Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ سورة الفاتحة لأنَّ طريقَ الحقِّ أصلُهُ شيءٌ واحدٌ، ودينُ الإسلامِ العامُّ كما سبقَ وهو توحيدُ اللَّهِ وطاعتُهُ، وطُرقُ الضلالةِ كثيرةٌ متبوعةٌ، وإنْ جمعَهَا الشركُ والمعصيةُ. قولُهُ: ((وعلى جَنْتِي الصراط سُورانِ)) ثم فسَّرها بحدود اللَّه. والمرادُ: أنَّ اللَّهَ تعالى حدَّ حدودًا، ونهى عن تعدِيهَا، فمنْ تعدَّاهَا فقدْ ظلمَ نفسَهُ وخرجَ عن الصراطِ المستقيمِ الَّذِي أُمِرَ بالثبوتِ عليهِ . ولَّا كانَ السورُ يمنعُ من وراءَهُ مِنْ تعدِّيه ومجاوزَتَهِ: سمَّى حدودَ اللَّه سُورًا؛ لأنه يمنعُ منْ دخلَهُ من مجاوزتِهِ وتعدِّي حدودِهِ. قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال: ﴿تلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًّا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]، وقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقالَ: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّه فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]. وفي حديث أبي ثعلبةَ الخُشنيِّ، عنِ النبيِّ بَّ: ((إنَّ اللَّهَ فرضَ فرائضَ فلا تضيِّعُوها وحرَّمَ أشياءَ فلا تنتهكُوها وحدَّ حدودًا فلا تعتدُوها))(١) . فحدودُ اللَّه تطلقُ ويُرادُ بها غالبًا: ما أذِنَ فيه وأباحَ فمن تعدَّى هذه الحدودَ فقدْ خرجَ مَمَّا أحلَّ اللَّهُ إلى ما حرَّمَهُ؛ فلهذا نُهِي عن تعدِّي حدودِ اللَّهِ، لأنَّ تعدّيهَا بهذا المعنى محرمٌ. ويُرادُ بها تارةً ما حرَّمَهُ اللَّهُ ونَهَى عنه. (١) البيهقي (١٢/١٠)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٢/ ح ٥٨٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)» (١٧/٩). ٨٢ سورة الفاتحة وبهذا المعنى، يُقال: لا تقربُوا حدودَ اللَّه؛ كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] بعد أن نهى عن ارتكابِ المفطراتِ في نهارِ الصيامِ، وعن مباشرةِ النساءِ في الاعتكافِ في المساجدِ . فأرادَ بحدوده هاهُنَا: ما نَهَى عنه؛ فلذلكَ نَهَى عن قُربَانِهِ. فإِنَّه تعالى جعلَ لكلِّ شيءٍ حدًّا، فجعلَ للمباحِ حدًّا، وللحرامِ حدًّا، وأمرَ بالاقتصارِ على حدِّ المباحِ وأنْ لا يُتَعَدَّى. ونَهَى عن قربانِ حدِّ الحرامِ . وَمَّا سُمِّي فيه المحرماتُ حُدودًا: قولُ النبيِّمَ: ((مثلُ القائمِ على حدودِ اللَّهِ والمدهنِ فيها كمثلٍ قوم استهمُوا سفينةً)) (١) الحديثُ المعروف. والمرادُ بالقائمِ على حدودِ اللَّهِ: المنكرُ للمحرَّمَاتِ والناهي عنها . وفي حديثِ ابنِ عباسٍ، عنِ النبيِّ نَّ قالَ: ((أنا آخذٌ بحُجزِكُمْ اتَّقوا النارَ اتقوا الحدود)) قالَها ثلاثًا. خرَّجه الطبرانيُّ والبزار(٢). ومرادُهُ بالحدودِ: محارم اللَّهِ ومعاصيه، وقد تُطلقُ الحدودُ باعتبارِ العُقوباتِ المقدَّرةِ الرادعةِ عن الجرائمِ المغلَّظة. فيُقالُ: حدُّ الزِّنا، حدُّ السرقة، حدٌّ شرب الخمر، وهو هذا المعروف من اسمِ الحدودِ في اصطلاحِ الفقهاءِ، ومنهُ قولُ النبيِّ وَّ لأسامةَ: ((أتشفعُ في حدٍّ من حدودِ اللَّهِ؟))(٣) لَّ شفع في المرأة التي سرَقَتْ. وفي حديث: ((أقيموا الحدودَ في الحضر والسفرِ على القريب والبعيد)) (٤). (١) أخرجه البخاري (١٨٢/٣)، والترمذي (٢١٧٣). (٢) أحمد في «المسند» (٣١٢/٢)، (٣٦١/٣، ٣٩٢)، والطبراني في ((الكبير)) (١٠٩٥٣/١١)، و((الأوسط)) (٢٨٧٤)، والبزار (٣٤٨٠) ((كشف الأستار)). (٣) البخاري (٢١٣/٤)، (٢٩/٥)، (١٩٩/٨، ٢٠١)، ومسلم (١١٤/٥، ١١٥). (٤) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٣١٤/٥، ٣١٦، ٣٢٦)، وهو جزء من حديث طويل وفيه: ((وأقيموا حدود اللَّه في الحضر والسفر .. )). ٨٣ سورة الفاتحة وقالَ عليٌّ: أقيمُوا الحدودَ على ما ملكتْ أيمانُكُمْ(١). وأمَّا قولُهُ وَّه في حديثِ أبي بُردةَ: ((لا يُجلَدُ فوقَ عشرِ جلداتٍ إلا في حدٍّ من حدود اللَّه عزَّ وجلَّ)(٢)، فقد اختَلَفُوا في المراد بالحدِّ هُنَا: هل هو الحدودُ المقدَّرةُ شرْعًا، أم المرادُ بالحدِّ ما حدَّه اللَّهُ ونهى عن قُربانه، فيدخلُ فيه سائرُ المعاصِي، ويكونُ المرادُ: النهيَ عن تجاوزِ العشرِ جلداتٍ بالتأديبِ ونحوِهِ، مما ليسَ عقوبةً على محرَّمٍ. هذا فيه اختلافٌ مشهورٌ بين العلماءِ. وقالَ تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبِّتُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وقال تعالى: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُوله ﴾ [التوبة: ٩٧]. والمرادُ بحدودِ اللَّهِ هَاهُنا: ما يفصلُ بينَ الحلال والحرامِ، ويتميَّزُ به أحدُهُما من الآخرِ . وقد مدحَ اللَّهُ الحافظينَ لحدودِهِ في قولِهِ: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّه﴾ [ التوبة : ١١٢]. وفي الحديث المرفوعِ من حديثِ عمرٍو بنِ شعيبٍ، عن أبيه عنْ جدِّ: ((يمثَّلُ القرآنُ رجُلاً يومَ القيامةِ فيُؤْنَى بالرجلِ قدْ حمَلَهُ فخالفَ أمرَهُ ونِهِيَهُ، فيمثَّلُ له خَصْمًا فيقولُ: يا ربِّ حمَّلْتَهُ إِيَّي فبئس حَامِلِ. تعدَّى حدُودِي وضيَّعَ فرائضي وركبَ (١) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٨٩/١، ٩٥، ١٤٥)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)» (١٠٢٨٣) عن عليٍّ مرفوعًا . (٢) البخاري (٢١٥/٨، ٢١٦)، ومسلم (١٢٦/٥). ٨٤ سورة الفاتحة معصيتي. وقالَ: ويُؤْتَى بالرجلِ الصالحِ كانَ قدْ حمَلَهُ، فيمثَّلُ خَصْمًا دونَهُ، فيقولُ: يا ربِّ حمَّلْتَهُ إِيَّي فخيرُ حامِلِ حفظَ حدودي وعمِلَ بفرائضي واجتنبَ معصيتي))(١). والمراد بحفظ الحدود هُنا: المحافظةُ على الواجبات والانتهاءُ عن المحرَّمات. وفي حديثِ النُّعْمانِ بنِ بشيرٍ، عن النبيِّمَ: ((الحلالُ بَيِّنٌ والحرامُ بَيِّنٌ وبينهُما أمورٌ مشتبهاتٌ لا يعلمُهُنَّ كثيرٌ من الناسِ، فمنِ اتَّقَى الشبهاتِ استبرأ لدينه وعرْضِهِ، ومنْ وقَعَ في الشبهاتِ وقَعَ في الحرامِ كالرََّعي يرعَى حولَ الحمَى يُوشِكُ أن يخالطَّهُ. ألا وإنَّ لكلِّ ملِكِ حِمِىّ، ألا وإنَّ حِمَى اللَّهِ في أرضِهِ محارمُهُ)، وهو حديثٌ متفقٌ على صحتِهِ(٢). فمثَّلَ المحرَّماتِ في هذا الحديثِ: بالحِمَى، وهو ما يحميهِ الملوكُ وتمنعُ من قُربانِهِ، وجعلَ الحلال بيًّا والحرامَ بَيِّنًا، ومُرادُهُ: الحلالُ المحضُ والحرامُ المحضُ، فإنَّ لكلٍّ منهَا حُدودًا معروفةً في الشريعةِ. وجعلَ بينهُمَا أمورًاً مشتبهةً على كثير من الناسِ، لا يدرونَ هلْ هِيَ من الحلالِ أم منَ الحرامِ. فدلَّ على أنَّ من الناسِ من لا يشتبِهُ عليهِ حُكْمُها، فيعلمُ أنَّها حلالٌ أو أنَّها حرامٌ. فأمَّا من اشتبهَ عليه حُكْمُها: فإنَّ الأوْلَى لهُ أنْ يَتَّقَيَهَا ويجتنبَهَا، كما قالَ عُمَرُ: ذَرُوا الرِّبًا والرِّبةَ(٣). وأخبر أنَّه منْ وقعَ في الأمورِ المُشتبهةِ وقعَ في الحرامِ، والمرادُ: أنَّ نفسَهُ (١) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) برقم (٣٠٠٤٤). (٢) البخاري (٢٠/١)، (٦٩/٣)، ومسلم (٥٠/٥ - ٥١). (٣) أحمد في ((المسند)) (٣٦/١، ٤٩ - ٥٠)، وابن ماجه (٢٢٧٦). ٨٥ سورة الفاتحة تدعُوه من ارتكابِ الشبهاتِ إلى ارتكابِ الحرامِ. ومثَّله بالراعي حولَ الحِمَّى يُوشِكُ أنْ يرتَعَ فيه، فأمَّا منْ بَعُدَ عَنِ الحِمَى فإنَّه يبعُد وقوعُه في الحرامِ؛ ولهذا قالَ منْ قالَ من السلفِ: اجعلُ بِينَكَ وبينَ الحرامِ شيئًا من الحلالِ. وفي الحديثِ المرفوعِ، الَّذي خرَّجهُ الترمذيُّ: ((لا يبلغُ العبدُ أن يكونَ من المتقينَ حَتَّى يدعَ ما لا بأسَ بِهِ حذراً ممّا به بأسٌ)(١). وهذه الأمورُ المشتبهاتُ: مِنْهَا ما يَقْوَى شبهُه بالحرامِ، ومنها ما يبعُد شبهُهُ بالحرامِ، ومنها ما يترددُ، لشبهةٍ بين الحلالِ والحرامِ. فالأولُ: يَقْوَى فيه التحريمُ، والثاني: يَقْوَى فيه