلبِ المعيشةِ. وقد رُوي عن بِشْرِ ما يُشعرُ بخلافِ هذا، فرَوَى أبو نُعيم في ((الْحِلْية)) أنَّ بشرًا سُئِلَ عن التوكُّلِ، فقالَ : اضطرابٌ بلا سكونٍ، وسكونٌ بلا اضطرابٍ، فقالَ له السائلُ: فسِّرِه لنا حتى نفقهَ، قالَ بشرٌ: اضطرابٌ بلا سكونٍ: رجلٌ يضطربُ بجوارحِهِ، وقلبُه ساكنٌ إلى اللَّهِ لا إلى عمله، وسكونٌ بلا اضطرابٍ: فرجلٌ ساكنٌ إلى اللَّهِ بلا حركةٍ، وهذا عزيزٌ، وهوَ من صفات الأبدال(١) . قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ والاستغفارُ طلبُ المَغْفرةِ، والمغفرةُ هي وِقَايةُ شَرِّ الذنوبِ معَ سَتْرِهَا وقد كثرُ في القرآنِ ذكرُ الاستغفارِ، فتارةً يؤمرُ به، كقولِهِ: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وقوله: ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إِليه﴾ [هود: ٣]. وتارةً يمدحُ أهلَهُ، كقولِهِ: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، وقوله: (١) ((جامع العلوم والحكم)) (٢/ ٥٦٤ _ ٥٦٥). ١٥٠ سورة البقرة ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. وتارةً يذكرُ أنَّ اللَّهَ يغفرُ لمن استغفرهُ، كقولِهِ: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. وكثيراً ما يُقرن الاستغفارُ بذكر التوبة، فيكونُ الاستغفارُ حينئذ عبارةً عن طلبِ المغفرةِ باللسانِ، والتوبةُ عبارةٌ عن الإقلاعِ عن الذنوبِ بالقلوبِ والجوارحِ. وتارةً يفردُ الاستغفارُ، ويُرتَبُ عليه المغفرةُ، كما ذكرَ في هذا الحديثِ وما أشبههُ، فقد قيلَ: إنَّه أريدَ به الاستغفارُ المقترنُ بالتوبةِ، وقيلَ: إنَّ نصوصَ الاستغفارِ المفردةَ كلَّها مطلقةٌ تُقَيَّدُ بما يذكر في آيَةِ ((آل عمرانَ)) من عدمِ الإصرارِ؛ فإنَّ اللَّه وعدَ فيها المغفرةَ لمن استغفرَهُ من ذنوبِهِ، ولم يُصِرَّ على فعله، فتُحْمَلُ النُّصوصُ المطلقةُ في الاستغفارِ كلُّها على هذا المقيد. ومجرَّدُ قولِ القائل: اللَّهُمَّ اغفر لي، طلبٌ منه للمغفرة ودعاءٌ بها، فيكونُ حكمُهُ حكمَ سائرِ الدعاءِ، فإنْ شاءَ اللَّهُ أجابه وغفرَ لصاحبه، لا سيما إذا خرجَ عن قلبِ منكسرٍ بالذنبِ أو صادفَ ساعةً من ساعاتِ الإجابةِ كالأسحارِ وأدبارِ الصلواتِ . ويُروَى عن لُقْمانَ عليه السلامُ أنّه قالَ لابنه: يا بنيَّ عَوِّدْ لسانكَ اللَّهمَّ اغفرْ لي، فإنَّ للَّهِ ساعات لا يرُدُّ فيها سائلاً. وقال الحسنُ: أكثروا من الاستغفارِ في بيوتِكم، وعلى موائدكم، وفي طُرِفِكُم، وفي أسواقِكُم، وفي مجالسِكُم أينما كُنتُم، فإنَّكم ما تدرونَ متى تنزلُ المغفرةُ . ١ سورة البقرة وخرَّج ابن أبي الدنيا في كتاب ((حسن الظنِّ) من حديث أبي هريرةَ مرفوعًا: ((بينما رجلٌ مستلقٍ إذْ نظرَ إلى السماءِ وإلى النجومِ، فقال: إني لأعلمُ أن لكِ ربَّ خالقًا، اللَّهُمَّ اغفرْ لي، فغفر له)). وعن مُوَرِّقِ قالَ: كانَ رجلٌ يعملُ السيئاتٍ، فخرجَ إلى البريةِ، فجمعَ ترابًا، فاضطجَعَ عليه مستلقيًا، فقالَ: ربِّ اغفرْ لي ذنوبي، فقالَ: إنَّ هذا ليعرفُ أنَّ له ربًّا يغفرُ ويعذِّب، فغفر له. وعن مُغيثٍ بنِ سُميِّ، قالَ: بينما رجلٌ خبيثٌ، فتذكر يومًا، فقال: اللهم غُفرانَك، اللَّهِمَّ غفرانَك، اللَّهمَّ غفرانَك، ثم ماتَ فغُفِر له. ويشهد لهذا ما في (الصحيحين))(١) عن أبي هريرةَ عن النبيِّم ◌َ: ((أنَّ عبدًا أَذْنَبَ ذنبًا، فقالَ: ربِّ أذنبتُ ذنبًا فاغفرْ لي، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلّ: عَلِمَ عبدي أنَّ له ربَّ يغفر الذنب، ويأخذُ به، غفرتُ لعبدي، ثمَّ مكثَ ما شاء اللَّه، ثم أذنبَ ذنبًا آخر، فذكرَ مثل الأوَّل مرتينِ أُخريينٍ)) وفي روايةٍ لمسلمٍ أنه قالَ في الثالثةِ: «قد غفرتُ لعبدي، فلیعملْ ما شاءَ)). والمعنى ما دامَ على هذه الحال كلَّما أذنبَ استغفرَ. والظاهرُ أنَّ مرادَهُ الاستغفارُ المقرونُ بعدمِ الإصرارِ، ولهذا في حديث أبي بكرٍ الصديقِ خِّه، عن النبيِّ نَّه قال: ((ما أصرَّ من استغفرَ وإن عادَ في اليوم سبعين مرّة)) وخرّجه أبو داودَ والترمذيُّ (٢). وأمَّا استغفارُ اللسانِ معَ إصرارِ القلبِ على الذنبِ، فهو دُعاءٌ مجرَّدٌ إِنْ (١) أخرجه البخاري (١٧٨/٩)، ومسلم (٩٩/٨). (٢) أخرجه أبو داود (١٥١٤)، والترمذي (٣٥٥٩). ١٥٢ سورة البقرة شاء اللَّهُ أجابهُ، وإن شاءَ ردَّه. وقد يكون الإصرارُ مانعًا من الإجابةِ، وفي («المسند»(١) من حديث عبد الله ابنِ عمرٍو مرفوعًا: ((ويلٌ للذينَ يُصرُّون على ما فعلُوا وهم يَعلَمون)). وخرَّج ابنُ أبي الدنيا (٢) من حديثِ ابنِ عباسٍ مرفوعًا: «التائبُ من الذَّنَب كمن لا ذنبَ لهُ، والمستغفرُ من ذنب وهو مُقيمٌ عليه كالمستهزئِ بربِّه)) ورَفْعُه منكرٌ، ١ ولعلَّه موقوفٌ. قال الضحاكُ: ثلاثةٌ لا يُستجاب لهم، فذكرَ منهُم: رجلٌ مقيمٌ على امرأةٍ زنى كلَّما قَضِى منها شهوتَهُ، قالَ: ربِّ اغفرْ لي ما أصبتُ من فلانة، فيقولُ الربُّ: تحوَّلْ عنها، وأغفرُ لكَ، فأمَّا ما دمتَ مقيمًا عليها، فإنِّي لا أغفرُ لكَ، ورجلٌ عندَهُ مالُ قومٍ يَرَى أهلَهُ، فيقول: ربِّ اغفرْ لي ما آكلُ من مالٍ فلان، فيقولُ تعالى: ردَّ إليهم مالَهُم، وأغفرُ لكَ، وأمَّا ما لم تردَّ إليهم، فلا أغفرُ لك. وقولُ القائلِ: أستغفرُ اللَّهَ، معناه: أطلبُ مغفرتَهُ، فهو كقولِهِ اللَّهُمَّ اغفر لِي، فالاستغفارُ التّامُّ الموجبُ للمغفرة: هو ما قارنَ عدمَ الإصرارِ، كما مدحَ اللَّهُ أهلَهُ، ووعدَهُم المغفرةَ، قال بعضُ العارفينَ: من لم يكنْ ثمرةُ استغفارِهِ تصحيحَ توبتِهِ، فهوَ كاذبٌ في استغفارِهِ، وكان بعضُهم يقولُ: استغفارُنا هذا يحتاجُ إلى استغفارِ كثيرٍ، وفي ذلكَ يقولُ بعضُهم: أستغفرُ اللَّهَ من أستغفرُ اللهَ مِنْ لِفْظَةٍ بَدَرَتْ خالفْتُ معناها (١) ((المسند)) (١٦٥/٢ - ٢١٩). (٢) من طريق ابن أبي الدنيا أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٧١٧٨). ١٥٣ سورة البقرة سدَدْتُ بالذَّنَبِ عندَ اللَّهِ مَجْرَاها وكيفَ أرجُو إجاباتِ الدُّعاءِ وقد فأفضلُ الاستغفارِ ما اقترَنَ به ترْكُ الإصرارِ، وهو حينئذٍ توبةٌ نصوحٌ، وإن قالَ بلسانه: أستغفرُ اللَّهَ، وهو غيرُ مقلعِ بقلبِهِ، فهو داعٍ للَّه بالمغفرةِ، كما يقولُ: اللَّهُمَّ اغفر لي، وهو حسنٌ، وقد يُرجَى له الإجابةُ، وأمَّا من قالَ: هو توبةُ الكذابينَ، فمرادُه: أنَّه ليسَ بتوبة، كما يعتقدُهُ بعضُ الناسِ، وهذا حقٌّ، فإن التوبةَ لا تكونُ مع الإصرارِ (١) . قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ [ قال البخاري] : (بابُ فضْلِ العملِ في أيَّامِ التشريقِ)» : وقالَ ابنُ عباسٍ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾(٢) [البقرة: ٢٠٣] : أيام العشرِ. والأيَّامُ المعدوداتُ: أَيَّام التَّشْرِيقِ. و وكان ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ يخْرُجَانِ إلى السُّوقِ في أيام العشْرِ، يُكبِّرانِ ويُكبرُ الناسُ بتكبيرِهِمَا، وكَبَّر محمدُ بنُ عليٍّ خلفَ النَّافلة. بوَّبَ على فضلِ أيام التشريق والعملِ فيها، وذكر في البابِ أيام التشريق وأيامَ العشرِ، وفضلَهُما جميعًا. وذكر عنِ ابنِ عباسٍ : أنَّ الأيامَ المعلوماتِ المذكورةَ في سورة الحجِّ هي أيامٌ العشرِ، والأيامَ المعدوداتِ المذكورةَ في سورة البقرةِ هي أيامُ التشريقِ . (١) ((جامع العلوم والحكم)) (٤٤٨/٢ - ٤٥٣). (٢) في الأصل: ((معلومات)) خطأ بدليل ما بعدها. ١٥٤ سورة البقرة وفي كلٌّ منهما اختلافٌ بين العلماءِ. فأمَّا المعلوماتُ: فقد رُوي عن ابنِ عباسٍ، أنَّها أيام عشر ذي الحجة، كما حكاه عنه البخاريّ. ورُوي - أيضًا - عن ابنِ عُمرَ، وعن عطاءِ والحسنِ ومجاهدٍ وعكرمةً وقتادةَ. وهو قولُ أبي حنيفة والشافعيِّ وأحمدَ - في المشهور عنه. وقالت طائفةٌ: الأيامُ المعلوماتُ: يومُ النحرِ ويومانِ بعدَهُ، رُوي عن ابنِ عمرَ وغيرِهِ من السلفِ، وقالُوا: هي أيامُ الذَّبحِ. ورُويَ - أيضًا - عن عليٌّ وابنِ عباسٍ، وعن عطاءِ الخراسانيِّ والنخعيِّ، وهو قولُ مالكِ وأبي يوسفَ ومحمدٍ وأحمدَ - في رواية عنه. ومن قالَ: أيام الذبح أربعةٌ، قالَ: هي يومُ النحرِ وثلاثةُ أيامٍ بعدَهُ. وقد رُوي عن أبي موسى الأشعريِّ، أنَّه قالَ - في خطبِهِ يومَ النحرِ -: هذا يومُ الحجِّ الأكبرِ، وهذه الأيامُ المعلوماتُ التسعةُ التي ذكرَ اللَّهُ في القرآنِ، لا يُرِدُّ فيهنَّ الدُّعاءُ، هذا يومُ الحجِّ الأكبرِ، وما بعدَه من الثلاثةِ اللائي ذكرَ اللَّهُ الأيامُ المعدوداتُ، لا يُرَدُّ فيهنَّ الدُّعاءُ. وهؤلاء جعلُوا ذكرَ اللَّهِ فيها هو ذكره على الذَّبائحِ. ورُويَ عن محمد بنِ كعبٍ، أنَّ المعلوماتِ أيام التشريقِ خاصة. والقولُ الأولُ أصحُّ، فإنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى قالَ بعد ذكره في هذه الأيامِ المعلوماتِ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَتَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. ١٥٥ سورة البقرة والتفتُ: هو ما يصيبُ الحاجَّ منَ الشَّعَثِ والغبارِ. وقضاؤه: إكماله. وذلك يحصل يومَ النحرِ بالتحللِ فيه من الإحرامِ، فقد جعلَ ذلكَ بعد ذكرِهِ في الأيامِ المعلوماتِ، فدلَّ على أنَّ الأَيَّامَ المعلوماتِ قبل يومِ النحرِ الذي يقضى فيه التفث ويُطَّوف فيه بالبيت العتيقِ . فلو كانت الأيامُ المعلوماتُ أيامَ الذبح لكان الذكرُ فيها بعدَ قضاءِ التفتِ ووفاءِ النذورِ والتطوفِ البيتِ العتيقِ، والقرآنُ يدلُّ على أنَّ الذكرَ فيها قبلَ ذلك. وأمَّا قولُهُ تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]. فإمَّا أنْ يقالَ: إنَّ ذكرَه على الذبائحِ يحصلُ في يوم النحرِ، وهو أفضلُ أوقاتِ الذبحِ، وهو آخرُ العشرِ. وإمَّا أنْ يقالَ: إنَّ ذكرَه على ما رزقَنا من بهيمةِ الأنعامِ، ليسَ هو ذكرَهَ ١ على الذبائحِ، بل ذكرُهُ في أيامِ العشرِ كلِّها، شكرًا على نعمةِ رزقهِ لنا من بهيمةِ الأنعامِ، فإنَّ للَّهِ تعالى علينا فيها نِعَمًا كثيرةً دنيويةً ودينيةً. وقد عدَّدَ بعضَ الدنيويةِ في سورة النَّحلِ، وتختصُ عشرُ ذي الحجة منها بحملِ أثقالِ الحاجِّ، وإيصالهم إلى قضاء مناسكِهِم والانتفاعِ بركوبِها ودرِّها ونسلِها وأصوافِهَا وأشعارِهَا . وأمَّا الدينية فكثيرةٌ، مثلُ: إيجابِ الهدي وإشعارِه وتقليدِهِ، وغالبًا يكونُ ذلكَ في أيامِ العشرِ أو بعضِهَا، وذبحهُ في آخرِ العشرِ، والتقربُ به إلى اللَّه، والأكلُ من لحمِهِ، وإطعامُ القانعِ والمعترِّ. ١٥٦ بيب سورة البقرة فلذلك شُرعَ ذكرُ اللَّهِ في أيامِ العشر شكرًا على هذه النعمِ كلِّها، كما صرَّح به في قولِهِ تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، كما أمَرَ بالتكبيرِ عندَ قضاءِ صيامِ رمضانَ، وإكمالِ العدةِ، شكرًا على ما هدانا إليه من الصيامِ والقيامِ المقتضِي لمغفرةِ الذنوبِ السابقةِ . وأمَّا الأيامُ المعدوداتُ: فالجمهورُ على أنَّها أيامُ التشريقِ، ورُوي عن ابنِ عُمرَ وابنِ عباسٍ واستدلَّ ابنُ عُمرَ بقوله: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عليهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، ٥٠٠ وغيرهما. ٠٠ وإنَّما يكون التعجيلُ في ثاني أيامِ التشريقِ . قال الإمامُ أحمدُ: ما أحسنَ ما قالَ ابنُ عمرَ. وقد رُوي عن ابنِ عباسٍ وعطاءِ أنها أربعةُ أيامٍ: يومُ النحرِ، وثلاثةٌ بعدَه. وفي إسناد المرويِّ عن ابنِ عباسٍ ضعفٌ. وأمَّا ما ذكره البخاريُّ عن ابنِ عمرَ وأبي هريرةَ، فهو من روايةِ سلامٍ أبي المنذرِ، عنْ حميدِ الأعرجِ، عن مجاهد، أن ابنَ عمرَ وأبا هريرةَ كانا يخرجان في العشر إلى السوقِ يكَبِّرانِ، لا يخرجَانِ إلا لذلكَ. خرَّجه أبو بكرٍ عبدُ العزيز بنُ جعفرَ في ((كتاب الشافي)) وأبو بكرٍ المروزي القاضي في ((كتاب العيدين)). 93 ورواه عفانُ: نا سلامٌ أبو المنذرِ - فذكره، ولفظه: كانَ أبو هريرةَ وابنُ عُمرَ يأتيانِ السوقَ أيامَ العشر، فيكبِّران، ويكبِّرُ الناسُ معهما، ولا يأتيانِ لشيءٍ ١٥٧ سورة البقره إلا لذلكَ. وروى جعفرٌ الفريابيّ، من روايةٍ يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، قال: رأيتُ سعيدَ بنَ جبير وعبدَ الرحمنِ بن أبي ليلى ومجاهدًا - أو اثنين من هؤلاء الثلاثةِ - ومن رأينا من فقهاءِ الناسِ يقولون في أيامِ العشرِ: ((اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ، لا إله إلا اللّهُ، والله أكبرُ اللَّهُ أكبرُ ولله الحمدُ». وروى المروزيَّ، عن ميمونَ بن مهرانَ، قال: أدركتُ الناسَ وإنَّهم ليكبرون في العشرِ، حتى كنت أشبهه بالأمواجِ من كثرتِهَا، ويقول: إنَّ الناسَ قد نقصُوا في تركِهِمُ التكبيرَ. وهو مذهبُ أحمدَ، ونصَّ على أنَّه يجهرُ به. وقال الشافعيُّ: يكَبَّرُ عند رؤيةِ الأضاحي. وكأنه أدخله في التكبيرِ على بهيمة الأنعامِ المذكورِ في القرآنِ، وهو وإنْ كان داخلاً فيه، إلا أنه لا يختصَّ به، بل هو أعمَّ من ذلكَ كما تقدم. وهذا على أصلِ الشافعيِّ وأحمدَ: في أن الأيامَ المعلوماتِ هي أيامُ العشرِ، كما سبق. فأمَّا من قالَ: هي أيامُ الذبحِ، فمنهُم من لم يستحبُّ التكبيرَ في أيامٍ العشرِ، وحُكي عن مالكٍ وأبي حنيفةَ. ومنَ الناسِ مَن بالغَ، وعدَّ من البدعِ، ولم يبلغْه ما في ذلكَ من السّنّةِ. وروى شعبةُ قالَ: سألتُ الحكمَ وحمادًا عنِ التكبيرِ أيامَ العشرِ؟ فقالا: لا؛ مُحْدَثٌ. خرَّجه المروزيّ. ١٥٨ سورة البقرة وخرَّج الإمامُ أحمدُ(١) من حديثِ ابنِ عُمرَ، عن النبيِّ وَّ قالَ: ((ما منْ أيام أعظم عندَ اللَّه ولا أحبُّ إليه العملُ فيه من هذه الأيام العشرِ، فأكثروا فيهنَّ منَ التهليلِ والتكبير والتحميد)). ويروى نحوُهُ من حديثِ ابنِ عباسٍ - مرفوعًا(٢)، وفيه: ((فأكثروا فيهن التهليل والتكبير، فإنَّها أيامُ تهليل وتكبير وذكر اللَّه عزَّ وجلَّ). وأمَّا ما ذكره عن محمدِ بنِ عليٍّ في التكبيرِ خلفَ النافلةِ، فهوَ في أيام التشريقِ. ومرادُه: أنَّ التكبيرَ يُشْرَعُ في أيامِ العشرِ وأيام التشريقِ جميعًا(٣) ٠ أيام مِنَّى هي الأيامُ المعدوداتِ التي قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ فيها: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وهي ثلاثةُ أيامٍ بعدَ يومٍ النحرِ، وهيَ أيامُ التشريقِ، هذا قولُ ابنِ عمرَ وأكثر العلماءِ، ورُوي عن ابنِ عباسٍ وعطاءِ أنَّها أربعة أيامٍ: يومُ النَّحْرِ، وثلاثةُ أيامٍ بعدَه، وسمَّاها عطاءٌ أَيَّامَ التشريقِ؛ والأولُ أظهرُ . وُ وَلِِّ: ((أَيَّامُ منّى ثلاثةٌ، ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن وقد قال النبيّ [البقرة: ٢٠٣])) خرّجه أهل السنن الأربعة (٤) من حديث عبد تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١) ((المسند)) (٧٥/٢، ١٣١). (٢) ((المصنف)) لعبد الرزاق (٣٧٦/٤). (٣) ((فتح الباري)) (١٠٩/٦ - ١١٣). (٤) الترمذي (٨٨٩)، وأبو داود (١٩٤٩)، والنسائي (٢٦٤/٥)، وابن ماجه (٣٠١٥). ١٥٩ سورة البقرة الرحمنِ بنِ يَعْمُرَ، عن النبيِّ وَلِّل . وهذا صريحٌ في أنَّها أيام التشريقِ، وأفضلُها أولُها، وهو يوم القَرِّ؛ لأنَّ أهلَ مِنَّى يستقرِّون فيه، ولا يجوزُ فيه النَّفْر. وفي حديثِ عبدِ اللَّهِ بن قُرْط عن النبيِ نَّهِ: ((أعظم الأيامِ عندَ اللَّهِ يومُ النَّحْرِ، ثمَّ يومُ القَرِّ)(١) ، وقد رُوي عن سعيد بن المسيبِ أنَّ يومَ الحجِّ الأكبرِ هو يوم أُلقَرِّ، وهو غريبٌ. ثم يومَ النَّفْرِ الأوَّل، وهو أوسطُها. ثم يومَ النَّفْر الثاني، وهو آخرُها، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثَّمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. قال كثيرٌ من السّلَف: يريدُ أن المتعجِّل والمتأخِّرِ يُغفَر له، ويذهبُ عنه الإثمُ الذي كان عليه قبلَ حجِّه، إذا حجَّ فلم يرفُثْ ولم يَفْسُقْ، وَرَجَعَ من ذنوبِهِ كيومٍ ولدتْهُ أمُّه، ولهذا قال تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾، فتكونُ التقوى شَرْطًا لذهابِ الإثمِ على هذا