الكراهةُ، والثالثُ: يترددُ فيه، واجتنابُ الكلِّ حسنٌ، وهو الأفضلُ والأوْلَى. وقولُهُ: ((فيهما - يعني: السورينِ - أبوابٌ مفتحةٌ، وعلى الأبوابِ سُتورٌ مُرخاءً». ثم فسَّرَ الأبوابَ الْمُفتحةَ: بمحارمِ اللَّهِ، لما شَبَّه حدودَ اللَّهِ بالسورینِ المكتنفينِ للصراطِ يَمْنَةً ويَسْرةً - والسورُ يقتضي المنع، وأصلُ الحدِّ في اللغةِ المنعُ - شبَّه المحارمَ بالأبوابِ المفتحةِ في السورينِ الَّذَيْنِ هُمَا حدُّ الصراط المستقيمِ ونهايتُهُ، وجعلَ الأبوابَ مفتحةً غيرَ مغلَّقةٍ ولا مُقُفلة، وجعلَ عليها ستوراً مُرخاً بحيثُ يتمكنُ كلُّ أحدٍ من رفعِ تلك الستورِ وولوجِ تلكَ الأبواب. (١) أخرجه الترمذي (٢٤٥١)، وابن ماجه (٤٢١٥). ٨٦ سورة الفاتحة وهكذا الشهواتُ المحرَّمَةُ، فإنَّ النفوسَ متطلعةٌ إليها وقادرةٌ عليها، وإنَّما يمنعُ منها مانعُ الإيمانِ خاصةً، والنفوسُ مولعةٌ بمطالعة ما مُنْعتْ منه؛ كَما في الحديثِ (لو يُمنعُ الناسُ فتَّ البعر لقالُوا فيه الدرُ)(١) . وفي حديثٍ آخر مرفوعٍ: ((لو نهيتُ أحدَهم أنْ يأتيَ الحجونَ لأوشكَ أنْ يأتيَه مِرَارًا وليسَ له إليه حاجةٌ)(٢) . وحكايةُ ذِي النونِ المصريِّ مع يوسفَ بن الحسينِ الرازيِّ - في الطبقِ الذي أرسلَهُ، وأمرَهُ أنْ لا يكشِفَهُ - معروفةٌ. والمحرَّمَاتُ أمانةٌ مِنَ اللَّهِ عندَ عبدِهِ، والسمعُ أمانةٌ، والبصرُ واللسانُ أمانةٌ، والفرجُ أمانةٌ، وهو أعظَمُهَا. وكذلك الواجباتُ كلُّها أماناتٌ: كالطهارةِ، والصيامِ، والصلاةِ، وأداءِ الحقوقِ إلى أهلها؛ قالَ اللَّهُ تعالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومَّا جَهُولاً﴾ [الأحزاب: ٧٢] ثم ذكرَ حُكْمَهُ، فقالَ: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتٍ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣]. وفي الحديثِ الصحيحِ عن النبيِّ وَّهِ: ((حُفَّتِ الجنةُ بالمكاره وحفَّت النارُ بالشهوات))(٣)، وفي رواية: ((حُجبتْ))(٤) بدل: ((حُقَّتْ)). فاللَّهُ سبحانَهُ امتحنَ عبادَهُ في هذهِ الدارِ بهذِهِ المحرّماتِ من الشهواتِ (١) قال في («كشف الخفاء)) (٢١١/٢): ذكره الغزالي في ((الإحياء))، وقال العراقي لم أجده. وذكره الهروي في كتابه ((المصنوع في معرفة الحديث الموضوع)) (١/ ١٥٠). (٢) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٢٣/٢٢) من حديث أبي جحيفة. (٣) مسلم (١٤٢/٨ - ١٤٣). (٤) البخاري (١٢٧/٨). ٨٧ سورة الفاتحة والشُّبهاتِ، وجعلَ في النَّفْسِ داعِيًا إلى حبِّها مع تمكِّنِ العبدِ منهَا وقُدرِتِهِ عليْهَا . فمن أدَّى الأمانةَ، وحفظَ حدودَ اللَّهِ ومنعَ نفسَهُ ما يُحبُّه من محارمِ اللَّهِ كانَ عاقبتَهُ الجنةُ؛ كما قالَ تعالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠]، فلذلك يحتاجُ العبدُ في هذه الدارِ إلى مُجاهدة عظيمة، يُجاهدُ نفسَهُ في اللَّهِ - عزَّ وجلَّ - كما في الحديثِ : ے (المجاهدُ مَنْ جاهَدَ نفسَهُ في اللَّه - عزَّ وجلَّ) (١) . فمنْ كانتْ نفسُه شريفةً، وهمَّتُهُ عاليةٌ لم يرض لَهَا بالمعاصي، فإنَّها خيانةٌ ولا يَرْضَى بالخيانةِ إلا مَن لا نفسَ لهُ. قال بعضُ السلفِ: رأيتُ المعاصِي نذالةٌ، فتركتُها مروَّةً فاستحالتْ ديانةً. وقالَ آخرُ منهُم: تركتُ الذنوبَ حياءً أربعينَ سنةً، ثم أدركنِي الورعُ. وقالَ آخرُ: مَنْ عمِلَ في السرِّ عملاً يستحيي منهُ إذا ظَهَرَ عليه، فليسَ لنفسه عندَهُ قدرٌ. قالَ بعضُهُم: ما أكرمَ العبادُ أنفسَهُم بمثلِ طاعةِ اللَّهِ، ولا أهانُوها بمثلٍ معاصي اللهِ عزَّ وجلَّ. فمنِ ارتكبَ المحارمَ فقد أهانَ نفسَهُ. وفي المَثَلِ المضروب: أنَّ الكلبَ قالَ للأسدِ: يا سيدَ السباعِ، غيِّرِ اسمِي فإنَّه قبيحٌ. فقالَ لهُ: أنتَ خائنٌ، لا يصلحُ لكَ غيرَ هذا الاسمِ. قالَ: فجرّبْنِي. فأعطَاهُ شقةَ لحمٍ، وقالَ : احفظْ لي هذه إلى غدٍ، وأنا أغيِّرُ اسمَكَ. فجاعَ، وجعلَ (١) أخرجه: أحمد (٢٠/٦ - ٢٢)، وأبو داود (٢٥٠٠)، والترمذي (١٦٢١)، والنسائي في (الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) (١١٠٣٨/٨). ٨٨ سورة الفاتحة ينظرُ إلى اللحم ويصبرُ. فلما غلبتْهُ نفسُهُ قالَ: وأيّ شيءٍ أعملُ باسمِي. وما كلبٌ إلا اسمٌ حَسَنٌّ فأكَلَ. ولهذَا الَمَعْنَى: شبَّ اللَّهُ عالمَ السُّوءِ الَّذي لم ينتفعْ بعلمِهِ بالكلبِ؛ فقالَ تعالَى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَتَبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن ١٧٥٪ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكُهُ يَلْهَثِ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿١٧ سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [ الأعراف: ١٧٥ - ١٧٧ ]. والمرادُ بهذا المثلِ: أنَّ منْ لم يزجرُهُ علمُه عن القبيحِ، صارَ القبيحُ عادةً لهُ ولم يؤثر فيه علمُهُ شيئًا، فيصيرُ حاله كحالِ الكلبِ اللاهثِ؛ فإنَّه إنْ طُرِدَ لَهِثَ، وإِنْ ترِكَ لَهِثَ، فالحالتانِ عنده سواءٌ. وهذا أخسُّ أحوالِ الكلبِ وأبشعُهَا، فكذلكَ من يرتكبُ القبائحَ مع جهلِهِ ومع علمِهِ، فلا يؤثِّرُ علمُه شيئًا؛ وكذلكَ مثل مَنْ لا يرتدع عن القبيحِ بوعظٍ ولا زجرٍ ولا غيرِهِ. فإنَّ فعلَ القبيحِ يصيرُ عادةً، ولا ينزجِرُ عنه بوعظ ولا تأديبٍ ولا تعليمٍ. بل هو متبعٌ للهَوى على كلِّ حالٍ، فهذا كلُّ من اتَبعَ هواهُ، ولم ينزجرْ عنهُ بوعظٍ ولا غيرِهِ. وسواءٌ كانَ الهَوى الُتَبَع داعيًا إلى شهوة حسيةٍ، كالزنا والسرقةِ وشرب الخمرِ، أو إلى غضبٍ وحقدٍ وكبرٍ وحسدٍ، أو إلى شُبهةٍ مضلةٍ في الدِّينِ. وأشدُّ ذلكَ: حالُ من التَّبع هواهُ في شبهةٍ مضلةٍ، ثمَّ من اتبع هواهُ في غضبٍ وكبرٍ وحقدٍ وحسدٍ، ثم من اتّبع هواهُ في شهوةِ حسيةٍ . ٨٩ سورة الفاتحة ولهذَا يُقالُ: إنَّ مَن كانتْ معصيتُهُ في شهوةِ فإنَّه يُرجَى له، ومن كانتْ معصيته في کبر لم يُرج. ويُقالُ: إنَّ البدعَ أحبُّ إلى إبليسَ من المعاصِي؛ لأنَّ المعاصِيَ يُتَابُ منها والبدعَ يعتقِدُهَا صاحبُها دِينًا فلا يتوبُ مِنْهَا. والمقصودُ: أَنَّه لَّا كانت النفسُ والهَوى داعيينِ إلى فتحِ أبوابِ المحارِمِ وكشفِ ستورِها وارتكابِها، جعلَ اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - لها داعيَيْنِ يزجرانِ مَن يُرِيدُ ارتكابَ المحارمِ وكشفَ ستورِهما. أحدُهما: داعِي القرآنِ، وهو الداعِي على رأسِ الصراطِ يدعُو الناسَ كلَّهم إلى الدخولِ في الصراطِ والاستقامةِ عليهِ، وأنْ لا يَعْوَجُوا عنه يمنةً ولا يسرةً، ولا يفتحُوا شيئًا من تلكَ الأبوابِ التي عليها الستورُ الْمُرخاةُ؛ قالَ اللَّهُ عزّ وجلَّ حاكيًا عن عبادِهِ المؤمنينَ أنَّهم قالُوا: ﴿رَبَّنَا إِنََّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: ١٩٣] والمرادُ به القرآنُ عندَ أكثرِ السلفِ. وقالَ حاكيًا عنِ الجنِّ الذين استمعُوا القرآنَ، أَنَّهُمْ لَّا رجعُوا إلى قومِهِم قالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿٣٠﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠ -٣١]. وقد وصفَ اللَّهُ نبَّهِ وَ لَهَ بأَنَّه يدعُو الخلقَ بالكتابِ إلى الصراطِ المستقيمِ؛ كما قالَ اللَّهُ - تعالَى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١]. وقالَ تعالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٧﴾ وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٣ - ٧٤]. ٩٠ سورة الفاتحة وقد كانَ النبيِّ بَّلَ يدعُو الخلقَ بالقرآنِ إلى الدخولِ في الإسلامِ، الَّذي هو الصراطُ المستقيمُ؛ وبذلكَ استجابَ له خواصُّ المؤمنينَ كأكابرِ المهاجرينَ والأنصارِ. ولهذا المعْنَى قال مالكٌ: فُتحت المدينةُ بالقرآنِ. يعني: أنَّ أهلَهَا إنَّما دخلُوا في الإسلامِ بسماعِ القرآنِ . كما بعثَ النبيُّ نَّهِ مُصعبَ بنَ عميرِ، قبلَ أنْ يُهاجِرَ إلى المدينة. فدعا أهلَ المدينةِ إلى الإسلامِ بتلاوةِ القرآنِ عليهِم، فأسلمَ كثيرٌ منْهُم . قال بعضُ السلف: من لم يردعْهُ القرآنُ والموتُ، لو تناطحت الجبالُ بين یدیه لم يرتدع. وقالَ آخرُ: من لم يتَّعِظْ بثلاث، لم يتعِظْ بشيءٍ: الإسلامِ والقرآنِ، والمشيبِ؛ كما قيلَ : كفى الشيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهيًا قال يحيى بنُ معاذٍ: الإسلامُ نقيٌّ فلا تدنِّسْهُ بآتَامِكَ. منع الهَوی مِن كاعبٍ ومدام نورُ المشيبِ وواعظُ الإسلامِ ومَن كان في الدنيا قد خرَجَ عن الاستقامةِ على الصراطِ، ففتحَ أبوابَ المحارمِ الَّتي في ستورِ الصراطِ يمنةً ويسرةً، ودخلَ إليْهَا - سواءٌ كانتِ المحارمُ من الشهواتِ أو مِنَ الشبهاتِ - أخذتْهُ الكلاليبُ الَّذي على ذلك الصراطِ يمنةً ويسرةً، بحسبِ ما فتحَ في الدنيا من أبوابِ المحارمِ ودخلَ إليْهَا. فمنهُم المكدوشُ في النارِ، ومنهم من تخدِشُهُ الكلاليبُ وينجُو. رأى بعضُ السلفِ - وكانَ شَابًا - في منامِهِ: كأنَّ الناسَ حُشِرُوا، وإذا بنهرِ من لهبِ النارِ عليه جسرٌ يجوزُ الناسُ عليهِ يُدْعونَ بأسمائِهِم. فمنْ دُعِيَ ٩١ سورة الفاتحة أجابَ، فناجٍ وهالِكٌ. قالَ: فدُعِيَ باسْمِي، فدخلتُ في الجسرِ فإذَا حدٌّ كحدٌ السيفِ يمورُ بي يمينًا وشِمالاً. فأصبحَ الرجلُ أبيضَ الرأسِ واللحيةِ، فَمَّا رأى. سمعَ بعضُهم قائِلاً يقولُ شعرًا: يُسائِلُنِي وينكشفُ الغطاءُ أمامِي موقفٌ قُدَّام ربِّي وحسْبِي أنْ أمرَّ على صراطٍ كحدِّ السيفِ أسفلُه لَظاءُ فغُشِي عليه. قال الفُضيلُ لبشرٍ: بلغَني أنَّ الصراطَ مسيرةَ خمسةَ عشرَ ألف فرسخٍ، فانظر كيفَ تکونُ علیهِ. قال بعضُ السلف: بلغَنا أنَّ الصراطَ يكونُ على بعضِ الناسِ أدقَّ مِنَ الشعرِ، وعلَى بعضِهِم كالوادِي الواسعِ. قال سهلٌ التستُريُّ: مَن دقَّ على الصراطِ في الدُّنيا عرضَ له في الآخرةِ ومن عرضَ له في الدنيا الصراطُ دقَّ عليهِ في الآخرةِ. والمعنى: أنَّ مَنْ صَبَّر نفسَهُ على الاستقامةِ على الصراطِ ولم يعرجْ عنه يمنةً ويسرةً، ولا كشفَ شيئًا من الستورِ المُرخاةِ على جانبيهِ - مما تهواهُ النفوسُ من الشهواتِ أو الشبهَاتِ - بلْ سارَ علَى متنِ الصراطِ المستقيمِ حتَّى أتَى رَبَّه وصبرَ على دقَّةِ ذلكَ، عرضَ له الصراطُ في الآخرةِ. ومن وسَّعَ على نفسِهِ الصراطَ في الدَّنيا، فلم يستقمْ على جادَّتَّهِ - بل كشفَ ستورَهُ المُرخاةَ من جانبيهِ يمنةً ويسرةً، ودخلَ ممّا شاءتْ نفسُه من الشهواتِ والشبهاتٍ - دقَّ عليه الصراطُ في الآخرةِ، فكانَ عليه أدقَّ من الشَّعرِ . ٩٢ سورة الفاتحة وأنْ تتناسَى الهَوى والفُسوقَا أما آنَ يا صاحِ أنْ تسْتَفيقًا وصارَ مساؤُكَ فِيه شُروقًا وقد ضحِكَ الشيبُ فاحزنْ لهُ عساكَ تجوزُ الصراطَ الدَّقِيقَا ألاَ فازجرِ النفسَ عنْ غيِّها به يتناسَى الصديقُ الصَّديقَا ودونَ الصراطِ لَنَا موقف وعينًا تسحُّ وقلْبًا خَفُوقًا فتُبصرُ ما شئتَ كَفَّا تُعضُّ لسَمع إلا البكاء والشهيقَا إذا أطبقتْ فوقَهُم لم تكنْ يقطّعُ أوصالَهُم والعُروقَا شرابُهُمُ الْمُهْلُ في قعرِهَا قال إبراهيمُ بنُ أدهمَ: كُلِ الحلالَ، وادعُ بما شئتَ. وقالَ لرجلٍ : اعبدِ اللَّهَ سرًّا، حتى تخرجَ على الناسِ يومَ القيامةِ كمينًا. ومما أنشدَ بعضُهم شِعْرًا: بحبِّكَ أنْ يحلَّ به سِواكَا أروحُ وقد ختمتُ على فؤادِي فلم أبصرْ به حتَّى أراكَا فلو أنِّى استطعتُ غضضتُ طَرِفِي وإنْ لم يُبْقِ حبُّك لي حِراكًا أحبُّكَ لا ببعْضِي بل بكُلِّي وتفعلُه فيحسُنُ منكَ ذاكَا وآخرُ يدَّعي معه اشتراكًا تَبَيَّن مَن بكى مِمَّنْ تباكَى وينطقُ بالهَوى من قد تَشَاكَا(١) ويقبُحُ مِن سواكَ الفعلُ عندِي وفي الأحبابِ مخصوصٌ بوجد إذا اشتبكتْ دموعٌ في خدود فأمَّا منْ بكَى فيذوبُ وجْدًاً (١) رسالة شرح حديث ((مثل الإسلام)). سورة البقرة قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [قالَ البخاريُّ]: ((بابٌ: ما يَقُولُ إذَا أَمْطَرَتْ)): وقال ابنُ عباسٍ: ﴿كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩]: المطرُ. وقالَ غيرُهُ: صابَ وأصَابَ يَصُوبُ. حدَّثَنَا مُحمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبو الحسنِ المَرْوَزِيُّ: أنا عبدُ اللَّهِ - هُوَ: ابنُ المبارك -: أنا عُبَيْدُ اللَّهِ، عن نافعٍ، عنِ القاسمِ بنِ مُحمَّدٍ، عنْ عائشةً، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لَ كَانَ إذا رأى المَظَرَ قالَ: ((صَيًِّا نافعًا)(١). تَابَعَهُ: القاسمُ بنُ يحيى، عنْ عبيدِ اللَّهِ. ورواهُ الأوزاعيُّ وعُقِيلٌ، عنْ نافعٍ. أمَّا ذكر المتابعاتِ على هذا الإسنادِ، لاختلافٍ وقعَ فيه: فإنَّه رُوي عن عبيدِ اللَّهِ، عن القاسمِ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ◌َله من غيرِ ذكرٍ: ((نافعٍ)). والصحيحُ: ذكرُ: ((نافع)) فيه . وقد رواه - أيضًا - يحيى القطانُ وعبدةُ بن سليمانَ، عن عبيد الله، ءِ كذلك -: ذكره الدارقطنيّ في ((عللِهِ)). (١) البخاري (٢/ ٤٠). ٩٤ سورة البقرة فإن كان ذلك محفوظًا عنهما، فكيفَ لم يذكرِ البخاريَّ متابعتَهَما لابنِ المبارك، وعدلَ عنه إلى متابعةِ القاسم بن يحيى؟ وأما عقيلٌ، فرواهُ عنْ نافعٍ، عنِ القاسمِ، عن عائشةَ. ورواه - أيضًا - أيوبُ، عنِ الفاسمٍ، عنْ عائشةَ. خرّجه الإمامُ أحمدُ (١)، عنْ عبد الرزاقِ، عنْ معمرٍ، عنه، ولفظُ حديثِهِ: (اللَّهُمَّ صَيِّبًا هنيئًا - أو - صَيًِّا هنيئًا)). وأمَّا الأوازعيُّ، فقد رواهُ عن نافعٍ، عنِ القاسمِ، عن عائشةَ، كما ذكرهُ البخاريُّ، ولفظُ حديثِهِ: ((اللَّهُمَّ اجعَلُهُ صَيًِّا هنيئًا))(٢). وقد خرَّج حديثَهُ كذلكَ الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجه . وفي روايةِ ابنِ ماجه: أنَّ الأوزاعيَّ قالَ: ((أخبرني نافعٌ))، كذا خرَّجه من طريقِ عبدِ الحميدِ بنِ أبي العشرين، عنه. وقد رُوي التصريحُ بالتحديثِ فيه عنِ الوليدِ بن مسلمٍ، عنِ الأوزاعيِّ أيضًا . ورواه إسماعيلُ بنُ سماعةَ، عنِ الأوزاعيِّ، عنْ رجلٍ، عنْ نافعٍ، عن القاسمِ، عن عائشةَ. وقالَ البابْلُتِّيَّ: عنِ الأوزاعيِّ، عنْ محمدِ بنِ الوليدِ الزبيديِّ، عن نافعِ، عنِ القاسمِ، عن عائشةَ. وقالَ عقبةُ بنُ علقمةَ: عنِ الأوزاعيِّ، عنِ الزهريِّ، عن نافعٍ، عنِ (١) (المسند)) (١٦٦/٦). (٢) ((المسند)) (٩٠/٦) وابن ماجه (٣٨٩٠). ٩٥ سورة البقرة القاسم، عن عائشةَ. قالَ الدارَقُطنيُّ: وهو غيرُ محفوظ . وقالَ عيسى بنُ يونسَ (١) وعبادُ بنُ جويريةَ: عنِ الأوزاعيِّ، عنِ الزهريِّ، عنِ القاسمِ، عنْ عائشةَ - منْ غيرِ ذكرِ: ((نافعِ)). وكذا رُوي عنِ ابنِ المباركِ، عنِ الأوزاعيِّ. قالَ الدارقطنيَّ: فإنْ كانَ ذلك محفوظًا عنِ الأوزاعيِّ، فهو غريبٌ عنِ الزهريِّ. وخرَّجه البيهقيُّ (٢) منْ روايةِ الوليدِ بنِ مسلمٍ: نَا الأوزاعيَّ: حدثني نافعٌ. ثم قالَ: كانَ ابنُ معينٍ يزعمُ أنَّ الأوزاعيَّ لم يسمع من نافعٍ شيئًا. ثُمَّ خرَّجه من طريقِ الوليدِ بنِ مَزْيَد: نَا الأوزاعيَّ: حدثني رجلٌ، عن نافعٍ - فذكره. قالَ: وهذا يشهدُ لقولِ ابنِ معينٍ . قلتُ: وقد سبقَ الكلامُ على روايةِ الأوزاعيِّ عن نافعٍ في ((بابِ: حملٍ العنزة بين يَدَي الإمامِ يومِ العيدِ)»، فإنَّ البخاريَّ خرَّج حديثًا للأوزاعيِّ عن نافعٍ مصرحًا فيه بالسماعِ. وقد رُوي هذا الحديثُ عنْ عائشةَ من وجهِ آخَر : خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود والنسائيُ وابنُ ماجه(٣) من حديثِ المقدَامِ بنِ (١) ((المسند)) (٦ / ٩٠). (٢) البيهقي (٣٦١/٣). (٣) أحمد (٤١/٦)، وأبو داود (٥٠٩٩)، والنسائي (١٦٤/٣)، وابن ماجه (٣٨٨٩). ٩٦ سورة البقرة شُرِيْحٍ، عنْ أبيهِ، عنْ عائشةَ، أنَّ النبيَّ، كانَ إذا أُمطرَ، قالَ: ((اللَّهُمَّ صَيِّبًا هنيئًا)) - لفظُ أبي داودَ. ولفظُ النسائيِّ: ((اللَّهُمَّ اجعلْه سيبًا نافعًا)). ولفظُ ابنِ ماجه (١): ((اللَّهُمَّ سيبًا نافعًا)) - مرتين أو ثلاثًا. وفي رواية لابن أبي الدنيا في ((كتاب المطرِ)): ((اللَّهُمَّ سقيًا نافعًا)). وخرَّج مسلمٌ (٢) من طريقِ جعفر بن محمدٍ، عن عطاء، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ ◌َّ كانَ يقول إذا رأى المطرَ: ((رحمةٌ). وقد أشارَ البخاريُّ إلى تفسير قوله بَّهِ: ((صيًّا هنيئًا)) ، فذكرَ عنِ ابنِ عباسٍ، أنَّ الصّيِّبَ هو المطرُ. ﴿وقد خرَّجه ابنُ أبي الدنيا في (كتابِ المطر)) من روايةٍ هارونَ بنِ عنترةَ، عن أبيه، عنِ ابنِ عباسٍ. وقالَ غيرُهُ: هو المطرُ الشديدُ. وقد ذكرَ البخاريُّ من بعضِهِم، أنَّ الفعلَ الماضي منه: ((صابَ وأصاب))، والمضارعُ منه: ((يصوبُ)). وهذا عجيبٌ: فإنَّ ((أصابَ)) إنما تقالُ في ماضي (يصيبُ))، مِنَ الإصابةِ التي هي ضدَّ الخطٍ. وأمَّا ((صابَ يصوبُ)، فمعناه: نزلَ من علوٍ إلى سفْلٍ. وأمَّا روايةُ من روى ((سيًِّا)» بالسين، فيجوزُ أنَّ تكونَ السينُ مبدلةً (٢) مسلم (٢٦/٣). (١) ابن ماجه (٣٩٨٩). ٩٧ سورة البقرة من الصاد. وقيل: بل هو بسكونِ الياءِ، ومعناه: العطاءُ. ورُوي عنْ محمدِ بنِ أسلمَ الطوسيِّ، أَنَّه رجَّح هذه الروايةَ؛ لأنَّ العطاءَ يعمُّ المطرَ وغيرَهُ من أنواعِ الخيرِ والرحمةِ، وفي هذه الأحاديثِ كلِّها: الدعاءُ بأن يكونَ النازلُ من السماءِ نافعًا، وذلك سقيا الرحمةِ، دون العذابِ . وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ، عن عبدِ الملكِ بنِ جابرِ بنِ عتيك، أنَّ رجلاً من الأنصارِ كانَ قاعدًا عند عُمرَ في يومٍ مطرٍ، فأكثرَ الأنصاريُّ الدعاءَ بالاستسقاء، فضربَه عمرُ بالدِّرةِ، وقالَ: ما يدريكَ ما يكونُ في السقْيا، ألا تقول: سقْيا وادعةً، نافعةً، تسعُ الأموالَ والأنْفُسَ (١). قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُّهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعدَّتْ لِلْكَافِرِينَ قالَ اللَّهُ تعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]. وقال: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]. واختلفَ المفسرونَ في هذهِ الحجارةِ، فقالتْ طائفةٌ منهم الربيعُ بنُ أنسٍ : الحجارةُ هي الأصنامُ التي عبدَتْ من دونِ اللَّهِ، واستشهدَ بعضُهم لهذا بقولِهِ (١) (فتح الباري)) (٣١٠/٦ - ٣١٣). ٩٨ سورة البقرة تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَللَِّلَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا ﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ٩٩]. قالَ ابنُ أبي حاتمٍ: حدثنا أبو صالحٍ، حدثنا معاويةُ بنُ أبي صالحٍ، عنْ أبي بكرٍ بنِ أبي مريمَ، عنْ أبيه أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى عليه وآله وسلّم قالَ في قولِهِ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] قالَ: ((كورتْ في جهنمَ))، ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢] قال: ((انكدرتْ في جهنمَ، وكلُّ من عُبِدَ من دونِ اللَّهِ فهو في جهنمَ، إلا ما كانَ مِنْ عيسى وأمِّه ولو رضيا لدخلاَهَا)) غريبٌ جدًّا، وأبو بكرِ بنُ أبي مريمَ فيه ضعفٌ. وقد رُويَ أنَّ الشمسَ والقمرَ يكورانِ في النارِ . ورواهُعبدُ العزيزِ بنِ المختارِ عنْ عبدِ اللَّهِ - هو ابنُ فيروزَ الداناجِ - قالَ: سمعتُ أبا سلمةَ بنَ عبد الرحمنِ يحدثُ عن أبي هريرةَ عنِ النبيِّ بَ لِّ قالَ: ((الشمسُ والقمرُ ثورانِ يكورانِ في النارِ يومَ القيامةِ)) خرَّجه البزارُ(١) وغيرُهُ. وخرَّجهُ البخاريُّ مختصرًا (٢)، ولفظُه: ((الشمسُ والقمرُ يكورانِ يومَ القيامةِ)). وخرَّج أبو يَعْلَى(٣) منْ روايةِ درستْ بنِ زيادٍ عن يزيدَ الرقاشيِّ عن أنسٍ عنِ النبيِّ وَِّ، قالَ: ((الشمسُ والقمرُ ثوران عقيرانِ في النار)) وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا. وقد