التقديرِ، وتصيرُ الآيةُ دالَّةً على ما صرَّح به قولُ النبيِّنَّهِ: ((مَن حجَّ فلم يرُفُثْ ولم يَفْسُقْ رجع من ذُنُوبِه كيومٍ ولدتْهُ أَمَّهُ)(٢) . وقد أمرَ اللهُ تعالى بذكْرِه في هذه الأيامِ المعدُوداتِ، كما قالَ النّبِيُّ ◌َله: (إِنَّها أيامُ أكْل وشُرْب وذكْرِ اللَّه عزَّ وجلَّ)(٣) وذكْرُ اللَّه عزَّ وجلَّ المأمورُ بهِ في أيامِ التشريقِ أنواعٌ متعددةٌ: منها: ذكْرُ اللَّه عزَّ وجلَّ عقبَ الصَّلواتِ المكتوباتِ بالتكبيرِ في أدْبارها، وهوَ مشروعٌ إلى آخرِ أيَّام التشريقِ عند جمهورِ العلماءِ. وقد رُوي عن عمرَ (١) ((المسند)) (٣٥٠/٤). (٢) أخرجه البخاري (١٦٤/٢)، و(١٤/٣)، ومسلم (١٠٧/٤ - ١٠٨)، بنحوه. (٣) أخرجه مسلم (١٥٣/٣) بنحوه، وأبو داود (٢٨١٣/٣). ١٦٠ سورة البقرة وعليٌّ وابنِ عباسٍ، وفيه حديثٌ مرفوعٌ (١) في إسنادِهِ ضعفٌ. ومنها: ذِكْرُه بالتَّسميةِ والتكبيرِ عند ذبْحِ النُّسُك، فإنَّ وقتَ ذَبْحِ الهدايا والأضاحي يمتدَّ إلى آخر أيامِ التشريقِ عند جماعةٍ من العلماءِ، وهو قولُ الشافعيِّ، وروايةٌ عن الإمامِ أحمدَ، وفيه حديثٌ مرفوعٌ: ((كلُّ أيام منَّى ذبْحٌ)(٢)، وفي إسنادهِ مقالٌ. وأكثرُ الصحابةِ على أنَّ الذبح يختصَّ بيومينٍ من أيّامِ التشريقِ مع يومِ النَّحْرِ، وهو المشهورُ عن أحمدَ، وقولُ مالك، وأبي حنيفةَ، والأكثرينَ. ومنها: ذكْرُ اللَّه عزَّ وجلَّ على الأكْلِ والشربِ؛ فإنَّ المشروع في الأكلِ والشربِ أن يُسمِّيَ اللَّه في أولِهِ، ويحمَدَهُ في آخرِهِ. وفي الحديثِ عن النبيِّ وَّهِ: ((إن اللَّهَ عزَّ وجلَّ يرْضَى عن العبد أن يأكُلَ الأكْلَةَ فيحمدهُ عليها، ويشربَ الشَّرْبةَ فيحمَدَهُ عليها))(٣) . وقد رُوي أنَّ من سمَّى على أول طعامه وحمدَ اللَّهَ على آخرِهِ، فقد أدَّى ثمنَه، ولم يُسألْ بعدُ عن شكرِهِ. ءُ ومنها: ذِكْرُهُ بالتكبيرِ عند رَمْي الجمارِ في أيَّامِ التشريقِ، وهذا يختص بِهِ أهلُ الموسمِ. ومنها: ذكْرُ اللَّه تعالَى المطلقُ؛ فإنَّه يستحبُّ الإكثارُ منه في أيَّامِ التشريقِ، وقد كان عُمَرُ يُكبِّر بمنَّى في قبّته، فيسمعُهُ النَّاسُ فيكبِّرون فترتجُّ منَّى تكبيراً(٤). وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مََّاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ (١) ((سنن الدار قطني)) (٤٩/٢ - ٥٠)، و((سنن البيهقي)) (٣١٥/٣). (٢) أخرجه أحمد (٨٢/٤) بلفظ: ((كل أيام التشريق ذبح))، وكذا الدارقطني (٢٨٤/٤) من حديث جبير بن مطعم ضُِّه. (٣) أخرجه مسلم (٨٧/٨) من حديث أنس بن مالك في هه. (٤) علقه البخاري في ((صحيحه)) (٢٥/٢)، وراجع ((الفتح)) (٤٦٢/٢).