قيلَ: إنَّ المعنى في ذلكَ أنَّ الكفارَ لَّا عبدُوا الآلهةَ من دونِ الله واعتقدُوا أنها تشفعُ لهم عندَ اللَّهِ وتقرُِّهم إليه عوقِبُوا بأن جعلتْ معهم في (١) ((مجمع)) (١٠/ ٣٩٠)، ولم يعزه للبزار !!. (٢) البخاري (١٣١/٤). (٣) ((المسند)) (٤١١٦/٧). ٩٩ سورة البقرة النارِ إهانةً لها وإذلالاً، ونكايةً لهم وإبلاغًا في حسرِتِهِم وندامتِهِم، فإنّ الإنسانَ إذا قرنَ في العذابِ بمِنْ كانَ سببَ عذابِهِ كانَ أشدَّ في ألَمِهِ وحسرَتِهِ . ولهذا المعنى يقرنُ الكفارُ بشياطينِهِم التي أضلتْهُم. قالَ اللَّهُ تعالَى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴿١٦﴾ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ عَ (٣٨)، وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [الزخرف: ٣٦ -٣٩]. قالَ مَعْمَرٌ عنْ سعيدِ الجريريِّ في هذهِ الآياتِ: بلغنا أن الكافرَ إذا بُعِثَ يومَ القيامةِ منْ قبرِهِ، شُفِعَ بشيطانِهِ فلم يفارقْه حتى يصيرَهُما اللَّهُ إلى النارِ، فذاكَ حينَ يقولُ: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينَ﴾ [الزخرف: ٣٨]. وقالَ أبو الأشهبِ عن سعيدِ الجريريِّ عن عباسِ الجشميِّ: إنَّ الكافرَ إذا خرجَ من قبرِهِ وجَدَ عندَ رأسِهِ مثلَ السرحةِ المحترقةِ شيطانةً فتأخُذُ بيده، فتقولُ: أنا قرينتُكَ أدخلُ أنا وأنتَ جهنّم، فذاك قولُهُ: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] خرجهما ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُهُ، والسرحةُ: شجرةٌ كبيرةٌ. وقد أخبرَ اللَّهُ تعالى عن حقِ الكفارِ على من أضلَّهُم بقولِهِ: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩]. فإذا قُرن أحدُهُم بمن أضلَّه في العذابِ كانَ أشدَّ لعذابِهِ، فإنَّ المكانَ المتسعَ يضيقُ على المتباغِضينِ باقترانِهِما في المكانِ الضيقِ. وأخبرَ اللَّهُ تعالى عن اختصامِ الكفارِ معَ من كانَ معهُم من الشياطينِ ومن ١٠٠ -- سورة البقرة عبدُوه من دون اللَّه تعالى. قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ ٩٢ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ قَالُوا وَهُمْ فِيهَا وَجَنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ١٩٤ x يَخْتَصِمُونَ [٩٨ - إِذْ نُسَوِّيَكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ • تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (97﴾ ٩٦ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّ الْمُجْرِمُونَ﴾ الآيات [الشعراء: ٩١ -٩٩]. ومن جملةِ أنواعِ عذابِ أهلِ النارِ فيها: تلاعنُهم وتباغضُهم، وتبرّؤُ بعضُهم من بعضٍ، ودعاءُ بعضِهِم على بعضٍ، بمضاعفةِ العذابِ، كما قالَ اللَّه تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبََّا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ﴾ الآيات [الأعراف: ٣٨]. قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ الآيات [غافر : ٤٧ ] . وقال اللَّهُ تعالى: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ إلى قولِهِ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٥٩ - ٦٤] وحينئذ لا يبعدُ أن يقرنَ كلَّ كافرٍ بشيطانِهِ الذي أضَلَّهُ وبصورة من عَبَدَهُ من دونِ اللَّهِ من الحجارةِ. # وقالَ ابنُ أبي الدنيا: حدثنا عبدُ الله بنُ وضاحِ، حدثنا عبادةُ بنُ كليب عن محمدِ بنِ هاشمٍ، قالَ: لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]. وقرأها النبيَّ مِنَِّ فسمعَهَا شابٌّ إلى جنبهِ فصُعقَ، فجعلَ رسولُ اللّهِ وَهُ رأسَهُ في حجرِهِ، رحمةً لَهُ، فمكثَ ما شاءَ أن يمكثَ، ثم فتحَ عينيهِ، فقالَ: بأبي أنتَ وأمِّي مثلَ أيِّ شيءٍ الحجرُ؟ قالَ: ((أما يكفيكَ ما أصابَكَ، على أنَّ الحجرَ الواحدَ منها لو وُضِعَ عن جبال الدنيا كلِّها لذابتْ منهُ، وإنَّ معَ